Indexed OCR Text

Pages 221-240

٢٢١
كتاب الأذان
وأمَّا من جهة المعنى، فكما قال الترمذي: إن حديث حمَّاد لو كان صحيحًا لم يكن لهذا
الحديث معنى، إذ قال رسول الله وَله: ((إن بلالا يؤذِّن بليلٍ))، فإنما أمرهم فيما يُسْتَقْبَلُ، ولو أنه
أمره بالإِعادة حين أذَّن قبل طُلُوع الفجر لم يَقُل: ((إن بلالا يؤذِّن بليلٍ)). اهـ. وأُجِيبَ: بأن
العمل في تكرار الأذانين كان مختلفًا، فكان بلالٌ يؤذِّن بالليل، وابنُ أمّ مكتوم في الصباح، ثم
صَارَ ابنُ أم مكتوم مكان بلالٍ، فكان ابنُ أم مكتوم يؤذِّن في الليل، وبلالٌ في الصباح. هكذا
ثَبَتَ في بعض الروايات، وأخرجها الحافظ في ((الفتّح)).
وزَعَم بعضُهم فيه قلبًا من الرَّاوي، والصواب أنه ليس بقلبٍ، بل محمولٌ على (١) اختلاف
الزمانين وعليه استقرَّ رأيُ الحافظ بعد تطريقه. فإذا ثَبَتَ أنه كانَ كذلك، فلنا أن نقول: إن قولَ
النبيِّ ◌َ﴿: ((إن بلالًا يؤذِّن بليلٍ))، إنما هو في زمانٍ كان بلالُ يؤذِّن بالليلِ وابن أم مكتوم في
الصباح. وأمَّا أَمْرُه إياه أن يناديّ: ((ألا إن العبدَ قد نام)) فجاز أن يكون في زمان كان بلالُ يؤذِّن
فيه في الصباح واتفق في ذلك اليوم أنه أذَّن في الليل على عادته القديمة، أو ظنَّ أن الفجرَ قد
طَلَعَ عليه، فاحتاجٍ إلى الاعتذار عنه. فإن الأذان بالليل قد كان فَرَغَ عنه ابنُ أم مكتوم، وكان
ينبغي له ألَّا يؤذِّن إلَّا بعد طُلُوع الفجر لئلا يقع الأذانان كلاهما في الليل، فلمَّا أَذَّن هُو أيضًا
بالليل لَزِمَه أن يَعْتَذِرَ عنه، لأنه قد أذَّن قبل وقته الذي كان يؤذِّن فيه، فهذا هو وجهه، والله تعالى
أعلم.
ثم إنك قد عَلِمْتَ عن حَفْصَة رضي الله عنها: أنهم كانوا لا يؤذِّنون للصلاة إلّا بعد الفجر،
وهكذا عن الأسود في حديث عائشة رضي الله عنها، وقد مرَّ آنفًا. وأخرج الطَّحَاويُّ عن
سُفْيَان بن سعيد أنه قال له رجلٌ: ((إني أؤذِّن قبل ◌ُلُوعِ الفجر لأكون أول من يَقْرَعُ باب السماء
بالنداء، فقال سُفْيَان: لا حتى يَنْفَجِرَ الفجرُ)). وعن عَلْقَمَة عنده قال إبراهيم: ((شيَّعنا عَلْقَمَةً إلى
مكة، فخرج بليلٍ، فَسَمِعَ مؤذِّنًا يؤذِّن بليلٍ، فقال: أمَّا هذا، فقد خَالفَ سنةَ أَصحاب
رسول الله وَّ﴾، لو كان نائمًا كان خيرًا له، فإذاَ طَلَعَ الفجرُ أَذَّن)). وفي ((التمهيد))، عن إبراهيم
قال: ((كانوا إذا أذَّن المؤذِّن بليلٍ أَتَوْهُ، فقالوا له: اتقِ الله، وأَعِد أذانك)). ومن أراد التفصيل
فليراجع الزَّيْلَعِي .
ثم ههنا دقيقةٌ أخرى يجب التنبيه عليها، وهي: أن الطّحَاويّ اذَّعَى جوازَ الأكل في زمانٍ
بعد طلوع الفجر أيضًا، ووافقه الداودي المالكي شارح البخاري، وأيَّده الحافظُ رحمه الله تعالى
أيضًا، وأخرج أثرًا عن أبي بكر رضي الله عنه: ((أنه أكل بعد الفجر))، وعن حُذَيْفَة مثله كما في
((التفسير المظهري)). واستشكل الحافظُ روايةَ الباب أيضًا، وقال: إنه جَعَلَ أذانَ ابن أم مكتوم
غايةً للأكل، فلو أذَّن بعد دُخُول الصباح - كما يعلم من الرواية، وكان ابنُ أم مكتوم رجلًا أعمى
لا ينادي حتى يُقال له: أصبحت أصبحت - لَزِمَ جوازُ الأكل بعد طُلُوع الفجر، وَهُو خِلافُ ما
(١) وقد جَمَعَ ابن خُزَيْمَة والصيفي بين الحديثين باحتمال أن الأذان كان نوبًا بين بلال وابن أم مكتوم، وَجَزَمَ ابن
حِبَّان، بذلك ولم يُبْدِه احتمالًا - كذا في ((شرح الزرقاني على الموطأ)).

٢٢٢
كتاب الأذان
عليه الجمهور. فالظاهر أن حديثَ الباب مؤيِّدٌ لمن قال: إن حُرْمَةَ الأكل بتبيُّن الفجر، لا بنفس
الظُّلُوع، وهو أقوى حُجَّةً، كما قالوا. اهـ مختصرًا.
قلت: ومن بقاياه ما تسلسل في كُتُب الفِقْه من رواية جواز الأكل بعد الظُّلُوع أيضًا، كما
في ((قاضيخان))، وإن كان الأحوطُ هو التركُ. وأصل البحث في القرآن: فمنهم من أراد منه
التبيِّن التام، ومنهم من اكتفى بنفس التبيُّن، ولذا أقول: إن من أكل بعد الظُّلُوع وانتهى عنه قُبَيْل
الانتشار، فإنه يقضي فقط ولا يُكَفِّر، واستدلَّ الطَّحَاوِيُّ على ذلك بقصة زِرّ بن حُبَيْش مع حُذَيفة
في الصيام، ثم أخرج في باب التأذين قبل الفجر، عن حَفْصَة رضي الله عنها: ما مرَّ آنفًا،
ولفظه: ((إن رسول الله وسلم كان إذا أذَّن المؤذِّن بالفجر، قام فصلَّى ركعتي الفجر، ثم خَرَجَ إلى
المسجد، وحَرُمَ الطعامُ، وكان لا يؤذِّن حتى يُصْبِح)). وعند أبي داود، في باب الرجل يَسْمَعُ
النداء والإناء على يده، عن أبي هُرَيْرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله وَِّ: ((إذا سَمِعَ أحدُكم
النداءَ والإناءُ على يده، فلا يَضَعْه حتى يقضي حاجته منه)). اهـ (١).
فهذه الروايات تَدُلُّ على جواز الأكل بعد نداء الصبح أيضًا، وحينئذٍ دَعَت الضرورةُ إلى
الأذان الآخر، ليُمْسِكَ من أراد الصومَ عَمَّا يُمْسِكُ عنه الصائمون، فيمكن أن يكون تعدُّد الأذان
في ذلك الزمان، فإذا نُسِخَ الأكلُ بعد الفجر، نُسِخَ أحدُ الأذانين أيضًا، وهو الذي قبل الفجر.
وقال بعضُ العلماء: إن الأذان قبل الفجر في عهده ◌َّر كان لتعليمهم وقت السُّحُور، ثم لمَّا
عَرَفُوه تُرِكَ. هذا زُبْدَة مقالهم، وملخّص كلامهم في هذا الباب.
والذي تبيَّن لي هو أن الأذانَ الأولَ أيضًا كان للوقت كالأذان الثاني، ومن قال: إن
الأذان الأولَ لو كان للفجر لَمَا كانت حاجةٌ إلى الأذان الثاني، ففيه مصادرةٌ على المطلوب،
كيف وهذا أول النزاع؟ وقد بيَّنا في أول الكلام أن الأذانَ الثاني ليس إعادةً ليُتَوَهَّم منه إبطال
العمل، بل هو إعلامٌ بعد إعلام، وهو معقولٌ. وإنما التزم الحنفية أنه للتسحير ليَسْهُلَ الجواب
عليهم، ولذا قالوا: إنه مخصوصٌٌ برمضان.
قلتُ: ولا دليلَ عليه، وأمَّا ما قال به ابن القّان وابن دقيق العيد، فليس في أيديهما شيءٌ
أيضًا إلَّا هذا الحديث، ولا نقلَ عندهم من الخارج أنه كان مخصوصًا برمضان، وإنما أبداه من
قوله: ((فَكُلُوا وَاشْرَبُوا))، ففَهِمَا منه أنه كان للتسحير، لأن الأكل والشربَ في الليل لا يكون إلَّا
تسخيرًا، ولا يكون إلَّا فِي رمضان. وأصرحُ حُجَّةٍ عندهم على ذلك: حديث ابن مسعود رضي الله
عنه لِمَا فيه تصريحٌ بعلَّة الأذان، وهي أنه: (لِيَرْجِعَ القائمُ، ويستيقظَ النائمُ)). وحَمَلُوه على
التسحير، فَغَلِطُوا في شرحه، مع أن المرادَ من القائم ليس هو القائمُ للصلاة، بل هو الذي قام
(١) قلتُ: قال البيهقي: إن صحَّ هذا، يُحْمَلُ عند الجمهور على أنه ضَّ قاله حين كان المنادي ينادي قبل طلوع
الفجر، بحيث يَقَعُ شُرْبُه قبل طُلُوع الفجر. اهـ. قلتُ: ويُسْتَفَاد منه: أن الأذان قبل الفجر كان في زمانٍ، ثم
انقطع فيما بعده، ولذا حَمَلَه على زمان تعدُّد الأذان. فلو كان الأذانُ قبل الفجر أمرًا مستمرًا، لم تكن في قوله:
((حين كان المنادي)) ... إلخ. فائدةٌ. ثم إذا عَلِمْتَ جوازَ الأكل بعد الصبح من رواية الطَّحَاوِيِّ صراحةً، فلا
فائدة من هذا التأويل. والله تعالى أعلم.

٢٢٣
كتاب الأذان
عن فراشه، ثم ذهب لحاجته وتفرَّق في الفضاء وغيره، فمعناه أن بلالًا يُؤَذِّنُ ليَرْجِعَ هذا القائم
إلى الصلاة، وليقومَ من كان نائمًا، فيتأهَّبَ للصلاة. وعند الطَّحَاوِيِّ: ((ليرجعَ غائبكم)) بدل
قائمكم، أي من كان غائبًا، ولم يكن موجودًا في بيته، وهو أصرح في هذا المراد.
ثم رأيتُ الشافعيَّ رحمه الله تعالى شَرحَه بعين ما قلتُ. والحافظُ رحمه الله تعالى لَمَّا لَمْ
يُدْرِكْ مراده تحيّر منه، وَعَجَزَ عن جوابه، ولم يَقْدِر إلَّا على أنه لا تناقضَ في الأسباب، فجاز
أن يكونَ للتسحير أيضًا، فكأنه التزم شرحه المشهور. وأمَّا إذا عَلِمْتَ حقيقةَ الحال، لم يَبْقَ لنا
فيه استدلالٌ.
بقي حديث ابن عمر وعائشة رضي الله عنهما، فليس فيه بيانٌ لِمَا كان بلالٌ يُؤَذِّنُ له، وإنما
فيه: ((أن بلالًا يُؤَذِّنُ بليلٍ))، وأما لأي شيء هو، فلا حَرْفَ له فيه، وحَمْلُهُ على التسحير من
بداهة الوَهْم لا غير، بل فَي ◌ُطُرُقه ما يَدُلُّ على خلاف ذلك، وهو قوله في ((صحيح البخاري)):
((لا يَمْنَعَنَّكم أذانُ بلال))، فدلَّ على أن أذانه لم يكن مانعًا عن التسحير، لا أنه كان للتسحير كما
فَهِمُوه، وهل تستطيع أن تفرِّق بينهما؟ ثم إنه لا ذِكْرَ للأذان الثاني في حديث ابن مسعود رضي الله
عنه في واحدٍ من طُرُقه، وإنما فيه الأذان الواحد، وهو قبل الوقت، وليس فيه علَّةُ الأذان، بل
فيه نكتةُ التقديم، أي إن بلالًا يُؤَذِّنُ بليلٍ ويقدِّمه ليرجعَ القائم إلى الصلاة، وليتأهَّب النائمُ.
أمَّا الأذانُ، فهو لِمَا عُهِدَ في الشرع، فَطَاحَ مِا زَعَمُوه أنه للتسحير، وكفانا عن إثبات
كونه للفجر. فإن الأذانَ لم يُعْهَد عند الشرع إلَّا للصلاة، مع أنه إذا قال: حيَّ على
الصلاة، فليس معناه إلَّا أنه للوقت، وإذا كان الأمرُ كذلك، فلا يُنَاسب أن يُقَدَّم إلى نصف
الليل كما زَعَمَه النوويُّ، بل هو كما قلنا في الصبح المستطيل قبل المستطير. بقي أن
الأذانين هل كانا في رمضان خاصةً؟ فهو أيضًا مما لا دليل عليه.
أمَّا قوله: ((فَكُلُوا واشْرَبُوا))، فهو متأتٌّ على ما فرضناه خارج رمضان أيضًا، وهذا لمن
كان يريد صيام النفل، لا سِيَّما في زمن النبيِّ وَّرَ، فإن بعضَهم كان يصومُ صومَ داود، وبعضَهم
يصومُ أيامَ البيض، وآخر يصومُ الدهرَ فلا يُفْطِرُ. ولم يكونوا بقليل، فأمكن أن يكون قوله:
((فَكُلُوا واشْرَبُوا)) بالنظر إلى هؤلاء.
ويَدُلُّ على ما قلنا ما في ((المسند))، و((الكنز)): ((فمن أراد الصوم، فلا يمنعه أذانُ بلال
حتى يؤذِّن)). اهـ. فجَعَلَ الصومَ فيه بخيرته، فهل يُنَاسِبُ هذا في رمضان؟ فهو إذن لم يكن
مُخْتَصَّا برمضان كما أنه لم يكن مستمرًّا في سائر السنة، أمَّا إنه لم يكن مستمرًّا في السنة كلِّها،
فمما يَدُلُّ على ذلك ما في ((السنن)): ((إن النبيَّ ◌ََّ حذَّر في أمر الجماعة مرةً وعظّم أمرها،
وخَفَضَ فيها وَرَفَعَ، فقال ابن أم مكتوم: إني رجلٌ أعمى، وليس لي قائدٌ، فهل لي رُخْصَةٌ؟
قال: نعم، ثم سأله أنه هل يَسْمَعُ التأذين؟ قال: نعم، فلم يرخِّصه في ترك الجماعة)). فهذا
صريحٌ أنه لم يكن يؤَذِّن دائمًا، وفيه دليلٌ على أن لسماع الأذان مزيدَ دَخْل في حضور الجماعة.
وفي ((الطبقات)) لابن سعد: ((إن بلالًا كان يُؤَذِّن إذا حَضَر بالمدينة، وإذا غَاب أَذَّن ابنُ أم
مكتوم، وكان بلالُ إذا أذَّن أذَّن قبل الوقت)). نقله عن الواقدي، وهو أعلم بهذه الأشياء.

٢٢٤
كتاب الأذان
وبالجملة إني متردِّدٌ في ثُبُوت استمرار تعدُّد الأذان، ثم في أنهما كانا في مسجدين أو في
مسجدٍ واحدٍ، فإن كانا في مسجدين خَرَجَ عمَّا نحن فيه، ولا دليلَ عليه في قول عائشة رضي الله
عنها: (لم يكن بين أذانيهما إلَّا قدر ما يَنْزِلُ هذا وَيَصْعَدُ هذا)). وليس فيه إلَّا شِدَّة التقارُبِ بينهما،
لا أنهما كانا في مسجدٍ واحدٍ، ومن العجائب ما في ((الوفاء)» من الاكتفاء بأذانٍ واحدٍ (١) لجميع أهل
المدينة، وكان في المدينة يومئذٍ تسعُ مساجدَ، وكلُّهم كانوا يصلّون على أذان بلال، وليس مَذهبًا
لأحدٍ، ثم إني أجدُ في أحاديثٍ عدمَ رِضَاء النبيِّ ◌َّ بأذانه قبل الفجر، وهذا حيث كان الأذانُ
واحدًا، وهو كما أسلفناه عن الطَّحَاويِّ: ((لَا يَغُرَّنَّكم أذانُ بلال، فإِن في بصره شيئًا))، وهذا يَدُلُّك
ثانيًا على أن أذانَ بلال قبل الفجر لم يكن للتسحير كما فَهِمُوه، وإلّا لَمَا احتاج إلى الاعتذار عنه:
((بأن في بصره سوء»، بل كان للفجر، ثم كان يقدِّمه لسوء في بصره، فأمر الناسَ أن يتحقَّقوا الفجر
بأنفسهم. وكذلك ما مرَّ عن حَفْصَة رضي الله عنها، والأسود عند الطَّحَاوِيِّ: ((أنه كان لا يُؤَذِّنُ حتى
يُصْبِحَ))، وعند أبي داود: ولا تُؤَذِّنْ حتى يَسْتَبِينَ لك الفجرُ)). قال أبو داود: وهو منقطعٌ.
قلتُ: وقد أخرجه الحافظُ ضياء الدين المقدسي في ((مختاراته))، فلا بدَّ أن يكون قابلًا
للعمل، وهو عندي بإسنادٍ قوي أيضًا. والحاصل: أني متردّدٌ في كون هذين الأذانين في مسجدٍ
واحدٍ، وفي استمرارهما سائر السنة، والذي تَلَخَّصَ عندي: أن الأذانين حين كان ينادى بهما
كانا للصلاة قطعًا لا للتسحير، نعم لم يكن الأول مانعًا عن التسحير بخلاف الثاني.
وعلى هذا ينبغي أن يُؤَوَّلَ ما رُوِيَ عن محمد (٢): ((أن الأذانَ الأولَ كان للتسحير))، بأن
(١) قال الشيخ بدر الدين العَيْنِي رحمه الله تعالى في باب قول الله عز وجل: ﴿وَمَا كَانَ اللّهُ لِيُضِيعَ إِيمَنَّكُمْ﴾ [البقرة:
١٤٣] ... إلخ. أنه روى أبو داود مُرْسلًا، عن بُكَيْر بن الأَشَجّ: إنه كان بالمدينة تسعةُ مساجدَ مع مسجد
رسول الله ◌ََّ، يَسْمَعُ أهلُهَا أذانَ بلالٍ رضي الله عنه على عهد رسول الله ◌ََّ، فيصلُّون في مساجدهم، ثم فَصَّلَ
تلك المساجد التسعة. انتهى. وفي ((الوفي)) نقل الأقشهري عن المحب الطبري: ((أنه ذَكَرَ المساجد التي كانوا
یصلُّون فيها بأذان بلال رضي الله عنه اهـ.
(٢) قال محمد بن الحسن في كتاب ((الحجج)): قيل لهم: إنما كان يَصْنَعُ هذا بلالُ رضي الله عنه في شهر رمضان
ليتسخّر الناسُ بأذانه، ويكتفي الناسُ بأذان ابن أم مكتوم لصلاة الفجر، لأنه قد جاء حديثٌ آخر يَدُلُّ على أن
بلالًا رضي الله عنه إنما كان يَصْنَعُ ذلك لسُحُور الناس في شهر رمضان خاصةً، لأنه بلغنا: ((أن بلالًا رضي الله
عنه أَذَّن بليلٍ، فأمره رسول الله وَّرَ أن ينادي: أَلَّا إن العبدَ قد نام)). ولكن الأمر الذي رويتم كان في شهر
رمضان، والأمر الآخر من كراهية رسول الله ◌َ ﴿ لأذانه بليلٍ كان في غير شهر رمضان. أخبرنا عبَّاد بن العوَّام
قال: أخبرنا سليمان التيمي، عن أبي عُمَيْر، عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله وَّه: ((لا يَمْنَعَنَّ
أحدًا منكم من سحورهٍ أذانُ بلالٍ رضي الله عنه، فإنه إنما ينادي ليرجع قائمكم، ويوقظ نائمكم)). أو: (ينبه
نائمكم)) ... إلخ الحديث.
قال محمد بن الحسن: أخبرنا سعيد بن أبي عَرُوبة، عن قتادة عن الحسن البصري: ((أن منادي رسول الله بثلو لم يكن
يُؤَذِّن لصلاة الصبح حتى يَطْلُعَ الفجرُ»، وعن بلال رضي الله عنه مؤذِّن رسول الله ◌َّة: ((أنه كان لا يؤذِّن لصلاة الفجر
حتى يَرَى الفجر)). انتهى. قال الشيخُ رحمه الله تعالى: وربما رأيت أن أصلَ كلام الطحاويِّ يكون من محمد رحمه الله
تعالى، فيكون في كلامه لفظً، ثم يَبْسُطُه الطحاويُّ ويقرِّره، وقد جرَّبت عنه مثله في مواضع. ثم إنهم اختلفوا في
كتاب ((الحجج)): فقيل: إنه من خطّ محمد بن الحسن رحمه الله تعالى، وقيل: من خط تلميذه أبي عمران.

٢٢٥
كتاب الأذان
معناه: لم يكن مانعًا عن التسخير. ثم إن اكتفى بأذانٍ واحدٍ، كان المطلوبُ فيه أن يكونَ بعد
الفجر، فإن وَقَعَ قبل الفجر بقليلٍ أَغْمَضَ عنه، ولم يرض به، وهو قوله ◌َّ: ((لا يَغُرَّنَّكُمْ أذانُ
بلالٍ، فإن في بصره سوءً)). ففيه نداءٌ على عدم رضائه مع الإغماض عنه، وإن تقدَّم على وقته
المعهود بزمنٍ طويلٍ لم يُغْمِض عنه، ولم يتركه حتى ينادي: ((إن العبدَ قد نام)). فحَمْلُه عندي:
إذا قدَّمه على ما كانَ من عادته أيضًا، ثم لم يأمره بالإعادة.
فيُسْتَفَاد من الأحاديث: جواز الأذانين للفجر، مع كون الأول قبل الوقت. ويُسْتَفَاد: أن .
المطلوبَ كونهُ بعده إن اكتفى بالواحد، ولا إعادة إن قدَّم بقليلٍ .
ومحصَّل الكلام بعد هذا التطويل والإسهاب بحيث يَمَلُّ منه النُّظَّارُ، وتَكِلُّ منه الأنظارُ: أن
الحديث لم يُوَافِقِ الحنفية بتمامه، كما أنه لم يُوَافِقِ الشافعية بتمامه، لأنه ليس فيه: أن أذان
الفجر إن تقدَّم على الوقت، وَجَبَ إعادته، كما في فِقْهِنَا، وكذلك ليس فيه: الأذان قبل الفجر
مطلقًا، كما كَتَبَه الشافعية، والأصوبُ في الجواب: أنه ثَبَتَ الأمران، إلّا أن الأمرَ انتهى إلى:
أن لا يؤذِّن للفجر حتى يَسْتَبِينَ(١) ولعلَّ بعض القطعات من تلك القصة لم تَصِلْ إلينا، فانْخَرَمَ به
المراد.
١٢ - باب الأذَانِ بَعْدَ الفَجْرِ
٦١٨ - حدّثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ نَافِعِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ
عُمَرَ قَالَ: أَخْبَرَتْنِي حَفِصَةُ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِوَيِِّ كَانَ إِذَا اعْتَكَفَ المُؤَذِّنُ لِلصُّبْحِ، وَبَدَا
الصُّبْحُ، صَلَّى رَكْعَتَينٍ خَفِيفَتَينٍ قَبْلَ أَنْ تُقَامَ الصَّلَاةُ. [الحديث ٦١٨ - طرفاه في: ١١٧٣، ١١٨١].
٦١٩ - حدّثنا أَبُو نُعَيم قَالَ: حَدَّثَنَا شَيْبَانُ، عَنْ يَحْيِى، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ عَائِشَةَ:
كَانَ النَّبِيُّ ◌َّهِ يُصَلِّي رَكْعَتَينٍ خَفِيفَتَينِ بَيْنَ النِّدَاءِ وَالإِقَامَةِ مِنْ صَلَاةِ الصُّبْحِ. [الحديث ٦١٩ -
طرفه في: ١١٥٩].
٦٢٠ - حدّثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنْ عَبْدِ
(١) قلتُ: وَتَدُلُّ عليه رواياتٌ عديدةٌ ذُكِرَت في ((الكنز))، لا أدري أنها صحيحةٌ أو سقيمةٌ، إلَّا أني وجدتها في تذكرة
للشيخ عندي، فرأيت أن لا أَضِنُّ بها. عن الحسن قال: هل كان الأذانُ على عهد رسول الله ◌ِّ إلَّ بعدما طَلَعَ
الفجرُ، أَذَّن بلالُ، فأمره النبيُّ ◌ِه، فَصَعِدَ فنادى: إن العبد نام)). (ص) ((كنز العمال)) عن عُرْوَة، عن امرأة من
بني نجَّار، قالت: ((كان بيتي أطول بيتٍ حول المسجد، وكان بلالُ يؤذِّنُ عليه الفجر كل غداة، فيأتي بسَحَرٍ ،
فيجلس على البيت ينتظر الفجر، فإذا رآه تمّى ثم يُؤَذِّنُ)) (أبو الشيخ في الأذان) («كنز العمال)).
عن بلال مُؤَذِّن رسول الله وَّةِ: ((أنه كان لا يؤذِّنُ لصلاة الفجر حتى يَرَى الفجرَ)) (ص) ((كنز العمال)). وفي مسند
ثَوْبَان - مولى رسول الله ◌َّةُ: «أذِنْتُ مرةً فدخلت على النبيِّ ◌َّ فقلت: قد أَذِّنْتُ يا رسول الله، فقال: لا تُؤَذِّنْ
حتى تُصْبِحَ، ثم جئته أيضًا، فقلتُ: قد أَذِّنْتُ، فقال: لا تُؤَذِّنْ حتى تَرَى الفجرَ، ثم جئته الثالثة، فقلتُ: قد أَذَّنْتُ،
فقال: لا تؤذِّن حتى تَرَى هكذا، وجمع بين يديه، ثم فرَّقهما)). (عب) ((كنز العمال)) عن سُوَيْد بن غَفَلة قال: ((كان
بلالٌ لا يثوِّب إلاَّ في الفجر، وكان لا يؤذِّن حتى يَنْشَقَّ الفجرُ)) (ش) ((كنز)).

٢٢٦
كتاب الأذان
اللَّهِ بْنِ عُمَرَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَيِّ قَالَ: ((إِنَّ بِلَالًا يُنَادِي بِلَيلٍ، فَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يُنَادِيَ
ابْنُ أُمُّ مَكْتُومٍ)).
عَكَسَ المصنّف رحمه الله تعالى في وضع التراجم، فبؤَّب بالأذان بعد الفجر أولًا ،
وبالأذان قبله ثانيًا إيماءً إلى أنه لا مَنَاص عن الأذان بعد الفجر، سواء أذَّن قبله أو لا . ومن ههنا
عُلِمَ أن ما ذَهَبَ إليه الشافعيُّ رحمه الله تعالى من الاكتفاء بالأذان الأول فقط، والحنفية من نفي
الفائدة في ذلك الأذان(١) أصلًا، ليس بسديدٍ: فإن الأذانَ بعده مما لا بدَّ منه، وقبله مفيدٌ ولو
في الجملة مثل التهيؤ لها وغيره.
٦١٨ - قوله: (إذا اعْتَكَفَ) ... إلخ، فَهِمَ منه المصنِّف رحمه الله تعالى: أن اعتكافه كان
لارتقاب طُلُوع الصبح ليؤذِّنَ حين يتبيَّن له، ولذا ترجم عليه بالأذان بعد الفجر.
قوله: (ركعتين خفيفتين) حتى تردَّدت عائشةُ رضي الله عنها: أنه هل قَرَأَ فيها شيئًا، أم لا؟
ورُوِيَ مثله عن ابن عمر رضي الله عنه، إلَّا أنه علَّله أبو نصر، ووجهُ إعلاله: أنه رُوِيَ عنه مرةً:
(أنه رآه يقرأ فيهما بسورة الإخلاص إلى شهرين))، ورُوِي عنه أخرى: ((أنه لم يَرَه هو، بل بَلَغَه
عن أخته حَفْصَة رضي الله عنها، لأنه وَّر كان يصلِّيهما في بيته، ولم يكن يَدْخُل عليه في تلك
الساعة أحدٌ)).
١٣ - باب الأَذَانِ قَبْلَ الفَجْرِ
٦٢١ - حدّثنا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ قَالَ: حَدَّثَنَا زُهَيرٌ قَالَ: حَدَّثَنَا سُلَيمانُ التَّيمِيُّ، عَنْ
أَبِي عُثْمانَ النَّهْدِيِّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ، عَنِ النَّبِيِّ وََّ قَالَ: (لَا يَمْنَعَنَّ أَحَدَكُمْ - أَوْ
(١) واعلم أن قاضي القضاة أبا يوسف رحمه الله تعالى لَمَّا رَحَل لزيارة البيت - وكان معه هارون الرشيد أيضًا - نَاظَرَ
مالِكًا رحمه الله تعالى في ◌ِدَّة مسائل، منها: في سجدة السَّاهِي: إنها قبل السلام، أو بعدها، فأجابه مالك
رحمه الله تعالى كما كان مذهبه: إنها إن كانت لنقصانٍ، فليسجدها قبل السلام. وإن كانت لزيادةٍ، فبعد السلام.
فقال له أبو يوسف رحمه الله تعالى: إن وَقَعَ السهو بكلا النحوين، فماذا يفعل؟ فَسَكَتَ مالكٌ رحمه الله تعالى،
فقال أبو يوسف رحمه الله تعالى: الشيخُ قد يخطىء، وقد لا يصيب، ولم يسمعه مالك رحمه الله تعالى، وَفَهِمَ
أنه قال: الشيخ قد يخطىء، وقد يصيب. ولذا انصرف مالك رحمه الله تعالى إلى وجهه، فَضَحِكَ الناسُ، فقال
مالك رحمه الله تعالى: وهذا جزاء الشيخ الذي نَاظَر مع شابٍ: وكان أبو يوسف رحمه الله تعالى إذ ذاك شابًا.
وفيه منقبة لمالك رحمه الله تعالى أنه كيف تحمَّل وأبدى الوقار.
فلمَّا رَجَعَ أبو يوسف رحمه الله تعالى من سفره، رَجَعَ عن عدَّة مسائل: الأولى في الأذان قبل الفجر، ولم يَرَ فيه
الإعادة، والثانية مسألة الوقف، والثالثة مسألة الصاع. وفي ((شرح الجامع الصغير)): إن رجوعه كان لكمال ديانته،
فإنه لمَّا رَأَى العملَ ببلدة الرسول خلاف ما كان يقول به رَجَعَ عنه. انتهى معرِّبًا في تقرير الفاضل عبد العزيز من
كلام الشيخ رحمه الله تعالى. وقد ذكر قصة أبي يوسف رحمه الله تعالى صاحب ((الكفاية)) عن مبسوط شيخ
الإسلام، وفيه: الشيخ تارةً يخطىءُ، وتارةً لا يُصِيب. وليس فيه جواب مالك رحمه الله تعالى، وهو في خزانته:
((الروايات))، وفيه: هذا جزاء من لم يَمُتْ مع أقرانه.

٢٢٧
كتاب الأذان
أَحَدًا مِنْكُمْ - أَذَانُ بِلَالٍ مِنْ سَحُورِهِ، فَإِنَّهُ يُؤَذِّنُ - أَوْ يُنَادِي - بِلَيْلِ، لِيَرْجِعَ قائِمَكُمْ، وَلِيُنَبِّهَ
نَائِمَكُمْ، وَلَيسَ أَنْ يَقُولَ الفَجْرُ، أَوِ الصُّبْحُ)). وَقَالَ بِأَصَابِعِهِ، وَرَفْعَهَا إِلَى فَوْق، وَطَأْطَأَ إِلَى
أَسْفَل: ((حَتَّى يَقُولَ هكذا)) وَقَالَ زُهَيْرٌ بِسَبَّابَتَيِهِ، إِحْدَاهُما فَوْقَ الأُخْرَى، ثُمَّ مَدَّهُمَا عَنْ يَمِينِهِ
وَشِمالِهِ. [الحديث ٦٢١ - طرفاه في: ٥٢٩٨، ٧٢٤٧].
٦٢٢، ٦٢٣ - حدّثنا إِسْحاقُ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو أُسَامَةَ قَالَ: عُبَيْدُ اللَّهِ حَدَّثَنَا: عَنِ
القَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ عَائِشَةَ. وَعَنْ نَافِعِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ مَِّ قَالَ: (ح).
قَالَ: وَحَدَّثَنِي يُوسُفُ بْنُ عِيسى المَرْوَزِيِّ قَالَ: حَدَّثَنَا الفَضْلُ قَالَ: حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ
عُمَرَ، عَنِ القَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ عَائِشَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ◌َ﴿ أَنَّهُ قَالَ: ((إِنَّ بِلَالَا يُؤَذِّنُ بِلَيلٍ،
فَكُلُوا وَاشَرَبُوا حَتَّى يُؤَذِّنَ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ)). [طرفه في: ٦١٧].
لا يُقَال: إن الأذانين لو كانا بكلماتٍ واحدةٍ لَمَا حَصَلَ التمييزُ بينهما، ولَمَا أفاد تأذينُ
ابن أم مكتوم فائدةً، فَلَزِمِ أن يكونا بكلماتٍ مختلفةٍ بحيث لا يَغْتَرُّ الصائمُ بالأذان الأول، ثم إذا
سَمِعَ الأذانَ الثاني يُمْسِكُ عَمَّا يُمْسِكُ عنه الصائمون، لأنا نقول: إن التمايُزَ يَحْصُل من تِلْقَاء
أصواتهما، وإن لم يَحْصُل من جهة كلماتهما، وأن الأذانين لو كانا بكلماتٍ مختلفةٍ ولم يكن
بينهما التباسٌ على زعمكم، فما معنى قوله: ((لَا يَغُرَّنَّكم أذانُ بلال))، فإنه يَدُلُّ على أن أذانه كان
بحيث لو اغترَّ منه مُغْتَرٌّ لاغتَرَّ، فَدَلَّ على وَحْدَة كلماتهما على طوركم أيضًا .
١٤ - باب كَمْ بَينَ الأَذَانِ وَالإِقامَةِ وَمَنْ يَنْتَظِرُ الإِقامَةَ
٦٢٤ - حدّثنا إِسْحَاقُ الوَاسِطِيُّ قالَ: حَدَّثَنَا خالِدٌ، عَنِ الجُرَيْرِيِّ، عَنِ ابْنِ بُرَيدَةً،
عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلِ المُزَنِيِّ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَِّ قَالَ: ((بينَ كُلِّ أَذَانَيْنِ صَلَاةٌ - ثَلَاثًا -
لِمَنْ شَاءَ)). [الحديث ٦٢٤ - طرفه في: ٦٢٧].
٦٢٥ - حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَارٍ قَالَ: حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قَالَ: سمِعْتُ
عَمْرَو بْنَ عامِرِ الأَنْصَارِيَّ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مالِكٍ قَالَ: كانَ المُؤَذِّنُ إِذَا أَذَّنَ، قَامَ نَاسٌ مِن
أَصْحَابِ النَّبِّ وَّهِ يَبْتَدِرُونَ السَّوَارِيَ، حَتَّى يَخْرُجَ النَّبِيُّ ◌َهَ وَهُمْ كَذلِكَ، يُصَلُّونَ الرَّكْعَتَينِ
قَبْلَ المَغْرِبِ، وَلَمْ يَكُنْ بَيْنَ الأَذَانِ وَالإِقامَةِ شَيءٌ. قَالَ عُثْمَانُ بْنُ جَبَلَةَ، وَأَبُو دَاوُدَ، عَنْ
شُعْبَةَ: لَمْ يَكُنْ بَينَهُمَا إِلَّا قَليلٌ. [طرفه في: ٥٠٣].
وقدَّره الحنفية (١) بقَدْر أن يقضي الرجلُ حاجَتَه، ويَرْجِعَ إلى الصلاة، وأقلُّه أن يُصَلِّي فيه
أربع ركعات إلَّ في المغرب، فإنه يُسْتَحَبُّ فيها التعجيل مهما أمكن. وقال ابن الهُمَام رحمه الله
تعالى: يَنْتَظِرُ فيها أيضًا بقدْر ركعتين لورود الحديث فيه، وذهب إلى إباحتها كما في ((القنية))
(١) أخرج الترمذيُّ عن جابر في حديثه: ((واجعل بين أذانك وإقامتك قَدْرَ ما يَفْرُغُ الآكِلُ من أكله، والشاربُ من
شُرْبه، والمُعْتَصِرُ إذا دَخَلَ لقضاء حاجته)). قال الترمذيُّ: وإسنادُهُ مجهولٌ.

٢٢٨
كتاب الأذان
أيضًا. وفي عامة الكُتُب: إن الصلاةَ قبل المغرب مكروهةٌ والأوجه ما اختاره ابن الهُمَام، وإليه
ذَهَبَ مالكٌ رحمه الله تعالى. وقال الشافعيُّ رحمه الله تعالى: يُصَلِّي ويتجوَّز فيهما، وعن أحمد
رحمه الله تعالى: أنه صلَّهما مرةً، ثم لم يستمر عليهما، كما يُعْلَمُ من («مسنده)). وفي العيني:
أنه لم يصلُّها إلَّا مرةً حين بَلَغَه الحديث، وهكذا عُرِفَ من عادات المحدِّثين: أنهم كانوا يعملون
بالحديث مرةً حين يَبْلُغُهم وإن لم يَذْهَبُوا إليه ولَمَ يختاروه، وإنما يَبْتَغُون بهذا الطريق سبيل
الخروج عن عُهْدَتِهِ. ونَقَّلَه الحافظ في ((الفتح))، وفيه سهوٌ، فكَتَبَ: حتى بَلَغَه الحديث، مكان
((حين)) فانقلب منه المراد. والصواب كما في العَيْنِي، كَمَا يَتَّضِحُ من ((مسند أحمد)» رحمهم الله
تعالی .
والحديثُ حُجَّةٌ للشافعية، وأصرح منه ما عند البخاري في باب الصلاة قبل الغروب،
ولفظه: ((صَلُّوا قبل صلاة المغرب، قال في الثالثة: لمن شاء، كراهية أن يتخذها الناسُ سنةً)).
اهـ. لأن فيه صيغةَ الأمر، وأدناها أن تُحْمَل على الاستحباب، ولأن فيه تصريحًا بصلاة
المغرب بخلاف حديث الباب، فإنه إن صَدَقَ عليها، صَدَقَ بعمومه. وقد عَلِمْتَ أن التمسُّك
بالعموم دائمًا عندنا ليس بذاك. وأجاب عنه الحنفية رحمهم الله تعالى: أن المرادَ من الأذانين
الأذانان في الوقتين للصلاتين، فاستقام الحديث على مذهبنا أيضًا، وليس بجيدٍ عندي، لأن
المراد منه هو الأذان والإقامة تغليبًا. والحديثُ على طورهم يَصِيرُ قليل الجدوى، فإنه أمرٌ
بديھي .
والصواب في الجواب ما اختاره ابن الهُمَام من التزام الإباحة، وعليه تُحْمَلُ صيغة الأمر،
لأنها وَرَدَت في صلاةٍ تَضَافَرَت الروايات بتعجيلها - أعني المغربَ - وحينئذٍ يَتَبَادَرُ الذهنُ أن لا
يصلِّي قبلها بصلاة، فإذن لا تكون إلَّا لبيان الإباحة، ورفع إبهام الحظر، لا سِيَّما إذا كان فيه
لفظ: (لمن شاء))، و ((كراهية أن يتخذها الناسُ سنةً)). والفرق في الأحاديث بالاستحباب
والسنية غير نافع.
وعند أبي داود في باب الصلاة قبل المَغْرِب، عن أنس بن مالك قال: ((صلَّيت الركعتين
قبل المغرب على عهد رسول الله وَّ، قال: قلتُ لأنس: أرآكم رسول الله وَّةَ؟ قال: رآنا، فلم
يأمرنا، ولم ينهانا)). وهذا هو معنى الإباحة. وما يَحْكُمُ به الخاطر الفاتر أن الحديثَ على
وجهه، هو الحديثُ العامُّ، وأراد الراوي أن يُجْرِيَ عمومه على المغرب، لأن المسألةَ عنده
هكذا كانت، فأخْرَجَ المغرب من الخمس، وأدْخَلَها تحت حكم الحديث العامِّ، ورَّب منه
عبارةً كما رأيت. وهذا بالحقيقة رواية المعنى، لا الرواية بالمعنى. وحاصلهُ: أن الروايةَ
بالمعنى هي التي يَقْصُد بها الراوي سَرْدَ الرواية بألفاظها، فلم تَحْضُرْهُ الألفاظ، فرواها على
المعنى، أي مراعيًا للألفاظ .
وأمَّا رواية المعنى: فهي أن لا يَقْصُدُ سردَ الألفاظ من أول الأمر، بل يَقْصُدُ إعطاء المراد
الجملي، كما يَقْصُد في المجالس العامة كالوعظ وغير ذلك، فيروي المعنى فقط إلقاءً للمراد
بدون تعرُّض إلى الألفاظ. وإنما حَمَلَني على ذلك حكم الوجدان، ولأن الحديث في عامة

٢٢٩
كتاب الأذان
ألفاظه لا يُوجَدُ إلَّ على اللفظ العام، ولاشتراك الإسناد في الموضعين، ولنقل ابن الجوزيِّ في
كتاب ((الناسخ والمنسوخ))، عن الأَثْرَم تلميذ أحمد رحمه الله تعالى: أنه معلولٌ. ثِم وَرَدَت في
الحديث العامِّ زيادةٌ عند الدارقطني و((مسند البزار)) هكذا: ((بين كلٍ أذانين صلاةٌ إلَّا المغرب)».
اهـ. وهو عجيبٌ، فإن استثناء المغرب يُنَاقِضُ صراحةً قوله: ((صَلَّوا قبل المغرب)). ولا يلتقي
الأمرُ بها مع استثنائها حتى يلتقي السَّهلُ مع السُّهَا .
قيل: في إسناد الاستثناء حَيَّن بن عبد اللهِ، وقال ابن الجوزيّ: إنه كذَّابٌ، ومَرَّ عليه
الزَّيْلَعِيُّ وقال: إنه اثنان: ابن عبد الله: وهو كذَّابٌ، وابن عُبَيْد الله: وهو ثقةٌ، ونقل عن
البزار: أن حيان ههنا هو ابن عُبَيْد الله، وهو بصريٌّ ثقة. ومرَّ عليه السيوطي في ((اللآلىء
المصنوعة))، وقال: وسها ابن الجوزيِّ في حكمه بالوضع، ثم قرَّره بما مرَّ (١). فالروايةُ
صحيحةٌ، ويقضي العجب من مثل الحافظ حيث نَقَلَ عبارةً ابن الجوزيِّ، ولم يَنْقُل عبارةَ
البزَّار، ولا وجهَ له غير أنه كان فيه نفعٌ للحنفية ولا يريده، وإلا فالحافظُ ليس غافلًا عن هذه
الأشياء، والله المستعان.
قلتُ: ولعلَّ الحديثَ كان بدون الاستثناء، إلّا أن الراوي لمَّا لم يُشَاهد بهما العمل،
ألحق به الاستثناء من قِبَل نفسه، كما فعل ابن عمر رضي الله عنه، وبنى نفيه على انتفاء
المشاهدة عنده. فعند أبي داود قال: «سُئِلَ ابن عمر رضي الله عنه عن الركعتين قبل المغرب،
فقال: ما رأيتُ أحدًا على عهد رسول الله وَلهم يصلِّيهما)) ... إلخ. فليس عنده غير تلك
المشاهدة، فبنى عليها النفي. وهكذا حالُ من زاد الاستثناء، فإنما زاده لأجل أنه افتقد بهما
العملَ، لا أنه كان مرويًا عنده جزئيًا .
وتحصَّل من المجموع: أن في الباب ثلاث روايات: الأولى: الحديث العام بدون تعرُّض
(١) قلتُ: ونأتيك بعبارة ((اللآلىء)) برُمَّتِهَا: البزار: حدَّثنا عبد الواحد بن غِيَاث: حدثنا حَيَّان بن عُبَيْد الله، عن
عبد الله بن بُرَيْدَة، عن أبيه: أن النبيَّ ◌َّه قال: ((بين كل أذانين صلاة إلَّ المغرب)). لا يَصِحُ حَيَّان: كذَّبه
الفَلَاس. قال البزَّار بعد تخريجه: لا نعلم رواه إلّ حَيَّان، وهو بصريٌّ مشهورٌ ليس به بأس. قال الهيثمي في
((مجمع الزوائد)): لكنه اختلط. وذكره ابن عدي في ((الضعفاء)). انتهى. وحيان هذا غير الذي كذَّبه الفَلَّاس، ذاك
حَيَّان بن عبد الله - بالتكبير - أبو جَبَلة الدارمي، وهذا حيَّان بن عبيد الله - بالتصغير - أبو زهير البصري، ذكرهما
في ((الميزان)):اهـ. وهكذا هو عند البيهقيِّ حَيَّن بن عُبَيْد الله - مصغرًا .. ثُمَّ نَقَلَ السيوطي عن ابن خُزَيْمة أن
حَيَّان بن عُبَيْد الله هذا قد أخطأ في الإسناد، ثم ذَكَرَ خطأه، ثم قال: ولعلَّه لما رَأَى العامةَ لا تُصَلِّيٍ قبل
المغرب، توهَّمَ أنه لا يُصَلَّى قبل المغرب، فزاد هذه الكلمة في الخبر. وازدد علمًا بأن هذه الرواية خطأً: أنَّ
ابن المبارك قال في حديثه عن كَهْمَس: «فكان ابن بُرَيْدَة - وهو أحد رواته - صلّى قبل المغرب ركعتين)). فلو كان
ابنُ بُرَيْدَة سَمِعَ عن أبيه، عن النبيِّ وََّ هذا الاستثناء الذي زاد حَيَّان بن عُبَيْد الله في الخبر: ((ما خلا صلاة
المغرب))، لم يكن يُخَالِف خبرَ النبيِّ ◌َّ اهـ.
والله دَرُّه ما ألطف كلامه، ولذا أتحفناك به. وهذا أوضحُ القرائن على كون تلك الزيادة من حَيَّن، فإنها لو كانت
مرويةً ممن فوقه من ابن بُرَيْدَة، لم يكن ابن بُرَيْدَة ليصليها مع كون تلك الزيادة عنده، فدلَّ على أن من صلَّها،
فقد عَمِلَ بالمرفوع، ومن تَرَكَهَا، فلأجل أنه لم يُشَاهِد العمل بهما.

٢٣٠
كتاب الأذان
إلى المغرب نفيًا وإثباتًا (١)، والثاني: الأمر بها جزئيًا، والثالث: استثناؤها عن الخمس. والذي
يَدُور بالبال - وإن لم يكن له بال - أن الحديثَ المرفوعَ هو الحديثُ العامُّ، ثم من كان مذهبُهُ
الصلاة قبل المغرب، رواها على اللفظ الثاني على طريق رواية المعنى وبيانًا للمسألة، لا على
شاكلة سَرْد الرواية. ومن استثناها عن الخمس نظر إلى الخارج، ولمَّا لم يَجِدْ فيه أحدًا يَعْمَلُ
بهما، أَخرجهما عن الأمر بالصلاة لا محالة، لا أن الاستثناء مرفوعٌ عنده، أَلَا تَرَى أن ابن عمر
رضي الله عنه لمَّا سُئِلَ عنهما لم يأتِ بصريح النهي عن النبيِّ بَّ، وإنما نفاهما بناءً على
مشاهدته وفُقْدَان العمل، هكذا فليفهم حال الاستثناءِ. ثم لم يَذْكُر راوٍ من رواة هذه الرواية أن
واحدًا منهم كان يعمل بهما. وهذا يحقّق أن من صلَّى بهما، فقد عَمِلَ بألفاظ الحديث، ومن
تَرَكَهُمَا، فقد نَظَرَ إلى المشاهدة(٢)
وبالجملة إن مذهب الإمام هو المذهبُ المنصورُ، وإليه ذهب الجمهور، كما صرَّح به
النووي. ثم إنه مع التصريح بعمل الخلفاء الأربعة وغيرهم على الترك، أراد أن يَرُدَّ على أبي
حنيفة رحمه الله تعالى، فلينظر هل يُنَاسب هذا بعد ذلك؟ وإن تعدلوا هو أَقْربُ للتقوى. والله
المستعان. وما تحصَّل عندي: أنهما قد عُمِلَ بهما في زمنٍ، ثم انتهى العملُ بالترك، كما مرَّ عن
ابن عمر رضي الله عنه. وعند النسائي في باب الرخصة في الصلاة قبل المغرب: ((أنَّ أبا تميم
الجَيْشَانِيَّ قام لِيَرْكَعَ ركعتين قبل المغرب، فقلتُ لِعُقْبَةَ بن عامرٍ: انظر إلى هذا، أيَّ صلاةٍ
يُصَلِّي؟ فالتفتَ إليه فرآه، فقال: هذه صلاة كنا نُصَلِّيها على عهد رسول اللهِ وَه. اهـ. فَثَبَتَ منه
الجزآن، أي أنها كانت في عهد النبيِّ ◌َّ﴾، ثم انقطع بهما العمل حتى أفضى إلى الإنكار
عليهما. أَلَا ترى إلى قوله: ((أيَّ صلاةٍ يُصَلِّي؟)) كيف يَتَسَاءلُ عنها كأنه لا يَعْرِفُ أصلها .
بقي عَمَلُ أبي تميم، فتلك أذواق للناس: فمنهم من لا يُحِبُّ أن يَتْرِكَ ما عُمِلَ به في
عهده بَّ مرةً، ويُوَاظِبُ عليهِ، ويراه مُؤَكَّدًا لنفسه. ومنهم من يُرَاعِي السُّنَّةَ الأخيرة، فالأخيرةُ
وهي ما استقرَّ (٣) عليها عملُهُ بَّةِ، وعَمِلَ بها أصحابُهُ نَّ بعده، وقد عُرِفَ من أمر أصحابه
(١) قلتُ: وكثيرًا ما وَقَعَ مثله في أحاديث، فمن أمثلته ما رُوي عن أبي هُرَيْرة رضي الله عنه: ((إذا أُقِيَمتِ الصلاةُ،
فلا صلاةَ إلَّ المكتوبةَ)). فالحديثُ المعروفُ هو هذا، ثم جاء بعضُ الرواة، فزاد فيه: ((إلَّا ركعتي الفجر))، وجاء
بعضٌ آخر، فروى: ((ولا ركعتي الفجر)»، فأورث على الناس تخليطًا. والأصل أن مذهبهما اختلط مع المعروف
فأوحش طول، وسيجيءُ تفصيله.
(٢) قلتُ: وفي ((العرف الشذي)): أن البزار وابن شاهين ذهبا إلى نسخهما لورود الاستثناء، فدلَّ على صحته عندهما،
كذا في كتاب ((الناسخ والمنسوخ))، ثم اعلم أن ابن شاهين مُعَاصِرُ الدارقطني.
(٣) يقول العبدُ الضعيفُ: وكان شيخُنّا أقل ما يطلق لفظ النسخ على شيء، بل يقول: انتهى به العمل. ولَعمرِي إنه
تعبيرٌ جيدٌ لو تخيَّره الناسُ أسوةً، فإن العملَ قد ينتهي مع بقاء المشروعية، بخلاف النسخ فإن المُتَبَادَرَ منه رفعُهَا،
فادِّعاء الانتهاء أسهلُ من ادْعَاء الرفع. وأمَّا من لا يَحْتَاطُ في مثل هذه الأبواب، فيدَّعي في كل موضعٍ لم يُسْنَخْ
له التوفيق أنه منسوخٌ ولا يُبَالِي، ثم يَزْعَمُهُ علمًا. نعم، وإن من العلم لجهلًا، ثم أخرجه الَّسائيّ، في باب
الصلاة بين الأذان والإقامة، وفيه قال: ((كان المؤذِّنُ إذا أذَّن، قام ناسٌ من أصحاب رسول الله بَّ، فَيَبْتَدِرُون
السواري يُصَلُّون، حتى يَخْرُجَ النبيُّ وهم كذلك يُصَلُّون قبل المغرب)) اهـ.
=

٢٣١
كتاب الأذان
رضي الله عنهم ما نبَّهناك عليه، أَلَا تَرَى أن أبا مَحْذُورَةً(١) لم يَجِزَّ ناصيته بعدما كان النبيُّ لَل
مَسَحَ عليها، ومثله في الصحابة رضي الله عنهم كثيرٌ، وقد مرَّ منا مثله عن أَبَيِّ بن كعبٍ رضي الله
عنه مع عمر في الركعتين بعد العصر. وبالجملة: المسائل إنما تُؤْخَذُ من الأمر والنهي، لا من
أذواق الناس، وإن للناس فيما يَعْشَقُون مذاهب.
١٥ - باب مَنِ انْتَظَرَ الإِقَامَةَ
٦٢٦ - حدّثنا أَبُو اليَمانِ قَالَ: أَخْبَرَنَا شُعَيبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ بْنُ
الزُّبَيرِ: أَنَّ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ وَ لَّهِ إِذَا سَكَتَ المُؤَذِّنُ بالأُولَى مِنْ صَلَاةِ الفَجْرِ، قَامَ
فَرَكَعَ ركعتينٍ خَفِيفَتَينِ قَبْلَ صَلَاةِ الفَجْرِ ، بَعْدَ أَنْ يَسْتَبِينَ الفَجْرُ، ثُمَّ اضْطَجَعَ عَلَى شِقِّهِ
الأَيمَنِ، حَتَّىَ يَأْتِيَهُ المُؤَذِّنُ للإِقامَةِ. [الحديث ٦٢٦ - أطرافه في: ٩٩٤، ١١٢٣، ١١٦٠، ١١٧٠، ٦٣١٠].
يعني من جَلَسَ في بيته ينتظرِ الإقامةِ، فهل يُسَوَُّ له ذلك؟
٦٢٦ - قوله: (سَكَّتَ المُؤْذِّنُ بالأُولَى)، إنما سمَّاه بالأولى باعتبار الإِقامة، وليس بناؤه
على تكرار الأذان، لأنه قد تحقَّق عندنا: أن التكرارَ لم يكن مستمرًّا، وإن عُمِلَ به في زمانٍ.
قوله: (ثم اضْطَجَع على شِقِّهِ الأيمن حتى يأتيهِ المُؤَذِّنُ للإِقامة)، وهذا نوعٌ آخر من
الانتظار، فلا يتمسَّك منه أحدٌ على أنه وَّ كان يَجْلِسُ في بيته، ثم يَخْرُجُ إذا سَمِعَ الإِقامَةَ.
وعند أبي داود، عن ابن عمر رضي الله عنه: ((إنما كان الأذان على عهد رسول الله ◌َّ مرتين
مرتين))، إلى أن قال: ((فإذا سَمِعْنَا الإِقَامَة توضَّأنا، ثم خَرَجْنَا إلى الصلاة)). اهـ. وما بلغتُ كُنْهَ
مراده، ولعلَّه وَقَعَ فيه نقصٌ في التعبير ولا بدَّ، وإلَّا لَمْ يُعْرَف ذلك من حال الصحابة رضي الله
(٢)
عنهم(٣).
وهذا يُفِيدُ أنهم لم يَعْمَلُوا بهما كلهم حينما عَمِلُوا، كما يَدُلُّ عليه لفظ: ((مِنْ))، ثم يُفِيدُ أنهم كانوا يريدون بذلك
=
شَغْل الوقت بين الأذان والإقامة بعبادةٍ، كما اختاره المالكية بعد كل ترويحة، كما يَدُلُّ عليه لفظ: ((حتى يَخْرُجَ
النبيُّ ◌ٌَّ)). ثم ظاهرُهُ أن النبيَّ ◌َّه لم يكن ليصليهما. ثم يُفِيدُ أنّه وََّ كان يراهم يُصَلُّون ويُقِرُّهم على شاكلة
الجائزات فإن كنتَ من أهل الأذواق فذُقْ. ((وهم كذلك يُصَلُّون)) ... إلخ، ما يريد بذلك، ثُمَّ ارجع البصر كرتين
إلى قوله: ((يبتدرون)) لِمَ يذكر الابتدار؟ وقوله: ((حتى يَخْرُجَ)) ... إلخ، ماذا كانوا يريدون منها؟ وقوله: ((وهم
كذلك يُصَلُّون))؛ يَدُلُّك إن شاء الله تعالى على أنه لم يُعْمَل بهما على طريق الاستحباب والسنية أبدًا، وإنما كانتا
كالأمور الوقتية تجري ثم تنتهي، ولو كانت سنةً مطلوبةً، فأين كان الخلفاء عنها؟ حيث تركوهما كما صرَّح به
النووي .
(١) ونظيره ما في ((المشكاة))، في باب الترجُّل: عن أنس: ((كانت لي ذُؤَابة، فقالت لي أمي: لا أَجُزُّهَا، كان
رسول الله ◌َِّ يَمُدَهَا ويأخذها)). رواه أبو داود. وعند أبي داود في الأذان، في حديث أبي مَحْذُوْرَة: ((قال عبد
الرزّاق: فكان أبو مَحْذُورة لا يَجِزُّ ناصيته ولا يَفْرُقها، لأن النبيَّ ◌َّ مَسَحَ عليها)).
(٢) يقول العبدُ الضعيف: ويمكن أن يُعْتَذَرَ عنه: بأن أكثرهم كانوا يَصُومُون، فيشتغلون بالإفطار، حتى إذا أُقِيمَتِ
الصلاة فَرَغُوا عنه وتوضَّأوا ... إلخ. فقد كان ابن عمر رضي الله عنه يُوضَعُ له الطعامُ وتُقَام الصلاة، فلا يأتيها
حتى يَفْرُغَ، وإنه يسمع قراءة الإمام. ومن لا ينظر إعادته في الخارج يتعجَّب عليه، فيمكن أن يكون
=

٢٣٢
كتاب الأذان
١٦ - باب بَينَ كُلِّ أَذَانَينِ صَلَاَةٌ(١) لِمَنْ شَاءَ
٦٢٧ - حدّثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَزِيدَ قَالَ: حَدَّثَنَا كَهْمَسُ بْنُ الحسَنِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ
بُرَيدَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ◌َّهِ: (بَيْنَ كُلِّ أَذَانَينِ صَلََّةٌ، بَيْنَ كُلِّ أَذَانَينِ
صَلَاةٌ))، ثُمَّ قَالَ فِي الثَّالِثَةِ: (لِمَنْ شَاءَ)) .
أطلق في هذه الترجمة، ولم يسمِّ المغرب، ثم لمَّا ترجم عليه في النوافل صرَّح
بالمغرب، كما عَلِمْتَ مفصّلًا.
١٧ - باب مَنْ قَالَ: لِيُؤَذِّنْ فِي السَّفَرِ مُؤَذِّنٌ وَاحِدٌ
قوله: (مُؤَذِّنٌ واحدٌ). كلامُ الحافظ ههنا مشوَّشٌ، ولعلَّه فَهِمَ أن في عبارته قُصُورًا، لأنه
ترجم أولًا بتعدُّد الأذانين، ولمَّا أراد أن يُتَرْجِمَ على الأذان الواحد انتقل من حال الأذان إلى
المُؤَذِّن، وقال: ((مُؤَذِّنٌ واحدٌ)) - فكان الأحسن أن يقول: ((لِيُؤَذِّنْ في السفر أذانًا واحدًا)»، ليتَسِقَ
نظمُ التراجمٍ - مع أن كون المؤذِّن واحدًا لا يُوجِبُ كون الأذان أيضًا واحدًا لِيَثْبُتَ مطلوبُهُ، لأنه
يَجُوز أن يؤذِّنَ المُؤَذِّنُ الواحدُ آذانًا عديدةً، والمقصود هو الأذان الواحد.
أقول: وبناءُ ترجمته على أن المُؤَذِّنَ الواحدَ لا يُؤَذِّنُ إلَّا واحدًا، ولذا اختار الشافعيُّ
رحمه الله تعالى تعدُّد المؤذِّنين عند تعدُّد الأذان. فالمؤذِّنُ الواحدُ لا يُؤَذِّنُ إلَّا أذانًا واحدًا،
والأذانُ المتعدِّدُ لا يكون إلا من المؤذِّن كذلك. وحينئذٍ إذا كان في السفر مؤذِّنٌ واحدٌ يكون
الأذان أيضًا واحدًا، وهكذا فعل المصنفُ رحمه الله تعالى في باب الجمعة، فبَوَّب بالمؤذِّن
الواحد يوم الجمعة، وعبَّر عن الأذان الواحد بالمؤذِّن الواحد، وهذا دليلٌ على أن المؤذِّنَ
الواحدَ لا يُؤَذِّنُ عنده إلَّا أذانًا واحدًا، والله تعالى أعلم.
٦٢٨ - حدّثنا مُعَلَّى بْنُ أَسَدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا وُهَيبٌ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ، عَنْ
مالِكِ بْنِ الحُوَيرِثِ: أَتَّيتُ النَّبِيَّ ◌َفِي نَفَرِ مِنْ قَوْمِي، فَأَقَمْنا عِنْدَهُ عِشْرِينَ لَيلَةً، وَكانَ
تأخيرهم أيضًا من هذا الباب، والله تعالى أعلم. وقد سَمِعْتُ هذه من شيخي رحمه الله تعالى في حديث ابن عمر
=
رضي الله عنه في أَكْلِهِ العشاء والإقامة بأُذْنِهِ، فأجريته هنا أيضًا، وكثيرًا ما فعلته في هذه الوريقات. ولا ضيق في
كون الحديث في مطلق الصلاة، فإن ذِكْرَ العامُ وإرادةَ الخاصِّ معهودٌ.
(١) واعلم أن الشيخ رحمه الله تعالى كان يتردّد في أن قوله اَثار: ((بين كل أذانين صلاة))، وقوله ◌َّ: ((صلُّوا قبل
المغرب»، حديثان أو حديثٌ واحدٌ، ولم يكن يَجْزِم بجانبٍ غير أن البخاريَّ بَّب على الأول بـ: الفصل بين
الأذانين، وعلى الثاني بـ: الركعتين قبل المغرب. وقد أجاب بعضُ الحنفية رحمهم الله تعالى عن الأول: أن
المراد من الصلاة هو مقدارها، أي ينبغي أن يَمْكُث بين الأذان والإقامة بذلك القَدْر، وما كنتُ أعبأُ بهذا
الجواب، فلمَّا رأيتُ أن البخاريَّ بوَّب عليه بـ: الفصل بين الأذانين، عَرِفْتُ أن له وجهًا، والله تعالى أعلم
بالصواب. وله رواية تُنّاسِبُه عند الترمذي، عن جابر رضي الله عنه، وقد مرَّت عن قريبٍ في الهامش، غير أن
إسناده مجهولٌ.

٢٣٣
كتاب الأذان
رَحِيمًا رَفِيقًا، فَلَمَّا رَأَى شَوْقَنَا إِلَى أَهَالِيْنَا، قَالَ: ((ارْجِعُوا فَكُونُوا فِيهِمْ، وَعَلِّمُوهُمْ،
وَصَلُّوا، فَإِذَا حَضَرَتِ الصَّلَاةُ، فَلَيُؤَذِّنْ لَكُمْ أَحَدُكُمْ، وَلَيَؤُمَّكُمْ أَكْبَرُكُمْ)). [الحديث ٦٢٨
أطرافه في: ٦٣٠، ٦٣١، ٦٥٨، ٦٨٥، ٨١٩، ٢٨٤٨، ٦٠٠٨، ٧٢٤٦].
٦٢٨ - قوله: (أَتَيْتُ النَّبِيَّ فِي نَفَرٍ من قومي)، وهذا الصحابي قد يقول: أتيت مع ابن
عمي، ثم الراوي أيضًا يتبعه في التعبير.
(فَإِذَا حَضَرَتِ الصلاةُ، فَلْيُؤَذِّنْ لكم أحدُكم)، والمُتَبَادَرُ منه عندي: أن أمره ذلك إنما هو
عند بلوغهم إلى بلدهم، وحَمَلَهُ البُخَارِيُّ رحمه الله تعالى على السفر، وسيجيءُ بعضُ توضيحٍ
في الحديث الآتي.
قوله: (ولْيَؤُمَّكُم أكبرُكم)، ومنه أُخِذَ الترتيبُ في الإِمامة، فَيَؤُّ الأعلمُ، ثم الأقرأُ ... إلى
آخره.
١٨ - باب الأَذَانِ لِلمُسَافِرِ إِذَا كانُوا جَمَاعَةً، وَالإِقَامَةِ، وَكَذلِكَ بِعَرَفَةَ وَجَمْعٍ، وَقَوْلٍ
المُؤَذِّنِ: الصَّلَةُ فِي الرِّحالِ، فِي اللَّيْلَةِ البَارِدَةِ أَوِ المَطِيرَةِ
٦٢٩ - حدّثنا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنِ المُهَاجِرِ بن أَبِيِ الحَسَنِ،
عَنْ زَيدِ بْنٍ وَهْبٍ، عَنْ أَبِي ذَرِّ قَالَ: كُنَّا مَعَ النَّبِيَِّ فِي سَفَّرٍ، فَأَرَادَ المُؤَذِّنْ أَنْ يُؤَذِّنَّ،
فَقَالَ لَهُ: ((أَبْرِذْهَ. ثُمَّ أَرَادَ أَنْ يُؤَذِّنَ، فَقَالَ لَّهُ: ( أَبْرِدْ)). ثُمَّ أَرَادٌ أَنْ يُؤَذِّنَ فَقَالَ لَهُ: ((أَبْرِدْ))
حَتَى سَاوَى اَلِّلُّ التُّلُولَ، فَقَالَ النَّبِيُّ ◌َّرَ: ((إِنَّ شُدَّةَ الحَرِّ مِنْ فَيِحِ جَهَنَّمَ)). [طرفه في:
٥٣٥].
٦٣٠ - حَدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ قَالَ: حَدَّثَنَا سُفيَانُ، عَنْ خالِدِ الحَذَّاءِ، عَنْ أَبِي
قِلَابَةَ، عَنْ مالِكِ بْنِ الحُوَيرِثِ قَالَ: أَتَّى رَجُلَانِ النَّبِيَّ نَّهِ يُرِيدَانِ السَّفَرَ، فَقَالَ النَّبِيُّ ◌َّ :
((إِذَا أَنْتُمَا خَرَجْتُما،َ فَأَذِّنَا، ثُمَّ أَقِيمَا، ثُمَّ لِيَؤُمَّكُمَا أَكْبَرُكُمَا)). [طرفه في: ٦٢٨].
٦٣١ - حدّثنا مُحمَّدُ بْنُ المُثَنَّى قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَهَّابِ قَالَ: حَدَّثَنَا أَيُّوبُ، عَنْ
أَبِي قِلَابَةَ قَالَ: حَدَّثَنَا مالِكٌ: أَتَيْنَا إِلَى النَّبِيِّ وَهُ وَنَحْنُ شَبَبَّةٌ مُتَقَارِبُونَ، فَأَقَمْنَا عِنْدَهُ
عِشْرِينَ يَوْمًا وَلَيلَةً، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ بَّهِ رَحِيمًا رَفِيقًا، فَلَمَّا ظَنَّ أَنَّا قَدِ اشْتَهَيْنَا أَهْلَنا،
أَوْ قَدِ اشْتَقْنَا، سَأَلَنَا عَمَّنْ تَرَكْنَا بَعْدَنَا، فَأَخْبَرْنَاهُ، قَالَ: ((ارْجِعُوا إِلَى أَهْلِيكُمْ، فَأَقِيمُوا
فِيهِمْ وَعَلِّمُوهُمْ وَمُرُوهُمْ)). وَذَكَرَ أَشْيَاءَ أَحْفَظُهَا، أَوْ لَا أَحْفَظُهَا: ((وَصَلُّوا كما
رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي، فَإِذَا حَضَرَتِ الصَّلَاةُ، فَلْيُؤَذِّنْ لَكُمْ أَحَدُكُمْ، وَلَيَؤُمَّكُمْ أَكْبَرُكُمْ)). [طرفه
في: ٦٢٨].
٦٣٢ - حدّثنا مُسَدَّدٌ قَالَ: أَخْبَرَنَا يَحيى، عَنْ عُبَيدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ: حَدَّثَنِي نَافِعٌ
قَالَ: أَذَّنَ ابْنُ عُمَرَ فِي لَيلَةٍ بَاردَةٍ بِضَجْنَانَ، ثُمَّ قَالَ: صَلُّوا فِي رِحالِكُمْ. فَأَخْبَرَنَا أَنَّ

٢٣٤
كتاب الأذان
رَسُولَ اللَّهِ وَيَ كَانَ يَأْمُرُ مُؤَذِّنًا يُؤَذِّنُ، ثُمَّ يَقُولُ عَلَى إِثْرِهِ: ((أَلَا صَلُّوا فِي الرِّحالِ فِي اللَّيْلَةِ
البارِدَةِ، أَوِ المَطِيرَةِ، فِي السَّفَرِ)). [الحديث ٦٣٢ - طرفه في: ٦٦٦].
٦٣٣ - حدّثنا إِسْحاقُ قَالَ: أَخْبَرَنَا جَعْفَرُ بْنُ عَوْنٍ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو العُمَيسِ، عَنْ
عَوْنِ بْنِ أَبِي جُحَيفَةَ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللّهِ وَلَّه بِالأَ بْطِحِ، فَجَاءَهُ بِلَاَلٌ فَاذَنَهُ
بِالصَّلَاَةِ، ثُمَّ خَرَجَ بِلَالْ بِالعَنَزَةِ حَتَّى رَكَزَهَا بَيْنَ يَدَي رَسُولِ اللَّهِ وََّ بِالأَبْطَحِ، وَأَقَامَ
الصَّلَاةَ. [طرفه في: ١٨٧].
الأحسنُ للمسافر عندنا أن يُؤَذِّنَ وَيُقِيمَ، فإن اكتفى بالإقامة جاز، وإن تَرَكَهما كُرِهَ، وأشار
من قوله: ((إذا كانوا جماعةً)) إلى توسيعٍ في حق المُنْفَرِدِ.
٦٣٠ - قوله: (إذا أَنْتُما خَرَجْتُمَا فَأَذِّنَا)، وهذا في السفر قطعًا. وما مرَّ من صيغة الجمع
يَحْتَمِلُ أن يكونَ في السفر، كما حَمَلَ عليه المصنِّف رحمه الله تعالى، ويَحْتَمِلُ أن يكون بعد
بُلُوغهم إلى بلدهم، كما هو المُتَبَادَرُ عندي، وقد وَرَدَ فِي ظُرُقه ما يُشِيرُ إليهما، ومن ههنا اندفع
التناقضُ بين صيغة التثنية والجمع، فإِن الأُولى محمولةٌ على الطريق، والثانيةَ على بلوغهم إلى
وطنهم. أو يُقَال: إنهما في السفر، إلّا أن الراوي قد يُرَاعي نفسَه وابنَ عَمِّه بالتثنية، وقد يُرَاعي
نفسَه مع رُفَقَائِهِ، فيأتي بالجمع، كما يَدُلُّ عليه قوله: ((ونحن شَبَبَةٌ))، لأنه يُسْتَفَاد منه: أنه كان
معه رُفَقَاؤُه أيضًا .
ثم العجبُ من النَّسائي، حيث بوَّب عليه بما لم يَذْهَبْ إليه أحدٌ من الأمة، وهو: تعدُّد
الأذان في السفر: نظرًا إلى صيغة التثنية فقط، مع أن التثنيةَ على معنى أنه ينادي به أحدُهما ويَقَعُ
عن الآخر، لا أنه يُؤَذِّنُ كلٌّ منهما. فالتثنيةُ بطريق وقوعه عن أحدها أصالةً(١) وعن الآخر
حُكْمًا. ولقائلٍ أن يقولَ بمثله في الفاتحة، فإن الإمامَ يقرؤها أصالةً، وَتَقَعُ عن المقتدي حُكْمًا،
فيُعَدَّان قارئينَ بهذا الطريق، فَصَدَقَ قوله: ((لا صلاة لمن لم يقرأ)) ... إلخ عندنا بدون تكلُّفٍ
أيضًا .
١٩ - باب هَل يَتَتَبَّعُ المُؤَذِّنُ
فاهُ هاهُنَا وَهَاهُنَا؟ وَهَل يَلتَفِتُ فِي الأَذَانِ؟
وَيُذْكَرُ عَنْ بِلَالٍ: أَنَّهُ جَعَلَ إِصْبَعَيهِ فِي أُذُنَيهِ. وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ لَا يَجْعَلُ إِصْبَعَيهِ فِي
أُذُنَيهِ. وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ: لَا بَأُسَ أَنْ يُؤَذِّنَ عَلَى غَيرٍ وُضُوءٍ. وَقَالَ عَطَاءٌ: الوُضُوءُ حَقٌّ وَسُنَّةٌ.
وَقَالَتْ عَائِشَةُ: كَانَ النَّبِيُّ ◌َّهِ يَذْكُرُ اللَّهَ عَلَى كُلُّ أَحْيَانِهِ.
(١) ويمكن أن يقال: إن الأذانَ لَمَّا كان دائرًا بينهما، فيُؤَذِّنُ هذا تارةً وهذا تارةً، فلم يتعيَّن له واحدٌ منهما، أتى فيه
بصيغة التثنية على إرادة البدلية، بخلاف الإمامة، فإنها حق الأكبر منهما خاصةً. فالمعنى: أن يُؤَذِّنَ أيكما شاء،
ولكن الإمامة فللأكبر منكما فحسب.

٢٣٥
كتاب الأذان
٦٣٤ - حدّثنا مُحَمِدُ بْنُ يُوسُفَ قَالَ: حَدَّثَنَا سُفيَانُ، عَنْ عَوْنِ بْنِ أَبِي جُحَيفَةَ، عَنْ
أَبِيهِ: أَنَّهُ رَأَى بِلَالًا يُؤَذِّنُ، فَجَعَلتُ أَتَتَبَّعُ فاهُ هاهُنَا وَهَاهُنَا بِالأَذَانِ. [طرفه في: ١٨٧].
والحكمةُ في سَدِّ صِمَاخ الأذنين: أن يَحْتَبِسَ النفسُ، ويَقْوَى الصوتُ. ومن ههنا عُلِمَ أن
وضعَ الإِصْبَعَيْن على الصِّمَاخين لا يكفي، بل لا بدَّ أن يُدْخِلَهُمَا فيهما، ومَنْ لم يَفْعَلْه، فقد
خَالَفَ السُّنَّةَ. وفي كلام المصنّف رحمه الله تعالى وجهان: الأول: أن يكونَ قوله: ((المؤذن))
مرفوعًا على أنه فاعلٌ، وهل يَلْتَفِتُ تفسيرًا له، وحينئذٍ يكون المذكورُ فيه مسألةَ التحويل عند
الحَيْعَلَتَيْنِ. والثاني: أن يكونَ المؤذِّنُ مفعولًا، والمعنى: هل يَتْبَعُ السامعون المؤذنَ، ويكون
فاه بدلًا عنه.
قوله: (وهل يَلْتَفِتُ في الأذان)، لا ينبغي له أن يحوِّلَ صدرَه.
قوله: (وكان ابن عمر رضي الله عنه لا يجعل إصْبَعَيْهِ في أُذُنَيْهِ): إمَّا لأنه لم يَبْلُغْهُ
الحديث، أو لكونه ليس بعزيمةٍ .
قوله: (لَا بَأُسَ أن يُؤَذِّنَ على غير وُضُوءٍ): ولنا فيه قولان: الأول: الكراهيةُ مطلقًا، وهو
المختار عندي، لموافقته حديثًا فيه وإن كان إسنادُهُ ضعيفًا. والآخر: كراهةُ الإقامة فقط. وأمَّا
البخاري، فإنه لمَّا وَسَّع في مسِّ المصحف، ودُخُول المسجد وأمثالهما، فكذلك في الأذان.
٢٠ - باب قَوْلِ الرَّجُلِ: فَاتَتْنَا الصَّلاَةُ
وَكَرِهَ ابْنُ سِيرِينَ أَنْ يَقُولَ: فَاتَّتْنَا الصَّلَاةُ، وَلِكِنْ لِيَقُل: لَمْ نُدْرِكْ. وَقَوْلُ النَّبِيِّ ◌َلِ أَصَحُ.
٦٣٥ - حدّثنا أَبُو نُعَيم قَالَ: حَدَّثَنَا شَيبَانُ، عَنْ يَحْيِى، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي قَتَادَةَ،
عَنْ أَبِيهِ قَالَ: بَينَمَا نَحْنُ نُصِّلِّي مَعَ النَّبِيِّنَّهِ، إِذْ سَمِعَ جَلَبَةَ رِجالٍ، فَلَمَّا صَلَّى قَالَ: ((ما
شَأُنُكُمْ؟)) قالوا: اسْتَعْجَلنَا إِلَى الصَّلَاةِ. قَالَ: ((فَلَا تَفعَلُوا، إِذَا أَتَيْتُمُ الصَّلَاةَ فَعَلَيْكُمْ
بِالسَّكِينَةِ، فَمَا أَدْرَكْتُمْ فَصَلُّوا، وَما فاتَكُمْ فَأَتِّمُّوا)).
٢١ - باب لا يَسْعى إِلَى الصَّلاَةِ، وَلِيَأْتِ بِالسَّكِينَةِ وَالوَقارِ
وَقَالَ: ((ما أَذْرَكْتُمْ فَصَلُّوا، وَمَا فَاتَكُمْ فَتِمُّوا)). قالَهُ أَبُو قَتَادَةَ، عَنِ النَّبِّ ◌َه .
٦٣٦ - حدّثنا آدَمُ قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ قَالَ: حَدَّثَنَا الزُّهْرِيُّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ
المُسَيَّبِ، عَنْ أَبِي هريرَةَ، عَنِ النَّبِّ ◌ََّ. وَعَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَبِي سَلَمَةً، عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ،
عَنِ النَّبِيِّنََّ قَالَ: ((إِذَا سَمِعْتُمُ الإِقَامَةَ فَامْشُوا إِلَى الصَّلَاةِ، وَعَلَيْكُمْ بِالسَّكِينَةِ وَالوَقَارِ،
وَلَّا تُسْرِعُوا، فَمَا أَدْرَكْتُمْ فَصَلُّوا، وَمَا فَاتَكُمْ فَأَتِمُّوا)). [الحديث ٦٣٦ - طرفه في: ٩٠٨].
(وكَرِهَ ابنُ سِيرينَ أن يقولَ: فاتتنا الصلاةُ)، وهذه الكراهة من باب تهذيب الألفاظ،
كَإِطلاق العَتَمَةِ على العشاء، وإطلاق يَثْرِب على المدينة. ويُسْتَفَاد منه: أن فواتَ الجماعة يُعَبَّرُ
بفوات الصلاة في نظر الشريعة، وعليه حُمِلَت.

٢٣٦
كتاب الأذان
الاختلاف في المسبوقِ أهو قاضٍ أم مؤدٍ؟
قوله: (َ* من فاتته صلاة العصر) ... إلخ، أي من فاتته الجماعةُ، وهناك احتمالات
أخرى أيضًا .
٦٣٥ - قوله: (فَلَا تَفْعَلُوا): "بهربهى مت كرو"، وسيجيء عليه الكلام مبسوطًا.
قوله: (ما أَدْرَكْتُمْ فِصَلُّوا) ... إلخ اعلم أن ترتيبَ صلاة المَسْبُوق عندنا كترتيب صلاة
الإِمام، فما يُصَلِّيه مع إمامه هو آخرُ صلاته، وما يقضيه بعده أولُ صلاته، فالمسبوقُ عندنا
كالمُنْفَرِد فيما يقضي. وقال آخرون بعكسه، فترتيبُهُ عندهم كما في الحسِّ، وعبّر عنه الشيخُ
الأكبرُ رحمه الله تعالى: إن المسبوقَ عندنا قاضٍ فيما بقي، وعند آخرين مُؤَدِّ فيه. وتمسَّك
الحنفيةُ بلفظ الفوات والقضاء، كما في بعض الروايات: ((وما فَاتَكُمْ فَاقْضُوا»، فدلَّ على أن
المسبوقَ قاضٍ فيما بقي، لأن الحديثَ سمَّى أول صلاته فائتةً، ثم أمره بقضائها، فدلَّ على أنه
يصلِّي على ترتيب الإمام. وتمسَّك الشافعية بلفظ: ((أَتِمُّوا)) والإتمام لا يكون إلَّا في الآخر،
فكأن ما يصلِّيها مع إمامه أولها، فلا يُقَال فيما بقي إلَّ أنه مُتَمَّمٌ وَمُؤَدَّى فيها .
قلتُ: والحقُ إنه لا تمسُّكَ فيه لهما، ومسائلُهم من باب التفقُّه. فللشافعيةِ أن يَحْمِلُوا
الفواتَ على الفوات بحَسَبِ الحسِّ دون الحكم، كما جَازَ للحنفية أن يَأْخُذُوا الإتمام بحسبه.
وتفصيله: إن أولَ صلاته وإن كانت فائتةً باعتبار الحسِّ والمشاهدة، لكنها لم تَفْتُهُ بِحَسَبٍ
الحكم عندهم، فهو قاضٍ لها في الحسِّ، ومُتَمِّمٌ في الحكم. فإن أول صلاته ليس إلّا التي
أدركها مع إمامه، وهذه لَم تَفُتْهُ، وإنما فاتته ما هو أول صلاته باعتبار المشاهدة والحسِّ.
وكذلك نقول في الإِتمام: إن المسبوقَ وإن كان في الحسِّ والمشاهدةِ مُتِمَّا لصلاته، إلَّا
أنه قاضٍ لها في نظر الشارع، لأنه قد فاتته أول صلاته، وحينئذٍ يجري فيه الشرحان سواء
بسواء.
ولنا في المسألة حديثان ذكرناهما في رسالتنا ((فصل الخطاب))، أحدهما: ما عند أبي
داود، في الأذان: ((أُحِيلَت الصلاة ثلاث تحويلاتٍ)) ... إلخ، والآخر عند الترمذي غير أن في
إسناده ليِّنٌ. ولتراجع كتب الأصول، فإنهم اختلفوا في أن صلاةَ المسبوقِ أداءٌ كاملٌ أو قاصرٌ،
وأقاموا فيها المراتب.
٢٢ - باب مَتَى يَقُومُ النَّاسُ إِذَا رَأَوًا الإِمَامَ عِنْدَ الإِقَامَةِ
٦٣٧ - حدّثنا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قالَ: حَدَّثَنَا هِشَامٌ قَالَ: كَتَبَ إِلَيَّ يَحْيى: عَنْ عَبْدِ
اللَّهِ بْنِ أَبِي قَتَادَةَ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ نَّهِ: ((إِذَا أُقِيمَتِ الصَّلاَةُ فَلَا تَقُومُوا حَتَّى
تَرَوْنِي)). [الحديث ٦٣٧ - طرفاه في: ٦٣٨، ٩٠٩].
٢٣ - باب لاَ يَسْعى إِلَى الصَّلاَةِ مُسْتَعْجِلاً وَلِيَقُمْ بِالسَّكِينَةِ وَالوَقَارِ
٦٣٨ - حدّثنا أَبُو نُعَيم قَالَ: حَدَّثَنَا شَيْبَانُ، عَنْ يَحْيِى، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي قَتَادَةَ، عَنْ

٢٣٧
كتاب الأذان
أَبِيهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ: ((إِذَا أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ، فَلَا تَقُومُوا حَتَّى تَرَوْنِي، وَعَلَيْكُمْ
بِالسَّكِينَةِ)). تَابَعهُ عليُّ بنُ المبارَكَ. [طرفه في: ٦٣٧].
ويُعْلَمُ من بعض الأحاديث أنهم كانوا يَقُومُون لها بعد تمام الإقامة، ومن بعضها أنهم كانوا
يَقُومُون في خلالها، وهكذا في كُتُبنا، ويراجع له الطَّحَاويّ ((حاشية الدر المختار)). والمسألةُ
فيه: أن الإمام إن كان خارج المسجد، ينبغي للمقتدين أن يَقُوموا لتسوية الصفوف إذا دَخَلَ في
المسجد، وإن كان في المسجد، فالمعتبرُ قيامه من موضعه. وكيفما كان ليست المسألة من
مسائل نفس الصلاة، بل من الآداب، فإن قَامَ أحدٌ قبله لا يكون عاصيًا(١) .
قوله: (فلا تقوموا حتى تَرَوْنِي): قال العلماء: إن بلالًا رضي الله عنه كان يُرَاقِبُ النبيِّ ◌َّ
فإذا رآه أقام. وأمَّا سائرُ الناس، فكانوا لا يَرَوْنه إلَّا بعد أن يَصِلَ إلى الصف. وكان المسجدُ من
بيته بحيث لو خَرَج قدمُهُ منها وَقَعَ في المسجد، فكان بلالُ رضي الله عنه يُقِيمُ إذا خَرَجَ، فإذا
وَصَلَ مَوْضِعَ الإِقامة وَجَدَ الصفوفَ قد سُوِّيَت، والإِقامةَ قد تمَّت. وأمَّا القيامُ قبل رؤيته فَعَدَّه
عبثًا، كما قال مرةً: ((ارْبَعُوا على أنفسكم، إنكم لا تَدْعُون أصمَّ ولا غائبًا))، حين رآهم يُبَالِغُون
في الجهر. فليس فيه أن الجهرَ ممنوعٌ كما فَهِمَه بعضُهم، بل فيه إيذانٌ بكون جهرهم عَبَثًا،
فهكذا القيام من قبل. وثم إنه إن كان بطريق المُثُول فممنوعٌ، كما عند أبي داود: ((إنكم لتفعلون
فِعْلَ فارس والروم مع عظمائهم)).
والحاصل: أن الأنفعَ القيامُ عند رؤية الإِمام، وقبله عَبَثٌ، وكان القوم في عهده ◌ِّ
يَجْلِسُون مستقبل القبلة، فلم يكن في التسوية عُسْرٌ.
٢٤ - باب هَل يَخْرُجُ مِنَ المَسْجِدِ لِعِلَّةٍ؟
٦٣٩ - حدّثنا عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ صَالِحِ بْنِ
كَيْسَانَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنَّ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ نَّ خَرَجَ، وَقَدْ
أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ وَعُدِّلَتِّ الصُّفُوفُ، حَتَّى إِذَا قَامَ في مُصَلَّاهُ، انْتَظَرْنَا أَنْ يُكَبِّرَ، انْصَرَفَ،
قَالَ: ((عَلَى مَكانِكُمْ)). فَمَكَثْنَا عَلَى هَيئَتِنَا، حَتَّى خَرَجَ إِلَيْنَا يَنْطِفُ رَأْسُهُ ماءٌ، وَقَدٍ
اغْتَسَل.
٢٥ - باب إِذَا قَالَ الإِمامُ: مَكَانَكُمْ، حَتَّى رَجَعَ انْتَظَرُوهُ
٦٤٠ - حدّثنا إِسْحاقُ قَالَ: حَدَّثَنَا محَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ قَالَ: حَدَّثَنَا الأَوْزَاعِيُّ، عَن
الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَبِي سَلَّمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمُن، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ، فَسَوَّى
(١) واعلم أن الشيخَ كثيرًا ما كان يُنَبِّهُ على منازل المسائل ليعرف حقّها: فإن كانت من باب الآداب، فلا ضَرْبَ فيها
ولا طَرْدَ، والناس فيها على وُسْعَة وفُسْحَة. وإن كان غير ذلك، فينبغي لها المراجعة إلى الفقه، وهذا مهمٌ فلا
تحسبه هيِّنًا، فإنه بعد الإمعان عظيمٌ.

٢٣٨
كتاب الأذان
النَّاسُ صُفُوفَهُمْ، فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ وََّ فَتَقَدَّمَ، وَهُوَ جُنُبٌ، ثمَّ قَالَ: ((عَلَى مَكانِكُمْ)).
فَرَجَعَ فَاغْتَسَلَ، ثُمَّ خَرَجَ وَرَأْسُهُ يَقْطُرُ ماءً، فَصَلَّى بِهِمْ.
وفي ((المِشكاة: ((إن أبا هُرَيْرَة رضي الله عنه رَأَى رجلًا خَرَجَ من المسجد بعد الأذان،
فقال: أمَّا هذا، فقد عَصَى أبا القاسمِ وَّ)) - بالمعنى - وأشار المصنِّف إلى الرخصة لذي
الحاجة. وفي ((البحر)): أنه يَجُوزُ لمن كان يُرِيدُ العَوْدَ، أو كان ينتظم به أمرُ الجماعة. وهذا
الذي كنتُ نَبَّهْتُك عليه: أن العمومَ قد يخصَّصُ بالرأي أيضًا، ولو ابتداءً، لأنه لمَّا وَجَدُوا الوجهَ
فيه جَلِيًّا، خَصَّصُوه بالرأي(١).
٦٣٩ - قوله: (خرج إلينا يَنْطُفُ رأسُه ماءً). وقد مرَّ منا أنها واقعةٌ واحدة، وأن النبي
خَرَجَ فيها قبل أن يُكَبِّرَ، وأنه يَدُلُّ على جواز خروج الجُنُبِ من المسجد بدون طهارة كما في
فِقْهِنَا، أو محمولٌ على أنه كان خاصةً له. ثم لمَّا كانت المساجدُ بيوتَ الأنبياء ومأواهم، حتى
جَازَ لهم الدُّخُول والمُرُور فيها جُنُبًا، قُدِّرَ أن يَعْتَرِضَ عليه مثل هذه العوارض مرةً لِيُعْرَفَ منه
ذلك. وههنا حاشية من المصنّف رحمه الله تعالى في بعض النُّسَخ تَدُلُّ على مُضِيٍّ تحريمته، وأنه
يَجِبُ على القوم أن لا يَجْلِسُوا إن كانت التحريمةُ سَبَقَت.
قلتُ: ولو سلَّمنا أن المسألةَ كانت هذه، فقد مرَّ مني عن أبي داود: أن بعضهم جَلَسُوا في
تلك الواقعة، فالتزامُ سبق التحريمة مع جلوس القوم مُشْكِلٌ عنده، وقد مرَّ أيضًا: أن مسائلَ
القدوة أوسعُ عنده من الكل.
مسألة
في كُتُب الحنفية: أن قيامَ الصبيان في خلال الصفوف مكروهٌ، ولا أدري ماذا كان السلف
يفعلونه، فإن الصبيان كانوا يَحْضُرُون الجماعات في زمنهم أيضًا.
٢٦ - باب قَوْلِ الرَّجُلِ: ما صَلَّنَا
٦٤١ - حدّثنا أَبُو نُعَيم قَالَ: حَدَّثَنَا شَيْبَانُ، عَنْ يَحْيِى قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا سَلَمَةَ يَقُولُ:
أَخْبَرَنَا جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللّهِ: أَنَّ النَّبِيَّ ◌َ جاءَّهُ عُمَرُ بْنَ الخَطَّابِ يَوْمَ الخَنْدَقِ، فَقَالَ: يَا
رَسُولَ اللَّهِ، وَاللَّهِ ما كِدْتُ أَنْ أُصَلِّيَ حَتَّى كَادَتِ الشَّمْسُ تَغَرُبُ، وَذلِكَ بَعْدَ ما أَفطَرَ
(١) يقول العبدُ الضعيفُ: ونظيره ما عند الترمذي، عن عليّ رضي الله عنه: ((أن النبيَّ ◌َّ أمره بضرب الحدِّ على أمةٍ
له، فَوَجَدَهَا في النفاس، فانصرف عنها ولم يَحُدَّها، واستحسنه النبيُّ بِّهه، مع أنه خَالَفَ أمره. وهذا لكون
الوجه فيه جَليًّا، بل لو امتثل أمره ربما أمكن أن يُعَنَّفَ عليه. وهكذا فعَلَه المجتهدون حين وَجَدُوا الوجهَ،
وأدركوا العلَّةَ، فهم مأجورون إن شاء الله تعالى. وإن كان يَزْعُمُهُ من لا بصيرة له عملًا بالرأي، ويسميه قياسًا،
ألا تَرَى إلى عمر رضي الله عنه كيف رَدَّ أبا هريرة رضي الله عنه على عَقِيبه حين رآه يُعْلِنُ بقوله: من قال لا إله
إلا الله دَخَلَ الجنَّةَ، مع أن النبيَّ ◌ََّ كان أمره بذلك، حتى سألَه النبيُّ وَّ عنه، فلم يَتْرُكْهُ حتى مَنَعَهُ، فرضي به
النبيُّ رَِّ أيضاً، وهذا لانجلاء الوجه وفَهْمِه غرض الشارع لا غير، فربما رأى عين الامتثال، فليفهمه.

٢٣٩
كتاب الأذان
الصَّائِمُ، فَقَالَ النَّبِيُّ ◌َّهِ: ((وَاللَّهِ ما صَلَّيْتُهَا)». فَنَزَلَ النَِّيُّ ◌َّهِ إِلَى بُطْحَانَ وَأَنَا مَعَهُ، فَتَوَضَّأَ
ثُمَّ صَلَّى، يَعْنِي العَصْرَ، بَعْدَ ما غَرَبَتِ الشَّمْسُ، ثُمَّ صَلَّى بَعْدَهَا المَغْرِبَ. [طرفه في: ٥٩٦].
والمصنّفُ رحمه الله تعالى بصدد بيان تهذيب الألفاظ، وقد مرَّ ما عن ابن سيرين رحمه الله
تعالى.
٦٤١ - قوله: (ما كِدْتُ أن أُصَلِّي) ... إلخ. قد عَلِمْتَ فيه اختلاف آراء النُّحَاة، فإن
حَمَلْتَه على رأي الجمهور، فالترجمةُ مأخوذةٌ من قول النبيِّ وَّهِ. وإن أَخَذْتَ رأيَ بعض النحاة،
فيمكن أخذها من قول عمر رضي الله عنه أيضًا .
قوله: (بعدما أفطر الصائمُ)، وهذا من باب المحاورات، ولا يَستَدْعِي أن يكون هناك
صائمٌ أيضًا .
٢٧ - باب الإِمام تَعْرِضُ لَهُ الحَاجَةُ بَعْدَ الإِقَامَةِ
٦٤٢ - حدّثنا أَبُو مَعْمَرِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَارِثِ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ
العَزِيزِ بْنُ صُهَيبٍ، عَنْ أَنَسِّ قَالَ: أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ، وَالنَّبِيُّ ◌َِّ يُنَاجِي رَجُلًا فِي جانِبٍ
المَسْجِدِ، فَمَا قَامُ إِلَى الصَّلاَةِ حَتَّى نَامَ القَوْمُ. [الحديث ٦٤٢ - طرفاه في: ٦٤٣، ٦٢٩٢].
٢٨ - باب الكَلَامِ إِذَا أُقِيمَتِ الصَّلَةُ
٦٤٣ - حدّثنا عَيَّاشُ بْنُ الوَلِيدِ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الأَعْلَى قَالَ: حَدَّثَنَا حُمَيدٌ قَالَ:
سَأَلتُ ثَابِتًا البُنَانِيَّ، عَنِ الرَّجُلِ يَتَكَلَّمُ بَعْدَ ما تُقَامُ الصَّلَاةُ، فَحَدَّثَنِي عَنْ أَنَسِ بْنِ مالِكِ
قَالَ: أُقِيَمَتِ الصَّلَاةُ فَعَرَضَ لِلنَّبِيِّ وَّهِ رَجُلٌ، فَحَبَسَهُ بَعْدَ ما أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ. [طرفه في:
٦٤٢].
وفي ((الدر المختار)): أن الإِمامَ إن مَكَثَ بعد الإقامة، ولم يَدْخُل في الصلاة حتى طال
الفصل يُعِيدُها، وإلَّا لا وأمَّا ضَبْطُ البطء. وعدمه، فعسیرٌ.
٦٤٣ - [قوله]: (فَحَبَسَهُ بعدما أُقِيمَتِ الصَّلاةُ): هذه واقعةٌ واحدةٌ، وما تُوهِمُه ألفاظ
الترمذي: أنها كانت عادةً له فقد علَّله البخاري. وأمَّا الرجلُ فِلم يدركه الشارحان من هو.
قلتُ: وقد وَجَدْتُ اسمِه، وهو مذكورٌ في ((الأدب المفرد)» للبخاري. ثم لمَّا اتضحَ أن
احتباسه صلَّى الله عليه وسلَّم كان لحاجةٍ، ثم في واقعةٍ واحدةٍ فقط، لم يُخَالِفْه تضييق
الفقهاء، فإنهم اختاروا الإِعادةَ فيما إذا طال الفصلُ، فليراجع له ((الأدب المفرد))، فإِنه مهمٌ.
ومَنْ يُمْعِنُ النظرَ فيه يَفْهَمُ أنه لا توسيعَ فيه، لأن الرجل كان من رؤساء القوم، وقال: إن له
حاجةٌ لعلَّه ينساها بعد الصلاة، فأراد أن يُبَادِرَ بها الصلاة، فتبيَّن العُذْرُ. وإذا احْتَفَّت الواقعةُ
بقرائنٍ التضييق، فليقتصرها على موردها، ولا ينبغي التوسيع فيها لأجل واقعةٍ واحدةٍ وقد
تردَّدت في تلك الرواية، وأتعبْتُ لها نَفْسِي، فإنّ الحافظين لما لم يُدْرِكا هذا الرجل، رأيتُ

٢٤٠
كتاب الأذان
إعلامه أهم، فَقَلَّبْتُ لذلك دفاترَ، حتى وجدت اسمه في ((الأدب المفرد)»، وقد وقع لي مثله
كثيرًا. نعم لا يُقْتَنَصُ العلم براحة الجسم (١).
٢٩ - باب وُجُوبٍ صَلَّةِ الجَمَاعَةِ
وَقَالَ الحَسَنِ: إِنْ مَنَعَتْهُ أُمُّهُ عَنِ العِشَاءِ فِي الجَمَاعَةِ، شَفَقَةٌ، لَمْ يُطِعْهَا .
اختار الوُجُوبَ، ولنا فيها قولان: الأول: أنها سنةٌ مؤكّدةٌ، والثاني أنها واجبةٌ. وقال
صاحب ((البحر)): إنَّ أدنى الوُجُوب وأعلى السنة المؤَّدة واحدٌ، فلم يَبْقَ خلاف. بقي أنَّ تَرْكَ
السنةِ: عِتَابٌ، أو عِقَابٌ، فلا أَدْخُلُ فيه، وقد مرَّ بعضُ الكلام فيها .
وعند الشافعية أيضًا قولان: فقال بعضُهم: فرضُ كفاية، وقال آخرون: سنةٌ مؤكَّدةٌ.
وهكذا عند أحمد رحمه الله تعالى قولان: ففي قولٍ: فرضُ عينٍ وشرط لصحة الصلاة،
وفي آخر: ليست بشرطٍ للصحة، مع كونها فرضُ عينٍ. والمشهور بيننا من مذهبه: أنها واجبةٌ.
والخلافُ في الحقيقة راجعٌ إلى نَظَرٍ معنويٍّ، وهو أنه قَلَّما يكون فرضٌ من الفرائض إلَّا
تَتَطَرَّقُ إليه الأعذار، أَلَا تَرَى أن الجماعةً قد وَرَد فيها الوعيدُ على تاركها، ثم جاءت فيه
الرخصةُ بأمورٍ يسيرةٍ، كحَضْرَة الطعام وغيرها. فَيَتَعَسَّرُ الحكم في مثله، فيجيءُ واحدٌ من
المجتهدين، ويُلَاحِظُه مع تلك الأعذار، ويَحْكُمُ على المجموع، فلا يُمْكِنُه الحكمَ بالوُجُوبِ
والافتراض، لأنه إذا دَخَلَت تلك الأعذار في نظره، وحكم مُلَاحِظًا إياها، فقد ثَبَتَ تَرْكُهَا،
فانحظً عن مرتبة الفرض، وَنَزَل إلى السنية. ومن قَطَعَ نظرَه عنٍ تلك الأعذار، ولَاحَظَهُ من حيث
هو هو، ورَاعَى الوعيدَ الواردَ فيه، لم يُمْكِنْهُ أن يَحْكُمَ عليه إلَّا بالافتراض، ثم جعل له أعذارًا
من الخارج.
وهذا كالمُحَال بالذات وبالغير عند المعقوليين، فمن لاحظ هذا الغير مع الشيء أمكنه أن
يَحْكُمَ على المجموع بكونه مُحَالًا بالذات، لأن الغيرَ إذا لُوحِظَ في مرتبة ذاته، وحُكِمَ بعد
اعتباره حكمًا على المجموع من حيث المجموع، صَحَّ أن يَحْكُمَ عليه بكونه مُحَالًا بالذات.
ومن لاحظ ذاتَ الشيء التي هي ذاته، وقطع النظر عن هذا الغير الذي هو سبب الاستحالة، لم
(١) حكايةٌ مفيدةٌ للطلبة تَحُضُّهم على طلب العلم رأيتها في تقرير الفاضل عبد العزيز، قال الشيخ رحمه الله تعالى:
إِني كنتُ رأيتُ رسالةً بدُيوبند حين إقامتي بها لبعض المُدَّعيين العمل بالحديث، وكان فيها حَوَالة على ((خلافيات
البيهقي))، وكانت الرسالةُ لرجلٍ، من ((سامرود كورة من مضافات سورت))، فأمرت أحدًا من الطلبة أن يذهبَ إلى
سورت على نفقتي ويُطالِعَ الكتاب المذكور، فلمَّا رَجَعَ، قال لي: إن الكتابَ موجودٌ، إلا أنه ناقصٌ من أوله
وآخره، فقلتُ له: من أيِّ بابٍ إلى أيّ بابٍ هو، فلم يَذْرِ ما يقول، فَتَأَسَّفْتُ وتَحَيَّرْتُ أنه قَطَع له مسافةً طويلةً،
ثم لم يَصْنَعْ شيئًا، غير أني كتمته في نفسي ولم أقل له شيئًا. ثم بَعَثْتُ رجلًا آخر، فجاءني بخبره كما أريدُ، ثم
اتفق أني وردت بدابهيل كورة من مضافات سورت، فَطَلَبْتُ هذا الكتاب وطالعته. فقد كَابَدْتُ لمسألةٍ واحدةٍ مثل
ذلك والناس اليوم في راحةٍ ليس لهم همّ إلَّا أنفسهم، ويريدون أن يَحصل لهم كل شيءٍ. تلك أمانيهم، فإن
العلمَ لا يُعْطِيكَ بعضَه، حتى تُعْطِيَه ◌ُلَّك.