Indexed OCR Text

Pages 101-120

١٠١
كتاب بدء الوحي
والجواب عنه بوجوه، منها: أن المراد منه نزولُهَا بعد زمن الفترة، كما يؤيده السياق.
وقوله: فإذا المَلَك الذي جاءني بحِراء أيضاً يدلُّ على سابقيةِ عَهدٍ وتقدُّم خبرٍ. ومنها: أنه
اجتهاد من جابر وليس مرفوعاً، وهو الأصوب عندي. والتوفيق عسير جداً، وبه قال الكرماني
كما في ((الفتح)) في سورة المدثر. والقول الثالث: الفاتحة، وله مُرْسَل عند البيهقي. قال
البيهقي: إن كان محفوظاً فيحتمل أن يكون خبراً عن نزولها بعد ما نزلت عليه ((اقرأ)) و
((المدثر)(١) .
والجواب أن يُلْتَزَمَ بتعدُّدِ نزولها، فلعلها نزلت أولاً بغير صفة القرآنية، ونزلت أخرى
بصفتها. وفي ((الإتقان)) رواية في ترتيب السور مسلسلة بأئمة النحو، فأمعنت فيها النظر، فبدا
لي أنه قد سرى في هذا الباب اجتهاد، فالطرد والعكس عليه مشكل. ثم ههنا نُكتةٌ نبّه عليها
الحلبيُّ في سيرته، وكأنه أراد منها تأييداً لمذهب الحنفية أن الفاتحة إذا لم تنزل أولاً، فكيف
يكون حَال الصلوات عند من جعلوها ركناً .
هل التَّسمية جزءٌ من كلِّ سُورة؟
فقال الشافعية: إنها جزء من كل سُورة وجزءٌ من الفاتحة أيضاً. وقال الحنفية: إنها ليست
جزأَ للفاتحة، ولا من كل سورة، قيل: أول مَنْ كتب هذه المسألة منا هو أبو بكر الرَّازي،
وليست منقولة عن الإمام أبي حنيفة رحمه الله تعالى. قلتُ: ومن رآها مكتوبةً بين كل سورتين
يَحْكُمُ ذِهْنُه إلى أنها آية نزلت للفصل بين السور، كما ذكر في ((الكنز)). واعتُرض على الشافعية
أن التسمية لو كانت جزءاً من كل سورة نزلت هناك أيضاً. وأجاب عنه الشافعية أولاً: بأن
مضمون التسمية قد أُدِّيت في ضمن: ﴿ اقْرَأْ بِسِ رَبِّكَ﴾ وثانياً بأنها صارت جزءاً بعد نزولها وهو
كما ترى، فإن الكلام في صيغة التسمية لا في معناها .
(حتى بَلَغَ مِنِّي الجَهْدَ) رُوي بنصب الدال ورفعها(٢) .
(يَرْجُفُ فُؤَادُهُ) وفي ((نوادر الأصول)) للحكيم الترمذي - وهو غير الترمذي صاحب
((الجامع)) -: أن القلب خاص، وهو موضع الإدراك، والفُؤاد يُطْلَق على وعائه. قال الشيخ
(١) يقول العبد الضعيف وقد راجعت ألفاظه فهي تأبى عن تأويل البيهقي كل الإباء قال شيخنا وهكذا روي عن أبي
هريرة مرفوعاً بإسناد قوي إلا أن المحدثين عللوه وبالجملة ذهب بعضهم إلى أوليتها أيضاً.
(٢) يقول العبد الضعيف وقد نقل الحافظ في التعبير ههنا كلاماً عن شيخه مليحاً جداً فناسب أن نذكره ملخصاً، فقال:
وقد رجح شيخنا البلقيني بأن فاعل بلغ هو الغط والتقدير بلغ مني الغط جهده أي غايته فيرجع الرفع والنصب إلى
معنى واحد وهو أولى، قال شيخنا وكان الذي حصل له عنه تلقي الوحي من الجهد مقدمة لما صار يحصل له من
الكرب عند نزول القرآن وهي حالة يؤخذ فيها عن حال الدنيا من غير موت، فهو مقام برزخي يحصل له عند تلقي
الوحي ولما كان البرزخ العام ينكشف فيه للميت كثير من الأحوال خص الله نبيه ببرزخ في الحياة يلقي عليه فيه وحيه
المشتمل على كثير من الأسرار، وقد يقع لكثير من الصلحاء عند الغيبة بالنوم أو غيره اطلاع على كثير من الأسرار،
وذلك مستمد من المقام النبوي، ويشهد له حديث رؤيا المؤمن جزء من ستة وأربعين جزءًا من النبوة اهـ.

١٠٢
كتاب بدء الوحي
الأكبر: إنه حنفي(١) والخشية إنما كانت بالعجز عن حمل أعباء النبوة، وإنما لم تضطرب خديجة
رضي الله عنها لأنها لم تكن صاحب الواقعة، وفَرْقٌ بين مَنْ يدخل في الشيء ويكون صاحبَة
الواقعة، وبين من يسمعها من وراء وراء(٢) .
(١) يقول العبد الضعيف ونص الحافظ عن شيخه في التعبير أن الحكمة في العدول عن القلب إلى الفؤاد أن الفؤاد
وعاء القلب على ما قاله بعض أهل اللغة فإذا حصل للوعاء الرجفان حصل لما فيه فيكون في ذكره من تعظيم الأمر
ما ليس في ذكر القلب،. وأما بوادره فالمراد به اللحمة التي بين المنكب والعنق جرت العادة بأنها تضطرب عند
الفزع وعلى ذلك جرى الجوهري وتعقب ابن بري فقال هي ما بين المنكب والعنق يعني أنه لا يختص بعضو واحد
وهو جيد فيكون إسناد الرجفان إلى القلب لكون محله وإلى البوادر لأن مظهره أهـ ملخصاً .
(٢) قلت إن الله سبحانه إذا اصطفى أحداً لنبوته أو رسالته يخلق فيه عقيبه علماً ضرورياً بنبوته بحيث لا يبقى له قلق ولا
اضطراب كما يظهر من قصة موسى عليه الصلاة والسلام حين توجه إلى الطور لأن يأتي قبساً أو يجد على النار هدى.
ومعلوم أنه لم يكن مراقباً عم يصنع به ولا منتظراً بما يحمل عليه إذ ناداه ربه من شاطىء الوادي الأيمن ﴿يَمُوسَىّ (10)
إِنَّ أَنَا رَبُّكَ﴾ وأمره أن يذهب إلى فرعون إنه طغى فلما سمعه موسى عليه الصلاة والسلام ألقى عليه في ساعته تلك من
اليقين والإذعان بنبوته ما هون عليه الدعوة لمثل فرعون الباغي الطاغي فلم يتأخر عن معارضته طرفة عين، ولا شك في
نبوته كجناح بعوضة إلا أنه كان بشراً خلق من ضعف فشكى إلى ربه عن ضعفه وسأله أن يجعل أخيه ردئاً يصدقه ويكون
عوناً له فإنه كان أفصح لساناً وأبين حجة ولهذا قال: ((ولهم على ذنب فأخاف أن يقتلون)) ولذا خاف من عصاه حين صار
حياً حين قال ربه ((خذها ولا تخف)) فلم يكن هذا الخوف شكاً منه أو إعراضاً عما أمره الله به والعياذ بالله، بل إظهاراً
لضعف جبل عليه الإنسان: فإذا لم يشك من كان نبىء بدون تمهيد ولا سابقية خبر فكيف بمن مهد له تمهيداً ومرن تمريناً
في النوم واليقظة؟ ولكن إذا تجلى له الملك، وقد سد الأفق وغطه حتى بلغ منه الجهد وأنزل عليه من الكلام ما لو أنزل
على الجبال لتصدعت من خشية الله وتخشعت جعل يرجف فؤاده ويخشى على نفسه لا لريب عرضه أو هول هاله بل
لضعف فطر عليه الانسان. بلى وحق له أن يرجف ويخشى. كيف وقد كان هذا أول معاملة اعترته؟ وفكر في نفسك أن
لو عرا أحداً الآن مثل ما عراه ماذا يصنع. ثم ما زال عليه من تلك الشدة بقايا حتى كان يأخذه الغطيط والبرحاء في شدة
البرد كما علمت. فإذا كان هذا حاله بعد مزاولات ومعاهدات بالوحي فما ظنك به إذا كان نزل عليه وهو غير ممارس
لتلك الأهوال ولا حامل لهذه الأثقال، ولم نجد في هذا الباب غير عبارات وتعبيرات تدل على ما يعتري المرء في مثل
هذه الأهوال والأحوال. ولكن الذين أشربت قلوبهم هواسات النصارى واتباعهم في كل ما وسوست به صدورهم
جعلوا يحملونهم على ما يقشعر منه جلود الذين آمنوا فهم في ريبهم يترددون. وأصرح قرينة على ما قلنا ما عند البخاري
في التفسير: فبينا أنا أمشي إذ سمعت صوتاً من السماء فرفعت بصري قبل السماء فإذا الملك الذي جاءني بحراء قاعد
على كرسي بين السماء والأرض فجئت منه حتى هويت إلى الأرض وفي ((بدء والوحي)) فرعبت، وليس فيه لفظ (منه))
فجئت أهلي فقلت زملوني زملوني، وهذا وإن كان في واقعة أخرى لكنه قرينة قوية على أن الخشية إنما لحقها مما رأى
الملك على عظمته وهيأته بين السماء والأرض وهذه أمور تضعف عن حملها فطرة البشر، فالخوف والخشية لا يصادم
الإذعان والإيقان بشيء أصلاً لأنه في بنية البشر قال تعالى ﴿وَخُلِقَ الْإِنسَانُ ضَعِيفًا﴾، وكما جاز لموسى أن يخاف من
عصاه حين صار ثعباناً ولم يصادم ذلك إيمانه جاز للنبي صلى الله عليه وسلم أيضاً أن يخشى عند رؤية الملك بهذه الهيئة
لأن الملك على تلك الهيئة وغطه ليس بأدون من عصاه. ثم بدا لي أن في إلقاء تلك الخشية عليه وإبلاغ هذا الجهد منه
حكمة عظيمة من الله تعالى، فإن الخشية والجهد وإن كانا مما لابد منهما في المعاملات الروحانية مطلقاً وقلما تعترض
معاملة ربانية إلا ويحس منها صاحبها نوع غيبة وهيبة وكيفية أخرى تشبههما. ولكن من لم يذق لم يدر ومع ذلك فيه
حكمة بليغة تقتضي تمهيد ((مقدمة))، وهي: أن الله تعالى قد يقدر لأنبيائه أموراً يلقيها عليهم تكويناً لمصالح لا يعلمها إلا
هو كما ألقى على موسى عليه السلام من الغضب ما حمله على أن يجمح خلف الحجر الذي كان وضع عليه ثيابه عند =

١٠٣
كتاب بدء الوحي
الغسل حتى قام به على ملأ من بني إسرائيل الذين آذوه فبرأه الله مما قالوا، مع أنه كان ستيراً حيياً أفيسوغ لأحد أن
=
يقول: إن موسى عليه السلام لم يكن حيياً، ويتمسك بهذه الواقعة، والعياذ بالله. ولكن الله سبحانه يفعل بخواصه ما
يزيل به شين الأعداء عنهم. وكما ألقى عليه النصب في طريقه إلى خضر عليه السلام حين فقد الحوت ولم يلحقه تعب
قلبه. وكما قال النبي وَلير: إنما أنسى لأسن. فهذه تقديرات إلهية تجري على خواصه تعالى وتكون فيه مصالح تقصر
عن إدراكها الأنظار وتتراجع عن إحاطتها الأفكار. إذا علمت هذا فاعلم أن ما أخذته من المخافة وما غشيته من الخشية
والرهبة كلها ألقيت عليه تكوينا ليرجع إلى من جعلها الله له سكناً وترجع به إلى ورقة فيشيع خبره من قبلهم وبعد
تصديقهم ويعلم أنه لم يزور دعوة من نفسه، ولكن الله سبحانه هو الذي ألبسه قباء النبوة حتى عرفه من عرفه وجهله من
جهله ويصير بهذا الطريق دليلاً محكماً على النبي ◌َّ نبي صادق حتى شهد به شاهد من أهله وشهد به ورقة الذي كان
يعرف حال الأنبياء. فإذا كان ظهر أمر نبوته ظهوراً لم يشك فيه من سمع به من أهل العلم والعدل، فكيف بمن نبىء!
ولكن الله سبحانه أراد بهذا الطريق أن ينطق به لساناً من عالم أهل الكتاب ابتداء بدون دعوة منه ليكون حجة على أهل
الكتاب وعوناً لتصديق العرب ولو كان ادعى أولا ثم صدقه آخرون لكان أيضاً طريقاً صحيحاً كما سبق بموسى عليه
الصلاة والسلام حيث ادعى قومه من غير مصدق معه ولذا سئل أن يكون معه ردء يصدقه ولكنه صلى الله عليه وسلم
تجلى أمره وانكشف حاله انكشافاً شهد به قبل دعوة منه كل من كان يعرف الأنبياء وأحوالهم. فكان صريحاً في أنه نبي
الله ومن افترى عليه بالافتراء فقد افترى إثماً عظيماً. فظهر بهذا الطريق أن أمر نبوته كان فجأة من غير تهيؤ منه. بخلاف
من كان يريد أن يمكر بالناس فإنه يهيىء لهم من عند نفسه ما يصرف به وجوه الناس إليه وهذا لم يسو أمراً من عنده
ولكن غشيته غاشية من ربه كاد ظهره أن ينقض بها فاضطر إلى التزميل. فالله سبحانه أظهر أمره بهذا الطريق على
الناس. ولذا لم يقدر أن يذهب هو بنفسه ولكن ذهبت به خديجة رضي الله عنها وإذن لم يبق في نبوته ريب لرائب،
وصار أول أمره شهادة من علمائهم وآخر أمره الدعوة بما أمره الله. فسائر الأنبياء ادعوا ثم صدقوا وهذا مصدق ثم
داعى فهو الذي صدق قبل دعوته؟ وأين هم عن حمل الوقائع على المحامل الحسنة؟ نعم (إن يروا سبيل الغي يتخذوه
سبيلاً وإن يروا سبيل الرشد لا يتخذوه سبيلاً) فحملوا خشيته على تردده في نبوته جهلاً ووقاحة والعياذ بالله! كبرت
كلمة تخرج من أفواههم إن يقولون إلا كذباً. ولولا في قلبه من الإيقان والإذعان كأمثال الجبال لما حلمه على التردي
بنفسه عند فترة الوحي، فإن إضاعة نفسه لا يستطيعه أحد إلا لحبيبه إذن ليس معنى قوله في الفتح إنك لرسول الله حقاً
غير تسلية وتشفية وتذكار بالعهد الماضي، كما يدل عليه ما بعده («فيسكن عند ذلك جأشه)). فعلم أنه كان تسكيناً
وتسلية ولابد. ثم عند البخاري مصرح بأنه كان يفعله لأجل ما لحقه من الحزن ولذا قال تعالى ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾
على قول ولم يقل إنك رسول الله حقاً: فلا تشك فيه ثم إني قائل لك أمراً يضيق به صدري ولا ينطلق لساني ولكن
أرجو من الله سبحانه أن يكون حقاً: وهو أن الإيمان بالمغيبات كما أنه يجب على الأمم كذلك يجب على أنبيائهم أيضاً
بل هم أولهم وأولادهم به ولما كانت نبوة النبي أيضاً من المغيبات كما بين في علم الكلام فلا مناص أن يجب عليهم
الإيمان بها أيضاً ولذا قال النبي ◌َلّ حين سمع المؤذن أشهد أن محمداً رسول الله: ((وأنا)) ((وأنا)) والمغيبات نوع مغاير
للشهادة. فكم من أشياء تبقى في المغيبات مجملة ولا تبقى في الشهادة وهذا أمر وراء الإذعان، فإن الإذعان قد يكون
بالمغيبات أزيد من الشاهد ومع ذلك تبقى فيها أمور تتردد النفس في تفاصيلها ولا يزال يتردد ولا تقنع أبداً حتى يصير
الغياب شفاها. ولا يكون هذا التردد من تلقاء ضعف في اعتقاد المتكلم بل هي ناشئة من نفس حقيقة الغيب فإنه لكونه
غيباً غير مشاهد لا تصفو حقيقته عند النفس كالمشاهد، فالتردد والتطلب إنما يكون في المتعلقات التي لا تدخل في
الإيمان لا في نفس الشيء والإيمان به فإنه أمر مفروغ عنه. ألا ترى إلى قوله تعالى في سؤال إبراهيم عليه السلام عن
أحيائه «أو لم تؤمن؟ قال بلى ولكن ليطمئن قلبي)». أي الإيمان حاصل بالمرة ولكن إحياءك غيب فأريد أن أرى الغائب
شاهداً لأزيل به ما يبقى في الغيب. وسماه طمأنينة فسؤاله لم يخالف إيمانه بل أكده لأن الإيمان هو الموجب للسؤال =

١٠٤
كتاب بدء الوحي
(زَمِّلُونِي) ولا يذهب وَهْلُك إلى نزول المُزَّمِّل في هذه القصة، نظراً إلى مجرد اشتراك
اللفظ، فإنه متأخر قطعاً .
(ما يُخْزِيك الله) أصلُ الخزي أن يفوَّض أمرٌ إلى رجل فلا يستطيع حمله فيتركه، فيُعَدُّ
غُمْراً بين الناس وغيرَ أهل له.
لأنه يدل على أن لا محيي عنده إلا هو ولذا سأله عن الأحياء. ثم هذا ليس فيما يجب به الإيمان لأنه يجب على نفس
=
الأحياء لا على كيفيته كيف هي فما يجب الإيمان به لم يقع السؤال عنه وما وقع عنه السؤال وهو كيفيته لا يجب
الإيمان به كالإيمان بالقيامة فإنه واجب. أما أنها كيف تقدم فليس مما يتعلق به الإيمان. إذا علمت هذا فاعلم أن النبوة
أيضاً يجب الإيمان بها للنبي أيضاً. ولكنها غيب وقد علمت أن الغيب يبقى معه أمور ولو احتمالاً عقلياً لا تجويزاً
واقعياً فربما يضطرب فيها النفس كتردد النبي ◌َلّ عند مشاهدة الفزع والريح مع أن ذاته الشريفة كانت آمنة من العذاب
لأمته ولكنه كانت الرياح والسحاب تهمه هماً شديداً حتى كان يرى ذلك في وجهه فإذا مطرت انكشف عنه، فهذا التردد
والفزغ كله كان لفرض احتمال المفروض كالواقع لغناء رب العالمين عن العالمين وفي مثله تتجاذب الأطراف عند
الخائف الخاشع فوعده بالأمن يسليه ويكشف همه ولمثله خاف موسى عليه الصلاة والسلام حين ألقى السحرة حبالهم
فخيل إليه من سحرهم أنها تسعى حتى قال له ربه لا تخف إنك أنت الأعلى وهذا لكون علم العاقبة غيباً لا يدري ما الله
صانع به فقس عليه الخشية فيما نحن فيه. فلا تردد في النبوة ولا شك ولا شيء ولكن الخشية وغيرها إنما كانت في
متعلقاتها التي لا تدخل تحت الإيمان أصلاً كخطور عواقبها في القلب وأنه كيف يتحمل هذا الخطب العظيم. وأنه ماذا
يعامل معه من تلقاء قومه. وأنه هل ينتصر له أو عليه؟ كما في حديث مسلم في المشكاة في باب الإنذار والتحذير في
حديث طويل وإن الله أمرني أن أحرق قريشاً فقلت رب إذا يثلغو رأسي فيدعوه خبزة واحدة إلخ.
ومن ههنا تبين معنى قوله ◌َّر في المشكاة في ((حديث الكهانة)) قال: قلت: كنا نتطير قال: ذلك شيء يجده أحدكم
في نفسه فلا يصدقكم. فوجدناهم الشيء في أنفسهم لم يعد مخالفاً لإيمانهم. وإنما يخالفه انبساطه والعمل عليه.
وبه ينحل ما أشكل على الناس في حديث الوسوسة عند مسلم فسألوه إنا نجد في أنفسنا ما يتعاظم أحدنا أن يتكلم
قال أو قد وجدتموه؟ قال نعم، قال: ذاك صريح الإيمان. فوجدان الشيء من آثار الغيب والتعاظم. بتكلمة عين
الإيمان ولكن في وساوس ووساوس فرقاً فلا تستحمق ووسوسة كل على حدة، فلا تختلط بين الناس والناس، فإن
من عباد الله حسناتهم سيئات المقربين. وجملة الأمر أن النبي ◌َّلو لم يشك ولكنه عراه من الشدة وغيرها ما لو عرا
أحداً لمات فرقاً فإن عطايا الملك لا يحملها إلا مطاياه. ألا ترى أن الله سبحانه لما تجلى للجبل جعله دكاً بخلاف
موسى فإنه لم تأخذه إلا غشية ثم لو فرضنا أنه كان بقي في نفسه ما يبقى في المغيبات لما ضر أيضاً ولما ناقض
إيمانه وإذعانه كما مر وحمل الألفاظ الواردة في هذا الباب على غير هذا مشى على خلاف المراد وتأسيس لدين دانه
ثمود وعاد فإلى الله المشتكى ومنه المبدأ وإليه المعاد ولما زورت تلك المقالة في نفسي إرغاماً، لبعض الملحدين
طلبت لها نقلاً عن أحد قبلي فلم أجده حتى إذا أتممتها فوجدت أن الشيخ السنوسي رحمه الله أشار إلى بعضها في
شرح مسلم وهو ما ذكرناه في حكمة بلوغ هذا الجزء من جهة خديجة رضي الله تعالى عنها قال السنوسي في حكمة
ما اتفق له في نداء القصة أن يكون سبباً في انتشار خبر في بطانته ومن يستمع لقوله ويصغي إليه وطريقاً في معرفتهم
مبائنة، ومن سواه في أحواله لينبهوا على محله فلله الحمد وإنما طولت الكلام فيه ليهلك من هلك عن بينة ويحيا
من حي عن بينة وقد كنت أسمع نحوه من شيخي رضي الله تعالى عنه فما ذكرته لدقته وتعاليه عن إفهام الناس
وخفت أن لا يكتنه كنهه جاهل ثم يكب في هوة من النار فإن لكل إنسان لمة لا يوعده إلا بالشر وإنما كتبت هذه
السطور لإرغام بعض الجهلاء فإن طابق لما حققه العلماء فيها وإن خالفهم ولو جناح بعوضة فالطرب على الجدار
أولى فإني مع الجماعة. ومن شذ شذ في النار.

١٠٥
كتاب بدء الوحي
(تَكِسب) بفتح التاء وضمها أيضاً، والأول أفصح، وحينئذٍ يتعدى إلى مفعولٍ واحد،
وعلى الثاني إلى مفعولين، أي وتَكْسِبُ الفقيرَ المعدومَ، أي المال.
(تَحْمِلِ الكَلَّ) أي الغرامات. وقولها: (وتُعين على نوائب الحق) كلمة جامعة لما تقدم
وما لم يتقدم. كان بنو هاشم قد اشتهروا بهذه الأوصاف، ولذا قال لهم أبو طالب في قصيدته:
يا قريش، إنما تقاطعون أُناساً بلغ مواساتهم إلى بكر بن وائل.
(ابنَ عَمّ) فيه تَجَوُّز، لأنهم كانوا يتوسَّعون في بيان الأنساب.
(العبراني) سُمِّي به لأن إبراهيم عليه السلام كان اختاره بعد عبوره من العراق إلى الشام.
وفي نُسخة: ((العربي)) وهما شعبتان من أصل واحد، فلعله كان يكتب العربي أيضاً، وكذا
السُّرياني منسوب إلى السريا وهو الشام. وبالجملة كان لسان اليهود العبراني، والتوراة
والإنجيل كلاهما كانا بالعبري. أما التوراة العبرية فتوجد اليوم أيضاً، ولا يوجد أصل الإنجيل
العبري. نعم، توجد تراجمه مع اختلاف فاشٍ بينها، وقد أقرُّوا أنه ليس من إملاء عيسى عليه
السلام، ولكن جُمِع بعده بسنين. وجَمَعَ ملكٌ من القسطنطينية نسخة منه وسمّاها: سبعينية،
وجمع فيها عقائد النصارى. ورأيت شارحاً من شرّاح الإنجيل يقول: إني كتبت هذا الشرح بعد
مطالعة تسعمائة شرحاً .
(النَّاموس) أي مُبلِّغ الخير، وهو ضِدُّ الجاسوس. والآن يستعمل بمعنى القانون. يقال:
نواميس النور، أي قوانينها. (أنزل الله على موسى عليه السلام) وهذا كما في القرآن: ﴿إِنَّا
أَرْسَلْنَا إِلَيْكُمْ رَسُولًا شَهِدًا عَلَيْكُمْ كَا أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوَنَ رَسُولًا ﴾﴾﴾ [المزمل: ١٥] وإنما أحال على موسى
عليه السلام مع كونه نصرانياً، لأن الشريعة الجامعة عندهم هي شريعته. أما الإنجيل فقالوا: إنه
من تتمته. وإنما نزل عيسى عليه الصَّلاة والسَّلام للتزكية فقط. قلت: وهو باطل بنص القرآن،
فإنه صريح في أنه نَسَخَ بعضاً من التوراة، فقال تعالى: ﴿ وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِى حُرِّمَ عَلَيْكُمْ﴾
[آل عمران: ٥٠]. وكذلك يوم عيدهم، كان الأحد بدل السبت. وكذلك ليس في الإنجيل الختنة.
ثم إن الخنزير كان حراماً في التوراة، والنصارى يُنْكِرُون حرمته.
قلتُ: وليس في الإنجيل حِلُّ الخنزير أصلاً، بل هو حرام في شريعة عيسى عليه الصَّلاة
والسَّلام أيضاً. ولذا يقتله بعد نزوله. وكان قَتَلَه عند ذهابه إلى بيت المقدس أيضاً، فكيف قالوا
بِحِلِّهِ؟ ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا أَخِلَقُ﴾ [ص: ٧]. والوجه فيه: أن ما حُرِّم في التوراة هو كل ذي ◌ُفُر، كما
قال تعالى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا كُلَّ ذِى تُظُفُرٍ﴾ [الأنعام: ١٤٦] إلخ، فاختلفوا في تفسيره
فجعله اليهود من ذي ظفر، بخلاف النصارى فأحلوه، وغلِطوا في ذلك قطعاً، كما علمت أن
عيسى عليه الصَّلاة والسَّلام قَتَلَه حين ذهب إلى بيت المقدس. وسيقتله بعد النزول أيضاً.
فالحاصل : أنه أيضاً نبيّ مرسلٌ ذو شريعةٍ، ولكنها كانت شريعة كالتتمة للتوراة. ثم في بعض
لفظه ((ناموس عيسى)) أيضاً وقد وجهه الحافظ، فراجعه.
(يا ليتني فيها جَذَعَاً) كأنه تمنى أن يكون عند ظهور الدَّعوة إلى الإسلام شاباً، ليكون
أمكن لنصره. وبهذا تبين سِرُّ وصفه بكونه كان: ((شيخاً قد عَمِيَ)). قال الحافظ: ويظهر لي أن

١٠٦
كتاب بدء الوحي
التمني ليس مقصوراً على بابه، بل المراد من هذا التَّنبيه على صحةٍ ما أخبَرَه به، والتنويه بقوة
تصديقه فیما یجيء به .
(فتر الوحي) وفتوره عبارة عن تأخّره مُدَّة، وكان ذلك ليذهب ما كان وَّهَ وَجَدَهُ من الرَّوع.
واختُلِف في زمن الفترة كم كان؟ وكان ينزلُ إسرافيل عليه السلام في تلك المُدة ويُسَلِّيه، ويُقَوِّي
روحانيته، لأن له مناسبة مع الأرواح ولذا قالوا: إن الأرواح بعد مفارقتها عن الأبدان تسكن في
الصُّور، ومنها تخرج إلى أبدانها عند نفخه فيها، وأما جبريل عليه الصَّلاة والسلام فله مناسبةً
تامة مع عالم الشهادة، ولذا كان ينزل بالوحي.
وَرَقَةُ وإسلامه
واتفقوا على إيمانه، حتى أن بعضاً منهم عَدُّوه في الصحابة رضي الله تعالى عنهم. نعم،
كونه من هذه الأمة محلٌّ تردُّد، فإنه تُوفِّي قبل ظهور دعوته. ویشهدُ لإيمانه رؤیاه ◌ُّرِ، حیث رآه
في ثياب بيض، ثم لا يكون مقدَّماً على خديجة رضي الله تعالى عنها، والصِّديق الأكبر
رضي الله تعالى عنه، بل يوضع بعدهما، فإنهما أسلما في زمن رسالته بدون تردد، بخلاف
ورقة. واستحسنه الشيخ الأكبر أيضاً .
٤ - (قال ابن شهاب) قيل: إنه تعليق. وقال الحافظ: بل هو موصول بعين هذا الإسناد،
ولكن ليست القِطْعَةُ المذكورة عنده عن عروة، بل هي عن أبي سَلَمَة، فهذا تحويل لا تعليق. ثم
التحويل على نحوين: الأول: أن يتغاير الإسناد في الأول ويتَّحِد في الآخر، وهو أكثر.
والثاني عكسه، بأن يتَّحِدَ الإسناد في الأول ويتغاير في الآخر. وهذا النوع نادر، وهو المتحقق
ههنا .
(فأنذر) قيل: كان نبياً والآن صار رسولاً أيضاً. قلتُ: ولا أدخل في مثل هذه الأمور.
(وربَّكَ فكَبِّر) استدل به الحنفية: أن مُطلق الذِّكر المُشْعِر بالتعظيم يكفي للدخول في
الصلوات، لأن قوله: (كبِّر))، معناه عظّم، فالمأمور به هو مطلق التعظيم بأي صيغة كان، لا
خصوص صيغة: الله أكبر، ولا سيما إذا ورد في سياق الصلاة، كما في قوله تعالى: ﴿وَذَكَرَ أَسْمَ
رَبِّهِ، فَصَلَّى (®﴾ فالسياق سياق الصلاة. والظاهر من الذكر هو الذي للشروع في الصلاة. فهذا
دليل واضح على أن الضروري هو مطلق الذكر كما قلنا. وأجاب عنه ابن المُنَيِّر - وهو ركيك -،
وقال: إن الإضافة في ذكر اسم ربه للعهد، فالمراد هو الصيغة المعهودة، أي: الله أكبر. وهو
كما ترى نداء من بعيد. نعم، لكِ أن تقول: إنّ كبر ليس تفعيلاً من كبّر المجرد، بل هو قصر من
جملة: الله أكبر، كَـ: سَبْحَلَ وهَلَّل من قوله: سبحان الله، ولا إله إلا الله. فإذاً لا يكون التكبير
معناه التعظيم مطلقاً، بل يكون معناه هو القول بـ: الله أكبر. ولا يثبت ما أراده الحنفية
رحمهم الله تعالى.
ثم ههنا تفتيش ويقتضي تمهيدَ مقدمة وهي: أن النُّحَاةَ جعلوا (كَبَّر) قصراً من اللَّهُ أكبرُ،
مثل سَبْحَل، وجعلوهما من وادٍ واحد، وهو عندي خطأ للفرق الجلي بينهما، لأن كبّر لفظ يفيد

١٠٧
كتاب بدء الوحي
معنى بنفسه، بخلاف حَوْقَل وسَبْحَل، فإنه لا معنى له في نفسه، فوجب أن يُجعل قصراً من
الجملة، بخلاف كبّر، فإنه موضوعٌ ومفيدٌ لمعنى بنفسه، ولا ضرورةُ فيه إلى أخذه من الجملة.
والوجه فيه عندي أنه مأخوذ من جزء الجملة أي من أكبر في قوله: الله أكبر، وليس
مأخوذاً من الجملة "كمجرب ومرغن، وملبب (بالأردية)"، بخلاف حَوْقَل، فإنه مأخوذ من
مجموع جملة: لا حول ولا قوة إلا بالله، ولا بد. وإذا اتضح الفرق بينهما فالأولى أن يُفَرَّق في
التسمية أيضاً ويُسمَّى مثل سَبْحَل نحتاً، لكونه منحوتاً من الجملة. ويسمى مثل كَبَّر وسَبَّح قصراً
لكونه مأخوذاً من جزئها، فإن سبح مأخوذ من سبحان في قوله: سبحان الله. فالخطأ إنما هو
ممن سمى الأخذ من مجموع الجملة قصراً، مع أنه ينبغي أن يسمى بالنحت، وهذا بالقصر.
ثم اعلم أنه لا بد في التفعيل من ذكر المفعول، بخلاف النحت. فإن المفعول يدخل في
نفس مفهومه، فسبَّح يحتاج إليه، بخلاف سَبْحَل، فإنه صار لازماً واستغنى بمفعولٍ في معناه عن
ذكر مفعول آخر.
وإذ قد علمتَ: أن القصر ما يكون مأخوذاً من جزء الجملة لا من مجموع الجملة، لم يبق
دليل في قوله كَبَّر على خصوص الصيغة، وصار معناه مطلق التعظيم. وكذا جاز لك أن تقول:
معنى قوله ﴿وَلِتُكَتِرُواْ اللَّهَ عَلَى مَا هَدَنَكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٥] ولتُعَِّموا الله على ما هداكم، ومع هذا
لا أُغَيِّر المسألة ولا أدَّعي أن المأمور به مطلقُ التعظيم بأي صيغة كان. وإنما تكلمتُ في تحقق
المدلول وبيان اللغة فقط، مع بقاء المسألة بحالها، فإن اللفظ وإن صار صالحاً للعموم، إلا أن
التعامل قد تواتر على صيغة الله أكبر قُبَيل الصلاة، وفي العيدين. ولم يَرِد في العمل غيرُهُ،
والتعامل هو الفاصل في تعيين المراد عندي. فينبغي أن يُترك وجوب الصيغة وسُنِّيتَها تحت
مراحل الاجتهاد، فإنه لا بحث لنا في العمل، لأن الحنفية كافة لا يشرعون صلواتهم إلا بتلك
الصيغة، وإنما البحث في الأنظار فقط، فَلْيَكِلْهُ إلى الاجتهاد لا سيما إذا اختار ابن الهُمَام
رحمه الله وجوبَهَا. ونُقِل عن الإمام الأعظم أنَّ مَنْ ترك التكبير، أي الصيغة المخصوصة، فقد
أساء، فماذا بعده إلا الجدال. وسيجيء للمسألة أشياء أُخَر في موضعه.
ثم إن قوله: ﴿وَرَبَّكَ فَكَتِرِ ﴾﴾ إشارة إلى الصلاة، وقوله: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِرْ ﴾﴾ إشارة إلى
اشتراط الطهارة، ﴿وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ ﴾﴾ قالوا: أي الأصنام فاهجر. قلت: وعلى هذا لا يبقى له
تعلق بمسألة الصلاة إلا أن يقال معناه: استمر على هجر الأصنام عند الصلاة وغيرها. ويكون
المطلوب ههنا من الأمر هو دوام الهجران لا نفس الفعل. كما قرروا في قوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا
الَّذِينَ ءَامَنُواْ ءَامِنُواْ﴾، والأولى أن يُجْعل إشارة إلى طهارة المكان. كما أن الجملة الأُولى إشارة
إلى طهارة الثياب، فتتعلق الجملتان بالصلاة، ويتسق النظم.
تنبيه: واعلم أن الصلاة فريضةٌ عندي من أول أمر النبوة، نعم ما زالت تتحول صفاتها من
حال إلى حال إلى أن آل الأمر إلى الخمس ليلة المعراج. ومعنى فرضية الخَمْس فيها بيان عدد
المجموع مما فُرِض فيها مع ما قبلها. ثم أُمِدَّت بصلاة هي خير من حُمْر النَّعَم. وإذاً لا تأويل
عندي في الآيات التي ذُكِرَت فيها الصلاتان فقط، كقوله تعالى: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوع

١٠٨
كتاب بدء الوحي
الشَّمْسِ وَقَبْلَ اُلْغُرُوبِ﴾ [ق: ٣٩] فإنهما صلاتان فُرِضَتَا أولاً ثم زِيدت عليهما. وكذلك أجدهما قد
صُلِّيتا بعين شاكلة الفريضة قبل فرضية الخَمس أيضاً، كما عند البخاري: أن النبي ◌َّ صلى
الفجر ببطن نخلة وَجَهَر فيها بالقراءة، وهي بعينها شاكلتها بعد فرضيتها. واتفقوا أيضاً على
ثبوتهما إلا أنهم قالوا بكونهما نفلاً. وعندي لا دليل عليه.
فالحاصلُ: أنه لا خلاف في ثبوت الصلاتين من بدء الأمر كما في السير بإسناد فيه ابن
لَهِيعَة: أن جبرائيل عليه الصَّلاة والسَّلام علَّمه الوضوء عند نزول أوائل ﴿ اقْرَأْ﴾ وعلمه الصلاة
أيضاً. وابن لَهِيعة عالم كبير احترقت كُتُبه، ثم كان يروي من حفظه، فاختلط فيها، فرواياته قبل
الاحتراق مقبولة.
واستمر على ما يَرِدُ عليه والأجوبة عنه: (تابعه عبد الله بن يوسف).
٤ - باب
٥ - حدّثنا مُوسَى بْنُ إِسْماعِيلَ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةً قَالَ: حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ أَبِي
عَائِشَةَ قَالَ: حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ جُبَيرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، فِي قَوْلِهِ تَعَالى: ﴿لَا تُحِّكَ بِهِ، لِسَانَكَ
لِتَعْجَلَ بِهِ۔
﴾ [القيامة: ١٦]، قَالَ: كَانَ رَسُوَّلُ اللَّهِ وَّهَ يُعَالِجُ مِنَ التَّنْزِيلِ شِدَّةً، وَكَانَ مِمَّا
يُحَرِّكُ شَفَتَيْهِ، فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فَأَنَا أُحَرِّكُهُمَا لَكُمْ كَمَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ وَ يُحَرِّكُهُمَا،
وَقَالَ سَعِيدٌ: أَنَا أُحَرِّكُهُمَا كَمَا رَأَيْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ يُحَرِّكُهُمَا، فَحَرَّكَ شَفَتَيْهِ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى:
١٧) [القيامة: ١٦، ١٧]، قَالَ: جَمْعُهُ
﴿لَا تُحَرِّكِ بِهِ، لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ ﴿٣) إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُزْءَانَهُ
لَهُ فِي صَدْرِكَ، وَتَقْرَأَهُ، ﴿فَإِذَا قَرَأْنَهُ فَنَّعْ قُرْءَانَهُ (49):
[القيامة: ١٨]، قَالَ: فَاسْتَمِعْ لَهُ
[القيامة: ١٩]، ثُمَّ إِنَّ عَلَينَا أَنْ تَقْرَأَهُ، فَكَانَ رَسُولُ
وَأَنْصِتْ: ﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ
اللَّهِ وَّ بَعْدَ ذلِكَ إِذَا أَتَاهُ جِبْرِيلُ اسْتَمَعَ، فَإِذَا انْطَلَقَ جِبْرِيلُ قَرَأَهُ النَّبِيُّ ◌َلَكَمَا قَرَأَهُ.
[الحديث ٥ - أطرافه في: ٤٩٢٧، ٤٩٢٨، ٤٩٢٩، ٥٠٤٤، ٧٥٢٤].
واعلم أن في المتابعة أربعة أشياء: المُتَابع، والمتابَع، والمتابَع عنه، والمتابع عليه.
والبخاري يتفنَّن في ذكر المتابعات، فتارة يقول: تابعه فلان، وأخرى: تابعه عن فلان. فليعلم
الفرق بينهما، فالفرق بين الأَوَّلين ظاهر، ((وعنه)): هو ذلك الشيخ، ((وعليه)): هو اللفظ،
فعبد الله بن يوسف ههنا متابع (بالكسر)، ويحيى بن بُكَير الراوي شيخُ البخاري متابع - بالفتح -،
واللیث متابع عنه.
ثم المتابعَة إما تامة أو ناقصة، وقد بينها العلماء في أصول الحديث، وكذا المتابعة غيرُ
الشاهد والفرق بينهما مذكور في ((النُّخْبة)) وغيرها من كتب الأصول.
وفي هذا الحديث صفة أخرى للوحي.
٥ - (وكان مما) قيل: مركب من ((من)) و ((ما))، وقيل: ((مما)) بمعنى ربما، مركباً كان أو
مفرداً، واستشهد له بقول الحماسي :

١٠٩
كتاب بدء الوحي
وإنما لمما نضربُ الكبش بيضة.
(لتعجل به) من باب تلقي المخاطبَ بما لا يترقب، فإن النبي ◌َّ إنما كان ينازع جبريل
عليه السلام في القراءة، ولا يصبر حتى يُتِمَّها لمسارعته إلى الحفظ لئلا يتفَلَّتَ منه شيء، لا
لأنه كان يستعجل ليستريح عن مشقة الحفظ ولا يقاسي تعبه فيما بعد، ولكنه تلقَّى بما لا يترقبه
إظهاراً لعدم ابتغاء التحريك مع قراءته، وتعليماً لحسن الاستماع، وتأديباً لأمر القراءة، كما قال
تعالى: ﴿وَلَا نَعْجَلَ بِالْقُرْءَانِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَىَ إِلَيْكَ وَحْيٌُّ﴾ [طه: ١١٤].
(جَمْعُه لك في صدرك) وفيه اختلاف النسخ، والأفصحُ عندي أن يكون (جمعه) مصدراً.
(قال: فاستمع له وأَنْصِتْ) واعلم أن الإنصات والاستماع يقتصران على الجهرية، فإن
الإنصات مقدمة للاستماع ومعناه التهيؤ للاستماع(١).
(ثم إنّ علينا بيانَه) قد وقع ههنا سوء ترتيب من الراوي: فذكر (أن تقرأه) في تفسير (بيانه)
وهو وَهمٌّ منه، لأنه تفسير لقوله: ﴿وقرآنه﴾ لا لقوله: ﴿بيانه﴾، فنقل تفسير هذا إلى هذا،
ويشهد له ما أخرجه "البخاري في ((التفسير)) (ص ٧٣٤، ج٢) متناً وسنداً وفيه: ﴿قرآنه﴾، أي
أن تقرأه ﴿وبيانه﴾، أي أن تبينه على لسانك. وهذا واضح في المراد، فلا تلتفت إلى
التأويلات. ثم اعلم أن القرآن معناه اتساق النَّظم، يقال: ليس لشعره قرآن "بندش"، ومنه سُمي
القرآن قرآناً عندي .
(لا تحرك به لسانك) ... إلخ، تكلَّم الناس في ربطه، فإن أوَّله وآخره في ذكر أحوال
القيامة، وحينئذٍ قوله: ﴿لَا تُرِّكَ﴾ ... إلخ لا يظهر له كثيرُ ربط، فقيل: لعلَّ النبي ◌َّهَ حَرَّك
شفتيه عند نزوله فنُهي عنه. وقد تعرَّض إليه الرازي إلا أنه لم يأتِ بالجواب الشافي. وقد عُرِف
من عادته أنه يَبْسُط في الإيراد ويُجْمِل في الجواب، ولذا اشتهر عنه أنه يعترض نقداً ويُجِيب
نسيئة .
وقد فتح الله عليَّ جوابَه، ولا بد له من تمهيدٍ مقدمةٍ وهي: إن القرآن قد يكون له معنى
بالنظر إلى سياقه، فإذا نُظِر إلى شأن نزوله يظهر منه معنى آخر. فالوجه في مثله عندي أن يَحْمِل
ما يُفْهَم من النَّظْم مرادَه "الأَوَّليّ"، وما يُفْهَم من النظر إلى الخارج مرادَه الثانوي، وقَصْرُ القرآن
على شأن نزوله ليس بوجيه عندي، ولم أر أحداً منهم صرح بالمراد "الأوَّليّ " والثانوي إلا
مصنفٌ في ((حاشية التلويح)) حيث قال: إن للخمر إطلاقين، فما قاله الحنفية رضي الله تعالى
عنهم مرادٌ "أَوَّلِي"، وما ذكره الشافعية أنَّ كلَّ مُسْكِر خمرٌ، فهو مرادٌ ثانوي. وكانت المسألة من
علم الأصول، فعلى العلماء أن يَبْحثوا في أن نظم القرآن إذا أُعطِي معنىً ثم جاء الحديث يحمله
على خلافِهِ، فهل يُعْتَبَر بنظمِ النص أو الحديث؟
(١) قلت: ويؤيده ما نقله الحافظ (في العلم)، وقد ذكر علي بن المديني أنه قال لابن عُيَيْنَة أخبرني معتمر بن
سليمان، عن كَهْمَس، عن مُطَرِّف قال: الإنصات من العينين، فقال له ابن عيينة: وما ندري كيف ذلك؟ قال: إذا
حَدَّثْتَ رجلاً فلم ينظر إليك لم يكن منصتاً، انتهى. قال الحافظ: وهذا محمول على الغالب.

١١٠
كتاب بدء الوحي
والذي ظهر لي فيه أن يُجعل مراداً أولياً وثانوياً كقوله تعالى: ﴿فَإِنِ طَلَّقَهَا فَلاَ تَحِلُ لَهُ﴾.
[البقرة: ٢٣٠] إلخ قال الشافعية: إنه يتعلق بصدر الكلام، أي قوله تعالى: ﴿اُلْطَّلَقُ مَنَّتَانٍ﴾ [البقرة:
٢٢٩] إلخ وجعلوا ذكر الخُلْعِ جملةً معترضة، والخُلُعِ فسخٌ عندهم. وقال الحنفية رضي الله
تعالى عنهم: إنه يتعلق بما قبله، وقالوا: إن القول تعلّقه بصدر الكلام مع إمكان بتعلقه بما قبله
فكذلك في النظم. قال الشافعية رحمهم الله تعالى: إن قوله: ﴿أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَنٍ﴾ طلاقٌ ثالث
لما عند أبي داود أن رجلاً سأل عن الطلاق الثالث، فقال: هو تسريح بإحسان، وحينئذٍ لو قلنا :
إن قوله ﴿فَإِنِ طَلَّقَهَا﴾ ... إلخ يترتب عليه، لَزِمَ أن يكون هذا الطلاق رابعاً.
قلتُ: التسريح بالإحسان تركُ الرَّجْعَة، وهذا مرادُهُ الأولى، ويدخل فيه الطلاق الثالث
أيضاً على طريق المراد الثانوي، فإن الطلاق أيضاً صورة وقِسْمٌ من تَرْكِ الرَّجْعَة، وإذن لا يكون
قوله: ﴿فَإِن طَلَّقَهَا﴾ بياناً للطلاق المستأنف بل يكون بياناً لأحد قِسْمي ترك الرجعة، فالمراد هو
ما يُفْهَم من النظم. وما يدلّ عليه الحديث فهو داخل في مؤذَّاه أيضاً على طريق المراد الثانوي.
وهذا هو الطريق في جميع المواضع التي يُخالف الحديث النص، فإنه يُوَفي حق النظم القرآني،
ويؤول في الحديث.
إذا أتقنتَ هذا فاعلم أن الله تعالى لمَّا ذكر القيامة وأحوالها وكان المشركون مولَعين
بالسؤال عنها تعنتاً فقالوا: ﴿أَيَّنَ مُرْسَنَهًا﴾ [النازعات: ٤٢] وأمثال ذلك، فحقَّق الله من أول الأمر
أن لا يتكلم فيه بحرف، وأن لا يتعجل في تحصيل علمه وتفصيله، بل عليه أن يحفظ بقدر ما
علَّمناه، وينتظرَ تفصيله فيما يأتي حسبما يريده الله تعالى شيئاً فشيئاً. وما ذكره ابن عباس
رضي الله تعالى عنه من تحريك شفتيه فهو مراد أيضاً لكن على طريق المراد الثانوي، وقد
علمتَ أن قصر النَّظْم على ما ورد في شأن نزوله ليس بسديد، ولا سيما إذا خالف سياق
القرآن، والله تعالى أعلم وعليه التُّكْلَان.
٥ - باب
٦ - حدّثنا عَبْدَانُ قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبدُ اللَّهِ قَالَ: أَخْبَرَنَا يُونُسُ عَنِ الزُّهْرِيِّ (ح) قال:
وَحَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ قَالَ: أَخْبَرَنَا يُونُسُ وَمَعْمَرٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ نَحْوَهُ
قَالَ: أَخْبَرَنِي عُبَيْدُ اللَّهُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ وَِّ أَجْوَدَ النَّاسِ،
وَكَانَ أَجْوَدَ مَا يَكُونُ فِي رَمَضَانَ حِينَ يَلقَاهُ جِبْرِيْلُ، وَكَانَ يَلِقَاهُ فِي كُلِّ لَيلَةٍ مِنْ رَمَضَانَ
فَيُدَارِسُهُ القُرْآنَ، فَلَرَسُولُ اللَّهِ وَهِ أَجْوَدُ بِالخَيرِ مِنَ الرِّيحِ المُرْسَلَةِ. [الحديث ٦ - أطرافه في:
١٩٠٢، ٣٢٢٠، ٣٥٥٤، ٤٩٩٧].
٦ - (حدثنا عَبْدَانُ) ... إلخ كان في الأصل تثنيةً ثم صار عَلَماً، وقيل: بل عَلَمٌ من
الأصل نحو عثمان، وذكر الزَّمْخَشَرِيّ عند الكلام على لفظ الرحمن: إني كنت ذاهباً إلى
الطائف فسألتُ عن البدوي هذا شخدف، قال: بل "شغنداف يريد به الشغدف الكبير" فكذلك
عبدان، وحيثما كان بعده عبد الله فهو ابن المبارك. قال الحافظ: من دأب المصنف رضي الله

١١١
كتاب بدء الوحي
تعالى عنه أنه يذكر المتن في التحويل لآخر الطريقين، وقال الشيخ أبو عمرو بن الصلاح: أنه
يكون لآخر الطريقين أو للسند العالي.
قلت: ولعل ما ذكره الحافظ رضي الله تعالى عنه فهو عادة للبخاري خاصة، وأما ما ذكره
ابن الصلاح فهو عادة عامة المحدثين، فالمتن ههنا لبشر بن محمد.
قلت: وهو كذلك إلا أنه قد يوجد خلافه أيضاً، فإنه أخرجه في مقام آخر من لفظ عبدان
أيضاً .
(أجودُ ما يكون) والجُودُ أبلغُ من السَّخَاء، ولذا يقال: إن الله سبحانه جَوَادٌ ولا يقال
سَخِيٌّ. واخْتُلِفَ في إعرابه، وأجاز ابن مالك الرفعَ والنصبَ.
قلت: وهما صحيحان إلا أن رواية الكتاب بالرفع، وما قيل: إن النصب لا يجوز لأن ما
مصدرية، فلا يصح الحمل، فليس بشيء، فإنّ حرف المصدر لا يُخْرج الفعل عن حقيقته بحيث
لا يبقى بينه وبين المصدر الصِّرْف فرق، ولهذا ذهب السيد الجُرجاني رضي الله تعالى عنه في
بعض حواشيه إلى أنَّ المصدر المُنْسَبِك لا يتجرَّد عن معنى الفعلية بالكلية. وفَرَّق ابن القَيِّم
رضي الله تعالى عنه في ((بدائع الفوائد)) بين قولهم: أعجبني قيامُك، وبين قولهم: أعجبني أن
تقوم: بأن الأول يَصْلُح فيما حَصَل التعجبُ من نفس القيام، أو من بعض أحواله، بخلاف
الثاني، فإنه يختص بما حصل التعجب من نفس القيام. وأيضاً لا دلالة للأول على الزمان أصلاً
بخلاف الثاني، فافترقا .
ومُحَضَّل الوجه المختار عندي: أن (أجود) اسم كان، و(في رمضان) حال، وحاصلاً
خبرُه مقدَّر، والضمير في (يكون) للنبي وَّر، وليس في أجود ضمير. وهذا جائز في المشتق كما
قيل في سيد الأنبياء لا ضمير فيه، وكان أجود ما يكون النبي وسلم حال كونه في رمضان
حاصلاً، يعني كان جوده الكثير في رمضان. وحينئذٍ لم يُحْكم فيه بكونه أجودَهم، ولكن
المقصود منه أن جوده الكثير كان في رمضان، بخلاف صورة النصب، فهو كقولهم ضربي زيداً
قائماً. (جبرائيل) إيل أي: الله، ومِيكًا، وجِبْرَ، قريبٌ من معنى العبد، وحاصله عبد الله، وعَكَسَهُ
بعضُهم أن إيل بمعنى العبد، ومِيكًا وغيره بمعنى الله، وحينئذٍ شَاكِلَتُه كشاكلة عبد الله وعبد
الرحمن، حيث يبقى لفظ العبد ويتغير لفظ الله والرحمن.
قلت: وهو القياس إلا أن علماءهم مصرِّحون بخلافه. (فيدارسه القرآن) ودَارَسَهُ في سنةٍ
رِحلته مرتين. أقول: ما كتب عمر رضي الله تعالى عنه في التراويح إلى البلاد لعله مأخوذ من
مثل هذه الأمور.
٦ - باب
٧ - حدّثنا أَبُو اليَمانِ الحَكَمُ بْنُ نَافِع قَالَ: أَخْبَرَنَا شُعَيبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ:
أَخْبَرَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُثْبَةَ بْنِ مَشْعُودٍ: أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسَ أَخْبَرَهُ: أَنَّ أَبَا
سُفَيَانَ بْنَ حَرْبٍ أَخْبَرَهُ: أَنَّ هِرَقْلَ أَرْسَلَ إِلَّيهِ فِي رَكْبٍ مِنْ قُرَيْشٍ، وَكَانُوا تُّجَّاراً بالشَّأُمِ فِي

١١٢
كتاب بدء الوحي
المُدَّةِ الَّتِي كَانَ رَسُولُ اللَّهِ نَّ ماذَّ فِيهَا أَبا سُفيَانَ وَكُفَّارَ قُرَيشٍ، فَأَتَوْهُ وَهُمْ بِإِلِيَاءَ،
فَدَعَاهُمْ فِي مَجْلِسِهِ، وَحَوْلَهُ عُظَمَاءُ الرُّومِ، ثُمَّ دَعَاهُمْ وَدَعَا بِتَرْجُمَانِهِ، فَقَالَ: أَيُّكُمْ أَقْرَبُ
نَسَباً بِهذا الرَّجُلِ الَّذِي يَزْعُمُ أَنَّهُ نَبِيٌّ؟ فَقَّالَ أَبُو سُفيَانَ: فَقُلْتُ: أَنَا أَقْرَبُهُمْ نَسَباً، فَقَالَ:
أَذْنُوهُ مِنِّي، وَقَرِّبُوا أَصْحَابَهُ، فَاجْعَلُوهُمْ عِنْدَ ظَهْرِهِ، ثُمَّ قَالَ لِتَرْجُمَانِهِ: قُلِ لَهُمْ إِنِّي سَائِلٌ
هذا عَنْ هذا الرَّجُلِ، فَإِنْ كَذَبَنِي، فَكَذِّبُوهُ، فَوَ الَلَّهِ لَوْلًا الحَيَاءُ مِنْ أَنْ يَأْثِرُوا عَلَيَّ كَذِباً
لَكَذَبْتُ عَنْهُ، ثُمَّ كَانَ أَوَّلَ مَا سَأَلَنِي عَنْهُ أَنْ قَالَ: كَيفَ نَسَبُهُ فِيكُمْ؟ قُلتُ: هُوَ فِينَا ذُو
نَسَبٍ، قَالَ: فَهَلَ قَالَ هذا القَوْلَ مِنْكُمْ أَحَدٌ قَظُ قَبْلَهُ؟ قُلتُ: لَا، قَالَ: فَهَل كَانَ مِنْ آبَائِهِ
مِنْ مَلِكِ؟ قُلتُ: لَا، قَالَ: فَأَشْرَافُ النَّاسِ يَتَّبِعُونَهُ، أَمْ ضُعَفَاؤُهُمْ؟ فَقُلتُ: بَل ضُعَفَا ؤُهُمْ،
قَالَ: أَيَزِيدُونَ أَمْ يَنْقُصُونَ، قُلتُ: بَل يَزِيدُونَ، قَالَ: فَهَل يَرْتَدُّ أَحَدٌ مِنْهُمْ سَخْطَةً لِدِينِهِ بَعْدَ
أَنْ يَدْخُلَ فِيهِ؟ قُلتُ: لَا، قَالَ: فَهَل كُنْتُمْ تَنَّهِمُونَهُ بِالكَذِبِ قَبْلَ أَنْ يَقُولَ مَا قَالَ؟ قُلتُ:
لَا ، قَالَ: فَهَل يَغْدِرُ؟ قُلتُ: لَا، وَنَحْنُ مِنْهُ فِي مُدَّةٍ، لَا نَدْرِي مَا هُوَ فَاعِلٌ فِيهَا - قَالَ:
وَلَمْ تُمْكِنِّي كَلِمَةٌ أُدْخِلُ فِيهَا شَيئاً غَيرُ هذهِ الكَلِمَةِ - قَالَ: فَهَل قَاتَلتُمُوهُ؟ قُلتُ: نَعَم،
قَالَ: فَكَيفَ كَانَ قِتَالُكُمْ إِيَّاهُ؟ قُلتُ: الحَرْبُ بَيْنَنَا وَبَينَهُ سِجَالٌ، يَنَالُ مِنَّا، وَنَنَالُ مِنْهُ،
قَالَ: مَاذَا يَأْمُرُكُمْ؟ قُلتُ: يَقُولُ: اعْبُدُوا اللَّهَ وَحْدَهُ، وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيئاً، وَاتْرُكُوا مَا
يَقُولُ آبَاؤُكُمْ، وَيَأْمُرُنَا بِالصَّلَاةِ، وَالصِّدْقِ، وَالعَفَافِ، وَالصِّلَةِ، فَقَالَ لِلتَّرْجُمَانِ: قُل لَهُ:
سَأَلْتُكَ عَنْ نَسَبِهِ، فَذَكَرْتَ أَنَّهُ فِيكُمْ ذُو نَسَبٍ، فَكَذلِكَ الرُّسُلُ تُبْعَثُ فِي نَسَبٍ قَوْمِهَا،
وَسَأَلِتُكَ: هَل قَالَ أَحَدٌ مِنْكُمْ هذا القَوْلَ؟ فَذُّكَرْتَ أَنْ لَا، فَقُلتُ: لَوْ كَانَ أَحَدَّ قَالَ هذا
القَوْلَ قَبْلَهُ لَقُلتُ: رَجُلٌ يَأْتَسِي بِقَوْلٍ قِيلَ قَبْلَهُ، وَسَأَلْتُكَ هَلِ كَانَ مِنْ آبَائِهِ مِنْ مَلِكٍ؟
فَذَكَرْتَ أَنْ لَا، قُلتُ: فَلَوْ كَانَ مِنْ آبَائِهِ مِنْ مَلِكٍ قُلتُ: رَجُلٌ يَطْلُبُ مُلكَ أَبِيهِ، وَسَأَلْتُكَ:
هَلِ كُنْتُمْ تَتَّهِمُونَهُ بِالكَذِبِ قَبْلَ أَنْ يَقُولَ مَا قَالَ؟ فَذَكَرْتَ أَنْ لَا، فَقَدْ أَعْرِفُ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ
لِيَذَرَ الكَذِبَ عَلَى النَّاسَ، وَيَكْذِبَ عَلَى اللَّهِ، وَسَأَلتُكَ: أَشْرَافُ النَّاسِ اتَّبَعُوهُ أَمْ
ضُعَفَاؤُهُمْ؟ فَذَكَرْتَ أَنَّ ضُعَفَاءَهُمُ اتَّبَعُوهُ، وَهُمْ أَتْبَاعُ الرُّسُلِ، وَسَأَلِتُكَ: أَيَزِيدُونَ أَمْ
يَنْقُصُونَ؟ فَذَكَرْتَ أَنَّهُمْ يَزِيدُونَ، وَكَذلِكَ أَمْرُ الإِيمَانِ حَتَّى يَتِمَّ، وَسَأَلِتُكَ: أَيَرْتَدُّ أَحَدٌ
سَخْطَةً لِدِينِهِ بَعْدَ أَنْ يَدْخُلَ فِيهِ؟ فَذَكَرْتَ أَنْ لَا، وَكَذلِكَ الإِيمَانُ حِين تُخَالِطُ بَشَاشَتُهُ
القُلوبَ، وَسَأَلتُكَ: هَل يَغْدِرُ؟ فَذَكَرْتَ أَنْ لَا، وَكَذلِكَ الرُّسُلُ لَا تَغْدِرُ، وَسَأَلْتُكَ: بِمَا
يَأْمُرُكُمْ؟ فَذَكَرْتَ أَنَّهُ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَعْبُدُوا اللَّهَ، وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيئاً، وَيَنْهَاكُمْ عَنْ عِبَادَةِ
الأَوْثَانِ، وَيَأْمُرُكُمْ بِالصَّلَاةِ، وَالصِّدْقِ، وَالعَفَافِ، فَإِنْ كَانَ مَا تَقُولُ حَقّاً، فَسَيَمْلِكُ مَوْضِعَ
قَدَمَيَّ هَاتَينٍ، وَقَدْ كُنْتُ أَعْلَمُ أَنَّهُ خَارِجٌ، لَمْ أَكُنْ أَظُنُّ أَنَّهُ مِنْكُمْ، فَلَوْ أَنِّي أَعْلَمُ أَنِّي
أَخْلُصُ إِلَيهِ، لَتَجَشَّمْتُ لِقَاءَهُ، وَلَوْ كُنْتُ عِنْدَهُ لَغَسَلتُ عَنْ قَدَمِيهِ، ثُمَّ دَعَا بِكِتَابٍ رَسُولٍ
اللَّهِ ◌َّهِ الَّذِي بَعَثَ بِهِ دِحْيَةُ إِلَى عَظِيمٍ بُصْرَى، فَدَفَعَهُ إِلَى هِرَقْلَ، فَقَرَأَهُ، فَإِذَا فِيهِ:

١١٣
كتاب بدء الوحي
بِسْمِ اللهِ الرََّنِ الرَّحَيَةِ
مِنْ مُحَمَّدٍ عَبْدِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى هِرَقْلَ عَظِيم الرُّوم، سَلَامٌ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الهُدَىِ. أَمَّا
بَعْدُ، فَإِنِّي أَدْعُوكَ بِدِعَايَةِ الإِسْلَامِ، أَسْلِمْ تَسْلَمْ، يُؤْتِكَّ اللَّهُ أَجْرَكَ مَرَّتَينٍ، فَإِنْ تَوَلَّيتَ،
فَإِنَّ عَلَيكَ إِثْمَ الأَرِيسِيِّينَ و: ﴿يَتَأَهْلَ الْكِنَبِ تَعَالَوْاْ إِلَى كَلِمَةٍ سَوَلَ بَيْنَنَا وَبَيْتَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلََّ
اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ، شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًّا أَرْبَابًا مِن دُونِ اللَّهِ فَإِن تَوَلَّوْاْ فَقُولُواْ أَشْهَدُواْ بِأَنَّا
﴾ [آل عمران: ٦٤].
مُسْلِمُونَ (٦٤)
قَالَ أَبُو سُفْيَانَ: فَلَمَّا قَالَ مَا قَالَ، وَفَرَغَ مِنْ قِرَاءَةِ الكِتَابِ، كَثُرَ عِنْدَهُ الصَّخَبُ،
وَارْتَفَعَتِ الأَصْوَاتُ، وَأُخْرِجْنَا، فَقُلتُ لأَصْحَابِي حِينَ أُخْرِجْنَاَ: لَقَدْ أَمِرَ أَمْرُ ابْنٍ أَبِي
كَبْشَةَ، إِنَّهُ يَخَافُهُ مَلِكُ بَنِيَ الأَصْفَرِ، فَمَا زِلتُ مُوقِناً أَنَّهُ سَيَظَهَرُ، حَتَّى أَدْخَلَ اللَّهُ عَلَّيَّ
الإِسْلَامَ، وَكَانَ ابْنُ النَّاطُورِ - صَاحِبُ إِيلِيَاءَ وَهِرَقْلَ - أُسقِفَ عَلَى نَصَارَى الشَّأُم، يُحَدِّثُ
أَنَّ هِرَقْلَ حِينَ قَدِمَ إِيلِيَاءَ، أَصْبَحَ يَوْماً خَبِيثَ النَّفسِ، فَقَالَ بَعْضُ بَطَارِقَتِهِ: قَدِ اسْتَنْكَرْنَا
هَيئَتَكَ، قَالَ ابْنُ النَّاطُورِ: وَكَانَ هِرَقْلُ حَزَّاءً، يَنْظُرُ فِي النُّجُومِ، فَقَالَ لَهُمْ حِينَ سَأَلُوهُ:
إِنِّي رَأَيتُ اللَّيلَةَ حِينٍ نَظَرْتُ فِي النُّجُومِ مَلِكَ الخِتَانِ قَدْ ظَهَرَ، فُمَنْ يَخْتَتِنُ مِنْ هذهِ الأُمَّةِ؟
قَالُوا: لَيسَ يَخْتَتِنُ إِلَّ اليَهُودُ، فَلَا يُهِمَّنَّكَ شَأْنُهُمْ، وَاكْتُبْ إِلَى مَدَائن مُلكِكَ، فَيَقْتُلُوا مَنْ
فِيهِمْ مِنَ اليَهُوِدِ، فَبَيْنَمَا هُمْ عَلَى أَمْرِهِمْ، أُتِيَ هِرَقْلُ بِرَجُلٍ أَرْسَلَ بِهِ مَلِكُ غَسَّانَ، يُخْبِرُ عَنْ
خَبَرِّ رَسُولِ اللَّهِ ◌َِّ، فَلَمَّا اسْتَخْبَرَهُ مِرَقْلُ، قَالَ: اذْهَبُوا فَانْظُرُوا أَمُخْتَتِّنٌ هُوَ أَمْ لَا؟ فَنَظَرُوا
إِلَيْهِ، فَحَدَّثُوهُ أَنَّهُ مُخْتَتِنٌ، وَسَأَلَهُ عَنِ العَرَبِ، فَقَالَ: هُمْ يَخْتَتِنُونَ، فَقَالَ هِرَقْلُ: هذا مُلكُ
هذهِ الأُمَّةِ قَدْ ظَهَرَ، ثُمَّ كَتَبَ هِرَقْلُ إِلَى صَاحِبٍ لَهُ بِرُومِيَةَ، وَكَانَ نَظِيرَهُ فِي العِلم، وَسَارَ
هِرَقْلُ إِلَى حِمْصَ، فَلَمْ يَرِمْ حِمْصَ، حَتَّى أَتَاهُ كِتَابٌ مِنْ صَاحِبِهِ، يُوَافِقُ رَأْيَ هِرَّقْلَ عَلَى
خُرُوجِ النَّبِيِّنَِّ، وَأَنَّهُ نَبِيٍّ فَأَذِنَ هِرَقْلُ لِعُظَمَاءِ الرُّومِ فِي دَسْكَرَةٍ لَهُ بِحِمْصَ، ثُمَّ أَمَرَ
بِأَبْوَابِهَا فَغُلِّقَتْ، ثُمَّ اطَّلَعَ فَقَالَ: يَا مَعْشَرَ الرُّومِ هَل لَّكُمْ فِيِ الفَلَاحِ وَالرُّشْدِ وَأَنْ يَثْبُتَ
مُلكُكُمْ، فَتُبَايِعُوا هذا النَّبِيَّ؟ فَخَاصُوا حَيصَةَ حُمُرِ الوَحْشِ إِلَى الأَبَّوَابِ، فَوَجَدُوهَا قَدْ
غُلِّقَتْ، فَلَمَّا رَأَى هِرَقْلُ نَفْرَتَهُمْ وَأَيِسَ مِنَ الإِيمَانِ، قَالَ: رُّدُوهُمْ عَلَيَّ، وَقَالَ: إِنِّي قُلتُ
مَقَالَتِي آنِفاً أَخْتَبِرُ بِهَا شِدَّتَكُمْ عَلَّى دِينِكُمْ، فَقَدْ رَأَيْتُ، فَسَجَدُوا لَهُ وَرَضُوا عَنْهُ، فَكَانَ ذلِكَ
آخِرَ شَأْنِ هِرَقْلَ.
رَوَاهُ صَالِحُ بْنُ كَيسَانَ، وَيُونُسُ، وَمَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ. [الحديث ٧ - أطرافه في: ٥١،
٢٦٨١، ٢٨٠٤، ٢٩٤١، ٢٩٧٨، ٣١٧٤، ٤٥٥٣، ٥٩٨٠، ٦٢٦٠، ٧١٩٦، ٧٥٤١].
ذكر حديث هرقل
واعلم أنه لا بد لنا أوّلاً أن نُلقي عليك ما في الحديث من القصة إجمالاً ليتضِح عندك أنه

١١٤
كتاب بدء الوحي
كيف اتفق اجتماع أبي سفيان مع قيصر في بيت المقدس. ثم نشرح لك الحديث. فاعلم أن
السلطنة العظيمة قديماً كانت في الروم وإيران، وأصل إطلاق الرُّوم كان على إيطالية وكانت
تُدعى برومة الكبرى، وعامة إطلاق الرُّوم في القرآن والحديث على نصارى إيطالية ويونان
وقسطنطينية، وقد يُطلق على مطلق النصارى أيضاً، ثم إيطالية وقسطنطينية كانتا بمنزلة واحدة،
فلما جرت بينهما ريح الاختلاف جعل الملك العظيم دار مملكته القسطنطينية، وكان مَلِكَهم في
زمنه وَلّ هِرَقلُ، وكان نصرانياً.
ثم إن لَقَبَ ملك الروم كان قَيْصَر، وملك إيران كِسْرَى، فهرقلُ اسمُهُ وقَيْصَر لقبه، وكذا
اسم كسرى إذ ذاك خسرو برويز، وهو ابن هُرْمُز بن أَنُو شِيروَان، وكان كسرى لقبه، فوقع
الحرب بينهما في زمن النبي ◌َ، ولما كان قيصر نصرانياً وكسرى مجوسياً كان المسلمون
يفرحون بفتح قيصر والمشركون بفتح كسرى. وفي هذا وقعت قصة اشتراط أبي بكر الصديق
رضي الله تعالى عنه مع المشركين، وهو معروف، ويُستفاد منه جواز الفرح بفتح الكافر إذا كان
أهونَ من الآخر، كما فَرِح المسلمون بفتح قيصر في مقابلة كسرى، فإنه كان مجوسياً وأشد كفراً
من قيصر لكونه كتابياً .
وكان قيصر نذر لله تعالى إن كشف الله عنه جَوْرَ فارس ليمشي إلى إيليا حافياً، فلما فتح
له أوفى بنذره ووصل إليه، وكان تُبْسَطُ له البُسُط، وتُلقى على طريقه الرياحين فيمشي عليها،
وكان أبو سفيان إذ ذاك كافراً لم يُسْلِم، وأسلم السنة الثامنة، وكان النبي ◌َّ صالح المشركين
في الحديبية إلى عشرة سنين، وأدرك منها أربعة، فغدروا فيها فغزاهم في السنة الثامنة، وأرسل
في تلك المدة الخُطُوط إلى الملوك يدعوهم إلى الإسلام، فصدَّق كثيرٌ منهم، غير أنهم لم يلتزم
منهم طاعَته إلا النجاشيُّ. أما كسرى مَلِك إيران فمن شقاوته مَزَّقَ كتابه ◌َّهِ، فلما بلغه خبره دعا
عليه فَمُزِّقَ كلَّ مُمَزَّق، وكان هلاكه على يد ابنه.
وقصته: أن ابنه عَشِق على امرأته شيرين فقتل أباه. وكان شيرويته بن خسرو برويز مغرماً
بالأدوية المقوية، فرأى يوماً دواء في حقَّهَ، وزعم أنه دواء مقوي فأكله، وكان فيه سُمّ فهلك،
فأصابهم دعاء نبي الله بَّرَ، ومُزِّقوا كلَّ مُمَزَّق.
وأما من كان صَدَّقه فَسَلِمُوا من الهلاك، ولو آمنوا به لأفلحوا كلَّ الفلاح، وكان هرقل
محروماً حيث لم يؤمن به طمعاً في مُلْكِه، ولو آمن به لَسَلِمَ مُلْكُه. وقد كان النبي والر أشار إليه
أيضاً، حيث كتب ((أَسْلِمْ تَسْلَمْ))، ولكنَّ اسْتَحْمَقَ وآثر الدنيا على الآخرة.
وبالجملة لمَّا كتب النبي ◌َّيه إلى الملوك كتب إلى قيصر أيضاً. وأبو سفيان خرج في تلك
المدة إلى الشام للتجارة فوافق مجيء قيصر، ثم كان أمرهما كما في الحديث. وإنما بعثه
بواسطة دِحْيَة الكَلْبِي، لأنه كان جميلاً، وكان الملوك إذ ذاك لا يقبلون الكتاب إلا من رسول
جميل. ثم إن النبي ◌َّليّ لم يبعث كتابه إلى هرقل بل بعث إلى عظيم بُصْرَى ليدفعه إلى هرقل،
لأن ذلك هو الطريق في الملوك، فلما بلغه كتابه سأل هل فيهم من أهل قَرَابة النبيِ وَّ؟ فلما
أُخْبِر به فتح الكتاب ... إلى آخر القصة.

١١٥
كتاب بدء الوحي
٧ - (عند ظهره) لئلا يَسْتَحْيُوا أن يواجهوه بالتكذيب إن كذب.
(إن كذبني) بالتخفيف أي إن نقل إلى الكذب.
(يأثروا) ينقلوا .
(سِجَال) فكأنه شبه المحاربين بالمُسْتَقِين بالدلو ليستقي هذا دلواً وهذا دلواً. وأشار أبو
سفيان بذلك إلى ما وقع بينهم في غزوة بدر وغزوة أُحُد. واعلم أن هرقل كان عالماً بالتوراة
وأحوال الأنبياء فلم يجعل هزيمة أصحابه ◌َّ دليلاً على عدم صدقه، لأنه كان يعلم أن موسى
عليه السلام أول من انهزم في مقابلة العمالقة فقال: يا رب ما هذا؟ قال: لا أبالي، أي هذه
سنتي قد يكون النبي غالباً وقد يكون مغلوباً. نعم، إنما تكون العاقبة للأنبياء، ففتح الله في زمن
يُوشَع عليه السلام.
قوله: ﴿وَلَا تُشْرِكُواْ﴾ ... إلخ واعلم أن الإشراك بالله على عِدّة أقسام: الإشراك في
الذات، والإشراك في الصفات، والإشراك في العبادة، والرابع: الإشراك في الطاعة، أما
الأوَّلانِ فظاهران. وأما الثالث فيعم أن تكون عبادةُ الغير مع زعم كونه معبوداً، أو لا كبعض
مشركي العرب حيث قالوا: ﴿مَا تَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِبُونَآ إِلَى اللَّهِ زُلْفَ﴾ [الزمر: ٣] وأما الرابع، فنبه عليه
الشاه عبد القادر رحمه الله، وهو أن يُتَّبِعِ في تحليل الحرام وتحريم الحلال غير الله سبحانه
وتعالى، كما كان النصارى يتخذون أرباباً من دون الله، فهذا أيضاً نوع من الشِّرك، وسماه الشاه
عبد القادر رحمه الله الشركَ في الطاعة، فاعلمه.
(بالصلاة) واعلم أن الألفاظ التي لُوحِظت فيها القيود عند الشرع حقائق عندي لا مجاز
فيها ولا عموم المجاز، كيف مع أن أبا سفيان في زمن الجاهلية يستعمل الصلاة في تلك
الحقيقة حقيقة، وإن لم يَكْتَنِه حقيقتَها فالشيء لا يصير مجازاً بتبدُّل الهيئة، وإلا يلزم أن تكون
صلاة الحنفية مجازاً عند الشافعية وبالعكس. وكذا يلزم أن يكون إيمان أحدهما مجازاً عند
الآخر، وهو باطل، خلافاً لبعضهم كما سيجيء.
(وقد كنت أعلم) قال المازني هذه الأشياء التي سأل عنها هِرَقْل ليست قاطعةً على النبوة،
إلا أنه يحتمل أنها كانت عنده علامات على هذا النبي بعينه وير لأنه قال بعد ذلك: قد كنت
أعلم أنه خارج ولم أكن أظنّ أنه منكم. وما أورده احتمالاً جَزَمَ به ابن بَطَّال وهو ظاهر كذا في
((الفتح)). وهو وإن صدقه قلو لكنه كافر لما في المسند لأحمد: أنه كتب من تبوك إلى النبي صلَله
أني مسلم، فقال ◌َّ: ((كذب بل هو على نصرانيته)).
قال الحافظ رحمه الله: فعلى هذا إطلاق صاحب ((الاستيعاب)) أنه آمن، يعني به أَظْهَر
التصديقَ، لكنه لم يستمر عليه ويعمل بمقتضاه.
(بسم الله الرحمن الرحيم) وإنما جمع بين اسم الله الرحمن، لأن اسم الله كان معروفاً
عند بني إسماعيل، والرحمن عند بني إسرائيل، فجاء القرآن يجمع بينهما، وقال: ﴿قَلِ أَدْعُواْ اللَّهَ
أَوِ ادْعُواْ الرَّحْمَنَّ أَيَّا مَا تَدْعُواْ فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ [الإسراء: ١١٠].

١١٦
كتاب بدء الوحي
(عظيم الروم) فيه عدول عن ذكره بالمَلِك، لأنه معزول بحكم الإسلام، لكنه لم يُخْلِهِ من
إكرام لمصلحة التألّف. كذا في ((الفتح)).
(إني أدعوك) والدعاية كالشِّكَاية، وعند مسلم بداعية الإسلام، أي بالكلمة الداعية إلى
الإسلام.
٧ - (أسلم تَسْلَم) لي فيه شبهةٌ، وهي أن هرقل كان مسلماً من قبلُ على دين عيسى عليه
الصَّلاة والسَّلام ولم تبلغه الدعوة إذ ذاك، فإن يكُ كافراً فمن حين الإنكار، فما معنى دعوته إلى
الإسلام مع كونه مسلماً؟ لا يقال الإسلام على معناه اللغوي أي الإطاعة، لأن الذوق لا يقبله.
فالأوجه أن يقال: إن الإسلام لقبٌ مخصوص بهذه الأمة، ولم يُطلق على أحد من الأمم من
حيث اللقبُ قال تعالى: ﴿هُوَ سَمَّنَكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِن قَبْلُ﴾ [الحج: ٧٨]، وقال تعالى: ﴿ وَرَضِيتُ
لَكُمُ الْإِسْلَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣]، وقال: ﴿وَمَن يَبْتَعْ غَيْرَ الْإِسْلَمِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ [آل عمران: ٨٥]،
فإطلاقه وإن شَمِلَ الكلَّ إلا أنه صار وصفاً مشتهراً لهذه الأمة فقط، وحينئذٍ فالإسلام أضيقُ من
الإيمان، فإنّ الإيمان لا يختص بأمة دون أمة إجماعاً، وهذا على عكس ما سيجيء في كتاب
الإيمان ولكنهما نظران.
ثم إن تكلّف متكلِّفٌ أن الإسلام وإن كان عاماً لكنه يتحول إلى نبي الوقت في زمانه، وإذاً
معناه: أَسْلِم بنبي الوقت، لأن الإسلام قد انتقل إليه الآن! أقول: والأفصح حينئذٍ أن يقول:
أسْلِمْ لي، ليدلَّ على الانتقال والتحوُّل.
(يُؤْتِكَ اللَّهُ أجركَ مرتين) قال الحافظ: والأجرُ مرتين لكونه مؤمناً بنبيه ثم آمن
بمحمد ◌ّ. ويحتمل أن يكون تضعيف الأجر له من جهة إسلامه، ومن جهة أن إسلامه يكون
سبباً لدخول أتباعه. وسيأتي التصريح بذلك في كتاب العلم إن شاء الله تعالى. وقد اشتملت
هذه الجملُ القليلة التي تضمَّنها كتابُ النبي وَّرَ على الأمر بقوله: ((أَسْلِم))، والترغيب بقوله:
(تَسْلَم))، و((يُؤْتِكَ)). والزَّجْرِ بقوله: ((فإن تَوَلَّيْتَ))، والترهيب بقوله: ((فإنَّ عليك))، وفي ذلك من
البلاغة ما لا يخفى.
(فإن تولَّيْتَ) وإنما لم يَقُلْ: فإن كفرتَ، لئلا يُغْضِبَه.
(اليريسين) وفيه لغات، ومعناه الأُكَّارِين أي الزَّرَّاعين، ومرّ عليه الطحاوي في مشكله(١)
(١) قال أبو جعفر الطحاوي فاحتجنا أن نَعْلَم مَن الأريسيون المذكورون في هذه الآثار، فوجدنا أبا عُبَيْدة قد قال:
في كتابه ((كتاب الأموال)) مما كتب به إليَّ عليّ بن عبد العزيز يحدثني به عنه قد قال: هم الخدم والخولة. قال
أبو جعفر: كان يعني أن يكون عليه إنمهم لصده إياهم عن الإسلام بمملكته لهم ورياسته عليهم، كمثل ما
حكى الله عمن يقول يوم القيامة ﴿رَبَّاً إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا﴾ وكمثل قول سحرة فرعون لفرعون
لما قامت عليهم الحجة لموسى من الآية المعجزة التي جاءهم بها من عند الله عز وجل مما لا يجيء من السحرة
مثلُه: ﴿وَمَّا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السِّخْرِّ﴾ أي استعملتنا فيه وأجبرتنا عليه. قال أبو عُبَيْدة في هذه الرواية: وهكذا يقول
أصحاب الحديث يعني ما يقولونه من الأريسين، والصحيح الأريسيين. اهـ. ((مشكل الآثار)). قلت: وعبارة
(كتاب الأموال)» هكذا قال أبو عُبَيد: يعني بالأريسيين أعوانه وخدمه، قال أبو عبيد: وقال غيره الأرسيين، وهذا
عندي هو المحفوظ .
=

١١٧
كتاب بدء الوحي
وتكلم كلاماً جيداً وحاصله: أن المراد منه الرعايا وسكانُ بلده. بقي أنه يخالف قوله تعالى:
﴿وَلَا نَزُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام: ٦٤] فإنها تدل على أنَّ أحَداً لا يحمل إثمَ أحدٍ، قلت: الإثم
إثمان: إثم التسبيب وإثم المباشرة، وإثم التسبيب يكون عليه لأنه مِن فعله، ولا يخالف الآية،
فإنها في إثم المباشرة، والوجه عندي أن معناه إثم إهلاكهم عليك، وأما إثم كفرهم فعليهم (١).
(﴿سَوَآِ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُؤْ﴾)(٢) فإن قيل: إن القوم كانوا مشركين، وكانوا يعبدون
ثم قال الطحاوي بعد نقل كلام أبي عُبَيد راداً عليه قال أبو جعفر: وهذا عندنا بخلاف ما قال أبو عُبَيد، لأن ما قال
=
أصحاب الحديث مما حكاه عنهم هو على نسبة أحد آبائهم الأريس لهم. يقال له: أريس، فيقال في نصبه وجره
الأريسيين، ويقال في رفعه الأريسيون، كما تقول للقوم إذا كانوا منسوبين إلى رجل يقال له يعقوب اليعقوبين في
نصب ذلك وجره، وتقول في رفعه اليعقوبيون، فمثل ذلك فيما ذكرنا الأريسين والأريسيون، وإذا أردت بذلك
الجمع للأعداد لا الإضافة إلى رجل يقال له يعقوب قلت في النصب والجر: اليعقوبين، وقلت في الرفع:
اليعقوبون، فبانَ بحمد الله ونعمته أن أصحاب الحديث لم يخطئوا فيما ادَّعَى عليهم أبو عبيد الخطأ فيه، وأنه
محتَمِل لما قالوه، والله أعلم بحقيقة ما قال له رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم في ذلك.
وقد ذكر بعض أهل المعرفة بهذه المعاني أن في رهط هرقل فرقةً تُعْرَف بالأروسية توحّد الله وتعترف بعبودية
المسيح له عز وجل؛ ولا تقول شيئاً مما يقول النصارى في ربوبيته، ومن تؤمن بنبوته، فإنها تمسك بدين المسيح
مؤمنة بما في إنجيله جاحدة لما يقوله النصارى سوى ذلك. وإذا كان ذلك كذلك جاز أن يقال لهده الفرقة
الأريسيون في الرفع والأريسيين في النصب والجر، كما ذهب إليه أصحاب الحديث، وجاز بذلك أن تكون هذه
الفرقة التي ذكرها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في حديث عياض بن حمار الذي قد رويناه في الباب الذي
قبل هذا الباب من كتابنا هذا. وجاز أن يكون قيصر كان حين كتب إليه النبي صلى الله عليه وآله وسلم بما كتب
إليه على مثل ما هي عليه، فجاز بذلك إذا اتبع النبي صلى الله عليه وآله وسلم ودخل في دينه أن يؤتيه الله أجره
مرتین .
وجاز أن تكون هذه الفرقة عَلِمَتْ بمكان النبي صلى الله عليه وآله وسلم وبدينه قبل أن يَعْلَمَه قيصر، فلم يشَّبِعوه
ولم يدخلوا فيه ولم يُقِروا بنبوته. وفي كتاب عيسى بشارته به صلى الله عليه وسلم كما قد حكاه الله عز وجل في
كتابه وهو قوله ﴿وَإِذْ قَالَ عِيسَى أَبْنُ مَرْيَمَ يَبَنِىّ إِسْرَّهِيَ إِّ رَسُولُ الَّهِ إِلَيْكُ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَنَ مِنَ النَّرَةِ وَمُبَتْرًا بِرَسُولٍ بَأَنِى مِنْ بَعْدِى
أَسْمُ أَخَذٌ﴾ [سورة الصف: ٦]، فخرجوا بذلك من دين عيسى لأن عيسى الذي يؤمن به هو عيسى الذي بشر بأحمد
لا عيسى سواه، فكتب النبي ◌َّه إلى قيصر: وإنك إن توليت فعليك إثم الأريسين الذين خرجوا من ملة عيسى عليه
السلام. ((مشكل الآثار)). واعلم أن النسخة مملوءة من أغلاط النساخ، فإن تعسر عليك فهم المعنى، فلا تذهب
نفسك علیه حسرات.
(١) قلت: يمكن أن يقال إن قوله تعالى ليس على التشريع بل بيان لما يقوله الكفار في المحشر، على خلاف ما
قالوه من المسلمين في الدنيا. قال تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ أُنَّبِعُواْ سَبِيلَنَا وَلْنَحْمِلْ خَطَيَكُمْ وَمَا هُم
بِجَمِلِينَ مِنْ خَطَهُم مِّنِ شَىْءٍ إِنَّهُمْ لَكَذِبُونَ ﴿﴿ وَلَحْيِلُنَّ أَنْقَهُمْ وَأَنْقَالًا مَعَ أَنْقَالِهِمْ وَلَيُسْئَلُنَّ يَوْمَ الْفِيَامَةِ عَمَّا كَانُواْ
يَفْتَّرُونَ ﴾ [العنكبوت: ١٢ - ١٣] فظهر أن الآية إخبار عن الواقع لا إنها تشريع وبيان لقاعدة، والمعنى
أن الله أخبر عن نفس وازرة أنها لا تحمل وزر أحد يوم القيامة، على خلاف ما ادعاه الكفار في الدنيا من أنهم
يحملون خطايا المسلمين لو اتبعوا سبيلهم. والله أعلم.
(٢) قال الطحاوي في ((مشكله)) إن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن أن يُسَافَر بالقرآن إلى أرض العدو، فكيف كتب
إلى هرقل بآيتين من القرآن! فأجاب عنه أنه ليس بخلاف نهيه لأنه إذا سافر بكله، وهذا على السفر ببعضه
=

١١٨
كتاب بدء الوحي
غير الله، فكيف قال: إن التوحيد سواء بيننا وبينكم؟
قلت: إنما خاطبهم باعتبار مزعومهم ودعاويهم، فإن النصارى أيضاً يدَّعون التوحيد مع
شركهم الجليّ، وكذلك أكثر المشركين لا يؤمنون بربهم إلا وهم مشركون، ولكنهم يدَّعون
بألسنتهم التوحيد، فدعاهم إلى التوحيد الصحيح بعد اشتراكهم فيه بحسب الصورة على حد
قوله: ﴿إِن ◌َّحْنُ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾ [إبراهيم: ١١] في جواب قولهم: ﴿إِنَّ أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْنَ﴾
[إبراهيم: ١٠] فهذا مجاراة مع الخصم.
(ابن أبي كَبْشَة) تعريض بالنبي ◌َ، فإن أبا كبشة كان رجلاً في الجاهلية ترك دين آبائه
وعبد الشعرى، فكذلك النبي ◌َّيّ انتقل إلى دين آخر وترك دين آبائه، - والعياذ بالله مما أرادوه -،
وقيل: إن أبا كبشة أحدُ أجداده، وعادةً العرب إذا انتقصت أحداً نَسَبَتْ إلى جَدِّ غامض.
(ملك بني الأصفر) والمراد منهم الرُّوم، وجعلهم العيني من ذرية إبراهيم، وليس
بصحيح، وقد فصَّلته في عقيدة الإسلام في فصل مستقل. وأبو سفيان لم يكن إذ ذاك مسلماً،
لأنه أسلم في فتح مكة، ثم صار من مخلصي الصحابة رضي الله تعالى عنهم.
((وكان ابن الناطوري)) هذا مقولة الزهري، وهذه القطعة سمعها الزُّهري من ابن الناطور بلا
واسطة، ولعله حين أسلم وكان ابن الناطور عاملاً لهرقل باعتبار منصب المملكة وكان أُسْقُفًّا
بحسب العهدة المذهبية، فإن المناصب المذهبية عند النصارى عديدة: يأباه، وبطريق، وكاهن،
وسقف، وبوب، راجع له (المقدمة)» لابن خلدون.
٧ - (صاحب إيلياء) وتمسك منه الشافعية على جواز الجمع بين معاني المشترك، فإن
معنى الصاحب المصاحب والحاكم، وقد جمع بينهما ههنا، لأن صاحب إيلياء هو الحاكم،
وصاحب هرقل بمعنى المصاحب، فلزم الجمع بين المعنيين. قلتُ: بل هو بمعنى واحد،
والفرق باعتبار المتعلَّق، فصاحب بلد يقال له الحاكم، وصاحب رجل يقال له المصاحب، فهذا
الفرق راجع إلى المتعلق دون نفس معنى اللفظ، وترجمته في الهندية (إيليا والا أور هرقل
والا). ثم إن الحافظ ابن تيمية رحمه الله تعالى صرح أن المسألة المذكورة لم يصرح بها الإمام
الشافعي رضي الله تعالى عنه، وإنما أخذها الشافعية من بعض مسائله. ولو سلمنا فلنا أن نقول:
إن الحديث ليس بحجة في مثل هذه الأمور، لأن الرواية بالمعنى قد فَشَتْ فيها، فلا يُؤمن
بألفاظه من جهة النبي ◌َّ بتاً .
(حَزَّاءً ينظر في النجوم) أي كاهناً، فالكهانة تستند تارة إلى الشياطين، وتارة تُستفاد من
أحكام النجوم، والحَزَّاء في أصل اللغة الكاهن بالتخمين، أما مَنْ ينظر في النجوم فيقال له
المنجِّم، ثم إن الشرع نهى عن الاعتماد عليهم قال الحافظ: فإن قيل: كيف ساغ للبخاري هذا
الخبر المُشْعِر بتقوية أمر المنجمين والاعتماد على ما تدلّ عليه أحكامهم؟ فالجواب: أنه لم
إلى العدو، فتصحيحها إباحة السفر بالأجزاء التي فيها من القرآن، يكون في أمثالها، والكراهة للسفر بكليته إليهم
=
عنهم عند خوفهم عليه. اهـ. مختصراً والعبارة مشوشة .

١١٩
كتاب بدء الوحي
يقصِدُ ذلك، بل قَصَدَ أن يُبيِّن أن الإشارات بالنبي ◌َّ﴿ جاءت من كل طريق، وعلى لسانٍ كل
فريق: من كاهنٍ، أو منجمٍ مُحقٌّ أو مُبطلٍ، إنسي أو جني. وهذا من أبدع ما يُشير إليه عالمٌ أو
يَجْنَحُ إليه محتج.
تأثيرات النجوم
واعلم أنه لا يُنكر عن آثارها الطبيعية كالحرارة والبرودة، لكن لا أثر لها في السعادة
والنُّحوسة عند جمهور العلماء خلافاً لبعضهم (١).
(يختَئِنُون) وكان الكفار أيضاً يختتنون تبعاً للملة الحنيفة. وكانت الخَتْنَة في دين عيسى
عليه الصَّلاة والسَّلام أيضاً لكن محى عنه البولوس.
(ملك غسان) هو صاحب بُصْری.
(فسجدوا له، وكانت السَّجْدةُ عند بني إسرائيل وهي الانحناءُ لغةً. ثم الانحناءُ أيضاً جُعِل
مكروهاً تحريماً في شريعتنا .
(فكان ذلك آخر شأن هرقل) لما كان أمر هرقل عند كثير من الناس مستبهماً أشار الراوي
إلى آخر حالِهِ .
(١) قلت: وفي ((المشكاة)) عن قتادة قال: ((خلق الله تعالى هذه النجوم لثلاث: جعلها زينةً للسماء، ورجوماً
للشياطين، وعلامات يهتدى بها، فمن تأول فيها بغير ذلك أخطأ وأضاع نصيبَه وتكلَّفَ ما لا يعلم)) رواه البخاري
تعليقاً وروايةً رزِين: ((وتكلف ما لا يَعنيه وما لا علم له به، وما عجز عن علمه الأنبياء والملائكة)). وعن الربيع
مثله وزاد: ((والله ما جعل الله في نجم حياة أحدٍ، ولا رزقَه، ولا موتَه، وإنما يفترون على الله الكذب ويتعللون
بالنجوم)).

بِسْمِ اللّهِ الرَّمَنِ الرَّحِيَةِ
٢ - كِتَابُ الإِيْمَان(١)
الإِيمانُ وَمَعْنَاهُ اللُّغوي
الإيمان في اللغة: عبارة عن التّصديق، وقد يجيءُ بمعنى الوثُوق، لأنه إفعال من الأمن،
(١) يقول العبد الضعيف: إن مسألة الإيمان كانت في نفسها سهلة المأخذ، ظاهرة المراد، إلا أنه تعسر تحصيل مراد
مقالة السلف، وتحقيق وجه الخلاف من الخلف، فصارت صعب المنال، بعد ما كانت موضوعة على طرف
الثمام، وكان كلام الحافظين في هذا المقام، كلام المتأخرين لا يروي الغليل، ولا يشفي العليل، فجاء شيخنا
(رحمه الله تعالى) مشمراً عن ذيله، فنقح كلام السلف ولخص من كلام الحافظ ابن تيمية (رحمه الله تعالى)،
وأصلح ما وقع منه الإفراط والتفريط، وزاد عليه أشياء من عنده، وعين موضع الاختلاف، وحقق مراد القائلين،
بحيث ارتفع الخلاف، فحصحص الحق، وزهق الباطل، إلا أنه لوفور علمه لم يكن يهذب هذا التهذيب الرائج،
وكان يهطل هطلا، ويفيض علينا الدرر والغرر مدراراً، فكانت نفسي الشحيحة تشح أن تضيع قطرة من وبله.
وتحرص أن تحوز كله في ذيلها، إلا أنها كانت قصيرة قاصرة عن جمع جميع مدركاته، فلم تكن تقدر على شيء
غير الطل من الوبل، فمضى على الحال، إذ جمع الله في صدري منه ما شاء، فأخذت وريقة وقيدت فيها ما كنت
أسمعه يقول، ورتبت فيها ترتيباً يقرب اقتناصه، ثم عرضتها بين يدي شيخي فاستحسنها، والحمد لله، فأردت أن
أضعها ههنا، كما كنت قيدتها في سالف من الزمان، ثم أفصل ما فيها مع الترتيب والتهذيب، وأرجو من الطلبة
أن يعاينوها بجد واجتهاد، فإني عرضت بين أيديهم ما لا يرجى دركه بعد ضرب الأكباد ورتبت الكلام وهذبته
حسب ما أدى إليه طوقي وفكري، وإن لم يتيسر على قدر ما كانت تتحدث به نفسي، وأسأل الله أن يرزقني
شرحها كما أريد، ثم النفع بها إياي ولمن يريد، إنه حميد مجيد.
(صورة البطاقة التي أرجو أن أزن بها كفة أعمالي يوم الحساب)
واعلم أن الايمان من الأمن، على حد قوله صلى الله عليه وسلم ((المؤمن من آمنه الناس على دمائهم وأموالهم)) رواه
الترمذي في القلب عمل، والتزام الدين ثبت ضرورة، لا في الدماغ، إلا أن يكون مخرجاً وليس بتصديق، إلا أن يكون
اختيارياً أو معه تسليم، فليس بعلم ولا معرفة يتعلق بالمغيبات فقط، وظني: أن الإيمان والإسلام واحد، والكامن أولاً
فالبارز ثانياً، والبارز أولاً فالكامن ثانياً إسلام، فالمسافة واحدة، وإنما الفرق بالإياب والذهاب، قول وفعل، والأولى
عمل فهو إذن مركب، فيزيد وينقص، أو بدونه فبسيط، لا يزيد ولا ينقص. فمسألة الزيادة والنقصان تتفرع على تركب
الإيمان وبساطته، ولم يتكلم في نفس التصديق أحد من السلف، حتى تحدث فيه المتكلمون من المتأخرين بما تحدثوا،
فأكثرهم إلى النفي مطلقاً، لاستحالة التشكيك، ولاجتماع الكفر والإيمان، وهما مدفوعان، وما عن أحمد أنه معاقدة على
الأعمال، فيشير إلى شدة احتياج الأعمال، لأن العقد وسيلة، والمعقود عليه مقصود وإذن يكون الإيمان كالوسيلة ولما
اتفق الكل على عدم تكفير المقصر في الأعمال، ودلت الآيات على تغاير الإيمان والأعمال صار نظر الحنفية (تبعاً للقرآن)
إنه التصديق فقط، والمراد به الاختياري، فهو رأس الأعمال، وأساسها، ودعامتها، فيكون من أقصى المقاصد، أما
الإقرار. فقيل: شرط، وقيل: شطر، وصرح ابن الهمام أنه حتم عند المطالبة، وما يتقرر بعد مراجعة عبارات السلف، =
١٢٠