Indexed OCR Text

Pages 441-460

٤٤١
كتاب الوضوء
حِدَة كما حكم به الشرع، وهَدَرهُ الآخرين وجعلوها كلها بمنزلة واحدة فاضطروا إلى التأويلات،
والله تعالى أعلم.
٧٣ - باب إِذَا أُلِقِيَ عَلَى ظَهْرِ المُصَلِّي قَذَرٌ
أَوْ حِيفَةٌ لَمْ تَفْسُدْ عَلَيهِ صَلاَتُهُ
وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ إِذَا رَأَى فِي ثَوْبِهِ دَماً، وَهُوَ يُصَلِّي، وَضَعَهُ وَمَضى فِي صَلَاتِهِ. وَقَالَ
ابْنُ المُسَيَّبِ وَالشَّعْبِيُّ: إِذَا صَلَّى وَفِي ثَوْبِهِ دَمٌ أَوْ جَنَابَةٌ، أَوْ لِغَيرِ القِبْلَةِ، أَوْ تَيَمَّمَ فَصَلَّى
ثُمَّ أَدْرَكَ المَاءَ فِي وَقْتِهِ، لَا يُعِيدُ.
فَذَر "كندكى " نُسب إلى مالك رحمه الله تعالى أن طهارةَ الثوب عنده من سُنن اللباس لا
من شرائط الصلاة، وكذا طهارةَ المكان سُنةٌ عنده. وذهب جماعة منهم إلى أنها من واجبات
الصلاة وليست شريطة للصلاة، كما في ((الفتح)). وذكر الباجي في ((شرح الموطأ)) القولَ الأولَ.
وظني أن المصنّف رحمه الله تعالى فرَّق بين الابتداء والبقاء: فلو دخل في الصلاة
طاهراً، ثم أُلقي عليه قَذَرٌ بدون صُنْعِه لم تَفْسُد صلاته. ونحوه عن أبي يوسف رحمه الله تعالى:
أن رجلاً لو سجد على موضع نجس، ثم تَنَبَّه من فوره وسجد على مكان طاهر ولم يَمْكُث قَدْر
ركنٍ جازت صلاتُه. فدل علَّّ الفرق بين الابتداء والبقاء عندنا أيضاً، إلا أنه اشترط الفور.
والمصنّف رحمه الله تعالى وإن لم يفصل بين الفور وعدمه إلا أنه فصل في حالة الاختيار
وعدمه، ولعله يتحمل التمادي أيضاً.
قوله: (أو جَنَابةٌ)، وقد مرَّ أنه يدل على نجاسة المَنِيِّ عنده.
قوله: (لغيرِ القِبْلَة) فإِن كان بعد التحرِّي فكذلك المسألة عندنا، وإن كان بدون التحري
فإنه يعيدُها عندنا.
ثم إن هذه واقعة مكة قبل الهجرة ((سَلَى)) بجه دان، وترجمته: ((أو جهري)) غلط (منعة)
حامي. (يحيل) يعني يقول هذا الآخر: ما فعلت، ويقول له الآخر: ما فعلت تهكُّماً. وفي
نسخة: ((يجيل)) أي كأن يسقط أحدُهما على الآخر.
٢٤٠ - حدّثنا عَبْدَانُ قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبِي، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ
مَيُمُونٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: بَيْنَا رَسُولُ اللَّهِنِّ سَاجِدٌ (ح). وَحِدّثْنِي أَحْمَدُ بْنُ عُثْمَانَ قَالَ:
حَدَّثَنَا شُرَيحُ بْنُ مَسْلَمَةَ قَالَ: حَدَّثَنَا إِبْراهِيمُ بْنُ يُوسُفَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي إِسْحاقَ قَالَ:
حَدَّثَنِي عَمْرُو بْن مَيمُونٍ: أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ حَدَّثَهُ: أَنَّ النَّبِيَّ ◌َ﴿ كَانَ يُصَلِّي عَنْدَ
البَيتِ، وَأَبُو جَهْلٍ وَأَصْحَابٌ لَهُ جُلُوسٌ، إِذْ قَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْض: أَيُّكُمْ يَجِيءُ بِسَلَا جَزُورٍ
بَنِي فُلَانٍ، فَيَضَعُهُ عَلَى ظَهْرٍ مُحَمَّدٍ إِذَا سَجَدَ؟ فَانْبَعَثَ أَشْقَى القَوْم فَجَاءَ بِهِ، فَنَظَرَ حَتَّى إِذَا
سَجَدَ النَّبِيُّ نَّهِ، وَضَعَهُ عَلَى ظَهْرِهِ بَيْنَ كَتِفَيهِ، وَأَنا أَنْظُرُ لَا أُغَيِّرُ شَيئاً، لَّوْ كَانَ لِي مَنِعَةٌ،
قَالَ: فَجَعَلُوا يَضْحَكُونَ وَيُحِيلُ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ، وَرَسُولُ اللَّهِ ◌َ﴿ِ سَاجِدٌ لَا يَرْفَعُ رَأْسَهُ،

٤٤٢
كتاب الوضوء
حَتَّى جَاءَتْهُ فَاطِمَةُ، فَطَرَحَتْ عَنْ ظَهْرِهِ، فَرَفَعَ رَأْسَهُ ثُمَّ قَالَ: ((اللَّهُمَّ عَلَيكَ بِقُرَيْشٍ)) ثَلَاثَ
مَرَّاتٍ، فَشَقَّ عَلَيهِمْ إِذْ دَعَا عَلَيهِمْ، قَالَ: وَكَانُوا يَرَوْنَ أَنَّ الدَّعْوَةَ فِي ذلِكَ البَلَدِ مُسْتَجَابَةٌ،
ثُمَّ سَمَّى: («اللَّهُمَّ عَلَيْكَ بِأَبِي جَهْلٍ، وَعَلَيكَ بِعُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ، وَشَيبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ، وَالوَلِيدِ بْنِ
عُتْبَةَ، وَأُمَيَّةَ بْنِ خَلَفٍ، وَعُقْبَةَ بْنِ أَبِي مُعَيطِ)). وَعَدَّ السَّابِعَ فَلَمْ نَحْفَّظُهُ، قَالَ: فَوَالَّذِيَ
نَفْسِي بِيَدِهِ لَقَدْ رَأَيْتُ الَّذِينَ عَدَّ رَسُولُ اللهِ وَ لَ صَرْعَى فِي القَلِيبِ قَلِيبٍ بَدْرٍ. [الحديث ٢٤٠ -
أطرافه في: ٥٢٠، ٢٩٣٤، ٣١٨٥، ٣٨٥٤، ٣٩٦٠].
٢٤٠ - قوله: (دعَا عليهم) ولا تفصيل فيه أن هذا الدعاء كان خارجَ الصلاة أو داخلَها .
وظاهر ((الفتح)) (١) أنه كان بعد الفراع عن الصلاة. ثم إنه إن ضَمَّ معه كلمة الدعاء ((له)) أو ((عليه))
فقال: اللهم عليك بزيد، أو اللهم اهد لزيد، ففيه قولان، ففي قول تَفْسُد، وفي قولٍ آخَر لا
تَفْسُد. أقول: وهذا الأخير أختارُ فلا إشكال.
أما تمسُّك البخاري بالحديث ففيه نظر، أما أوَّلاً: فلأنه لا يدري أنها كانت فريضةً أو
نافلةً. وثانياً: أنه أعادها أم لا؟. وثالثاً: أنه لا دليل فيه على أنه كان يعلم أن على ظهره سَلَا
جَزُور بخصوصه. ويمكن أن يكون أحسَّ منه ثِقْلاً فقط بدون علمه ما هو. ورابعاً: أنه ما الدليل
على أنه تَمادى في صلاته لأنها كانت جائزة؟ لمَ لا يجوز أن يكون تَمَادَى عليها إبقاءً لأَثَرِ الظُلم
واستغاثةً في جَنَابِه تعالى، وَتَرَخُماً منه كما قال في قصة حمزة رضي الله عنه: ((لولا صفيته لتركته
تأكُلُهُ السِّباع)). فهذا أيضاً من باب إبقاء أَثر الشهادة، وتكميل أثر الظلم.
وكما في بئر معونة حيث استُشهد رجلٌ منهم وجعل يُلَطِّخ وجهه بدمه يقول: ((فزت وربِّ
الكعبة)) فهذا أيضاً إبقاء للحالة المحمودة وهي الشهادة، فكذلك يمكن ههنا أيضاً. وخامساً: أنه
لا دليل فيه على أن هذا السلا كان نجساً، وفيه نظر لما في طُرُقه: ((سلا جزور بين فرث ودم))
وسادساً: لما في ((سيرة الدِّمياطي))(٢): أنها كانت أول واقعة دعا فيها النبيُّ نَُّ على أَحَد ولم
يثبت منه قبلها دعاءٌ على أحد فهل يصِح التمسكُ من هذه الواقعة الشاذة الفاذة، التي ترك فيها
النبيُّ ◌َ # عادته المستمرة؟ ويمكن أن يكون دعاؤه وَّ لحال النجاسة، فلو كان الدعاء لحال
النجاسة لم يَجُز التمسك به أصلاً، فإِنه لا يدل إذَن على أن صلاته تلك كانت جائزةً مع
(١) قال الحافظ في ((الفتح)): ففي رواية البزَّار فرفع رأسه كما كان يرفعُ رأسَه عند تمام سجوده، فلما قضى صلاته
قال: اللهم. اهـ. ولِمسلم والَّسائي نحوه. والظاهر منه أن الدعاء المذكور وقع خارج الصلاة، لكن وَقَع وهو
مستقبلٌ القِبلة، كما ثبت من رواية زهير عن أبي إسحاق عند الشيخين -، قال الشيخ رضي الله عنه: ولعله يكون
قطعَ صلاته حينئذٍ ثم دعا عليهم، والله تعالى أعلم. وإن فرضناه أنه مَضى في صلاته ولم يقطعها، يكون إبقاءً
للهيأةِ المحمودة، كما سيجيء في الحوض.
(٢) قال الحافظ في ((الفتح)): ففي رواية الطيالسي عن شعبة في هذا الحديث: أن ابن مسعود رضي الله عنه قال: ((لم
أره دعا عليهم إلاّ يومئذٍ إلخ وفي تقرير الفاضل عبد العزيز: أَنَّ الدمياطي شيخٌ لابن سيد الناس، وابن سيد الناس
شيخ لزين الدين، وهو شيخ للعَيْني والحافظ، فكان الدمياطي شيخاً للحافِظَين ابن حجر والعيني بواسطتين.

٤٤٣
كتاب الوضوء
النجاسة، بل الأقرب أنها كانت بَطَلت فحزن عليها، ولأجل ذلك دعا عليهم. ثم في ((الفتح)
في المجلد(١) الثامن عن تفسير ابن المنذر: أن هذه الواقعة قبل نزول قوله تعالى: ﴿وَثَابَكَ فَطَّهِرْ﴾
[المدثر: ٤] وإنما نزلت تلك الآية بعد هذه الواقعة، فانفصل الأمر. ومن ههنا تَبيَّن أن الآية إنما
سيقت لاشتراط طهارة الثياب، لا لطهارة الأخلاق كما قالوا .
٧٤ - باب البُزَاقِ وَالمُخاطِ وَنَحْوِهِ فِي الثَّوْب
وقَالَ عُرْوَةُ، عَنِ المِسْوَرِ وَمَرْوَانَ: خَرَجَ النَّبِيُّ ◌َّهِ زَمَنَ حُدَيْبِيَةَ، فَذَكَرَ الحَدِيثَ:
وَمَا تَنَخَّمَ النَّبِيُّ ◌َِّ نُخَامَةً إِلَّا وَقَعَتْ فِي كَفِّ رَجُلٍ مِنْهُمْ، فَدَلَكَ بِهَا وَجْهَهُ وَجِلدَهُ.
٢٤١ - حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ قَالَ: حَدَّثَنَا سُفيَانُ، عَنْ حُمَيدٍ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: بَزَقَ
النَّبِيُّ ◌َِّ فِي ثَوْبِهِ. طَوَّلَهُ ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ قَالَ: أَخْبَرَنَا يَحْيِى بْنُ أَيُّوبَ قَالَ: حَدَّثَنِي حُمَيدٌ
قَالَ: سَمِعْتُ أَنَساً عَنِ النَّبِيِّ وَِّ. [الحديث ٢٤١ - أطرافه في: ٤٠٥، ٤١٢، ٤١٣، ٤١٧، ٥٣١،
٥٣٢، ٨٢٢، ١٢١٤].
وأجمعوا على طهارته إلا أنه نُسب إلى سلمانَ الفارسيّ أنه نَجِسٌ بعد تَفْله.
قوله: (وما تَنَخَّمَ النبيُّ ◌َةِ) ... إلخ وقد مرَّ معنا أنَّ طهارةَ فضلات النبيّ ◌َِّ توجد في
كتب المذاهب الأربعة، ثم لا أدري أنها منقولةٌ عن الأئمة أم لا؟ إلا أن القَسْطَلَّاني نَقَل طهارتها
عن أبي حنيفة رحمه الله تعالى بحوالة العيني ولم أجدها فيه، ولخفاء تلك المسألة لم يُفْصِح
بها البخاريُّ في كتابه، ومشى في كتابه على التسوية بينها وبين فضلات سائر الناس في أمر
الطهارة والنجاسة، وهكذا فعل في الماء المستَعمل، وضُعِّفَت رواية نجاستِه عن الإِمام درايةً
وروايةً، لإِنكارها مشايخ العراق مع كونهم أثبت.
٧٥ - باب لاَ يَجُوزُ الوُضُوءُ بِالنَّبِيذِ وَلاَ المُسْكِرِ
وَكَرِهَهُ الحَسَنُ وَأَبُو العَالِيَةَ، وَقَالَ عَطَاءٌ: التَّيَمُّمُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنَ الوُضُوءِ بِالنَّبِيذِ
وَاللَّبَنِ.
٢٤٢ - حدّثنا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ قَالَ: حَدَّثَنَا الزُّهْرِيُّ، عَنْ أَبِي
سَلَمَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، عَنِ النَّبِيِّ نَِّ قَالَ: (كُلُّ شَرَابٍ أَسْكَرَ فَهُوَ حَرَامٌ)). [الحديث ٢٤٢ - طرفاه
في : ٥٥٨٥، ٥٥٨٦].
(١) قال الحافظ في تفسير سورة المدثر. أخرج ابن المُنْذِر في سبب نزولها من طريق زيد بن مَرْئد قال: ألقي على
رسول الله ◌َّلهُ سلا جَزُور فنزلت: ﴿وَتِيَابَكَ فَطْغِرْ ﴾﴾ [المدَّثر: ٤] قال الشيخ رحمه الله تعالى، ويقضي العجب
من الحافظ رحمه الله تعالى أنه لم يُؤم إلى تلك الرواية ههنا، بل نَبَّه عليه في المدثر مع كونها عنده، ولا أراه
نسياناً منه فإنه متيقِّظٌ في غايته ولكنه فعلَه عمداً لما عرفت من عاداته مع الحنفية رحمهم الله تعالى، ولا حول ولا
قوة إلاّ بالله العليّ العظيم.

٤٤٤
كتاب الوضوء
واعلم أنَّ مَحَلَّ الخلافِ(١) فيما إذا أُلقيت في الماءِ تُمَيراتٌ حتى صار حلواً رقيقاً غير
مطبوخ ولا مُسْكر، فإن أَسكر أو طبخ فلا خلاف في عدم الجواز كما في ((المبسوط)). وفي
(البحر)) نقلاً عن قاضيخان: أن الإِمام رجع عنه إلى مذهب الجمهور، والطحاوي أيضاً تركه ولم
ينتصر للمذهب المرجوع عنه، وأخرج له الترمذي حديثاً، وأبو داود، إلا أنه تكلم فيه بوجوهٍ
كلها مدفوع، منها أن في إسناده أبو زيد وهو مجهول. ودفع بأنه مولى عمرو بن حُرَيْث رَوَى عنه
راشد بن كيسان العبسي وأبو روق، كما صرَّح به ابن العربي، مع وُرُوده عن أربعةَ عشرَ طريقاً
بسطها العيني في ((شرح البخاري)). ومنها أن ابن مسعود رضي الله عنه لم يكن في تلك الليلة،
ودفع بأن ليلة الجن متعددة، كما في ((آكام المرجان في أحكام الجان)) والمشهورة منها ما في
القرآن، وهي الدائرة على الألسنة، فأراد بالنفي كونه في تلك الليلة خاصة.
وعند الترمذي في باب كراهية ما يُسْتنجى به، قال أبو عيسى: وقد روى هذا الحديث
إسماعيلُ بن إبراهيم وغيره عن داود بن أبي هند، عن الشَّعْبي عن علقمة، عن عبد الله أنه كان
مع النبيِّ ◌َِّ ليلة الجن الحديثَ بطوله. وهذا صريحٌ في كونه في واحدٍ منها. ثم إن الزيلعي
أخرج طُرُقَ هذا الحديث، وفي سنده عليُّ بن زيد بن جُذْعان، وأخرج عنه مسلم مقروناً مع
الغير، واتفقوا على أنه صدوق إلا أنه سيىء الحِفْظ. قال ابن دقيق العيد: إنه أحسنُ من حديث
أبي زيد، ولم أَرَ أحداً من المحدِّثين صحَّح حديثاً من أحاديث الوضوء بالنبيذ.
وقد مرَّ ابن تيمية على تلك المسألة في ((منهاج السنة)(٢) وتكلم كلاماً لطيفاً جداً، ورأيتُ
(١) وقال الحسن: جاز الوضوء بالنبيذ، وقال الأوزاعي: جاز بسائر الأنبذة، وروي عن عليّ رضي الله عنه أنه كان
لا يرى بأساً بالوضوء بنبيذ التمر - وقال عِكْرِمَة: النبيذ وضوءُ مَن لم يجد الماء، وقال إسحاق: النبيذ الحلو
أحبُّ إليَّ من التيمم، وجمعُهُما أحبُّ، اهـ. كذا في ((عُمدة القاري))، وقال الترمذي: وقد رأى بعضُ أهل العلم
الوضوءَ بالنبيذ، منهم سُفْيان وغيره اهـ.
(٢) قلت: وهذا نصُّ عبارتِهِ في ((المنهاج)): وقول هذا الرافضيّ: وإباحة النبيذ مع مشاركته الخمر في الإسكار
احتجاج منه على أبي حنيفة رحمه الله تعالى بالقياس، فإن كان القياس حقاً بطل إنكاره له، وإن كان باطلاً
بطلت الحجة. ولو احتج عليه بقول النبيِّ وَّر: (كُلُّ مُسْكرٍ خمرٌ، وكُلُّ خمرٍ حرام)) لكان أجود. وأما الوضوء
بالنبيذ فجمهور العلماء يُنْكرونه. وعن أبي حنيفة رحمه الله تعالى فيه روايتان أيضاً. وإنما أخذ ذلك لحديث
رُوي في هذا الباب حديث ابن مسعود وفيه: (تمرة طيبة وماء طهور)). والجمهور منهم يُضَعُّف هذا الحديث
ويقولون: إن كان صحيحاً فهو منسوخٌ بآية الوضوء، وآية تحريم الخمر، مع أنه قد يكون لم يَصِر نبيذاً وإنما
كان باقياً لم يتغير، أو تغيَّر تغيراً يسيراً، أو تغيراً كثيراً مع كونه ماءً على قول مَنْ يُجيزُ الوضوء بالماء
المضاف، كماء الباقلاء، والحِمَّص، ونحوهما، وهو مذهب أبي حنيفة وأحمد رحمهما الله تعالى، وأكثر
الروايات عنه، وهو أقوى في الحجة من القول الآخر، فإِن قوله تعالى: ﴿فَإِن لم تَجِدوا ماءً﴾ [المائدة: ٦]
نكرةٌ في سياق النفي فيعُمُّ ما تغير بإلقاء هذه فيه، كما يعم ما تغير بأصل خِلْقته، أو بما لا يمكن صونه عنه،
إذ شمول اللفظ لهما سواء، كما يجوز التوضؤ بماء البحر وقد قال النبي ◌ّ لما قيل له: أنتوضأ من ماء
البحر، فإِنا نركبُ البحرَ ونحمل معنا الماء القليل فإن توضأنا به عَطِشنا؟ فقال رسول الله وَّ: ((هو الطَّهُور
ماؤه والحِلُّ مَيْتَتُه)).
=

٤٤٥
كتاب الوضوء
روايةً لم أر أحداً منهم يتمسك بها: أخرجها الزَّيْلعي (١) عن الدارقطني،
وفي إسناده سَهْوٌ من الكاتب في موضعين:
قال الترمذي: حديث صحيح، فماء البحر طهورٌ مع كونه في غاية الملوحة، والمرارة، والزُّهُومة، فالمتغيرات
=
بالطاهرات أحسن حالاً، لكن ذاك تغييرٌ أصلي وهذا طارىء، وهذا الفرق لا يعود إلى اسم الماء، ومن اعتبره جَعَل
مقتضى القياس أنه لا يتوضأ بماء البحر ونحوه، ولكن أُبيح لأنه لا يمكن صونه عن المغيرات، والأصل ثبوتُ
الأحكام على وَفْق القياس لا على خلافه، فإن كان هذا داخلاً في اللفظ دخل الآخر، وهذه دلالةٌ لفظيةٌ لا قياسية،
حتى يعتبر فيها المشقة وعدمها. انتهى. هذا ما وجدته في كتابه، فإِن كان مرَّ عليه في موضع آخر أبسط منه
فليرجع إليه، فإني لم أجد الآن إلاّ ما ذكرته.
واعلم أن المسألة لما صارت مَطْعَناً للخواصُ والعوام، وكان شيخي يذكر لها ما لا يذكره غيرُه، ولكنه كان
(١)
يجمل في بيانها على عادته، وكنت مشغوفاً بأن أسمع منه في ذلك أبسط مما يذكره لنا في درسه، فسألته عنها
يوماً وكان عليلاً ففصلها لي شيئاً، ولم أجترىء على أن أكرر عليه السؤال فأُمْله، فلم أزل أراجع إليه بصري كرةً
بعد كرة حتى ألقى الله في صدري ما أُلقي عليك منه، وبدا لي أن أفصِّله، فها أنا أفصله وأحسَبه أن يكون ذلك
هو مراد الشيخ رحمه الله، ولا أجزم به، فإِن كان حقاً فذلك من فضَالته، وإن كان خطأ فمِن نفسي.
واعلم أن العلامةَ الزَّيلَعي أخرج لحديث ابن مسعود رضي الله عنه سبعة طُرُق: الأول: ما عند أحمد رضي الله عنه،
والدارقطني في ((سننه)) عن أبي سعيد مولى بني هاشم، عن حمّاد بن سَلَّمة، عن علي بن زيد، عن أبي رافع عن
ابن مسعود رضي الله عنه: أن النبيَّ ◌َِّ قال له ليلَة الجِنّ: «أمعك ماءٌ؟ قال: لا، قال: أمعك نبيذ؟ أحسبه قال:
نعم، فتوضأ به)). انتهى، قال الدارقطني: عليّ بن زيد ضعيف، وأبو رافع لم يثبت سماعُه عن ابن مسعود رضي الله
عنه، انتهى، قال الشيخ تقي الدين في ((الإمام)): وهذا الطريق أقربُ من طريق أبي فَزارة وإن كان طريق أبي فَزارة
أشهر، فإن عليّ بن زيد وإن ضَعفُ فقد ذُكر بالصدق، قال: وقول الدَّارقطني: وأبو رافع لم يثبت سماعُه عن ابن
مسعود رضي الله عنه لا ينبغي أن يُفْهم منه أنه لا يمكن إدراكه وسماعه منه، فإن أبا رافع الصائغ جاهليّ إسلامي،
قال أبو عمر بن عبد البر في ((الاستيعاب)): هو مشهور من علماء التابعين إلى أن قال: ومَنْ كان بهذه المثابة فلا
يمتنع سماعُه من جميع الصحابة اللهم إلاّ أن يكون الدارقطني اشترط في الاتصال ثبوتَ السماع ولو مرةً وقد أطنب
مسلمٌ في الكلام على هذا المذهب.
ثم أُخرج له طريقاً آخر عند الدارقطني عن معاوية بن سلام، عن أخيه زيد، عن جده أبي سلام، عن ابن غَيْلان
الثقفي: أنه سمع عبد الله بن مسعود رضي الله عنه الحديث، قال الدارقطني وابن غيلان هذا مجهول قيل اسمه
عمرو وقيل: عبد الله بن عمرو بن غيلان. انتهى. ورواه أبو نعيم في كتاب ((دلائل النبوة)) من الطبراني بسنده إلى
معاوية عن عمرو بن غَيلان، والله أعلم.
قلت: وكان الشيخ رضي الله عنه يحسِّن هذين الإِسنادين وإن لم يحكم به الزيلعي. أما تحسين الطريق الأول،
فقد ظهر من كلام الشيخ تقي الدين بن دقيق العيد رضي الله عنه واندفع به نظر الدارقطني. أما تحسين الطريق
الثاني فلا بد له من النظر أولاً في طريقه التام الذي ساقه الدارقطني، وهذه صورة إسناده: حدثني محمد بن
أحمد بن الحسن حدثنا: إسحاق بن إبراهيم بن أبي حسان حدثنا هاشم بن خالد الأزرق: حدثنا الوليد: حدثنا
معاوية بن سلام عن أخيه زيد، عن جده أبي سلام، عن فلان بن غَيْلان الثقفي إلخ.
وللمُحَدِّثِين فيه كلام من وجهين، الأول: من جهة هاشم بن خالد، والثاني: من جهة الثّقَفي، قال الشيخ رضي الله
عنه: أما هاشم ففيه سَهْوُ الناسخ وهو بعد التصحيح هشام بن خالد، وذلك لأن الرواة إنما يُعْرفُون بسلسلة تلامذتهم
وشيوخهم، وقد وجدنا أن ما عند الدارقطني سلسلةُ للتلامذة والشيوخ، وقد وجدنا تلك السلسلة بعينها عند=

٤٤٦
كتاب الوضوء
الأول: أنه كَتَب ((هاشم بن خالد)) مع أنه ((هِشَام بن خالد)) وهو من رواة أبي داود، أخرج
عنه في باب الرجل يموتُ بسلاحه، وباب فِيمَنْ سأل اللَّهَ الشهادةَ.
والثاني: أن في آخر سنده ابنَ غَيْلان. قال الدار قطني: إنه مجهول.
قلت: بل هو عمرو بن غَيْلان كما سماه الزَّيْلعي بعده بقليل. وفي ((الإصابة)): أنه صحابي
صغير، وفي بعض طرقه عبد الله بن عمرو بن غَيْلان، وهو من رجال ابن ماجه. وعَدَّه في ((السنن
الكبرى)) تحت المَسْح على الرجلين من العلماء. والصحيح عندي أن عمرو بن غَيْلان. وبعد
هذا التصحيح يمكن تصحيحُ الحديث أيضاً، ولا أقلَّ مِن أن يكون حَسَناً لذاتِه. ثم إن بعض
السلف أيضاً ذهبوا إليه، منهم سفيان وغيره، هكذا صرَّح به الترمذي وفيه: قال إِسحاق: إن
ابتُلي رجلٌ بهذا فتوضأ بالنبيذ وتيمم أحبُّ إليَّ. ومِثْله رواية عندنا أيضاً.
قلت: وذهب إليه الأَوزاعي أيضاً وبعضٌ من التابعين، كما في (مصنَّف ابن أبي شَيْبَة)).
ثم إن الترمذي قال: وقول مَنْ يقول: لا يتوضأ بالنبيذ أقربُ إلى الكتاب وأشبه، لأن الله
تعالى قال: ﴿فَلَمْ تَجِدُواْ مَآءٍ فَتَيَمَّمُواْ صَعِيدًا طَيِبًا﴾ [المائدة: ٦]. قلت: ولعله يشير إلى أن القول
بجواز الوضوء بالنبيذ زيادةٌ على الكتاب. قلت: والزيادة عليه إنما تمتنع عندنا فلو كان فيه
إشكال لكان على مذهبنا. أما على مذهب الشافعية فإنهم يجيزون الزيادة بخبر الواحد، فعبارتُه
أقرب إلينا في مسألة الأصول.
أبي داود، والذي في تلك السلسلة هو هشام بن خالد لا هاشم بن خالد، فتحدس لنا أن ما في نسخة الدارقطني
=
لعله سهوّ من بعض النُّساخ، وصورة تلك السلسلة عند أبي داود هكذا:
حدثنا هشام بن خالد: حدثنا الوليد عن معاوية بن أبي سلَّام، عن أبيه، عن جده أبي سلَّام، عن رجل من أصحاب
النبي ◌َله ... إلخ، هكذا في باب الرجل يموت بسلاحه وهذه هي السلسلة في إسناد الدارقطني، فلما رأينا اتحاد
الرواة كلهم بين هذين الإسنادين من المبدأ إلى المنتهى غير رجل واحدٍ، فإنه عند الدارقطني هاشم، وعند أبي داود
هشام، تبادر لنا أنه لا يكون عند الدارقطني أيضاً إلاّ ما كان عنه أبي داود، فحكمنا أنه هشام بن خالد، ثم رأينا أن
هشاماً هذا قد أخرج عند أبو داود في: باب مَنْ سأل الله الشهادة أيضاً، فعلمنا أنه شيخه قد يروي عنه أبو داود
حديثاً من تلك السلسلة، وأخرى عن غيرها.
وبالجملة: إذ قد ثبت عندنا أن ما عند أبي داود سلسلة واحدة متصلة للتلامذة والشيوخ، ثم رأيناها عند
الدار قطني بعينها بدون فَرْق بين التلامذة والشيوخ، حكمنا لا محالة أن هاشماً عند الدارقطني لا يكون إلاّ أحد
الرواة من هذه السلسلة، وهي هشام كما عند أبي داود وبعد فليس في هذا الباب إلّ حكم الوجدان، والذوق،
ولا يذوق إلاّ معتنٍ. بقي الثقفي فهو عندي عمرو بن غيلان الثَّقفي كما هو مصرَّح في سند الطبراني المذكور
سابقاً، وهو صحابي صغير كما ذكره الحافظ ابن حجر رضي الله عنه في ((الإِصابة)) وليس بعبد الله بن عمرو
غَيْلان وهو من رجال ابن ماجه والبيهقي لما مرَّ عليه في ((سننه)) لم يجرح فيه ولا وَثَّقَه غير أنه لما عدد العلماء
من السلف الذين ذهبوا إلى افتراض غسل الرجلين عدّة منهم، فدل على كونه عالماً. والسند بعد هذا التصحيح
ليس أقل من الحسن عندي، والله تعالى أعلم.
هذا مراده رحمه الله تعالى على ما أَفهم. ثم الكلام على الطريق المشهور فقد ذكرناه في تقريره للترمذي عندنا،
ولم نذكره ههنا خوف الإطناب ولشهرته بين العلماء.

٤٤٧
كتاب الوضوء
والحل عندي أن النبيذ وإن كان ماء مقيداً إلا أنهم يُحُلونه محل المطلق، لأنهم كانوا
يجعلون الماء المالح حلواً بهذا الطريق، كتبريدنا الماء بالثلج فيلقون فيه تميراتٍ ليظهر
حلاوتها، ثم يشربونها. وإنما كانوا يفعلون هذه لعِزَّة الماء الحلو عندهم، وهذا الطريق كان
معروفاً كما في ((بلوغ الأرب في أيام العرب)) (١) والكرماني، وحينئذ دار النظر فيه، فإِن نظرنا
إلى الاسم فهو مقيَّد، وإنْ رأينا مَحَل استعماله فهو مطلقٌ، وإن شئت قلت: إنه كان ماءً مطلقاً
عندهم عُرْفاً، ولهذا التردد جاءت رواية التيمم مع الوضوء (٢) وراجع له ((العقد الفريد)) وكتاب
((الناسخ والمنسوخ)).
قوله: (ولا بالمُسْكِرٍ) والحديثُ يخالف أبا حنيفة رحمه الله تعالى في مسألة المسكرات،
ويوافق الجمهور. وغرض البخاري منه أنه إذا كان حراماً فعدم جواز الوضوء منه أظهر. قلت:
ومسألة المسكر وإن استنصر له الطحاوي وأجاد فيه، إلا أن تَوَاتُرَ الأحاديثِ يخالِفُه.
٧٦ - باب غَسْلِ المَرْأَةِ أَبَاهَا الدَّمَ عَنْ وَجْهِهِ
وَقَالَ أَبُو العَالِيَةِ: امْسَحُوا عَلَى رِجْلِي، فَإِنَّهَا مَرِيضَةٌ.
٢٤٣ - حدّثنا مُحَمَّدٌ قَالَ: أَخْبَرَنَا سُفيَانُ بْنُ عُيَينَةَ، عَنْ أَبِي حازِمِ: سَمِعَ سَهْلَ بْنَ
سَعْدِ السَّاعِدِيَّ، وَسَأَلَهُ النَّاسُ، وَمَا بَيْنِي وَبَينَهُ أَحَدٌ: بِأَيِّ شَيءٍ دُورِيَّ جُرْحُ النَّبِيِّ ◌َّ؟
فَقَالَ: مَا بَقِيَ أَحَدٌ أَعْلَمُ بِهِ مِنِّي، كَانَ عَلِيٍّ يَجِيءُ بِتُرْسِهِ فِيهِ مَاءٌ، وَفَاطِمَةُ تَغْسِلُ عَنْ وَجْهِهِ
الدَّمَ، فَأُخِذَ حَصِيرٌ فَأَحْرِقَ، فَخُشِيَ بِهِ جُرْحُهُ. [الحديث ٢٤٣ - أطرافه في: ٢٩٠٣، ٢٩١١، ٣٠٣٧،
٤٠٧٥، ٥٢٤٨، ٥٧٢٢].
لا يريد بيان مسألة الدم فقط، بل نظره إلى خصوص غَسْل المرأة، لأنه اختار أن مسَّ
المرأة غيرُ ناقض.
قوله: (عن وجهه) وإنما ذكره طِبْقاً للقِصَّة.
(١) قال السيد محمود الشكري في باب ما يعتبر به جودة الماء عند العرب من كتابه ((بلوغ الأرب)»: وعلى كل حال
أن الماء البارد أنفع، ولا سيما إذا خالطه ما يحليه كالعسل، والزبيب، والسكر، ونحو ذلك، فإِنه من أنفع ما
يدخل البدن، وأحفظ عليه صحته. اهـ. وكنت طالعته في سالف من الزمان، فرأيت فيه ما هو أصرح منه، ولكني
لم أجد فيه الآن غير هذا.
(٢) قلت: وهذا كاللحم، فإِن السمك لحمٍّ حقيقةً، وعليه جرى القرآنُ، إلاّ أنه لا يحنَث به الحالف لكونه مهجوراً
عُرْفاً، فهذا موضِع مُشْكِل، فلحال العرف يسع لنا أن نقول: إِن مَنْ وجد النبيذ فقد وجد الماء المطلق، فينبغي
له أن يتوضأ منه، ولكونه ماءً مقيداً يسوغ لنا أن نقول فيه: إنه معدم للماء فيجب عليه أن يتيمم. فهذه
من مراحل الاجتهاد دون مسائل النصوص، ومَنْ أراد من الحنفية أن يجعلها مسألة منصوصة فقد حاد عن
طريق الصواب، والحق إن شاء الله تعالى ما نبهناك عليه، وله نظائر في الفقه أيضاً أكثر من أن تحصى فعليك
بها .

٤٤٨
كتاب الوضوء
قوله: (قال أبو العالية: امسحوا) ... إلخ يعني قال هذا عند وضوئه. ومعنى المسح على
اللغة لا على العرف الحادث بمعنى إمرارٍ اليد المُبْتَلَّةَ (١).
٧٧ - باب السِّوَاك
وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: بِتُّ عِنْدَ النَّبِّ ◌َِّ فَاسْتَنَّ.
٢٤٤ - حدّثنا أَبُو النُّعْمَانِ قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّدُ بْنُ زَيدٍ، عَنْ غَيلَانَ بْنِ جَرِيرٍ، عَنْ أَبِي
بُرْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: أَتَّيتُ النَّبِيَّ ◌َِّ، فَوَجَدْتُهُ يَسْتَنُّ بِسِوَاكِ بِيَدِهِ، يَقُولُ: (أُعْ أُعْ))،
وَالسِّوَاكُ فِي فِيهِ، كَأَنَّهُ يَتَهَوَُّ.
٢٤٥ - حدّثنا عُثْمَانُ قَالَ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ حُذَيفَةً قَالَ:
كَانَ النَّبِيُّ ◌َّةِ، إِذَا قَامَ مِنَ اللَّيْلِ، يَشُوصُ فَاهُ بِالسِّوَاكِ. [الحديث ٢٤٥ - طرفاه في: ٨٨٩، ١١٣٦].
واعلم أنَّ السواكَ مع كونِه متواتِراً لم يخرِّج المصنّفُ أحاديثَ فضيلته، ولم يهتمَّ به في
تراجمه، نعم أخرج في باب الجمعة حديثاً جيداً مع كونه أليق بباب الطهارة، ولا أدري ما
وجهه؟ ولعله عدَّه من متعلقات الصلاة كما هو نظر الشافعية، ولذا أخرجه في كتاب الصلاة. ثم
الحديث الذي أخرجه في باب الجمعة لفظه: ((مع كلِّ صلاةٍ)) فلم يعتبِرُه من أجزاء الطهارة، ولذا
لم يُذكر في هذا الباب، والله تعالى أعلم.
ثم إنَّ الحنفيةَ قائلون باستحبابه عند القيام إلى الصلاة أيضاً إنْ أبطأ بعد الوضوء.
قوله: (فاستَنَّ): أي فاستواه على أسنانه، مُشْتَقٌّ من السِّنِّ.
٢٤٥ - قوله: (يَشُوص): أي إجراءِ السِّوَاك في داخل الفم.
٧٨ - بابُ دفعِ السِّوَاكِ إِلَى الأَكْبَرِ
٢٤٦ - وَقَالَ عَفَّانُ: حَدَّثَنَا صَخْرُ بْنُ جُوَيرِيَةَ، عَنْ نَافِعِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ: أَنَّ النَّبِيَّ ◌َ
قَالَ: ((أَرَانِي أَتَسَوَّكُ بِسِوَاكِ، فَجَاءَنِي رَجُلَانِ، أَحَدُهُمَا أَكْبَرُ مِنَ الآخَرَ، فَنَاوَلتُ السِّوَاكَ
الأَصْغَرَ مِنْهُمَا، فَقِيلَ لِي: كَبِرْ، فَدَفَعْتُهُ إِلَى الأَكْبَرِ مِنْهُمَا)).
قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: اخْتَصَرَهُ نُعَيمٌ، عَنِ ابْنِ المُبَارَكِ، عَنْ أُسَامَةَ، عَنْ نَافِعِ، عَنِ ابْنِ
عُمَرَ
لعله يريد ترتيبَ إعطائه، ويُستفاد منه كونُه من أشياء الفضيلة.
٢٤٦ - قوله: (وقال عفان) ... إلخ هذا مقاولة مع أن عفان شيخُه، فلعله أخذه منه مقاولةً
(١) قلت: والمَروي عن أبي العالية في ((مصنف)) ابن أبي شيبة أنه اشتكى رِجله فعصبها وتوضأ ومسح عليها، وقال:
إنها مريضةٌ وهذا غير الذي ذكره البخاري على ما لا يخفى عيني.

٤٤٩
كتاب الوضوء
لا مذاكرةً، وما يُسمع من الشيخ في سلسلة الكلام وإن لم يجلس للتحديث فهو مقاولةٌ، فإِن
جلس للتحديث فهو مذاكرةٌ، فالتعهد في المذاكرة أزيدُ من المقاولة، فالمقاولة كمَجْلِس الوعظ.
قوله: (أَرَاني أَتَسَوَّكُ) ويُعْلم منه أنها قصةُ الرؤيا، ومن بعض الألفاظ أنها قصةُ اليقظة كما
عند أبي داود. فذهب بعضهم إلى التعدد وجُمع بأنه رآه أولاً في الرؤيا، ثم وقع في اليقظة،
كذلك وقد كان يرى أشياءَ في المنام ثم تقعُ له مَثْلُها في اليقظة.
قوله: (فقيل لي) وعلم منه أنه شيء فيه فضيلة حيثُ نزل فيه الوحيُّ.
فائدة في معنی الرؤيا
واعلم أن ما يرَونه الأنبياءُ عليهم السلام من أشياءِ الغيب في اليقظة يُقال له: الرؤيا أيضاً،
لأن الرؤيا التي يراها النائم في نومه لا يراها غيرُه، وكذلك الأنبياء عليهم السلام يرون أشياء
في اليقظة ولا يراها غيرُهم. وفي ((الصحيح)) لابن حِبان: أنا بِشارةُ عيسى، ورؤيا أمي، وكانت
رأت نوراً من الشرق إلى الغرب عند ولادته، ثم أطلق عليه الرؤيا، وفي سفر الدانيال: أن يختم
بعد سبعين أسبوعاً على الرؤيا، وعنى بها مشاهداتِ الأنبياء عليهم السلام والنبوة، فما رأى
النبي ◌َّ كان رؤيا عين وإنما أطلق عليه الرؤيا لما قلنا. وسيجيء مزيد بحث في التفسير.
٢٤٦ - قوله: (قال أبو عبد الله: اختصره نُعَيم) وفي ((الميزان)): أن نُعَيماً هذا كان يُزَوِّرُ
حكايات في أبي حنيفة رحمه الله تعالى. لا يقال: إن البخاري إنما أخرجه في الاستشهاد دون
الأصول، لأنا نقول: إنه أخرج عنه في الأصول أيضاً كما في باب فضل استقبال القبلة ...
إلخ، وفي موضع آخر أيضاً، فينبغي أن يُؤوّل ما في ((الميزان)) ويقال: إن معنى التزوير عدمُ
المبالاة لا أنه كان يزوّر بنفسه. ولا ريب في كونه مخالفاً لأبي حنيفة رحمه الله تعالى، لأنه كان
مُنْشئاً وكاتباً للقاضي أبي مطيع البلخي تلميذ الإِمام فأسر بأمره لأمر ثم كان يرميه بالجَهْمية بعد.
ومن مثل هذه الأشياء قال البخاري: ((محمد بن الحسن جَهْمي)) مع أن محمد بن الحسن
يَرُدُّ على الجهم، ويقول: إن الاستواء على العرش صحيح، مَن خالفه فهو جَهْمي، كما في
((الفتح)) وفي ((المسايرة)) لابن الهمام: أَنَّ أبا حنيفة ناظر جَهْماً ثم قال في الآخِر: اخرج عني يا
كافر. فالعجب أنهم كيف يَطْعَنوننا بالجهمية، والله المستعان(١).
(١) قلت: وقد رأيت كلاماً للخطّابي في ((معالمه)) غريباً جداً يفيدك في هذا الباب غاية إفادة، فأذكرُه لك فاحفظه
فإِنه خيرٌ لك من حُمْر النعم، وكان الشيخ رحمه الله تعالى يذكر مِثْله من ذوقه كما ستعرفه في موضع من هذا
الكتاب، وكان موضع تلك العبارة هناك إلاّ أني لم أجده أين هو، فذكرته ههنا لئلا ينسيني الشيطانُ. قال
الخطابي في باب المحافظة على الوقت مفسراً قول عبادة بن الصامت: كذب أبو محمد أن أبا محمد رجلٌ من
الأنصار له صحبةٌ، والكذب عليه في الأخبار غير جائز، والعرب تضعُ الكذب موضع الخطأ في كلامها فتقول:
كذب سمعي، وكذب بصري، أي زلَّ ولم يدرك ما رأى وما سمع ولم يحط به، قال الأخطل:
ملس الظلام من الرباب خيالا
كذبتك عينك أم رأيت بواسط
ومن هذا قول النبي ﴿ ﴿ للرجل الذي وصف له العسل: ((صدقَ الله وكذبَ بطنُ أخيك))، اهـ.

٤٥٠
كتاب الوضوء
٧٩ - بابُ فَضْلٍ مَنْ بَاتَ عَلَى الوُضُوءِ
وضوؤك للصلاة، وهذا وضوء لحال الإحداث لا لحال الصلاة، وأما الآن فهو خامل
عندهم بحيث لا يكادُ يعرفونه، واشتهر عندهم الوضوء لحال الصلاة فقط، لأنَّه في المائدة وهو
الذي في كُتب الفقه، وما عند مسلم: ((الظُّهُور شَظْرُ الإِيمان)) فإِنه يشمل جميع أنواع الوضوء.
وصور التطهير، لا أنه الوضوء المعروف فقط.
٢٤٧ - حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ قَالَ: أَخْبَرَنا سُفيَانُ، عَنْ
مَنْصُورٍ، عَنْ سَعْدِ بْنِ عُبَيدَة، عَنِ الْبِّرَاءِ بْنِ عَازِبٍ، قَالَ: قَالَ لي النَّبِيُّ ◌َّهُ: ((إِذَا أَتَيتَ
مَضْجَعَكَ، فَتَوَضَّأُ وُضُوءَك للصَّلاةِ، ثُمَّ اَضْطَجِّعْ عَلَى شِفِّكَ الإِيمَنِ، ثُمَّ قُل: اللهُمَّ
أَسْلَمْتُ وَجْهِي إِلَيكَ، وَفَوَّضْتُ أَمْرِي إِلَيكَ، وَأَلجَأْتُ ظَهْرِي إِلَيكَ، رَغْبَةً وَرَهْبَةً إِلَيكَ، لَا
مَلجَأَ وَلَا مَنْجَا مِنْكَ إِلَّا إِلَيكَ، اللَّهُمَّ أَمَنْتُ بِكِتَابِكَ الَّذِيَ أَنْزَلِتَ، وَبِنَبِيِّكَ الذِي أَرْسَلتَ،
فَإِنَّ مُثَّ مِنْ لَيلَتِكَ، فَأَنْتَ عَلَى الفِطْرَةِ، وَاجْعَلِهُنَّ آخِرَ ما تَتَكَلَّمُ بِهِ)). قَالَ: فَرَدَّدْتُهَا عَلَى
النَّبِّ ◌َّةِ، فَلَمَّا بَلَغْتُ: اللَّهُمَّ آمَنْتُ بِكِتَابِكَ الَّذِي أَنْزَلتَ، قُلتُ: وَرَسُولِكَ، قَالَ: ((لَا،
ونَبَيِّكَ الَّذِي أَرْسَلتَ)). [الحديث ٢٤٧ - أطرافه في: ٦٣١١، ٦٣١٣، ٦٣١٥، ٧٤٨٨].
٢٤٧ - قوله: (ثم اضْطجع على شِقِّك الأيمن) وهو نوم الأنبياء عليهم السلام، لأنّ
التيامنَ من دَأُب الشرع في جميع المواضع، لأنَّ القلبَ لا يزال معلّقاً فيه، فلا يغرق في النوم
ولا يطرأ عليه الغفلة، وعند أبي داود أن نومهم بالاضطجاع على الظهر، فينبغي أن يفعل أولاً
كما عند أبي داود، ثم يضطجع كما في ((البخاري)). والنوم على البطن من ضجعة أهل النار.
وقالت الأطباء: إن النوم على الشقِّ الأيسر أيسر وأسهل، وأعون في الهضم، وأنفع للصحة.
٢٤٧ - قوله: (وجهي إليك) "منه ياوه جيز جواقبال على الله كى هى" .
قوله: (على الفطرة) يعني تموت كما جئت من عند الله تعالى يعني "جيسا خدا
تعالی کی یهان سی آئی تھی ویساهی جاؤکی ".
قوله: (قال لا ونبيك) ... إلخ لأن في لفظ الرسول تكراراً وتمسك به بعضهم على نفي
الرواية بالمعنى، لأنه لم يجوزه تبديل اللفظ. قلت: النهي ههنا لاستلزامه التأكيد، والتأسيس
أولى .
ثم إنَّ الروايةَ بالمعنى لا تمكن في اللغة العربية، لأنه لا ترادف عند التحقيق، ولا تركيب
يؤدي مؤذَّى تركيب آخر. نعم يمكن تأدية المعنى المشترك فقط، فخصائص كل تركيب على حِدَة
لا يفيدها تركيب آخر، ثم إنهم قالوا: إن أنساً رضي الله عنه وابن عمر ممن كانوا يرويان باللفظ
وابن مسعود رضي الله عنه ممن كان يروي بالمعنى عند ذُهُول اللفظ مع التنبيه عليه، والإمام
رحمه الله تعالى ممن كان يروي باللفظ، لأن يحيى بن مَعِين لمَّا وثَّقَّه قال: ولا نَكْذِبُ بين
يدي الله، فإنا ما رأينا أحسنَ منه رأياً، وكان لا يُحَدِّث إلا بما يحفظ، وكتبوا أيضاً: أنه كان من
شرائطه عدم النسيان ما يرويه مُدَّةَ عُمُره.

٤٥١
كتاب الوضوء
وهو في الأصل منقول عن أبي يوسف رحمه الله تعالى، ثم إنَّ يحيى بن مَعِين ويحيى بن
سعيد القَطَّان يقال هما حنفيان. قلت: وهو على طريق السلف لا كما شاع الآن، ثم إن رأيهما
لم يكن حسناً في حق الشافعي رحمه الله تعالى، وإن لم يكن حسناً فإن الشافعي رحمه الله تعالى
أجلُّ من أن يُخَرِّج فيه مثلُهُما .
فائدة: واعلم أنه ينبغي للجُنُب أن يتوضأ إذا أراد أن ينام لما في ((تنوير الحوالك)): عن
ميمونة بنت سعد: «هل يَرْقُدُ جُنُبٌ؟ قال: لا أُحِب إلا أن يتوضأ، فإني أخشى أن يموت فلا
يَحْضُره جبرائيل)). وقد نقله مولانا عبد الحيّ رحمه الله تعالى في ((حاشية الموطأ)) أيضاً، وكان
ابن عمر رضي الله عنه يفعله إلا أنه لم يكن يمسح في ضوئه هذا، ولعله يكون عنده فيه قدوة،
وفيه عندي أحاديث عديدة جيدة عن النبي ◌ََّ، وقد صرَّحَ فقهاؤنا باستحبابه، وصرَّحوا بأن هذا
الوضوء لا يُنْتَقَض من البول والغائط وراجع ((الدُّر المختار)) و((عين العلم))(١).
(١) واعلم أن عالماً من ما وراء النهر لَخَّص ((إحياء علوم الدين) سماه ((عين العلم))، والغزالي لمّا لم يكن محدثاً
أتى في «الإحياء)» بأحاديث لا أصل لها عند المحدثين، فهذا المُلَخّص أسقطها منها، وعلّق عليٍّ القاري عليه
شرحاً سماه (زين العلم) وقد لخّصه عالم رباني حنفي وسماه ((الطريقة المحمدية))، وخرَّج فيه أحاديث
(الإِحياء)) أيضاً، وأسقط الساقط منها، وأضاف عليه الأحاديث أيضاً رجلٌ آخر، هكذا في تقرير الفاضل
عبد العزيز.

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيَةِ
٥ - كِتَابُ الغُسْلِ
وَقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَإِن كُنْتُمْ جُنُبًا فَأَطّهَرُواْ وَإِن كُنتُمْ فَضَ أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَآءَ أَحَدٌ
مِنْكُمْ مِّنَ الْغَابِطِ أَوْ لَمَسْتُمُ اٌلِسَآءَ فَلَمْ تَجِدُواْ مَآءٍ فَتَيَمَّمُواْ صَعِيدًا طَيِّبًا فَأَمْسَحُواْ بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ
مِنْهُ مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيَكُم مِّنْ حَرَجٍ وَلَكِن يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ
لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [المائدة: ٦]. وَقَوْلِهِ جَلَّ ذِكْرُهُ: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَقْرَبُواْ الضَلَوَةَ
وَأَنْتُمْ سُكَرَى حَتَّى تَعْلَمُواْ مَا نَقُولُونَ وَلَا جُنُبًّا إِلَّا عَِى سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُواْ وَإِن كُم ◌َّرْضَّ أَوْ عَلَى
سَفَرٍ أَوْ جَآءَ أَحَدٌ مِّنَكُم مِّنَ الْغَابِطِ أَوْ لَمَسُْمُ النِّسَآءَ فَلَمْ تَجِدُواْ مَآءٍ فَتَيَمَّمُواْ صَعِيدًا طَيِّبًا
(@). [النساء: ٤٣].
فَأَمْسَحُواْ بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا غَفُورًا
واعلم أنَّ الذَّلْكَ معتبر في الغسل لغةً، وأَقَرَّ به الشيخ ابن الهُمَام رحمه الله تعالى في
(الفتح))، ولذا شرطه المالكية، وما لا دَلْكَ فيه لا يسمى غسلاً، بل يقال له: الصَّبّ والإِسالة،
ولكنه قد مرَّ معنا مرَّة أنَّ اعتبار جميع مراتب المسمَّى أن بعضها من مراحل الاجتهاد، فأخذ
مالك رحمه الله تعالى بجميع مراتبه، وعمَّمه آخرون، ولا يقال فيه: إنه خلافُ النص، فإِن
النص لم يتعرَّض إلى المراتب أصلاً، وإنما أمر بالمسمَّى، وقد قلنا به.
١ - بابُ الوُضُوءِ قَبْلَ الغُسْلِ
٢٤٨ - حدّثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ هِشَام، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ
زَوْجِ النَّبِيِّ نَّهِ: أَنَّ النَّبِيَّ وََّ كَانَ إِذا اغْتَسَلَ مِنْ الجَنَابَةِ، بَدَأَ فَغَسَلٌ يَدَيهِ، ثُمَّ يَتَوَضَّأُ كَمَا .
يَتَوَضَّأُ لِلصَّلَاةِ، ثُمَّ يُدْخِلُ أَصَابِعَهُ فِي المَاءِ فَيُخلِّلُ بِهَا أُصُولَ شَعَرِهِ، ثُمَّ يَصُبُّ عَلَى رَأْسِهِ
ثَلَاثَ غُرَفٍ بِيَدَيهِ، ثُمَّ يُفِيضُ المَاءَ عَلَى جِلْدِهِ كُلِّهِ. [الحديث ٢٤٨ - طرفاه في: ٢٦٢، ٢٧٢] ..
٢٤٩ - حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ سَالِم بْنِ
أَبِي الجَعْدِ، عَنْ كُرَيْبٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ مَيمُونَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ نَّهِ قَالَتْ: تَوَضَّأَ رَسُولَ
اللَّهِ وَّهُ وُضُوءَهُ لِلصَّلَاَةِ، غَيرَ رِجْلَيْهِ، وَغَسَلَ فَرْجَهُ وَمَا أَصَّابَهُ مِنَ الأَذى، ثُمَّ أَفَاضَ عَلَيهِ
المَاءَ، ثُمَّ نَخَّى رِجْلَيْهِ، فَغَسَلَهُمَا، هذا غُسْلُهُ مِنَ الجَنَابَةِ. [الحديث ٢٤٩ - أطرافه في: ٢٥٧،
٢٥٩، ٢٦٠، ٢٦٦، ٢٦٦، ٢٧٤، ٢٧٦، ٢٨١].
وتقديمه على الغسل سنة، والتوضؤ بعده - إن توضأ قبله - بدعةٌ، إلا بالتفاصيل المذكورة
٤٥٢

٤٥٣
كتاب الغسل
في الفقه - وظني أنَّ هذا الوضوء كاملٌ حتى يمسح فيه أيضاً، وأما غسل الرجلين فَأَمْرُه كما في
((القُدُوري)): إن كان المغتسَلُ يجتمع فيه الماء يؤخرهما، وإلاّ فيغسلهما مع وضوئه. ثم في
(فصول البقراطي))(١): أن الغسل بعد الجماع متصلاً قد يورث عِلَّة.
٢٤٨ - قوله: (غرف) والغَرْفة بالفتح في الإِناء، والغُرفة بالضم في النهر، قال تعالى:
﴿إِلَّا مَنِ أَغْتَرَفَ غُرْفَةُ بِيَدِهْ﴾ [البقرة: ٢٤٩].
٢ - بابُ غُسْلِ الرَّجُلِ مَعَ امْرَأَتِهِ
٢٥٠ - حدّثنا آدَمُ بْنُ أَبِي إِيَاسٍ قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ،
عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كُنْتُ أَغْتَسِلُ أَنَا وَالنَّبِيُّ وَجَ مِنْ إِنَاءٍ وَاحِدٍ، مِنْ قَدَحِ يُقَالُ لَهُ: الفَرَقُ.
[الحديث ٢٥٠ - أطرافه في: ٢٦١، ٢٦٣، ٢٧٣، ٢٩٩، ٥٩٥٦، ٧٣٣٩].
وهكذا بوَّب في الوضوء، ص ٣٢ باب وضوء الرجل مع امرأته، فكأنه تَرَكَ مذهب أحمد
رحمه الله تعالى، وقد مرَّ مني تفصيلُ المسألة، وأنَّ الفضل لا يصدق بالغسل جميعاً، وأن مناط
أحاديث النهي هو الأسآر.
٢٥٠ - قوله: (الفَرَق) إناء يسع ثلاثة آصع، فإن كان ملآن يصير لكل منهما صاع ونصف،
والمعروف في عادته في الغسل صاع، وقد مرَّ أنَّه لا تحديد فيه، والأمر تقريبي، وإن كان خالياً
فالأمر تحقيقي، ويصير لكل منهما صاعاً صاعاً، فإنَّه لا يلزم بكون الفَرَق هذا القَدْر أن يكون
الماء فيه أيضاً كذلك، فيمكن أن يكون الماء على قدر عادته.
٣ - بابُ الغُسْلِ بِالصَّاعِ وَنَحْوِهِ
٢٥١ - حدّثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ الصَّمَدِ قَالَ: حَدَّثَنِي شُعْبَةُ قَالَ:
حَدَّثَنِي أَبُو بَكْرِ بْنُ حَفصٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا سَلَمَةً يَقُولُ: دَخَلتُ أَنَا وَأَخُوَ عَائِشَةَ عَلَى
عَائِشَةً، فَسَأَلَهَا أَخُوهَا عَنْ غَسْلِ النَّبِيِّ نَّهِ، فَدَعَتْ بِإِنَاءٍ نَحْواً مِنْ صَاعٍ، فَاغْتَسَلَتْ،
وَأَفَاضَتْ عَلَى رَأْسِهَا، وَبَيْنَنَا وَبَيْنَهَا حِجَابٌ.
قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: قَالَ يزِيدُ بْنُ هَارُونَ، وَبَهْزٌ، وَالجُدِّيُّ، عَنْ شُعْبَةَ: قَدْرِ صَاعٍ.
وإنَّما ترجم له لعنايته به ولوروده في الأحاديث، والعناية ههنا كعناية أهل المعاني، وقد
مرَّ أنه لم يعتن به أحد من الأئمة غير محمد رحمه الله تعالى، فإِنه اعتبره في الغسل اتباعاً للأثر
لا تحديداً وتوقيتاً.
(١) وفي تقرير الفاضل عبد العزيز عن ((فصول البقراطي)): أن عدم الاغتسال من الجنابة يُورِث البرص والدَّفَر،
والجماع في الحيض يورث الجُذَامِ، فَلْيُحَرره.
قلت ولعل هذا من قبيل حفظ كل ما لم يحفظه الآخر (المصحح).

٤٥٤
كتاب الغسل
٢٥١ - قوله: (وأخو عائشة) أي رضاعاً.
قوله: (الجُدِّي) منسوب إلى الجُدَّة، وهو الأفصح من الجدة، وبالفتح لَحْنٌ.
٢٥٢ - حدّثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيى بْنُ آدَمَ قَالَ: حَدَّثَنَا زُهَيرٌ، عَنْ
أَبِي إِسْحَاقَ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو جَعْفَرٍ، أَنَّهُ كَانَ عِنْدَ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ هُوَ وَأَبُوهُ، وَعِنْدَهُ قَوْمٌ،
فَسَأَلُوهُ عَنِ الغُسْلِ، فَقَالَ: يَكْفِيكَ صَاعٌ. فَقَالَ رَجُلٌ: مَا يَكْفِينِي، فَقَالَ جَابِرٌ: كَانَ يَكْفِي
مَنْ هُوَ أَوْفَى مِنْكَ شَعَراً وَخَيرٌ مِنْكَ، ثُمَّ أَمَّنَا فِي ثوْبٍ. [الحديث ٢٥٢ - طرفاه في: ٢٥٥، ٢٥٦].
٢٥٣ - حدّثنا أَبُو نُعَيم قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ عُيَينَةَ، عَنْ عَمْروٍ، عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيدٍ، عَنِ
ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ النَّبِيَّ نَّهُ وَمِّيمُونَةً كَانَا يَغْتَسِلَانِ مِنْ إِنَاءٍ وَاحِدٍ. وَقَالَ يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ،
وَبَهَزٌّ، وَالْجُدِّيُّ، عَنْ شُعْبَةَ: قَدْرِ صَاعٍ.
قَالَ أَبُو عَبْدِ الله: كانَ ابْنُ عُيَيْنَةَ يَقُولُ أخيراً: ((عَن ابْنِ عَبَّاسٍ عن مَيْمُونَةَ))؛
والصّحيحُ مَا رَوَاهُ أَبُو نُعَيْمٍ .
٢٥٢ - قوله: (ثم أَمَّنا) وهو عند مسلم وأبي داود أبسط منه، وفي إسناده يحيى بن آدم،
وهو من رجال الكوفة. وراجع له ((نيل الفرقدين))، فإن الحافظ رحمه الله تعالى غَلِطَ في شرح
أثره.
٤ - باب مَنْ أَفَاضَ عَلَى رَأْسِهِ ثَلَاثاً
٢٥٤ - حدّثنا أَبُو نُعَيم قَالَ: حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ قَالَ: حَدَّثَنِي سُلَيمَانُ بْنُ
صُرَدٍ قَالَ: حَدَّثَنِي جُبَيْرُ بْنُ مُطْعِمٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَلِ: ((أَمَّا أَنَا فَأُفِيضُ عَلَى رَأْسِي
ثَلَاثاً». وَأَشَارَ بِيَدَيْهِ كِلتَيْهِمَا.
٢٥٥ - حدّثني مُحَمَّدُ بْنُ بَشَارٍ قَالَ: حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ مِخْوَلٍ بْنِ
رَاشِدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيّ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ وَلِهِ يُفْرِغُ عَلَى رَأْسِهِ
ثَلَاثَاً .
٢٥٦ - حدّثنا أَبُو نُعَيم قَالَ: حَدَّثَنَا مَعْمَرُ بْنُ يَحْيى بْنِ سَامٍ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو جَعْفَرٍ
قَالَ: قَالَ لِي جَابِرٌ: أَتَانِي أَبَّنُ عَمِّكَ، يُعَرِّضُ بِالحَسَنِ بْنِ مُحَمَّدِ ابْنِ الحَنَفِيَّةِ، قَالَ: كَيفَ
الغُسْلُ مِنَ الجَنَابَةِ؟ فَقُلتُ: كَانَ النَّبِيُّ وَ يَأْخُذُ ثَلَاثَةَ أَكُفَّ وَيُفِيضُهَاَ عَلَى رَأْسِهِ، ثُمَّ يُفِيضُ
عَلَى سَائِرٍ جَسَدِهِ، فَقَالَ لِي الحَسَنُ: إِنِّي رَجُلٌ كَثِيرُ الشَّعَرِ؟ فَقُلتُ: كَان النَّبِيُّ وَِّ أَكْثَرَ
مِنْكَ شَعَراً .
٥ - بابُ الغُسْلِ مَرَّةً وَاحِدَةً
٢٥٧ - حدّثنا مُوسى بن إسماعيل قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَاحِدِ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ

٤٥٥
كتاب الغسل
سَالِمِ بْنِ أَبِي الجَعْدِ، عَنْ كُرَيْبٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسِ قَالَ: قَالَتْ مَيمُونَةُ: وَضعْتُ لِلنَّبِيِّ وَل
مَاءً لِّلُغُسْلِ، فَغَسَلَ يَدَيهِ مَرَّتَيْنٍ أَوْ ثَلَاثاً، ثُمَّ أَفْرَغُّ عَلَى شِمالِهِ، فَغَسَلَ مَذَاكِيَرَهُ، ثُمَّ مَسَحَ
يَدَهُ بِالأَرْضَِ، ثُمَّ مَضْمَضَ وَاَسْتَنْشَقَ، وَغَسَلَ وَجْهَهُ وَيَدَيهِ، ثُمَّ أَفَاضَ عَلَى جَسَدِهِ، ثُمَّ
تَحَوَّلَ مِنْ مَكَانِهِ فَغَسَلَ قَدَمَيهِ. [طرفه في: ٢٤٩].
وهو جائز عندنا أيضاً .
٢٥٧ - قوله: (ثم أفاض على جسده) وهو موضع الترجمة، وقد حصل لي التردُّد بعد
المراجعة إلى طرقه في اكتفاء النبي ◌ٍّ*فيه بالمرة الواحدة، ولعله جرى فيه على عادته
بالتثليث، فإن كان في هذه الواقعة هو التثليث، فالترجمة لبيان المسألة فقط.
٦ - بابُ مَنْ بَدَأَ بِالحِلَبِ أَوِ الطَّبِ عِنْدَ الغُسْلِ
٢٥٨ - حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ المُثَنَّى قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِم، عَنْ حَنْظَلَةَ، عَنِ القَاسِم،
عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ وَّهَإِذَا اغْتَسَلَ مِنَ الجَنَابَةِ، دَعَاً بِشَيءٍ نَحْوَ الحِلَاَبِ، فَأَخَّذَ
بِكَفِّهِ، فَبَدَأَ بِشِقٌ رَأْسِهِ الأَيمَنِ، ثُمَّ الأَيْسَرِ، فَقَالَ بِهِمَا عَلَى رَأْسِهِ.
والحِلَاب (١) إناء معروف، وما قيل: إنه تصحيف جُلَّاب بمعنى كل آب أو بمعنى حَبُّ
المَحْلَب فكلُّه شطط، لأنه استعمله المصنَّف رحمه الله تعالى في مواضع، والقول بالتصحيف
في المواضع كلها، أو تغليط المصنّف رحمه الله تعالى بأنه فَهِم معناه حَبُّ المَحْلَب للاستنفاق
بينها بعيدٌ جداً، ولأنه ورد هذا اللفظ في الحديث صراحة وقد استشكل عليهم جمع الحِلَاب
والطّيب.
قلت: بل الجمع بينهما لكون التقابل بينهما تقابل التضاد، فإِن في الحِلاب يبقى ريح
اللَّبَن، فأشار إلى أنه لا بأس بريحه ولونه إنْ ظهر في الماء، وكذا الطّب عند الغسل قد يبقى
أثره بعد الغسل، فلا بأس به أيضاً. ونظره إلى الترجمة الآتية ((باب مَن تطيَّبَ ثم اغتسل وبقي
أثر الطيب)) وإن كان استعمال الطيب هناك للجماع ليحصل النشاط لا للغسل، والتطيب قبل
الاغتسال أيضاً شائع في بعض البلاد، فيدَّهِنُون أولاً ثم يغتسلون، والمعروف في بلادنا التطيب
بعد الغسل فقط.
والحاصل: أن مَظْمَح نظره في هذه الترجمة أنه لو بقي في الماء أثرُ الحِلَاب أو شيء من
جنسه، فلا بأس به، وبعبارة أخرى أنه لا بأس بماء اختلط به شيءٌ طاهر. أما مسألة الطيب
(١) قال الخطّابي في ((معالم السنن)): الحِلاب: إناءٌ يَسَعُ قَدْرَ حَلْبَةِ ناقةٍ، وقد ذكره محمد بن إسماعيل في كتابه،
وتأوَّله على استعمال الطَّب في الطهور، وأحسبه توهَّم أنه أُريد به المَحلَب الذي يُستعمل في غسل الأيدي،
وليس هذا من الطيب في شيء، وإنما هو على ما فسرته لك، ومنه قول الشاعر:
صاح هل رأيتَ أو سمعتَ بِرَاعِ
ردَّ في الضرع ما فَرَى في الحِلَاب
وقد ظهر مما ذكره الشيخ رحمه الله تعالى أنه لا حاجة إلى تغليط البخاري كما فعله الخطّابي، فَيُشْكَر.

٤٥٦
كتاب الغسل
فجاء استتباعاً، وحينئذ لا يَرِدُ أنه لا ذِكْرَ له في الحديث على أنهما يشتركان في معنى بقاء
الأثر، ففي الحِلاب يبقى أثر اللَّبَن، وفي التطيب يبقى أثر الطيب، فيقول: إنه لا بأس ببقائهما
بعد الاغتسال.
٢٥٨ - قوله: (نحوَ الحِلَاب)، وفي الطرق إنه كان الحِلَاب بعينه .
٧ - بابُ المَضْمَضَةِ وَالاسْتِنْشَاقِ فِي الجَنَابَةِ
٢٥٩ - حدّثنا عُمَرُ بْنُ حَفصِ بْنِ غِيَاتٍ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي قَالَ: حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ قَالَ:
حَدَّثَنِي سَالِمٌ، عَنْ كُرِيبٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: حَدَّثَتْنَا مَيَمُونَةُ قَالَتْ: صَبَبْتُ لِلنَّبِيِّ ◌ِله
غُسْلاً، فَأَفرَغُ بِيَمِينِهِ عَلَىَ يَسَارِهِ فَغَسَلَهُمَا، ثُمَّ غَسَلَ فَرْجَهُ، ثُمَّ قَالَ بِيَدِهِ الأَرْضَ فَمَسَحَهَا
بِالتِّرَابِ، ثُمَّ غَسَلَهَا، ثُمَّ تَمَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ، ثُمَّ غَسَلَ وَجْهَهُ، وَأَفَّاضَ عَلَى رَأْسِهِ، ثُمَّ
تَتَخَّى،َ فَغَسَلَ قَدَمَيهِ، ثُمَّ أُتِيَ بِمِنْدِيلٍ، فَلَمْ يَنْفُضْ بِهَا .
قال أبو حنيفة رحمه الله تعالى والثوري: إنهما واجبتان في الغسل واختاره أحمد وإسحاق
مطلقاً. قلت: ولا ريب في ثبوتهما في غسله وَّر، وتعيين المراتب من باب الاجتهاد، فصار
نظرنا أنهما واجبتان حيث شدَّد الشرع في الجَنَابة ما لم يشدِّد في الحَدَث الأصغر، فَنَهى الجُنُبَ
عن قراءة القرآن، ولم يَنْهَ عنها المُحْدِث بالحَدَث الأصغر، فعَلِمنا أن للجنابة سِرايةً إلى الباطن
أزيد من الحدث الأصغر، فقلنا بالافتراض. ومَنْ زعم أن الفرض لا يثبت بالخبر الواحد فقد
سها، فإِنه يثبت بالخبر أيضاً إلا أنه لا يكون قطعياً، ولا يجب كونُ كلِّ فرض قطعياً. نعم ما
ثبت بالكتاب يكون قطعياً قطعاً. ثم إن حفص بن غياث هذا الذي في الإِسناد من خاصة تلامذة
أبي يوسف، والبخاري إذا أخذ حديث الأعمش يعتمد فيه على حفص هذا.
قوله: (غُسلاً) الغُسْل بالضم: مصدر واسم، وبالفتح: مصدر، والغِسْل بالكسر: الماء
ولكنه نادر. ثم إن استعمال المِنْدِيل جائز. وراجع المسألة من ((المنية)) و((قاضي خان)) وفي
واحد منهما كراهةُ استعمال المِنْدِيل، وتُحمل على التنزيه. والحاصل: أنه ليس بسنَّة، وتكلم
في لفظه واشتقاقه، وهو مشهور.
٨ - بابُ مَسْحِ الَّدِ بِالتّرَابِ لِتَكُونَ أَنْقى
٢٦٠ - حدّثنا عبدُ الله بنُ الزُّبير الحُمَيدِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا سُفيَانُ قَالَ: حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ،
عَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِي الجَعْدِ، عَنْ كُرَيْبٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسِ عَنْ مَيمُونَةَ، أَنَّ النَّبِيَّ ◌َ اغْتَسَلَ مِنَ
الجَنَابَةِ، فَغَسَلَ فَرْجَهُ بِيَدِهِ، ثُمَّ دَلَكُ بِهَا الحَائِطَ، ثُمَّ غَسَلَهَا، ثُمَّ تَوَضَّأَ وُضُوءَهُ لِلصَّلَاةِ،
فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ غُسْلِهِ غَسَلَ رِجْلَيهِ.
٢٦٠ - قوله: (الحُمَيدي) رفيق الإِمام الشافعي رحمه الله تعالى في سفره، وحامل لواء
مذهبه، ومخالف لأبي حنيفة رحمه الله تعالى، ولمّا كان البخاري من تلامذته اتَّبَع شيخَه في
الخلاف أيضاً، وهذا هو الدَّأُب من القديم إلى الحديث أن التلامذة يتَّبِعون مشايخهم في

٤٥٧
كتاب الغسل
أعمالهم، وأخلاقهم، وشمائلهم، وخصائلهم ومسائلهم. ونقل البخاري قصة حَلْقِ الحجاج
رأس الإمام وإصلاحه له، مع أن مدارك الإِمام دقيقة، فإنَّ التيامنَ يمكن أن يكون باعتبار الحالق
وباعتبار المحلوق كليهما. وكذا استقبال القِبلة. فليراع الحُمَيدي هذه الأمور أيضاً، وليحذر عن
الطعن في حق الإِمام الذي مُعْظَم الأُمَّة على أثره. ولَمثل هذه الأمور لم يكتب البخاري مناقبه
في أحدٍ من تصانيفه، لأنه لما بلغته مَثَالِيُه ومناقبه، وغلب على ظنه مثالبه فقط، أعرض عن
مناقبه .
ثم إن هذه أمور وعوارض تعتري الرجل، ولا يجب أن يستقرّ عليه رأيه، كما أنك تسمع
اليوم فِسقَ رجل فتنفر عنه، ثم تبلغ إليك محاسنه، فيتبدل رأيك فيه وتُحِبّه. فهذه أمور ليست
مما يستقر عليه الإنسان، بل تبنى على الإِخبار، وأَجِد في الصحيح كثيراً من الرواة من تلامذة
أبي يوسف ومحمد رحمهما الله تعالى، لأنه ترجَّح عنده مناقبهم، ولا أر عن الشافعي رحمه الله
تعالى حرفاً في هجو الإمام، بل ينقل منه المناقب، حتى إني لم أر مناقب أحمد رحمه الله
تعالى أزيد ما رأيته في كلامه. فمنها: أني تحمَّلت عنه وقْرَيْ بعيرٍ من العلم. ومنها: أنه كان
يملأ العين والقلب. وأنه إذا تكلم فكأنما ينزل الوحي.
وينقل عن أحمد ومالك رحمهما الله تعالى بعضاً من المناقب. وشيئاً من المَثَالِب أيضاً.
وسببه وقوع الفتن والمصائب من جهة الحنفية. وفي تاريخ الخطيب لفظ الكفر أيضاً في حق
الإمام ﴿كَبُرَتْ كَلِمَةٌ تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَهِهِمَّ إِن يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبًا﴾ [الكهف: ٥]. وهو شافعي في
المذهب، وأجاب عنه السلطان ... وسماه ((السَّهْم المُصِيب في كَبِدِ الخطيب))، وقد طُبع الآن،
وليراجع في هذه الأمور الخارجُ والواقعُ، ألا ترى ماذا يفعل الناس اليوم؟ وكيف يتَّهِم بعضهم
بعضاً .
واعلم أن مشايخنا رحمهم الله تعالى اختلفوا في جواز الاقتداء عند الاختلاف في الفروع
بين الإمام والمأموم فقيل: إنه جائز إذا عَلِمَ من حال الإِمام أنه يحتاط في مواضع الخلافِ وإلا
لا . وقيل: إذا شاهد إمامه يرتكب ناقضاً من النواقض المختلفة فيها كَمَسِّ المرأة، ومَسِّ الذَّكَر،
أو خروج الدم من غير السبيلين، لا يجوز اقتداؤه لمن كان يراه ناقضاً، وإلاّ صح.
قلت: والذي تحقَّق عندي أنَّه صحيح مطلقاً سواء كان الإِمام محتاطاً أم لا، وسواء شاهد
منه تلك الأمور أم لا، فإِني لا أجد من السلف أحداً إذا دخل في المسجد أنه تفقد أحوال
الإِمام أو تساءل عنه! بَيْدَ أنهم كانوا يقتدون وينصرفون إلى بيوتهم بلا سؤال ولا جواب. وفي
(فتاوى الحافظ ابن تيمية)): أن هارون الرشيد أَقْتَصَدَ مرةٌ ثم قام ليصلي، وكان أبو يوسف
رحمه الله تعالى موجوداً هناك، فاقتدى به مع علم الناقض عنده. فإِن قلت: كيف الاقتداء مع
تيقُّن الإِمام على عدم الطهارة عنده؟ قلت: إنما يتوجه السؤال إذا كان الإمام على أمرٍ باطل
قطعاً، وهذه المسألة مجتهَدٌ فيها، أمكن فيها أن يكون الحق إلى الإِمام، وأمكنَ أن يكون في
جانب آخر، ولذا لا يسعك أن تحكم على صلاة الآخرين أنها باطلة عند الله تعالى، ولكن يَبْذُلّ
الجَهَّدَ ويتحرَّى الصواب لينال الثوابَ بقدر الاجتهاد.

٤٥٨
كتاب الغسل
ولذا أقول: إن الإِمام إن كان شافعياً وتكلَّم ناسياً، ثم مضى في صلاته لعدم كونه ناقضاً
عنده، ينبغي أن يَفْسُدَ صلاة المقتدي الحنفي لأن بين المسألتين فرقاً، فإِن مسألة التكلم قليلةُ
الوقوع جداً بل ليست فيه إلا واقعة ذِي اليدين، فإِن تَمَّتْ على نظر الحنفية ينهدم مراد الشافعية
عن أصله، وليس في أيديهم غيرها شيء، بخلاف مسألة النواقض، فإِنها كثيرة الوقوع من الصدر
الأول، وما تكون كذلك لا يمكن فيها فصل الأمر أبداً .
ثم الذين قالوا بالجواز عند الاختلاف في الفروع افترقوا فرقتين:
فقال قائل منهم: إنَّ العبرةَ لرأي الإِمام، فإِن تحقق ناقض على مذهبه وانتقض وضوؤه لا
يجوز الاقتداء به، وإلا جاز، ولا عبرة بحال المقتدي، وإليه ذهب الجصَّاص، وهو الذي
اختاره لتوارث السلف، واقتداءٍ أحدهم بالآخر بلا نكير مع كونهم مختلفين في الفروع، وإنما
كانوا يمشون على تحقيقاتهم إذا صلّوا في بيوتهم، أما إذا بلغوا في المسجد فكانوا يقتدون بلا
تقدم وتأخر، ولم يُنْقَل عن إمامنا أنه سأل عن حال الإِمام في المسجد الحرام مع أَنَّه حَجَّ مراراً.
وقال آخرون: إن العبرة لرأي المقتدي، والقول الثالث فيه لنوح أفندي وهو فاضل ذكي
متيقِّظ بعد الشيخ ابن الهُمَام، وله حاشية مبسوطة على ((الدر المختار))، أودع فيها مباحث
لطيفة، ويُعلم منها أنه رجل محقق، واختار أن الاقتداء إنما يصح عند تلاقي الرأيين: أي
المقتدي والإِمام. وإلا لا، وهذا القول من جانبه وليس عن السلف. وهناك صورة أخرى وهي
أن الإِمام صلى وكان على غير وضوء على رأيه وعلى وضوء على رأي المقتدي، مثلاً: كان
شافعياً فمسَّ امرأة ثم أمَّ الناس، فهذا على وضوءٍ عند الحنفية، ومحدثٌ على مذهبه، فيجري
فيه الاختلاف المذكور أيضاً .
قال الشيخ ابن الهُمام: إن شيخه سراج الدين تلميذ صاحب الهداية كان يختار مذهب
الجصَّاص، وأنكر مرة أن يكون فسادُ الصلاة فيه مروياً عن المتقدمين، وإنما أوجده المتأخرون،
فَذكَّرْتُه بمسألة ((الجامع الصغير)) في الجماعة الذين تحرَّوا في الليلة المظلمة، وصلَّى كلٌّ إلى
جهة، مقتدين بإِمامهم، أنَّ صلاةَ مَن عَلِم إمامه على خطأ فاسدة، لاعتقاده إمامَه على خطأ،
فإنها تدل على أن الاعتبار لرأي المقتدي عند السلف أيضاً، وليس إيجاداً من المتأخرين فقط،
فلم يجبه شيخه .
قلتُ: الفرق ظاهر ونظير الشيخ ابن الهُمَام رحمه الله تعالى، وكذا سكوت شيخه في غير
محله، فإِنَّ معاملةَ القِبلة قطعية يمكن فصلها بالرجوع إلى الحِسّ بخلاف النواقض، فإِنه لا
سبيل فيها إلى الفصل بعد اختلاف السلف فيها اختلافاً كثيراً، فلو علم المقتدي إمامه على خطأ
في مسألة التحرِّي ينبغي أن لا تصح صلاته، بخلاف الاجتهاديات التي لا تزال الأنظار تدور
فيها إلى الأبد، ووجه الفساد في المسألة المذكورة ليس ما فهمه الشيخ من مخالفة اعتقاده
لإِمامه، بل هو ترك المتابعة له، وهي من الواجبات.
وكان مولانا شيخ الهند رحمه الله تعالى يذهب إلى مذهب الجصَّاص ويستعين بمسألة
قضاء القاضي في العقود والفسوخ، فإِنه ينفُذُ ظاهراً وباطناً مع شرائطها المذكورة في الفقه. وقد

٤٥٩
كتاب الغسل
سبق مني في المقدمة أن أهل قُبَاء، إنما عَمِلوا بخبر الواحد وتركوا قبلتهم الثابتة بالقاطع لهذا
المعنى، لأنه كان عندهم طريق التحقيق والتثبيت، وفي مثله يجوز أن يكون الخبر ناسخاً
للقاطع .
والحاصل: أَنَّه لا نزاع في الجزئي القليل الوقوع، وإنما الكلام فيما تواتر فيه الخلاف
كالنواقض. ثم لا يذهب عليك أن ابن نُجَيم في باب قضاء الفوائت، وابنَ عابدين في مقدمة ارد
المحتار)) سها سهواً مُضِراً، حيث وسَّعا للأُمِّيِّ الذي لا يعلم مذهبَ أحدٍ أن يستفتيَ في صلواته
الخمسِ أيَّ عالم من علماء المذاهب الأربعة شاء، ويعمل بما شاء من فتاواهم.
أقول: وهذا باطل، فإِنَّ حاصله: أن الأُمِّيِّ ليس له مذهب والقياس على مسألة الاقتداء
فاسد، فإِن الاقتداء لا مناص فيه عن المتابعة، بخلاف العمل بالمذاهب فإِن له أن يتقيد بمذهب
ويتابعه في مسائله. أما العمل بمذهب الشافعي رحمه الله تعالى في صلاة، وبمذهب الحنفية
في صلاة أخرى، فمسلكٌ غيرُ مستقيم، والتزام للتناقض، ولا نظير له في الدِّين.
وتحقيقه: أنَّ المسائلَ من مذهب واحدٍ تكون مُتَّسِقَة، أعني به أنه تكون بينها سلسلة
وارتباط في ذهن المجتهد، فإِذا خلط في هذه المسائل، فيعمل تارةً بهذا وأخرى بهذا، يلزم
التناقض، وإن لم يَبْدُ في بادىء الرأي، لأنها ربما تبنى على أصول مختلفة يخالف أحدهما
الآخر، فإِذا عمل بتلك المسائل كلها ابتلي بالتناقض من حيث لا يدريه، فإِن تلك المسائل وإن
لم تكن متناقضة إلا أن الأصول التي تتفرع عليها تلك المسائل تكون متناقضة، فلا يلوح
التناقض بين تلك المسائل في بادىء الرأي مع أنه متحقق بعد الإِمعان.
ثم ما في كُتُب الفقه أنّ الرجوع عن التقليد بعد العمل غيرُ جائز، ليس معناه ما فهمه
بعض القاصرين أنه لا يجوز كون الشافعي حنفياً أو بالعكس. وكذا ليس معناه عدم جواز ترك
تحقيق بعد سُنُوح تحقيق آخر خلافه، لأنه يجوز التحوُّل من مذهب إمام إلى مذهب إمام آخر
إن بدا له ودعته حاجة. وكذا يجوز للمجتهد أن يترك تحقيقه ويختار الجانب الآخر إن رأى
فيه الصواب، فإِن الشافعي رحمه الله تعالى كان قائلاً بعدم وجوب الفاتحة على المقتدي في
الجهرية، ثم رجع عنه واختار وجوبها قبل وفاته بسنتين. فهذا أيضاً جائز، بل معناه أنه إن
اختار تحقيقاً في مسألة ثم عمل عملاً لم يكن صحيحاً على هذا التحقيق، وأراد أن يطلب له
صورة الصحة فقال: إني أختار تحقيقاً آخر في تلك المسألة بعينها، تصحيحاً لعمله، فإِنه لا
يجوز .
كحنفي صلَّى الظهر، ثم ظهر أن الدَّمَ كان يسيل منه، ومقتضاه أن يفسد ظُهره، فأراد أن
يُبقيها صحيحة فقال: إني أختار مذهب الشافعي رحمه الله تعالى، فهذا غير جائز.
وما نقل عن أبي يوسف رحمه الله تعالى أنه توضأ مرةً وصلى به، ثم لما عَلِمَ أن الماء
الذي توضأ منه كانت فيه فأرة، وكان أزيد من القُلَّتين، قال: إني أختار مذهب الشافعي
رحمه الله تعالى، فَبَعْدَ تسليم صحته أقول: إنه جواب على أسلوب الحكيم، وليس من باب ترك
التحقيق بعد العمل به، وغرضه أنا نحكم بنجاسة الماء عند العلم بها كما هو مذهبه، فلم يكن

٤٦٠
كتاب الغسل
نجساً على مذهبه إلا بعد العلم بها، ولم تكن له حاجة إلى ترك تحقيقه، ولكنه نحو تعبير جرياً
على أسلوب الحكيم.
وإنما أنكرتُه لأنه لم يثبت عندي عن السلف الرجوع بهذا المعنى، وقدوتي في هذا الباب
وعمدتي عبد الله بن المبارك، فقد قال الترمذي في باب ما جاء لا طلاقَ قبل النكاح: وذكر عن
عبد الله بن المبارك أنه سئل عن رجل حَلَف بالطلاق أن لا يتزوج، ثم بدا له أن يتزوج، هل له
رخصة أن يأخذ بقول الفقهاء الذين رخّصوا في هذا؟ فقال ابن المبارك: إن كان يرى هذا القول
حقاً من قَبْلِ أن يُبتلى بهذه المسألة، فله أن يأخذ بقولهم، فأما من لم يرضَ بهذا فلما ابتُليَ
أحبّ أن يأخذ بقولهم، فلا أرى له ذلك اهـ.
٩ - بابٌ هَل يُدْخِلُ الجُنُبُ يَدَهُ فِي الإِنَاءِ
قَبْلَ أَنْ يَغْسِلَهَا إِذَا لَمْ يَكُنْ عَلَى يَدِهِ قَذَرٌ غَيرُ الجَنَابَةِ؟
وأَدْخَلَ ابْنُ عُمَرَ وَالبَرَاءُ بْنُ عَازِبٍ يَدَهُ فِي الطَّهُورِ وَلَمْ يَغْسِلِهَا، ثُمَّ تَوَضَّأَ. وَلَمْ يَر
ابْنُ عُمَرَ وَابْنُ عَبَّاسٍ بَأُساً بِمَا يَنْتَضِحُ مِنْ غُسْلِ الجَنَابَةِ.
٢٦١ - حدّثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ قَالَ: أَخْبَرِنَا أَفَلَحُ، عَنِ القَاسِمِ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ:
كُنْتُ أَغْتَسِلُ أَنَا وَالنَّبِيُّ نَّةِ مِنْ إِنَاءٍ وَاحِدٍ تَخْتَلِفُ أَيدِينَا فِيهِ .
صرَّح في هذه الترجمة بنجاسة المَنِيِّ وعَدَّه من القذر واختار أنَّ الماء المستعمل طاهر،
وإليه ذهب الجمهور، وقال مالك: إنه مُطَهِّر أيضاً .
قوله: (ولم ير ابن عمر رضي الله عنه) ... إلخ وهذا القدر عَفْوٌ عند مشايخنا القائلين
بنجاسة الماء المستعمَل أيضاً، وفي ((الدر المختار)) أنَّ العِبرةَ عند اختلاط المستعمَل مع غيره
للغالب .
٢٦٢ - حدّثنا مُسَدَّدٌ قالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، عَنْ هِشَام، عَنْ أَبِيِهِ، عَنْ عَائِشَةَ قالَتْ:
كَانَ رَسُولُ اللَّهِ وَِّ إِذَا اغْتَسَلَ مِنَ الجَنَابَةِ غَسَلَ يَدَهُ.
٢٦٢ - قوله: (غسل يده) يعني إن تيسّر له الغسل قبل الإِدخال، فإِنه يغسلهما وإلا يسع له
أن يدخلها في الإِناء، وتركيبه مذكور في ((شرح الوقاية))، ونقل الشيخ العيني رضي الله عنه عن
ابن عمر بإسناد قوي أن الحائض إن أدخلت يدها في الإِناء تنجَّس، ولعل فيه تفصيلاً، عنده.
وفي ((الفتاوى)) لابن تيمية عن أحمد رضي الله عنه: أن الجُنُب إن أدخل يده في الماء نجسه،
فهاتان المسألتان تدلان على نجاسة الماء المستعمَل، وإنما ذكرتهما لتخليص رقابنا على رواية
نجاسة الماء المستعمَل، فكأن لها مُسْكَة أيضاً. وغرض البخاري من هذه الأحاديث إثبات غسل
اليدين قبل الاغتراف، والاغتراف قبل غسلهما عند الحاجة ليثبت به طهارة الماء المستعمل،
وإن كان التوقي منه مطلوباً .
٢٦٣ - حدّثنا أبوُ الوَلِيدِ قالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ حَفْصٍ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ