Indexed OCR Text

Pages 321-340

٣٢١
كتاب العلم
أي أن المسجدَ وإن بُني للصلاة لكن العلمَ والفتوى أيضاً من أمور الآخرة(١)، فيجوز
أيضاً. والقضاء أيضاً يجوز عندنا دون الشافعي رحمه الله تعالى، لأنه ذكر وإقامةُ الحدِّ لا يجوز
لأنه من المعاملات، ويجوز تعليمُ الأطفال إذا لم يأخذ عليه أجراً.
١٣٣ - قوله: (إن رجلاً قام ... الخ) خرج من المدينة يوم السبت وبيَّنَ مسائل الميقاتِ
يوم الجمعة قبلَ السفر.
قوله: (يهل من ذي الحليفة) وفي ((الموطأ)) لمحمد أن المدني لو مر على ذي الخليفة
وأحرم من الجُحفَة لا يكون جنايةً، فدل على أنه إذا أحرمَ من أبعدِ الميقاتين فلا جناية عليه
بمروره على أقربه بدون الإِحرام، وهذه مسألةٌ لم تذكر في عامة كتب الفقه.
قوله: (ذات عرق) قال الشافعية: إنها وقتها الفاروقُ الأعظم رضي الله عنه. وقلنا: بل
وقتها النبي ◌َّ من قبل، غير أنه اشتهر في زمن عمر رضي الله عنه، لأنه ظهرت الفتوح في زمنه
وانتشرَ المسلمون في البلاد.
٥٤ - باب مَنْ أَجَابَ السَّائِلَ بِأَكْثَرَ مِمَّا سَأَلَهُ
١٣٤ - حدّثنا آدَمُ قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنِ
النَّبِيِّ وََّ. وَعَن الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَالِمٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ ◌َِّ: أَنَّ رَجُلاً سَأَلَهُ مَا
يَلْبَسُ المُحْرِمُ؟ فَقَالَ: ((لَا يَلْبَسُ القَمِيَّصَ، وَلَاَ العِمَامَةَ، وَلَا السَّرَاوِيلَ، وَلَا الْبُرْنُسَ، وَلَا
ثَوْباً مَسَّهُ الوَرْسُ، أَوِ الزَّغْفَرَانُ، فَإِنْ لَمْ يَجِدِ النَّعْلَينِ فَلَيَلْبَس الخُفَّينِ، وَلِيَقْطَعْهُمَا حَتَّى
يَكُونَا تَحْتَ الكَعْبَينِ)). [الحديث ١٣٤ - أطرافه في: ٣٦٦، ١٥٤٢، ١٨٣٨، ١٨٤٢، ٥٧٩٤، ٥٨٠٣،
٥٨٠٥، ٥٨٠٦، ٥٨٤٧، ٥٨٥٢].
أي لا حرج فيه، بل هو من المحسنات. وإنما تعرَّضَ في الجواب إلى ذِكرِ ما لا يجوز
ولم يتعرض إلى ذكر الجائزات لكونه أخصَرَ وأنفع.
١٣٤ - قوله: (القميص) والضابطة فيه: أن كلَّ ثوبٍ مخيطٍ مُستمسِكٍ على الجسد بدون
شد لا يَلْبَسه المحرمُ، وإن لم يجد الإِزار يجوزُ فتق السراويل ويتخذه إزاراً، وإذا لم يجد
الثَّعلين يقطعُ الخفّ أسفل من الكعبين. وقال الحنفية رحمهم الله تعالى: الممنوع في الإِحرام
الطيب، وفي الإِحداد الزِّينة. وراجع المسائل من الفقه .
(١) وفي (الخيرات الحسان)): أن الثوري كان أصغر سناً من الإِمام أبي حنيفة رحمه الله، فدخل عليه مرة وهو يُذاكر
مع أصحابه بِرَفْع الصوت، فقال له الثوري: رفع الصوت في المسجد؟ فقال له الإِمام رحمه الله تعالى: أن هؤلاء
لا يفهمون إلّ به، وظاهره أن الإِمام أجازه. وفي ((النظم)) لابن وهبان: لا، ويفسقُ مُعتادُ المرور بجامع، ومَنْ
علَّم الأطفالَ فيه ويؤزر. وظاهره أن الأطفالَ في المسجد فسوق، ثم رأيتُ شرحَهُ لابن الشِّخنة: أن المراد منه
التعليم بالأجرة، وله شرح آخر للشّرنُبلالي إلاّ أني لم أجده.

بِسْمِ اللَّهِ الرََّى الرَّحِيمَةِ
٤ - كِتَابُ الوُضُوءِ
١ - بابُ مَا جَاءَ فِي الؤُضُوءِ
وَقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَوَةِ فَاغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ
وَأَمْسَحُواْ بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ [المائدة: ٦].
قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: وَبَيَّنَ النَّبِيُّ نَّهِ أَنَّ فَرْضَ الوُضُوءِ مَرَّةً مَرَّةً، وَتَوَضَّأَ أَيضاً مَرَّتَينِ
مرتين وَثَلَاثاً ثلاثاً، وَلَمْ يَزِدْ عَلَى ثَلَاثٍ، وَكَرِهَ أَهْلُ العِلمِ الإِسْرَافَ فِيهِ وَأَنْ يُجَاوِزُوا فِعْلَ
النَّبِيِّ ◌َّ.
الوضوء: هو الصفاءُ. والنُّور لغةً. وقد أخبرت الشريعة بِوَضاءَة أعضاءِ الوضوءِ في المحشر.
قوله: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَوَةِ﴾ قالوا: معناه إذا قمتم إلى الصُّلاة وأنتم محدِثون. ولا أقولُ
بالتقدير بل أقول: معنى الأمر بالوضوء لمن كان محدثاً بالوجوب وإلا فعلى الاستحباب.
ويجوز عندي دخول الفَرْضِ والمستحب تحت لفظٍ واحد وليس بمجاز. وإذا صح إطلاق
الوُضُوءِ والصَّلاةِ على الفرض والمستحب فأي بأسٍ في إطلاق المشتقِ عليهما .
والعجب من الرَّازي في ((المحصول)) حيث قال: إنَّ الصلاة حقيقةٌ في الفريضة ومجاز في
النافلة. قلت: كلا، بل الحقيقة والمسمَّى في الصورتين واحدةٌ، وإنما الاختلاف بحَسَب
الأوصاف وهي من الخارج، فينبغي أن يميز بين الشيءٍ وأوصافِه الطارئة من الخارج. وإذا
كانت حقيقتُها في الصورتين واحدة لزمَ أن يصحَّ إطلاق اللفظ عليهما حقيقة أيضاً.
ثم إنَّ الشريعة لم توجب عبادةً إلا وُضِعَ من جنسها نفلاً، وفي الفقه أن النذرَ إنَّما ينعقدُ
فيما يكون من جنسِهِ واجب، فعُلم أن كلَّ نفلٍ من جنسه واجبٌ أيضاً، ومع هذا ذهب الرازي
إلى أن لفظ الصلاة مجازٌ في التطوع. ثم كونٌّ الأمر للوجوب أيضاً لم يتحقق عندي، بل هو
مشترك عندي كما هو رأى الماتريدي، وراجع لتفصيله رسالتي ((فصل الخطاب في مسألة الفاتحة
خلف الإِمام)). ثم إن هذه الآية وإن كانت آخرها نزولاً لكنها مما تقدم حكمها. أقول: وفي
((سيرة محمد بن إسحاق)) (١) أن جبرائيل عليه السلام لما نزل بخمس آياتٍ من أوائل اقرأ، علّمه
(١) وفي ((المشكاة) من باب آداب الخلاء عن زيد بن حارثة عن النبي ◌ََّأنَّ جبريل أتاه في أوَّل ما أوحي إليه فعلَّمه
الوضوءَ والصلاةَ، فلما فرغَ من الوضوء أخذ غَرْفة من الماء فَتَضْحَ بها فرجه. رواه أحمد والدار قطني.
٣٢٢

٣٢٣
كتاب الوضوء
الوضوءَ والصلاتين أيضاً، ومرَّ عليه الشيخ ابن حجر المكي الشافعي في ((شرح المشكاة))
وحسَّنه. قلت: وفي إسناده راوٍ تُكِلُّمَ فيه.
وَجْهُ القِراءتين في آيةِ الوضوء
على نحو المذهب المختار بعد إمعانٍ نظرٍ، وإِعمال فكرٍ، وحَذَاقةٍ في الفنون العربية.
قوله تعالى: ﴿وَأَرْجُلَكُمْ﴾ استدل بها الشيعة على جواز المسح بالأرجل على قراءة الجر،
وهم لا يجوزون المسحَ على الخفين مع كونه متواتراً !! وتصدى لجوابهم علماءُ الأمة منهم:
ابن الحَاجب والتَّفْتَازاني في أواخر ((التلويح)) وابن الهُمَام وآخرون.
وما فتح الله عليَّ في بيان وجه قراءة النصب: هو أن قوله وأرجلكم بالنصب مفعول معه
وليس عطفاً، وفرق بين واو العطف والتي للمفعول معه، فإِن العطف لبيان شَرِكة المعطوفِ
والمعطوفِ عليه في أمر، نحو جاءني زيد وعمرو، معناه: أنهما مشتركان في المجيء. وإن
قلنا: وعمراً بالنصب فمعناه بيان مصاحبتهٍ مع زيد في الجملة. أمَّا إنها في الفعل خاصة أو في
أمر آخر، فأمر مَوْكُولٌ إلى الخارج على حد قولهم: إذا خلى وطبعه ولا يدل على الشركة
أصلاً، وإن لزمتْ في بعض المواد فمِنْ تلقاءِ المادةِ لا من تلقاءِ المدلول. ثم المصاحبة معناها
المقارنة: وهي قد تكون في الزمان كقولهم: جاء البَردُ والجُبَّاتَ بالنصب ليس معناه أن الجباتَ
اشتركت في المجيء مع البرد وأن الجائي هو البرد والجبات، بل معناه أن الجائي هو البرد، ثم
له مصاحبة مع الجبات مصاحبة زمانية. إما أنه في المجيء أو الخياطة مثلاً فهو أمرٌ خارج عن
مدلول المفعول معه .
والمعنى: جاءَ البردُ وخِيطت الجُبَّات في زمانه، فصاحَبَها زماناً، ولو كانت في الخياطة
فجاء هذا وخيط هذا. وهذا أيضاً نوعٌ من المُصَاحبة. وقد تكون المصاحبة في المكان كقولهم:
سرت والطريق، ليس معناه أن الطريق أيضاً سار كما سار المتكلم، فلا دَلالة فيه على الشَرِكة
في الفعل، فإِنه لم يُسند السيرُ إليه، بل معناه أن السائر هو المتكلم، لكن الطريق قارنَهُ وصاحبهُ
وبقي معه في آخر سيره، فكان مُصاحباً له مصاحبةً مكانية. وقد تكون بهما نحو قولهم: سرت
والنيل، إذا اعتبرت جريَ الماء معك ساعة.
وهناك أمثلة أخرى. منها قولهم: لو تركت الناقة وفَصِيلتَها لرضعتها، ليس معناه أن التركَ
واقعٌ على الناقة والفصيلة كلتيهما، ليكون من باب العطف والشركة، بل معناه: لو تركت الناقة
(١) ﴾ [المدثر:
فقط وبقيت معها معاملة للفصيلة لرضعتها، كقوله تعالى: ﴿ذَرْنِ وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا
١١] لا يريد الشركةً في الفعل، بل معناه ذرني فقط ثم انظر ماذا أفعلُ بهم. ونحو قول الشاعر:
نرمي جميعاً ونُرامى معا
وكنتُ ويحيى كَيَدي واحدٍ
لا يريد الشاعرُ الشركةَ في الكون فإنه ليس بشيء، بل معناه كنت ويحيى مصاحباً معي،
فالمراد هذا المجموع ثم كونهما كيدي واحد. وكقول الآخر:
فكونوا أنتمُ وبني أبيكم مكان الكُليتين من الطّحال

٣٢٤
كتاب الوضوء
وإنما قَطَعَه الشاعرُ عن إعراب ما قبله ونَصَبَهُ إعراضاً عن الشركة وإفادةً للمصاحبة كما قرره
الرَّضي في قوله:
للبْسُ عَباءَةٍ وتَقَرَّ عيني أحبُّ إليَّ من لُبْس الشُّفُوفِ
فإِنه صرَّح أن نصبَ المضارع للقطع عن العطف ولإِفادة المصاحبة، وهو ((واو)) الصرف
عندهم لصرفه عن حقيقتها التي هي العطف، لأن الشاعر إنما أراد أن تُبْسَ العباءة مُصَاحباً مع
هذا أحبّ إليه، يعني هذا المجموع أحبّ إليه؛ ولا يريدُ أن هذا محبوبٌ وهذا أيضاً محبوب.
ومرَّ عليه ابن هشام ((في المغني)) وقال: إن بعضهم أضافوا قِسماً آخر وسمَّوه ((واو)) الصرف كما
في الشعر للبس عباءة الخ. ثم قال: ولا حاجة إليه، فإِنَّا نقدرُ الناصبَ ونقول: ولَلُبسُ عَبَاءةٍ
وأن تَقرَّ عيني ... إلخ. قلت: وليس الأمرُ كما زعمه لفسادِ المعنى. والوجه ما ذَكَره الرَّضي.
ومن ههنا تبين أن ((الواو)) في قوله تعالى: ﴿قُلْ فَمَن يَمْلِكُ مِنَ اُللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ أَن
يُهْلِكَ الْمَسِيحَ أَبْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَّمَن فِ الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ [المائدة: ١٧] ليس للعطف. ومعناه:
أن الله إن أراد أن يُهلِكَ المسيحَ ابن مريم مع كون أمه ومن في الأرض في حمايته لا يملكُ أحدٌ
أن ينقذه من الله. وليس الإِهلاك ههنا واقعاً على هؤلاء جميعاً، لأن المقصود هو إظهارُ القُدرةِ
على إهلاك مَنْ جُعل إلهاً من دون الله وافترى عليه بالألوهية، ولو كان هؤلاء أعضاداً له، لا
إهلاكُ من في الأرض.
والفرق بين إهلاكِ المسيح عليه السلام في حال مُصَاحبةٍ جميع مَنْ في الأرض وحمايتهم
إياه وإهلاك جميع مَنْ في الأرض غير خفي، فإِن في الإهلاك الأول قوةً ليست في الثاني، فهو
على حد قوله: ﴿قُل لَِّنِ أَجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَاَلْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُواْ بِمِثْلِ هَذَا اُلْقُرْءَانِ لَا يَأْتُنَ بِمِثْلِهِ، وَلَوْ كَانَ
بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيْرًا ﴿﴾ [الإسراء: ٨٨] فعجزُهم في حال المظاهرة أبلغُ من عجزهم في غيرِ هذا
الحال، فكذلك إهلاكُ جميع مَنْ في الأرض، وإن كان دليلاً على قُدرته على إهلاكِهِ أيضاً، إلا
أن إهلاكه، مصاحباً جميع من في الأرض إياه، أدلُّ على قدرته من إهلاكه في غير هذا الحال،
فإن القدرةَ في صورة إهلاك الجميع ضمني بخلافه في تلك الصورة.
والحاصل: أن المسوقَ له في هذا الموضع هو بيانُ إهلاك من اتخذوه إلهاً وهو يَتِم
بالمفعول معه ما لا يتم بالعطف كما علمت. وعلى هذا صارت الآيةُ قاطعةً قاهرةً على من تفوّه
بوفاة المسيح وتمسك بهذه الآية، ودلت كالشمس في رابعة النهار على أنه لم يمت وأنه حيّ
بعد. وأنه تعالى لو أراد إهلاكَه لم يَمْنعه أحدٌ، فعُلِم أنه لم يَهلِك، ولو كان هَلَكَ لكان ذِكْرُ
هلاكِهِ أحرى من بيان القدرة فقط. ولمَّا لم يذكره مع داعيةِ المقام، عُلِم أنه لم يهلكِ بعد، وإلا
لکان هلاكُه أفحَم للنصارى.
ولكن الله سبحانه انتقل من بيان الهَلاك إلى بيان قدرتِهِ ثُمَّ صرَّحَ عليه في النساء وقال:
﴿وَإِن مِنْ أَهْلِ الْكِتَبِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ، قَبْلَ مَوْتِ﴾ [النساء: ١٥٩] فأعلن أنه لم يَمتْ ولو كان ماتَ
لكرره في ردِّ الألوهية، مع أنَّه ذكر مخاضَ والدته وكونُه مولوداً كسائر الناس، إلا أن وِلادَتَه لما
كانت بالنفخ على خلاف ولادة عامة الناس، نبّه على هذا الأمر البديع، ليُعلِم أن الإِنسانَ لا

٣٢٥
كتاب الوضوء
يصيرُ إلهاً بكونه منفوخاً ومخلوقاً من غير الطريق المعروف، إنما هو إله يخلق كيف يشاء. ولذا
جاءت تحمِلُه على يديها ليراه الناسُ أنه وُلِد كما يولد الناس؛ فانظرْ كيف ذَكَرَ ولادته على أتم
تفصيل، ولم يذكر وفاته ولو إيماءً مع كونه أدلُّ وأقطعُ لحجة الخصم، فهذه الآية حجة قوية لا
يأتيها الباطلُ من بين يديها ولا من خلفها إن شاء الله تعالى.
وإذا تحصَّلت الفرق بينهما، فاعلم أن قوله تعالى: ﴿وَأَرْجُلَكُمْ﴾ بالنصب مفعولٌ معه،
وليس لإِفادة الشّركة. والمعنى: أن للرجلِ معاملة مع مسح الرأس، أما إنها معاملةُ المسح أو
الغسل فهو مسكوت عنه.
ثم أقول: إن ((الواو)) قد لا تكون للشركة في الحكم وتجيء للمصاحبة فقط مع اشتراكها
في الإِعراب وأُسَمِّيها واو المعية. واستنبطته من كلام الرَّضي في قوله: لَلْس عباءةٍ ... إلخ،
وعلى هذا أمكنَ ((الواو)) في قراءة الجر أيضاً للمصاحبةِ دون إفادة الشركة. والحسنُ فيه أن الآيةَ
جَعَلت الوجهَ واليدينِ في طرف، والرأس والرجل في طرف آخر، لأنهما نوعان يشتركان في
بعض الأحكام ويختصان ببعضٍ آخر، كسقوط الرأس والرجل في التيمم. وأشار إليه ابن عباس
رضي الله عنه، ولعله في ((الفوز الكبير)) أن الوجه واليدَ مغسولان ويُعتبران في التيمم، والرأسَ
والرِّجلَ قد يسقطان في حكم الغسل، فلهذين حكمٌ ولهذين حكم، ولذا جُمعا في الآية عند بيان
المسح .
وفي تذكرة قديمة عندي أن اليد والوجه مغسولان في الأقوال كلها، بخلاف الرجل
والرأس، فإن الشريعةَ تفردت ببيان وظيفتهما. وانحل به ما تعسَّر عليهم من قول ثُمَامة عند
البخاري: آمنت مع محمد بََّ، فَفَهِمَ منه الشارحون أنه آمن معه مَعِيةً زمانية وليس بصادق،
فاضطروا إلى التأويلات، ومراده أن ابتداءً إيمانه قَارن وصَاحب مع بقاء إيمان محمد شَّ،
.
فصحت المعيةُ، ولهذا الضيق استُشكلت عليهم آية آخرى وهي: ﴿فَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْىَ﴾ [الصافات:
١٠٢] وقالوا: إن ((مع)) يتعلق بالسعي لا بقوله: ((بلغ)).
والحاصل: أن المعيةً والمصاحبةَ تصلُقُ بالاقتران في الجملة، لا كما فهموه. وعند
البخاري يكفيك الوجه والكفين بالنصب أيضاً من هذا الوادي، فإِنه مفعولٌ معه، فإِنه أدار الحكمَ
على هذا المجموع ولم يُرد أن يحكمَ على كل واحدٍ على حدة.
ثم اعرف الفرق(١) بين قوله: ﴿وَأَمْسَحُواْ بِرُءُوسِكُمْ﴾ وقولنا: وامسحوا رؤوسكم بدون الباء
(١) قال الشيخ رضي الله عنه بعد نقل عبارة ((بدائع الفوائد)) الدالة على الفرق بين قولهم: قرأت سورة كذا وقولهم:
قرأت بسورة كذا: إن المرادَ بالأول أنه قرأ هذا الشيء والمراد بالثاني أنه أوقعَ القراءة المعروفة المعهودة التي
اشتهرت بهذا الاسم بين الناس، وعهدت أنها أي جنس بالإتيان بهذه السورة، ووجهه أن قَرَأ في متعارف اللغة
متعدٍّ بنفسه فإِذا نقلته الشريعةُ إلى عُرفها ولقَّبتْ به قراءة الصلاة، صار لازماً، كأن معنى قرأ على هذا فعلُ فعلٍ
القراءة، وهذا لا يحتاج إلى مفعول به، فلما أريدَ تعلقُه بسورة عُدِّيَ بالباء، مثل هذا في قوله: ﴿وَأَمْسَحُواْ
بِرُءُوسِكُمْ﴾ [المائدة: ٦] بالباء وقولك: مسحت رأس اليتيم، الأول على عُرف الشريعة، وهو إمرار اليد المبتلة
على الشيء، فاقتضى ليلة، بخلاف الثاني فإنَّه على صرافة اللغة. انتهى بعبارته الشريفة.
:

٣٢٦
كتاب الوضوء
وهو الظاهر، لأن المسح متعدٍ بنفسه ومثل قوله: أوتره وأوتر به، وقرأ الفاتحة وقرأ بالفاتحة.
وتعرض إليه الزمخشري تحت قوله تعالى: ﴿وَهُزِىّ إِلَيْكِ بِذْعِ النَّخْلَةِ﴾ [مريم: ٢٥] مع كون الهز
متعدياً بنفسه. وسنقرر عليه الكلام مفصلاً إن شاء الله تعالى في باب الوتر. وجملة الفرق هاهنا
أنه لو قيل: وامسحوا رؤوسكم لكفي إمرارُ اليد بدون الماء أيضاً عن عهدة المسح، لأنه لا
تعتبر فيه البِلة لغةً، فإذا اعتبرت فيه المعهودية الشريعية، وهي إمرار اليد المُبتلة، صار لازماً
واحتاج في تعديته إلى الباء.
وحينئذ معنى قوله: ﴿وَأَمْسَحُواْ﴾ أي افعلوا فعل المسح، يعني المسح المعهود، فاقتصر
على ما كان باليد المبتلة. ولعل العربَ لمَّا لم يكونوا يعتمُّون في عامة أحوالهم، جاء القرآن
على عرفهم إذ ذاك وقال: ﴿وَأَمْسَحُواْ بِرُءُوسِكُمْ﴾ ولم يتعرض إلى العِمَامة، ولذا عامةُ رواياتٍ
وضوئه ◌َّ خاليةٌ عن ذكر المسح على العِمامة، ومتى كان معتماً تعرض هناك الراوي، كما عند
أبي داود في بيان صفة المسح أنه مسح ولم يَنْقُض العِمامة.
ثم إنه لا إجمالَ في الآية عندي في باب المسح كما قرره علماؤنا. والاقتصار على
الربع، إنما هو لأنه لم يثبت عنه ◌َّر دونه، ولو ثبت عنه مَ﴾ دون الربع لقلنا بفرضيته، وبفعله
علمنا أن الفرضَ هو الربع، ولو كان الفرضُ هو الكلَّ لما تنزل إلى الربع، وكذلك لو كان
الفرض دون الربع لتنزل عنه بياناً للجواز، فإذا اقتصر على الربع ثم لم يتنزل عنه، ثبت أن هذا
القدرَ هو الفرضُ. ولا شكَّ أن مذهبنا هو الأحوط في هذا الباب، حتى أن بعض الشافعية أيضاً
أقرُّوا بذلك.
قوله: (قال أبو عبد الله) ... إلخ وظني أن المصنف رحمه الله انتقلَ إلى بيان مسألةٍ
أُصولية، وهي أن الزِّيادةَ بخبر الواحد تجوز. ولذا بيَّن النبيِ وَّ قَدْر الفرض مع عدم ذكره في
القرآن، وقد مر منا تحقيقه في المقدمة فراجعه.
وحاصل المسألة عندنا: أن الزيادةَ بالخبر إنما تمتنعُ في مرتبة الرُّكنية والشرطية، أما في
مرتبة الوجوب أو الاستحباب فلا(١)، ولعل نظرَ الشافعية في أمثال هذه المواضع أن الحكم إذا
كان قطعياً بنفسه لا تؤثر فيه ظنية الطريق، فخبر الواحد وإن كان ظنياً في نفسه إلا أنه طريقٌ
لبلوغ الحكم القطعي إلينا فقط، فلا يكونُ مؤثراً في الحكم. ونَظَر الحنفية أن خبر الواحد وإنْ
كان طريقاً لعلم الحكم، لكنه لازمٌ ولا انفكاك عن هذا الطريقِ الظني في تحصيل هذا الحكم
القطعي. وإذا امتنع انفكاكُ طريق العلم عن الحكم وَجَبَ أن يُؤَثِّر فيه. ولم تصح مراعاة الحكم
في نفسه، فظنية الطريق تسري إلى الحكم لا محالة وتجعله ظنياً البتة.
(١) قلت: ورأيت في ((العرف الشذى)) في باب مهور النساء: أنَّ الزيادة في مرتبة الركنية والشرطية أيضاً تجوز عند
شيخي رضي الله عنه وإن لم يكتُبُوه إلّ في مرتبة الظن دون القطع. وهذا يبني على تحقيقه أن الأركانَ والشرائط
أيضاً قد تكون ظنية.

٣٢٧
كتاب الوضوء
وبعبارة أخرى: أن الشافعية ذهبوا إلى التجريد ونظروا إلى الحكم في نفسه بدون ملاحظةٍ
حال الطريق، والحنفية لاحظوا الحكم وطريقُه، فلم يمكن لهم أن يحكموا على المجموع إلا
بالظنية، فإِن النتيجةَ تتبع الأخسَّ الأرذل. وبعبارة أخرى: أن الشافعية جعلوا القرآنَ كالمتن
والحديثَ كالشرح، فأخذوا المراد من المجموع، ونحن أخذنا القرآن أولاً ثم أوجينا العمل
بالحديث ثانياً، فوضعنا هذا في مرتبة وبعبارة أخرى أن الحنفيةَ يتخذون السبيل هو القرآن، إلا
أنه لما ورد الحديثُ فيما سكت عنه القرآن يُخرِّجون له صورة العمل ويعملون به أيضاً، فكأنهم
جعلوا حالَ القرآن مع الحديث كحالٍ ظاهر الرواية مع النَّوادر.
ومما يتعلقُ بموضوعنا هذا مسألةُ النَّسخ والتَّخصيص، والشيءُ بالشيءٍ يُذكر. فاعلم أن
المنسوخَ بعد نزول الناسخ يبقى قطعياً عندنا، بخلاف التخصيص فإِنه يجعلُ العام ظنياً. ووجه
الفرقِ أن المخصَّصَ يُصاحبُ العام زماناً، فكأنه لم ينعقد حجةً بعدُ حتى لحقه المخصَّصَ
فأخرج عنه أفراداً، فيخطرُ بالبال خروج الأفراد الأُخر أيضاً لعلة مشتركة هناك. بخلاف الناسخ
فإِنه يتراخى عن المنسوخ زماناً، فينعقدُ حجةً، فإِذا نزل الناسخ وكان المنسوخُ محكماً إذ ذاك
وحجة، لم يؤثر فيه. وعليه يتفرع منعُ تعليل الناسخ دون المخصَّصِ، لأن تعليلَ الناسخ يستلزمُ
أن يجوزَ إخراج أفرادٍ أُخرَ أيضاً، مع أن النصَّ لم يخرج إلا أفراداً معلومة، فيلزم المعارضة
بالنَّص بخلاف المخصص .
٢ - باب لاَ تُقْبَلُ صَلَةٌ بِغَيرِ طَهُورِ
قد يُتخايل أن نفي القَبولِ لا يستلزمُ نفي الصحة. فقال قائل: إن القبولُ يطلق على
معنيين: الأول: ما هو المعروف. والثاني: ما يرادف الصحة. قلت: بل هو ضِدُّ الرد،
فمعناه أن الصلاةَ بدون الطهور مردودة ولا حاجة إلى التقسيم، لأنه انعقد الإِجماعُ على أن
الطهارة شرط لصحة الصلاة. نعم، في صلاة الجنازة وسجدة التلاوة بعض شذوذٍ، فعند
البخاري عن ابن عمر رضي الله عنه: أنَّه لا يسجدها على غير وضوء، إلا أن في
الحاشية للشيخ أحمد علي السهار نفوري نقيضُه. أنه كان يسجدها على وضوء، فتردد فيه النظرُ
أيضاً .
أما في صلاة الجنازة فقد ذهب بعضهم إلى جوازها بدون طهارة. ولعل الوجه عنده خفاءُ
لفظ الصَّلاة في صلاة الجنازة. والخفاءُ إنما يكون لنقص في المسمَّى أو زيادة فيه، فإِذا نَقَصَ.
شيءٌ من المسمَّى أو زاد فيه، يتردد فيه أنه بقي داخلاً في مسماه أو خرج عنه، كما قالوا في
الطَّرَّار والنَّبَّاش: إنَّ لفظَ السارق خفيّ فيهما، وكذلك ههنا خفيَ إطلاقُ الصلاةِ على صلاة
الجنازة وسجدةِ التِّلاوة لمعنى النقص فيهما. أما سجدة التلاوة فظاهرٌ. وأما صلاة الجنازة
فلعدم اشتمالها على الركوع والسجود.
وذهب الفقهاءُ الأربعة والجمهور إلى أنها داخلة في مسمَّى الصلاة، وسجدة التِّلاوة من

٣٢٨
كتاب الوضوء
أخصِّ أركان الصلاة، فينبغي أن يشترط لها ما يشترط للصلاة. وما نُسب إلى مالكٍ رحمه الله
تعالى من أن الصَّلاةَ بدون الطهور جائزة عنده فهو باطلٌ (١).
١٣٥ - حدّثنا إِسْحاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الحَنْظَلِيُّ قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ: أَخْبَرَنَا
مَعْمَرٌ، عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهِ، أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَلِ: ((لَا تُقْبَلُ صَلَاةُ
مَنْ أَحْدَثَ حَتَّى يَتَوَضَّأَ))، قَالَ رَجُلٌ مِنْ حَضْرَمَوْتَ: مَا الحَدَثُ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ؟ قَالَ: فُسَاءٌ
أَوْ ضُرَاطٌ. [الحديث ١٣٥ - طرفه في: ٦٩٥٤].
١٣٥ - قوله: (ما الحدث) ولمَّا كان السؤالُ عنه حَال كوِنِهِ في المسجد أجابَه: بالفُساء
والضُّراط، لأنه قلَّما يقع في المسجد إلا هذان. ثم الحدثُ في المسجد عمداً مكروه تحريماً
عندنا. وفي قول تنزيهاً كما في ((شرح المُنية)). وفي ((طبقات المالكية)): أنه حرامٌ بتاً.
والمعتكِفُ مستثنى عندي لمكان الضرورة.
فائدة
وراجع ((الخير الجاري)) وهو مِنْ تصنيف المُلا محمد يعقوب البمباني المحشي على
((مختصر الحُسامي)) وشرحه ملخص من العيني ((والفتح)). أخذ المطالب من العيني رحمه الله
تعالى وأضاف عليه الفوائد من ((الفتح)) وأكثرُ اشتغالِ أهل الهند كان في الفلسفة والمنطق،
وقليل منهم اشتغلَ بالفقه والأصول والحديث. فصنف الشيخ محمد عابد الهندي كتاباً في الفقه
وكذا ((فتاوي إبراهيم شاهي))، و((مجمع سلطاني))، ((وخاقاني))، وليست بشيء ونحوها مطالب
المؤمنين لعالِم من لاهور، وقد بقي الاشتغال بالحديث في سلسلة الشاه ولي الله رحمه الله
تعالى إلى ثلاثة أسباطٍ ثم انعدم.
٣ - بابُ فَضْلِ الوُضُوءِ وَالغُرِّ المُحَجَّلُونَ مِنْ آثَارِ الوُضُوءِ
١٣٦ - حدّثنا يَحْيِى بْنُ بُكَيرِ قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيِثُ، عَنْ خالِدٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي
هِلَال، عَنْ نُعَيم المُجْمِرِ قَالَ: رَقِيتُ مَعَ أَبِي هُرَيْرَةً عَلَى ظَهْرِ المَسْجِدِ فَتَوَضَّأَ، فَقَالَ إِنِّي
سَمِعْتُ النَّبِيَّ ◌ِلَّهِ يَقُولُ: ((إِنَّ أُمَّتِي يُدْعَوْنَ يَوْمَ القِيَامَةِ غُرّاً مُحَجَّلِينَ مِنْ آثَارِ الوُضُوءِ، فَمَنِ
اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ أَنْ يُطِيلَ غُرَّتَهُ فَلْيَفْعَل)).
والفضلُ ههنا بمعنى الفضيلة، وما بقي لا بمعنى الفضيلة فقط. واعلم أن الصلاة كانت في
بني إسرائيل أيضاً. وعند النَّسائي: أنه فرضت عليهم صلاتان، لا كما في البيضاوي أنَّها كانت
خمسين. وإذا ثبتت فيهم الصلاة فالأقربُ أن يكونَ الوضوءُ أيضاً. وقد ثبت في البخاري وضوء
(١) أما من نَسَبَ إلى مالك رحمه الله جوازَ الصلاة مع الحدث فقد اشتبه عليه الحال بين الحدثِ والخبث. وإنما
الخلافُ بين المالكية في اشتراطِ الطهارة عن الخبث. فقيل بالوجوبِ وقيل بالسنية، أما الطهارة عن الحدث فقد
نقلوا عليه الإِجماع.

٣٢٩
كتاب الوضوء
سارة. وعند الترمذي: ((هذا وُضُوئي ووضوء الأنبياء مِنْ قبلي)) فثبتَ الوضوء في الأمم السالفة
في الجملة.
وإذا اشتركَ الوضوءُ بيننا وبين الأمم، فما وجه اختصاص التحجيل بهذه الأمة؟ ولقائل أن
يقول: إنَّ وضوءنا أكثر من وضوئهم، فإِنه فُرض علينا خمسَ صلوات في اليوم والليلة، فازداد
وضوؤنا على وضوئهم. وقال قائل: إن التَّحْجيل والغُرَّة بسبب الإِطالة، ولعلها لم تكن في
الأمم السالفة. قلت: وعلى هذا ينبغي أنَّ مَنْ لا يطيلَ غرتَه وتحجيلَه من هذه الأمة لا يحصلُ له
نفسُ التحجيل والغرة يوم القيامة، مع أنَّ الأمرَ عندي: أن نفس التحجيل من آثار نفسٍ الوضوء
وإطالتها من إطالته، فكون التحجيل من آثار الإِطالة غير مُسَلَّم عندي.
ولم أجد في هذا الباب مع تتبّع بالغ غيرَ ما في ((حِلْية الأولياء)) لأبي نُعيم في صفات هذه
الأمة: ((متوضئين الأطراف)). وفي الثَّورّاة: أني أجد في الألواحِ أمةٌ حمَّادين متوضئين ...
فاجعلها يا رب أمتي. وفي الدَّارمي عن كعب قال: ((نجده مكتوباً محمد رسول الله وَلّله لا فظّ
ولا غليظٌ ولا صخَّابٌ في الأسواق، ولا يجزي بالسيئة السيئة، ولكن يعفو ويغفر، وأمته
الحمَّادون، يكبرون الله عز وجل على كل نَجْدٍ، ويحمدونه في كل منزلة، ويتأزرون على
أنصافهم، ويتوضؤون على أطرافهم، مناديهمُ ينادي في جو السماء، صفّهم في القتال وصفهم
في الصلاة سواء، لهم بالليل دَويٌّ كدوي النحل، ومولده بمكة، ومهاجره بطَيْبة ومُلكه بالشام.
اهـ.
فعَلِمت أنَّ لوضوء هذه الأمة اختصاصاتٌ ليست في الأمم الماضية، فلذا صار وضوؤنا
وصفاً مشتهراً بنا. وظني أن الوضوءَ في الأمم السالفة كان على الأحداث، بخلاف هذه الأمة
فإِنَّه عند الصلوات أيضاً، وهو معنى قوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَوةِ
فَأَغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ﴾ [المائدة: ٦] فالمطلوب من هذه الأمة الوضوء عند كل صلاة وإن لم يكن
واجباً، لا عند الأحداث فقط .
ولذا لا أقدِّرُ فيها: وأنتم مُحدِثون كما قدروه، فإِنه يختفي به رضا الشارع، وهو الوضوء
لكل صلاة. وعند أبي داود: أنَّ رسول الله وَّر أمر بالوضوء عند كل صلاة طاهراً أو غير
طاهر .. فكان ابن عمر رضي الله تعالى عنه يَرى أنَّ به قوةً فكان يتوضأ لكل صلاة: فهذا دليل
واضحٌ على أن المطلوبَ والمرضيَّ هو الوضوء عند كل صلاة، لا عند الاحداث فقط. واستحبه
فيها فقهاؤنا أيضاً(١).
(١) قلت: وهذا كالصلاة فإنها فرضت علينا موزعةً على الأوقات، فنحن نراقبُ الشمسَ ونراعي الأوقات، بخلاف
الأمم السالفة فإِنها كانت عليهم التقيد بالأمكنة، ولذا كانوا يطلبون البِيَعَ والكنائس لصلواتهم، وهو معنى
قوله ◌ُّه: ((جعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً فإنها لم تكن مسجداً لهم إنما جعلت لنا خاصة، وهذا هو معنى
الجعل والحاصل: أن الأهم عندنا نراقبةُ الأوقات ومراعاتها ثم الصلاة أينما كانت، والأهم عندهم الأمكنة،
وسيجيء البحث عنه عن قريب إن شاء الله تعالى.
=

٣٣٠
كتاب الوضوء
وبالجملة إذا عَلِمْت أن الغُرَّة والتحجيل من خصائص هذه الأمة، فإِذاً لا التباس بينها وبين
الأمم السَّالفة، فإنَّ كل أمة تقوم مع نبيها، وإنَّما يحصلُ الالتباسُ لمن لم يكن يتوضأ من هذه
الأمة، فإِنه لا تكون له هذه السيماء، فلعلهم يُحرَمُون عن الكوثر. فمن كان له شَغَفٌ ببيانٍ
الحِكَمٍ في الأحكام الشرعية، فهذه حكمة الوضوء.
وقد تكلم الناسُ في حكمة مسح الرأس وكلها لا تستندُ إلى رواية. وقد تبيَّن لي روايةٌ
في هذا الباب أخرجها المُنذري في ((الترغيب والترهيب)) وحاصلها: أنَّ من كان مسح
رأسَه في الدنيا لا يكون أشعثَ يوم القيامة، ويكون رأسُه ساكناً، وأمَّا غيره فيكون أشعثَ
الرأس.
وقد صنَّفَ العلماء في بيان الحِكم تصانيفَ منها: ((القواعد الكبرى)) للشيخ عزّ الدين
الشافعي رحمه الله تعالى، وقطعة منها موجودة عندِي ومنها: ((حجة الله البالغة)) للشَّاه ولي الله
رحمه الله تعالى وغيرهما. ثم فى الفقه أن إطالة التحجيل إلى نصف السّاق ونصف السّاعد. ولا
أدري في الغرة غير ما عند أبي داود عن علي رضي الله تعالى عنه: ((أنَّه توضأ حتى إذا فرغ من
وضوئه أخذ غَرْفة من ماء وأفاضه على ناصِيتِهِ، حتى استنّ الماء على صدره ولحيته)) واستشْكَلَ
عليهم شرحه، فإِنّه في الظاهر زيادةٌ في المِرَار وهو ممنوع، فشرحه بعضهم أنه كان للتبريد أو
غير ذلك. وعندي أنّه كان لإِطالة الغرة والله تعالى أعلم بالصواب(١) .
٤ - باب لاَ يَتَوَضَّأُ مِنَ الشَّكِّ حَتَّى يَسْتَيقِنَ
١٣٧ - حدّثنا عَلِيٍّ قَالَ: حَدَّثَنَا سُفيَانُ قَالَ: حَدَّثَنَا الزُّهْرِيُّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ
وعَنْ عَبَّادِ بْنِ تَمِيمٍ، عَنْ عَمِّهِ أَنَّهُ شَكَا إِلَى رَسُولِ اللّهِ الرَّجُلَ الَّذِي يُخَيَّلُ إِلَيَهُ أَنَّهُ يَجِدُ
وأذكر فيما سمعت من حضرة الشيخ في درس ((جامع الترمذي)): أن بني إسرائيل كانوا مأمورين بالوضوء لكل
=
صلاة، وقد بقي على هذه الأمة إلى زمان، ثم إذا شق عليهم نزل التيسير، أي الاكتفاء بالوضوء ما لم يحدث:
وتوجد أشياء كانت على بني إسرائيل ثم إنها بقيت على هذه الأمة إلى زمان حتى نزلت الرخصة وانفسح الأمر.
قلت: إنَّه قد تردد فيه بعض أهل العلم وقالوا: إنّ الإطالة راجع إلى الإسباغ دون المجاوز عن الحدود،
(١)
لقوله ◌َ لي: ((من زاد على هذا فقد تعدى وظلم)) وفي رواية: ((أو نقص)) وليس بثابت كما هو عند النسائي، فلا يردُ
أن النقصَ عن الثلاث جائزٌ، فلا يكون ظُلماً، ولا يحتاجُ إلى جواب أجابه صاحب («الهداية». ولعلك علمتَ أنه
راجعٌ إلى المرات دون الحدود ولقد سلمناه فهي على ما زادت على ما أراده أبو هريرة وما يتوهم فيه من إفراط
العوام وإضاعة الحدود لقد راعاه أبو هريرة رضي الله عنه فلم يفعله بين أيديهم، وإنما رآه بعضهم بفعلُ ذلك وهو
لا يدريه، ولذا قال: أنتم ههنا يا بني فروخ، فعلم أنه مستحب الخواصّ، وكم من أحكام في الشرع اختصت
بالخواص دون العوام.
وبالجملة الإطالة مستحبة وإسقاطُ الحديث بعد ما صح نظراً إلى الغايتين في الوضوء ليس بجيد، نعم يجب أن لا
يعتقدَ إلاّ بفرضية القذر المنصوص، وهو إلى المرفقين في اليدين وإلى الكعبين في الرجلين، وأن لا يفعلها عنه
الجهلاء فيقعوا في الأغلاط، وقد سمعتُ نحوَه من شيخي رحمه الله تعالى.

٣٣١
كتاب الوضوء
الشَّيءَ فِي الصَّلَاةِ، فَقَالَ: ((لَا يَنْفَتِل - أَوْ لَا يَنْصَرِف - حَتَّى يَسْمَعَ صَوْتاً أَوْ يَجِدَ رِيحاً)).
[الحديث ١٣٧ - طرفاه في: ١٧٧، ٢٠٥٦].
وفضَّل المالكيةُ فيما إذا شكَّ في الصَّلاة في الوضوء وبعد الوضوء، وذكروا له حكماً
حكماً. وأما عندنا فالأمر كما في الفقه.
١٣٧ - قوله: (حتى يسمعَ صوتاً) . .. إلخ كنايةٌ عن تيقنِ الحَدَث، وإليه أشار البخاري في
الترجمة وقد استوفينا الكلام في الفَرْق بين الكناية والمجاز في المقدمة، وهو مهمٌ فراجعه،
وسيجيء أبسط منه في الشرح.
٥ - باب التَّخْفِيفِ فِي الوُضُوء
١٣٨ - حدّثنا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: حَدَّثَنَا سُفيَانُ، عَنْ عَمْرٍو قَالَ: أَخْبَرَنِي كُرَيبٌ،
عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ النَّبِيَّ ◌َِّّنَامَ حَتَّى نَفَخَ، ثُمَّ صَلّى، وَرُبَّمَا قَالُ: اضْطَجَعَ حَتَّى نَفَخَ،
ثُمَّ قَامَ فَصَلَّى.
ثُمَّ حَدَّثَنَا بِهِ سُفْيَانُ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ، عَنْ عَمْرٍوٍ عَنْ كُرَيْبٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: بِثُ
عِنْدَ خَالَتِي مَيمُونَةَ لَيلَةً، فَقَامَ النَّبِيُّ وَّهُ مِنَ الَلَّيْلِ، فَلَمَّا كَانَ فِي بَعْضِ اللَّيْلِ، قَامَ
النَّبِيُّ ◌َّهِ فَتَوَضَّأَ مِنْ شَنّ مُعَلَّقٍ وُضُوءًا خَفِيفاً - يُخَفِّفُهُ عَمْرٌ وَيُقَلِّلُهُ - وَقَامَ يُصَلِّي،
فَتَوَضَّأْتُ نَحْواً مِمَّا تَوَضَّأَ، ثُمَّ جِئْتُ فَقُمْتُ عَنْ بِسَارِهِ - وَرُبَّمَا قَالَ سُفْيَانُ: عَنْ شِمَالِهِ -
فَحَوَّلَنِي فَجَعَلَنِي عَنْ يَمِينِهِ، ثُمَّ صَلَّى مَا شَاءَ اللَّهُ، ثُمَّ اضْطَجَعَ فَنَامَ حَتَّى نَفَخَ، ثُمَّ أَتَاهُ
المُنَادِي فَاذَنَهُ بِالصَّلَاةِ، فَقَامَ مَعَهُ إِلَى الصَّلَاةِ، فَصَلَّى وَلَمْ يَتَوَضَّأُ. قُلْنَا لِعَمْرٍو: إِنَّ نَاساً
يَقُولُونَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ بِ ◌ّه تَنَامُ عَيْنُهُ وَلَا يَنَامَ قَلبُهُ؟ قَالَ عَمْرٌو: سَمِعْتُ عُبَيْدَ بْنَ عُمَيرٍ
يَقُولُ: رُؤْيَا الأَنْبِيَاءِ وَحْيٌ، ثُمَّ قَرَأَ: ﴿إِنَّ أَرَبِى فِىِ الْمَنَامِ أَنِّ أَذْبَحُكَ﴾ [الصافات: ١٠٢]. [طرفه
في: ١١٧].
يريدُ به ضبطَ الغُسل في الوضوء شيئاً، وهو عسيرٌ، فأتىَ بلفظ التخفيف. وهو قد يكونُ
باعتبار المياه، وقد يكون بحسب المِرار.
١٣٨ - قوله: (نام حتى نفخ) والمراد من النوم، إمَّا نومُه خلال الصَّلاةِ النافلة، أو بعد
الفراغ عنها قبل سُنّة الفجر، وهو الظاهر.
قوله: (توضأ من شن معلق) قال الحافظ: ولم يَغْسل النبي وَل يديه في هذا الوضوء.
والمراد من غسل اليدين هو ما يكون إلى الرُّسغين في ابتداء الوضوء؛ ولا أدري من أين أخذه
الحافظ رحمه الله تعالی.
قوله: (وضوءاً خفيفاً) والتخفيف في إسالة الماء والتقليل في المِرار. وقد ثبت عند مسلم
أن النبي ◌َّ# توضأ في تلك الليلة مرتين: مرة بعد ما أتى حاجته وأراد أَنْ ينامَ ولم يَغْسلْ فيه غير
الوجه واليدين، ومرة أخرى حين قام إلى الصَّلاة، ولا أدري أي الوضوءين هو؟ ولعل التخفيفَ

٣٣٢
كتاب الوضوء
والتقليل راجع إلى الوضوءِ الأول، وترجمة المصنَّف رحمه الله تعالى ناهضةٌ على كِلا
التقديرين. وعُلِم من هذا الحديث نوعٌ آخرَ من الوضوء، وهو بغسل اليدين والوجه فقط. وإنَّما
حدث هذا النوعُ من صنيع القرآن، حيث أشار إلى المصاحبة بين الرأس والرجل، فإِذا سقط
أحدهما في وضوءِ النَّوم سقط الآخر أيضاً، فانظر كيف انكشفت المصاحبة، وأنَّ لهذين حُكماً
ولهذين حُكماً، فإِذا غُسِلَ الوجهُ غُسِلت معه اليدان أيضاً، وإذا تُركت وظيفةُ الرأس تركت وظيفة
الرِجْل أيضاً .
ثم اعلم أن ما يأخذه القرآنُ في عُنوانه لا بد أن يكون معمولاً به أيضاً، ولو في أي مرتبة
كان، ولا يكون نظرياً وعلمياً فقط كقوله تعالى: ﴿وَلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُّ فَأَيْنَمَا تُوَلُواْ فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ ﴾
[البقرة: ١١٥] فإنه عُنوان عام لم يُرد به التوجيه إلى كل جهة، ولكنَّه ليس علمياً فقط أيضاً، بل
ظهر به العمل في حق النافلة، وكقوله تعالى: ﴿وَأَقِ الصَّلَوَةَ لِذِكْرِىّ﴾ [طه: ١٤]، فإن ظاهره أن
تنحصرَ الصَّلاةُ في الذكر، وهو وإن لم يكن معمولاً به في جميع الأحوال، لكنه ليس عقلياً
صِرفاً، بل عُمِل به في صلاة الخوف كما نُقِل عن الزهري: أنه إذا تعذّرت عليه الصلاةُ في
الخوف كفى له التكبير. وكما في الفقه أنَّ الحائض تتوضأ وتجلس في وقت صلاتها وتذكر الله
عز وجل. فهذا كله عَمَلٌ بعنوان القرآن ولو في مرتبة.
والحاصل: أنه لا بد لعنوان القرآن أن يبقى معمولاً به ولو في أي صورة وأي مرتبة، ولمَّا
جَعَلَ القرآنُ الوجه واليدين في طرف، والرأس والرِجْل في طرف - مع كون الرجل مغسولاً - لا
بد أن يظهرَ لهذين حكمٌ خاصٌّ ولهذين أيضاً. وهو الذي ظهر به العمل في النَّوم والتيمم. وما
عن ابن عمر رضي الله تعالى عنه عند مالكٍ في الوضوء للجنابة من مسح الرأس بدون غسل
الرجلين، فغير مُسلَّمٌ عندي ما لم يَثْبُت عن النبي ◌َّ أنه جمع الثلاثة وترك الرابع، فينبغي أن
يُحملَ على الوضوء الكامل، يعني مع غسل الرجلين أيضاً، واختصره الراوي.
قوله: (فحوَّلني فجعلني عن يمينه) وصورته ما عند مسلم فأخذ بيدي من وراء ظهرهٍ يعدلُني
كذلك من وراء ظهره إلى الشق الأيمن، وهذا يفيدُك في أنَّ الكراهةَ إذا طرأت في خلال الصَّلاة
يجبُ رفعُها فيها .
قوله: (ثم صلی ما شاء الله) وقد علمت اختلاف الروايات فيه.
قوله: (ثم اضطجع) وفيه تصريح بالاضطجاع. واختلف في كونه بعد صلاة الليل أو بعد
سُنَّة الفجر وليس بسُنَّة؛ ومن اضطجع اتباعاً له وَيِّ يَحْصُل له الأجر إنَّ شاء الله تعالى، ولكنه
ليس من السُنَّة في شيءٍ. وتفرد ابن حزم حيث جعله شرطاً لصحةٍ صلاة الفجر، ولا دليل له
على ذلك، ولكنَّه إذا أَخَذَ جانباً شدد فيه .
قوله: (تنام عينه) ... إلخ وهذا مِنْ باب الكيفيات كالكشف، إلا أنَّه في اليقَظَة،
والمكشوفُ عليه يرى ما يراه الآخرون في اليقظة. وأما في ليلة التَّعريس فقد أُلقي عليه النَّوم
تكويناً وفي الحديث: ((إِني أُنَسَّى لأَسُن)).
قوله: (رؤيا الأنبياء وحي) وقد مرَّ مني أنَّ رؤيا الأنبياء أيضاً يَخْتمل التقسيم الثلاثي.

٣٣٣
كتاب الوضوء
وعلى هذا لا حاجة لي إلى تأويلٍ في قوله: ((إنْ لم يكُن من عند الله يمضه)) في قِصة رؤياه في
عائشة رضي الله عنها. وإنَّما أوَّلَهاَ الشارحون لأنهم قَصَرُوا رؤياه على نحوين فقط، فافهم.
قوله: (ثم قرأ: (﴿إِنَّّ أَرَى فِ اَلْمَنَامِ﴾) وقد مرَّ الكلام عليه تحت حديث الوحي، فراجعه.
٦ - باب إِسْبَاغ الوُضُوءِ
وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: إِسْبَاغُ الوُضُوءِ: الإِنْقَاءُ .
١٣٩ - حدّثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، عَنْ مَالِكِ، عَنْ مُوسى بْنِ عُقْبَةَ، عَنْ كُرَيبِ مَوْلَى
ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيدٍ، أَنَّهُ سَمِعَهُ يَقُولُ: دَفَعَ رَسُولُ اللَّهِ وَِّ مِنْ عَرَفَةَ، حَتَّى إِذَا
كَانَ بِالشِّعْبِ نَزَلَ فَبَالَ، ثُمَّ تَوَضَّأَ وَلَمْ يُسْبِغ الوُضُوءَ، فَقُلتُ: الصَّلَاةَ يَا رَسُولَ اللَّهِ!
فَقَالَ: ((الصَّلَاةُ أَمَامَكَ)) فَرَكِبَ، فَلَمَّا جَاءَ الَّمُزْدَلِفَةَ نَزَلَ فَتَوَضَّأَ، فَأَسْبَغَ الوُضُوءَ، ثُمَّ
أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ، فَصَلَّى المَغْرِبَ، ثُمَّ أَنَاخَ كُلُّ إِنْسَانٍ بَعِيرَهُ فِي مَنْزِلِهِ، ثُمَّ أَقِيمَتِ العِشَاءُ
فَصَلَّى، وَلَمْ يُصَلِّ بَينَهُمَا. [الحديث ١٣٩ - أطرافه في: ١٨١، ١٦٦٧، ١٦٦٩، ١٦٧٢].
وهو بالتقطير بين الإِسالة والإِسراف، وبالتثليث وبإِطالة الغُرَّة والتَّحْجِيل.
١٣٩ - قوله: (ولم يُسِبغْ الوضوء) والمراد منه الوضوء الناقص، أو التقليل في المرات.
وكَرِهِ الفقهاء تَكرَار الوضوء بدون تخلُّلِ عبادة أو تبدُّل مجلس، وقد ذكروه مفصلاً. ولا بأس في
تكراره إن كان توضأ وضوءاً كاملاً أيضاً، فإِنَّه تبدل مجلِسُه وَّ، أو يقال: إنه لم يكن أسبغ
وضوءَه أولاً، فلما بلغ جمعاً ووجد الماء أسبغَ فيه تحصيلاً لأكمل الطهارتين. وكثيراً ما نفعل
مثله أيضاً، فنكتفي بالقدر الفرضي عند عِزَّة الماء، فإِذاً نجد الماء وتكون فيه سَعة نعيد الوضوء.
لا يقال: إنَّ النبي وسي لم يكن أدَّى قدر الفرض أَوَّلاً لأنا نقول: إن قول الراوي: الصَّلاة يا
رسول الله لا يلائمه، فإِنَّه يدل على أنه كان على وضوء يصح به الصَّلاة فالجواب ما ذكرنا .
قوله: (الصَّلاة أمامك) وأَخَذَ منه الحنفية أن تأخيرَ المغرب في المزدلفة واجبٌ، لأنه أخر
المغرب بلا وجهٍ وجيه، فإنَّ الدفع إلى المزدلفة لا يكون إلا بعد غروب الشمس، فإِذا لم يُصلِّ
المغرب مع حضور وقتها، عُلِم أن وقتَ تلك الصلاة تحولَ عن وقتها المعروفِ وصار وقته
ووقت العشاء واحداً في هذا اليوم، وهو معنى قوله: ((الصَّلاة أمامك)) يعني ليس وقته ههنا.
بخلافٍ تقديم العصر في عرفة، فإِن له وجهاً ظاهراً، فشرطوا له شروطاً وقصروه على مورِد
النص ولم يوجبوه، فلا يَجْمع في عرفة إلا من يصلي مع الإِمام بشرائطه. أما في الجمع فيجمع
كل من يصلي منفرداً كان أو مصلياً بالجماعة.
ووجه تقديم العصر وتأخير المغرب ترجيحُ العبادة الوقتية، فإِنَّه لما تعارضت العبادتان
الصلاة والوقوف وسَّعت الشريعةُ للوقتية ورجحتها على ما كانت وقتها العمر كله. وفَهِم الحنفية
أنَّ هذا الجمع ليس أمراً بديعاً، بل هو على شاكلته المعروفة، فحملوه على الجمع للسفر وأنكره
الآخرون وحملوه على الجمع للنُّسُك.

٣٣٤
كتاب الوضوء
ثم مِنْ مسائل الجمع الثاني أنه لو صلى أحدٌ المغربَ في عرفة يُعيدها قبل طلوع الفجر من
يوم النَّحر، فإِن لم يعدها حتى طلع الفجرُ فإِنَّه لا يُعيدها بعده. وهذه المسألة أيضاً من فروع
مسألة جوازِ الزيادة بالخبر، فإِنَّه ثبت بالنص القاطع أداءُ الصَّلاة في أوقاتها، وأنَّ الصلاة كانتَ
على المؤمنين كتاباً موقوتاً. ومقتضاها اعتبار الصَّلاة التي صُليت في وقتها وعدم إيجاب القضاء
عليه. ثم جاء خبر الواحد في إيجاب تأخيرها عن وقتها، ومقتضاها إيجاب الإِعادة إن صليت
في وقتها المعروف، فلو جَوَّزنا الإِعادةَ بعد الطلوع أيضاً بطلَ عموم الآية الوقتية رأساً.
فقلنا: إنَّه يعيدُها إلى طلوع الفجر لأجل الخبرِ والليلُ باقٍ، ولا يُعيدها بعده لأجل النَّص
القاطع، فإِنَّه قد صلاها في وقتها فينبغي أن تعتبر بالنص أيضاً، وبه حصل الجمع بينهما، فلمٍ
نهمل الخبر بالكلية ولم نترك الآية بالكلية، بل راعيناهما بقدر ما أمكن. وبعبارة أخرى. إنّ
العمل بالظني - وهو خبر الجمع - إنما يمكن إلى وقت الظُّلوع فقط، لأنَّ وقتَ العشاء باق، فإن
أعادها فيه حصل الجمع، وبعد طلوعه يفوت العمل بالظني ولا يمكن الجمع لفوات الوقت، فلا
طائل في إيجاب الإِعادة بعده، فإِن قلنا بالإِعادة بعد الطلوع أيضاً لزمَ تركُ القاطع بفوات الظني،
وهو غير معقول.
ثم من مسائل الجمع أنَّه لا يُصلِّي بينهما نافلة ولا شيئاً كما في ((المناسك)) للعارف
الجامي. ولم أر تلك المسألة في غير هذا الكتاب. وعند مُسْلِم: فلما جاء المزدلفة نزل
فتوضأ، فأسْبَغ الوضوء، ثم أقيمت الصَّلاة فصلَّى المغرب، ثم أناخ كل إنسان بعيره في منزله،
ثم أقيمت العشاء فصلاها ولم يصل بينهما شيئاً. وفي بعض الروايات: أنَّهم أناخوا بعيرهم بعد
أداء الصلاة. ووجه التوفيق: أنَّ بعضَهم فَعَل كذا. وبعضهم فعل كذا. ومن مسائله أن الجمعَ
في المزدلفة بأذان وإقامة، إلا إذا وقعت الفاصلة بين الصَّلاتين، فإنَّه يقيم للثانية أيضاً كما مَرَّ
في رواية مسلم.
٧ - باب غَسْلِ الوَجْهِ بِاليَدَينِ مِنْ غَرْفَةٍ وَاحِدَةٍ
١٤٠ - حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحِيمِ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو سَلَمَةَ الخُزَاعِيُّ مَنْصُورُ بْنُ
سَلَمَةَ قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ بِلَالٍ يَعْنِي سُلَيْمَانَ، عَنْ زَيدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنِ
ابْنِ عَبَّاسِ: أَنَّهُ تَوَضَّأَ فَغَسَلَ وَجْهَهُ، وَأَخَذَ غَرْفَةً مِنْ مَاءٍ فَمَضْمَضَ بِهَا وَاسْتَنْشَقَ، ثُمَّ أَخَذَّ
غَرْفَةً مِنْ مَاءٍ فَجَعَلَ بِهَا هكذا، أَضَافَهَا إِلَى يَدِهِ الأُخْرَى، فَغَسَلَ بِهِمَا وَجْهَه، ثُمَّ أَخَذَ غَرْفَةٌ
مِنْ مَاءٍ فَغَسَلَ بِهَا يَدَهُ الْيُمْنَى، ثُمَّ أَخَذَ غَرْفَةً مِنْ مَاءٍ فَغَسَلَ بِهَا يَدَهُ الْيُسْرَى، ثُمَّ مَسَحَ
بِرَأْسِهِ، ثُمَّ أَخَذَ غَرْفَةً مِنْ مَاءٍ، فَرَشَّ عَلَى رِجْلِهِ الْيُمْنِى حَتَّى غَسَلَهَا، ثُمَّ أَخَذَ غَرْفَةً أُخْرَى
فَغَسَلَ بِهَا رِجْلَهُ يَعْنِي الْيُسْرَى، ثُمَّ قَالَ: هكذا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ وَهِ يَتَوَضَّأُ .
الغُرْفة، كاللُّقمة، بمعنى اسم المفعول. والغَرْفة بالفتح للمرة، وهو الأفصح.
١٤٠ - قوله: (فرشَّ على رجله اليمنى) وإنما عبَّر بالرشِّ لأنَّه ضَرَبَ بها على رجله وغسلها
شيئاً فشيئاً. وعن ابن عباس رضي الله عنه عند أبي داود: ((فأخذ حَفْنَة من ماءٍ فضَرَبَ بها على

٣٣٥
كتاب الوضوء
رِجلِهِ وفيها الثَّعل، فَفَتَلَها بها ثُم الأخرى مثل ذلك)). ولعله في واقعة أخرى. وإنَّما نقلتها ليعلم
أنَّه قد يحتاج إلى الرشِّ ولا يكفي الإِسالة.
٨ - باب التَّسْمِيَةِ عَلَى كُلِّ حَالٍ وَعِنْدَ الوِقَاعِ
واعلم أنَّه لم يذهب إلى وجوبِ التسمية أحدٌ من الأئمة، إلا ما نُقل عن أحمد رحمه الله
تعالى في رواية شاذة، مع ما ثَبَتَ عنه في الترمذي: أنه لم يثبت في هذا الباب شيء. ولذا
أقول: لا بدَّ أن يكون في الباب روايةٌ قابلة للعمل عنده، وإن كان في أدنى مراتبِ الحسن، وإلا
لم تجىء عنه تلك الرواية. وتفرد الشيخ ابن الهُمَام منا واختار الوجوب وقال: إن الأحاديث فيه
لِتَعَاضُدِ بعضها ببعض بلغت مرتبة الحُسن، فانجبر الضَّعفُ بتعدد الطرق. ولعل البخاري أيضاً
اختار الوجوب كما اختاره رفيقه في السفر داود الظاهري. وكنت أرى أنَّه ليس رجلاً محققاً،
فلما طالعت كتبَه علمتُ أنَّه عالمٌ جليلُ القدر رفيعُ الشأن.
وإنَّما لم يسمَّ الوضوءَ لئلا يكون إشارةً إلى تحسين للأحاديث التي وردت في هذا البابِ
عنده. وحديث الترمذي ليس قابلاً عنده لترجمته أيضاً، فانْظُر رِفعة المصنّف رحمه الله تعالى أنَّ
ما يخرِّجُه الأئمة تحت أبوابهم لا يذكره المصنِّفُ رحمه الله تعالى في تراجمه، بل لا يحبُ أَنْ
يشيرَ إليه أيضاً، مع أن في نيته إثباتُ التسمية عند الوضوء، إلا أنَّه لما لم يكن عنده حديث
معتبر في هذا الباب خاصة تمسك من العمومات، وأدخلَ الوضوءَ تحتها، وضمَّ معهِ الجِمَاعِ،
ليُعلم أن التسمية لما كانت مشروعة قبل الجماع، فأن تكون قبل الوضوء أولى. فكأنَّه استدلال
من النَّظائر.
وقد يخطر ببالي أنَّ المصنِّف رحمه الله تعالى مع كثرة قياساته كيف يُنْكِرُ القياسَ؟! ثم
ظهر لي أنَّه يعمل بتنقيح المناط. ولم يُنبه عليه أحد من الشارحين. فالحديث وإن ورد في جزئية
واحدةٍ من الجماع لكنه بعد تنقيح المناط صار عاماً، فبؤَّبَ بالتسمية في كل حال. قلت: والنَّظر
المعنوي يحكمُ بوجوب التسمية في كل حال، فإِنَّ الشيطان لا يزالُ يراقب الإنسان، ولا يجدُ
موضعاً إلا ويلقي النقيصةَ فيه فعند الغائط يلعبُ بمقاعِدٍ بني آدم، ويَشْتَرِكُ معه في الجماع
والأكل، ويُفْسدُ الأواني، ويقطع الصلاةَ إذا لم تكن بين يديه سترة، ويوسوس في الوضوء،
ويجلس على خَيَاشِيمِهِ عند النوم، ويَضْحَكُ منه إذا قال في صلاته: ((ها)) إلى غير ذلك من
مفاسده التي أَخْبَر بها الشرع. والمخلَّصُ هو التسميةُ لا غير.
ثم الذي يتضح: أنَّ الوجوب والحُرْمة لا يترتبان على الأنظار المعنوية، بل إنَّما يتعلقان
بأمر الشارع ونهيه، فإِذا لحقَهُ أمرُ الشارع أو نهيُه يكون واجباً أو حراماً. ولا شك أن الواجباتِ
كلها تشتملُ على المنافع والمحرمات بأسرها على المضار، إلا أنَّه لا يلزمُ عكسه. ورُبَّ شيءٍ
يكون مُضراً ثم لا يحرِّمُه الشارع شفقة على النَّاس ورحمة لهم، ورُبَّ شيءٍ يكون فيه منفعةً
عظيمةً ثم لا يأمرُ به الشرع. نعم، يكون له صلوح للأمر، كالنوم حالة الجَنَابة، فإِنه لا تحضر
جنازته ملائكة الله، وأي ضَرَرٍ أعظمُ منه؟ إلا أنه لم يوجب عليه غُسلاً تيسيراً له، وإنَّ الدين
يُسرٌ.

٣٣٦
كتاب الوضوء
١٤١ - حدّثنا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِي
الجَعْدِ، عَنْ كُرَيْبٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسِ يَبْلُغُ به النَّبِيَّ نَسِّ قَالَ: ((لَوْ أَنَّ أُحَدَكُمْ إِذَا أَتَى أَهْلَهُ
قَالَ: بِاسْمِ اللَّهِ، اَللَّهُمَّ جَنِّبْنَ الشَّيْطَانَ، وَجَنِّبِ الشَّيْطَانَ مَا رَزَقْتَنَا، فَقُضِيَ بَيْنَهُمَا وَلَدٌ لَمْ
يَضُرَّهُ)). [َالحديث ١٤١ - أطرافه في: ٣٢٧١، ٣٢٨٣، ٦١٦٥، ٦٣٨٨، ٧٣٩٦].
١٤١ - قوله: (لم يضره) ويتعين في مثله الضم إذا لحقه ضمير، صرح به سِيبَوَيهِ، ولا
يجري فيه الوجوه الثلاثة كما في: لم يمد. قيل: المراد من الضرر صَرَعُ الصبيان، لا يقال: إنَّا
قد نشاهدُ المضرَّة مع قراءة التسمية أيضاً، لأنَّا نقول: هذا بيان لبركة اسم الله. ومع هذا هناك
شرائط وموانع لم تذكر، فإذا تحققت التسميةُ بوجودِ تلك الشرائطِ وارتفاع الموانع لا يكون إلا
كما أخبرَ به الشرع، ولا يتخلفُ عنه الحكم البتّةَ.
٩ - باب مَا يَقُولُ عِنْدَ الخَلَاءِ
١٤٢ - حدّثنا آدَمُ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَبْدِ العَزِيزِ بْنِ صُهَيبٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَنَساً
يَقُولُ: كَانَ النَّبِيُّ نََّ إِذَا دَخَلَ الخَلَاءَ قَالَ: ((اللَّهُمَّ إِّي أَغُوَذُ بِكَ مِنَ الْخُبْثِ وَالْخَبَائِثِ)).
تَابَعَهُ ابْنُ عَرْعَرَةَ، عَنْ شُعْبَةَ. وَقَالَ غُنْدَرٌ عَنْ شُعْبَةَ: إِذَا أَتَى الخَلَاءَ. وَقَالَ مُوسى
عَنْ حَمَّادٍ: إِذَا دَخَلَ. وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ زَيدٍ: حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ: إِذَا أَرَادَ أَنْ يَدْخُلَ. [الحديث
١٤٢ - طرفه في: ٦٣٢٢].
١٠ - باب وَضْعِ المَاءِ عِنْدَ الخَلَاَءِ
١٤٣ - حدّثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا هَاشِمُ بْنُ القَاسِمِ قَالَ: حَدَّثَنَا وَرْقَاءُ،
عَنْ عُبَيدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي يَزِيدَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ النَّبِيَّ ◌َِّ دَخَلَ اَلْخَلَاءَ، فَوَضَعْتُ لَهُ
وَضُوءًا قَالَ: (مَنْ وَضَعَ هَذا؟)) فَأُخْبِرَ، فَقَالَ: ((اللَّهُمَّ فَقِّهُهُ فِي الدِّينِ)).
قد يُتوهم في أبوابه سُوءُ ترتيبٍ، فإنَّه أدخَلَ أحكام الاستنجاء خلال أحكام الوضوءِ، مع
أن مقتضى الترتيب أن يذكرَها مقدَّماً على أحكام الوضوء. قلت: بل هو ترتيب حَسَنٌ جيدٌ، لأنَّه
لما قدمَ الوضوءَ وكان هو الطريق المسلوك في تصانيفهم أراد أن يتعرض إلى حقيقة الوضوء
شيئاً، فَذَكَرَ أولاً بعض أحكامِهِ لتعيين مسمَّاه لا غير، كبحث الفقهاءِ أنَّ أيِّ قدرٍ من استعمال
الماء يُسمَّى غَسْلاً، فذكر أولاً فضله وهو مقدمٌ على بيان الحقيقة. ثم توجَّه إلى بيانِ أنه شيءٌ لا
يجبُ بالشك، ثم نزل إلى بيان التخفيف والإِسباغ فيه؛ ولا بحث فيه من الأعضاء الأربعة، لأنَّ
التخفيفَ والإِسباغَ يجريان في عضو واحدٍ أيضاً. ثم تَعرَّض إلى غسل الوجه لمزيد تعيينها،
حتى إذا بلغ إلى التسميةِ وتقررت حقيقتُه في الأذهان، انتقل إلى الترتيب الحسي، فذكر ما كان
مقدَّما في الحس وهو آداب الخلاء، فهذه الأبوابُ تترى في بيان مُسمَّاه وتحقيقِ حقيقتِهِ، لا في
بيان أحكام الوضوء.

٣٣٧
كتاب الوضوء
ثم إنَّ المصنّف رحمه الله تعالى أتى في المتابعة بلفظ: ((أراد)) إشارة إلى أنَّ هذا الدعاء
إنما هو عند الإِرادة قبل دخول الخلاء، لا بعد الدخول فيه كما يتَوهم من ظاهرٍ لفظه. قلت:
ورَوى المصنّف رحمه الله تعالى في ((الأدب المفرد)) بلفظ: ((إذا أراد الدخول)). صراحةً.
١١ - باب لاَ تُسْتَقْبلُ القِيْلَةُ بِغَائِطِ أَوْ بَوْلٍ،
إِلَّ عنْدَ الْبِنَاءِ، جِدَارٍ أَوْ نَحْوِهِ
١٤٤ - حدّثنا آدَمُ قال: حدّثنا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ قَالَ: حَدَّثَنِي الزُّهْرِيُّ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ
يَزِيدَ اللَّيْثِيِّ، عَنْ أَبِي أَيُّوبَ الأَنْصَارِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَِّ: ((إِذَا أَتَى أَحَدُكُمُّ
الْغَائِطَ، فَلَا يَسْتَقْبِلِ القِبْلَةَ وَلَا يُوَلِّهَا ظَهْرَهُ، شَرِّقُوا أَوْ غَرِّبُوا)). [الحديث ١٤٤ - طرفه في:
٣٩٤] .
قالوا: إن الحديثَ لأهل المدينةِ ولمن كانت قِبلتُهم على سَمتهم. ثم إن الظاهر أن
البخاري اختار مذهب الشافعي ومالك رحمهما الله تعالى، ولا يُدرى أنَّه اختار تفاصيلهم
وفروعَهم في تلك المسألة أيضاً أم لا؟ أما استثناءُ المصنّف رحمه الله تعالى فمأخوذٌ من حديث
ابن عمر رضي الله عنه عندي، وليس مأخوذاً من حديث أبي أيوب رضي الله عنه كما تكلَّفَ فيه
بعضهم، فقال: إن الغائطَ يقال للصحراء والفضاء، فكأن هذا الحديث لم يَرِد في البُنيان، وإنما
جاء فيما ذهب لحاجته إلى الصحارَى والفيافي. قلت: بل الغائطُ في اللغة للأرض المطمئنة
والمنخفضة، وإنما كانوا يتحرَّون مكاناً منخفضاً ليحصلَ التسترُ، وهكذا العمل في أهل البوادي
إلى يومنا هذا.
وحينئذٍ صار الحديثُ حجة لنا بعدما كان حجة علينا، لأن الانخفاض يكون كالبنيان كما
فعل ابن عمر رضي الله عنه فأناخ راحلته وبال إليها. ثم إن الراوي فَهِمَ غير ما فَهِموه، فعنه عند
الترمذي: ((فقدِمْنَا الشام - فوجدنا مراحيضَ قد بُنِيَت مستَقبَلَ القِبْلة فننحرف عنها ونستغفر الله))
فهذا أبو أيوب جعل النهي على عمومه، البُنيانَ والصحارى سواء. ومن العجائب ما نسب ابن
بَطَّال إلى البخاري أنه ليس في المشرق والمغرب عنده قبلةً على البسيطة كلها. قلت: وكيف
نَسَبَه إليه مع أن أهل بخارى إنما يصلون إلى المغرب؟ فهل خَفِيَ على مثلِ البخاري قبلتَه مدَّة
عُمْره؟ !! وإنما تَوهَّم من عبارته في أبواب القِبلة ليس في المشرق ولا في المغرب قبلةً وسيجيء
شرحه في موضعه.
واعلم أن المذاهبَ في هذا الباب عديدةٌ ذكرها العلماء، ونذكر ههنا مذاهب الأئمة
الأربعة فقط :
فمذهب الإمام أبي حنيفة رحمه الله تعالى: كراهة الاستقبال والاستدبار في البناء والفضاء
تحريماً. وهو إحدى الروايتين عن أحمد. والرواية الأخرى عنه جواز الاستدبار مطلقاً مع كراهة
الاستقبال مطلقاً. وهو رواية عن أبي حنيفة كما في ((الهداية)). وفي ((النهر الفائق)) قيل: إنه كُرِه
تنزيهاً، ومثله في ((المسوى)) ((والمصفى)).

٣٣٨
كتاب الوضوء
ومذهب الشافعي ومالك رحمهما الله تعالى كراهتهما في الفيافي دون البنيان، فكأنَّهما
فرَّقا في حكم الفيافي والبنيان، ولم يفرقا بين الاستقبال والاستدبار على خلاف ما رُوِيَ عن
أحمد رحمه الله تعالى، فإِنَّه فَصَل بين الاستقبال والاستدبار، ورأى أمرهما في الكُنُف
والصحارَى سواء، ولم يعرج إلى تفصيل بين الصحراء والبناء. وحجة أبي حنيفة رحمه الله
تعالى في هذا الباب: حديث أبي أيوب رضي الله عنه وهو أصرحُ وأصخُ وأنص وأمس بالمقام.
وحجتهم إجمالاً: حديث ابن عمر رضي الله عنه، وجابر رضي الله عنه عند الترمذي،
وحديث عِرَاك عند ابن ماجه. أمَّا حديث ابن عمر رضي الله عنه فلفظه: قال: رقيتُ يوماً على
بيت حفصة رضي الله عنها فرأيت النبي وقالجر على حاجته مستقبلًا الشام مستدبرَ الكعبة. وأما
حديث جابر رضي الله عنه فلفظه: قال: نهى النبي ◌َّ أن نستقبلَ القِبلة ببول، فرأيته قبل أَنْ
يُقبَضَ بعامٍ يستقبلُها. وأما حديث عِرَاك فلفظه على ما رواه ابن ماجه عن خالد الحَذَّاء، عن
خالد بن أبّ الصَّلْت، عن عِرَاك بن مالك عن عائشة قالت: ذكر عند رسول الله ◌َّل قوم يكرهون
أَنْ يستقبلوا بفروجهم، فقال: ((أَرَاهم قد فَعَلوها، استَقْبِلُوا بمقْعَدَتِي القِبْلَة)).
وأجابَ الحنفية عن حديث ابن عمر رضي الله عنه وجابر رضي الله عنه أنهما فعلان،
والفعل لا يعارضُ القولَ، كما بُسِط في الأصول. قلت: ولا أحبُّ هذا العنوان لأن فِعلَه ◌ِّ.
أيضاً حجةٌ كقوله، فغيرتُه إلى أنهما حكايتا حالٍ لا عموم لهما. وحديث أبي أيوب نصٌّ في
الباب، وتشريعٌ في المسألة، وحكمٌ على وصفٍ معلوم منضبط. وهذه الأحاديث لم يُعلم سببُها
بعدُ، فكيف يُترك ما هو معلومُ السبب بما جُهِل سببه؟ وَكيف يُهدر الناطق بالساكت.
ثم نظمت هذا الجواب وقلت :
ن له سمات قبوله
يا مَنْ يُؤَمّل أن تكو
ص نَبِيِّهِ ورَسُولِه
خذ بالأصول ومن نصو
بالساكت المجهوله
نصاً على سبب أتى
بالبَيِّنِ المنقوله
دَعْ ما يفوتك وجهه
لا عَرضِه أو طُولِه
وخُذِ الكلام بغَوره
ئعه كمثل أصوله
ليس الوقائع في شرا
فعلٍ خلافِ أُصُولِـه
لِتَطَرُّقِ الأعذارِ في
وحاصله: أن ما رآه ابن عمر ورواه لا يُدرى أنه كان لنسخ النهي به أو لتخصيصِهِ بالْبُنيان،
أو لعذرٍ اقتضاه المكان، أو كان بياناً للنهي أنه ليس للتحريم. مع أنَّ نظَرَهُ في هذا الحال لا
يمكِنُ أَنْ يكون محققاً، بل لا بد أن يكونَ ارتجالاً. ومن يجترئُ على رسول الله ◌َّهُ فَيَنْظُرَه في
هذا الحال إلا أن يكون ساهياً أو خاطئاً.
وهو عند البخاري أيضاً أنَّه رآه محجوباً عليه بِلَبِنِ، فحينئذٍ أكثُر ما يمكن أن يكون رأى
منه ◌َّر وهو في هذا الحال، رأسه الشريف فقط، مع أنّ العبرة فيه للعضو دون الصدر، فأمكن
أن يكون منحرفاً بعضوه ومستقبلاً بوجهه وصدره، ثم لو سلمناه فما الدليل على أن استقبالَه ◌ِّ

٣٣٩
كتاب الوضوء
كان يُبنى على ما فَهِمَهُ ابن عمر رضي الله عنه؟ وإنَّما هو اجتهادُه وفهمُه وظنه، وليس عنده غيرَ
تلك الرؤية المشتبهة شيء، وقد عارضه فهمَ أبي أيوب رضي الله عنه كما علمت، على أنَّ في
حديث ابن عمر رضي الله عنه شيئاً آخر ذَكَرَهُ أحمد رحمه الله تعالى كما في العيني، ولم أكن
أفهمُ مرادَه إلى زمان ولم ينتقل إليه أذهان عامتهم، وبعده يخرجُ حديثُه عما نحن فيه رأساً وينتقل
إلى باب آخر.
وهو: أنَّ محظّ حديثه المعارضةُ بمن رأى الكراهة في استقبال بيت المقدس، ولا بحث
له عن استقبال البيت قصداً، ويتضحُ ذلك من سياقٍ سَاقه مسلمٌ عن عمه واسع بن حَبان قال :
كنت أصلي في المسجد وعبد الله بن عمر مسنِدٌ ظهرَه إلى القبلة، فلما قضيت صلاتي انصرفت
إليه من شقي، فقال عبد الله: يقول ناس إذا قعدت لحاجة تكون لك فلا تقعد مستقبلَ القِبلة ولا
بیت المقدس. انتهى.
فهذا يدلُّ صراحةً على أنَّ كلامَه إنما هو مع من كان يكره استقبال بيت المقدس ويعدّه
كالقبلة. وقد رُوي عنه بَّ في النَّهي عن الاستقبال بهما أيضاً، فعند أبي داود عن مَعقِل بن أبي
معقل الأسدي قال: نهى رسول الله وَّر أن نستقبلَ القِبلتين ببولٍ أو غائط فابن عمر رضي الله عنه
إنما يُعارضُ بمن يعد كراهة استقبالٍ بيت المقدس أيضاً كالبيت، ولا تعلق له بمسألة البيت
قصداً، ولذا تعرَّض عند بيان رؤيته إلى بيت المقدس فقط.
وما في بعض الروايات: مستدبرَ الكعبة، فهو لزوميٍّ ويُبنى على تحقيق السَّمت. وكونُهما
على طرفين بحيث يُوجب استقبالُ أحدهما استدبار الآخر، وذلك غير معلوم. وإنما أراد به ابن
عمر رضي الله عنه التقريبَ وما يَتَرَاءى في بادىء النظر فقط، ومسألة الاستدبار والاستقبال تُبنى
على تحقيق ذلك السَّمت في نفس الأمر، ولا تتحققُ إلا أن يحقّقَها علماء الجغرافيا كذلك.
وعرض البلدتين مكة وبيت المقدس يختلف على أنَّه لا يرد علينا، لِمَا مرت رواية عن الإِمام في
جواز الاستدبار (١).
(١) قال الحافظ فضل الله التُّورِبِشْتي في ((شرح المصابيح)): النظرُ يقتضي التسويةَ بين الصحارى والأبنية، لأنا لم
نجد للنهي وجهاً سوى احترام القِبلة ومما يؤيد ذلك كراهة مواجهة تلك الجهة الشريفة بالبُزَاق والنُّخَامة
واستحباب صيانتها عما يستخف بالحرمة، وهذا حكمٌ لا يُغيَّر بالبناء، وأما ابن عمر رضي الله عنهما ففي بعض
طُرُقه الصحاح أنه قال: يقول ناس: إذا قعدت للحاجة فلا تقعد مستقبل القبلة ولا بيت المقدس، ولقد رقيتُ
على ظهر بيت فرأيت رسول الله ثّل* مستقبلاً بيت المقدس لحاجته ففي هذا الحديث لم يذكر استدبار القبلة،
وإنما أنكر على من قال بالنهي من استقبال بيت المقدس.
وأما حديثه الذي ذكرناه: وفيه استدبار الكعبة فيُحتمل أنه كان قبل النهي، ويُحتمل أنه كان قد انحرف عن سمت
القبلة شيئاً يسيراً، بحيث خَفِي على ابن عمر رضي الله عنه أمره. فإنّ قلت: إذا كان مستقبلاً لبيت المقدس فقد
استدبر الكعبة، لأنهما مسامتانٍ في المدينة، لأن المدينة متوسطةٌ بين مكة وبيت المقدس، وكلاهما في ناحية
الشمال، كما ترى ذلك في مسجد القبلتين الذي نسخ فيه قبلة بيت المقدس بني فيه محرابين كلٍّ منهما مُسَامِتاً
للآخر .
=

٣٤٠
كتاب الوضوء
قلت: والأحسن عندي أن يُجمع بين روايات الإِمام أيضاً، كما يُجمع بين الأحاديث،
فتقام المراتبُ ويقال: إنَّ كراهةَ الاستقبالِ أشدُّ من كراهة الاستدبار، وبه حصل الجمعُ بين
الروايتين (١).
قلنا: ليس الأمرُ كذلك في التحقيق، ومما يدل على ذلك أنَّ سمتَ القِبلة بالمدينة لا يقعُ على السواء من سمت
=
بيت المقدس، بل بينهما مُبَاينة، وإن ذكره بعض العلماء بناءً على الظاهر، فذلك مبني على التقريب، ولقد وجدتُ
بعضَ أهل العلم ذكروا في كتبهم أنَّ من استقبلَ بيت المقدس بالمدينة فقد استدبر الكعبة، وكنتُ أرى الأمرَ بخلافِهِ
لما شاهدت من التفاوت بين الموضعين في القبلة باستبانة آياتها من مطالع البروج ومغاربها، ومع ذلك فلم أعتمد
على تلك المقايسةِ والشواهدِ الحسية حتى سألتُ أهل المعرفة بطول البلاد وعرضها عن ذلك، فبينُوا لنا بالشواهد
الهندسية تفاوتَ ما بين البلدين، أعني المدينة وبيت المقدس ثلاث.
فوجدنا طول المدينة على خمس وسبعين درجةً وعشرين دقيقة، وعرضها على خمس وعشرين درجة، وطول بيت
المقدس على ستٍ وستين درجة وعشرين دقيقة، وعرضها على اثنتين وعشرين درجة ودقيقتين، وطول مكة على
سبعَ وستين درجة وثلاث وثلاثين دقيقة، وعرضها على إحدى وعشرين درجة وأربعين دقيقة. وإنما أضربنا عن بيان
ذلك تحقيقاً لأنَّا لم نقتبس من ذلك العلم ما نُحلُّ به عُقدة الإِشكال، ولا نحبُّ أن نكون بصدده، فاكتفينا بالنقل
عمن يتعاطاه، فمن أحب الوقوفَ عليه بالبرهان من طريق الحسبان فليراجع أهل الفن، فإنَّه يجد الأمر على ما
ذكرناه . اهـ.
(١) قلت: ثم رأيت أكثَر روايات الباب ساكتة عن ذكر الاستدبار بخلاف الاستقبال، فإنَّها ليست رواية في هذا الباب
إلاّ وقد نهي فيها عن الاستقبال فلعلَّ رواية جواز الاستدبار جاءت عن إمامنا في مثل هذه الأشياء، ثم ما السرُّ
في اختلاف صنيع الحديث، فإنه قد يذكر النهي عنهما، وقد يقتصر على النهي عن الاستقبال فقط ويترك النهي
عن الاستدبار، كأنه جائز، ففيه سرٌّ عظيم سيذكره حضرة الشيخ رحمه الله في أوائل كتاب الصلاة في باب ما
يستر من العورة إن شاء الله تعالى.
قلت: ويخدِشُه في قلبي ما عند أبي داود عن مزوان الأصفر قال: رأيت ابن عمر رضي الله عنه أناخ راحلته مستقبل
القبلة ثم جلس يبول إليها، فقلت: يا أبا عبد الرحمن أليس قد نهي عن هذا؟ قال: بل نُهي عن ذلك في الفضاء،
فإذا كان بينك وبين القبلة شيء يسترك فلا بأس، لأنه يدل على أنه اختار تفصيل الشافعية، وأن استقبال البيتِ عند
السُّترَةِ جائز، فإن كان الاستقبال بعد السترة في الصحارى جائزاً عند الشافعية أيضاً، لما أنها تصير كالبنيان، فمذهبه
عين مذهبهم، وإلاّ فقريب من مذهبهم مع شيءٍ من المغايرة.
وكيفما كان إذا عُلم من مذهبه فكلامُه مع واسع بن حَبَّان عند مسلم ينبغي أن يُحمل على جوازهما عنده في البنيان
مطلقاً، سواء كان بيت المقدس أو الكعبة شرفها الله، إلاّ أن يقال: إن أحمد إنما تعرض إلى بيان محطّ الكلام في
مكالمته هذا، لا إلى مذهبه كائناً ما كان، إلاّ أن معارضته بمن كان يرى استقبال بيت المقدس مكروهاً فقط،
وحينئذٍ لا تبقى فيه فائدة للأحناف رحمهم الله، بل يبقى حجةً عليهم كما كان، ولم أرد بهذا الكلام غير التنبيه على
أن حديثَه إنما يخرجُ عن موضِعِ النّزاع إذا قرر مرادَه كما قرره أحمد رضي الله عنه، فإنه حينئذٍ لا يبقى حجةً علينا.
وأما إذا كان كلامُه ناظراً إليهما كما علمت؛ فهو حجةٌ باقية تحتاجُ للتفصي عنها إلى وجوه ذكرت من قبل.
ثم هذا وإن كان مفيداً للشافعية من طرف، لكنه مضرٌ لهم من طرف آخر لدلالته أن العملَ الشائعَ في زمن مروان
كان كمذهب الحنفية، وكان استقبال البيت إذا ذاك خاملاً خمولاً أفضى إلى إنكاره على ابن عمر رضي الله عنه،
ولو كان الاستقبال أمراً مباحاً عندهم كما قاله الشافعية، لما كان لهذا الإنكار معنّى، فعُلِم أن فيه نَذْرَةً وخُمولاً
كَذْرَةِ وضعِ السواكِ موضع القلم عند الصلاة على زيد بن خالد عند الترمذي وقد زعم بعضهم أنه مفيدٌ للشافعية،
مع أن الراوي إنما تعرَّض إلى نقله لنَدرة فعله لا لبيان السنة.
=