Indexed OCR Text

Pages 161-180

١٦١
كتاب الإيمان
ليست بكفارة عندنا وفي ((رد المحتار)) في الجنايات، من كتاب الحج عن ((ملتقط الفتاوى)) أنه
لو جنى رجلٌ في الحج، وأدى الجزاءَ سقط عنه الإثم، بشرط أن لا يعتاد، فإن اعتاد بقي
الإثم، وكذا صرح النسفي في ((التيسير)) من أنه لو أقيم عليه الحد ثم انزجر يكون الحدُّ كفارةٌ
له، وإلا لا وفي الصيام من ((الهداية)) أيضاً إشارة إلى أن الكفارة ساترة، والكفارةُ والحدودُ من
باب واحد. وفي التعزير من ((البدائع)) أيضاً تصريحٌ بأن الحدود كفارات.
وتكلم الطحاوي على مثل هذا الحديث في ((مشكل الآثار)) ولم يتكلم حَرْفاً بالخلاف،
وكذا بحث العيني رحمه الله تعالى بحثاً، وسكت عن عدم كونها كفارات. وأقدمُ النقولِ فيه ما
في الطبقات الشافعية من مناظرة الطَّالْقَاني الحنفي مع أبي الطيب وصرح فيها: أن الحدود
كفارات، وهذا الطالقاني من علماء المائة الرابعة، تلميذ للقُدُوري. فلعل ما في كتب الأصول
يُبنى على المسامحة، فالاختلاف إنما كان في الأنظار، فجعلوه اختلافاً في المسألة، فنظرَ
الحنفية أنها نزلت للزجر، وإن اشتملت على الستر أيضاً، ونظر الشافعية أنها للستر بالذات،
وإن حصل منها الزجر أيضاً. قلت: إن كان الأمرُ كما علمت، فالأصوبُ نظر الحنفية، وإليه
يرشد القرآن، وغير واحد من الأحاديث، كما لا يخفى، ثم إنهم لما قرروا الخلاف ومشى
عليه الشارحون أيضاً، وإن كان بحثُ الحافظين في هذا المقام كالبحث العلمي والتفتيش
المقامي، لا كالانتصار للمذهب، لكنه مع ذلك اشتهر الخلاف، حتى نقل في كتب الأصول
أيضاً .
فاعلم: أن هذا الحديث وإن دل على كون الحدود كفارات، لكن يعارضُهُ ما رواه الحاكم
وصححه أن النبي ◌َّ قال: ((لا أدري الحدود كفارات أم لا؟)) وادّعى الحافظ رحمه الله تعالى
أن حديث الحاكم متقدم، وحديث الباب متأخر، وكأن النبي ◌َّر توقف في أول أمره، ثم جزم
بكونها كفارات، ويرد عليه أن حديث عبادة كيف يكون متأخراً مع أن بيعة العقبة إنما هي في
مكة قبل الهجرة، وحديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه عند الحاكم متأخر عنه، لأنه أسلمَ
السنة السابعة بعد الهجرة النبوية، وفيه تصريح بالسماع، فدل على أنه سمعه بنفسه في السنة
السابعة. وأجاب عنه الحافظ رحمه الله تعالى أن هذه بيعة أخرى، بعد فتح مكة، وإنما حصل
الالتباس من جهة أن عُبادة رضي الله تعالى عنه حضر البيعتين معاً، وكانت بيعة العقبة من أجل
ما يتمدح به، فكان يذكرها إذا حدث تنويهاً بسابقيته.
وحاصله: أن ذكر ليلة العقبة ههنا لتعريف حاله، لا لأن تلك البيعة كانت فيها، فجاز أن
يكونَ حديثُ أبي هريرة رضي الله تعالى عنه مقدماً وحديث عُبادة رضي الله تعالى عنه متأخراً.
وعارضه العيني رحمه الله تعالى وقال: بل هي البيعةُ التي وقعت بمكة، والقرينة عليه أن فيه
لفظ: ((العصابة)) وهو لا يطلق على ما زاد على الأربعين، وفي لفظ: ((الرهط)) وهو لأقل منه،
فدل على قلة الرجال، فى تلك البيعة؛ فلو كانت تلك ما كانت بعد فتح مكة، لاشترك فيها
ألوفٌ من الناس، لشيوع الإسلام إذ ذاك، فهذه قرينة واضحة على أنها هي التي كانت بمكة،
وحينئذٍ لا يحتاج إلى ما أوّل به الحافظ رحمه الله تعالى أيضاً، من أن ذكر الليلة لتعريف

١٦٢
كتاب الإيمان
الحال، ويبقى الحديث على ظاهره. واستدل الحافظ رحمه الله تعالى على تأخر تلك البيعة
لقرينة أخرى، وقال: ويقوي أنها وقعت بعد فتح مكة، بعد أن نزلت الآية التي في الممتحنة
وهي قوله تعالى: ﴿يَّأَيُّهَا النَّبِىُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَتُ يُبَايِعْنَكَ﴾ [الممتحنة: ١٢] إلخ، ونزول هذه الآية
متأخرٌ بعد قصة الحديبية، بلا خلاف. والدليل عليه ما عند مسلم عن عُبادة في هذا الحديث:
((أخذ علينا رسول الله (وَّ كما أخذ على النساء)) قال الحافظ: بعد سرد الأحاديث: إن هذه أدلة
ظاهرة في أن هذه البيعة إنما صدرت بعد نزول الآية، بل بعد صدور البيعة، بل بعد فتح مكة،
وذلك بعد إسلام أبي هريرة بمدة، وعارضه الشيخ العيني رحمه الله تعالى، بروايات في البيعة
الأولى، وفيها هذه الألفاظ أيضاً، فلم يكن دليلاً على أنها بعد نزول الممتحنة، وإن اشتركت
الألفاظ .
أقول: لا شك أن التبادر إلى الحافظ رحمه الله تعالى، فإن ألفاظَ الحديث كأنها مأخوذة
من سورة الممتحنة. وأجاب الشيخ بوجه آخر أيضاً وقال: ما الدليل على أن المراد من العقوبة
هي الحدود؟ لم لا يجوز أن يكونَ المرادُ منه المصائب(١) الأخرى كما في الحديث: ((أن
الشوكة يشاكها الرجل أيضاً كفارة))، وحينئذٍ يخرج الحديث عن موضع النزاع. واعترض عليه
الحافظ رحمه الله تعالى أن هذه المصائب لا دخل فيها للستر، فما معنى قوله: ((فستره الله))
إلخ، فإنما هي معاملة الرجل في نفسه. قلت: ومن المصائب ما يُشتهر بين الناس كاشتهار
القبائح والخزي، فيحتاج إلى الستر في مثل هذه، وحينئذٍ صح التقابل، واستقام قوله: ((ثم
ستره الله)). ثم رأيت حديثاً في ((كنز العمال)) عن عبد الله بن عمرو بن العاص وفيه: ((فأقيم
الحد)) فهو كفارة له، فهذا صريح في أن المراد منه الحدود، دون المصائب، ولكن في إسناده
تردد وأسقطه ابن عَدِي، وعندي فيه اضطراب أيضاً.
ثم أقول إن الستر على نحوين: الستر عند الناس، وهو في الحدود، والستر عند الله،
وهو بالمغفرة، والإغماض عنه، فالسترُ بهذا المعنى يصح في المصائب أيضاً، ويصح التقابل،
وحينئذٍ حاصله أن من أصاب من ذلك شيئاً ثم غَفَرَ الله له في الدنيا فهو إلى الله، إن شاء عفا
عنه يوم القيامة أيضاً وإن شاء عاقبه. فإن قلت: ما الفرقُ بين الحدود والمصائب، حيث
اخْتُلِف في تكفير الحدود دون المصائب، فإنها مكفرات اتفاقاً. قلت: الفرق عندي أن
الحدود إنما تقام بأسباب ظاهرة كالزنا والسرقة، بخلافِ المصائبِ، فإنها بأسباب سماوية،
ولا تجيءُ بأسباب ظاهرة، فإنك إن ضُرِبت الحد، تعلم أنك فعلت موجبُهُ، فلا يسعُ لك أن
تقول: لم رجمتُ أو لم قطعت يدي؟ بخلاف ما شكيت أو مرضت لا تدري ما موجبه، فيسع
لك السؤال عنه.
(١) قال الحافظ ابن رجب: قوله فعوقب به يعم العقوبات الشرعية، ويشمل العقوبات القدرية، كالمصائب،
والأسقام، والآلام، فإن صح عن النبي ◌َُّ أنه قال ((لا يصيب المسلم نصب ولاهم ولا حزن حتى الشوكة
يشاكها إلا كفَّر الله بها من خطاياه)). اهـ. مختصراً كذا في عقيدة السفاريني ص ٣٢٠ ج ١.

١٦٣
كتاب الإيمان
وهذا كمن ضرب عبده لا عن سبب ظاهر، جاز له أن يقول لسيده: لم ضربتني. فلما
كانت تلك المصائبُ لا عن أسباب ظاهرة، بل عن أسباب سماوية، ويسعُ السؤالُ عنها
بحَسَب الظاهر، جعلَهَا اللَّهُ سبحانه كفارةً رحمةً، على عباده ومِنَةً عليهم، فكأنه جواب عن
قولك: لم ابتليتني بتلك البلية قبل سؤالك عنها، بخلاف ما إذا حُدّ رجلٌ فإنه ليس له أن
يسألَ عنه من أول الأمر، فجاز أن يكون كفارةً، وجاز أن لا يكون كفارة، ولا يتأتَّى فيه
سؤالٍ: لِمَ. وهو ظاهر.
وقال مولانا شيخ الهند رحمه الله تعالى في وجه الفرق: إن المصائبَ وإن كانت كفارةً،
إلّا أنه لا تتعينُ أنها لأي معصية، بخلاف الحدود، فإنها كفارةٌ لما حُدّ له على التعيين عند من
يراه كفارة، فالرجم كفارة للزنا الذي أتى به، وقَطْعُ اليد، كفارة للسرقة التي ارتكبها بخلاف
المصائب، فإنها لا يُدرى بكونها كفارة لمعصية على التعيين.
ثم لي تذكرةٌ مستقلةٌ في الجمع بين حديثي عُبادة رضي الله عنه وأبي هريرة رضي الله عنه
بحيث يَصِح الحديثان من غير احتياج إلى النسخ، وحاصله: أن النبي وَلِّ كان يعلمُ حكمَ
الحدود من حيث العموم، ولم يكن نَزَلَ فيها شيء خاص، فلم يكن يعلم حكمُها من حيث
الخصوص، أما علمه من جهة العموم، فمما نزل عليه في تكفير المصائب مطلقاً، والحدُّ أيضاً
مصيبةٌ بحسَب الظاهر، فينبغي أن تكون كفارةً، كما أن سائر المصائب كذلك، فكأن الحدود
اندرجت تحت هذا العموم. ولما لم يكن نَزَلَ عليه شيءٌ في الحدود خاصة، والقرآن أيضاً لم
يصرح فيها بشيء، توقفَ النبي وَ﴿ وقال: ((لا أدري الحدود كفارات أم لا؟)) أي لا أدري من
حيث الخصوص. ونظيرُهُ أنه و سير سئل عن الخمر في باب الزكاة فقال: ((لم ينزل علي فيه شيء،
غير تلك الآية الجامعة، ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ ﴾ وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا
يَرَؤُ (4))) فذكر القانونَ وبيَّن حكمه من حيث العموم، ونفى عن حكم جزئي، كذلك ههنا،
فحديث عُبادة رضي الله عنه نظراً إلى العمومات، وحديث أبي هريرة في التوقف نظراً إلى
خصوصِ الحُكم.
واعلم أن في حديث الحاكم بعد قوله المذكور زيادة وهي: ((لا أدري التبع كان مؤمناً
أم لا؟ ولا أدري خضر كان نبياً أم لا؟)) وقد كنتُ متحيراً في مراده، فإنه وَّ متى ادّعى علم
جميع الأشياء لنفسه، فإنه إن كان لا يعلم هذه الأشياء، فقد كان لا يعلمُ كثيراً من الأشياء
غيرها، فما معنى نفي علم هذه الأشياء خاصة؟ فلما راجعت القرآن بدا لي مراده، وهو أنّ
القرآنَ ذكرَ الحدود ولم يتعرض إلى كونها كفارة في موضع. وكذا ذكر التبع، وخَضِرٌ عليه
السلام، ولم يتعرض إلى إيمانهما فتبيّن أنه يريدُ نفيَ علمه عما ذُكر في القرآن. أعني أنه إِّ.
وإن كان لا يدري غير واحد من الأشياء، ولكنه خصص هذه بنفي العلم، لكونها مذكورة في
القرآن، ثم لم يعلم النبي صل تفاصيلها، فكأنه يريد أن كثيراً من الأشياء، وإن كنتُ لا
أدريها، ولكن لا علم لي على وجه التفصيل ببعض ما ذكر في القرآن أيضاً، كالتبع، وخضر،
:

١٦٤
كتاب الإيمان
والحدود فإنها مع كونها مذكورة في القرآن، لا أدريها بتفاصيلها، فخصَّها بالذكر لهذا المعنى.
واستدل(١) المدرسون بما في الطحاوي أن النبي ◌َّمٍ أُتِيَ بلص اعترف اعترافاً، ولم يوجد معه
المتاع، فقال له رسول الله وَّه: ((ما أخالُك سَرْقت))، قال: بلى يا رسول الله، فأمر به فقُطِعَ،
ثم جيءَ به، فقال له رسول الله وَّله: ((استغفر الله وتُبْ إليه)) ثم قال: ((اللهم تُب عليه))، فلو
كان الحدُّ ساتراً كما قال به الشافعية، لما احتاج إلى الاستغفار بعده، مع أن النبي ◌َّ أمره
بالاستغفار.
فعلم منه أن الحدودَ أصلُهَا للزجر، وإنما يصير ساتراً بعد لحوقِ التوبةِ.
قلت: وقوله وَله: ((وتب إليه)) يحتمل معنيين: الأول: «وتب إليه))، أي في الحالة
الراهنة، ليصيرَ الحدُّ كفارة لذنبك، وحينئذٍ يتم الاستدلال لأنه دل على أن الحدَّ لم يصر كفارةٌ
بعد، والثاني: معناه في الاستقبال، بأن لا تفعله ثانياً، كما يقال للصبيان عند التأديب: تب
تب، لا يكون معناه إلا الانزجارُ عنه في الاستقبال، وحينئذٍ يخرجُ عما نحن فيه ولا يتم
الاستدلال، والظاهر هو الأول.
واعترض عليه الحافظ أن اشتراط التوبة للتكفير، مذهب المعتزلة، لا مذهب أهل السنة
والجماعة. قلت: كلا، بل المغفرةُ قبل التوبة تحت الاختيار، وبعدها موعودةٌ، فظهر الفرق.
ثم إن البغوي من الشافعية أيضاً قائل به. يعني أن الحدودَ عنده أيضاً سوائرُ بشرط التوبة.
وأصل البحث في القرآن، فرأيت جماعةً من المفسرين اختاروا التكفير، وجماعة أخرى
يختارون أنها زواجر، ويُستفاد من صنيعهم أنهم يأخذونه من القرآن على طريق الاستنباط، وليس
عندهم مذهبٌ منقح، ولذا لا يذكرون مذاهبهم، بل يبحثون كبحث العلماء. أقول: وتفحصتُ
القرآنَ لذلك، وما رأيتُ في موضع أنه ذكر الحدود ثم وعدَ بكونها كفارة، فمن نَظَرَ إلى عدم
ذكر الوعد، ادّعى أنها ليست كفارة، ومن نظر إلى أنهم إذا أُقيمَ عليهم مثلُ هذه العقوبات
(١) قلت وقد سنح لي أوان درس «المشكاة)): أنّ قولَه: فهو كفارة له، ليس حكماً، بل أمرٌ مرجو من رحمة الله، أي
إذا أقيم عليه الحد فقد يرجى من الله سبحانه أن يجعلَها كفارةً له، ويدل عليه ما رواه الترمذيُّ عن علي رضي الله
عنه مرفوعاً: ((من أصاب حداً فعَجَّلَ عقوبَتَهُ في الدنيا، فالله أعدلُ من أن يُثَنَِّ على عبده العقوبةَ في الآخرة، ومن
أصاب حداً فستَرَهُ الله عليه، وعفا عنه، فالله أكرمُ من أن يعودَ إلى شيء قد عَفَا عنه)). فهذا الحديث مشيرٌ إلى أن
كونَ الحد كفارةٌ، ليس بحكم، ولكنه أمر مرجو نظراً إلى عدله تعالى، كما أنه مرجو في حال ستره أيضاً، نظراً
إلى كرمِهِ تعالى، ومعلومٌ أنه لا يقول أحد بكونه كفارة في حال الستر، إنما الاختلافُ بعد إقامة الحد، ثم الجزاء
ههنا ((فالله أعدل)).
وفي حديث البخاري: ((فهو كفارةٌ له)) مع اتحاد الشرط، فهو بمعنى واحد، ومعنى التكفير: هو أن الله يُرجى منه
العفو والكفارة، وكذلك الجزاءُ في الجملة الثانية. متعدد مع اتحاد الشرط، وهما أيضاً راجعان إلى معنى واحد،
فالكفارة في كلتا الصورتين أمرٌ مرجوٌ، لا محكوم به قطعاً والله أعلم بحقيقة الحال.
ثم بدا لي: أن قوله: ((لا أدري الحدود كفارة أم لا)) كقوله ◌َّله: ((والله لا أدري وأنا رسول الله ما يُفعل بي ولا بكم))
مع كونه عالماً له بوجه، وكقوله تعالى: ﴿وَإِنْ أَدْرِى أَقَرِيبُ أَمْ بَعِيدٌ مَّا تُوعَدُونَ﴾ فاعلمه.

١٦٥
كتاب الإيمان
الشديدة كالرجم والقطع، فينبغي أن تكون مكفراتٌ أيضاً، ذهب يدّعي أنها مكفرات. وكبيرُ
نزاعِهم في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا جَزَاؤُاْ أَلَّذِينَ يُحَارِبُونَ اَللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [المائدة: ٣٣] إلخ، وفيه تصريحٌ
بعد ذكر حدِّهم: أن لهم في الآخرة عذاب عظيم، فكأنهم لم يرتفع عنهم العذابُ بعد إقامة الحد
أيضاً، وهذا يُشعر بعدم كونها مكفرات. ولهذا جَزَمَ البغوي بعدم كون الحدود مكفرات (١).
قلت: ولي فيه تردد(٢)، لأنهم اختلفوا في شأن نزولها ففي الصحيحين: أنها نزلت في
العُرَنيين، ومعلوم أنهم كانوا ارتدُّوا بعد إسلامهم، وحينئذٍ فالآية خارجةٌ عن موضع النزاع، لأن
المسألةَ إنما كانت في المسلمين. أما التكفيرُ في حق الكفار، فلم يقل به أحد. وقيل: الآية
في قُطَّاع الطريق، وإليه ذهب الجمهور، وهو المنقولُ عن مالك رحمه الله تعالى. وحينئذٍ يتمُ
الاستدلال، لأن قطعَ الطريق يمكن من المسلمين أيضاً.
قلت: والآية عندي في حق العُرنيين، إلّا أن الآية لم تأخذ ارتِدَادهم، وكفرهم في
العنوان، بل أدارت الحكم على وصفِ قطع الطريق، فيدور الحكمُ أيضاً على قطع الطريق. ولا
يقتصرُ على المرتدين والكفار فقط. ومع ذلك أقول: إن استدلال البغوي ضعيفٌ، لأني أجدُ
المعصية الواحدة تختلف شدَّةً وخفة، باعتبارٍ حال الفاعلين. وهذا معقول، فقد تكونُ المعصيةُ
من المؤمن، ويخف العقاب عليها رعايةً لإيمانه، وتكون تلك المعصيةُ بعينها من الكفار، ويُزاد
في عقوبته لحال كفره. وعليه جرى العرفُ فيما بيننا أيضاً، فلا نؤاخذُ حبيبنا على أمرٍ ارتكبه،
كما نؤاخذُ به عدونا على ذلك الأمر بعينِهِ. وحينئذٍ يمكن أن يكونَ ذكرُ العذاب في الآخرة جرى
لحالٍ كفرهم، فإن المعصيةَ تزدادُ شَنَاعَةً بحسَبَ الفاعلين، فقطعُ الطريقِ من المسلمين شنيعٌ،
وهو من المرتدينَ أشنع. فيمكن أن يكون جَرَى ذكرُ العذاب لحالِ الفاعلين، لا لحال الفعل.
(١) وذكر ابن جرير الطبري في هذه المسألة اختلافاً بين الناس، ورجح أن إقامةَ الحدِّ بمجرده كفارة، ووَهَن القول
بخلاف ذلك جداً. قال الحافظ رجب: وقد رُوي عن سعيد بن المسيب وصفوان بن سليم أن إقامة الحد ليس
بكفارة، ولا بد معه من التوبة. ورجحه طائفة من المتأخرين، منهم: البغوي وأبو عبد الله بن تيمية رحمه الله
تعالى في تفسيريهما، وهو قول أبي محمد بن حَزْم. والأول قول مجاهد، وزيد بن أسلم، والثوري والإمام
أحمد رحمه الله تعالى. اهـ. عقيدة السفاريني ص ٣٢٠ ج ١.
-
(٢) قال الطحاوي رحمه الله تعالى في ((مشكل الآثار)) بعد ما أخرج عن ابن عباس أنّ الآية ﴿إِنَّمَا جَزَاؤُا الَّذِينَ يُحَارِبُونَ
اَللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ إلخ [المائدة: ٣٣] نزلت في المشركين، ثم أخرجَ قصة العُرَنيين عن أنس رضي الله عنه ثم قال: إن
الحديثَ الأول من هذين الحديثين يدلُّ على أن الحكمَ المذكورَ فيه في المشركين إذا فعلوا هذه الأفعال، لا
فيمن سواهم. وفي الحديث الثاني أن العقوبة في ذلك كانت عند أنس رضي الله عنه بكفر، إذ كانت تلك الأفعالُ
مع الرِّدة لا مع الإسلام. ثم ذكرَ ما هو الوجهُ عنده فقال: إن قوله تعالى المذكور فيه جزاءٌ لمن أصاب تلك
الأشياء، التي تلك العقوبات عقوبات لها، وقد تكونُ تلك الأشياء ممن ينتحلُ الإسلام وممن سواهم، فوجب
استعمالُ ما في هذه الآية على من يكون منه هذه المحاربة، والسعي المذكورُ فيه إلى يوم القيامة، من أهلِ الملة
الباقين على الإسلام، ومن أهل الملة الخارجين عن الإسلام إلى غيره، ومن أهل الذمة الباقين على ذمتهم، ومن
أهل الذمة الخارجين عن ذمتهم، كما دخل أهلُ هذه الفرق جميعاً في الآية التي بعدها، وهي قوله تعالى:
﴿وَلْشَارِقُ وَالسَّارِقَةُ﴾ إلخ)). انتهى. مختصراً ص ٣١٧ ج ١.

١٦٦
كتاب الإيمان
وعلى هذا لا دليلَ في الآية على أن المسلمَ لو فعل ذلك، والعياذُ بالله، ثم حُدّ حدَّه،
كان له عذابٌ في الآخرة أيضاً، لأنه ليس جزاء للفعل. على هذا التقدير، بل الشَّنَاعة في الجزاءِ
بشناعةُ الفاعلين. وهذا موضعٌ مشكلٌ جداً يتحير فيه الناظر، فإنّ الآية تكونُ عامّةً بحكمِهَا، ثم
تشتملُ على بعض أوصاف المورد، فيحدث التردد، هل هي معتبرةٌ في الحكم أيضاً أم لا ،
فيعتبرُهَا واحداً ويُجري الحكمَ على المجموع، ويقطعُ عنها النظرَ آخر، ويزعمُ أن تلك
الأوصافَ مخصوصةٌ بالمورد، ويأخذ الحكمُ العام، ويُعدِّيه إلى غيره، مما ليس فيه هذه
الأوصاف، وهذا مما يتعسرُ جداً، وكثيراً ما يقع في القرآن مثل ذلك، فإنه يُبيِّن حكماً عاماً،
ويومي إلى الوقائع أيضاً ليبقى له ارتباط بالموضع والمورد أيضاً، فإذا ركب عبارةً تعطي حكماً
عاماً مع الإيماءات إلى الوقائع تعسر إدارة الحكم على بعضها، وترك بعضها، وإدارة الحكم
على المجموع، فاعلمه فإنه مهمٌ جداً .
وهناك آية أخرى تتعلقُ بموضوعنا: ﴿فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ نَّوْبَةً مِّنَ
اللَّهُ﴾ [النساء: ٩٢] ومعناه عندي: أن إيجابَ الصيام عليه ليخافَ ويقلعَ عنه في المستقبل، ويندم
ولا يعود إليه ثانياً، وحينئذٍ يكون ذلك الصيام مغفرة له، لا أن مجردَ الصيام مغفرة له. وآية
أخرى: ﴿وَالْجُرُوِحَ قِصَاصُّ فَمَن تَصَذَّفَ بِهِ، فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَّمْ﴾ [المائدة: ٤٥]، وقوله تعالى:
﴿فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَّهُ﴾ قال التفتازاني في المطول: إن التنوين في المسند على الأصل، فلا تحتاج
إلى نكتة، أقول: إلا تنوين المنعوت، فإنها لا تخلو عن نكتة، بخلاف التنوين في المُسند إليه،
فإنها لما كانت على خلافِ الأصل، لا تخلو عن نكتة مطلقاً، فالتنوين في المسند المنعوت كما
في قوله :
صح أن الوزير بدر منير
إذ توارى كما توارى البدور
وفي المُسْنَد إليه، كما في قول عمرو بن أبي ربيعة المخزومي.
وغابت قمير كنت أرجو غيابها
وروح وريحان ونوم وسمر
وعلى هذا فالتنوين في قوله: ﴿كَفَّارَةٌ لَّهُ﴾ يفيد أن في الحدودِ تكفيراً ما، فإن التنوينَ
فيه ليس حشواً، على أن لفظَ الكفارة يدلَ على الستر، لا على التطهير كل التطهير، فلا دلالة
في الحديث على أن الحدودَ مكفراتٌ بالكلية، بل على أن فيها شيئاً من التكفير والستر، ولعل
الحنفية أيضاً لا ينكرونه(١).
تنبيه: واعلم أنه لا ينبغي أن يُبحثَ في الحديث عن المعاني الثواني، والمزايا، وأن يدارَ
عليها المسائل، فإن الحق عندي: أن لفظَ الحديث ليس بحجةً في هذا الباب، لفشو الروايةِ
بالمعنى، فلا يتعين أنه من لفظه ◌َّلتر، أو من تلقاء الراوي، فينبغي أن تؤخذَ الأحكامُ من القدر
(١) وإنما قالوا: إنها للزجر كما يدل عليه ما في ((المشكاة) عن جابر رحمه الله تعالى: أن سارقاً لما جيء به في
المرة الرابعة أمر به أن يقتلَ، لأن المقصودَ من إجراءِ الحد كان الانزجار، ولما لم ينزجر، أمر بقتله، وتطهيرٍ
الأرض من وجوده.

١٦٧
كتاب الإيمان
المشترك، وتُدَار عليه. وإنما ذكرت ههنا مسألة المعاني، وأيدت منها للمذهب لثبوتها من دلائل
أخرى، وما جعلته مداراً، واستدلالاً .
والفَصْلُ عندي: أن الأحوالَ بعد إقامة الحد ثلاثة: فإن تابَ المحدودُ بعده، صار الحد
كفارةً له بلا خلاف. وإن لم يتبْ فلا يخلو، إما أنه انزجر عنه واعتبر به ولم يَعُد إليه، فقد صار
كفارةً أيضاً وإن لم يبال به مبالاةً ولم يزل فيه منهمكاً كما كان، وعاد إليه ثانياً؛ فلا يصير كفارةً
له. ولذا صلى النبيُّ وَّل على امرأة غَامِدِية وقال: ((لقد تابت توبةً لو قُسِمَتْ على أهل المدينة
لَوَسِعَتْهم)). ولما لم تظهر تلك السماحةَ من مَاعِز رضي الله تعالى عنه، وعلم منه تأخر ما عند
إقامة الحد، لم يصل عليه. فهذه أحوالٌ فليراعها، وهذا كالإسلام، إن اشتمل على التوبة هدمَ
ما سبق منه من المعاصي، وإلا أُخِذَ بالأول والآخر، فإذا كان حالُ الإسلام الذي هو من أعظمُ
المكفِّرَات ما قد علمت، فما بالُ الحدود التي تكفيرها مختلف فيه؟! ولما كانت الحدود
تتضمنُ التوبة في عامة الأحوال، وقلما تكون أن تجرى عليه هذه العقوبات، ثم لا يتوبُ في
نفسهِ ولا ينزجِرُ، سيما في عهد الصحابة رضي الله تعالى عنهم حُكِمَ في الأحاديث بكونها كفارة
مطلقاً (١).
١٢ - باب مِنَ الدِّينِ الفِرَارُ مِنَ الفِتَنِ
١٩ - حدّثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، عَنْ مَالِكِ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمُنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ
الرَّحْمُنِ بْنِ أَبِي صَعْصَعَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي سَعِيدِ الخُدْرِيِّ، أَنَّهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ
اللَّهِ وَ ((يَوْشِكُ أَنْ يَكُونَ خَيرُ مالِ المُسْلِمِ غَنَماً يَتْبَعُ بِهَا شَعَفَ الجِبَالِ وَمَواقِعَ القَظْرِ،
يَفِرُّ بِدِينِهِ مِنَ الفِتَنِ)). [الحديث ١٩ - أطرافه في: ٣٣٠٠، ٣٦٠٠، ٦٤٩٥، ٧٠٨٨].
قد يأخذ المصنفُ رحمه الله تعالى لفظاً من الحديث، ويركِّبُ منه ترجمة بقطعة من
الحديث، ويريدُ أن يجعلَهَا مفيدة، فيضيفُ إليها جُملة من عنده، ويدخل عليها: ((من))
(١) بل أقول: إن بذلَهم أنفسهم لإقامة الحدود وإجراء حكم الله تعالى عليهم، من أعظم التوبة. كيف لا؟ !! وقد
سمّاه النبي ◌َّ توبةً في حديث الغَامِدِية، فقال: ((لقد تابت توبة ... الخ)) وإليه أشار السفاريني في عقيدته فقال
في الرجل الذي أصاب حداً، وجاء معترفاً وقال: أصبت حداً ... إلخ، إن هذا الرجل جاء نادماً، تائباً، وأسلم
نفسَه إلى إقامة الحد عليه، والندمُ توبةٌ، والتوبةُ تكفر الكبائر بغير تردد. أهـ.
وبالجملة إنا قد علمنا من حال الصحابة رضي الله عنهم: أن أحداً منهم إذا أقيم عليه الحدُّ كان حدُّه يتضمن التوبةَ
بلا مرية، وحينئذٍ لا خلاف في كونه كفارة، وكذا كل مَن يُقام عليه الحد، فإنه يتوبُ في نفسه، فإن الندم توبته،
وهو أمر قلبي لا يستدعي التلفظ به، وقلما يكون رجلٌ يقام عليه الحد، ثم لا يتوب إلى الله تعالى ولا يندم، بل
يُصرُّ على المعصية، فلا عليه أن يؤخذَ بالأول والآخر، ولا يغفر له ذنبه. والغرضُ منه أن النزاع بين العلماء قد
يرجعُ إلى نزاع ذهني، وذلك لعزة مصدَاقِهِ في الخارج، وحينئذ ينبغي أن لا يجهر به كما سمعت عن الشيخ
رحمه الله تعالى في حديث ((الأعمال بالنيات)) فإنه لا خلاف فيه إلا في جزئي نادر، قلما يتفقُ أن يقع، ونظيره
مسألة الباب، والله تعالى أعلم بالصواب.

١٦٨
كتاب الإيمان
التبعيضية، لتكون له دليلاً على تركب الإيمان. ونقول من جانب الحنفية: إنها ابتدائية كما مر
تقريره. ((والفتنة)) شيءٌ يقع به التمييز بين الحق والباطل وبحث في (الإحياء)) أن العُزلة أفضل أو
الخُلْطة؟ قلت: بل هو مختلِفٌ باختلاف الأحيان والأزمان ويُستفاد من الحديث أن العُزْلَة تكون
أفضلَ في زمان مخافة أن تجرحَ الفتن دينه. والفتنة هي التي لا يُعلم سوء عاقِبَتِها في أول
أمرها، ثم ينكشِفُ بعد حين وغرض البخاريُّ أن صيانتَه دينه من الفتن، وإن كان بعد حصولٍ
الدِّين، لكن ليس ذلك من الدِّين وأجزائه.
١٣ - بابُ قَوْلِ النَّبِيِّ نََّ: ((أَنَا أَعْلَمُكُمْ بِاللَّهِ))
وَأَنَّ المَعْرِفَةَ فِعْلُ القَلبِ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَلَكِن يُؤَاخِذُكُمْ بِّ كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ)
[البقرة: ٢٢٥].
العلمُ، والمعرفةُ، واليقينُ قد يطلق على الأحوال أيضاً، والعلوم لا تكون أحوالاً إلا بعد
استيلائها، وحينئذٍ تكون عينَ الإيمان، وهو المراد في قوله ◌َُّ: ((من ماتَ وهو يعلمُ أن لا إله
إلا اللَّهُ)) ... إلخ، فالعلم ههنا بمعنى الإيمان، أي يؤمنُ بتلك الكلمة وكذا في قوله تعالى:
﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَوْاْ﴾ [فاطر: ٢٨] وهم المؤمنون الذين رَسَخَ العلم في بواطنهم،
وأُشْرِبَ به قلوبهم، وخالطت بها بشاشته، فأوجد فيهم نوراً، وحلاوة، وانبساطاً، فإن أريدَ به
هذا النحوُ من العلم الذي هو من الأحوال، وهو الذي يستوجبُ العملَ، فهو عينُ الإيمان،
وزيادتُهُ تكون دليلاً على زيادة الإيمان، ونقصانُهَ على نقصانه، وإلا فالاستدلال منه على طريق
إلحاق النظير بالنظير، يعني كما أن في العلم مراتب، كذلك في الإيمان أيضاً، فإن العلمَ سببُ
الإيمان، فإذا ثبت التشكيك في السببِ، ينبغي أن يثبتَ في مسبِهِ، أي الإيمان أيضاً .
(وأن المعرفة فعل القلب(١)) إن كان المرادُ من المعرفة هي الاضطرارية، كما في قوله
تعالى: ﴿يَعْرِفُونَهُ, كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمّ﴾ فهي ليست بفعلٍ بالمعنى اللغوي، لأن أهلَ اللغةِ لا يسمون
فعلاً إلا الاختياري، وإن كان المرادُ منها ما تتقررُ بُعد التكرر، وتغلبُ على الجوارح، وتكونُ
(١) وذهب الرازي: إلى أن العلمَ فعلٌ، ويُستفاد ذلك من كلام البخاري أيضاً، حيثُ جعلَ المعرفةَ فعل القلب،
والتصديقُ الاختياري الذي هو أحد قسمي التصديق عند صدر الشريعة، هو أيضاً فعل. وأما التفتازاني فقد علمتَ
أنه جعلَ التصديق غير الاختياري من أقسام التصور. قلت: وحينئذ كان الواجبُ عليه أن يقيدَ المَقْسَم
بالاختياري، لئلا يلزمُ عليه تقسيمَ الشيء إلى نفسه، وإلى غيره، فإن التصور ليس قسماً من التصديق، ثم لا
يكون ذلك الاختياري إلا فِعلاً. وذهب الصدر الشيرازي في «الأسفار الأربعة)»: إلى أن العلومَ كلها فعلٌ، وهو
عندي حاذقٌ، وما يهزأُ به بحرُ العلوم، فلعدمِ اكتناهِهِ كلامَه.
ومن علوم الشيرازي أنه قال: إن الصورَ العلمية ليست قائمةً بالنفس، ولكنها حاضرةٌ عندها حضورَ المصنوع عند
الصانع، والمخلوق عند الخالق، وإن النفس تنشىء الصورَ، كما أن الباري تعالى ينشىء المخلوقات، وإن النفس
الناطقةَ ماديةٌ في حقيقتها، وإنما تتدرجُ إلى التجردِ بالرياضات. هكذا في تقرير الفاضل عبد القدير الكاملفوري من
تلامذة الشيخ رحمه الله تعالى.

١٦٩
كتاب الإيمان
مكسوبة، فهي فعلُ القلب قطعاً، وعينُ الإيمان، إلا أن الأوضحَ حينئذٍ أن يقول: وإن الإيمان
فعل القلب، لأنه أدلُ على مراده، ولكنه يتفنَنُ في أداء المقصود، فتارة، وتارة. وهو المراد بما
نُقل عن إمامنا رضي الله تعالى عنه في ((الإحياء)): أن الإيمان معرفة، وهكذا رُوِي عن أحمد
رضي الله تعالى عنه أيضاً، إلَّا أنه إذا نُقل عن الإمام الهُمام رحمه الله تعالى جعلوا يُنكرونَ
عليه، وإذا جاء عن أحمد رحمه الله تعالى مروا به كِرَامًاً.
أصم عن الشيء الذي لا أريده وأسمع خلق اللَّه حين أريد
وقد مر نُبذة من الكلام عند تحقيقِ محل الإيمان، وإن الأولى أن يقول المصنف رحمه الله
تعالى: وإن الإيمانَ فعلُ القلب، فراجعه. وقد يتخايل أنه أراد منه الرد على المعتزلة، فإنهم
قائلون: بأن المعرفةَ أولُ الواجبات، ثم الإيمان كما مر، فالمصنفُ يردُّ عليهم بأن المعرفة هي
فعلُ القلب، فتكون عينَ الإيمان، فهي الواجبُ الأول، لا أن المعرفةَ أمرٌ وراءَ الإيمان، لتكون
أولَ الواجبات هي، ثم يكون الإيمانُ بعده واجباً آخر.
﴿وَلَكِن يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ وتقريرُ الاستشهاد على كون المعرفةِ فعلُ القلب، بأن
فيها إسنادُ الكسب إلى القلب، فكما أن الكسبَ فعلٌ، كذلك المعرفةُ أيضاً من فعله ومكسوباتِهِ،
فمن اعترض عليه بأن الآية في الأيمان لا في الإيمان فهو غافل عن طريقته في الاستدلال.
٢٠ - حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ سَلام البيكنديُّ قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدَةُ، عَنْ هِشَامِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ
عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ بِّهِ إِذَا أَمَرَهُمْ، أَمَرَهُمْ مِنَ الأَعْمَالِ بِمَا يُطِيَّقُونَ، قَالُوا: إِنَّا
لَسْنَا كَهَيئَتِكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنَّ اللَّهَ قَدْ غَفَرَ لَّكَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّر، فَيَغْضَبُ حَتَّى
يُعْرَفَ الغَضَبُ فِي وَجْهِهِ، ثُمَّ يَقُولُ: ((إِنَّ أَتْقَاكُمْ وَأَعْلَمَكُمْ بِاللَّهِ أَنَا)).
٢٠ - (أمرهم بما يطيقون) وهو طريق الحكيم، أي التشديدُ على نفسه، والتيسير على
غيره، وهو طريق الأنبياء.
(يا رسول اللَّه) ولم أر صيغة الصلاة في كلامهم عند الخطاب، نعم في الغَيْبَة، وهكذا
ينبغي أن يُقتفى آثارهم عند القراءة، فلا يَتَلَفظُ بها في مواضع الخطاب، وهو الرسمُ في الكتاب.
﴿قد غفر الله لك﴾ ... إلخ وجوَّزَ الأشاعرةُ(١) وقوعَ الصغائرِ من الأنبياء عليهم الصلاة
والسلام قبل النبوة وبعدها، سهواً بل عمداً أيضاً، ونفاها الماتْرِيديةُ مطلقاً. والجواب عن الآية
(١) قال في عقيدة السفاريني قال الحافظ زين الدين العراقي: النبي ◌َّ* معصومٌ من تعمدِ الذنب بعد النبوة بالإجماع،
وإنما اختلفوا في جواز وقوع الصغيرة سهواً، فمنعه الأستاذ أبو إسحاق الإسفرايني، والقاضي عياض، واختاره
تقي الدين السبكي، قالَ: وهو الذي نَدِينُ اللّهَ به. انتهى مختصراً. وقال العلامة التفتازاني: وفي عصمتهم من
سائر الذنوب تفصيل، وهو أنهم معصومون عن الكفر قبل الوحي وبعده بالإجماع، وكذا عن تعمُّدِ الكبائر عند
الجمهور، خلافاً للحَشَوِية، وأما سهواً فجوز الأكثرون. قال: وأما الصغائر فيجوزُ عمداً عند الجمهور، ويجوزُ
سهواً بالاتفاق إلا ما يدل على الخساسة هذا كله بعد الوحي، قال: وأما قبلَه فلا دليل على امتناع صدور
الكبيرة. انتهى مختصراً.

١٧٠
كتاب الإيمان
عندي: أن الذنبَ غيرُ المعصية، وههنا مراتب، بعضها فوق بعض، ووضع لكلِ لفظ، فالمعصيةُ
عدولٌ عن الحكم، وانحرافٌ عن الطاعة، ومخالفةٌ في الأمر، وترجمته: "نافرمانى" فهذا
أشدها. ثم الخطأ، وهو ضِدُّ الصواب، وترجمته في الهندية: "نادرست". ثم الذنب، وهو
أخفها، ومعناه: العيب، فالسؤال ساقطٌ من أولِ الأمر، لأن في الآية ذكرُ مغفرة الذنوب، أي ما
يعدُّ عيوباً في ذاته الشريفة، وشأنِهِ الرفيعة. وقد سمعت: أن حسناتِ الأبرار سيئاتِ المقربين،
فلعل ذنوبه من هذا القبيل. فالبحث ههنا بالصغائر والكبائر فى غير موضعه، فإن هذا التقسيم
يجري في المعصية، دون الذنوب بالمعنى اللغوي، بل هو موهم بخلافِ المقصود. ثم ههنا
إشكالان.
الأول: أن الأنبياءَ عليهمِ الصَّلاة والسَّلام كلهم مغفورون، فما معنى التخصيصُ في حقه
فقط، مع كونهم مغفورين أيضاً. والثاني: أن مغفرةً ما تأخر مما لا يُفهم معناه، فإنها تقتضي
وجودَ الذنوب أولاً، ولم توجد بعد. والجوابٍ عن الأول: أن الذي هو مختصِّ به هو الإعلان
بالمغفرة فقط، أما نفس المغفرة فقد عمتهم كلَّهم، وذلك لأنه قد أبيحت له الشفاعة الكبرى،
وقُدِّر له المقام المحمود، فناسب الإعلان بها في الدنيا، ليثبِّتَ فؤادَه يوم الفزع الأكبر، ويسكن
جأشه، ولا ترجف بوادره، فلا يتأخر عن الشفاعة الكبرى، التي هي منزلته ومقامه، ولو لم يعلن
بها في الدنيا، لتذكَّر ذنوبه أيضاً كما تذكروا، ولما تقدم إليها كما لم يتقدموا، فلما حلت به
المغفرة التي لم تغادر شيئاً من ذنوبه، وأعلن بها عن المنائر والمنابر، إلى يوم الحشر، علم أنه
هو المأذون فيها. وهو النبي الآسي والرسولُ المُوَاسي: ولهذا المعنى لما عرضت الشفاعة على
النبيين قالوا: ائتوا محمداً، فإنه قد غفر له ما تقدم من ذنبه، فذكروا هذا الوصف، فالإعلان
والاطلاع لهذا، لا لأن المغفرةَ لم تشملهم.
والجواب عن الثاني: أما أولاً فبالمنع بأن يقال(١): إنا لا نُسلِّم أن المغفرة تستدعي وجودَ
الذنوب أولاً، بل المغفرة على ما يأتي، بمعنى أنك إن صدر عنك ذنب لن نؤاخذه منك، فهي
بمعنى عدم المؤاخذة. وأما ثانياً: فبأن الجميع موجودة في علمه تعالى فصحت المغفرة على
الجميع دفعة، لعدم التقدم والتأخر في علمه تعالى. وثالثاً: إن المغفرةَ من أحكام الآخرة،
وهناك كلها ماضيةٍ، وإن كان في الدنيا بعضها ماضية وبعضها آتية. وحكمة الاطلاع مرّت.
ثم إنه قال الشيخ ولي الله قُدِّس ◌ِرُّه العزيز: إن الوعد بالمغفرة مقتضاه العمل، والاحتياط
لا عدم العمل وترك الاحتياط. ولذا قال النبي ◌َ﴾ حين سئل عن عبادته مع مغفرة ذنوبه: ((أفلا
أكونُ عبداً شكوراً))، فعلم أن مقتضى المغفرة هو الازدياد في العمل شكراً، وهذا يفيدك فيما
قيل في البدريين: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم.
(فغضب) ومَوْجِدَةُ النبي ◌ََّ إنما كان لأن سؤالهم كان مخالفاً للفطرة السليمة، فكان واجباً
عليهم، أن يفهموه من فطرتهم، وهكذا ثبت منه في مواضعَ عديدة، فإذا أخطأ أحدهم في
(١) قلت وهذا الجواب على ما أتذكر ارتضى به الحافظ فضل الله التُّورِبِشْتي في ((شرح المصابيح)).

١٧١
كتاب الإيمان
موضع، لم يكن موضع الخطأ غضب عليه، وإن كان موضعُ الاجتهاد، أغمض عنه، وستأتي
عليك نظائره.
(أنا أعلمكم) فمن كان علمه زائداً كانت عبادتُهُ أيضاً مَرضِيَّة، لأن العبادةَ اسمٌ للطاعة
حسب رضى المطاع، فمن كان أزيد علماً برضى المطاع، كان أفضلُ عبادةً، فإن التقرب يتوقف
على معرفة رضاء المطاع، والزمان، والمكان، لا على تَحمُّل المشقة؛ فإن الشيءَ الواحدَ قد
يكون أرضى لأحد، ولا يكون لآخر، وكذا يكون أرضى له بزمان، دون زمان. فمعرفة هذه
الأشياء هي الأهم، فإن الصلاة مشهودةٌ محضورةٌ، وهي عند الطلوع والغروب. مردودةٌ
محظورة، فاعلمه فإن الطبائِعَ السافلة يتحرون الفضل في تحمّلِ المشاق، ولذا قيل: إن بعض
الأولياء وإن كانوا أزيدَ طاعة كماً، لكنهم أنقصَ كيفاً عن الأنبياء بمراتب لا تحصى.
كما عند الترمذي في كتاب الدعوات(١): أن بعضهم كان يسبح الله في كل يوم مائة ألف
مرة. وكان أبو يوسف رحمه الله يُصلي مائتي ركعة كل يوم في زمن قضائه، ولا حاجة لنا إلى
ذكر ما عند الأولياء من إحياء الليالى وقيامها، وترك الاستراحة، والتبتل إلى الله عز وجل،
والاعتزال عن الناس، فإنها أغنى عن البيان.
(وأتقاكم) أي تحرزاً عن الشبهات والمناهي، وتصدياً إلى تقرب الله تعالى.
١٤ - باب مَنْ كَرِهَ أَنْ يَعُودَ فِي الكُفرِ
كَمَا يَكْرَهُ أَنْ يُلقَى فِي النَّارِ مِنَ الإِيمَانِ
٢١ - حدّثنا سُلَيمَانُ بْنُ حَرْبِ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ
عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ ◌ََّ قَالَ: ((ثَلَاثٌ مَنَّ كُنَّ فِيهِ وَجَدَ حَلَاوَةَ الإِيمَانِ: مَنْ كَانَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ
أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا، وَمَنْ أَحَبَّ عَبْدَاً لَا يُحِبُّهُ إِلَّا لِلَّهِ، وَمَنْ يَكْرَهُ أَنْ يَعُودَ فِي الكُفرِ،
بَعْدَ إِذْ أَنْقَذَهُ اللَّهُ كَما يَكْرَهُ أَنْ يُلقَى فِي النَّارِ)).
والأَّوْلى أن يجعل الجملة بألفاظِهَا مبتدأ، ومن الإيمان خبره. وأراد به البخاري رحمه الله
تعالى الردّ على من ظن أن الاجتنابَ عن الكفر لا يكون إلا بعد تمامية حقيقة الإيمان، كباب
المفسدات في الفقه، فإنه يكون بعد باب صفة الصلاة، فهكذا الاجتنابُ لا ينبغي أن يكون
بعده، فنّه على أنه مع كونه بعد الإيمان من الإيمان.
١٥ - بابُ تَفَاضُلِ أَهْلِ الإِيمَانِ فِي الأَعْمَالِ
٢٢ - حدّثنا إِسْمَاعِيلُ قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ عَمْرِو بْنِ يَحْيِى المَازِنِيِّ، عَنْ أَبِيهِ،
عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُذْرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ ◌ََّ قَالَ: ((يَدْخُلُ أَهْلُ الْجَنَّةِ الجَنَّةَ،
(١) رواه في باب ما جاء في الدعاء إذا انتبه من الليل قال: كان عمير بن هانىء يُصلي كل يوم ألف سجدة، ويسبحُ
مائة ألف تسبيحة اهـ.

١٧٢
كتاب الإيمان
وَأَهْلُ النَّارِ النَّارَ، ثُمَّ يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: أَخْرِجُوا مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ حَبّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ مِنْ
إِيمَانٍ، فَيُخْرَجُونَ مِنْهَا قَدِ اسْوَدُوا، فَيُلِقَوْنَ فِي نَهَرِ الحَيَا، أَوِ الحَيَاةِ - شَكَّ مَالِكٌ -
فَيَنْتُونَ كما تَنْبُتُ الحِبَّةُ فِي جانِبِ السَّيلِ، أَلَمْ تَرَ أَنَّهَا تَخْرُجُ صَفْرَاءَ مُلْتَوِيَةٌ؟)).
قَالَ وُهَيبٌ: حَدَّثَنَا عَمْرٌو: الحَيَاةِ، وَقَالَ: خَرْدَلٍ مِنْ خَيرٍ. [الحديث ٢٢ - أطرافه في:
٤٥٨١، ٤٩١٩، ٦٥٦٠، ٦٥٧٤، ٧٤٣٨، ٧٤٣٩].
واعلم أن هذه الترجمة لها ارتباط بما تأتي ترجمة أخرى بعدها، وهي: باب زيادة الإيمان
ونقصانه ... إلخ. وأخرج المصنف رحمه الله تعالى تحتها حديثَ أنس رضي الله عنه بمعنى
حديث الباب، ثم عبّر بالتفاضل ههنا، والزيادة هناك.
وقوله: (تفاضل أهل الإيمان في الأعمال) ههنا على حد قولهم: تفاضل أهل العلم في
المعاني والفقه، فلا يردُ أن العملَ إذا كان عينَ الإيمان عنده وداخلاً فيه، كان مآلُ الترجمة إلى
تفاضل الإيمان في الإيمان، والمفاضلة بين الشيءٍ ونفسه محال، فما معنى التفاضل في العمل؟
فإن الفصاحةَ أيضاً داخلةٌ في العلم، ومع ذلك صح قولهم: تفاضل أهل العلم في الفصاحة،
فكذلك صح إطلاق التفاضل ههنا أيضاً، وإن كان العملُ داخلاً في الإيمان، ثم إن لفظ التفاضل
يستعمل فيما بين الأنبياء، وسور القرآن، ولا يقال فيها: إن هذه زائدة وتلك ناقصة، وكذلك في
الأنبياء عليهم الصَّلاة والسَّلام أيضاً، ولذا قال تعالى: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضِ﴾
[البقرة: ٢٥٣] ولم يقل: زِدْنا لإبهامه التنقيصَ في الجانب الآخر، والأنبياء عليهم الصَّلاة
والسَّلام ليس فيهم دُون ونقص، بل لم أر لفظَ النقصان في الإيمان أيضاً، إلا في آثار عند
السفاريني.
والحاصل: أن التفاضل في الأشخاص، والزيادة والنقصان في المعاني، فالمصنف
رحمه الله تعالى نَظَرَ في هذه الترجمة إلى حال العاملين، فوضع التفاضلَ بينهم. وفيما يأتي نظر
إلى نفس الإيمان، فوضع لفظً الزيادة والنقصان؛ لأنهما يُستعملان في المعاني، ثم أقول في
تمايز الترجمتين: إنه تعرض في هذه الترجمة إلى تفاضل الأعمال، وإن كانوا في الإيمان سواء،
وفي الترجمة التالية إلى زيادة نفس الإيمان، سواء كانوا متفاضلين في الأعمال أم لا. أو بعبارة
أخرى: إن الكلام في هذه الترجمة في الموصوفين، أي المؤمنين بحسب الأعمال، وفي
الترجمة الأخرى في نفس صفتهم، وهي الإيمان دون الموصوفين، وإن كان ينجر أحدهما إلى
الآخر.
وهذا الكلام على مختارِ الشارحين، أما عندي فتلك الترجمة من أشكل التراجم من
وجوه .
الأول: أن المصنف رحمه الله تعالى فرق في الترجمة على الحديثين، فوضعَ ترجمةً
التفاضل على حديث أبي سعيد رضي الله عنه، وزيادة الإيمان على حديث أنس رضي الله عنه،
مع اتحادٍ مادة الحديثين، وإن كانا متعددين على اصطلاح المحدثين، فإن وحدة الحديث
وتعدده يدورُ عندهم على وحدَةِ الصحابي وتعددهِ، لا على اتحاد مضمون الحديث واختلافه،

١٧٣
كتاب الإيمان
وبهذا المعنى قالوا: إن في مسند أحمد رضي الله عنه ثلاثين ألف حديث.
والثاني: أنه لا ذكر للعملِ في حديث أبي سعيد رضي الله عنه بل فيه ذكر الإيمان فقط،
كما يدل عليه قوله: ((أخرِجُوا مَن كَانَ في قلبه حبة خردلٍ من إيمان)» ففيه ذكر مراتبِ الإيمان
فقط، بخلاف حديث أنس رضي الله عنه، فإن فيه ذكرُ الخيرِ، وهو العمل، ولفظه: ((يخرجُ من
النار من قال: لا إله إلا الله، وفي قلبه وزنُ شعيرةٍ من خيرٍ)) فينبغي أن ينعكس حالُ التراجم،
ويترجم على حديث أبي سعيد بزيادة الإيمان ونقصانه، لعدم ذكر الأعمال فيه، وعلى حديث
أنس رضي الله تعالى عنه بالتفاضل في العمل، لمجيء ذكر العمل فيه، مع أن المصنف
رحمه الله تعالى عكس في التراجم.
والثالث: أن اللفظين إذا وردا في الحديثين، فلم أخرج في الأصل لفظ الإيمان في
حديث أبي سعيد رضي الله تعالى عنه والخيرَ في حديث أنس رضي الله تعالى عنه ولم لم يخرج
في حديث أبي سعيد رضي الله تعالى عنه لفظً الخير في الأصل، والإيمان في المتابعة.
وحاصله: أنه أخرج لفظ الإيمان والخيرِ في الحديثين، وجعل أحدهما أصلاً، والآخر متابعاً،
فلم لم يعكس الأمر؟ ولم يجعل التابع أصلاً؟ والأصلُ تابعاً؟
والرابع: أن مسألة الزيادة والنقصان قد كانت مضت مرة، فلم أعادَها مرة أخرى،
والشارحان لم يتكلما فيه إلا كلاماً سطحياً، مع أن المقام يحتاجُ إلى إيضاح وبيان وإتمام
والحافظ ابن تيمية رحمه الله وإن تكلم في كتابه على مسألة الإيمان مفصلاً، لكنه لم يلتفت فيه
إلى حل تراجم البخاري، ولم يكن ذلك موضوعه، ولو فعل لأحسن.
فأقول: أما الجواب عن الرابع فإنه سهل، وهو أن الترجمةَ السابقة لم تكن في مسألة
الزيادة والنقصان قصداً، بل كانت استطراداً، ولذا لم يُخرِّج لها حديثاً هناك، وههنا قصدي،
فلذا أستدل عليها على نهج كتابه.
وأما الجواب عن الثالث: فهو أنه من علوم المصنف رحمه الله تعالى ولا ندري ما وجهه.
وأما الجواب عن الأول، والثاني، فلا يتضح إلا بعد المراجعة إلى حديثهما عند مسلم،
وسأذكره، ولكن أذكر أولاً جوابَ الحافظ، قال الحافظ رحمه الله تعالى في الجواب عن
الأول، والثاني، ما حاصله: إن الحديثين لما كانا صالحين لزيادة الإيمان ونقصانه، والتفاضل
في الأعمال، ترجم بكل من الاحتمالين، وخصَّ حديث أبي سعيد رضي الله تعالى عنه بالتفاضل
في الأعمال؛ لأنه ليس في سياقِهِ ذكرُ التفاوت بين مراتبِ الإيمان، فلم تناسب به ترجمةُ الزيادة
والنقصان، بخلاف حديث أنس رضي الله تعالى عنه ففيه التفاوت في الإيمان القائم بالقلب، من
وزن الشعيرة، والبُرَّة، والذرة.
وأجاب عن الرابع: أن الزيادة والنقصان فيما مر كان في الإيمان، وأراد ههنا أن يتكلم
في زيادة نفس التصديق ونقصانه. قلت: ما ذكره الحافظ رحمه الله تعالى لا يغني شيئاً؛ لأن
المصنف رحمه الله تعالى لم يتكلم في زيادة الإيمان باعتبارِ نفسِ التصديق بحرف، وإنما اختار
تركُّب الإيمان والزيادة فيه، سواء كانت من تلقاء الأجزاء، أو الأسباب، ولذا لم يقابل بين

١٧٤
كتاب الإيمان
التصديق، والأعمال، ليقال: إنه أراد في حديث أنس رضي الله تعالى عنه إثبات الزيادة
والنقصان في نفس التصديق، وإنما الزيادةُ والنقصان عنده باعتبار المجموع؛ فإذن توجيه الحافظ
رحمه الله تعالى من باب توجيه القائلِ بما لا يرضى به قائله.
وكذا جوابه عن الأول، والثاني، غير نافذ؛ لأن تفاوتَ الموزونات وذكرُ المراتب ورد في
حديث أبي سعيد رحمه الله تعالى أيضاً كما هو عند مسلم، ولئن سلَّمنا أن تفاوت المراتبٍ ليس
في طريق المصنف رحمه الله تعالى خاصة، فلا يصح الجواب أيضاً؛ لأنه لا ذكر للأعمال في
حديث أبي سعيد رضي الله تعالى عنه عنده، كما أنه لا ذكر فيه لمراتب الإيمان، فحديثه لا
يصلح لترجمة التفاضل، كما أنه لا يصلح لترجمة الزيادة والنقصان، فكيف ترجم بالتفاضل في
الأعمال؛ فكلام الحافظ رحمه الله تعالى يصلح جواباً عن عدم ترجمته بالزيادة والنقصان، لا
عن ترجمته بالتفاضل في الأعمال.
وحينئذٍ أقول: إن البخاري رحمه الله تعالى إنما خصص حديث أبي سعيد رضي الله تعالى
عنه بالتفاضل في الأعمال لأمرين.
الأول: أنه رحمه الله تعالى نظر إلى روايتهما المفصلتين: فحديث أبي سعيد رضي الله
تعالى عنه أخرجه مسلم في ((صحيحه)) مفصلاً، وفيه ذكر الأعمال أيضاً. ولفظه: ((يقولونَ ربنا
كانوا يَصُومون مَعَنَا ويُصلَّونَ ويحُجُّون، فيقال لهم: أخْرِجُوا من عَرَفْتُم)) ثم ذكر بعده مراتبَ
الخير على الترتيب وفي آخره: ((فيقبض الله قبضة من النار فيُخرجُ منها قوماً لم يَعْمَلوا خيراً قظٌ))
وليس فيه ذكرُ الإيمان، وكلمةُ التوحيد، وإن كان معتبراً قطعاً لكونه مفروغاً عنه؛ فإن الأعمال
لا عبرة لها بدون الإيمان. وأما حديث أنس رضي الله تعالى عنه فلم نجد فيه ذكر الأعمال في
أحد من طرقه؛ بل فيه بعد ذكر الشفاعة ((فمن كان في قلبه مثقال حبة من برة أو شعيرة من إيمان
فأخرجه))، وليس في آخره ذكرُ العمل، ولعل نظر المصنف إلى هذين المفصلين، وحينئذٍ لا
شك أن الطريقَ الأول لاشتماله على ذكر الأعمال يصلح لترجمة التفاضل في الأعمال، وكذا
الثاني أيضاً يصلُح لما ترجم به.
والثاني: أنه أخرجَ لفظَ الإيمان في حديث أبي سعيد رضي الله عنه، وعيَّنَ مُرَاده بذكر
المتابعة، ((بالخير)) وهو العمل، فكأنه نبّه على أن المراد من مراتبٍ الإيمان في حديث أبي سعيد
رضي الله عنه، إنما هو مراتبُ الأعمال، فجعل لفظ الإيمان مفسَّراً، والخير مفسِّراً ((بالكسر))
وإطلاقُ الإيمانِ على الخير جائزٌ عنده، بل هو أوضحُ في مراده، وعَكَسَ في حديث أنس
رضي الله تعالى عنه، فأخرج لفظً الخير في الأصل، وعيَّنَ مراده بإخراج لفظ الإيمان في
المتابعة، فلما اختلف محظُّ الفائدة في سلسلة أسبابِ النجاة في الحديثين، بكون الأعمالِ في
الأول، ومراتبُ الإيمان في الثاني، ووضع عليهما التراجم كما ترى، ونبَّه عليه بإخراج
المتابعات، شرحاً لما في المتن.
بقي أنه لم جعل الإيمانَ أصلاً والخير متابعاً في حديث أبي سعيد رضي الله تعالى عنه،

١٧٥
كتاب الإيمان
على عَكْسٍ حديث أنس رضي الله تعالى عنه؟ فقد مر مني أنه من علوم المصنف رحمه الله
تعالى .
والحاصل: أن حديث أبي سعيد لما اشتمل على ذكر الإيمان في الأصل، ولا بد أن
يكونَ هناك أحدٌ أهلاً للإيمان أيضاً، فأخذ منه لفظَ أهلِ الإيمان، وأخذ من متابعة الخيرِ لفظَ
الأعمال، وركَّبَ من مجموع الأصل والمتابعة ترجمة، فقال: تفاضل أهل الإيمان في الأعمال،
وفي حديث أنس رضي الله تَعالى عنه جعل الخيرُ إيماناً للمتابعة، ثم أخذَ من المجموع ترجمة
زيادة الإيمان ونقصانه، وقد مرّ مني أنه لم يكن جرى ذكرُ تلك المسألة، على طريق المترجم
له، بل كان ذكرُها استطراداً، فأراد أن يذكرها على طريق المترجم له أيضاً، كما قاله الحافظ
رحمه الله تعالى: هذا كلام على ترجمة المصنف رحمه الله تعالى.
أما الكلام في الحديث ففيه أيضاً غموضٌ ودقة: الأول أن المراد من الخير ما هو؟
والثاني: أن الذين يخرجون في الآخر من هم؟ فاعلم أنه اتفق الشارحون على أن الخير في
الحديثين زائدٌ على نفس الإيمان، لقوله تعالى: ﴿أَوْ كَسَبَتْ فِ إِيمَنِهَا خَيْرٌ﴾ [الأنعام: ١٥٨] فهذا
دليل واضح على أن المرادَ من الخير هو العملُ الزائدُ على الإيمان، وكذا قوله تعالى: ﴿فَمَن
يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ ﴿﴿ وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرَّا يَرَهُ (®﴾ وأرادوا بالخير فيهما
ما يعم الجوارح والقلب.
قلتُ: أما الخير في حديث أبي سعيد، فالمراد به أعمال القلب فقط، كحسن النية،
وغيره، لأن فيه ذكر الخير بعد أعمال الجوارح؛ لأن الشفعاءَ لما يخرِجُونَ مَنْ كَان عندهم
أعمال الجوارح. يقولون: ربنا ما بقي فيها أحدٌ مما أمرتنا به، وهم أصحاب أعمال الجوارح.
فيقول: ارجعوا فمن وجدتم في قلبه مثقالٌ دينار من خير فأخرجوه إلى آخر المراتب، فلا بد أن
يراد من الخير غير أعمال الجوارح، فإنهم أُخرجوا في المرة الأولى، وإنما أذن في هذه المرة
فيمن كان عندهم خير على مراتبه، فلا يكون إلا من الأعمال القلبية.
وأما في حديث أنس رضي الله تعالى عنه، فالمرادُ فيه من الخير هو نورُ الإيمان،
وانفساحه وانبساطه، دون العمل القلبي، بل ما هو من آثار الإيمان؛ لأنه لا ذكر في حديث أنس
رضي الله تعالى عنه للأعمال أصلاً، بل فيه ذكر مراتبُ الخير من أول الأمر، مع ذكر لا إله
إلا الله، فيكون قرينة على أن المرادَ منه ما هو من لواحق لا إله إلا الله، كالنماء مثلاً، ولأن في
حديث أنس رضي الله تعالى عنه في بعض ألفاظه: ((مثقال حبة برة أو شعيرة من إيمان))، فهذا
دليل على أن تلك المراتب يجب أن تكون من الإيمان، فلذا جعلتُ الخيرَ فيه من لواحقه،
وثمراته، بخلاف حديث الباب، فإنه لا ذكر فيه للإيمان في اللفظ، وإن كان معتبراً قطعاً، فلا
علينا أن لا نريد فيه من الخير آثار الإيمان، مع أنه لا إيماء فيه في اللفظ إلى مراتب نفس
الإيمان أيضاً .
وحينئذٍ فالتفاوتُ في حديث أبي سعيد رضي الله تعالى عنه راجع إلى أعمال القلب،
والتفاوت في حديث أنس رضي الله تعالى عنه إلى ما هو من آثار كلمة الإخلاص، وعلى هذا

١٧٦
كتاب الإيمان
التقرير فالأصل في حديث أبي سعيد رضي الله تعالى عنه لفظ: الخير وإنما أخرج المصنف
رحمه الله لفظَ الإيمان في الأصل، والخيرَ في المتابعة، تنبيهاً على أن المراد من الإيمان ههنا
هو الخير، الذي هو من الأعمال، وعكسَ في حديث أنس رضي الله تعالى عنه للتنبيه على أن
المرادَ من الخيرِ هو الإيمانُ. فإن قلت: إنك جعلت الخيرَ في حديث أنس رضي الله تعالى عنه
من آثار الإيمان، وآثارُ الشيءٍ غيره، فلا يثبت الزيادة والنقصان في الإيمان، وهو خلافُ ما رَامَه
المصنف رحمه الله تعالى.
قلت: وقد مرّ مراراً أن آثارَ الإيمان عند المصنف رحمه الله تعالى أيضاً من الإيمان،
فلا بأس في تفسيره الخير بالإيمان، والتفاوتُ فيها يكون عين التفاوت في الإيمان. ثم اعلم
أن حديث أنس رضي الله تعالى عنه عند مسلم مفصل ومجمل، وليس في المفصل ذكرُ كلمة
الإخلاص، إلا في المرتبة الرابعة، وهم الذين يقول النبي ◌َّر فيهم: ((ائذن لي فيمن قال لا
إله إلا الله، قال: ليس ذلك لك))، والمراتبُ الثلاثةِ قبلها لا ذكرَ فيها للكلمة، وهي مرادٌ
قطعاً، فإنها مذكورة في الثلاث منها في الطريق المجمل، ولفظه: ((يخرجُ من النار من قال:
لا إله إلا الله، وكان في قلبه من الخير ما يَزِنُ شعيرة)) إلى آخر المراتب وإنما حَذَفَها من
المفصَّل؛ لأن المقصودَ ذكرُ ما به الفرق دون ما هو مشترٌ في الكل، فحذفَ المشتركَ، وذكرَ
المختص .
وعلى هذا فالفرقُ بين حديثي أبي سعيد رضي الله تعالى عنه وأنس رضي الله تعالى عنه،
أما أولاً: فبذكر الأعمال في حديث أبي سعيد رضي الله عنه، دون أنس رضي الله تعالى عنه.
وأما ثانياً: فبأن الخير في حديث أبي سعيد رضي الله تعالى عنه من أعمال القلب، وفي حديث
أنس رضي الله تعالى عنه من متعلَّقات لا إله إلا الله وآثاره، فالخير في حديث أنس رضي الله
تعالى عنه من متعلَّقات الكلمة، لا من الأعمال القلبية، وفيه إيماءٌ إليه أيضاً دون حديث أبي
سعيد رضي الله تعالى عنه، لعدم ذكر الكلمة في حديثه في أحد من طرقِه، ولعلك علمت مما
قلنا إن الخيرَ عندي زائد على الإيمان في كلا الحديثين، إلا أنه من أعمال القلب في حديث
الباب، ومن متعلَّقات الإيمان في حديث أنس رضي الله عنه؛ بخلاف ما اختاره الشارحون،
فإنهم جروا فيهما على طريق واحد.
ثم إن المراتب في الحديثين مشتبكة، والأخيرة مشتركة، فالذين أخرِجُوا في المرة
الأخيرة، في حديث الباب، هم الذين أُخْرِجُوا في حديث أنس رضي الله عنه، وهم الذين ليس
عندهم عملٌ من عمل الجوارح، ولا عندهم شيءٌ من أعمال القلب، ولا من ثمراتِ الإيمان
شيء، وإنما يُخْرِجُهُم أرحمُ الراحمينَ بلا عملٍ عملوه، ولا خيرٍ قَدَّموه.
بقي الكلامُ على الأمر الثاني: أي الذين يخرجُون بلا عمل، من هم؟ فالشيخ الأكبر
رضي الله عنه لما رأى أنَّ هؤلاء عندهم التوحيد فقط، وليست عندهم الشهادةُ بالرسالة: ذهب
إلى أنهم أهل الفترة، وإذ لم يدركوا زمن الرسالة؛ فنجاتُهم تدورُ على التوحيدِ فقط.
أقول: ليس الأمرُ كما قاله الشيخ الأكبر رحمه الله، بل هم الذين عندهم التوحيد

١٧٧
كتاب الإيمان
والرسالة، وإنما اكتفى بذكر التوحيد، لأن تلك الكلمة صارت شعاراً للإسلام وعُنواناً له،
فتضمنت الشهادة بالرسالة واستغنت عن ذكرها صراحة. ثم عندي حديثٌ قويٌّ في امتحان أهل
الفترة في المحشر، بأنهم يُؤمرونَ أن يلقوا أنفسهم في النار، فمن ائتمر منهم نجا، ومن أبى
هلك، وكذا من زعم أنهم الذين عندهم القول بها فقط، أي مع ذهولٍ عن التصديق في الباطن،
فقد أخطأ، لأنه لا عبرة به عند الشرع، فالمرادُ من هؤلاء الذين عندهم الإيمان والتصديق
بالشهادتين؛ إلا أنه ليس عندهم من العمل والخير شيء، فيخرجون بمجرد بركة كلمة التوحيد
ولا عمل، ولا خير، ولا شيء، ونحن نجيبُ المصنف رحمه الله تعالى عن استدلاله: أن الخير
زائدٌ على الإيمان، فلم يُثبتِ الزيادةَ والنقصانَ في نفس الإيمان، بل في الخير، وقد مرّ أنه
عبارة عن نور الإيمان، وهذا أمر زائدٌ على الإيمان، وإن كان المصنف رحمه الله تعالىٍ يَعُدُّه من
الإيمان، إلا أنه ليس مما نحن بصدده، وهو الإيمان الذي تدور عليه النَّجاة، ولما أُخرج من
النار من لم يكن عنده عمل ولا خير أيضاً تبين أنّ مدار النجاة هو تلك الكلمة، وهي: الإيمان
لا يزيد ولا ينقص.
ثم إن النُّكْتَةَ في ذكرٍ توحيدهم، وحذفٍ شهادتهم بالرسالة، وانفرادُ أرحمُ الراحمينَ
بإخراجهم، أن هؤلاء ليسوا بمختصين بتلك الأمة؛ بل هم من جميع الأمم، فراعى فيهم جهةً
العُبُوديّة فقط، دون الأمنية، فإنها باعتبار الرسل، فحينئذٍ ناسب ذكر التوحيد، فإنه يشترك في
الكل، بخلاف الرسالة، فإنها تتبدلُ بحسبِ الأعصار والأزمنة، فلذا ذكرَ الكلمةَ المتقرِّرة،
وهي كلمة التوحيد، وحذفَ المتبدِّلة، وهي الشهادة بالرسالة (١). ثم هذا كله إذا كان حديثُ
أبي سعيد رضي الله عنه، وأنس رضي الله عنه، متعدداً وأما إذا كان واحداً، فينبغي أن
يستحصلَ مرادُهما بعد جمع الطرقِ، ورعاية الألفاظ، وحينئذٍ وجهُ التغايرُ في التراجم عدمُ
تعيين اللفظ عنده.
(١) قلت: وقوله تعالى: ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلَّا نُوحِيَ إِلَيْهِ أَنَُّ لَآ إِلَهَ إِلَّ أَنَا فَأَعْبُدُونِ (٣)﴾ [الأنبياء: ٢٥]
فاكتفى بذكر التوحيد مع أنهم قالوا بالرسالة أيضاً؛ لأن الكلمة التي تتضمنُ الشهادة بالرسالة لم تكن مشتركة فيهم
اشتراك التوحيد، فلما أراد الله سبحانه أن ينبِّه على الكلمةِ المشتركةِ، اقتصر على ذكر التوحيدِ لأنه حقه،
والشهادة بالرسالة حقُّ الرسول، ثم إنه لما ظهرت شفاعةُ الملائكة، والنبيين، والصالحين، وأخرجَ من شفاعتهم
مَنْ لا يعلمُ عددَهم إلّ الله، وصل الأمرُ إلى أن تظهرَ رحمتهُ تعالى بحيثُ تفوقُ شفاعاتهم، كيف لا وهو أرحمُ
الراحمينَ رحمة، وأبرُّهم بِراً، وأكرمُهم كرامة، وأجودُهم جُوداً، فخصَّ لنفسه بمن لم يكن عندهمُ من العمل
والخير شيء، ولم يأذن فيهم أحداً، لأن حقَّ الشفاعة بين يدي الملك الجبار يكونُ فيمن عندهم شيء، أما من
كان مجرماً وكان أمرُه فُرُطاً، فإنه يُحشر يومَ القيامة أعمى، ولذا قال عيسى ابن مريم عليه السلام مع كونه أحْنَى
على أمته ﴿إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإنَّهُمْ عِبَادٌُ﴾ [المائدة: ١١٨] ولم يواجهه بالمغفرة بتاً، وإنما هو الله تعالى يُخرجُ هو بنفسه
من حُجزت عنهم شفاعة الشافعين، ليقال: إنهم ◌ُتقاء الله، غتِقُوا بمجرد بركة اسمه العزيز، ولذا اكتُفي بذكر
كلمة التوحيد ليظهرَ وجهُ انفرادِ ذاته الوحيدة، إنه حميد مجيد، هكذا سمعتُ من شيخي رحمه الله تعالى مع بعض
تغيير .

١٧٨
كتاب الإيمان
وقد تحقق عندي أنه إذا لم يُبْد عنده ترجيح بين ألفاظ الحديث، يترجم على كلٍ واحدٍ
منها ترجمةً مناسبةً له، كما فعل في قوله ◌َِّ: ((إذا أمَّن الإمام فأمّنُوا)) وفي لفظ: ((إذا أمّن
القارىء)) فالحديث واحد، فأخرج الأولَ في الصلاة: لأن لفظ ((الإمام)) يناسبُها، ووضع ترجمة
مناسبة. وأخرج الثاني في الدعوات، فإن القراءةَ لا تنحصر في الصلاة، بل تكون خارجَها
أيضاً. والذي عندي أن تُدَارَ المسألة على القدر المشترك، ولا ينبغي أخذها عن خصوص لفظ،
فإنه لا يتعينُ أنه لفظُ صاحب الشريعة أو لفظ الراوي، والله أعلم.
حكمةٌ بالغة
واعلم أن كلمةَ الإخلاص، لاستئصال الإشراك في العبادة، دون الإشراك في الذات،
وعليه تُبنى دعوةُ الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، لأن منكري الربوبية أو المشركين في الذات
كانوا أقلٍ قليل، فلم يريدُوا بتلك الكلمة إلا الردّ على الذين كانوا يشركون في العبادة، كما
حَكى اللَّهُ تعالى عنهم: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَ﴾ [الزمر: ٣] يعني أن الله سبحانه
واحدٌ، وهؤلاء مقرُّبون إليه، والعياذ بالله. وقال تعالى: ﴿فَإِذَا رَكِِبُواْ فِ الْفُلْكِ دَعَوُاْ اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ
اُلْدِّينَ﴾ [العنكبوت: ٦٥] وقال تعالى: ﴿إِذَا قِيلَ لَهُمْ لَآ إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبُونَ﴾ [الصافات: ٣٥] ولم
يقل: يجحدون، فعلم أنهم لم يكونوا منكرين لتلك الكلمة رأساً، لأن الاستكبار بعد العلم،
وقد مر أن أول من بعث لدحض الكفر هو نوح عليه الصَّلاة والسَّلام، وقبله لم يكن إلا الإيمان
فقط، ثم جاء إبراهيمُ عليه الصَّلاة والسَّلام وقابل مع قوم نمروذ، وكانوا يشركون في العبادة،
فردّ عليهم بأبلغَ وجه وأتمَّ تفصيل. وعلى هذا فالملةُ الإبراهيمية هي استئصال الإشراك في
العبادة.
بقي موسى وعيسى عليهما الصَّلاة والسَّلام فلم يكونوا بعُثوا في مُقابلةِ الكفر، بل إلى بني
إسرائيل، وكانوا مسلمين باعتبار قومهم، لأنهم كانوا من أولادٍ يعقوب عليه الصَّلاة والسَّلام، ثم
جاء بعدهم كلهم نبينا محمد ◌َيليه، وقد انمحت آثار الأنبياء، واندرست تلك الكلمة، وانقطعت
عن أصلها وفرعها، حتى لم يكن يعرفُها أحدٌ. فأحياها، وأسسها، وأقامها على سُوقِها، ليغيظ
بها الكفار، فمن عَرَف تلك الكلمة، أو قالها، فقد قالها مقلداً إياه ◌َّ؛ لأنه هو الذي أحياها
وعلَّمَها الناس، ولذا يقال له: إنه على الملةِ الإبراهيمية، وحينئذٍ القول بتلك الكلمة فقط تضمن
الشهادة بالرسالة أيضاً، وعليه فليحمل حديث مسلم: ((من قال: لا إله إلا الله دَخَلَ الجنة)) ليس
معناه ولو بدون الشهادة بالرسالة، بل معناه أن من قال تلك الكلمة مقلِّداً ومقتدياً به وَيّةٍ دَخَلَ
الجنة، فإنه قد أقر بالرسالة وشهد بها أيضاً، حتى أنهم صرحوا أن أحداً لو قالها بدون
تقليده الي كسنوح السوانح، لا يكون من الإيمان في شيء، فظهر منه وجه آخر لحذف الشهادة
بالرسالة في الحديث.
ثم اعلم أن صيغة الشهادة غلبت عليها جهة الإيمان، وليست من عامة الأذكار، بخلاف لا
إله إلا الله، فإن فيها جهة كونها ذكراً من الأذكار أيضاً، بخلاف الشهادة بالتوحيد والرسالة،
فإنها ليست ذكراً، بل هي إيمان، ولذا إذا تذكر الشهادة بالتوحيد، تضم معها الشهادة بالرسالة

١٧٩
كتاب الإيمان
أيضاً، فإن الإيمان لا يتم بدونها، وتلك الكلمة بدون لفظ الشهادة قلما يذكر معها الجزء
الثاني، لأنه تنتقل ههنا إلى الأذكار ويُراد بها أصحاب هذا الذُّكر، فمعنى قوله وَّر: ((ائذن لي
فيمن قال: لا إله إلا الله)) أي في أصحاب هذا الذكر، وهم الذين أدوا الشهادتين. ولا تَظُنَّ أن
المراد من أصحاب هذا الذكر هم الذين ذُكروا بتلك الكلمة مراراً، فإنهم أصحاب الأعمال، بل
أريدُ به أنه صار عنواناً للمسلمين لأجل هذا؛ فَذَكَرَ العُنوانَ المشهورَ وأرادَ المعنونَ
المخصوص، وإنما عنونَهم بذلك ليُعلم وجهُ خروجهم من جهنم بدون عمل وخير.
وهذا وجه ثالث لحذفٍ ذكرٍ الشهادة بالرسالة، فدونك رابعاً أيضاً، وهو أن لا إله إلا الله
لا تزالُ تَبقى المعاملةُ بها إلى الأبد، لأن الأذكارَ تبقى في الجنة أيضاً، وقد مرّ مني أنّ فيها
جهة الذكر أيضاً بخلاف: محمد رسول الله، فإن فيه جهة الإيمان فقط، وليست فيه جهة الذكر،
وإنما الذكرُ في حقه ◌َّ هو الصلاة عليه، لا تلك الكلمة، فالمعاملة مع تلك الكلمة، وهي
القول بها تنتهي بانتهاء تلك الحياة وليست معها معاملةٌ بعد انقطاع تلك النشأة، بخلاف كلمةٍ
التوحيد، فإن معها معاملة في المستقبل أيضاً، ولذا وردت في الحديث تلك الكلمة فقط، دون
محمد رسول الله، فإن القول بها مضى في الدنيا، وأما في الجنة فليس هناك إلا الأذكار، وهو
لیس منها .
٢٣ - حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ صَالِحٍ، عَنِ ابْنِ
شِهَابٍ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ بْنِ سَهْلٍ: أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا سَعِيدِ الخُدْرِيَّ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ◌َ
(بَيْنَا أَنَا نَائِمٌ رَأَيْتُ النَّاسَ يُعْرَضُونَ عَلَيَّ وَعَلَيهِمْ قُمُصٌ، مِنْهَا مَا يَبْلُغُ النُّدِيَّ، وَمِنْهَا مَا
دُونَ ذلِكَ، وَعُرِضَ عَلَيَّ عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ وَعَلَيْهِ فَمِيصٌ يَجُرُّهُ)) قَالُوا: فَمَا أَوَّلتَ ذلِكَ يَا
رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: ((الدِّينَ)). [الحديث ٢٣ - أطرافه في: ٣٦٩١، ٧٠٠٨، ٧٠٠٩].
٢٣ - (يجر قميصه) هذا من عالم الرؤيا فلا تجري فيه مسألة الإسْبَال.
(تأولت) والتأويل عند السلف طلب المآل، وبيان المراد كما في قوله تعالى: ﴿هَذَا تَأْوِيلُ
رُهْيَىَ﴾ أي مرادها ومصداقها، لا ما اصطَلَحَ عليه المتأخرونُ من صرف الكلام عن الظاهر.
(الدين) فإن القميص كما يكون وقايةً للآبس من الحر والقر والوقاحة، كذلك الدينُ يكونُ
حافظاً لعرضِهِ في الدنيا والآخرة.
١٦ - بابٌ الحَيَاءُ مِنَ الإِيمَانِ
٢٤ - حدّثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ
سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ أَبِيهِ: أَنَّ رَسُولَ اللّهِ وَ مَرَّ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الأَنْصَارِ وَهُوَ يَعِظُ أَخَاهُ فِي
الحَيَّاءِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ بَّ: ((دَعْهُ، فَإِنَّ الحَيَاءَ مِنَ الإِيمَانِ)). [الحديث ٢٤ - طرفه في: ٦١١٨].
وقد مر مني أن الحياءَ كالأمانة مقدمةٌ للإيمان عندي، والأمانةُ وصفٌ يعتمدُ بها الناس على
حاملها في أنفسهم، وأموالهم، وليست بمعنى الوديعة التي في الفقه، ولذا أنكرت الأرض

١٨٠
كتاب الإيمان
والسموات عن حملها، حين عرضت عليهن، لأنهنّ لم يكُنَّ بهذه المثابة، ولم تكن حاملة لتلك
الأوصاف، وإنما سبق بها الإنسان مع ضَعفه؛ لأنه كان حاملاً لهذه الأوصاف، وبعبارة أخرى:
إعطاء كل ذي حق حقه، ووضعُ كل شيء مكانه أمانةٌ، وضِدّها غش، وهو: حظُ الشيء عن مرتبته،
ولذا قال النبي ◌َّهُ ما معناه لأنس ((يا بُنَيَّ إن قَدَرْتَ أن تُصبحَ وتُمسيَ وليس في قلبك غشٌ لأحد
فافعل ... إلخ)) ثم المصنف رحمه الله يجعل ((مِنْ)) تبعيضية، ونحن نجعلها ابتدائية كما قررنا .
١٧ - باب: ﴿فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ الصَّلَوَةَ
وَءَاتَوُاْ الزَّكَوَةَ فَخَلُّواْ سَبِيلَهُمْ﴾ [التوبة: ٥]
٢٥ - حدّثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ المُسْنَدِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو رَوْحِ الحَرَمِيُّ بْنُ عُمَارَةَ
حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ وَاقِدِ بْنِ مُحَمَّدٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي يُحَدِّثُ عَنِ أَبْنِ عُمَرَ: أَنَّ رَسُولَ
اللَّهِوَِّ قَالَ: ((أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لَا إِلهَ إِلَّ اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّداً رَسُولُ
اللَّهِ، وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ، وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ، فَإِذَا فَعَلُوا ذلِكَ عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ إِلَّ
بِحَقِّ الإِسْلَامِ، وَحِسَابُهُمْ عَلَى اللَّهِ).
غرض المصنف رحمه الله: أن تلك الأعمال من الإيمان، فكما أنه لا نجاةً في الآخرة
بدون الأعمال كذلك لا يُكفُّ القتال عنهم في الدنيا إلا بها. قال الإمام الشافعي ومالك
رضي الله عنهما: إن تارك الصلاة يقتل حداً لا كفراً.
[الفرق بين الحد والتعزير، والكلام في تارك الصلاة]
والفرق بين الحد والتعزير، أن الحد لا يمكنُ ردُّه للقاضي أيضاً، فإنه من حقوق الله تعالى،
بخلاف التعزير فإنه مفوض إلى رأيه. وقال أحمد رضي الله عنه: إنه يقتل كفراً، وقال إمامنا الأعظم
رضي الله عنه: إنه ليس بكافر، ولا يقتل، ولكنه يُحبس ثلاثاً، فإن عاد إلى الصلاة فيها وإلا يضرب
ضرباً يتفجر منه الدم، نعم، لو قتله الإمام تعزيراً وسع له كما وسع له قتل المبتدع.
قلت: وجاز في السرقة للقاضي أن يقطع اليد تعزيراً، وعليه أحملُ ما وقع فيه القطع فيما
دون عشرة دراهم، وتمام البحث يجيءُ في السرقة إن شاء الله تعالى. وقد قال لي بعض
الفضلاء: إن في تذكرة المخدوم(١) هاشم السندهي إشارة إلى جواز قتل تارك الصلاة عندنا
(١) وهو من قضاة البلدة طهطها ومعاصر للشاه ولي الله رحمه الله تعالى، ولم يتيسر له لقاؤه غير أنه حصلت له
الإِجازة من كتابته. (قلت): ولعله يكون إذ ذاك صغيراً، وكانت عنده ذخيرة من الكتب النادرة، والأسف على أنه
لم يبق اليوم في ذريته أحد من العلماء ولم يبق لكتبه حافظٌ إلاّ دابةُ الأرض، فإنا لله وإنا إليه راجعون. هكذا
وجدناه فيما ضبطه الفاضل عبد القدير من تقارير الشيخ رحمه الله تعالى. ثم النووي من المفيدين عندي، وقد لا
يُعدل في حق الحنفية والمفيدُ عندي من يأتي بكلام القوم مع إيضاح وبيان من قبله، أما من خاض اللجج،
واقتحم الغِمار، وحل المعضِلات، ونقح كلمات القوم، وميز بين المَفرِّط والمُفرِط، فهو محقق عندي وقليل ما
هو. هكذا سمعت من حضرة الشيخ رحمه الله تعالى.