Indexed OCR Text

Pages 261-280

٢٦١
كتاب العلم
الغيث "فريادرس"، ويقال للماء الذي تَخْضَرّ به الأرض وينبت به الكلأ والعشب.
والعشب عام للرَّظْبِ والكلأ، ثم إن كتابة الهمزة بعد الألف غلط بل ينبغي أن تكتب فوق
الألف هكذا ((الكلأ)) ولم تكن الهمزة في لغة العرب حتى أحدثها الخليل.
((أمسكت الماء ... إلخ))) يعني فيها قابلية الإمساك دون الإنبات، وأَمْرُ التَّطبيق بين
المُشَبَّه والمُشَبَّه به سهلٌ، فليراجعه من الشروح والحواشي.
٢٢ - باب رَفعِ العِلمِ وَظُهُورِ الجَهْلِ
وَقَالَ رَبِيعَةُ: لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ عِنْدَهُ شَيءٌ مِنَ العِلمِ أَنْ يُضَيِّعَ نَفْسَهُ.
٨٠ - حدّثنا عِمْرَانُ بْنُ مَيسَرَةَ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَارِثِ، عَنْ أَبِي التَّيَّاحِ، عَنْ أَنَسٍ
قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ نَّهِ: ((إِنَّ مِنْ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ: أَنْ يُرْفَعَ العِلمُ، وَيَثْبُتَ الجَهْلُ،
وَيُشْرَبَ الخَمْرُ، وَيَظْهَرَ الزِّنا)). [الحديث ٨٠ - أطرافه في: ٨١، ٥٢٣١، ٥٥٧٧، ٦٨٠٨].
ربيعة وهو ربيعة الرائي شيخ مالك رحمه الله تعالى، وأكثر فقه مالك رحمه الله تعالى منه.
وحُكِي أن ربيعة تعلّم الفقه على أبي حنيفة رحمه الله تعالى.
والرأي عند السلف بمعنى الفقه، وشاع في المتأخرِّين بمعنى القياس حتى أن بعض
الشافعية يُلَفِّبون الحنفية بأهل الرأي هجواً لهم ولا يدرون أنه في الحقيقة مدحٌ لهم؛ لأن
محمد بن الحسن هو أول من فَصَلَ الفقه من الحديث ودونه ولذا نسب إلينا الفِقْه ولُقِّبْنَا بأهلِ
الفِقْه وأهل الرأي. فأهل الرأي بمعنى مؤسس الفقه ومدونه لا بمعنى القائِس والقائِفِ ليكون
هجواً كما راموه! ثم إن كلاً منهم أفرزوا فِقْهَهُمْ من الحديث ودَوَّنوه على حِدَة، إلَّ أنه بقي العارُ
علينا كقولهم: البادي أظلم، وإلّ فمن في المذاهب من ليس فقهه مفرزاً من الحديث؟ فأي
اعتراض علينا؟ ثم في الكُتُب أن مُدَوِّن علمٍ أصولِ الفقه هو الشافعيّ رحمه الله تعالى.
قلت: وعندي ثبت من التاريخ أنه أبو يُوسُف رحمه الله تعالى، وكان يُنَبِّه المحدثين في
إملائه على بعض قواعد أصول الفقه. وفي ((الجامع الكبير)) أيضاً حِصَّةٌ منه: إلّا أن رسالة الإمام
الشافعيّ رحمه الله تعالى، لما كانت مُدَوَّنَةً مطبوعةً وأذاعها الشافعية، اشتُهِرَ أنّه مُدَوِّنُ أصول
الفقه. والحنفية لما لم يرفعوا إليه رأسهم خَمَلَ ذكرُ أبي يُوسُف رحمه الله تعالى في هذا الباب.
ثم عند البخاري أن رفع العلم إنما يكون برفع العلماء ولا يُنْتَزَعُ انتِزَاعاً، وعند ابن مَاجَه (١)
بإسناد صحيح عن زياد بن أبي حبيب ((أنه يُنْزَعُ من الصُّدُور في ليلة)) والتوفيق بينهما أن أوّل أمرٍ
الرَّفْعِ يكونُ كما في البخاري وهو برفع العلماءِ، ثم إيَّان الساعةِ يكونُ كما عند ابن ماجه أيّ
يُنْتَزَعَ عن الصدور نزعاً، فلا تعارض لاختلاف الزمانين.
(١) قلت: وحديث ((لا حرج))، روي عن ابن عباس رضي الله عنهما أيضاً وفتواه موافق لمذهب الحنفية كما عند
الطحاوي، فدل على أن نفي الحرج معناه نفي الإثم لا نفي الجزاء.

٢٦٢
كتاب العلم
(أن يُضَيِّعَ نفسه) قالوا: معناه أن يَقْعُد في زاوية بَيْتِهِ ولا يُفشي العِلْمَ؛ فإنْ قُعُود العالم
بلا فائدة هو ضياعُهُ، ويمكن أن يكونَ مرادَهُ أن يَذِلَّ نفسه. أي فلا يذهب مذهباً يوجِبُ ذُلَّ
العلم.
٨٠ - قوله: (يُشْرَب الخمر) في القدوري: الخمر هو عصيرُ العنب إذا غلا واشتَدٌ وَقَذَفَ
بالزَّبَدِ. ولم يدرك عامةُ الناس معنى الاشتداد والصواب أن معناه ما نقول في محاوراتنا ((يه أجار
اته كيا)) أي صلح للاستعمال فبلوغها إلى ذلك الحد هو الاشتِدَاد وهذا هو المُرادُ مما فسّروا
به .
٨١ - حدّثنا مُسَدَّدْ قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيى، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ:
لِأُحَدِّثَنَّكُمْ حَدِيثاً لَا يُحَدِّثُكُمْ أَحَدٌ بَعْدِي، سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ وَّهَ يَقُولُ: ((مِنْ أَشْرَاطِ
السَّاعَةِ: أَنْ يَقِلَّ العِلمُ، وَيَظْهَرَ الجَهْلُ، وَيَظْهَرَ الزِّنَا، وَتَكْثُرَ النِّسَاءُ، وَيَقِلَّ الرِّجَالُ، حَتَّى
يَكُونَ لِخَمْسِينَ امْرَأَةٌ الْقَيِّمُ الوَاحِدُ)).
٨١ - ((أن يقل العلم))) وفي نُسْخَة على حاشية النَّسائي: يَكْثُر العلم. وهو أيضاً صحيح،
فإنه يكون كثيراً كماً وقليلاً كيفاً كما نشاهد في زماننا فإن العلماء مع كثرتهم قليلون فهي كثرةٌ
قِلَّةٍ، قال المُتَنِّي:
إلا إذا شقيت بك الأحياء
(تَكْثُرُ النساء) وهذا أيضاً قد تحقق في زماننا حيث يزيد عددهُنَّ على الرجال.
لا تكثر الأموات كثرة قلة
(حتَّى يكون لخمسين) وأشكل على الحافظ هذا العدد.
قلت: وفي متن الحديث من طريق آخر قيد ذهل عنه الحافظ ويرتفع به الإشكال رأساً وهو
((القيِّمُ الواحدُ الأمين)) فالواحد الأمين اليوم أيضاً أعزّ وأنْدَر.
٢٣ - باب فَضْلِ العِلمِ
والفضل في أول الكتاب كان بمعنى الفضيلة. ولههنا بمعنى ما بقي كما تقول فضل
الوضوء. وإنما تَرْجَمَ به لمعنى الاستغراب فيه، فإن العلمَ يُعْطَى ثم لا يَنْقُص منه، كما أن
النبي وَّ أعطى فضل لَيَنِهِ ولم يَنْقُصْ من علمه شيء، بخلاف الأشياء إذا يُعْطَى منها فإنها تنقص
ولا كذلك العلم.
٨٢ - حدّثنا سَعِيدُ بْنُ عُفَيرٍ قَالَ: حَدَّثَنِي اللَّيْثُ قَالَ: حَدَّثَنِي عُقَيلٌ، عَنِ ابْنِ
شِهَابٍ، عَنْ حَمْزَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِّ عُمَرَ: أَنَّ ابْنَ عُمَرَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِبَلْ قَالَ:
(بَينَمَا أَنا نَائِمٌ أُتِيتُ بِقَدَحِ لَبَنٍ، فَشَرِبْتُ حَتَّى أَنٍِّ لأَرَى الرِّيَّ يَخْرُجُ في أَظْفَارِي، ثُمَّ
أَعْطَيتُ فَضْلِي عُمَرَ بْنَ الَّخَطَّابِ))، قَالوا: فَمَا أَوَّلتَهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: ((العِلمَ)).
[الحديث ٨٢ - أطرافه في: ٣٦٨١، ٧٠٠٦، ٧٠٠٧، ٧٠٢٧، ٧٠٣٢].
٨٢ - (ليث بن سعد) وهو إمام مصر. قال الشافعي رحمه الله تعالى وهو عندنا ليس بَأَدْوَنَ

٢٦٣
كتاب العلم
من مالك رحمه الله تعالى إلَّا أن أصحابه أَضَاعُوه. وقال ابنُ خَلِّكان في تاريخه: إني رأيت في
بعض الكُتُب أنه حنفيٌّ. وعند الطحاوي في ((باب القراءة خلف الإمام)) إسناد فيه ذلك الليث
وهذه صورته: حدثنا أحمد بن عبد الرحمن قال حدثنا عمي عبد الله بن وهب قال أخبرني الليث
عن يَعْقُوب - وهو أبو يوسف - عن النُّعمان - أي أبي حنيفة - عن موسى بن أبي عائشة عن
عبد الله بن شداد عن جابر بن عبد الله أن النبي وَل قال: ((من كان له إمام فقراءة الإمام له قراءة))
فهذا الإسناد أيضاً قرينة على كونه حنفياً لكونه تلميذَ أبي يوسف. قال الليْتُ: إني كنت أَسْمَع
اسم أبي حنيفة رحمه الله تعالى وكنت مولعاً بِلُقِيِّهِ فوجدتُهُ بمكة قد أكب عليه الناس يستفتونه
فبينما هم كذلك إذ أتاه آتٍ واستفتاه في حاجته فعَجِبْتُ على جوابه بداهَةً .
قوله: (لأرى الرِّيَّ) وهذا من باب المحاورات فلا يقال إنه كيف رأى الرِّيُّ مع كونه غير
مرئي؟!
حكاية: ذكر الشيخ الأكبر حكاية عن بَقي بن مَخْلَد في ((الفصوص)) أنه رأى في المنام أن
النبي ◌َّله سقاه لبناً فاستقاه بعدما استيقظ تصديقاً لرؤياه، فخرج اللبن في قَيْئِهِ. قال الشيخ
الأكبر: كان هو العلم فلو كان تَرَكَه لكان أَحْسَن، ولكنه لما استقاء تحوَّل العلم إلى صورة
اللبن: قلت: ولا بأس فإنه لو قُدِّرَ له من العلم النَبَوِيّ حِصّة يفوز بها ولا يَخِيبُ منها بالاستقاء
كما أن النبي ◌َّ أعطى الفضل ولم ينقص من علمه شيء. كذلك بقي وإن استقاء اللبن لكنه لا
ينقص من علمه الذي قُدِّرَ له وبَقِي محدِّثٌ جليلُ القَدْرِ من تلامذة أحمد رحمه الله تعالى،
وصَنَّف في الحديث كتاباً جمع فيه ثلاثينَ ألف حديث (٣٠٫٠٠٠) كذا ذكره الذهبي. وبَقِي من
معاصري البخاري وقد أخذ عن أحمد كثيراً ولعله تَعَلَّم منه حين كان أحمد رحمه الله تعالى
يجلس للدرس. ثم لما أَتَتْ عليه الحوادثُ في خَلْقِ القرآن تَرَكَهُ، وكان البخاري بَلَغَهُ مرة وهو
صغير السن ثم رحل إليه بعد أن كان أحمد ترك الدرسَ، ولذا لم يخرِّج عنه البخاري إلا ثلاثة أو
أربعة أحاديث منها. وكتاب بَقِي هذا لم يَفُزْ به الذهبي.
والذهبي ممن قيل في حقه أنه لو أقيم على أكْمَةَ والرّواة بين يديه يعرف كلاً منهم
بأسمائِهم وأسماءِ آبائهم. ويتلو كتابَ بَقِي ((مسند أحمد)) فإنه جمع أربعين ألف حديثٍ، ثم «كنز
العمال)) فإن فيه أيضاً ذخيرة عظيمة للأحاديث.
٢٤ - باب الفُتْيَا وَهُوَ وَاقِفٌ عَلَى الدَّابَّةِ وَغَيرِهَا
٨٣ - حدّ ثنا إِسْماعَيلُ قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عِيسى بْنِ طَلحَةَ بْنِ
عُبَيدِ اللَّهِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ: أَنَّ رَسُوَلَ اللّهِ وَّهِ وَقَفَ فِي حَجَّةِ الوَدَاعَ
بِمِنّى لِلنَّاسِ يَسْأَلُونَهُ، فَجَاءَهَ رَجُلٌّ فَقَالَ: لَمْ أَشْعُرْ فَحَلَقْتُ قَبْلَ أَنْ أَذْبَحَ؟ فَقَالَ: ((اذْبَحْ وَلَاَ
حَرَجَ)). فَجَاءَ آخَرُ فَقَالَ: لَمْ أَشْعُرْ فَنَحَرْتُ قَبْلَ أَنْ أَرْمِيَ؟ قَالَ: ((ارْمِ وَلَا حَرَجَ)) فَمَا سُئِلَ
النَّبِيُّ نَّةِ عَنْ شَيءٍ قُدِّمَ وَلَا أُخْرَ إِلَّا قَالَ: ((افعَل وَلَا حَرَجَ)). [الحديثُ ٨٣ - أطرافه في: ١٢٤،
١٧٣٦، ١٧٣٧، ١٧٣٨، ٦٦٦٥].

٢٦٤
كتاب العلم
ناظِرْ إلى حديث النهي عن جعل ظهر الدابة منبراً فإما أن يمشي راكباً أو ينزلَ ثم يتكلم
بحاجته فيقول البخاري: إن الفُتْيا شيءٌ يسيرٌ وليس تحت النهي.
وقوله: (وغيرها) وقد استفدتُ من عادةِ البخاري أن الحديث إذا اشتمل على جزء
مخصوص ويكون الحكم عاماً عنده فيصنع البخاري هناك هكذا، ويضع لفظ ((أو غيرها)) دفعاً
لإيهام التخصیص وإفادة للتّعمیم ثم لا يخرِّج له دليلاً فيما بعد.
فالمصنف رحمه الله تعالى ههنا أخرج من الحديث مسألة الدابة فقط، وإنما أضاف أو
غيرها إفادة لتعميم الحكم فهذا فقه وبيان مسألة احتراساً. فطلب الدليل على هذا الجزء في
كلامه بعيدٌ عندي. ثم كونه وَّر على الدابة مذكورٌ في هذا الحديث بعينه إلَّا أنه في غير طريقه.
وهذا أيضاً من دَأُبِهِ حيثُ يضعُ التَّرْجَمَةَ ويكونُ اللفظُ المُتَرْجَمُ عليه في طريق آخَر، ويُخَرِّجُهُ في
موضعٍ آخر ويتركه ههنا عمداً تعميةً وإلغازاً، وربما لا يكون ذلك اللفظُ في كتابه بل يكونُ في
الخارج ومع ذلك يُتَرْجِمُ على الحديث ناظراً إلى هذا اللفظ.
٨٣ - قوله: (اذبح) والأمر ههنا للإبقاء يعني "ذبح هو نى دى"، واعلم أن في يوم النحر
أربعة أفعال الرَّمي والذّبح والحلق والطّواف. ثم لا ترتيب في الطواف؛ فإنه عبادة في الأحوال
كلِّها وليس بجناية. والنحر ليس بواجب على المفرد، نعم يجب الترتيب بين الرمي والحلق
مطلقاً، وبين الذبح والحلق على القارن والمتمتع فقط. ولم يُعلم بعد أن هذا الرجل كان قارناً
أو مفرداً، فإن كان مفرداً فأبو حنيفة رحمه الله تعالى أيضاً يقول كما في الحديث يعني أنه لا
شيء عليه؛ لأن ذلك الذَّبح الذي قُدِّمَ عليهِ الحَلْقِ ذَبْحٌ غير واجبٍ ولكن كان أفضل له أن يُقَدِّمَ
الذّبْحَ قبل الحَلْقِ ولكنه إذا قَدَّمَ الحَلْقَ أَجْزَأَهُ ولا شيء عليه، إلَّا أَن في بعض ألفاظِهِ ما سُئِل عن
شيء قُدِّم أو أُخِّر إلا قال افعل ولا حرج. والصور كلَّها سبعةٌ مذكورةٌ في الفقه، وفي بعض
الصور يتعين الدم عندنا. وأجاب عنه الطحاوي بأن قَوْلَه ((لا حَرَجَ)) هو على الإثم أي لا إثم
عليكم فيما فعلتموه من هذا لأنكم فعلتموه على الجهل منكم لا على التعمد فلا جناح عليكم
في ذلك. واستَشْهَدَ بروايةٍ فيها: ((فجاءه رجل فقال يا رسول الله: لم أَشْعُرْ فَحَلَقْتُ قبل أن أذبح))
فدلَّ على أنهم كانوا جاهلين لا متعمدين.
وبروايةٍ أخرى فيها: ((وتعلموا مناسككم فإنها من دينكم)). وبرواية أخرى فيها: ((قد
رَفَع الله الحرج عن عباده إلَّا من اقْترضَ من أخيه شيئاً ظُلماً، فذلك الذي حَرِجَ وهَلَك)). ورواية
أخرى نحوُها وهي عند أبي داود أيضاً فذَّلَّ على أنّه أراد نَفْيَ الإثم دونَ الجزاء.
وهذا من خصائص الحج فإن الشارع يأمر فيه بشيء ثم يوجب معه الجزاء أيضاً، وإلا فقد
يَتَخَايَلُ أن بَيْنَ امِثَال الأمرِ وبين إيجابِ الجزاءِ تَنَاقُضُ فاعلمه. والذي تحقق عندي أن يُلْتَزَمَ أن
الجزاءَ أيضاً سَقَطَ عنه كمَا سَقَطَ الإِثْمُ لعذر الجهل؛ فإنه إذا لم يُشْعِرْ ينبغي أن لا يكونَ عليه
حرجٌ أصلاً كما قال أحمد رحمه الله تعالى: إن أحداً لو خالف الترتيبَ بين هذه الأفعال جاهلاً
لا يجبُ عليه الجزاء، والجهل في فقهنا لا يكاد أن يكون عذراً بخلاف الآخرين فإنهم اعتبروه
كثيراً واعتبره البخاري أكثر كثيراً.

٢٦٥
كتاب العلم
قلت: وما تحكم به شريعة الإنصاف أن الأمر بين تَضْيِيقِ الحنفية وتوسيع البخاري فينبغي
أن يُعْتَبَر بالجهلِ أكثر مما اعْتَبَرَ به الحنفية رحمهم الله تعالى، وأن لا يُوَسَّع فيه كما وَسَّعَ
البخاري رحمه الله تعالى. ثم إن الحنفية عدُّوه عذراً عند ذكر العوارض الأهلية في أصول الفقه،
وأَخْمَلُوا ذكرَه في كتب الفقه، والأحاديث مشحونة بكونه عذراً. فكان المناسب أن يستعملوه في
فقههم ويَعْتَبِرونه عُذْراً في مسائلهم أيضاً، لا سيما في عهده وَّ، فإنه كان زمان انعقاد الشريعة،
والقومُ أُمُِّون إذ ذاك وكم من أشياء تُتَحَمَّل في الابتداء ولا تُتَحَمَّل فيما بعد، وليس هذا تغييرُ
مسألةٍ مِنِّ بل هو تغييرُ تَعْبِيرٍ وعنوانٍ، فإنه لو عَمَّمْتَ اعتبارَ الجهل في طَرْفٍ فقد قَصَرْتَه على
عهده وَّر من طرفٍ آخر، فصارَ مَلُهُ أنه غير مُعْتَبَر بعدَه ◌َِّ إلا بقدرِ ما اعتبره فقها ؤُنا.
وهذه الواقعة واقعة عهده # فلو اعتبرناه عذراً ونفينا عنه الجزاء والإثم لا يكون خلافاً
للمذهب فإن مسألة إيجاب الجزاء على من خالف الترتيب لمن كان بعد عهدِهِ مَّ، ولا تجري
على الصحابة رضي الله تعالى عنهم، وإنما كان الصحابة في عهد النبوة فالمسائل المبسوطةُ في
فقهنا لمن أراد اقتداء الإمام الهُمَام لا للصحابة الكرام. نعم فيه نفع وهو أنه لا نحتاج في
الحديث إلى تأويل، ونخرج عنه كَفَافاً .
ونِعْمَ ما قال الغزالي رحمه الله تعالى: إن الخبر الواحد كان نَاسِخَاً للقاطع في زمنه وَّ؛
لأنه كان عندهم ذريعة التحقيق، ولذا تَحوَّلوا إلى بيت الله بخبر الواحد فإنّه كان عندهم خبره من
قبل وكان الزمان زمان الرسالة، فأمكن تحقيقه أيضاً. أما فيما بعده فلا سبيل إلى تحقيق الخبر
وتَشْبِيتِهِ فيبقى ظَنِّيَاً فلا يكون ناسخاً، فكما فَصَّل الغزالي رحمه الله تعالى في نسخ القاطع بِخَبَرِ
الواحدِ وفَرَّقَ بين عهده نَّهِ وبعدَ عَهدِهِ، كذلك فَصَّلْتُ في عبرةِ الجهلِ. وهذا تَصَرُّفٌ عقليٍّ
اعتبرناه لنستريح عن الجواب والله أعلم بالصواب.
٢٥ - باب مَنْ أَجَابَ الفُتْيا بِإِشَارَةِ اليَدِ وَالرَّأْسِ
٨٤ - حدّثنا مُوسى بْنُ إِسْماعِيلَ قَالَ: حَدَّثَنَا وُهَيبٌ قَالَ: حَدَّثَنَا أَيُّوبُ، عَنْ عِكْرِمَةَ،
عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ النَّبِيَّ نَّرَ سُئِلَ فِي حِجَّتِهِ فَقَالَ: ذَبَحْتُ قَبْلَ أَنْ أَرْمِي؟ فَأَوْمَأَ بِيَدِهِ قَالَ:
((لَا حَرَجَ))، قَالَ: وحَلَقْتُ قَبْلَ أَنْ أَذْبَحَ؟ فَأَوْمَأَ بِيَدِهِ: ((وَلَا حَرَجَ)). [الحديث ٨٤ - أطرافه في:
١٧٢١، ١٧٢٢، ١٧٢٣، ١٧٣٤، ١٧٣٥، ٦٦٦٦].
٨٥ - حدّثنا المَكِّيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: أَخْبَرَنَا حَنْظَلَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ، عَنْ سَالِمٍ قَالَ:
سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ نَّه قَالَ: ((يُقْبَضُ العِلمُ، وَيَظْهَرُ الجَهْلُ وَالفِتَنُ، وَيَكْثُرُ
الهَرْجُ))، قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَمَا الهَرْجُ؟ فَقَالَ هكذا بِيَدِهِ فَحَرَّفَهَا، كَأَنَّهُ يُرِيدُ القَتْلَ.
[الحديث ٨٥ - أطرافه في : ١٠٣٦، ١٤١٢، ٣٦٠٨، ٣٦٠٩، ٤٦٣٥، ٤٦٣٦، ٦٠٣٧، ٦٥٠٦، ٦٩٣٥، ٧٠٦١،
٧١١٥، ٧١٢١].
يعني به أن الإشارة هل هي معتبرةٌ أم لا؟ فالمصنّف رحمه الله تعالى جعل الإشارة والكلام
في باب الطلاق سواء، وعَرَضَ إلينا بعدم اعتبارِها .

٢٦٦
كتاب العلم
قلت: إنما ننكر الإشارة في المعاملات والحُكْم دون الأمور الأُخَر، ولم يأت المصنّف
رحمه الله تعالى بشيء يدلُّ على عِبْرَتِهَا في الحُكْم، وما ذكره ليس من باب الحُكْم بل من باب
الفتوى فلو اعتمد أحدٌ على أحدٍ فذا جائز له، وإن أراد أن يُلْزِمَ عليه حجةً فكلا. والبخاري
يجعلها حجةً في أبوابٍ شتّى كما سيجيء، وما استُدِلَّ به كلِّه في الأمور البَيْنية دون الحُكْم فلا
تقومُ حجةٌ علينا. وفيّ: (الأشباه والنظائر)) أنه لو قال رجلٌ لجماعةٍ: من كان منكم طلْقَ امرأتَهُ
فَلْيَنْكُسْ رأسه فَنَكَسُوا رؤوسهم، لا تَظْلُقُ امرأةُ واحدٍ منهم؛ وهذا لأن الإشارة لم تعد حجة
عندنا .
٨٦ - حدّثنا مُوسى بْنُ إِسْماعِيلَ قَالَ: حَدَّثَنَا وُهَيبٌ قَالَ: حَدَّثَنَا هِشَامٌ، عَنْ فَاطِمَةَ،
عَنْ أَسْمَاءَ قَالَتْ: أَتَيتُ عَائِشَةَ وَهيَ تُصَلِّي، فَقُلتُ: مَا شَأْنُ النَّاسِ؟ فَأَشَارَتْ إِلَى
السَّمَاءِ، فَإِذَا النَّاسُ قِيَامٌ، فَقَالَتْ: سُبْحَانَ اللَّهِ، قُلتُ: آيَةٌ؟ فَأَشَارَتْ بِرَأْسِهَا: أَي نَعَمْ،
فَقُمْتُ حَتَّى تَجَلَّانِي الغَشْيُ، فَجَعَلتُ أَصُبُّ عَلَى رَأْسِي المَاءَ، فَحَمِدَ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ
النَّبِيُّونَ ﴿ وَأَثْنِى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: ((مَا مِنْ شَيءٍ لَمْ أَكُنْ أُرِيتُهُ إِلَّا رَأَيتُهُ فِي مَقَامِي، حَتَّى
الجَنَّةُ وَالنَّارُ، فَأُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّكُمْ تُفْتَنُونَ فِي قُبُورِكُمْ مِثْلَ - أَوْ قَرِيباً، لَا أَدْرِي أَيَّ ذلِكَ قَالَتْ
أَسْمَاءُ - مِنْ فِتْنَةِ المَسِيحِ الدَّجَّالِ، يُقَالُ: مَا عِلمُكَ بِهذاَ الرَّجُلِ؟ فَأَمَّا المُؤْمِنُ - أَوِ
الموقِنُ، لَا أَدْرِي بِأَيِّهِماَ قَالَتْ أَسْمَاءُ - فَيَقُولُ: هُوَ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ جَاءَنَا بِالبَيِّنَاتِ
وَالهُدَى، فَأَجَبْنَا وَاتَّبَعْنَا، هُوَ مُحَمَّدٌ ثَلَاثاً، فَيُقَالُ: نَمْ صَالِحاً، قَدْ عَلِمْنَا إِنْ كُنْتَ لَمُوقِناً
بِهِ، وَأَمَّا المُنَافِقُ أَوِ المُرْتَابُ - لَا أَدْرِي أَيَّ ذلِكَ قَالَتْ أَسْمَاءُ - فَيَقُولُ: لَا أَدْرِي، سَمِعْتُ
النَّاسَ يَقُولُونَ شَيئاً فَقُلتُهُ)). [الحديث ٨٦ - أطرافه في: ١٨٤، ٩٢٢، ١٠٥٣، ١٠٥٤، ١٠٦١، ١٢٣٥،
١٣٧٣، ٢٥١٩، ٢٥٢٠، ٧٢٨٧].
٨٦ - قوله: (أسماء) الأخت الكبيرة لعائشة رضي الله تعالى عنها .
قوله: (الكسوف) في السنة التاسعة بعد الهجرة يوم تُوفي إبراهيم عليه السلام.
قوله: (وهي تصلي) قال الحافظ رضي الله تعالى عنه: أنها اقْتَدَتْ من حُجْرَتها. قلت:
وهذا الاقتداء صحيح عندنا أيضاً فإنه يكفي لِصِحَّةِ الاقتداء علم انتقالات الإمام، ولكن لا أدري
مِنْ أين أخذه الحافظ رحمه الله تعالى. غير أني رأيتُ في ((المُدَوَّنَةِ)) أن أمهاتِ المؤمنين كُنَّ
يقتدينَ يومَ الجمعة مِنْ حُجْرِهِنَّ.
قوله: (فقالت: سبحان الله) والذِّكر عندنا ليس بمفسِدٍ بحال، وظاهرُ عباراتِهم تُشْعِر بأن
الذِّكْرَ بأي لسان كان، فإنه لا يُفْسِد الصلاة. وينبغي عندي أن يَقْتَصِر عدمُ الفسادِ على العربية
والفارسية فقط. نعم يكره في بعض الأحوال.
قوله: (فجعلتُ أَصُبُّ ... إلخ) فَعُلِم أن الصلاةَ لا تُفْسِدُ من مثلِ هذا العمل القليل.
واعلم أن الغَشْيَ في القلب، والجنون والإغماء في الرأس.
قوله: (إلا أريته) وفي واقعةٍ أُخرى أنه رأى الجنة والنار ممثَّلَتَين في الجدار، والرؤية في

٢٦٧
كتاب العلم
كلا الموضعين من رؤية عالَم المِثَال. وفيه الكمية دون المادية كَشَبَح المرآة، فالعوالم متعدِّدة
وهو رب العَالَمِين، كما أن الوجود متعدد عند الفلاسفة خارجي وذهني. وأنكر المتكلمون
الثاني، نعم عندهم نحوٌ آخر من الوجودِ يسمّى بالتقديري وعند الدَّوَّاني نحوٌ آخر يسمى
الدهري. فكذا عالم المثال أيضاً نحوٌ من الوجود. ثم إن عالمَ المثال ليس اسماً للحيِّز، بل هو
اسم لنوع من الموجودات، فأمكن أن يكونَ في هذا الحيّز أشياء من عالم المثال. ثم اعلم أن
ما يَرَونَه الأولياء من الأشياء قبل وجودها في العالم لها أيضاً نحو من الوجود، كما أن أبا يزيد
البِسَطامي رحمه الله تعالى لما مرَّ من جانب مدرسةٍ وهَبَّتْ ريحُ قال: إني أجد منها ريحَ عبدٍ من
عباد الله، فنشأ منه الشيخ أبو الحسن الخرقاني. وكما قال النبي ◌ُّر: ((إني أجد نفس الرحمن
من اليمن)) فنشأ منه الأويس القرني. فهذا أيضاً نحوٌ من الوجود وذكر الشيخ الأكبر أن الشيء إذا
نزل من العرش فلا يمرّ بموضع إلا ويأخذ حُكْمه وما من شيءٍ، يَنْزِل على الأرض إلا ويكونُ
على السماء الدنيا قبل نزوله بسنة .
قلت: وهذا من أمور الغيب لا يعلمها إلا الله، ولكني أُسَلِّم أن الأشياء تنزل من السماء
لما في الحديث أن البلاء ينزل من السماء ويَعْرِجُ الدعاء من الأرض فلا يَزالُ يدافِعُ أحدُهُما
الآخرَ إلى يوم القيامة فلا يَنْزِلُ هذا ولا يَعْرِج هَذا بل يبقى معلقاً أبد الدهر.
قوله: (المسيح) أصله عِبْري من ((الماشيح)) أي المبارك وليس عربياً، فاشتقاق أمثالٍ تلك
من العربية لا يَصِحّ. قيل: إن لقب الدجال المَسِّيح بتشديد السين. قلت: بل لقبهما هو
المسيح، ووجه الاشتراك في اللقب أن كلاهما قد أخبرا عن مَجِيئِهِمَا في الكتب السّالِفة، فلما
جاء المسيح المبارك جعله اليهود مسيحَ الضَّلالة والدجَّال وصاروا له أعداءً والعياذ بالله. ولما
يَخْرُج الدجّال يجعلونَه المسيحَ المباركَ. ولذا يكون أكثر اتباعه اليهود فجاء الاشتراك لهذا،
ولذا ترى في الأحاديث المسيحَ مقيداً بالدجّال تارةً والضلالةِ تارةً ويلفظِ الهُدى أخرى؛ ليحصلَ
التمييزُ بينهما. وراجع الفوائد للشاه عبد القادر رحمه الله تعالى فإنه أشار إليه.
قوله: (بهذا الرجل) إشارة إلى الحاضر في الذهن، كما في تنوير الحوالك شرح الموطأ
لمالك رحمه الله تعالى للسيوطي رحمه الله تعالى.
قوله: (نم صالحا) يُستفاد منه أن القبورَ معظَّلةٌ عن الأعمال مع أن كثيراً من الأعمال قد
ثبتت في القبور كالأذان والإقامة عند الدارمي، وقراءة القرآن عند الترمذي، والحج عند
البخاري، وراجع له ((شرح الصدور)) للسيوطي رحمه الله تعالى.
وهكذا في القرآن إيهام الجانبين ففي سورة يس: ﴿مَنْ بَعَثَنَا مِن مَّرْقَدِنًا﴾ [يس: ٥٢] وهذا
يدل على أنه لا إحساس في القبر وكلَّهم نائمون. وفي آيةٍ أخرى ﴿ النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا
وَعَشِيًّا﴾ [غافر: ٤٦] فهذه تدل بخلافه، والوجه فيه عندي: أن حالَ البرزخ تختلف على حسب
اختلاف عمل العاملين في حياتهم، فمنهم نائمون في قبورهم، ومنهم متلذذون فيه، وإنما عُبِّرت
الحياةُ البرزَخِيَّة بالنوم لأنه لم يكن له لفظ في لغة العرب يؤدي مؤذَّاه، ويصرِّح عن معناه وضعاً،
فاختير اللفظُ الموضوعُ لنظيره تفهيماً، فلا شيء أشبه بالحياة البَرْزَخِيَّة من النوم. ولذا جاء في

٢٦٨
كتاب العلم
الحديث ((النوم أخ الموت)) فالنوم أشبه الأشياء بالموت، ولذا أَذْخَلَ القرآنُ النومَ والموتَ تحت
لفظٍ واحدٍ وهو التَّوَفِي، ثم فرق بينهما فدل على أن فيهما بعضُ اشتراك وبعض امتياز قال الله
تعالى: ﴿اَللَّهُ يَتَوَنَّ الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَأَِّى لَمْ تَمُتْ فِى مَنَامِهَاً فَيُمْسِكُ أَلَّتِى قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ
وَبُرْسِلُ اَلْأُخْرَىِ﴾ [الزمر: ٤٢] إلخ(١)، والحاصل أن البَرْزَخَ اسم لانقطاع حياة هذا العالمَ وابتداءٍ
حياةٍ أخرى وكذلك النوم فيه أيضاً نوعُ انقطاعٍ عن هذا العالم.
قوله: (أما المنافق أو المرتاب) هكذا في أكثر الروايات، وفي البعض ((أو الكافر)) ونُسْخَّةٌ
فیه((والكافر)» بدون الترديد.
ومن لههنا قام البحث في أن السؤال مخصوص بالمنافق أو يُسأل الكافر المجاهر أيضاً؟
ومقتضى تلك النُّسخة أن يكونَ السؤال عن المنافق والكافر كليهما. وتَعرَّضَ إليه السيوطيّ في
(شرح الصدور))(٢) فقيل: إن السؤال يختص بمن تَزَيّا بِزَيِّهِ ويَدَّعي الإسلام ويلتبس به. أما الكافرُ
(١) وللشيخ الإمام صاحب هذه الأمالي رحمه الله تعالى تحقيق في هذه الآية بخلاف هذا في رسالته (تحية الإسلام)
فلتراجع (من المصحح).
(٢) قال السيوطي: قال ابن عبد البر: لا يكونُ السؤال إلّ لمؤمنٍ أو منافقٍ كان منسوباً إلى دين الإِسلام بظاهرِ الشهادة،
بخلاف الكافر فلا يُسأل. قال السيوطي رحمه الله: وأما التصريح في بعض الأحاديث بالكافر فالمراد به المنافق،
فإنه لم يجمع بينهما في حديث، وإنما ورد في بعضها المنافق وفي بعضها الكافر بدل المنافق. قلت: وقد ردّ عليه
بعض المحققين في شرحه على ((العقائد)) وقد أجاد وفيه، ونصه هذا: وأما المنافق والكافر فيقال له: ((ما كنتَ
تقولُ في هذا الرجل، فيقول: لا أدري كنتُ أقولُ ما يقول الناس)) ... الحديث. حيث جمع بين المنافق والكافر
بواو العطف، والأصل في العطف المتغايرة، فيدل على أن كلاً من المنافق والكافر الذي لم ينطق بالكلمة وقد
بلغته الدعوة يسأل، ويؤيده قوله تعالى: ﴿يُثَبِّتُ اَللَّهُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَوِ الدُّنْيَا وَفِى الْآَخِرَةِ وَيُضِلُ
اللَّهُ الظَّالِمِينَ﴾ [إبراهيم: ٢٧] حيث ذكر الظالمين في مقابلة الذين آمنوا، والظالم يعم الكافر والمنافق. وقول
تعالى: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِى فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا﴾ [طه: ١٢٤] فقد أخرج الطبراني في ((الأوسط)) بسند حسن
وابن حبان في ((صحيحه)) وغيرهما من حديث أبي هريرة مرفوعاً: ((وأما الكافر فيقال له: ما تقول في هذا الرجل
الذي كان فيكم وما تشهد به؟ فلا يهتدي لاسمه، إلى أن قال: فيضيقُ عليه قبرُه حتى يختلف أضلاعه، فذلك قوله
تعالى: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِى فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا﴾ .. الحديث فإن من أعرض عن ذكر الله لا يختص بالمنافق، بل
يعم كلُّ من بلغتُه دعوةُ الإِسلام ولم يُصدِّق، مع أن الحديث بلفظ: ((وأما الكافر)) الشامل للمنافق وغيره فتخصيصه
بأهل الشك من أهل القبلة كما نقله السيوطي رحمه الله عن حماد بن سلمة وأبي عمر الضرير - لا موجبَ له ويزيده،
تأييداً قوله تعالى: ﴿وَمَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَّ مِنَ السَّمَآءِ﴾ [الحج: ٣١] الآية، فقد أخرج الإمام أحمد رحمه الله
بسند رجاله رجال الصحيح والحاكم وصححه وغيرهما من حديث البراء الطويل رفعه: ((وإن العبد الكافر إذا كان في
انقطاع من الدنيا إلى أن قال: فيقول: الله عزّ وجلّ: اكتبوا كتابه في سجين في الأرض السفلى، ثم يطرح روحه
طرحاً ثم قرأ رسول الله وَّهِ ﴿وَمَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَنََّا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطِفُهُ اُلَيْرُ أَوْ تَهْرِى بِهِ الرّيحُ فِى مَكَانٍ سَحِقٍ﴾ فيعاد
روحه في جسده ويأتيه ملكان فيجلسانه فيقولان له: من ربك، فيقول: هاه هاه لا أدري: الحديث فإن الآية بلفظ:
((الكافر)) وأما ما رواه البخاري في باب خفق النعال من حديث أنس مرفوعاً بلفظ: ((وأمنا الكافر أو المنافق)) فلا
ينافي رواية الواو، لأن الترديد إما للشك أو لمنع الخلو، فإن كان الأول فالمحفوظ ((أما الكافر» فهو صريح في
المقصود ((أو المنافق)) فلا دلالة في الحديث على الانحصار فيه، إذ غايته إفراد المنافق بالذكر، وهو لا ينافي أن =

٢٦٩
كتاب العلم
المجاهر فلا التِبَاس فلا سؤال فإنه للتمييز. وقيل: إن الكافرَ أَوْلى بالسؤال. والتَّرْدِيد في
يسأل غيره من الكفار، وإن كان الثاني جاز الجمع بينهما بالسؤال تحقيقاً لمنع الخلو.
=
وعلى التقديرين لا منافاة بين الروايتين، ومنه يظهر أن اعتراض السيوطي رحمه الله تعالى على القُرطبي وابن القيم
رحمهما الله تعالى لم يقع في محله، حيث قال في ((شرح الصدور): قال ابن عبد البر: لا يكون السؤالُ إلاّ لمؤمن
أو منافق كان منسوباً إلى دين الإِسلام بظاهر الشهادة، بخلاف الكافر فلا يُسألُ وخالفه القُرطبي وابن القيم وقالا:
أحاديث السؤال فيها التصريح بأن الكافر المنافق يسألان. قلت: ما قالاه ممنوع فإنه لم يجمع بينهما في شيء من
الأحاديث وإنما ورد في بعضها ذكر المنافق، وفي بعضها بدله الكافر، وهو محمول على أن المراد به المنافق
بدليل قوله في حديث أسماء، وأما المنافق أو المرتاب ولم يذكر الكافر. انتهى.
وقال: وذلك لما تبين أن حديث أنس رضي الله عنه في الصحيح فيه الجمع بين المنافق والكافر بالواو العاطفة،
وهو أول حديث أورده السيوطي في باب فتنة القبر وسؤال المَلَكين في كتابه ((شرح الصدور)) ولكن الله تعالى يقول:
﴿وَمَا يَذْكُرُونَ إِلَّا أَنْ يَءَ اللَّهُ﴾ [المدثر: ٥٦] ولا دليل في حديث أسماءَ على حمل الكافر على المنافق، إذ ليس
فيه إلاّ الترديد بين المنافق والمرتاب، فإن قلنا: إن الترديد للشك وإنَّ المنافقَ والمرتابَ متساويان، فغايته أن
يكون كرواية الترمذي في إفراد المنافق بالذكر، ولا دليل في ذلك على انحصار السؤال فيه لما مر، وإن قلنا بأن
المرتاب أعم لجواز أن بعضَ من بلغتهُ دعوةُ الإِسلام ولم ينطق بالكلمةِ لا يكونُ جازماً بالتكذيب. وإن قلنا إن
الترديد لمنع الخلو فالأمر واضح، إذ غاية ما فيه الترديد بين المنافق وبين الكافر المرتاب، وقد تبيَّن أن إفرادَ
المنافقِ بالذكر لا يدل على انحصارِ السؤالِ فيه، فكيف إذا ذكر معه بعض الكفار.
ثم السؤالُ عند السيوطي رحمه الله ليس وجه الحكمة فيه منحصراً في امتحان المسلم الخالص من المنافق حتى
يكون موجباً لحمل الكافر على المنافق، فإنه قال في رسالته التي سماها: ((الثريا بإظهار ما كان خفيا»: إنما
المقصود من السؤال أمور: أحدها إظهارُ شرفِ النبي ◌َّ وخصوصيَّتِهِ ومزيته على سائر الأنبياء، فإن سؤال القبر
إنما جُعل تعظيماً له وخصوصية شرفٍ، بأن الميت يُسأل عنه في قبره، انتهى.
وهذا جار في كل من بلغتهُ دعوةُ الإِسلامُ وقد جرى عليه السيوطي رحمه الله تعالى في تكملة ((تفسير الجلال
المحلي)) حيث قال في قوله تعالى: ﴿يُثَبِّتُ اَللَّهُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ بِالْقَوْلِ الثَِّتِ﴾ هو كلمة التوحيد ﴿فِى الْحَيَوْةِ الدُّنْيَا
وَفِ الْآَخِرَةِ﴾ [إبراهيم: ٢٧] في القبر لما يسألهم الملكان عن ربهم، وعن دينهم وعن نبيهم، يُجيبون بالصواب
كما في حديث الشيخين: ((ويُضِلُّ الله الظالمينَ)) الكفار فلا يهتدون للجواب بالصواب، بل يقولون: لا ندري،
كما في الحديث.
وقد قال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى في ((فتح الباري)) في باب ما جاء في عذاب القبر: قوله: وأما المنافق
والكافر في هذه الطريق بواو العطف، وقد تقدم في باب خفق النعال، وأما الكافر أو المنافق بالشك وساق رواياتٍ
مختلفة لفظاً، فقال: وفي رواية أبي داود: وإن الكافر إذا وضع وكذا لابن حِبَان من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى
عنه، وكذا في حديث البراء الطويل، وفي حديث أبي سعيد عند أحمد: وإن كان كافراً أو منافقاً بالشك، وكذا في
حديث أسماء، فإن كان فاجراً أو كافراً، وفي الصحيحين من حديثها: وأما المنافق أو المرتاب، وفي حديث جابر عند
عبد الرزاق وحديث أبي هريرة عند الترمذي: وأما المنافق، وفي حديث عائشة عند أحمد وأبي هريرة رضي الله تعالى
عنهما: وإن كان من أهل الشك، ثم قال: فاختلفت هذه الروايات لفظاً وهي مجتمعة على كل من الكافر والمنافق
يُسأل ففيه تعقب على من زعم أن السؤالَ إنما يقع على من يدَّعي الإيمانَ إن محِقّاً وإن مبَطِلاً.
ومستندهم في ذلك ما رواه عبد الرزاق من طريق عبيد بن عمير أحد كبار التابعين قال: إنما يفتن رجلان مؤمن
ومنافق، وأما الكافر فلا يُسأل عن محمد ولا يعرفه بَله، وهذا موقوف، والأحاديث النّاصة على أن الكافر يُسأل
مرفوعةٌ مع كثرة طُرقها الصحيحة، فهي أولى بالقُبُول، وجَزَمَ الترمذي الحكيم بأن الكافرَ يُسأل. انتهى.

٢٧٠
كتاب العلم
الرِّوايات من الراوي، وكلامُ الحافظ ابن القيِّم رحمه الله تعالى في ((كتاب الروح)) يُشْعِرُ بأن
السؤال مخصوصٌ بالمُنَافِقِ فقط. أما النُّسخة عند البخاري بحرفِ الجَمْع فلا ينبغي أن يُدَار عليها
المسألة؛ لأن في أكثرها التَّرديد، والكلامُ مستوفٍ في كتبِ الكلام. والمختارُ عندي أن السؤال
يكونُ من الكافر أيضاً. ثم السُّؤالُ عندي يكونُ بالجَسَدِ مع الرُّوحِ كما أشار إليه صاحب
((الهداية)) في الإيمان. وقال الصوفية: إنه بالجسد المثالي دون التُّرابَي. قال العارف الجامي
رحمه الله تعالى: إن الغالبَ في هذا العالم أحكامُ الأجسادِ، وأحكامُ الرُّوحِ مستورةٌ لظهورٍ
الجسد وخفاءِ الروح، وينعكس الحالُ في البرزخ وتظهر أحكام الروح. أما المحشر فيتساوى
فيه الحُكْمَان والله تعَالى أعلمَ. ولا بُعْد في تعذيب الجسد بعد تَمَزُّقِهِ فإنه يُبْنَى على عدم الشُّعُور
في الجمادات وهو في حيِّز الخفاء، وقد تناقض فيه كلام الصدرِ الشيرازي فيلوحُ من بعضٍ
كلامه نفيُ العلمِ عنها، ومن البعض ثبوتُ العلمِ لها .
والتحقيق عندي: أن الشعور البسيط ثابت لها قطعاً كما حَقَّقَهُ المحقِّقُون وتفصيله أن
الشيرازي قال مرة: إن العلم كما لا يكون إلا بعد التجريد من جانب المعلوم كذلك لا يَتَحَقَّق
إلا بعد التجريد من جانب العَالم أيضاً، ولذا أنكر أن يكونَ القلبُ عالماً ومدركاً. وقال في
موضع آخر: إن العلم عين الوجود وهذا مناقضٌ للأول كما ترى، وإذ قد ثَبَتَ الشُّعُورُ البسيطُ فِي
الجمادات عندي فلا بِدَعَ في تعذيبِ ذراتِ الجسمِ في محالّها وتعيينِ الوضعِ ليس بلازمٍ فَتُعَذَّبُ
كلُّ ذرةٍ في مكانِهَا، والله تعالى أعلم بالصواب.
٢٦ - باب تَحْرِيضِ النَِّيِّ ◌َِِّّ وَفَدَ عَبْدِ القَيسِ
عَلَى أَنْ يَحْفَظُوا الإِيمَانَ وَالعِلمَ وَيُخْبِرُوا مَنْ وَرَاءَهُمْ
وَقَالَ مَالِكُ بْنُ الحُوَيرِثِ: قَالَ لَنَا النَّبِيُّ ◌َّهِ: ((ارْجِعُوا إِلَى أَهْلِيكُمْ فَعَلِّمُوهُمْ)).
٨٧ - حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ قَالَ: حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي جَمْرَةً
قَالَ: كُنْتُ أُتَرْجِمُ بَيْنَ ابْنِ عَبَّاسِ وَبَيْنَ النَّاسِ، فَقَالَ: إِنَّ وَفَدَ عَبْدِ القَيسِ أَتَوُا النَّبِيَّ
فَقَالَ: ((مَنِ الوَفِدُ أَوْ مَنِ الَقَوْمُ؟)) قَالُوا: رَبِيعَةُ، فَقَالَ: ((مَرْحَباً بالقَوْم أَوْ بَالَوَفِدِ، غَيرَ خَزَايَا
وَلَا نَدَامَى))، قَالُوا: إِنَّاَ نَأْتِيكَ مِنْ شُقَّةٍ بَعِيَدَةٍ، وَبَينَنَا وَبَينَكَ هذا الحَُّّ مِنْ كُفَّارٍ مُضَرَ، وَلَا
نَسْتَطِيعُ أَنْ نَأْتِيكَ إِلَّا فِي شَهْرٍ حَرَامِ، فَمُرْنَا بِأَمْرٍ نُخْبِرُ بِهِ مَنْ وَرَاءَنَا، نَدْخُلُ بِهِ الجَنَّةَ،
فَأَمَرَهُمْ بِأَرْبَعٍ وَنَهَاهُمْ عَنْ أَرْبَعَ: أَمَرَّهُمْ بِالإِيمَانِ بِاللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَحْدَهُ، قالَ: ((هَل تَدْرُونَ
مَا الإِيمَانُ بِاللَّهِ وَحْدَهُ؟)) قَالُواْ: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: ((شَهَادَةُ أَنْ لَا إِلهَ إِلَّا اللَّهُ وأَنَّ
مُحَمَّداً رَسُولُ اللَّهِ، وَإِقَامُ الصَّلَاةِ، وَإِيتَاءُ الزَّكَاةِ، وَصَوْمُ رَمَضَانَ، وَتُعْطُوا الخُمُسَ مِنَ
المَغْنَمِ))، وَنَهَاهُمْ عَنِ الدُّبَّاءِ، وَالحَنْتَمِ، وَالمُزَقَّتِ.
قَالَ شُعْبَةُ: رُبَّمَا قَالَ: ((النَّقِيرِ)). وَرُبَّمَا قَالَ: ((المُقَيَّر)). قَالَ: ((احْفَظُوهُ وَأَخْبِرُوهُ مَنْ
وَرَاءَكُمْ)).

٢٧١
كتاب العلم
٨٧ - (وربما قال النقير) والشك في الأصل بين المزفت والمقير، لا في النقير، ففيه
مسامحة .
يعني إذا لم يكن عنده علمٌ يرتحلُ لتحصيلِهِ. قال الدَّوَّاني في ((شرح العقائد)): يجب على
الناس إقامة عالم على المسافة الغدوية ليرجع إليه الناس في أمور دينهم، وإلا فهم آثمون.
قوله: (عبد الله) وهو ابن المبارك بعد مقاتل في جميع المواضع.
قوله: (زوجة) ولم يثبت في اللغة بالتاء وإنما هو زوج للقبيلتين.
قوله: (وقد قيل ... إلخ) أي كيف تباشرها؟! وقد قيل: إنها أختك من الرضاعة.
واعلم أنهم اختلفوا في نصاب شهادة الرضاعة، فقال أحمد رحمه الله تعالى: شهادة
المُرضعة تكفي لإثباتها. وعندنا حجُتها حجةُ المالِ كما في ((الكنز)). وقد وقع فيه التعارض في
قاضيخان، ففي باب المحرمات: أنها لو شهدت بها قبل النكاح تُقبلُ وبعده لا. وفي الرِّضاع
خلافُهُ. وقاضيخان أرفعُ رُتبةً من صاحب ((الهداية)). قال العلامة القاسم بن قُطْلُوبُغَا في كتاب
((الترجيح والتصحيح)): إنه من شيوخٍ صاحب ((الهداية)) ومن أجلة عُلماءِ الترجيح.
والحاصل أن الحديث واردٍ علينا.
والجواب عندي: أن الحديث محمول على الدِّيانة دون القضاء، وشهادة المرضعةِ معتبرةٌ
دِيانةً عندنا أيضاً، كما في ((حاشية البحر)) للرملي شيخ صاحب ((الدر المختار)). والخير الرملي
آخر أيضاً من علماء الشافعية، وهو أيضاً صاحب الفتوى. أنها تُقبل دِيانة لا حكماً. وهو مُرادُ
الشيخ ابن الهُمَام رحمه الله تعالى بما في ((الفتح)»: أنها تُقبل تَنَزُّهَاً. ولا بِدْع فيه فإن الحديث
كما يتعرض لمسائل القضاء، كذلك يتعرض لمسائل الدِّيانة أيضاً، وهذا كثير فيه، ولكن غفل
عنه الناس. ثم إنه لا بد أن تعلمَ الفرقَ بين الدِّيانة والقضاء.
الفرقُ في معنى الدِّيانة والقَضَاء
واعلم أنهم فسروا الدِّيانة بما بينَه وبين الله، والقضاءَ بما بينه وبين الناس، وفَهِمَ منه
بعضُهم أن الدِّيانة تقتصر على معاملةِ الرجل نفسه، فإذا شَاعَ وبلغ إلى ثالثٍ خَرَجَ عن معنى
الدِّيانة إلى القضاء، وهذا غَلَطّ فاحِش، فإن مدار الديانة والقضاء ليس على الاشتهار وعدمِهِ، بل
يبقى الأمرُ تحتَ الديانة ما لم يُرفع إلى القاضي، وإن كان اشتهرَ اشتهارَ الشمس في رَابِعَةِ
النهار، فإذا رُفع إليه فقد خرج عن الدِّيانة ودخل تحتَ القضاء، ولو لم يسمَعَهُ قرينك.
ثم إن القاضي من تولى من جهةِ الأمير لتنفيذ الأحكام وإجرائها، بخلاف المفتي فإنه
يُعْلِمُ مسائلَ الشريعة عند الاستفتاء ولا يحتاجُ إلى نَصْبِ الأمير، ولا له إجراءَ الأحكام. وقد
علمتَ مرةً فيما سبق أن المفتي يحتاجُ إلى علم المسألةِ فقط، ويجيبُ على الاحتمالات
والتقديرات أيضاً. مثلاً لو كان الأمرُ كذلك كان الجوابُ ذلك بخلاف القاضي فإنه يحتاجُ إلى
علم الوَاقعةِ، ولا تعلُّقَ له بالتقديرات، فإنه نُصِبَ لإجراءِ المسائل، ولا يكون إلا بعد التحقيق
عما في الواقع.

٢٧١
كتاب العلم
إذا علمت هذا فاعلم أن مسائلَ الدِّيانات كلها يُفتي بها المُفتي ولا يحكم بها القاضي،
وهكذا مسائل القضاء، يَحكم بِهَا القاضي ولا عَلَاقةَ بها للمُفتِي، فإن الدِّيانة والقضاءَ قد
يتناقضان حكماً، أي يكون حُكم الدِّيانة نقيض ما في القضاء. وقد صرحوا أنه لا يجوز
لأحدِهِما أن يحكمَ بحكم الآخر، والمُفْتُونَ اليوم غافلون عنه، فإن أكثرهم يفتونَ بأحكام
القضاء.
ووجه الابتلاء فيه: أن المذكور في كتب الفقه عامةً هو مسائل القضاء، وقَلَّما تُذكرُ فيها
مسائلُ الدِّيانة. نعم، تذكر تلك في المبسوطات، ولا تُنَال إلا بعد تدرُّبٍ تام، ولعل وجهه أن
القاضي في السلطنة العثمانية لم يكن ينصبُ إلا حنفياً، بخلاف المفتيين فإنهم كانوا من
المذاهب الأربعة، وكان القاضي الحنفي يُنَفِّذُ ما أفتُوا به، فشرع المُفْتُونَ تحرير حكم القضاء
لينفِّذ القاضي، فاشتهرت مسائل القضاء في الكتب، وخملت مسائل الديانة، ثم لا يجبُ أن تتفقَ
الديانة والقضاء في الحكم بل قد يختلفان.
ففي ((الكنز)): إن ولدتِ ذكراً فأنت طالقٌ واحدة، وإن ولدتِ أُنثى فثنتين، فولدتهُما ولم
يُدرَ الأول تَطلقُ واحدةً قضاءً. وثِنتين تنزهاً، أي ديانة. فههنا أخذ القاضي بجانب المتيقن
والمُفتي بالأحوط. ولو قال في هذه المسألة بعينها: إن ولدتِ أُنثى فثلاثة، فولدتهُما، فهي ثلاثةٌ
دِيانةً وواحدةٌ قضاءً، فاختلفَ الحكمان حِلاً وحُرْمةً. ثم الأحوطُ ههنا واجبٌ كما صرحوا به،
لا أنه مُستحبٌ، وهكذا الإقالة في الغرر الفعلي واجبةٌ عندنا دِيانة وليست بمستحبة. فظهر أن
الدِّيانةَ لا تكونُ مستحبةً كما زعم أن العمل بالقضاء يكون واجِباً، وبالديانةِ يكون مستحباً، فليس
الفرقُ بينهما من هذه الوجوه.
ثم لي تردّدٌ ههنا وهو أنك قد علمتَ أن الديانةَ والقضاء قد يتخالفان حِلاً وحُرمةً، فإن
عَمِلَ الرجلُ المُبتلى به بالديانة وكانت الديانةُ فيه مثلاً أنه حرامٌ، ثم رَفَعَهُ إلى القاضي فحكم
بالحل، فهل يرتفعُ من قضائه تلك الديانة أم لا؟ وهل يصيرُ هذا الأمرُ حلالاً له بقضاء القاضي
بعد ما كان حراماً له؟ فلا نَقْل فيه عندي غيرُ جُزئيةٍ واحدةٍ تُروى عن صاحبيه وهي: أن الزوجَ
الشافعي إن طلق امرأته الحنفية طلاقاً كِنائياً، ثم أراد الرجوع لأن الكنايات رواجعُ في مذهبهِ،
وأبت أن ترجع إليه لأنها بوائنُ عندها، فإن حكم القاضي الشافعي بالرجوع نفذَ ظاهراً وباطناً،
ويصح رجوعه. وليست عندي ضابطةٌ كليةٌ يُستفاد منها أنه متى ترتفع الديانة من القضاء ومتى لا
ترتفع .
ولذا أترددُ في ارتفاع الكراهةِ ديانةً فيما حَكَمَ القاضي بالرجوع في الهبة عند ارتفاع
الموانع السبعة، لأن القضاء بالرجوع مع بقاءِ الكراهة ديانةً أيضاً ممكنٌ، ولكني مترددٌ فيه.
والذي يظهر أنه يرتفع تارةً، وتارةً لا يرتفع.
وأول ما تنبهتُ على الفرقِ بين القضاء والديانة من كلام التَّفْتَازاني في ((التلويح)) لما ذكرَ
صاحب ((التوضيح)) مسألة الاستعارة بين السبب والحكم في باب الحقيقة والمجاز، وقال: لو
نوى بالشراء الملك وبالعكس يُصدَّقُ فيما عليه ولا يصدق فيما له. قال التفتازاني: وفيما له

٢٧٣
كتاب العلم
أيضاً دِيانة يُقتي به المُفتي ولا يحكمُ به القاضي. ففهمتُ منه أن القضاءَ أمرٌ غير الفتوى.
ثم لم أزل أفتشُ عن هذا الفرق في عبارات الفقهاء حتى وجدتُ في أصول العِمَادي لابن
أبي صاحب ((الهداية)) مقدمةً مُمهدةً لذلك وقد بسطه الطحاوي في ((مشكل الآثار)) أيضاً وهذا
الفرقُ معتبرٌ في المذاهب الأربعة. ففي قصة امرأة أبي سفيان: ((خذي ما يكفيك وولدك)).
وبحث عليه النووي هل كان هذا قضاءً أو فتوى؟ فإن كان الثاني فإنه يصحُ أن يفتَی به كل عالم،
وإن كان الأولُ فإنه لا يجوز إلا للقاضي. وعند الطحاوي ما يدلُ على أن هذا الفرق كان دائَراً
في السلف أيضاً: حدثنا سليمان بن شعيب، عن أبيه، عن أبي يوسف، عن عطاء عن السائب
قال: سألت شُرَيحاً. فقال: إنما أقضي ولستُ أفتي. وهذا صريحٌ في أن القضاءَ غيرُ الإفتاء.
وأن القاضي لا يجوزُ له أن يحكم بالدِّيانة ما دام قاضياً وجالساً في مجلس القضاء، فإذا تحوَّل
عنه والتحقَ بسائرِ الناس، فإنه مفتٍ كسائرهم ويسوَّغُ له ما يسوغ لهم.
فالحاصل: أن الزوجَ إن استيقن بخبرِ المرضعةِ جَازَ له أن يقبلَ شهادتها، ويعملُ بالديانة
ويفارِقَها، فإن بلغَ الأمرُ إلى القضاء لا يجوز له أن يحكم بتلك الشهادة. ومن ههنا تبيَّن أن مراد
ابن الهُمَام رحمه الله تعالى من التنزه والتورع: الكراهةُ تنزيهاً دون الاحتياط فقط.
٢٧ - باب الرَّحْلَةِ فِي المَسْأَلَةِ النَّزِلَةِ وَتَعْلِيمِ أَهْلِهِ
٨٨ - حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلِ أَبُو الحَسَنِ قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ قَالَ: أَخْبَرَنَا عُمَرُ بْنُ
سَعِيدِ بْنِ أَبِي حُسَينٍ قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي مُلَيِكَةَ، عَنْ عُقْبَةَ بْنِ الحَارِثِ: أَنَّهُ تَزَوَّجَ
ابْنَةً لأَّبِي إِهَابٍ بْنِ عَزِيزِ، فَأَتَتْهُ امْرَأَةٌ فَقَالَتْ: إِنِّي قَدْ أَرْضَعْتُ عُقْبَةَ وَالَّتِي تَزَوَّجَ بِهَا، فَقَالَ
لَهَا عُقْبَةُ: مَا أَعْلَّمُ أَنَّكِ أَرْضَعْتِنِي، وَلَا أَخْبَرْتِنِي، فَرَكِبَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ◌َلَّهِ بِالمَدِينَةِ
فَسَأَلَهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَلِّ: ((كَيفَ وَقَدْ قِيلَ)). فَفَارَقَهَا عُقْبَةُ، وَنَكَحَتْ زَوْجاً غَيرَهُ.
[الحديث ٨٨ - أطرافه في: ٢٠٥٢، ٢٦٤٠، ٢٦٥٩، ٢٦٦٠، ٥١٠٤].
٨٨ - قوله: (ففارقها) لعله بالتطليقِ لأنه لم يثبت كونُها مرضعةً بعدُ، وإنما الفسخُ فيما لو
تحققَ كونها مرضعة. وإن كان المرادُ أنه فارقَها بأمر النبيِ رَله فلينظر فيه المجتهد أنَّ حكمَهُ هذا
كان قضاءً أو دِيانةً. ومسائلنا تقتضي أن تكون ديانة، والله تعالى أعلم بالصواب.
٢٨ - باب التَّنَاؤُبِ فِي العِلمِ
٨٩ - حدّثنا أَبُو اليَمَانِ قال: أَخْبَرَنَا شُعَيبٌ، عَنْ الزُّهْرِيِّ (ح) قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ:
وَقَالَ ابْنُ وَهْبٍ: أَخْبَرَنَا يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُبَيدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِيٍ ثَوْرٍ،
عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ عُمَرَ قَالَ: كُنْتُ أُنَا وَجَارٌ لِي مِنَ الأَنْصَارِ، في بَنِي أُمَيَّةَ بْنِ
زَيْدٍ - وهيَ مِنْ عَوَالِيَ المَدِينَةِ - وكُنَّا نَتَنَاوَبُ النُّزُولَ عَلَّى رَسُولِ اللَّهِ وَّةِ، يَنْزِلُ يَوْماً،
وَأَنْزِلُ يَوْماً، فَإِذَا نَزَلتُ جِئْتُهُ بِخَبَرِ ذلِكَ الْيَوْمِ مِنَ الوَحْيِ وَغَيرِهِ، وَإِذَا نَزَلَ فَعَلَ مِثَّلَ ذلِكَ،
فَنَزَلَ صَاحِبِي الأَنْصَارِيُّ يَوْمَ نَوْبَتِهِ، فَضَرَبَ بَابِي ضَرَّباً شَدِيداً فَقَالَ: أَثَمَّ هُوَ؟ فَفَزِعْتُ

٢٧٤
كتاب العلم
فَخَرَجْتُ إِلَيْهِ، فَقَالَ: قَدْ حَدَثَ أَمْرٌ عَظِيمٌ، فَدَخَلتُ عَلَى حَفْصَةَ، فَإِذَا هِيَ تَبْكِيِ، فَقُلتُ:
طَلَّقَكُنَّ رَسُولُ اللَّهِ وَلِ؟ قَالَتْ: لَا أَدْرِي. ثُمَّ دَخَلتُ عَلَى النَّبِيِّ ◌ٍَّ فَقُلتُ وَأَنا قَائِمٌ:
أَطَلَّقْتَ نِسَاءَكَ؟ قَالَ: ((لَا)) فَقُلتُ: اللَّهُ أَكْبَرُ. [الحديث ٨٩ - أطرافه في: ٢٤٦٨، ٤٩١٣، ٤٩١٤،
٤٩١٥، ٥١٩١، ٥٢١٨، ٥٨٤٣، ٧٢٥٦، ٧٢٦٣].
٨٩ - قوله: (بني أمية) محلّةٌ من المدينة.
قوله: (أطلقكن) هذه قصة طويلة والإيلاءُ فيه لغويٌ، وغرضُ المصنف رحمه الله تعالى
إثباتُ التناوب بين عمر والأنصاري، لأن عمر رضي الله عنه كان نَكَحَ خارجَ المدينةِ، فكان
يَحضُرُ المدينةَ انتياباً .
٢٩ - باب الغَضَبِ فِي المَوْعِظَةِ وَالتَّعْلِيمِ إِذَا رَأَى مَا يَكْرَهُ
٩٠ - حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ قَالَ: أَخْبَرَنا سُفيَانُ، عَنِ ابْنِ أَبِي خَالِدٍ، عَنْ قَيِسِ بْنِ
أَبِي حازِم، عَنْ أَبِي مَسْعُودِ الأَنَّصَارِيِّ قَالَ: قَالَ رَجُلٌ: يَا رَّسُولَ اللَّهِ، لَا أَكَادُ أُذْرِكُ
الصَّلَاةَ مِمَّا يُطَوِّلُ بِنَا فُلَانٌ، فَمَا رَأَيْتُ النَّبِيَّ نَّهِ فِي مَوْعِظَةٍ أَشَدَّ غَضَباً مِنْ يَوْمِئِذٍ، فَقَالَ:
((أَيُّها النَّاسُ، إِنَّكُمْ مُنَفِّرُونَ، فَمَنْ صَلَّى بِالنَّاس فَلَيُخَفِّف، فَإِن فِيهِم المَريضَ وَالضَّعِيفَ
"وَذَا الحَاجَةِ)). [الحديث ٩٠ - أطرافه في: ٧٠٢، ٧٠٤، ٦١١٠، ٧١٥٩].
٩٠ - قوله: (لا أكاد أدرك ... الخ) أي هو يُطوِّلُ الصلاة، فلا يُصلي الناسُ بصلاتِهِ لأجل
تطويله. ثم إنه ◌َُّ غضب عليه لمخالفته الفطرةَ السليمة، فإنه طَوَّلَ الصلاةَ على من كانوا عمالاً
وأصحاب نوَاضَح، وهو غير مناسب عقلاً ولا يحتاجُ إلى كثير فكرٍ، فكان عليه أن يراعيَهُ من
فِظْرَتِهِ السليمة، ويصلي بهم كما كان النبي ◌َّ يصلي بهم في تمام.
والحاصل أن النبيَّ وَّه لم يكن يغضب إلا عند هتكِ حرمةٍ من حُرُمَات الله، أو عند
مخالفةِ البَدَاهَة، وصريح السفاهة، فإذا كان موضعَ عذرٍ أو موضعَ اجتهادٍ كان أسمحَ الناس.
قال الحافظ: إن هذا الرجل أبي.
٩١ - حدّثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَامِرٍ قَالَ: حَدَّثَنَا سُلَيمَانُ بْنُ بِلَالٍ
المَدِينِيُّ، عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمُنِ، عَنْ يَزِيدَ مَوْلَى المُنْبَعِثِ، عَنْ زَيدِ بْنِ خَالِدٍ
الجُهَنِيِّ: أَنَّ النَّبِيَّ ◌ََّ سَأَلَهُ رَجُلٌ عَنِ اللَّقَطَةِ، فَقَالَ: ((اعْرِف وِكَاءَهَا - أَوْ قَالَ وِعَاءَهَا .
وَعِفَاصَهَا، ثُمَّ عَرِّفْهَا سَنَةً، ثُمَّ اِسْتَمْتِغَ بِهَا، فَإِنْ جَاءَ رَبُّهَا فَأَدِّهَا إِلَيْهِ)) قَالَ: فَضَالَّةُ الإِبل؟
فَغَضِبَ حَتَّى احْمَرَّتْ وَجْنَتَاهُ - أَوْ قَالَ: احْمَرَّ وَجْهُهُ - فَقَالَ: ((وَمَا لَكَ وَلَها! مَعَهَا سِقَاؤُهَا
وَحِذَاؤُهَا، تَرِدُ المَاءَ وَتَرْعى الشَّجَرَ، فَذَرْهَا حَتَّى يَلِقَاهَا رَبُّهَا)). قَالَ: فَضَالَّةُ الغَنَمِ؟ قَالَ:
(لَكَ أَوْ لأَخِيَكَ أَوْ لِلذَّتْب)). [الحديث ٩١ - أطرافه في: ٢٣٧٢، ٢٤٢٧، ٢٤٢٨، ٢٤٢٩، ٢٤٣٦،
٢٤٣٨، ٥٢٩٢، ٦١١٢].
٩١ - قوله: (اللقطة) بفتح القاف أفصح، وهي مبالغةُ اسم الفاعل، ولقطة اسم مفعول

٢٧٥
كتاب العلم
كاللقمة والأكلة. ثم اعلم أن الوعاءُ اسم للظرفِ والخِرْقة التي على فمها يقال لها: العِفَاص،
والخيطُ الذي يُشد به الخِرْقة يقال له: الوِكَاء.
قوله: (سنة) واختلفت الروايات في ((المبسوط)) و ((الجامع الصغير)) في تقدير مدَّةٍ
التعريف؟ ففي ((الجامع الصغير)): أنها سنة. وفي ((المبسوط)): أنه بقدر ما يرى، وهو أسهل في
الأحاديث.
قوله: (ثم استمتع بها) ويجوز الاستمتاعُ بها للفقير والغني عند الشافعية. وعندنا للفقير
فقط .
وأجاب صاحب ((الهداية)) عن استمتاعِهِ مع كونهِ غنياً أنه كان بإذن الإمام، وهذا جائز
عندنا وغَلِطَ في شرح مرادِهِ صاحب ((العناية)) وهو شيخ الشيخ ابن الهمام. وإن كان كتابه أرفع
من ((العناية)) حيث علل بكونه محلاً مجتهداً فيه. والقضاءُ إذا لاقى محلاً مجتهداً فيه يصير
مُجمعاً عليه، فهذا الشارح صَرَفَه إلى باب آخر مع أن صاحب ((الهداية)) قد جوَّزَ الاستمتاع به
على المذهب. ثم اتفقت الحنفية والشافعية على أنه لو أقامَ المالكُ عليه البينةً وجبَ عليه
ردُّهُ.
ونُسِبَ إلى داودٍ الظاهري والبخاري أنه لا حق له في ماله بعد السنة، ويصيرُ بعدها مِلكُ
الملتقط بتاً. واعلم أن العمل بمذهبه خاصة إنما هو قبل حكم القاضي، فإذا حكم القاضي بأمر
وجبَ العملُ بحكمِهِ ولو من أي مذهب كان، فالذي هو رافعٌ لاختلافِ المذاهبِ الأربع عند
الفقهاءِ هو القضاءُ.
٩١ - قوله: (حتى احمرت) وإنما غضِبَ عليه لأن السؤالَ كان مخالفاً للفِطرة السليمةِ،
فإن الزمان كان زمان الديانة، والبعير مما لا يُخاف عليه السَّبُعُ، ولا يعجز عن الماء والكلأ،
فلا حاجة إلى التقاطه. أما الآن فقد انقلب الزمان ظهراً لبطن فينبغي أن يلتقطَ البعيرُ أيضاً.
٩٢ - حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ العَلَاءِ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ بُرَيْدٍ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ
أَبِي مُوسى قَالَ: سُئِلَ النَّبِيُّ وََّ عَنْ أَشْيَاءَ كَرِهَهَا، فَلَمَّا أُكْثِرَ عَلَيهِ غَضِبَ، ثُمَّ قَالَ لِلنَّاسِ:
(سَلُونِي عَمَّا شِئْتُمْ)). قَالَ رَجُلٌ: مَنْ أَبِي؟ قَالَ: ((أَبُوكَ حُذَافَةُ))، فَقَامَ آخَرُ فَقَالَ: مَنْ أَبِي
يَا رَسُولَ اللّهِ؟ فَقَالَ: ((أَبُوكَ سَالِمٌ مَوْلَى شَيْبَةَ)). فَلَمَّا رَأَى عُمَرُ ما فِي وَجْهِهِ قَالَ: يَا
رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّا نَتُوبُ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ. [الحديث ٩٢ - طرفه في: ٧٢٩١].
كُلُّ سفيان بعد محمدٍ بن كثير هو الثَّوري، لا ابن عُيَيْنَة.
٩٢ - قوله: (حدثنا محمد بن العلاء) وهذا غير واقعة الكسوف التي مثلت فيها الجنة
والنار.
قوله: (فلما أكثر عليه) أي بعض المخلصين بلا وجه وجيه وبعض المنافقين تعنتاً.
قوله: (مَنْ أَبَى) فسمّى أباه فارتفعت شبهة الناس عنه، وفي الشروح: أن الرجل لما رجع

٢٧٦
كتاب العلم
إلى بيته لَامَتْهُ أمهُ وقالت: ما رأيت ولداً أعق منك، ما أعلمك أني ما فعلت في الجاهلية،
أفكنت مفضحي بين الناس، قال: والله لو ألحقني النبي ◌َّ بغير أبي لالتحقت به.
قوله: (سلوني) وكان هذا غضباً منه وسَخْطَةً، ولم يفهمه أحدٌ غير عمر رضي الله تعالى
عنه فقال ما قال. وإنما غضبَ النبيُّ ◌ََّ لكونه شارعاً بُعثَ لتعليم الشرائع، فجعلَ بعضُهُم
يسألونه عن المغيبات، وكذلك بعض المنافقين سألوه سخرية فقط. وحاصلُ مقالة عمر رضي الله
تعالى عنه أنَّا نكتفي للنجاة بالإيمان بالله ورسوله ... إلخ، ولا نحتاج إلى أسئلة سواه.
قلت: وكان مناسباً أن يقعَ في حياتِهِ مثْلُ تلك الواقعةِ مرةً ليُعلَم أنه أيضاً تحت القدرةِ
الإلهية أن يخبرَ رسوله بكل ما استخبَرُوه، ويلقمُ في أفواهِ المتعنتينَ حجراً. ثم اعلم أن في
طرقه: ((والقرآن إماماً))، وتتبعتُ إمامته في التنزيل أيضاً فلم أجد غير قوله تعالى: ﴿كِنَبُ مُوسَىّ
إِمَامًا وَرَحْمَةً﴾ وهذا كتاب. ومر عليه الطيبي في ((حاشية الكشاف)) وفهم لطفَه ولم يذقه أحدٌ
غيرَه. ومعناه عندي أن كتابَ موسى مع جلالة شأنه يكتنه إمامته وكونه رحمة. وهذا أيضاً كتابٌ
مثله في كونه إماماً ورحمة، ولكنه بلغَ في كونه إماماً ورحمة مبلغاً لا تُكتنه نهايته. ثم إنه إذا كان
إماماً فلا يكون مأموماً ومقتدياً، فلا يقرأه المقتدي.
وعند أبي داود أن رجلاً قرأ بـ: ﴿سَيِحِ أَسْمَ رَبِّكَ اْأَعْلَى ﴾ خَلْفه ◌َّر. والظاهر أنه لم يقرأ
الفاتحة فلما فرغَ النبيُّ نَّر قال: ((ما لي أُنازعُ القرآن)» بصيغة الواحد المتكلم المجهول، وهذا
في واقعة الظهر، فلو كانوا كلَّهم قارئين لَمَا كان لتخصيص المخالجةِ بنفسه معنىٌ، فإن
المخالجةَ حينئذٍ تكون مع جميع القارئين لا مع النبي ◌َل # فقط، فدل على أنه كان هو القارىء
فقط، ولم يكن هناك قارىء من المقتديين غير هذا الرجل. ولعله أيضاً لم يقرأ بالفاتحة بل قرأ
بـ ﴿سَبِجِ أَسْمَ رَبِّكَ اُلْأَعْلَى ﴾﴾ فكان أمرُ القراءة عنده بالفاتحة وغيرها سواء. وكيفما كان جاءت
قراءتُهُ تحت الإنكار لِعِلةِ المنازعة والمخالجة، فلا ينبغي أن يقرأ خلف القارىء، فإن الصراط
المستقيمَ الاستماعُ والإنصات عند القراءة: ﴿وَإِذَا قُرِىءَ الْقُرْءَانُ فَأَسْتَمِعُواْ لَهُ وَأَنْصِتُواْ لَعَلَّكُمْ
تُرْهُمُونَ (٣٦)﴾ [الأعراف: ٢٠٤] وهو وإن كان في الجهرية، لكنَّ الحديثَ صريحٌ في السرية،
والمنازعةُ تحصل فيهما. وسيأتي التفصيل في موضعه.
٣٠ - باب مَنْ بَرَكَ عَلَى رُكْبَتَيهِ عِنْدَ الإِمَامِ أَوِ المُحَدِّثِ
٩٣ - حدّثنا أَبُو اليَمَانِ قَالَ: أَخْبَرَنَا شُعَيبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: أَخْبَرَنِي أَنَسُ بْنُ
مَالِكٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَّةِ خَرَجَ فَقَامَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ حُذَافَةً فَقَالَ: مَنْ أَبِي؟ فَقَالَ: ((أَبُوكَ
حُذَافَةُ)). ثُمَّ أَكْثَرَ أَنْ يَقُولُ: (سَلُونِي)) فَبَرَكَ عُمَرُ عَلَى رُكْبَتَيْهِ فَقَالَ: رَضِينَا بِاللَّهِ رَبّاً،
وَبِالإِسْلَامِ دِيناً، وَبِمُحَمَّدٍ بَُّ نَبِيّاً، فَسَكَتَ. [الحديث ٩٣ - أطرافه في: ٥٤٠، ٧٤٩، ٤٦٢١،
٦٣٦٢، ٦٤٦٨، ٦٤٨٦، ٧٠٨٩، ٧٠٩٠، ٧٠٩١، ٧٢٩٤، ٧٢٩٥].
وإنما ترجمَ المصنفُ بلفظ الإمام لأن في طرق هذا الحديث: ((وبالقرآن إماماً))، ولمّا كان
هذا مُوهماً للتخصيصِ احترس وأضاف قوله: أو المحدث ليندفعَ التخصيصُ.

٢٧٧
كتاب العلم
٣١ - باب مَنْ أَعَادَ الحَدِيثَ ثَلَاثاً لِيُفهَمَ عَنْهُ
فَقَالَ: ((أَلَا وَقَوْلُ الزُّورِ)) فَمَا زَالَ يُكَرِّرُهَا. وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: قَالَ النَّبِيُّ ◌َّ: ((هَل
بَلَّغْتُ؟)) ثَلَاثاً .
ولعله ناظرٌ إلى مقولةِ الخليل النَّحوي في جزء القراءة ((يكثر الكلام ليفهم ويعلل ليحفظ)).
وقد كنت أظنُ أنه وَقَعَ فيه القلب. والأصل أن الكلامَ يُكثرُ ليحفظ، لأن التعليل أنفعُ للفهم،
والتكرارُ أعونُ للحفظِ، حتى طالعت نُسخاً عديدة لذلك ولكن وجدتُ في جميعها كذلك، ثم بدا
لي أن التعليلَ معينٌ في الحفظ أيضاً، كما هو مُعينٌ في الفهم، وكذلك التكرارُ أيضاً له دخل
في الفهم كما يُعلم بالتجربة.
قوله: (هل بلغت) وإنما كرره مبالغةً وتهويلاً، وإنما جعلهم شَاهِدينَ لجحود الأمم يوم
الدين، فاحْتِيجَ إلى شاهد، فجعل اللَّهُ سبحانه أيضاً شاهداً وهو على كل شيء شهيد. وليس فيه
إساءةُ أدبٍ، كما أن التسمية والاستعاذةَ قبل الخلاء ليست بإساءة، لأن الحفظَ لا يحصلُ إلا
ببركة اسمه تعالى.
٩٤ - حدّثنا عَبْدَةُ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ المُثَنَّى قَالَ:
حَدَّثَنَا ثُمَامَةُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ أَنَسٍ، عَنِ النَّبِيِّ وََّ: أَنَّهُ كَانَ إِذَا سَلَّمَ سَلَّمَ ثَلَاثاً، وإِذَا
تَكَلَّمَ بِكَلِمَةٍ أَعَادَهَا ثَلَاثاً. [الحديث ٩٤ - طرفاه في: ٩٥، ٦٢٤٤].
٩٥ - حدّثنا عَبْدَةُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ المُثَنَّى
قَالَ: حَدَّثَنَا ثُمَامَةُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ أَنَسٍ، عَنِ النَّبِّ وَّلَ: أَنَّهُ كَانَ إِذَا تَكَلَّمَ بِكَلِمَةٍ أَعَادَها
ثَلَاثاً حَتَّى تُفهَمَ عَنْهُ، وَإِذَا أَتَى عَلَى قَوْمٌ فَسَلَّمَ عَلَيْهِمْ، سَلَّمَ عَلَيهِمْ ثَلَاثاً.
٩٦ - حدّثنا مُسَدَّدٌ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُوْ عَوَانَةَ، عَنْ أَبِي بِشْرٍ، عَنْ يُوسُفَ بْنِ مَاهَكٍ، عَنْ
عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو قَالَ: تَخَلَّفَ رَسُولُ اللَّهِنَّهَ فِي سَفَرِ سَافَرْنَاه، فَأَدْرَكَنَا وَقَدْ أَرْهَقْنَا
الصَّلَاةَ، صَلَاةَ الْعَصْرِ، وَنَحْنُ نَتَوَضَّأُ، فَجَعَلنَا نَمْسَحُ عَلَى أَرْجُلِنَا، فَنَادَى بِأَعْلَى صَوْتِهِ:
(وَيْلٌ لِلأَعْقَابِ مِنَ النَّارِ)) مَرَّتَينٍ أَوْ ثَلَاثاً.
٩٤ - قوله: (عبدة) وفي نُسخة لصمدة وهو غلطٌ من الكاتب.
قوله: (سَلَّم) قيل: الأول للاستئذان، والثاني للقاء، والثالث للتوديع.
قلت: ولعل الظاهر أن يكونَ التثليث باعتبار مروره على الناس كما هو المعتاد في زماننا
أيضاً، وإنما اكتفى بالثلاثِ لكونِهِ شارعاً تضبط أقوالهُ وأفعاله، فاختار الوسط إلا أني لا أتيقنُ
به لفقدان النقل.
وحاصله: أنه ◌َّر إذا كان يمر على جماعة عظيمة لم يكن يكتفى بسلام واحدٍ بل كان
يُسلمُ مرةً في الأول، ثم إذا بلغ في الوسط سَلَّم، ثم إذا بلغ في الآخر سَلَّم. أما الأحاديث في
التوديع فهي في («كنز العمال)» فليراجعها .

٢٧٨
كتاب العلم
٣٢ - بابٌ تَعْلِيمُ الرَّجُلِ أَمَتَهُ وَأَهْلَهُ
٩٧ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدٌ، هُوَ ابْنُ سَلام، قَالَ: حَدَّثَنَا المُحَارِبِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا صَالِحُ بْنُ
حَيَّانَ قَالَ: قَالَ عَامِرٌ الشَّعْبِيُّ: حَدَّثَنِي أَبُوْ بُرْدَةَ، عَنْ أَبِيِهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَهُ: (ثَلَاثَةٌ
لَهُمْ أَجْرَانِ: رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الكِتَابِ آمَنَ بِنَبِّهِ وَآمَنَ بِمُحَمَّدٍ نَّهَ، وَالعَبْدُ المَمْلُوكُ إِذَا أَدَّى
حَقَّ اللَّهِ وَحَقَّ مَوَالِيهِ، وَرَجُلٌ كَانَتْ عِنْدَهُ أَمَةٌ، فَأَذَّبَهَا فَأَحْسَنَ تَأْدِيبَهَا، وَعَلَّمَهَا فَأَحْسَنَ
تَعْلِيمَهَا، ثُمَّ أَعْتَقَّهَا فَتَزوَّجَهَا، فَلَهُ أَجْرَانٍ)) .
ثُمَّ قَالَ عَامِرٌ: أَعْطَيْنَاكَها بِغَيرِ شَيءٍ، قَدْ كَانَ يُرْكَبُ فِيما دُونَهَا إِلَى المَدِينة.
[الحديث ٩٧ - أطرافه في: ٢٥٤٤، ٢٥٤٧، ٢٥٥١، ٣٠١١، ٣٤٤٦، ٥٠٨٣].
٩٧ - قوله: (ثلاثة لهم أجران: رجل من أهل الكتاب) ... إلخ أجرُ الإيمان بنبيِّهِ وأجر
الإيمان بالنبي مَثّر.
قوله: (يَطَؤُهَا) أي بملك اليمين. قوله: (أدبها) التأديب تهذيب "دادن" .
قوله: (ثم أعتقها) وقد ذكرتُ ههنا أمورٌ فاختلف الشارحون في التعيين - منها: قلت:
والأوجهُ أن الأمورَ المذكورة إلى الإعتاق عملٌ واحد والأمورُ بعد الإعتاق عمل آخر. فالأجرانِ
على الإعتاق بما فيه وعلى النكاح، لأن الإعتاقَ عبادٌ مستقلةٌ. وسائرُ الأمور المذكورة قبلَه
تمهيداتٌ له، وكذا التزوُّجُ بعد الإعتاق أيضاً عبادة مستقلة أخرى، فالأجران على هذين
العملین.
ثم ههنا عَوِيصَةٌ وهي: أن المرادَ من أهل الكتاب ماذا؟ إن كان اليهودُ فهو صعبٌ من
حيث إنهم كفروا بعيسى عليه السلام، وصاروا كفاراً وحبطَ إيمانُهُم، فكيف يستحقون الأجرين.
لأنه لم يبق حينئذٍ من عملهم غيرُ الإيمان بالنبي وهو عملٌ واحدٌ فلا يستحقون عليه إلا أجراً
واحداً. وإن قلنا: إن المراد منهم النصارى كما يؤيده ما عند البخاري: ((رجل آمن بعيسى)) بدل
قوله: ((من أهل الكتاب)) فدل على أن المراد منهم النصارى فقط دون اليهود، فهو أصعبُ لأن
الحديثَ مستفادٌ من قوله تعالى: ﴿أُوْلَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُم مَّزَتَّنِ﴾ [القصص: ٥٤] وإنه نَزَلَ في عبدِ الله بن
سلام وأصحابه باتفاق المفسرين، وكان يهودياً فعُلِم أن لهم أيضاً أجرين فيدخلون تحت أهل
الكتاب أيضاً ولا بد.
قلت: ولا ريب في أن الحديث عام لليهود والنصارى، أما ما ورد في لفظ البخاري:
((رجل آمن بعيسى))، فإنه يجعل تابعاً لما في أكثر الروايات: ((رجل من أهل الكتاب)) ويحملُ
على اقتصارٍ من الراوي. والأصل كما ذكره آخرون ولا ينبغي أن تُدارَ المسألة على ألفاظ بعض
الرواة، سيما إذا وردت مخالفة للأكثرین.
فهذه قضية أبهمت على الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى حتى استقر رأيه على ما نُقِلَ عن
الكِرْمَاني أن الأجرينِ لا يختصانِ بأهل الكتاب، بل كل من آمن بنبينا وَّل ولو بعد الكفر الصريح
حتى المجُوسي والوَثْني، فإنه أيضاً يُخْرِزُ الأجرين.

٢٧٩
كتاب العلم
قلت: هذا كلامٌ باطلٌ، فإن خلاصةَ الحديثِ الوعدُ بالأجرين على العملين، وليس الكفرُ
الصريحُ من البرِّ في شيء يستحقُ عليه الأجر، فلم يبق حينئذٍ إلا عملٌ واحد وهو الإيمان
بالنبي ◌َّ، وهو وإن كان من أبرِّ البرِّ وأزكى الأعمال، وأسنى المقاصد، لكنه عملٌ واحد لا
يستحقُ عليه إلا أجراً واحداً. نعم، أجرُهُ يكون وِزَانُ عمله وهذا أمرٌ آخر.
وعندي حديثٌ صريحٌ في أنَّ الآيةَ عامةٌ، وأن الأجرين بالإيمان بنبيه وبالإيمان بالنبي ◌َّ.
فعند النسائي في تأويل قول الله عز وجل: ﴿وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَفِرُونَ﴾
[المائدة: ٤٤] في حديث طويل فقال الله تبارك وتعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ اتَّقُواْ اللَّهَ وَءَامِنُواْ بِرَسُولِهِ.
يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِن رَّحْمَيْهِ﴾ [الحديد: ٢٨] أجرين: بإيمانهم بعيسى وبالتوراة وبالإنجيل، وبإيمانهم
بمحمد ... إلخ، فهذا أوضحُ دليلٍ على أن الأجرين على العملين من إيمانهم بعيسى
وبمحمد ◌ّ. ولما عجز الحافظ رحمه الله تعالى عن الجواب التزم هذا الباطل.
والذي عندي هو أنَّ عبد الله بن سلام وأمثاله أيضاً يَستحقُّونَ الأجرين، والذين دخلوا
تحت النصِّ داخلون في قوله: ((أهل الكتاب)) أيضاً، ولا يردُ شيءٌ، لأن الذين كفروا بعيسى
عليه الصَّلاة والسَّلام وحَبِطَ إيمانهم، فإنهم الذين بُعث عيسى عليه الصَّلاة والسَّلام فيهم،
ودَعَاهم إلى شريعته، أي بني إسرائيل، فلما أبوًا هلكوا كما قصَّهُ اللَّهُ سبحانه، أما يهود المدينة
فلم تبلغ دعوتُهُ إليهم، ولا وُجد منهم الانحراف عنها، وإنما أمرُهُم كما في التاريخ أنهم فروا
من الشام إلى العرب حين اجتاحهم ((بختنصر)) وبعد فرارهم بمائتي سنة بُعث عيسى عليه الصَّلاة
والسَّلام في الشام.
فالذين تمت عليهم الدعوةُ بالتوحيد والشريعة جميعاً هم يهودُ الشام، أما يهود المدينة فلم
تصل إليهم الدعوة أصلاً. كما في ((الوفا)) أنه وُجِد في جانب من المدينة حجر عند تلِّ مكتوبٌ
عليه: هذا قبرُ رسولُ رسول الله عيسى عليه السلام، جاء للتبليغ فلم يُقدَّر له الوصول إليهم. وقد
وقع فيه تحريفٌ في (تاريخ الطبري)) فسقط لفظ: الرسول، وصارت صورته هكذا: هذا قبرُ
رسول الله عيسى، وكثيراً ما يسقطُ اللفظُ المكرر عند الكتابة ويتكرر اللفظ الواحدُ.
فشغب به الطائفة الباغية الكاديانية وزعمت أنه أصرحُ دليل لهم على وفاة عيسى عليه
السلام. وهذا هو دَيْدَنُ الزائغين من بدء الزمان، يستفيدون من أغلاطِ الرواة وتحريفٍ
الناسخين، ويشَّبِعُون ما تشابه منه، وأما الرَّاسخون في العلم فيتبعون المحكمات ويأخذون العلم
من مكانه، قاتلهم الله ما أجهلهم! أيتمسكون بما في الطبري ولا يستحيون أن تلك الواقعة بعينها
موجودةٌ في ((الوفا)) وفيه رسول رسول الله عيسى، فطاح ما ركبوا عليه من الجهل. وقد حقق
أهل أوربا مجيء حواريين في الهند أيضاً، وقالوا: إنهما دُفِنا في بلدة مدراس، وكذلك حواريان
مدفونان في إيطاليا، وحواري في تبت. وهكذا ثبتَ ذهابهم إلى يونان وقسطنطينة، أيضاً.
والذي يدلك على أنهمٍ لم يذهبوا إليهم من عند أنفسهم بل بعثهم عيسى عليه السلام: أن
النبي ◌َّ لما كتب كُتباً إلى النَّجاشي والمُقَوْقَس ودُومة الجندل وغيرهم قال لأصحابه: ((إني
أبعثُكم كما بَعثَ عيسى عليه السلام الحواريين)).

٢٨٠
كتاب العلم
فنشأ منه جهلٌ آخر للنصارى، فإنهم استدلوا به على عموم بعثة عيسى عليه السلام،
وقالوا: إنها لو لم تكن عامة لما بعث الحواريين إلى الأطراف،َ ولم يعلموا أن الدعوة إلى
التوحيد لا تختص بنبي دون نبي، بل تجوزُ لهم الدعوةُ إلى الشريعة أيضاً إذا لم يكن فيهم نبيٌّ.
فأهل المدينة لم يكن لهم نبيّ إذ ذاك وكانوا من بني إسرائيل، وهو رسولٌ إلى بني إسرائيل بنص
القرآن، فلو كان دعاهم إلى شريعتِهِ لما كان فيه بأسٌ أيضاً، ولكنهم لم تبلغ إليهم دعوته .
وإذا كان أمرُهم ذلك، فالمسألة فيهم عندي أنه لو كان أحد منهم على دينٍ سماوي من
قبلُ كعبد الله بن سلام، فإنه كان على اليهودية، ولم تشملهم دعوة عيسى عليه السلام
بخصوصها، ينبغي أن يكون ناجياً. نعم، لو كان في الشام لما احتاج إلى خصوص الدعوة
وكفته دعوة عامة، وهذا لم تبلغه الدعوةُ ولم يكن من سكان الشام وكان على دينٍ حقٍ فيكون
ناجياً، لأنه لم يلتزم شريعة عيسى عليه السلام لعدم المطالبة من جهته لا للإباء منه. نعم، يخرج
عن هذا الاستحقاق من كانت دعوتُهُ بلغت إليه ثم ردها. أما إذا كان قومُهُ يدعى في الشام وهذا
كان غافلاً عن دعوته لعدم علمه، فإنه بعد الإيمان بالنبي يستحق الأجر مرتين إن شاء الله تعالى
وكفاه التصديق إجمالاً .
ويتضحُ ذلك كل الاتضاح بعد البحث في معنى عموم البعثة فاعلم: أن النبي وَلّ مبعوثٌ
إلى كافة الناس بلا خلاف. ثم قيل: إن إبراهيم ونوحاً عليهما السلام أيضاً كذلك، فإنه يقال
لنوح: إنه أولُ نبِيٍّ وَّر في الأرض. فتصدى العلماءُ لجوابه، لأن البعثةَ العامة قد عُذَّت من
خصائصه والر. وتوجه إليه الحافظ رحمه الله تعالى في ((الفتح)) والسيوطي رحمه الله تعالى في
((حاشية النسائي)) ولكنهما لم يذكرا وجهاً قوياً.
والذي ظهر لي: أن بعثة الأنبياء كلهم عامة في حق التوحيد كما صرح به ابن دقيقِ العيد،
بمعنى أنه يجوز لهم أن يدعو إليه من شاؤوا سواء كانوا مبعوثين إليهم أم لا . ويجبُ على القوم
إجابة دعوتهم ولا يسعُ لهم الإنكار بحال، فإن أنكروا استحقوا النار.
بقي أنه ماذا معيار بلوغ الدعوة وأنه هل يُشترط التبليغ إلى كل نفس أو مصر على رؤوس
الأشهاد؟ أو كفى له التبليغ إلى من حَضَرَه، فذلك مما لا علم لنا به. وإذاً فالتعبيرُ الأوفى أن
يقال: إن مَنْ تحقق التبليغُ فيهم بأي نحو كان فإنه يُعَدُّ كافراً بالجحود، سواء كان ذلك النبي
بُعث إليهم أم لا. ثم إن كانوا متعبدين بشريعة سماوية من قبل لا يجبُ عليهم الدخول في
شريعته. ما لم تبلغهم الدعوة إلى الشريعة أيضاً، فإن بَلَغتْ وجب التعبدُ بها أيضاً، ويحمل ذلك
على نسخ شريعة المدعو له، فإن لم تكن عندهم شريعة سماوية من قبل، وجبَ عليهم الدخول
في شريعته بدون دعوة إليها، هذا فيمن بلغت إليهم دعوة نبي بخصوصها .
وأما الذين لم تبلغ إليهم الدعوة بخصوصها، ولكن بلغ إليهم خبر ذلك النبي كسائر
الأخبار تحمل من بلد إلى بلد، يجب عليهم الإيمان به أيضاً، فإن آمنوا به نَجوا وإن أبَوا
هلكوا، وتكون معاملتهُم مع ذلك النبي كمعاملتنا مع سائر الأنبياء عليهم الصَّلاة والسَّلام، أعني
التصديق فقط. ولا يجبُ عليهم التعبدُ بشريعته بمجرد بلوغ خبره إذا كانوا على شريعة نبي من