Indexed OCR Text

Pages 101-120

١٠١
كتاب الصلاة
أَنَّه لا يكون له فاعلًا مع أَنَّه ورد عند مُسْلِم ((بينا أَنَا أصلي)) بصيغة الإفراد فلا يجرِي فيه
التأويل المذكور.
قلتُ: وهذا وهْمٌ عندي قطعًا لأنَّ أكثر الرواة وَرَواهُ بالجمع، فجاءَ واحدٌ فرواهُ بصيغةِ
الوَاحدِ روايةً بالمعنى، كيف لا وَقَدْ عَلِمْتَ أَنَّ أبا هريرة رضي الله عنه لم يُدْرِك تلك الوَاقِعَة،
وكان إسلامُ أبي هريرة رضي الله عنه بعد ما قُتِلَ ذو اليدين كما صَرَّح به ابنُ عمر رضي الله عنه؛
وإنْ كان لا بُدَّ لك من التأويلِ، فالأَوْجَه أَنْ يقال: إِنَّه لا يُريد به شَركته في تلك الصَّلاةِ بَل يُريد
بيان تَثَبُّتِهِ بأنَّهُ يَحْفظها كأَنَّه صَلَّاهَا خَلْفَه، وهذا ما يَفْعله الرُّواة عند بيانٍ تثبتهم لأمرٍ، فينقلون
كأنهم يَرَونَه الآن، فيقول قائل كأني أنظر إلى بياضٍ ساقيه، وآخر كَأَنَّي أَرَاهَ يَرْفَع يديه، فهذا كله
للتنبيه على مزيد إتقانِهِ وحفظِهِ فقوله: ((بينا أَنا أُصلِّي)) أيضًا مِنْ هذا الوادي، وليس بناءً على أَنَّه
صلَّاهَا حقيقة، ثُمَّ إنَّ ذا اليدين هو ذو الشمالين ولقبه خِرْباق، لأَنَّهُ كان يَعْمَل بيديه واسمه
عمير، وهو من سليم ابن ملكان بطن من خزاعة فهو خزاعي كما أَنَّهُ سلمي وظهر منه أنه رجلٌ
واحدٌ كان يُقال له ذو الشمالين وسماه النَّبي ◌َّ ذا اليدين وهو خرباق وعمير وخزاعى وسلمي،
ومن لم يعرف وجه هذا الاختلاف ظَنَّ أَنَّهُما رجلان وقد بيَّنا لك وجه تعدد اسمه ولقبه ونسبته
فلا تغْفَل، وقد نَظَّمْتُهُ في البيتين، بيتان للحنفية وبيتان من جهة الشافعي رحمه الله. أما مِنْ
جانبهم فقلت :
ذو الشمالين بن عبد عمرو
الذي كان شهيدَ البَدرِ
ذو اليدين السلمي ذكروا
ثم خِرْباق بن عمرو آخر
ومِنْ جانبِ الحنفية:
وابنه هذا عمير قرروا
قيل عمرو عبد عمرو واحد
ابن منصور فَخُذْ ما حرروا
من سليم ابن ملكان ولا
وأَجْوَدَ شيءٍ ما ذكره النِّيمَوي في ((آثار السنن)) أَنَّ أبا محمَّد الخُزاعي قال: ذو اليدين أَحدُ
أجدادنا وهو ذو الشمالين هَكَذَا نَقَله عن مسند أبي عبد الله محمَّد بن يحيى العَدَنِي - وذلك لكونِهِ
شهادة على اتحادِهما مِنْ أَهْلِ بَيتِهِ، وصاحب البيت أَذْرَى بما فيه، ولكني كُنت أَرْغَبِ في أَنْ
أَعْرِفَ أَبَا محمَّد الخُزاعِي مَنْ هو فرأيت مرةً رواية عنه في ((الدر المنثور))، ثم وجدت تَذْكِرته في
(الأنساب)) للسَّمْعَاني أَنَّهُ مِنْ أهل الري منِ ذُرِّية ذي اليدين، عالمٌ نِيهُ القَدْرِ جليلُ الشأنِ، فلا
أرى شهادة أحدٍ تُوازي شهادته، وهذه مَنْ أَجلّ القرائن على كونهما رجلًا واحدًا. وسنعود إلى
بسطه إن شاء الله تعالى.
قوله: (وسَجَدَ مثلَ سُجُوده) وقد عَلِمْتَ مَرةً، أنَّ بَعْضًا مِنَ الرُّوَاة ينفون السَّجدة رأسًا، وقد
مَرَّ مني وجهه أَنَّ ذكره وحذفه يُبْنَى على اجتهاد الرُّواة، فمن نَفَاهَا فإنَّما نَفَاهَا لأَنَّها لم تَكُن
واجبة عليه حَسَب زعمه، وهذا إنَّما يُسَوَّعْ له إذا كانت تلك الواقعة قَبْلَ نسخِ الكلام فلا يكون
موجبًا للسجود.
٤٨٢ - قوله: (فيقول نبئت أن عِمْرَان بن حصين) ... إلخ واعلم أنَّ هُنَاك حديثان حديثٍ

١٠٢
كتاب الصلاة
عِمْرَان بن حُصَيْن رضي الله عنه، وحديث أبي هريرة رضي الله عنه مع تغاير بينهما، فحملهما
النَّووي على تعدد الوقائع حَذَارًا عَنْ لزومِ الاضطراب فِي واقعة واحدة، وحَمَلهما الحافِظُ
رضي الله على الوحدة وهو الأصوب عندي، والاضطراب لا ينفعنا، ولا يضر الشافعية، لأَنَّهما
يتفقان في إثباتِ الكَلام في خلال الصَّلاة وهو المقصود، وإنَّما الاختلافِ في أمورٍ خارجية فلا
يَضُرُّ أصلًا، وإليه يُشِيرَ هذا الراوي، ولهذا يستمد في حديث أبي هريرة رضي الله عنه من تَفْصِيلٍ
عِمْرَان بن حُصَيْن، فَدَلَّ على أَنَّهما قِصة واحدة عندَهُ، فَإِنْ كان بعضُ أَلْفَاظِهِ لا تَنْزِل على الوحدة
فدعها إِنْ كان وُجدَانُك شَهِد بحقيقةِ الحالِ.
٨٩ - باب المَسَاجِدِ الَّتِي عَلَى طُرُقِ المَدِينَةِ،
وَالمَوَاضِعِ الَّتِي صَلَّى فِيهَا النَِّيُّ ◌َِهـ
٤٨٣ - حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرِ المُقَدَّمِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا فُضَيلُ بْنُ سُلَيمَانَ قَالَ: حَدَّثَنَا
مُوسى بْنُ عُقْبَةَ قَالَ: رَأَيِتُ سَالِمَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَتَحَرَّى أَمَاكِنَ مِنَ الطَّرِيقِ فَيُصَلِّي فِيهَا،
وَيُحَدِّثُ أَنَّ أَبَاهُ كانَ يُصَلِّي فِيهَا، وَأَنَّهُ رَأَى النَّبِيَّ ◌َّهِ يُصَلِّي فِي تِلكَ الأَمْكِنَةِ. وَحَدَّثَني
نَافِعُ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ: أَنَّهُ كانَ يُصَلِّي فِي تِلكَ الأَمْكِنَةِ. وَسَأَلْتُّ سَالِمًا، فَلَا أَعْلَمُهُ إِلَّ وَافَقَ
نَافِعًا فِي الأَمَّكِنَةِ كُلُّهَا، إِلَّا أَنَّهُمَا اخْتَلَفَا فِي مَسْجِدٍ بِشَرَفِ الرَّوْحاءِ. [الحديث ٤٨٣ - أطرافه
في: ١٥٣٥، ٢٣٣٦، ٧٣٤٥].
وقد مَرَّ نُبْذَة مِنَ الكلام على دَأَبِ النَّبِي ◌َ﴿ باتخاذِ مكانٍ على حِدَة الصَّلاةِ في سَفَرِهِ،
وهذه تُدْعَى المساجد في كتبَ التاريخ والسِيَر وإنْ لم تكن مساجد عند الفقهاء. ثم إنَّ الناس بنوا
على بعض تلك المواضِع مساجد بَعْدَ النَّبِي وَله إبقاءً لمآئِرِهِ وَّهِ ولذا يُفَرِّق الراوي بين التعبير،
فتارةً يقول في موضِع المسجد، وهذا حيث لم يُبْنَ هناك مسجد، وأَخْرَى يقول في المسجد
وهذا حيث بُني المسجد بعده وَِّ، وكان سَفَرِه ◌َ ﴿ هذا ممتدًا إلى سبعة أيام، فتكون جملة
مواضِع صلاتِهِ وَ﴿ خمسًا وثلاثين، إلا أنَّ الرُّواةَ ذكروا بعضَها وتَرَكوا أكثرها لداعيةٍ دَعَت لهم.
واعلم أنَّ هذا الحديث طويل ولم يَتَحَصَّل لنا منه شيء، لأنَّ فيه ذِكر آثار النَّبِي وَّ ما قد
عَفَت اليوم، وفيه مسألة: وهو أَنَّه كيفَ التَّحَرِّي لِمَا صَدَر عنه وَِّ اتفاقًا، وما يترشّح من كلام
الحافظ ابن تيمية رضي الله عنه أنّهُ يجب فيه التضييق، فاتباع ما صدر عنه وَّ اتفاقًا حسنٌ إذا
كان بطريق الاتفاق، وأمَّا إذا تَعَمَّده وتَحَرَّاها فَلَعَلَّه لا يراه حسنًا، وعندي في تَحَرِّي الاتفاقيات
أيضًا أجر. وكان ابنُ عمر رضي الله عنهما ممن يتحراها، وإِنْ أنكره جماعة إلا على سنن
النَّبِي وَّلِ كَنُزُول المُحَصَّب فإِنَّ ابنَ عمر رضي الله عنه كان يراهُ سُنَّة، وأَمَّا ابنُ عباس رضي الله
عنه فقد اشتُهر في اجتهاده، وكان عمَلُه بخلاف ابنِ عمر رضي الله عنه حتى صارت شدائِد ابن
عمر رضي الله عنهما. ورُخَص ابن عباس رضي الله عنهما تُضْرَب بها الأمثال، وهو مراد السفّاح
بقوله حين أمر مالكًا رحمه الله أن يُصنّف كتابًا: اتق فيه بشدائد ابن عمر رضي الله عنهما ورخص
ابن عباس رضي الله عنه ووطئه للنَّاس توطئة.

١٠٣
كتاب الصلاة
٤٨٤ - حدّثنا إِبْرَاهِيمُ بْنُ المُنْذِرِ قَالَ: حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ عِيَاضٍ قَالَ: حَدَّثَنَا مُوسى بْنُ
عُقْبَةَ، عَنْ نَافِعِ: أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ أَخْبَرَهُ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَّهَ، كَانَ يُّنْزِلُ بِذِي الخُلَيفَةِ حِينَ
يَعْتَمِرُ، وَفِي خَجَّتِهِ حِينَ حَجَّ، تَحْتَ سَمُرَةٍ، فِي مَوْضِعِ المَسْجِدِ الَّذِي بِذِي الحُلَيفَةِ،
وَكَانَ إِذَا رَجَعَ مِنْ غَزْوٍ، كَانَ فِي تِلكَ الطَّرِيقِ، أَوْ فِي حَجّ أَوْ عُمْرَةٍ، هَبَطَ مِنْ بَطْنِ وَادٍ،
فَإِذَا ظَهَرَ مِنْ بَظْنِ وَادٍ، أَنَاخَ بِالْبَطْحَاءِ الَّتِي عَلَى شَفِيرِ الوَادِيِ الشَّرْقِيَّةِ، فَعَرَّسَ ثَمَّ حَتَّى
يُصْبِحَ، لَيسَ عِنْدَ المَسْجِدِ الَّذِي بِحِجَارَةٍ، وَلَا عَلَى الأَكَمَةِ الَّتِي عَلَيْهَا المَسْجِدُ، كَانَ ثَمَّ
خَلِيجُ يُصَلِّي عَبْدُ اللَّهِ عِنْدَهُ، فِي بَطْنِهِ كُثُبٌّ، كَانَ رَسُولُ اللَّهِ وَ ثَمَّ يُصَلِّي، فَدَحَا السَّيلُ
فِيهِ بِالبَطْحَاءِ، حَتَّى دَفَنَ ذلِكَ الْمَكَانَ الَّذِي كَانَ عَبْدُ اللَّهِ يُصَلِّي فِيهِ. [الحديث ٤٨٤ - أطرافه
في: ١٥٣٢، ١٥٣٣، ١٧٩٩].
٤٨٤ - قوله: (بذي الحُلَيْفَة) على ستةٍ أميالٍ من المدينة، ويُقال له اليوم آبار عليّ وهو غير
أمير المؤمنين.
٤٨٤ - قوله: (وليس عند المسجد) ... الخ. وهذا يَدُلُّ على محوِ تلك الآثار في زمانه
فكيف بها اليوم.
٤٨٥ - وَأَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ حَدَّثَهُ: أَنَّ النَّبِيَّ ◌َّهِ صَلَّى حَيثُ المَسْجِدُ الصَّغِيرُ، الَّذِي
دُونَ المَسْجِدِ الَّذِي بِشَرَفِ الرَّوْحَاءِ، وَقَدْ كَانَ عَبْدُ اللَّهِ يَعْلَمُ المَكَانَ الَّذِي كَانَ صَلَّى فِيهِ
النَّبِيُّ ◌َّهُ، يَقُولُ: ثَمَّ عَنْ يَمِينِكَ، حِينَ تَقُومُ فِي المَسْجِدِ تُصَلِّي، وَذلِكَ المَسْجِدُ عَلَى
حَاقَّةِ الطّرِيقِ الْيُمْنِى وَأَنْتَ ذَاهِبٌ إِلَى مَكَّةَ، بَيْنَهُ وَبَينَ المَسْجِدِ الأَكْبَرِ رَمْيَةٌ بِحَجَرٍ، أَوْ نَحْوُ
ذلِكَ.
٤٨٦ - وَأَنَّ ابْنَ عُمَرَ كَانَ يُصَلِّ إِلَى العِرْقِ الَّذِي عِنْدَ مُنْصَرَفِ الرَّوْحَاءِ، وَذلِكَ العِرْقُ
انْتِهَاءُ طَرَفِهِ عَلَى حافّةِ الطَّرِيقِ، دُونَّ المَسْجِدِ الَّذِي بَينَهُ وَبَينَ المُنْصَرَفِ، وَأَنْتَ ذَاهِبٌ إِلَى
مَّةَ، وَقَدِ ابْتُنِيَ ثَمَّ مَسْجِدٌ، فَلَّمْ يَكُنْ عَبْدُ اللَّهِ يُصَلِّي فِي ذلِكَ المَسْجِدِ، كَانَ يَتْرُكُهُ عَنْ يَسَارِهِ
وَوَرَاءَهُ، وَيُصَلِّي أَمَامَهُ إِلَى العِرْقِ نَفْسٍِ. وَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ يَرُوحُ مِنَ الرَّوْحَاءِ، فَلَا يُصَلِّي الظُّهْرَ
حَتَّى يَأْتِيَ ذلِكَ المَكَانَ، فَيُصَلِّي فِيهِ الظُّهْرَ، وَإِذَا أَقْبَلَ مِنْ مَكَّةَ، فَإِنْ مَرَّ بِهِ قَبْل الصُّبْحِ بِسَاعَةٍ،
أَوْ مِنْ آخِرِ السَّحَرِ، عَرَّسَ حَتَّى يُصَلِّيَ بِهَا الصُّبْحَ.
٤٨٦ - قوله: (عِرق) منتهى الجبل.
٤٨٧ - وَأَنَّ عَبْدَ اللَّهِ حَدَّثَهُ: أَنَّ النَّبِيَّ ◌ََّ كَانَ يَنْزِلُ تَحْتَ سَرْحَةٍ ضَخْمَةٍ دُونَ
الرُّوَيِثَةِ، عَنْ يَمِينِ الطَّرِيقِ وَوُجَاهَ الطَّرِيقِ، فِي مَكَانٍ بَطْحَ سَهْلٍ، حَتَّى يُفضِيَ مِنْ أَكَمَةٍ
دُوَينَ بَرِيدِ الرُّوَيئَةِ بِمِيلَيْنٍ، وَقَدِ انْكَسَرَ أَعْلَاهَا فَانْثَنَى فِي جُّوْفِهَا، وَهِيَ قَائِمَةٌ عَلَى سَاقٍ،
وَفِي سَاقِهَا كُتُبٌ كَثِيرَةٌ.

١٠٤
كتاب الصلاة
٤٨٨ - وَأَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْن عُمَرَ حَدَّثَهُ: أَنَّ النَّبِيَّ وَّهِ صَلَّى فِي طَرَفِ تَلعَةٍ مِنْ وَرَاءٍ
العَرْجِ، وَأَنْتَ ذَاهِبٌ إِلَى هَضْبَةٍ، عِنْدَ ذلِكَ المَسْجِدِ قَبْرَانٍ أَوْ ثَلَاثَةٌ، عَلَى القُبُورِ رَضْمٌ مِنْ
حِجَارَةٍ عَنْ يَمِينِ الطَّرِيقِ، عِنْدَ سَلِمَاتِ الطَّرِيقِ، بَيْنَ أُولئِكَ السَّلمَاتِ كَانَ عَبْدُ اللَّهِ يَرُوحُ
مِنَ العَرْجِ، بَعْدَ أَنْ تَمِيَلَ الشَّمْسُ بالهَاجِرَةٍ، فَيُصَلِّي الُهْرَ فِي ذلِكَ المَسْجِدِ.
٤٨٩ - وَأَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ حَدَّثَهُ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ بَّهِ، نَزَلَ عِنْدَ سَرَحَاتٍ عَنْ يَسَارِ
الطَّرِيقِ، فِي مَسِيلِ دُونَ هَرْشَى، ذلِكَ المَسِيلُ لَاصِقٌ بِكُرَاعِ هَرْشَى، بَيْنَهُ وَبَيْنَ الطَّرِيقِ
قَرِيبٌ مِنْ غَلَوَةٍ، وَكَّانَ عَبْدُ اللَّهِ يُصَلِّي إِلَى سَرْحَةٍ، هِيَ أَقْرَبُ السَّرَحَاتِ إِلَى الطَّرِيقِ، وَهِيَ
أَطَوَلُهُنَّ.
٤٨٨ - قوله: (على القبور) وثَبَتَ عن النَّبي ◌َّ أيضًا وضع حجرٍ عند رأس قبر عثمان بن
مظعون عَلَمًا له، ثم أفرط فيه النَّاس في زمانِنا، وأفسدوا فيه أي مفسدة.
٤٨٨ - قوله: (سَلِمات) وهو في الأصل لنوع منه.
٤٩٠ - وأَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ حَدَّثَهُ: أَنَّ النَّبِيَّ ◌ََّ كَانَ يَنْزِلُ فِي المَسِيلِ الَّذِي فِي
أَذْنَى مَرِّ الظَّهْرَانِ، قِبَلَ المَدِينَةِ، حِينَ يَهْبِطُ مِنَ الصَّفْرَاوَاتِ، يَنْزِلُ فِي بَطْنِ ذلِكَ المَسِيِلِ
عَنْ يَسَارِ الطَّرِيقِ، وَأَنْتَ ذَاهِبٌ إِلَى مَكَّةَ، لَيسَ بَيْنَ مَنْزِلِ رَسُولِ اللَّهِ وَ لَّهَ وَبَيْنَ الطّرِيقِ إِلََّ
رَمْيَةُ حَجَرٍ .
٤٩٠ - قوله: (أدنى مر الظهران) ولفظ أَدْنَى صادق على جانبيه، ولذا عينه أَنَّه أَدْنَى من
جانب المدينة .
٤٩١ - وَأَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ حَدَّثَهُ: أَنَّ النَّبِيَّ ◌َّهَ كَانَ يَنْزِلُ بِذِي طُوَّى، وَيَبِيتُ حَتَّى
يُصْبِحَ، يُصَلِّي الصُّبْحَ حِينَ يَقْدَمُ مَكَّةَ، وَمُصَلَّى رَسُولِ اللَّهِ وَّهَ ذَلِكَ عَلَى أَكَمَةٍ غَلِيظَةٍ،
لَيسَ في المَسْجِدِ الذّيِ بُنِيَ ثَمَّ، وَلكِنْ أَسْفَلَ مِنْ ذلِكَ عَلَى أَكَمَةٍ غَلِيظَةٍ. [الحديث ٤٩١ -
طرفاه في : ١٧٦٧، ١٧٦٩].
٤٩٢ - وَأَنَّ عَبْدَ اللَّهِ حَدَّثَهُ: أَنَّ النَّبِيَّ وََّ اسْتَقْبَلَ فُرْضَتَي الجَبَلِ الَّذِي بَينَهُ وَبَينَ
الجَبَلِ الطَّوِيلِ نَحْوَ الكَعْبَةِ، فَجَعَلَ المَسْجِدَ الَّذِي بُنِيَ ثَمَّ يَسَارَ المَسْجِدِ بِطَرَفِ الأَكَمَةِ،
وَمُصَلَّيِ النَّبِّ ◌ََّ أَسْفَلَ مِنْهُ عَلَى الأَكمَةِ السَّوْدَاءِ، تَدَعُ مِنَ الأَكْمَةِ عَشْرَةَ أَذْرُعِ أَوْ نَحْوَها،
ثُمَّ تُصَلِّي مُسْتَقْبِلَ الفُرْضَتَينِ مِنَ الجَبَلِ الَّذِي بَيْنَكَ وَبَينَ الكَعْبَةِ.
٤٩٢ - قوله: (نحو) ظرف للصفة المشبهة أعني الطويل - والراوي عدد تلك المواضع
بقوله وإن عبد الله بن عمر حدث.

١٠٥
كتاب الصلاة
أَبْوَابُ سُتْرَةِ المُصَلِّي
٩٠ - بابٌ سُتْرَةُ الإِمَامِ سُتْرَةُ مَنْ خَلِفَهُ
٤٩٣ - حدّثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُبَيدِ
اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ: أَقْبَلتُ رَاكِبًا عَلَّىَ حِمَارٍ أَتَانٍ،
وَأَنَا يَوْمَئِذٍ قَدْ نَاهَزْتُ الإِحْتِلَامَ، وَرَسُولُ اللَّهِ وَلَهِ يُصَلِّي بِالنَّاسِ بِمِنْىٌ إِلَى غَيرِ جِدَارٍ،
فَمَرَرْتُ بَيْنَ يَدَي بَعْضِ الصَّفِّ، فَنَزَلتُ وَأَرْسَلتُ الأَتَانَ تَرْتَعُ، وَدَّخَلتُ فِي الصَّفِّ، فَلَّمْ
يُنْكِرْ ذلِكَ عَلَيَّ أَحَدٌ. [طرفه في: ٧٦].
وهذا لفظُ حديث أخرجه ابن ماجه وإسناده ساقط، ولذا لم يومىء إلى كونِهِ حديثًا وهذا
من رفعةٍ شأنهِ وعلوِّ كَعْبِهِ حيث لا يَلْتَفِت إلى أمثال هذه الأحاديث، وهو مذهبُ الجمهور،
ومذهب مالك أَنَّ سُتْرَة الإِمام سترة له خاصة، وهو بنفسهِ سُترة للقوم، وليست سُترته سُترة
للقوم، فلو مَرَّ مار بين الإِمام وسُتْرَتِه فهو غير مارّ أمام القَومِ عنده، لكونَ الإِمام سُتْرَة لهم.
ثم ليُعْلَم أنَّ هذا الحديث أيضًا يُنْبِىءُ على أَنَّ صلاةَ الجماعةِ صلاة واحدة بالعدد، لا أَنَّها
صلوات بعدد مَنْ فيها، ولذا اكتفي فيه بسُتْرَة واحدة، ولو كانت تلك صلوات لاحتاج كُلُّ مَنْ
فيها إلى سُتْرَة سترة؟ مع أَنَّ الأحاديث فيها وَرَدَت عامة أعني بدون تَعَرُّض إلى حال الجماعةِ أو
الإِنْفِرَادِ، فَهَلَّا حَملُوها على العموم؟ ولِمَ لم يقولوا بوجوب السُّتْرَة لكل؟ وكذلك قوله ◌َّ ((لا
صلاةَ إلا بخطبة)). فَلِمَ لم يوجبوا الخُطبة على رجل رجل؟ فكان المناسِب لهم أَنْ يَقِيسوا عليه
قوله {َالخير ((لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب؟)) وشرحوه بمثله.
والحاصل: أَنَّ الشريعةَ جعلت صلاةَ الجماعةِ نوعًا متغَايِرًا لصلاةِ المنفرد، وأقامت لكُلِّ
منهما بابًا، وحينئذٍ إجراءُ أحكام نوع على نوع منازعة بالشَّارع، ورفع صوت فوق صوته وافتيات
عليه، ألا تَرَى أنَّه نَهَى عن البيعَ بما ليس عندك، ثُمَّ أقام للسَّلَم بابًا على حِدَة، فهل يُسَوَّغ لك
أن تُخْرِجه من بابه وتُجْرِهِ تحت أحاديث النَّهي وتقُول بحرمتِه! فكذلك صلاة الجماعة أَقَامَ لها
صاحب الشَّرع بابًا مستقِلًا وساقَ له مثل حديث: ((إنَّما جُعِلَ الإِمامُ ليؤتم به)) ثُمَّ لَمْ يَأمر فيه
بالقِرَاءة للمُقْتَدي مع كونِها رُكْنًا ومع تعرضِه فيه إلى أمور أهون منها، بل صَحَّ فيه ((إذا قرأ
فأنصتوا))، ولكِنَّ الذين رَسَخَ في بواطِنهم عموم ((لا صلاة ... )) الخ يُرجِّحون العموم على
الخصوص، ويُجرون على نوع غيرَ حكمه، ويخلطون بين الأبواب فلا يأتونَها مِنْ حيث أُمِرُوا
بإِتيانِها، نعم، وحبُّك الشيءَ يُعمي ويُصِمُّ، فحال صلاة الشافعية كحال بني إسرائيل حيث كانوا
منفردين في حال الاجتماع أيضًا، ولم يكن فيها تضمن وصلاتنا مبنية على التضمن كما أخبرَ به
النَّبِي ◌ََّ: ((الإِمام ضامن))، وواحدة بالعدد كما أحبَّها النَّبي ◌ََّ على لفظ أبي داود، لقد

١٠٦
كتاب الصلاة
أعجبني أَنْ تكون صلاة المؤمنين أو المسلمين واحدة فسمعنا وأطعنا، ووضعناه على الرَّأسِ
والعين بلا كذب ومَيْن، وراجع لتفصيله رسالتي ((فصل الخطاب)) وقد مَرَّ البحث.
ثم إنَّ البخاري والبيهقي اختلفا في شرحه، فَذَهَب البخاري إلى إثبات السُّتْرَة، والبيهقي
إلى نفيه، وإليه مال الحافظُ رحمه الله.
قلتُ: وما ذَهَب إليه البخاري أرجح وقد بيَّنَّا وجهه في العِلْم.
٤٩٤ - حدّثنا إِسْحاقُ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نُمَيرٍ قَالَ: حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ، عَنْ
نَافِعِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ: أَنَّ رَسُولَ اللّهِ وَ ﴿ كَانَ إِذَا خَرَجَ يَوْمَ الْعِيدِ، أَمَرَ بِالحَرْبَةِ فَتُوضَعُ بَيْنَ
يَدَيْهِ، فَيُصَلِّيَّ إِلَيْهَا وَالنَّاسُ وَرَاءَهُ، وَكَانَ يَفْعَلُ ذلِكَ فِي السَّفَرِ، فَمِنْ ثَمَّ اتَّخَذَهَا الأَمَرَاءُ.
[الحديث ٤٩٤ - أطرافه في: ٤٩٨، ٩٧٢، ٩٧٣].
٤٩٤ - قوله: (حَرْبَة) رُمْح صغير .
قوله: (فِيُصَلِّي إليها) أي قريبًا منها .
قوله: (فمن ثم اتخذها الأمراء) ... الخ لأنَّ الإِمام في السلف يكون هو الأمير.
قال الشيخُ ابنُ الهمام رحمه الله: إنَّ السُتْرَة لربط الخَيَال وحَصْرِهِ، فإِنَّ الإِنسان مجبولٌ
على أَنَّ خَيَاله يَنْبَسِط ويَطوف بكلِّ جانب إذا كان في مكان وَسيع، وحيثُ يكونُ المكان ضيقًا
يَنْقَبِض هناك، وينقبِض حتى لا يَبْقَى له جَوَلان وتَظْوَاف فيما وراءه، فإِذا أَرَاد الشَّارِعُ أن لا
يجول خَيَاله بكلِّ جانبٍ وأَن يَمْثلَ بين يديه كما يَنْبَغِي له أمره بالسُّتْرَة لذلك.
قلت: والذي وَضَح لدي أَنَّها لقصر وَصْلَة المناجاة صونًا لها عن القطع، فإِنَّ المُصلِّي
يُناجي رَبَّهُ ويواجهه كما أخرج أبو داود عن سَهْل في باب الدنو من السُّتْرَة: ((إذا صلَّى أحدُكم.
إلى سُتْرَة فليدن منها لا يقطع الشيطانُ عليه صلاتَه)). فتلك المناجاة والمواجهة قائمة بينه وبين
القِبلة ما دام يُصلِّي، فإِنَّ رَبَّهُ بينه وبين القِبْلَة، ولذا حَكَم الشّرع على المارِّ أَنَّه شيطان لأنَّه مَرَّ
بين العبدِ ومولاه، فَأَرَاد أَنْ يَحْصُر تلك المواجهة لئلا يَضِيق الطريق على المارين، فَنَهَى
المصلِّي أَنْ يُصلِّي في حاقٌ الطريق، وإذا صَلَّى في غَيْرِ الطريق أمره أَنْ يَغْرِزَ سُتْرَة وأَمَر المارَّ أَنْ
لا يَمُر بين يَدَي سُتْرَة ولكن يَمُر وراءها، وهذَّده وحذَّرهَ ووعَدَه، فلو مَرَّ بعد هذه التمهيدات أيضًا
لم يكن إلا شَيْطَانًا مَقْصُوده الحيلولة بَيْنَه وبين رَبِّه، وقَطْع تلك الوَصْلَة التي قامت في الصَّلاة
وهو عند أبي داود عن أبي سعيد الخُذْرِي مرفوعًا قال: ((من استطاع منكم أَنْ لا يَحُول بَينَه وبين
قِبْلَته أحد فليفعل)). وعلى هذا لا أَتأوَّل في أحاديث القَطْع وأَحْمِلها على ظاهرها .
وأقول: إنَّ المرأةَ والكلب والحمار كلها تقطع الصَّلاة، أي تلك الوَصْلَة، وهذا كما إذا
جَرَى بيْنَكَ وبين أَحدٍ محادثة، فلو قَعَدَ رجلٌ في الوسطِ تراه أنَّه قَطَع كلامَك ومحادثَتك فهو
أيضًا نوع من القَطْع أيضًا بدون تأويل ولا بُعْدَ فيه، فإِنَّ الشَّرِيعة قد تُخْبِر عن الغائِبات بما تَرَاه
ولا نراه فأخبرت بإقامة الوَصْلَة، وكذلك أَخْبرَت بقطْعِها عندَ المرور، فما لنا أَنْ ننكِره أو نُؤْوِّل
فيه؛ نعم هذا قَطْعٌ على عُرْفِه وطَرِيقه، وإنْ لم يُسَمِّه الفقهاء قطعًا على اصطلاحهم، فإن

١٠٧
كتاب الصلاة
أحكامَهم تتعلق بعالم الشَّهادة وتلك الوصلة مِنْ عالم الغيب، وكذا الاستواء على العرش،
والمعية، وقربه تعالى، كلها من باب واحد عندي، لا نُذْرِك كيفياتِها في غير أن نقول بتشبيه أو
تجسيم كما يقوله الزائغون، فكما أَنَّ تلك الأشياء كلها على ظاهرها بدونٍ تأويل عند الأئمة
الأربعة، كذلك هذه المواجهة ووصلة المناجاة عندي.
والتحقيق عندي: أنَّها كلُّها تجليات من الله سبحانه وقد قلت فيه :
على ألوانٍ أطْوَارِ الخَلِيقَهْ
رأيتُ بليلةٍ ظلماءَ نورًا
وتلك له زجاجاتٍ رقيقَهْ
تجلى في صفاتِ الكونِ شَتَى
وذلك في زجاجاتٍ أنيقَهْ
كمِشكاة ترى المِصْبَاح فيها
عَبرَت مِنَ المجازِ إلى الحقيقَهْ
فَحَيَّر ناظري رُؤيَاه حتى
وكلُّ الكون قد وسِعَت دَقِيقَهْ
عبارات ومعنىّ ليس إلا
رَأى كلَّ الورَى عبرَ الطريقَهْ
ومَنْ قصد النّهاية في مداه
وسيجيء البحث على معنى التَّجَلِّي بما يكفي ويشفي إن شاء الله تعالى.
ثم إنَّ تلك الوَصْلَةِ لمَّا كانت مِنْ عالم الغيب لا يكون قطعه إلا فيه، ولا يكون محسوسًا،
وهو مَحْمَل حديث -: ((أَفْطَرَ الحاجمُ والمَحْجُوم)) -، عندي أعني به إفطار حقيقة الصَّوم بدون
تأويلٍ في نظر الشَّرْعِ، وإِنْ لم يَكُن إفسادًا في نظر الفقيه. فمن احْتَجم فقد أَفْطَر في نظر الغيب
وإنْ بقي صائمًا في نظر الفقيه لما مَرَّ مني من قَبْل، أَنَّ الطَّهارة وإِنْ لمْ تكن شَرِيطة في الصيام
لكنَّه لا شَكَّ في كونِها مطلوبة، فإِذا انْتَقَّضَت بخروج الدم وانتقصت، انتقض صومه وانتقص،
فكان إفطارًا عند الشَّريعة في الجملة، وإِنْ زَعَم أَنَّه صائمٌ ولا سيما إذا كان الصيامُ تحصيلًا
للتَّقْوَى وتشبهًا بالملائكة، فإِنَّهم يتنفرون عن الدِّماء في غايته، ولذا قالوا: ﴿وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ﴾
[البقرة: ٣٠]. فذكروا من نقائِصه ما يُوجِب نقيصة في عالَمِهم وهو معنى قوله: ((من أصبح جنبًا
فلا صوم له)). فإِنَّ الجنابَة قدحت في صَوْمِه وأدخلت فيه نقيصة، والملائكة لا يدخلون بيتًا فيه
جُنب.
وأمّا قول عائشة رضي الله عنها: ((عدلتمونا بالكلب والحمار)). فيبنى على عَدَمِ القَطْع
الحسي كما هو نَظَرُ الفقيه، وقد مَرَّ مني غير مرة أَنَّ التَعارُضَ بين الأحاديث قد يكونُ قصدياً
يعني به الاطلاع على مراتب الشيء، وقد يُرَادُ به التنبيه على اختلاف العوالِم والأَنْظَار، فَترِد
عليك الأحاديث في قَطْع المرأة الصَّلاةِ، وترد عليك أَنَّ عائشةَ رضي الله عنها كانت تكون
تعترض في قِبلَتِهِ اعتراض الجِنَازة وهو يُصلِّ، وكذلك يَرِد عليك أَنَّ مَنِ احتجَمَ فقد أَفْطِرِ، ويَرِد
عليك أَنَّه احتجم وهو صائم، وهكذا يُروى لك ((من أصبح جُنبًا فلا صوم له))، ويُنقل أنَّه أصبح
صائمًا وهو جنب مِنْ غيرِ احتلام، وذلك لأنَّه قد عنى في بعض هذه الرِّوايات حكم هذه الأشياء
في عالم الغيب، وفي بعض آخر حكمها في عالم الشَّهادة. وقد مَرَّ منا أَنَّه لا يجبُ توافق
الحكم بين العالمين.
ثم إِنَّ أحمد رضي الله عنه جزم بقَطْع الصَّلاةِ مِنَ الكلبِ الأسود، ووقع هذا القيد في

١٠٨
كتاب الصلاة
الرِّوايات أيضًا، وروي: أنَّه شيطان. ولعلَّ فيه معنى الإِيذاء وغيره. ما ليس في غيره، وهكذا
سمعنا من الراقيينِ أَنَّهم يطلبون الكلب الأسود، وسمعنا أَنَّ الجِنَّ يظهرون ويتشكلون بشكل
الكلب الأسود، وإنَّما جزم بالقَطْع فيه لأنَّه لم تَرِد فيه مادة فيِ الجانبِ المُخَالِف، وتردد في
قطع الحمار لأنَّ رُوِيَ فيه حديث ابن عباس رضي الله عنهما: أنَّه جاء على أتان، كما مَرَّ الآن
ولم يَقْطَع ذلك صلاته، ولذا قال فلم ينكر ذلك عَليَّ .
وكذلك تردد في المرأةٍ(١) لأنَّه ثبت اعتراض عائشة رضي الله عنها بين يديه وهو يُصلِّي،
أمَّا الكلب فلم يَرِدَ فيه شيء بخلافِه فَجَزَم به .
قلت: وفي ((الدر المنثور)) أنَّ هؤلاءِ الثَّلاثةِ لا يُسَبِّحون، وروي في حديث صحيح(٢)
الاستعاذة عند نَهِيقِ الحمار، فهؤلاء كالميت غافلون عن الذِّكْرِ فاعتراضُها حالِ الصَّلاة التي هي
الذِّكْر الأكْبَر عُذَّ قاطعًا لها، ولذكر الله أكبر. ولعلك عَلِمْتَ مِنْ هذا البحث أَنَّ السُّتْرَة يجبْ أَنْ
يكون واجبًا وهو مذهب الشافعي رحمه الله واستحبه الحنفية.
قلت: كيف وَوَرَدَ الوعيد في تَرْكِها(٣) فليتَ الحنفية اعتبروها أزيد مما في كتبهم (٤). ولا
يخفى أَنَّ الراوي قد يَتَعَرَّض إلى الخُصُوص لتردد فيه، فيُرِيد أَنْ يُشْهَرَ أمرُهُ ويُنوَّهُ ذكره كما فعل
ههنا، فلعلَّ النَّاسَ تهاونوا فيها فأَرَاد بتعرُّضِه إليها أَنْ يَهْتَم بها النَّاس وهكذا فَعَله ابنُ عمر
رضي الله عنهما في رفع اليدين، فَتَعرَّض في حديثهِ إلى الرَّفع في الموضِعين خاصة، وتَعرَّض
إلى نفيهِ في السُّجود خاصة، وخَصَّصَهُ بالذِّكْرِ مِنْ سائِرِ أَفْعَالِ الصَّلاةِ، فَدَلَّ على أَنَّ في مض
لمطمعًا، والشافعيةُ غفلوا عنه أو تَغَافلوا فإِنَّ الحديثَ يَضُرهم مِنْ جِهَةٍ أُخْرَى لدلالته على أَنَّ أَمْرَ
الرفع صار خاملًا في زَمَنِه إلى أَنِ احتاج إلى إِثباتِه وتأكيدهِ وتَشْهِيرِهِ، وإلا فَمَنْ يَتَعرَّض إلى أمر
مُسَلَّمَ بين النَّاس، فذقه أنت فإِنْ كان الأمرُ كذلك فمن أخمله إلا الصحابة رضي الله عنهم، وهل
كان إذ ذاك غيرهم فانْظُر ماذا ترى.
٤٩٥ - حدّثنا أَبُو الوَلِيدِ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَوْنِ بْنِ أَبِي جُحَيفَةً قَالَ: سَمِعْتُ
(١) وعند أبي داود عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: ((تقطع الصَّلاة المرأة الحائضة))، وفي رواية أخرى: ((يَقْطَع
صلاته الكلب والحمار والخنزير واليهودي والمجوسي والمرأة .. الخ)) ففي الرواية الأولى قَيَّد الحائضة وفي
الثانية ذكر بعض أشياء أُخر أيضًا.
(٢) أخرجه الترمذي في الدَّعوات في باب ما يقول إذا سمع نهيق الحمار.
(٣) فعند أبي داود في باب ما يَقطع الصَّلاة - عن يزيد بنِ عِمْران قال رأيتُ رجلًا بتبوك مقعدًا فقال: مررت بين يدي
النَّبِيِ وَّر وأنَا على حِمَار وهو يُصلِّي فقال: ((اللهم اقطع أثره) فما مشيت عليها بعد.
(٤) قلت: ويَظْهَر الجواب للحنفية رحمهم الله تعالى بما ذَكَرَهُ الشيخ فيما مَرَّ أَنَّ الوجوب والحرمة لا يَعْتَمِدَان على
الأَنْظَار المعنوية فإِنَّ النَّوم في الجَنَابة يُوجِب الحرمان وكذا ترى التسمية قَبْل الوضوء وقُبيل الأكل، كله يوجب
الخُسران إلا أَنَّ الحنفية رحمهم الله تعالى لم يقولوا بوجوبٍ واحدٍ منها، وذلك لِفُقْدان دليل الوجوب عندهم
وهو أمر الشارع، غير أنَّه وَرَدَ الوعيدُ على التارك في باب السُّتْرَة، وهو أعلى ما يَثْبُت به الوجوب، ولذا لم يجب
به الشيخ رحمه الله تعالى ههنا، فافهمه.

١٠٩
كتاب الصلاة
أَبِي: أَنَّ النَّبِيَّ نَّهِ صَلَّى بِهِمْ بِالْبَطْحَاءِ وَبَيْنَ يَدَيهِ عَنَزَةٌ، الظُّهْرَ رَكْعَتَينٍ، وَالعَصْرَ رَكْعَتَينٍ،
يَمُرُّ بَيْنَ يَدَيهِ المَرْأَةُ وَالحِمَارُ. [طرفه في: ١٨٧].
٤٩٥ . قوله: (الُظُهرَ رَكعتين والعَصْرَ رَكعتين) لا دليلَ فيه على الجمع أصلًا، لأنَّ الراوي
جَمَعَ بينهما في الذِّكْرِ فقط، كما يجمع بل أشراط الساعة، فيذكرها بالواو ويقول: يكون كذا
وكذا مثلًا. فيزعم الجاهل الغبي أَنَّ الوَقَائِع كلها تَتْرَى مع أَنَّها قَدْ تَكُون بينَها المئات مِنَ
السُّنین.
٩١ - باب قَدْرِ كَمْ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ بَينَ المُصَلَّى وَالسُّتْرَةِ
٤٩٦ - حدّثنا عَمْرُو بْنُ زُرَارَةَ قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ أَبِي حَازِمِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ
سَهْلٍ قَالَ: كَانَ بَينَ مُصَلَّى رَسُولِ اللَّهِوَّهِ وَبَينَ الجِدَارِ مَمَرُّ الشَّاةِ. [الحديث ٤٩٦ - طرفه في:
٧٣٣٤].
٤٩٧ - حدّثنا المَكِّيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ أَبِي عُبَيْدٍ، عَنْ سَلَمَةَ قَالَ: كَانَ جِدَارُ
المَسْجِدِ عِنْدَ المِنْبَرِ مَا كَادَتِ الشَّاةُ تَجُوزُها .
٩٢ - باب الصَّلاَةِ إِلَى الحَرْبَةِ
٤٩٨ - حدّثنا مُسَدَّدٌ قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيى، عَنْ عُبَيدِ اللَّهِ قَالَ: أَخْبَرَنِي نَافِعٌ، عَنْ عَبْدِ
اللَّهِ: أَنَّ النَّبِيَّ ◌َِّ كَانَ يُرْكَزُ لَهُ الحَرْبَةُ، فَيُصَلِّي إِلَيْهَا. [طرفه في: ٤٩٤].
٩٣ - باب الصَّلاَةِ إِلَى العَنَزَةِ
٤٩٩ - حدّثنا آدَمُ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قَالَ: حَدَّثَنَا عَوْنُ بْنُ أَبِي جُحَيفَةَ قَالَ: سَمِعْتُ
أَبِي قَالَ: خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِوَيهِ بِالهَاجِرَةٍ، فَأُتِيَ بِوَضُوءٍ فَتَوَّضَّأَ، فَصَلَّى بِنَا الُهْرَ
وَالعَصْرَ، وَبَيْنَ يَدَيهِ عَنَزَةٌ، وَالمَرْأَةُ والحِمَارُ يَمُرُّونَ مِنْ وَرَائِهَا. [طرفه في: ١٨٧].
٥٠٠ - حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمِ بْنِ بَزِيع قَالَ: حَدَّثَنَا شَاذَانُ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ
أَبِي مَيمُونَةَ قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ وَ إِذَا خَرَجَ لِحَاجَتِهِ، تَبِعْتُهُ أَنَّا
وَغُلَامٌ، وَمَعَنَا عُكَّازَةٌ، أَوْ عَصّا، أَوْ عَنَزَّةٌ، وَمَعَنَا إِدَاوَةٌ، فَإِذَا فَرَغَ مِنْ حَاجَتِهِ نَاوَلنَاهُ
الإِدَاوَةَ. [طرفه في: ١٥٠].
قال الفقهاء: يُسْتَحب أَنْ يَدْنوَ منها ما استطاع لئلا يَضِيق الطريق على المارين. وعند أبي
داود ما رأيت رسول الله وَ﴾ يصلي إلى عود ولا عمود ولا شجرة إلا جعله على حاجبه الأيمن
أو الأيسر ولا يصمُد له صمْدًا .
٤٩٦ - قوله: (وكان بين مُصَلَّى رسولِ اللهِ وَّةِ) قال الحافظُ رضي الله عنه أي مقامه في
صلاتِه يعني به موضِع القدَمين.

١١٠
كتاب الصلاة
قلتُ: بل المرادُ به مَوْضِعُ سجودِه وإلا لا يَبْقَى بينَه وبين القِيْلَة فُسْحَة لسجوده.
٤٩٧ - قوله: (كان جدارُ المسجدِ عند المنبر) وإنَّما تَعَرَّض فيه إلى ذِكْرِ المنبر، لأنَّه معلوم
مِنْ عَمَل الأمة أنها تُصَلِّي في يسار المنبر، فليقدر الفاصلة مما بين المنبر وجدار القِبلة. وفي
((الوفاء)) للسَّمْهُودي أَنَّ وضع المنبر كان منحرفًا ولم أعرف السر فيه وقد يخطر بالبال أَنَّه رَاعَى
فيه جهة القِبْلَة، فكره أَنْ يستذْبِرَها عند الخُطْبَةِ وغيرِها، فَوَضَعَهُ منحرفًا عن جِهَتِها لهذا والله
تعالى أعلم .
وفي إسناده مكي بن إبراهيم وهو اسم راوٍ وليست نسبته إلى شيء، وهو تلميذُ أبي حنيفةً
رحمه الله وأَظنُّ أنَّه حنفي أيضًا وأكثر ثلاثيات البخاري بإسنادِهِ .
٩٤ - باب السُّتْرَةِ بِمَكَّةَ وَغَيرِهَا
٥٠١ - حدّثنا سُلَيمَانُ بْنُ حَرْبِ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنِ الحَكَم، عَنْ أَبِي جُحَيفَةً
قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ وَسَهَ بِالهَاجِرَةِ، فَصَلَّى بِالبَطْحَاءِ: الظُهْرَ وَالعَصْرَ رَكْعَتَينٍ، وَنَصَبَ
بَيْنَ يَدَيهِ عَنَزَةً، وَتَوَضَّأَ، فَجَعَلَ النَّاسُ يَتَمَسَّحُونَ بِوَضُوئِهِ. [طرفه في: ١٨٧].
قال الطّحاوي في مشكِله إِنَّه لا بأسَ بمرورِ الطَّائِفِين أَمَامَ المُصَلِّ عند البيت لأنَّ الطَّاف
بالبيتٍ صلاة، ولا تُوجَد تلك المسألة في المذاهب الأربعة إلا عند الطّحاوي. وهذا الباب ناظرٌ
إليها إلا أَنَّ الصَّلاة في الحديث كانت على نحو ميل من مكة، ومسألة الطَّحاوي في داخل
المسجد. وكانت تلك المسألة مهمة فَتَعَرَّض لها المصنِّف رحمه الله تعالى وترجم عليها .
٩٥ - باب الصَّلاَةِ إِلَى الأُسْطُوَانَةِ
وَقَالَ عُمَرُ: المُصَلُّونَ أَحَقُّ بالسَّوَارِي مِنَ المُتَحَدِّثِينَ إِلَيْهَا. وَرَأَى عُمَرُ رَجُلًا يُصَلِّي
بَيْنَ أُسْطُوَانَتَينٍ، فَأَدْنَاهُ إِلَى سَارِيَةٍ، فَقَالَ: صَلِّ إِلَيْهَا .
٥٠٢ - حدّثنا المَكِّيُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ أَبِي عُبَيدٍ قَالَ: كُنْتُ آتِي مَعَ
سَلَمَةَ بْنِ الأَكْوَعِ، فَيُصَلِّي عِنْدَ الْأُسْطُوَانَةِ الَّتِي عِنْدَ المُصْحَفِ، فَقُلتُ: يَا أَبَا مُسْلِم، أَرَاكَ
تَتَحَرَّى الصَّلَاةَ عِنْدَ هذهِ الأُسْطُوَانَةِ؟ قَالَ: فَإِنِّي رَأَيْتُ النَّبِيَّ ◌َّهُ يَتَحَرَّى الصَّلَاةَ عِنْدَهَا .
قوله: (صلِّ إليها) يعني صلِّ إلى الأُسْطُوَانَة جاعلًا إياها سُتْرَة، ولا تُصَلِّ في البين. وكان
النَّبِيِ نَّهَ يُصلي إلى أُسْطُوَانِتِه في اعتكافِه، واستفيدَ منه أنَّ الصَّلاةَ إلى الأُسْطوانةِ مطلوبة من
المنفرِد لئلا يَتَحَرَّج بها المارُّون. وفي ((مِعْرَاجِ الدِّرَاية شرح الهداية)» - وهو غير مطبوع -: أَكْرَهُ
للإِمام أنْ يقوم بين السَّارِيَتَيْنِ. ونَقَل الشوكاني عن أبي حنيفةَ رحمه الله تعالى في ((النيل)): أَنَّ
المُنْفَرِد يُصَلِّي بين السَّارِيَتَيْن بلا كَرَاهة، والمقْتَدون إِنْ كانوا اثنين فقيامُهما بين السَّارِيَتَيْن مَكْروهٌ
أيضًا وإلا لا، لكونهم أذن صفًا. ولعل التفقه فيه أَنَّ الاثنين قِطعة مِنَ الصَّف فلم انفردا عنه،
وأَمَّا الثلاث فما فوقَه فصفُّ مستَقِل فلا يُكْرَه ولمٍ أَجِدْ هذه المسألة إلا في كتاب الشوكاني ولم
يَكْتُب أَنَّه مِنْ أين أخذها، وأقول بعد التَّجرِبة أَنَّ مَذْهَبَ الحنفية ليس محققًا عند الشوكاني فلا

١١١
كتاب الصلاة
أعتبر به. ولا أَعْتَمِد عليه في نَقْلِ مذهبنا إلا أَنَّ الوجدان يحكُم ههنا، أَنَّ المسألةَ تكونُ كَذلِك
والله تعالى أعلم.
٥٠٢ - قوله: (التي عند المُصْحَف) قال الحافظُ رحمه الله تعالى: إِنَّها أُسْطُوَانة مخلقة.
ورد عليه السَّمْهُودي وقال: والتي عندَ المصحف غيرها .
ثُمَّ إنَّ الراوي يعلمها بأمارات حدثت في زَمَنِ عثمان رضي الله عنه لا أَنَّها كانت في زَمَنٍ
النَّبِيِ وَيُ.
قوله: (قال فإِنِي رأيتُ النَّبيَّ نَّهِ) ولولا مِثْل هذه الوقائع الضمنِيَّة لنفيت ثبوت النافلةِ عن
النَّبِيِ وَِّ في المسجد.
٥٠٣ - حدّثنا قَبِيصَةُ قَالَ: حَدَّثَنَا سُفيَانُ، عَنْ عَمْرِو بْنِ عَامِرٍ، عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: لَقَدْ
رَأَيتُ كِبَارَ أَصْحَابِ النَّبِيِّ وَّهِ يَبْتَدِرُونَ السَّوَارِيَ عِنْدَ المَغْرِبِ. وَزَادَ شُعْبَةُ، عَنْ عَمْرٍو،
عَنْ أَنَسٍ: حَتَّى يَخْرُجَ النَّبِيُّ ◌َِّ. [الحديث ٥٠٣ - طرفه في: ٦٢٥].
٥٠٣ - قوله: (يبتدرون السَّوَاري عند المَغْرِب) وتلك الصَّلاة مستَحَبَّة عند الشافعية،
ومباحة عند أبي حنيفة ومالك، كما قَرَّرَ ابنُ الهمام رحمهم الله تعالى.
وحاصله: أَنَّها تُرِكَ العمل بها ولم يقررها أحد كما قررها الشيخ رحمه الله تعالى
فليراجعه. وعن أحمد رحمه الله تعالى في ((العيني)): ما صَلَّيتها إلا مرةً حين بلغني الحديث.
وكان هذا من دَأَبٍ بَعْضٍ المحدِّثينِ أنَّهم كانوا يَعْمَلون بحديث يَبْلغهم مرة خروجًا عن عُهْدَته،
وعند الحافظ رحمه الله تعالى ما صلَّيتها إلا مرة حتى بلغني الحديث، مكان حين، فانقلب منه
المراد، وهو غلط من الناسخ، والصحيح كما نَقَلَهُ العيني فليُتنبه. ولعلَّ في ((البدائع)) أو كتاب
الحافظ ابن القيم رحمه الله تعالى: أنَّ أحمد رحمه الله تعالى سُئِل عنهما فلم يهتم بشأنهما،
وقال: انْقَطَع بهما العَمَل، فدلَّ أَنَّ الصَّواب كما في العيني، وما في نسخة الحافظ رحمه الله
تعالی سَهْوٌ.
وفي الخَارِجِ أَنَّ الأنْصار كانوا يُصَلُّونها بخلافِ المُهاجرين، وعند أبي داود عن ابنٍ
عمر رضي الله عنهما ما يدل على خُمولها في الصدر الأَوَّل، وفيه ((ورخص في الرَّكعتين بعد
العصر)) ومرجع الضمير عندي ابنُ عمر رضي الله عنهما دون النَّبِي وَّ، ثم في إسنادِهِ محمد بن
جعفر .
قلت: وهو غُنْدَر وقد تَحصَّل الفِقْهَ بمطالعة كُتُب زفر رحمه الله تعالى، وكان زُفر رحمه الله
تعالى، ذهب إلى البَصْرَة لحاجةٍ له فأصرَّ عليه النَّاس أن يقيم بها، فتوفي هناك ولم يدركه
غُنْدَر، فَحِصَّل الفِقه من كُتُبِهِ، ثم إنَّ أهلَ البَصْرَة كانوا سَاخِطين عن أبي حنيفة رحمه الله تعالى،
فكان محمد بن جعفر يُلقي على النَّاس وِيَذْكُر مسائله، لا يذكر اسم أبي حنيفة حتى إذا مدح
النَّاس على مسائِله أَفْصَح باسمِهِ وقال: إنَّها هي مسائل أبي حنيفة، فسكت عليه الناس هكذا
ذَكَرَهُ الطَّحاوي.

١١٢
كتاب الصلاة
٩٦ - باب الصَّلاَةِ بَينَ السَّوَارِي فِي غَيرِ جَمَاعَةٍ
٥٠٤ - حدّثنا مُوسى بْنُ إِسْمَاعِيلَ قَالَ: حَدَّثَنَا جُوَيرِيَةُ، عَنْ نَافِعِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ:
دَخَلَ النَّبِيُّ ◌َّهِ البَيتَ، وَأُسَامَةُ بْنُ زَيدٍ، وَعُثْمَانُ بْنُ طَلَحَةَ، وَبِلَالٌ، فَأَطَالَ، ثُمَّ خَرَجَ،
كُنْتُ أَوَّلَ النَّاسِ دَخَلَ عَلَى أَثَرِهِ، فَسَأَلْتُ بِلَالًا أَيْنَ صَلَّى؟ قَالَ: بَينَ العَمُودَينِ المُقَدَّمَينِ .
[طرفه في: ٣٩٧].
٥٠٥ - حدّثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ نَافِعِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ
عُمَرَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَ دَخَلَ الكَعْبَةَ، وَأُسَامَةُ بْنُ زَيدٍ، وَبِلَالٌ، وَعُثْمَانُ بْنُ طَلَحَةً
الحَجَبِيُّ، فَأَغْلَقَهَا عَلَيهِ، وَمَكَثَ فِيهَا، فَسَأَلْتُ بِلَالًا حِينَ خَرَجَ: مَا صَنَعَ النَّبِيُّ ◌ََّ؟ قَالَ:
جَعَلَ عَمُودًا عَنْ يَسَارِهِ، وَعَمُودًا عَنْ يَمِينِهِ، وَثَلَاثَةَ أَعْمِدَةٍ وَرَاءَهُ، وَكَانَ البَيتُ يَوْمَئِذٍ عَلَى
سِتَّةٍ أَعْمِدَةٍ، ثُمَّ صَلَّى. وَقَالَ لَنَا إِسْماعِيلُ: حَدَّثَنِي مَالِك، وَقَالَ: عَمُودَيْنِ عَنْ يَمِينِهِ.
[طرفه في: ٣٩٧].
وقد مَرَّت المسألة عَنْ قريب أنَّه يجوز للمنفرد وإنْ كان المطلوبُ منه أَنْ يُصلِّي إلى
الأُسْطُوانَة، أَمَّا المقْتَدُون فَعن ابنٍ مسعود (١) رضي الله عنه: أَنَّهما إِنْ كان اثنان فلا بأس، وكرِه
للواحد. وكأنَّ الاثْنين صفّ فلم يَعْبَأ بتخللِ السَّوارِي، بخلافِ ما إذا كان واحدًا، فإنَّه يُوجِبَ
تخللها في صفٍّ واحدٍ، وذلك مناقضٌ لمعنىَ الصفِّ صورةً ومعنىّ.
تنبيه: ونَسَبَ النَّووي إلى الحنفية أنَّ اليمينَ تنعقِد عندهم باللاتِ والعُزَّى، وهو غَلَطٌ
فاحشٌ وليس في أحد مِنْ كُتبنا، ومَنْشَأ غلطه ما في كتبنا لو قال: إن فَعَلْتُ كذا فأنا يهودي انعقد
يمينه، ثُمَّ إن تَعَمْدَهُ بالرضاء كفر أيضًا .
٩٧ - باب
٥٠٦ - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ المُنْذِرِ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو ضَمْرَةَ قَالَ: حَدَّثَنَا مُوسى بْنُ عُقْبَةَ،
عَنْ نَافِعٍ: أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ كَانَ إِذَا دَخَلَ الكَعْبَةَ، مَشى قِبَلَ وَجْهِهِ حِينَ يَدْخُلُ، وَجَعَلَ البَابَ
قِبَلَ ظَهَّرِهِ، فَمَشى حَتَّى يَكُونَ بَينَهُ وَبَيْنَ الجِدَارِ الَّذِي قِبَلَ وَجْهِهِ قَرِيبًا مِنْ ثَلاثةٍ أَذْرُعِ
صَلَّى، يَتَوَخَّى المَكَانَ الَّذِي أَخْبَرَهُ بِهِ بِلَالٌ أَنَّ النَّبِيَّ نَّهِ صَلَّى فِيهِ، قَالَ: وَلَيسَ عَلَىّ
أَحَدِنَا بَأْسٌ إِنْ صَلَّى فِي أَيِّ نَوَاحِي البَيتِ شَاءَ. [طرفه في: ٣٩٧].
٥٠٦ - قوله: (يكونُ بينَهُ وبين الجِدَارِ) ... الخ وفيه أَنَّ الفاصلة كانت بثلاثَةٍ أَذْرُع، وفي
الحديث المارِّ أَنَّها كانت بمَمَرِّ الشَّاة، والوجه أَنَّه أَرَادَ فيما مرَّ بيان الفاصلة إذا كان إمامًا، أمَّا
ههنا فإنَّه كان منفردًا .
(١) وفي تقرير الفاضل عبد العزيز أنه في مجمع الزوائد للهيثمي وأن العمد الكبار حكمها حكم السواري.

١١٣
كتاب الصلاة
٩٨ - باب الصَّلاَةِ إِلَى الرَّاحِلَةِ وَالبَعِيرِ وَالشَّجَرِ وَالرَّحْلِ
٥٠٧ - حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرِ البصريُّ قَالَ: حدّثنا مُعْتَمِرٌ، عَنْ عُبَيدِ اللَّهِ، عَنْ
نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ بََّ: أَنَّهُ كَانَ يُعَرِّضُ رَاحِلَتَهُ فَيُصَلِّي إِلَيهَا، قُلتُ: أَفَرَّأَيتَ
إِذَا هَبَّتِ الرِّكَابُ؟ قَالَ: كَانَ يَأْخُذُ هذا الرَّحْلَ فَيُعَدِّلُهُ، فَيُصَلِّي إِلَى آخِرَتِهِ، أَوْ قَالَ:
مُؤَخَّرِهِ، وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَفعَلُهُ.
والمرادُ به ههنا بيان مسألة السُتْرَة، وأمَّا ذِكْرُ البعير ... الخ، فاحتراسٌ، وتتميمٌ، وكان
بوب عليه في الأنجاس مرَّة لبيانِ الفَرْقِ بين الإبْلِ الواحد والعَطَن، فالبعير إذا كان واحدًا في
سَفَرِهِ وأَمِنَ منه لا يكون في معنى العَطَن حيث يكون فيه الأنْجَاس مع كَثْرَةِ الإبل فَيَسْطُو بعضه
على بعضٍ ويُخَافُ منه الإِيذاء، إلى غيرِ ذلك مِنَ المعاني.
وتَرْجَم ههنا لبيان السُّتْرَة فقط لا للفَرْق المذكور، ثُمَّ مِنَ العجائبِ ما كتبه ابنُ خَالَوَيه في
كتابه المسمَّى بـ: (ليس)) أَنَّ البعيرَ في لغةِ العرب بمعنَى الحمار أيضًا.
٥٠٧ - قوله: (آخِرَتِه) ونَقَّح الحنفيةُ مناطَه فقالوا: إنَّ كلَّ شيءٍ بِقَدْرِ الذِّراع في غَلْظِ
الأُضْبَعِ لَيَصْلُح للسُّتْرَة، أما الخط عند فقدانها ففي ((الهداية)) أنَّه غير معتبر، وفي ((الفتح)) عن
صاحِبَيْهِ أَنَّه معتبرٌ.
قلت: وهو الذي يَليقُ به العمل، لحديثٍ فيه عند أبي دَاوُد، وإن كان مضطربًا عند عامة
المحدِّثين، فإنَّه رُويَ عن أحمد أنَّه قابِل للعمل، والخطُ يكونُ بشَكْلِ الهِلال، ولعله مانعٌ عن
مُرور الشيطان كما نشاهده عن الراقين عند رَقْبِهِم بمن صَرَعه الجِنُّ يَخُطُون حوله خَظًا ويُسمُّونَه
الحِصَار، لأنَّ الجِنَّ يحصر به ولا يستطيع أَنَّ يَخْرُج منه، كما فَعَلَه النَّبي ◌َِّ مع ابنِ مسعود
رضي الله عنه في ليلة الجِنِّ، ثُمَّ إنَّ قولَه: إلى آخرِهِ، يَدُل على أنَّ الغَرْزَ ليس بِشَرْطِ وَيَكْفي له
الوَضْعُ أيضًا .
٩٩ - باب الصَّلاَةِ إِلَى السَّرِير
٥٠٨ - حدّثنا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيبَةً قَالَ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنِ
الأَسْوَدِ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: أَعَدَّلتُمُونَا بالكَلِبِ وَالحِمَارِ؟ لَقَدْ رَأَيْتُنِي مُضْطَجِعَةً عَلَىَ
السَّرِيرِ، فَيَجِيءُ النَّبِيُّ ◌ََّ فَيَتَوَسَّطُ السَّرِيرَ فَيُصَلِّيَ، فَأَكْرَهُ أَنْ أُسَنِّحَهُ، فَأَنْسَلُّ مِنْ قِبَلِ رِجْلَي
السَّرِيرُ، حَتَّى أَنْسَلَّ مِنْ لِحَافِي. [طرفه في: ٣٨٢].
وفي نُسْخَة على السَّرِير وثَبَتَ السرير - بمعنى جارياني - في السِّيَر: وكان نَسْجُهُ مِنْ سَعَفٍ
النَّخْلِ والحبال، ولذا حملت عليه، وإن كان السَّرِير تطلق على تخت عندهم أيضًا، فالنُّسخة إن
كانت (بعلى)) فالمسألة فيه جواز الصَّلاةِ فَوْقَ السَّرِيرِ، وقد مَرَّ مني أنَّها تجوز مطلقًا، لأنَّ الشَّرْطَ
في السُّجود هو الإلقاءِ والطَّرْح، وذا يَحْصُل عليه بخلاف القُطْن، فإِنَّه لا يحصُل فيه الإِلقاء، بل
يَحْتَاج إلى استمساكِ الرَّأْسِ فلا يَزَال يَخْسِف بهِ، وإِنْ كانت ((إلى)) فالمسألة فيه مسألة السُّتْرَة

١١٤
كتاب الصلاة
ويكون الحاصل أن النبي ( جعل السرير سترة وحينئذ تكون أمامه خشبته المعروضة دون
القائمة، فإِنْ صَلَّى إلى قَائِمَتِهِ فهو ظاهرٌ.
٥٠٨ - أما قوله: (فيتوسطُ السرير) فالظَّاهِر منه أَنَّه صلَّى على الأَرْضِ متوجِهًا إلى وسطه،
وعليه تَرِدُ الألفاظ وإن صلح لغة على أنَّه صلَّى فَوْقَ السرير في وسطه .
قوله: (فَأَكْرَهُ أَنْ أُسَنِّحَهُ) - يعني آرى آجاؤل ـ واعْلَم أَنَّ مسألةَ المرورِ في الفقه فيما إذا مرَّ
أمامَهُ من جانبٍ إلى جانبٍ، ولا تفصيلِ فيه فيما إذا كان قاعدًا فصلّى خلفَهُ رجلٌ هل يَنْسَل أم
ا؟
قلت: فليعمل بهذا الحديث ولا شك أَنَّ الانسلال أَفْيَد، وهو الخُروج من الثَّخْت خُفْيَة،
والسُّنُوحِ أَقْرَب من المرور فلذا كانت تكرهه، والمرادُ من السُّنُوح أن تواجهه بشخصِها - يعني
ميرا شخص سامني آجائي ..
ثم إنَّ المُصلِّي إذا كان في الصحراء جاز له المرور أمامه فيما وراء موضع سجوده عند
فَخْرِ الإِسلام واعتبر الشيخ رحمه الله تعالى موضِعَ نظره فلا يجوز له المرورُ فيه. أمَّا إذا كان في
المسجد الكبير فيجوز له المرور، وإِنْ كان صغيرًا فلا، والكبير عندي ما كان في أربعين ذِرَاعًا .
وراجع المسائل من الفقه. وفي حاشية ((العناية)) للشيخ سعد الدين: أَنَّه لو أَسْبَلَ غشاوة من
السَّقْف كفاه للسُّتْرَة.
قلت: وعلى هذا فَمن كان لا بدَّ أَن يَمُرَّ بين يدي المُصلِّي فَليسبلْ منديله أمامَهُ ثُمَّ ليمر،
ولعلَّهُ یکون أَيْسر له مِن مرورِه كما هو .
١٠٠ - باب يَرُدُّ المُصَلِّي مَنْ مَرَّ بَينَ يَدَيهِ
وَرَدَّ ابْنُ عُمَرَ المار بين يديه فِي التَّشَهُدِ، وَفِي الكَعْبَةِ، وَقَالَ: إِنْ أَبَى إِلَّا أَنْ تُقَاتِلَهُ
فَقَاتِلهُ.
٥٠٩ - حدّثنا أَبُو مَعْمَرٍ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَارِثِ قَالَ: حَدَّثَنَا يُونُسُ، عَنْ حُمَيدِ بْنِ
هِلَالٍ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ: أَنَّ أَبَا سَعِيدٍ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ وَِّ (ح). وَحَدّثنا آدَمُ بْنُ أَبِي إِيَاسٍ
قَالَ: حَدَّثَنَا سُلَّيمَانُ بْنُّ المُغِيرَةِ قَالَ: حَدَّثَنَا حُمَيدُ بْنُ هِلَالِ العَدَوِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو صَالِحِ
السَّمَّانُ قَالَ: رَأَيتُ أَبَا سَعِيدِ الخُدْرِيَّ فِي يَوْمِ جُمُعَةٍ، يُصَلِّ إِلَى شَيءٍ يَسْتُرُهُ مِنَ النَّاسِ،
فَأَرَادَ شَابٍّ مِنْ بَنِي أَبِي مُعَيطٍ أَنْ يَجْتَازَ بَيْنَ يَدَّيهِ، فَدَفَعَ أَبُو سَعِيدٍ فِي صَدْرِهِ، فَنَظَرَ الشَّاَبُّ
فَلَمْ يَجِدْ مَسَاغًا إِلَّ بَيْنَ يَدَيهِ، فَعَادَ لِيَجْتَاز، فَدَفَعَهُ أَبُو سَعِيدٍ أَشَدَّ مِنَ الأُولَى، فَنَالَ مِنْ
أَبِي سَعِيدٍ، ثُمَّ دَخَلَ عَلَى مَرْوَانَ، فَشَكَا إِلَيهِ مَا لَقِيَ منْ أَبِي سَعِيدٍ، وَدَخَلَ أَبُو سَعِيدٍ خَلفَهُ
عَلَى مَرْوَانَ، فَقَالَ: ما لَكَ وَلَاِبْنِ أَخِيكَ يَا أَبَا سَعِيدٍ؟ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ وَِّ يَقُولُ: (إِذَا
صَلَّى أَحَدُكُمْ إِلَى شَيءٍ يَسْتُرُهُ مِنَ النَّاسِ، فَأَرَادَ أَحَدٌ أَنْ يَجْتَازَ بَيْنَ يَدَيهِ، فَلَيَدْفَعْهُ، فَإِنْ أَبِى
فَلْيُقَاتِلُهُ، فَإِنَّمَا هُوَ شَيطَانٌ)). [الحديث ٥٠٩ - طرفه في: ٣٢٧٤].

١١٥
كتاب الصلاة
وفي فِقْهنا: أَنَّه يرده بجهر آية فإِنْ كانت الصَّلاة جهرية يَرْفَعُ بها صوتَه أَزْيَدَ من قراءتِهِ، وإِنْ
كانت سِرِّية ففيها ثلاث أقوال لمشايخْنا، قيل: تَجِبُ سجدة السَّهْو بجهر كلمة، وقيل: بما زاد
على الآية، وقيل: بآية .
قلت: يَجُوزُ الجهرُ بآية في الصَّلاةِ السِرِّيةِ لِمَا ثَبَتَ عن النَّبِي وَلِّ، وله أَنْ يَدْفَعه بالتسبيح
أيضًا. ثُمَّ إِنَّ ابن دقيق العيد ذكر تفصيلًا فيه لا أَذْكُره خوفًا من تهاونِ النَّاس.
قوله: (قاتله (١)) وهو عندنا محمولٌ على مزيدِ الكراهةِ والتقبيح في القلب دون القِتال
حسًا، وحَمَلَهُ الشافعية على ظاهره، فَجَوَّزُوا الدرء بالعملِ أيضًا ويُدرأ عندنا بما مَرَّ، وَذَكَرِ القِتال
في سياق المُبَالغة فقط، وكَتَبَ النَّووي تَحْتَه مسائل الديَةَ، أَنَّ قَتْلَ المارِّ وهو عَجِيب لأنَّه ربما
يَخْبِطُ النَّاظر فيظن أَنَّ الحديثَ ورد في القَتْل مع أَنَّه ليس بمراد، فكان الأولى أَنْ لا يَذْكُرِها،
وعلَّله في الحديث أنَّه شيطان.
قلت: ومن يَسْنَح بينه وبين مولاه فإِنَّه شيطان ولا ريب. ثم اعلم أَنَّ الشيطان من عالَم
الأرواح أعني به أَنَّ له بَدنْ مثالي يَتَصرف في الأجساد كتصرف الجِنّ، فكما أنَّ الجنَّ يركبَ
الإِنسان ويصرعه، ثُمَّ يتكلم بلسانه كذلك يَفْعَل الشيطان أيضًا والله تعالى أعلم بحقائق الأمور
فأمكن، أن يركب على إنسان ويمر به أمام المُصَلِّي (٢).
١٠١ - باب إِثْمِ المَارِّ بَينَ يَدَي المُصَلِّي
٥١٠ - حدّثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ أَبِي النَّضْرِ مَوْلَى عُمَرَ بْنِ
(١) ويُلْحَق به حديثٌ آخر فِيمَن اطلع على رجلٍ في منزلِهِ بلا إِذْنِه هل له فقأُ عينه كذلك أم لا؟ وتَكَلَّم عليه الطحاوي
في مشكِله فقال: وفيما رَوَيْنَا مِنْ هذه الآثار، ما قد دَلَّ على أَنَّه لمَّا كان لصاحب المنزل ترك الاطلاع إلى
منزله، كان قطع له ذلك عن منزله وإن كان في قطعه إياه تلف عين المطلع، وكان مَنْ كان له أَنْ يَفْعَل شيئًا ففعله
معقولًا أَنّ لا ضمان عليه فيه، ثم أَخْرَج عن أبي هريرة مرفوعًا أَنَّ مَنْ فقأ عينَه فلا دِية ولا قِصاص))، ثم قال في
آخر الباب وهذا الذي ذكرنا مما لا يَسع خلافه ولا القول بغيره. انتهى مختصرًا. قلتُ: إِذَن هو كَمَن عض رجلًا
فنزع يده فأندر ثنيته فقال له النَّبِي ◌ِّ ((أَيَتْرُك يده في فمك تقضمها قضم الفَحْل)) أو كما قال، ولكنَّه هل يلائم
مذهب الحنفية فليُنظر فيه .
(٢) قلتُ: وقد يَدُور بالبالِ أَنَّه على حَدِّ قولِه: إنَّ التثاؤب مِن الشيطان، وأَنَّ الاستحاضة رَكضة مِنَ الشيطان، فكل
شيء يُخِلّ بالطاعات يُنسب إليه بأي معنىّ كان، أو يقال إنَّه يُوَسْوِس إلى النَّاس بالمرور فيكون سببًا له كما في
المشكاة في باب المعجزات في حديث أبي سعيد رضي الله عنه في قصةٍ قدوم النَّبِي وَّ ◌ُسفان، وإقامته بها،
حيث قال الصحابة: ما نحن ههنا بشيء، وإنَّ عيالَنا لَخلُوف فقال: والذي نفسي بيده ما في المدينة شعب ولا
نقب إلا عليه مَلَكانٍ يحرسانها قال الصحابة رضي الله عنهم فلمَّا دخلنا المدينة أَغَار عليها بنو عبد الله بن عطفان
وما يهيجهم قبل ذلك شيء - بالمعنى - فكان مِنْ آثار حراستهم ذهولهم عن الإغارة فكذلك الشيطان يُهيج النَّاس
ليمروا، والوجه ما ذكره الشيخ رحمه اللّه تعالى فإنَّ الحديث على ظاهِرِهِ بدون تأويل، وإنَّما ذَكَرْته لمن لا
يستطيع أَنْ يحمل الأحاديث على ظاهرِها وتَتَردد إليه نَفْسُه فلا يُؤمن إلا قليلًا على حد قولهم: إِنَّ المراد مِنَ اللّه
هو القدرة.

١١٦
كتاب الصلاة
عُبَيدِ اللَّهِ، عَنْ بُسْرِ بْنِ سَعِيدٍ: أَنَّ زَيدَ بْنَ خَالِدٍ أَرْسَلَهُ إِلَى أَبِي جُهَيم، يَسْأَلُهُ: مَاذَا سَمِعَ
مِنْ رَسُولِ اللّهِ ن ◌َّهِ فِي المَارِّ بَينَ يَدَي المُصَلِّي؟ فَقَالَ أَبُو جُهَيم: قَالَّ رَسُولُ اللَّهِ وَِّ: «لَوْ
يَعْلَمُ المَارُّ بَينَ يَدَي المُصَلِّي مَاذَا عَلَيهِ، لَكَانَ أَنْ يَقِفَ أَرْبَعِيْنَ خَيْرًا لَهُ مِنْ أَنْ يَمُرَّ بَينَ
يَدَيْهِ)). قَالَ أَبُو النَّضْرِ: لَا أَدْرِي، أَقَالَ أَرْبَعِينَ يَوْمًا، أَوْ شَهْرًا، أَوْ سَنَةً.
وفي مُسْنَد البزَّار أربعين سَنَة بالجزم، وفي حديث آخر مائة سنة كذا نَقَله الحافظ رحمه الله
تعالى .
١٠٢ - باب اسْتِقْبَالِ الرَّجُلِ الرَّجُلَ وَهُوَ يُصَلِّي
وَكَرِهَ عُثْمَانُ أَنْ يُسْتَقْبَلَ الرَّجُلُ وَهُوَ يُصَلِّي. وَإِنَّمَا هذا إِذَا اشْتَغَلَ بِهِ، فَأَمَّا إِذَا لَمْ
يَشْتَغِلِ، فَقَدْ قَالَ زَيدُ بْنُ ثَابِتٍ: مَا بَالَيتُ، إِنَّ الرَّجُلَ لَا يَقْطَعُ صَلَاةَ الرَّجُلِ.
٥١١ - حدّثنا إِسْماعِيلُ بْنُ خَلِيلٍ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ مُسْلِم،
يَعْنِي ابْنَ صُبَيح، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَائِشَةَ: أَنَّهُ ذُكِرَ عِنْدَهَّا مَا يَقْطَعُ الصَّلَاةَ، فَقَالُوا:
يَقْطَعُهَا الكَلبُّ وَالحِمَارُ وَالمَرْأَةُ، قَالَتْ: لَقَدْ جَعَلْتُمُونَا كِلَابًا، لَقَدْ رَأَيتُ النَّبِيَّ ◌َِه
يُصَلِّي، وَإِنِّي لَبَينَهُ وَبَيْنَ القِبْلَةِ، وَأَنَا مُضْطَجِعَةٌ عَلَى السَّرِيرِ، فَتَكُونُ لِي الحَاجَةُ، فَأَكْرَهُ أَنْ
أَسْتَقْبِلَهُ، فَأَنْسَلُّ انْسِلَالًا. وَعَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنِ الأَسْوَدِ، عَنْ عَائِشَةَ: نَحْوَهُ.
[طرفه في: ٣٨٢].
وهل الاستقبال منحصرٌ في المواجهة أو هو أَوْسَع منه، ولعلَّ أهلَ اللُّغة يُخصصونَهُ
بالمواجَهة. ثُمَّ الاستقبال المذكور مكروه عندنا مطلقًا بدون تَفْصيل الاشتغال وعَدَمِه، وفَرَّقَ
المصنِّف بالاشتغالِ وعَدَمِه .
وحاصل تراجم المصنّف رحمه الله تعالى: أنَّه لَا يَقْطَع الصَّلاةَ شيء كما سيجيء مصرحًا،
ولم يُبال بما يُروى في القَطْعِ بالمرورِ، ولذا لم يُخرِج له حديثًا. ولنا: ما رُوِيَ عن ابنِ مسعود
رضي الله عنه موقوفًا وهو مرَفوع حُكْمًا: أَنَّ مَنْ مَرَّ أَمامَ المُصَلِّي فقد قَطَعَ عليهِ نِصْفَ صَلاتِهِ.
وثَبَت منه أمران: كون المارِّ قَاطِعًا مطلقًا، وكذا ثَبَتَ منه عدم بُطْلان صلاتِه. واضطرب
الشارحون في أَنَّ المصنِّف رحمه الله تعالى مِنْ أَي لفظٍ أَخَذَ ترجمَتَه فقالوا مِنْ قِولِه: (وأنا
مُضْطِجِعَة) ثم تَحَيَّرُوا فيه فإِنَّها لا تُؤخَذ منه.
قلت: بل هي مأخوذة مِنْ قوله: ((وأكره أَنْ أستقبله)) ففيه كراهة الاستقبالِ صراحةً، ثُمَّ إِنَّ
قولها: وأنا مضْطَجِعَة على السرير)) صريحٌ في أَنَّ النَّبِيِّ ◌َ كان على الأرضِ، وقد مَرَّ مني
التفتيش فيه في ذيل شرح لفظ ((فيتوسط السرير)).
١٠٣ - باب الصَّلَاةِ خَلفَ النَّائِمِ
٥١٢ - حدّثنا مُسَدَّدْ قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيى قَالَ: حَدَّثَنَا هِشَامٌ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ

١١٧
كتاب الصلاة
عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ بَّهِ يُصَلّي وَأَنَا رَاقِدَةٌ، مُعْتَرِضَةٌ عَلَى فِرَاشِهِ، فَإِذَا أَرَادَ أَنْ يُوتِرَ
أَيقَظَنِي فَأَوْتَرْتُ. [طرفه في: ٣٨٢].
وهي مكروهة إذا كان يَخْشى منه اللغط وإلا لا، ولعلَّها كانت مأمونة عنه فانْدَفَعت
الكراهة .
٥١٢ - قوله: (على فِرَاشِه) وهذا يشير إلى كَونِها على الأرض.
قوله: (فإِذا أرَادَ أَنْ يوتر) ... الخ ولهذا أقول إنَّ عائشة رضي الله عنها ممن يُفَرِّق بين
الوتر وصلاة الليل، بخلاف ابنِ عمر رضي الله عنهما فإِنَّه يُطْلق الوتر على جميع صلاة الليل،
ثُمَّ الحديث دلَّ على تأكّد أمر الوتر، بخلاف صلاةِ الليلِ، ولذا أَيْقَظَهَا النَّبِي ◌َّ للوتر دون
صلاةِ الليل.
١٠٤ - باب التَّطَوُّعِ خَلفَ المَرْأَةِ
٥١٣ - حدّثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ أَبِي النَّصْرِ مَوْلَى عُمَرَ بْنِ
عُبَيدِ اللَّهِ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمُنِ، عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ بَّرُ أَنَّهَا قَالَتْ: كُنْثُ
أَنَامُ بَيْنَ يَدَي رَسُولِ اللَّهِ وَلَِّ وَرِجْلَايَ فِي قَبْلَتِهِ، فَإِذَا سَجَدَ غَمَزَنِي، فَقَبَضْتُ رِجْلَيَّ، فَإِذَا
قَامَ بَسَطْتُهُمَا، قَالَتْ: وَالْبُيُوتُ يَوْمَئِذٍ لَيسَ فِيهَا مَصَابِيحُ. [طرفه في: ٣٨٢].
٥١٣ - قوله: (فإِذا سجد غَمَّزني) وفي النَّسائي لفظ صريح في أَنَّ مسه كان بدون حائلٍ،
فأفادَ الحنفية في مسألة النَّواقض.
١٠٥ - باب مَنْ قَالَ: لاَ يَقْطَعُ الصَّلاَةَ شَيءٌ
٥١٤ - حدّثنا عُمَرُ بْنُ حَفصٍ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي قَالَ: حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ قَالَ: حَدَّثَنَا
إِبْرَاهِيمُ، عَنِ الأَسْوَدِ، عَنْ عَائِشَةٌ (ح). قَالَ الأَعَمِّشُ: وَحَدَّثَنِي مُسْلِمٌ، عَنْ مَسْرُوقٍ،
عَنْ عَائِشَةَ، ذُكِرَ عِنْدَهَا مَا يَقْطَعُ الصَّلَاةَ، الكَلبُ وَالحِمَارُ وَالمَرْأَةُ، فَقَالَتْ: شَبَّهْتُمُونَا
بِالحُمُرِ والكِلَابِ! وَاللَّهِ، لَقَدْ رَأَيْتُ النَّبِيَّ ◌َّهِ يُصَلِّي، وَإِنِي عَلَى السَّرِيرِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ القِبْلَةِ
مُضْطَجِعَةٌ، فَتَبْدُو لِي الحَاجَةُ، فَأَكْرَهُ أَنْ أَجْلِسَ، فَأُوَذِيَ النَّبِيَّ ◌ََّ،َ فَأَنْسَلُّ مِنْ عِنْدِ
رِجْلَیهِ.
٥١٥ - حدّثنا إِسْحاقُ قَالَ: أَخْبَرَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: حَدَّثَنِ ابْنُ أَخِي ابْنٍ
شِهَاب: أَنَّهُ سَأَلَ عَمَّهُ عَنِ الصَّلَاةِ يَقْطَعُهَا شَيءٌ؟ فَقَالَ: لَا يَقْطَعُهَا شَيءٌ، أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ بْشَ
الزُّبَيرِ: أَنَّ عَائِشَةَ زَوْجَ الَنَّبِّ ◌َِّ قَالَتْ: لَقَدْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ وَِّ يَقُومُ فَيُصَلِّي مِّنَ اللَّيلِ،
وَإِنِّي لَمُعْتَرِضَةٌ بَيْنَهُ وَبَيْنَ القِبْلَةِ، عَلَى فِرَاشِ أَهْلِهِ.
أَي مِنْ فعلٍ غير المُصَلِّي لمرورهٍ أَمَامه ولا يريد أنَّه لا يقطعها شيء ولو كان مِنَ المُصَلِّي،

١١٨
كتاب الصلاة
وقد عَلِمْتَ من عاداتِ المصنِّف رحمه الله تعالى أَنَّ رجحانه قَدْ يكون إلى جانب ولا يريد
الإفصاح به، فيضع هناك لفظ ((من)) كأنَّه يعزوه إلى قائل مُبْهم، ولا يَتكفل به قوله: ((وإني على
سرير)) ... الخ وعِدَّه المصنِّف رحمه الله تعالى مِنْ جِنْس المرور ولمَّا كان هذا النَّوعِ مِنَ المرور
غير قاطع، عُلم أَنَّه لا يَقْطَع الصَّلاة شيء وهذا أيضًا مِنْ عاداتِ المصنِّف رحمه الله تعالى أنَّه إذا
اختار جانبًا ذَهَب يهدرِ جانبًا آخر كأنَّه لم يرد فيه شيء، قلنا كَيْفَ وقد صَحَّ فيه أحاديث عند
مُسْلِم وأبي داود مِنْ أَنَّ الحمار والمرأة والكلب قاطعُ الصَّلاةِ بأي معنىّ كان، وإنَّما يَثْبُت خلافه
إِذا ثَبَت في حديث أَنَّ تلك الأشياء الثلاثة لا تَقْطَع الصَّلاة، فإِنْ أَرَاد بالقَطْعِ القطعَ فقها فمِن
أَنْكَره، ونحن أيضًا نقول: إنَّها لا تقطع بمعنى أنَّها لا توجِب البطلان، أما إنَّها لا تقطع أصلًا
فلا نقول به .
١٠٦ - باب إِذَا حَمَلَ جَارِيَةٌ صَغِيرَةً
عَلَى عُنُقِهِ فِي الصَّلاَةِ
٥١٦ - حدّثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ عَامِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ
الزُّبَيرِ، عَنْ عَمْرِو بْنِ سُلَيم الزُّرَقِيِّ، عَنْ أَبِي قَتَادَةَ الأَنْصَارِيِّ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ مَّهَ كَانَّ
يُصَلِّي وَهُوَ حامِلٌ أُمَّامَةَ بِنْتُ زَيْنَبَ بِنْتِ رَسُولِ اللَّهِنَّهَ وَلَأَبِي العَاصِ بْنِ رَبِيعَةَ بْنِ عَبْدِ
شَمْسٍ، فَإِذَا سَجَدَ وَضَعَهَا، وَإِذَا قَامَ حَمَلَهَا. [الحديث ٥١٦ - طرفه في: ٥٩٩٦].
١٠٧ - باب إِذَا صَلَّى إِلَى فِرَاشِ فِيهِ خَائِضٌ
٥١٧ - حدّثنا عَمْرُو بْنُ زُرَارَةَ قَالَ: أَخْبَرَنَا هُشَيْمٌ، عَنِ الشَّيبَانِيِّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ
شَدَّادِ بْنِ الهَادِ قَالَ: أَخْبَرَتْنِي خَالَتِي مَيمُونَةُ بِنْتُ الحَارِثِ قَالَتْ: كَانَ فِرَاشِي حِيَالَ مُصَلَّى
النَّبِيِّ وَُّ. فَرُبَّمَا وَقَعَ ثَوْبُهُ عَلَيَّ وَأَنَا عَلَى فِرَاشِي. [طرفه في: ٣٣٣].
٥١٨ - حدّثنا أَبُو النُّعْمَانِ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَاحِدِ بْنُ زِيَادٍ قَالَ: حَدَّثَنَا الشَّيْبَانِيُّ
سُلَيمَانُ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ شَدَّادٍ قَالَ: سَمِعْتُ مَيُمُونَةَ تَقُولُ: كَانَ النَّبِيُّ نَّهَ يُصَلِّي، وَأَنَّا
إِلَى جَنْبِهِ نَائِمَةٌ، فَإِذَا سَجَدَ أَصَابَنِي ثَوْبُهُ، وَأَنَا حَائِضٌ. وَزَادَ مُسَدَّدٌ عَنْ خَالِدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا
سُلَيمَانُ الشَّيْبَانِيُّ: ((وَأَنَا حَائِضٌ)). [طرفه في: ٣٣٣].
وتدخل فيه مسألتان: الأولى: مسألة الحمل. والثانية: مسألة ثياب الصبي. أَمَّا الحمل
فإِنْ كان بالإِشارة فهو عَمَلٌ قليل كما في عالمكيرية، وإِنْ كان الاستمْسَاك فهو عملٌ كثير وفي
الخارج أَنَّه كان يُشِير بها بالنُّزول عند الركوع ولا بد، فَعَبَّر الراوي عن تَعلقها بنفسِها، وعَنْ
إشارتِهِ إِيَّاها أنَّه صلَّى وهو حاملٌ لها، وإذا رَكَع وضعها، وما للرُّواة وللأنظار الفقهية فهذا توسع
لا غير .
قلت: فأين ذهب رفع اليدين؟ وإنَّما فَعَلَ النبي كذلك وهو في الصَّلاة بيانًا للجواز وهو

١١٩
كتاب الصلاة
التَّعليم الفطري، وهو ما يكون في ضمن الأفعال، أما ما يكونُ باللسانِ كما ترى اليوم فهو طريق
مستحدثٌ مجعول، فكما أَنَّ الأبناءَ يتعلمون حوائجهم عن أوضاع آبائِهِم كذلك الأُمَّة تتعلم دينَها
مِنْ نبيها (١).
وأمَّا المسألة الثانية: فقد مَرَّ عن الشيخ ابنِ الهُمام أَنَّ العِبرة فيه بحملِه، فإنْ كان الصبي
بحيث يتعلق بنفسه ولا يحتاج إلى حمله، لا تنسب تلك الثياب إليه ولا تُعد حاملًا إياها وإلا
نسبت إليه، ويُعدُّ حاملاً وتفسد صلاته. وفي ((المُنية)) إذا كان الحصير كبيرًا وأحد جوانِه نجس
لا بأس بالصَّلاة عليه في الموضع الآخر. وفي إسناده حفص وأنَّه رأى أبا حنيفة رحمه الله
تعالى وهو من تلامذةِ أبي يوسف رحمه الله تعالى، وعبد الواحد بن زياد أيضًا أرى له علاقة مع
أبي حنيفة لما عند الدَّارقطني عند اختتامه عنه أنَّه يقول: سألت أبا حنيفة رضي الله عنه عن
تصدق مال خبيث ومن أين أخذه قال من حديث عاصم بن كليب وفيه أنه دعي إلى لحم شاة
ذبحت بغير إذن أهلها فأمره أن يطعمه المساكين.
١٠٨ - باب هَل يَغْمِزُ الرَّجُلُ امْرَأَتَهُ عِنْدَ السُّجُودِ لِكَي يَسْجُدَ؟
٥١٩ - حدّثنا عَمْرُو بْنُ عَلِيّ قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيى قَالَ: حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ قَالَ: حَدَّثَنَا
القَاسِمُ، عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ: بِثْسَما عَدَلتُمُونَا بِالْكَلبِ وَالحِمَارِ، لَقَدْ رَأَيْتُنِي
وَرَسُولُ اللّهِ بِهِ يُصَلِّي، وَأَنَا مُضْطَجِعَةٌ بَينَهُ وَبَيْنَ القِبْلَةِ، فَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَسْجُدَ غَمَزَ رِجْلَيَّ،
فَقَبَضْتُهُمَا. [طرفه في: ٣٨٢].
ولا عجب إنْ كان يُشير إلى عدم نَقْضٍ مسِّ المرأة.
١٠٩ - باب المَرْأَةِ تَطْرَحُ عَنِ المُصَلِّي شَيئًا مِنَ الأَذَى
٥٢٠ - حدّثنا أَحْمَدُ بْنُ إِسْحاقَ السُّورَمَارِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسى قَالَ:
حَدَّثَنَا إِسْرَائِيلُ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيمُونٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: بَينَمَا رَسُولُ
(١) قلت: ورأيت فيه كلامًا في ((حاشية الزيلعي)) فاستحسنه فنقلتُ منه مختصِرًا قال: وقد ثَبَتَ عنه مَّه وهو حامل
بنت أمامة بنت زينب رضي الله عنها وهو فَوْقَ حَمْلِ المُصحف وتَقْلِيب الأَوْرَاق، وقد نصَّ على جواز هذا في
((المبسوط)) وقال كان فِعْله ذلك في بيته. قلتُ: ذكر ابن عبد البر في ((التمهيد)) وحَكَى أشهب عن مالك رحمه الله
تعالى أَنَّ هذا كان في النَّفلة ومثله لا يجوز في الفَرِيضَة وذكر عن محمدٍ بن إسحق أَنَّه كان في الفَرْض. وقال أبو
عمر: ولا أَعْلم خلافًا أَنَّ مثل هذا مكروه، فيكون إِما في النافلة أو منسوخًا. قال: وَروَى أَشْهَب وابن نافع أَنَّ
مثلَ ذلك في حال الضَّرورة، ولَمْ يُفَرِّق بين الفَرْض والنَّفل. قال: وعند أهل العلم أنَّ أُمامة كان عليها ثياب
طاهرة .... وقال شمسُ الأئمة: وفعله ﴿ كان في وقتٍ كان العمل مباحًا في الصَّلاة وقال في البدائع : .
ثُمَّ هذا الصنيع لم يَكُن مِنْه وَِّ إلا أَنَّه كان محتاجًا في ذلك لعدم مَنْ يحفظها، ولبيان الشَّرع إنَّما هذا غير مُوجِب
فساد الصَّلاة ومثل هذا أيضًا في زماننا لا يُكره لواحد منا لو فعل عند الحاجة، أُمَّا بدون الحاجة فيكره. انتهى.
وذكر الحافظُ رحمه الله تعالى ههنا كلامًا عن النَّووي وهو أحسن، وعن ابن دقيق العيد وهو أَلطَف.

١٢٠
كتاب الصلاة
اللَّهِ وَ﴿ قَائِمٌ يُصَلِّي عِنْدَ الكَعْبَةِ، وجَمْعٌ مِنْ قُرَيشٍ فِي مَجَالِسِهِمْ، إِذْ قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ: أَلَا
تَنْظُرُونَ إِلَى هذا المُرَائِي، أَيُّكُمْ يَقُومُ إِلَى جَزَّورِ آلِ فُلَانٍ، فَيَعْمِدُ إِلَى فَرْئِهَا وَدَمِهَا
وَسَلَاهَا، فَيَجِيءُ بِهِ، ثُمَّ يُمْهِلُهُ، حَتَّى إِذَا سَجَدَ، وَضَعَهُ بَيْنَ كَتِفَيْهِ؟ فَانْبَعَثَ أَشْقَاهُمْ، فَلَمَّا
سَجَدَ رَسُولُ اللَّهِ بَّهَ وَضَعَهُ بَيْنَ كَتِفَيْهِ، وَثَبَتَ النَّبِيُّ وَلَ سَاجِدًا، فَضَحِكُوا حَتَّى مَالَ
بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ مِنَ الضَّحِكِ، فَانْطَلَقَ مُنْطَلِقٌ إِلَى فَاطِمَةَ عَلَيْهَا السَّلَامُ، وَهيَ جُوَيرِيَةٌ،
فَأَقْبَلَتْ تَسْعِى، وَثَبَتَ النَّبِيُّ ◌ََّ سَاجِدًا، حَتَّى أَلِقَتْهُ عَنْهُ، وَأَقْبَلَتْ عَلَيهِمْ تَسُبُّهُمْ، فَلَمَّا
قَضِى رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ الصَّلَّاةَ، قَالَ: «اللَّهُمَّ عَلَيكَ بِقُرَيشٍ، اللَّهُمَّ عَلَيكَ بِقُرَيشٍ، اللَّهُمَّ
عَلَيكَ بِقُرَيشٍ))، ثُمَّ سَمَّى ((اللَّهُمَّ عَلَيكَ بِعَمْرِو بْنِ هِشَامٍ، وَعُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ، وَشَيبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ،
وَالوَلِيدِ بْنِ عُثْبَةَ، وَأَمَيَّةَ بْنِ خَلَفٍ، وَعُقْبَةَ بْنٍ أَبِي مُغِّيطٍ، وَعُمَارَةَ بْنِ الوَلِيدِ)). قَالَ عَبْدُ
اللَّهِ: فَوَاللَّهِ، لَقَدْ رَأَيْتُهُمْ صَرْعى يَوْمَ بَدْرٍ، ثُمَّ سُحِبُوا إِلَى القَلِيبِ، قَلِيبٍ بَدْرٍ، ثُمَّ قَالَ
رَسُولُ اللَّهِ بَّهِ: ((وَأُتْبَعَ أَصْحَابُ القَلِيبِ لَغْنَةً)). [طرفه في: ٢٤٠].
وقد تَرْجَم به مرَّة مِنْ قَبْل لبيان صحة الصَّلاةِ وفسادِها، والمقْصُود بيان مسألة المرأةِ،
وعليك أنْ تُفَرِّق في مثل هذا التَّكرار.
٥٢٠ - قوله: (إلى فَرْئِها ودمِها وسَلَاها) هذا صريحٌ في نجاسة السلا فبطل التأويل
المشهور وقد مرَّ منا كلام علیه.
قوله: (اللهم عليك بقريش) ... الخ قال الدِّمياطي: إنَّه أَوَّل دعاء دعا به النبي ◌َّ على
الكفار.