Indexed OCR Text
Pages 1-20
فِيَضُ النَّارِي ٧ حَمَة الْخَارِي ، t ٧ من أمَالِ الفقِيُه المحدّثُ الأستاذ الكبير إمَام الْعَصْر الشّيخْ عَمَكَأنور الكشميريٌ ثم الدّيوبندي المتوفى ١٣٥٢ هـ جَمَعُ هُدْه الأمَالِى وحَررُّهَا مع حاشية البد السَّاري إلى فيض الباري صَاحُبُ الفَضِيّة الأسْتاذ مَّ بَدُرَعَالمالمبْتَهِي من أسَائِدَة الحديث بالجامعة الإِسْلامِيّ بَدَابِهْيلٌ الجزء الأول يحتوي على الكتب التالية: بدء الوحي . الإيمان. العلم. الوضوء . الغسل . الحيض. التيمم تنبيه أدرجنا نص ((صحيح البخاري)» كاملاً وميّزناه بحرف أكبر من حرف الشرح. كما ميّزنا ألفاظ الصحيح ضمن الشرح بوضعها بين قوسين ولوّنّاها بالأحمر. ووضعنا في الحواشي ((البدر الساري إلى فيض الباري)) للأستاذ محمد بدر عالم الميرتهي مَنشوراتْ محمّد عَليْ بيضوت دار الكتب العلمية، بنتان بَيرُوت مَنْشوراتْ محمّد علي بيضوت E دار الكتب العلمية. بَيْرُوتِ لبْنَان جميع الحقوق محفوظة Copyright All rights reserved Tous droits réservés C جميع حقوق الملكية الأدبية والفنية محفوظة لدار الكتب العلمية بيروت - لبنان ويحظر طبع أو تصوير أو ترجمة أو إعادة تنضيد الكتاب كاملاً أو مجزاً أو تسجيله على أشرطة كاسيت أو إدخاله على الكمبيوتر أو برمجته على اسطوانات ضوئية إلا بموافقة الناشر خطياً. Exclusive rights by @ Dar Al-Kotob Al-Ilmiyah Beirut - Lebanon No part of this publication may be translated, reproduced, distributed in any form or by any means, or stored in a data base or retrieval system, without the prior written permission of the publisher. Tous droits exclusivement réservés à C Dar Al-Kotob Al-Ilmiyah Beyrouth - Liban Toute représentation, édition, traduction ou reproduction même partielle, par tous procédés, en tous pays, faite sans autorisation préalable signé par l'éditeur est illicite et exposerait le contrevenant à des poursuites judiciares. الطبعة الأولى ٢٠٠٥ م. ١٤٢٦ هـ مَنْشوراتْ محمَّد ◌َعَلي بيضون دار الكتب العلمية. بَيْرُوت - لبْنَان Mohamad Ali Baydoun Publications Dar Al-Kotob Al-Ilmiyah الإدارة : رمل الظريف، شارع البحتري، بناية ملكارت Ramel Al-Zarif, Bohtory Str., Melkart Bldg., Ist Floor هاتف وفاكس: ٣٦٤٣٩٨ - ٣٦٦١٣٥ (٩٦١١) فرع عرمون، القبة، مبنى دار الكتب العلمية Aramoun Branch - Dar Al-Kotob Al-ilmiyah Bldg. ص.ب: ٩٤٢٤ - ١١ بيروت - لبنان هاتف: ١٢ / ١١ / ٥٨٠٤٨١٠ ٩٦١+ فاكس: ٥٨٠٤٨١٣ ٠٩٦١ رياض الصلح - بيروت ٢٢٩٠ ١١٠٧ http://www.al-ilmiyah.com e-mail: sales@al-ilmiyah.com info@al-ilmiyah.com baydoun-ilmiyah.com الكتاب: فيض الباري على صحيح البخاري FAYDUL - BARI ALA ŞAHIH AL-BUHARI المؤلف: محمد أنور الكشميري المحقق: محمد بدر عالم الميرتهي الناشر: دار الكتب العلمية - بيروت عدد الصفحات: 3765 سنة الطباعة: 2005 م بلد الطباعة: لبنان الطبعة: الأولى ISBN 2-7451-3896-0 90000 > 9 782745 138965 بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيَةِ مقدمة الناشر الحمد لله ربّ العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد رسول الله وَل وخاتم النبيّين، وعلى جميع الأنبياء والمرسلين. أمّا بعد. فهذا كتاب ((فيض الباري على صحيح البخاري)) وهو من أمالي المحدّث الكبير إمام العصر محمد أنور الكشميري على تلامذته. وقد جمع هذه الأمالي وحرّرها ووضع عليها ((حاشية البدر الساري إلى فيض الباري)) صاحب الفضيلة الأستاذ محمد بدر عالم الميرتهي . ونحن - في دار الكتب العلمية - إذ نُعيد نَشْر هذا الكتاب القَيّم، نشير إلى أننا بذلنا جهدنا في تنقيح هذه الطبعة وتصحيحها آملين أن تصدر بإذن الله خاليةً من الأخطاء الطباعية قدر الإمكان كما نشير إلى أننا خرّجنا جميع الآيات القرآنية الواردة في النّص مع إيرادها بالخطّ العثماني، كما ميّزنا ضمن الشرح ألفاظ صحيح البخاري بوضعها ضمن قوسين وباللون الأحمر أيضاً . آملين أن يلقى هذا العمل رضا الله تعالى، وأن يكون ذخراً لنا في ميزان حسناتنا عند ربّ العالمين. والحمد لله أولاً وآخراً. دار الكتب العلمية بیروت - لبنان ٣ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيَةِ كلمة شُكر وما لي لا أشكر الله عَزَّ وجلَّ وهو الذي وَفَقَّني لجمع هذه الأمالي وتأليفها، ﴿وَمَا كُنَا لِنَهْدِىَ لَوْلَّا أَنْ هَدَنَا اللَّهُ﴾. فهذه نعمة مِنْه وفضل. ﴿وَإِن نَعُدُوا نِعْمَتَ الهِ لَا تُخُصُوهَا﴾ [النحل: ١٨]، اللهم ما كان بي من نعمة أو بأحدٍ من خلقك فمنك وحدك لا شريك لك، فلك الحمدُ والشكر. وكيف لا أشكر قوماً أولي مِمَّة علياء، أعضاء جمعية العلماء في جُوها نسبرج (إفريقيا الجنوبية)، لِمَا تكلّفوا لطبعه وبذلوا فيه نفقةً غيرَ قليلة، وهم أصحاب علم وفضل، فكانوا أحقّ بهذا الكتاب، والكتابُ أحقَّ بهم، فإنَّ كلمةَ الحكمةِ ضالةُ الحكيم، فهو أحقُّ بها حيثما وجدها . وكيف أنسى الذي كان من أخصّ تلامذة إمام العصر شيخنا الذي قعد إليه عدة أشهر، وقام عنه بحظ وافر من علومه، ذا بيان وبَنَان، وعلم وإمعان، وضبط وإتقان، وذوق ووجدان، وهو الفاضل مولانا محمد يوسف البُنُّوري الذي ينتهي نسبه إلى العارف السيد آدم البُنُّوري ثم المدني رحمه الله تعالى، الأستاذُ بالجامعة الإسلامية بدابهيل، فإنه کان عمدتي في ذلك. وأما الفاضل الأفخم السيد أحمد رضا، ناظم المجلس العلمي، فهو أولى الرجال بأن أشكره، فإنه نظم أمره، وكابد المشقة فيه. هذان الفاضلان قد قاسيا عناءً بالغاً في تصحيح الأصول وإزالة تشويهها بما تيسّر لهم، فأشكر هؤلاء النفوس الزكيات وجميع من أعانوني في أمري بمجاميع قلبي، وأقول لهم مخاطباً، وحَيَّا اللَّهُ المعارِفِ: أَفَادَتْكُمُ النَّعْمَاءُ مِنِّي ثلاثةٌ يدي ولساني والضمير المحجبا والحمد لله أولاً وآخراً ٠ مُحَمَّد بَدْر عالَمِ المِيرَتَهي عفا الله عنه ٤ ٠ بِسْمِ اللَّهِ الرََّنِ الرَّحَمـ قد كنتُ أنشأت أبياتاً إظهاراً للأَرْجِيّة التي أخذتني عند مطالعة مواضع كثيرة من ((فيض الباري))، فنظراً إلى إبراز طربي وأريحيّتي، لا أرى بأساً في إيرادها هنا، لتمثِّل للناظرين صورةً إجمالية من الكتاب في مستهل أمره. هَبَّ النسيمُ على القلوب ومالا فُلِقَ الصَّدِيعُ واطمأنّ معرِّسٌ جاء البشيرُ فظلتُ أَظْرَب بهجةٌ فالقلب يَظْرَب والعيونُ قريرةٌ قد فاضَ من فيض الإلهِ سحائب أَمْلَى الإمامُ الشيخُ أنورُ علْمَه فَجَرَتْ ينابيعُ الحديثِ بدرسه قد نَثَّ في درس الصحيح كنوزَه حِكَمٌ يمانِيةٌ تفورُ عيونُها دُرَرٌ لَيَفْتَخِرُ الأنامُ بِنَظْمِها عِقْدٌ فريدٌ في الشروح كأنّه شرحٌ تَبَدَّى في الشروح كأنه يحوي معارِفَ جَمّةً وعوارفاً وحقائقاً ودقائقاً ورقائقاً وجواهراً وزواهراً مُزْدَانَةً فالشيخُ أنورُ بالبسيط علومُهُ شيخٌ إمامُ العصر مُسْنِدُ وقته وحديثهُ في العلم صحّ مسلسلا بحرُ الحقائق والمعارف كلِّها وتواترتْ أخبارهُ مرفوعةٌ وَرِعْ تَقيٍّ زاهدٌ متواضعٌ أحيا الحديثَ إذا تقادم عهده نفخَ الحياةَ واستحَثَّ عزائماً فَاهْتَزَّ قلبٌ ميت من روحه ما شئتَ من فضل فَقُلْ في شأنه فترحل الحُزْنُ المقيمُ وزالا مما يُعاني في الرحيل كلالا ورجوتُ مِن لَيْلَى الحديثَ وصالا دَنَتِ المُنى للطالبين مَنالا يَشْفِي القلوبَ زُلالُهَا سِلسالا من صدره متدفِّقا فأسالا واللَّهُ أجرى فيضَه يتوالى تُغني مَحَاوِيجَ العلومِ عِيالًا تَسقي العطاش إلى الحديث زُلالا غُرَرٌ زَهَتْ للناظرين جَمالا بدرٌ تلألأ في الدُّجَى جوَّالا بَرْقٌ تألَّق في الدُّجى وتلالا ولطائفاً وطرائفاً تتمالا وبدائعاً وروائعاً تتوالى ومتارةً للحائرين ضلالا كالشمس في كبد السما تتلالا ما جاء مَنْ هو مثلُهُ أجيالا وَقفاً ورفعاً مُسْتَداً إرسالا قد نال من سَنَدِ العُلا مانالا حِفْظاً وفَهماً دِقَّةً وكمالا أضحى لنا للغابرين مِثَالا بِعِهاد مُزْنَتِهِ الغِزار فسالا للقاعدين من العَلاء ملالا واحتثَّ أنضاء الجهود كُسالى قد نال منزلةً تُكِلّ خيالا ٥ ٦ أبيات في تقريظ الكتاب لا غَرْوَ أعطاه الإلهُ شمائلاً هذا الإمامُ الشيخُ أخرج دُرَّهُ فَأَبْشَرْ بذا المضنون والعِلْقِ النَّفِيـ شكراً لجامعه وشَاعِبٍ صَدْعِهِ لا غَرْوَ جَامِعُهُ ذكيٍّ فاضلٌ فتسابقتْ أفكاره في ضبطه فجزى الإلهُ الحقُّ بذلَ جهوده وجزى الإلهُ مَن سعى في نشره ثُمّ الصلاةُ على النبيِّ المصطفى وآلهِ مع صحبهِ وتُبَّعِه وفضائلاً سبحانه وتعالى بِجَنَانه فبيانُهُ يتتالى ـس الجوهر الغالي فعزَّ نوالا قاسى العَنَاء له فبثَّ مقالا قدنال مما يرتضيه منالا فترى بديعاً معجباً يتلالا خيرَ الجزاءِ في الجِنّان مالا بكتابةٍ وطباعةٍ مِبْذالا ليلاً نهاراً بُكرةً آصالا ما سار بدرٌ في السما وتلالا محمد يوسف النُّوري عفا الله عنه المُقَدِّمَة ﴿إِنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةُ﴾ [الإنسان: ٢٩] لَفْتَةُ نظرٍ إلى تطوُّر نشر الحديث في البلاد العربية، ثم البلاد الهندية، وكلمةٌ في ترجمة إمام العصر صاحب ((فيض الباري))، ولمعةٌ من خصائصه في درس ((صحيح البخاري)) وآدابه العامة في شرح الحديث. بِسْمِ اللَّهِ الرََّنِ الرّحيم الحمد لله وكفى، وسلام على عباده الذين اصطفى، لا سيما صفوةٍ البريّة، وخاتم النبوة، محمدِ المصطفى، وآله وصَحْبِهِ مَا كَفَى وَشَفَى. وبعد: فللَّه سبحانه في خلقه شؤون وأطوار، حَارَتْ فيها الأفكار، وَكَلَّتْ في بدائعه البصائر والأبصار، وربُّك يَخْلُق ما يشاء ويختار. رُتَبٌ تَقْصُرُ الأَمَانِي حَسْرَى دُونَهَا ما وراءَهُنَّ وَرَاء طوراً يُشْرِق نوره في سَاعير، وطوراً يتهلَّلُ في طُور سَيْنَاء، وتارةً ينبلج بفَارَان، تنقشع به الظلمات المتراكمة، وتستنير به أنحاء الأرض، إنّ لله في دهره نفحاتٍ، يَصطفي ما يشاء لما يشاء. اصطفى مكة فجعل فيها بيتاً مباركاً هُدَىّ للعالمين، وبعث فيها خاتم أنبيائه عليه صلوات الله وتحياته، وجعل دار هجرته المدينة، فتألَّقت أنوارُهَا في أنحاء العالم، وزال كلُّ أمرٍ مَرِيج، وتدفقت أنهارُهَا إلى أقطار مُجْدِبةً، فلم تَلْبَثْ إلا أن اهتَزَّتْ وَرَبَتْ وأنبتت من كل زوج بهيج. فلم تبرح الأنوارُ تُنْشَر، والظلمات تتقلص وتنزوي، ولم تزل الأنهار تَزْخَر وتموج، حتى تفيهقت العراق والحجاز والشام والأندلس ببحار من علوم القرآن والسنة زاخرة، وأصبحت بلاد خُرَاسان وما والاها تَخْفِق فيها رايات الحديث والسنَّة مرفوعةً زاهرة. لم تبقَ ناحيةٌ من المعمورة إلا وأصابتها رَشْحَةٌ من وَابِلها الصَّيِّب المِدْرَار، ولم تبق بلدة عامرة إلا وتألَّقت لمعةٌ فيها بطلوع تلك النجوم الثاقبة الأنوار، وذلك قوله نَّة: ((لا يبقى [على ظهر الأرض] بيتُ وَبَرِ ولا مَدَرٍ إلا أدخله الله [كلمة] الإسلام، بعزِّ عزيزٍ وذُلِّ ذَلِيلٍ)). قال إمام العصر صاحب ((فيض الباري)): لما ظهر الإسلام، وَبَدَت هذه المِلّة النقيةُ البيضاء، لم يكن مَنَاصٌ لأهل الأديان إلا وأن يستنفذوا وُسْعهم في تهذيب أديانهم، وتنقيح مذاهبهم، حيث آلت إلى مكانةٍ من الظلمات المتراكبة، بحيث ما كان لها أن تبقى بعد ظهور الإسلام، وبعد طلوع ذكائه المشرق، وما كانت أنْ تُعْرَضَ للأُمم في مقابلته إلا أن تعود على ٧ ٨ المقدمة صاحبها وَصْمَةَ عار. فأخذ أهل الأديان وعقلاؤهم في تحسين وجوهها، وتقليل تشويهها، وَطفِقُوا يأخذون من الإسلام أموراً يَجْلُون بها ظلماته المحيطة على نواحيها، وَيَجْبُرون بها مواقع الوَهْنِ والفساد، وإليه أشار ◌َِّ بقوله: ((لا يبقى [على ظهر الأرض] بيتُ وَبَرٍ ولا مَدَر ... )) إلخ. اهـ. كانت انعقدت المشيئة الأزلية بختم نبؤَّته مََّ، فأكمل اللّهُ دينَه المُتَكَّفل لِمَا فيه صلاح الناس من أمر دينهم ودنياهم، ومعاشهم ومعادهم، وما فيه كل خير وصلاح. وأتمّ نعمته فأفاض عليهم آلاء ونعماء بهذا الدين من مناهج تيسير، وأسباب تبشير، وتوفير أجر جزيل بعمل يسير، وطُرُق عروج وازدهار. وهذا الدينُ الجامعُ لأمر الدنيا والآخرة هو المَثَلُ الأعلى في الأديان السماوية، وهو الأمر الوسط بين الرهبانية المُلهية عن طيبات الدنيا رأساً، وبين المدنية الخادعة المُفْرِطة في أمر الآخرة. وهذا هو دين الله المَرْضِي، وهو دين الإسلام. فقال عَزَّ مِن قائل: ﴿وَرَضِيتُ لَكُمُ اَلْإِسْلَمَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣]. وقال: ﴿إِنَّ اُلْذِينَ عِندَ اللَّهِ الْإِسْلَمُ﴾ [آل عمران: ١٩]، فكان ديناً وسطاً لأمةٍ جعلها أمةً وسطاً. وكان من مقتضيات الفِطْرة الوُسطى أمراً وسطاً . وَأَكْمَلَ قَصْرَ النبوة بآخر لَبِنَةٍ بقيت، حتى أصبح قصراً مَشِيداً زاهياً، يأوي إليه مَن أراد أن يدخل في كُنَفِ رحمته. وأصبحت مدينة الرسول وال عاصمةَ الدِّين والعلم الإلهي، ومعارف الشريعة السماوية. وَصَلَ خِيرةُ الخلائق، وصفوةُ الأنبياء إلى الرفيق الأعلى صلى الله عليه وبارك وسلم، فَخُتِمَتِ النبوة وانقطع الوحي. وخَلَّف أصحابه الذين اختارهم الله لصحبة نبيه اَلر من صفوة عباده بعد الأنبياء. ﴿ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِىِ التَّوْرَةِ وَمَثَلُهُمْ فِى الْإِنِلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْئَهُ فَازَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقٍِ﴾ [الفتح: ٢٩]، فكانوا أفضلَ هذه الأمة، أبرَّها قلوباً، وأَعمَقها علماً، وأقلَّهَا تكلُّفاً، كما وصفهم حَبْرُ القادسية، كُنَيْفٌ مُلِىء علماً وفقهاً: ابنُ مسعود رضي الله عنه، وكانوا على عِلْم وَقَفُوا، وببصرِ نافذ قد كُفُوا، وما دونهم من مقصِّر، وما فوقهم من محسِّر. كما وصفهم أعدلُ الأمة بعد الصحابة الإمامُ عمر بن عبد العزيز رحمه الله. فوقفوا أنفسهم وأموالهم تفدية وتضحية في سبيل نشر الدين، وتبليغ الحق وحمل الأمانة. فانتشروا في أقطار الأرض، وتفرقوا في البلاد، وكافحوا ونافحوا عن حَوْزَة الدين والإسلام. ولم يَحُل أمامهم تواكلٌ ولا تكاسل ولا كَلال ولا مَلَال، ولم يمنعهم اغتراب عن الأوطان، ولا نزوع إلى الحلائل والأبناء. فافتتحوا البلاد، وفتحوا فيها ينابيع علوم الدِّين، ووضعوا أساساً للفلاح والرشد، فلم ينقرض عصر الصحابة إلا وضَرَبَ الدِّين بالجِران في أقطار الأرض. ولما انقرض عصرهم خَلَفهم تابعوهم، ونعم التابعون علماً وعملاً، ديناً وسياسة. ومن آخر عهد التابعين يبتدىء عهد الأئمة المتبوعين، ويأتي دور تدوين الفقه، وعهد تُبَّع التابعين، ثم عهد أصحاب الجوامع والمسانيد، والصِّحاح والمعاجم، من كبار المحدِّثين، حتى أصبحت ٩ المقدمة بلاد العرب، وكثيرٌ من بلاد العجم، يموجُ فيها جهابذة الحديث، وأعيان الفِقه، وأعلام السنَّة، ومعالم الدِّين، ما لايُخْصَوْن كثرةً هائلة. فهذا كتاب ((الموظّأ)» لإمام دار الهجرة يُرْوَى عنه بأربع وعشرين طريقاً، ويسمعه منه نحو ثمانين ألفاً على ما يقال، وهذا ((صحيح البخاري)) لأمير المؤمنين في الحديث يسمع منه عدد عظيم جداً من الرجال. وهذه الكوفة وحدها من بلاد العراق يتفقَّه فيها على ابن مسعود وأصحابه أربعة آلاف عالم. ويَكتب فيها مثلُ عفان البصري - شيخ البخاري - وأحمد خمسين ألف حديث في أربعة أشهر ويقول: ولو أردنا أن نكتب مائة ألف حديث لكتبناها. كما في ((المُحَدِّث الفاصل)» لِلرَّامَهُرْمُزِيّ. حكاه الأستاذ الشيخ محمد زاهد الكَوْثَرِيّ. وهذا كتاب ((صحيح البخاري)) انتقاه الإمام البخاري من ستمائة ألف حديث. وهذا كتاب ((صحيح مسلم)) انتقاه الإمام مسلم القُشَيري من ثلاثمائة ألف حديث، وهذا ((سنن أبي داود السِّجِسْتَانى)) انتخبه المؤلف من خمسمائة ألف حديث. بداية تدوين الحديث يبتدىء تدوين الحديث على طريقة التأليف في أوائل القرن الثاني، فيسبِقَ فيه ابنُ شهاب، ويتلوه ربيع بن صَبِيح، وسعيد بن أبي عَرُوبة، ثم مالك بالمدينة، وابن جُرَيج بمكة، والأَوْزاعي بالشام، وسفيان الثوري بالكوفة، وحَمّاد بن سَلَمَة بالبصرة، وهُشَيْم بن بَشِير بواسط، وَمَعْمَر بن راشد باليمن، وابن المبارك بخُرَاسان، وجَرير بن عبد الحميد بالرَّيّ، وهكذا وهكذا. وإلى منتصف القرن الثالث ترى البلاد طافحة عجماً وعرباً، شرقاً وغرباً، بجوامعَ، ومسانيدَ وصحاح، وسننٍ، ومعاجمَ، ومصنفاتٍ، وأجزاء، وأفراد ما يُحَيِّر الألباب. نعم، لم تكن علومهم في قَمَاطِر وصناديق حتى يلجأوا إلى بحث، ولم يكونوا يتكلَّفون لتأنَّق، بل كانت قلوبهم عيوناً ثَّرَّة، وصدورهم أوعيةً طافحة بحِياضها، فلم تلبث إلا وأن فاضت من أوعية الصدور، وعيون القلوب، إلى بطون القَمَاطر وصفحات الكراريس. ثم بعد منتصف القرن الثالث يظهر رجال في الأمة في مصر، والشام، والأندلس، وخُرَاسان، من حُفّاظ الحديث في استبحار وَتَغلُلٍ في الأحاديث، وأصحاب غوص في المسائل، إلى أوائل القرن التاسع للهجرة، ما تُورث العَجبَ كثرتُهم. من حفاظ المذاهب الأربعة فمن الحنفية: كالحافظ أبي بِشْرِ الدُّولابي، والحافظ أبي جعفر الطحاوي، والحافظ ابن أبي العَوَّام السعدي، والحافظ أبي محمد الحارثي، صاحب ((مسند أبي حنيفة))، والحافظ عبد الباقي، والحافظ أبي بكر الرازي الجَصَّاص، والحافظ أبي نصر الكَلَاباذي، والحافظ أبي محمد السمرقندي، والحافظ شمس الدين السَّرُوجي، والحافظ قطب الدين الحلبي، والحافظ ١٠ المقدمة علاء الدين الماردِيني، والحافظ جمال الدين الزَّيْلَعِي، والحافظ علاء الدين مُغُلْطاي، والحافظ البدر العَيْنَي، والحافظ قاسم بن قُطْلُوبُغَا، وغيرهم من الحفاظ الحنفية. ومن الشافعية: كالحافظ الدَّارَقُطْنِي، والحافظ البيهقي، والحافظ الخَطَّبي، والحافظ عِزّ الدِّين بن عبد السلام، والحافظ ابن دَقِيق العيد، والحافظ العراقي، والذهبي، والمِزِّي، وابن الأثير الجَزَري، والتقيّ السُّبكي، والهَيثمي، وابن حجر، ومَن عداهم من الحفاظ الشافعية. ومن المالكية: كالحافظ حسين بن إسماعيل القاضي، والحافظ الأَصِيلي، والحافظ ابن عبد البَر الأندلسي، والحافظ أبي الوليد الباجي، والحافظ القاضي أبي بكر بن العربي، والحافظ عبد الحق صاحب ((الأحكام))، والحافظ القاضي عِيَاض اليَخْصُبِي، والحافظ المازِرِي، والحافظ ابن رشد الفقيه صاحب ((المقدمات))، والحافظ أبي القاسم السُّهَيْلي، وغيرهم. ومن الحنابلة: كالحافظ عبد الغني المقدسي صاحب ((الكمال))، والحافظ أبي الفرج بن الجوزي، والحافظ موفَّق الدين بن قُدَامة، والحافظ أبي البركات بن تيمية صاحب ((المُنْتَقى))، والحافظ ابن رجب، وغيرهم مِنْ قبلهم ومن بعدهم خلائقُ لا يُحْصَون عدداً، نبغت في هذه القرون المزدهرة. والقوم كلهم اليوم عيالٌ على مَأدُبة هؤلاء الأعلام، وأماثل الأعيان. وبلاد الهند في هذه الأعصار دخلها رجال من المحدثين، وخرج منها رجال في طلب الحديث، فتضلَّعوا، غير أنهم لم يرجع كثير منهم، فلم تنتفع بهم بلادهم، وتجد في رواة الحديث عِدّة من رجال الهند، ولا سيما السِّنْد، ومع هذا فالحق يقال إن بلاد الهند حظها ضئيل جداً من علوم الحديث في تلك العصور الحافلة بالمحدثين في بلاد العراق وخراسان وغيرها . وماذا يُغني كتابٌ للصَّغَاني الذي خلَّفه أثراً بعد عين، بجنب تلك الذخائر الغزيرة والبحار المتلاطمة الأمواج. حيث أصبح عليه فقط مدار درس الحديث إلى قرون، ثم ضُمّ إليه كتاب ((مشكاة المصابيح)) بعد بُرْهَة من الدهر مديدة، لا تقلّ عن ثلاثمائة سنة، فكيف تداني وتساهم بهؤلاء النابغين الذين فاضت ينابيع تحديثهم في أنحاء العالم، وطَبَّق الخافقين ذكراهم على توالي القرون. ولكن لما أخذ الضعف والوَهْن في علوم الحديث من منتصف القرن العاشر للهجرة في البلاد العربية، وقد سبقت سُنَّة الله الأزلية بقوله: ﴿وَإِن تَتَوَلَّوْ يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ﴾ [محمد: ٣٨]، فانتقلت هذه المزيَّة من أهل هذه البلاد، وقيَّض الله لها حَمَلَةً أمناءَ في بلادِ الهند، وأتاح لهذه السعادة مثل المحدِّث الشيخ علي المُتَّقي صاحب ((كنز العمال))، المتوفّى سنة (٩٧٥ هـ)، والشيخ عبد الأول الجونفوري صاحب ((فيض الباري)) شرح صحيح البخاري، المتوفى سنة (٩٦٥ هـ)، والشيخ عبد الوهاب البرهانفوري، المتوفى سنة (١٠٠١هـ)، والشيخ محمد طاهر الفَتَّني ملك المحدثين صاحب ((التذكرة))، و((المغني)) و((مجمع البحار))، و ((قانون الموضوعات))، المتوفى سنة (٩٨٦ هـ)، والشيخ عبد الحق الدِّهْلَوي، المتوفى سنة (١٠٥٢ هـ)، صاحب ((اللمعات شرح المشكاة))، وغيرها من كتب نافعة، ثم الشيخ نور الحق ابنه، المتوفى ١١ المقدمة سنة (١٠٧٣ هـ)، صاحب (تيسير القاري شرح صحيح البخاري)) بالفارسية، وشارح ((الموطأ))، ثم ابنه الشيخ فخر الدين شارح ((الحصن الحصين)) وغيره، ثم ابنه شيخ الإسلام وشرحه على ((صحيح البخاري))، بالفارسية مطبوع، ثم ابنه الشيخ سلام الله، وشرح ((الموطأ)) في عدة مجلدات كبيرة سماه ((المُحَلَّى))، ولم يُطبع، توفي سنة (١٢٢٩ هـ). ونبغ في أوائل القرن الثاني عشر نابغة الأيام، عبقريّ الأنام، الإمام الشاه وليّ الله الفاروقي الدِّهْلَوي، المتوفى سنة (١١٧٦ هـ)، فتضلّع من علوم الهند، ورحل إلى الحرمين، فَنَشِفَ علومهما، ورجع إلى الهند، فكان إماماً لنهضة الحديث. شرح ((الموظّأ)) لمالك بشرحين، وقرر دراسة الصحاح الستة كلها مع ((الحصن الحصين))، وجعل بدل ابن ماجه في الصحاح ((موطأ مالك))، وجعله أول الصحاح منزلة، فسعى في نشر الحديث حتى استوى على ساق، وتلاه أصحابه وأنجاله الغُرّ الكرام. فمن أصحابه: المحدث الشيخ القاضي ثناء الله الفانيفتي صاحب ((تفسير جليل"، وصاحب ((منار الأحكام)) وغيرهما، ولقبه الشاه عبد العزيز بيهقي العصر. ومنهم المحدث السيد مُرْتَضَى الهندي البلكرامي ثم الزَّبِيدي المتوفى سنة (١٢٠٥ هـ)، صاحب ((عقود الجواهر المنيفة)) و((الإتحاف شرح الإحياء))، و (تاج العروس شرح القاموس)). ومنهم الشيخ محمد معين السِّندي وهو من كبار شيوخ الشيخ محمد حياة السِّنْدي، والشيخ محمد هاشم السَّنْدي المعروف بالمخدوم. ومنهم الشيخ محمد عاشق الدِّهْلَوي، ومنهم الشيخ محمد أمين الكشميري، وغيرهم من أصحابه البررة الكرام. ومن أنجاله الشيخ الحجة الشاه عبد العزيز، وكان بحراً في العلم والاستحضار، وحيداً في سعة الاطلاع على الحديث وسائر العلوم، موفّقاً لحل المشكلات والغوامض، والشيخ عبد القادر المحدث والعارف، وتَرْجُمان القرآن، المتوفى سنة (١٢٣٠ هـ)، والشيخ رفيع الدين المحدث الضليع المتوفى سنة (١٢٣٣ هـ). ومن فيض هذه البيئة الحديثية الوليّ اللهية نشأ رجال في السند نوابغ أصحاب مؤلفات جليلة في الحديث والرجال. فزاد هذه النهضة المباركة اعتلاء وبهاء. وطَبَّق هؤلاء الأعيانُ أرجاءَ الهند حديثاً وسُنَّةً وقرآناً، فكان من أزهى العصور المزدهرة في علوم الحديث، وأخذ من الشاه عبد العزيز ابن أخيه الشيخ إسماعيل الشهيد سنة (١٢٤٦ هـ)، وابن بنته الشيخ محمد إسحاق المتوفى سنة (١٢٦٢ هـ). ثم تلا الشيخ محمد إسحاق صاحبه الشيخ عبد الغني المُجَدِّدِي، المتوفى سنة (١٢٩٦ هـ)، غير أنه هاجر إلى المدينة فلم يمكث عهده في الهند طويلاً، وجرت في طيبة ينابيع علمه الذي نَشِفَه الإمام وليّ الله منها، ثم أخذ الحديث منه أكابر - دُيُوبَنْد - مثل الإِمام الشيخ محمد قاسم الثَّانُوتَوِي المتوفى سنة (١٢٩٧هـ)، والمحدث الشيخ رشيد أحمد المتوفى سنة (١٣٢٣ هـ)، وعليهما تخرَّج المحدِّث الشيخ محمود حسن الدُّيُوبَنْدي، المتوفى سنة (١٣٣٩ هـ)، وأدرك الشيخ محمود الشيخ عبد الغني، فاستجاز منه أيضاً، ومكث في دُيُوبَنْد يخدُم الحديث ١٢ المقدمة والعلم، فتخرج عليه أصحاب حديث وعلم أَرْبَى عديدهم على ألف، حتى نبغ فيهم نابغةُ المحدث الكبير إمام العصر الشيخ محمد أنور الكشميري، فكان خيرَ مثال لعلوم القدماء وشمائلهم، في قوة الحافظة، وشدة الاستحضار، والتبخّر الواسع، والغوص في المشكلات، واستنباط الدقائق، مع ورع، وزهد، وقناعة، وحسن هدي وسَمْت، من مَلَكَات سامية لا تجتمع إلا في أفراد الأمة وأفذاذها، وحق فيه ما قيل: أَتَزْعُمُ أَنّك جِرْمٌ صغير وفيك انطوى العالمُ الأَكْبَرُ أحاول أن أَزُفَّ للناظرين لمعة من ترجمة هذا الإمام، عبقري الأيام، وخصائصه، ولله درُّ القائل : فبذكرهم تتنزّلُ الرَّحَمَاتُ شَنِّفْ بِذِكْرٍ ذوي الأَحِبَّةِ مَسْمَعا وافَى السرورُ وطابت الأوقاتُ فَبِحُبِّهم ويمدحهم وبجاههم ترجمة إمام العصر الأستاذ المحدِّث محمد أنور الكشميري الحنفي هو محمد أنور بن مُعَظّم شاه ابن الشاه عبد الكبير ابن الشاه عبد الخالق ابن الشاه محمد أكبر ابن الشاه محمد عارف ابن الشاه حيدر ابن الشاه علي ابن الشيخ عبد الله ابن الشيخ مسعود البزوري الكشميري رحمهم الله تعالى. رحل سلف الشيخ مسعود من بغداد إلى الهند ونزلوا مُلْتَان، ثم ارتحلوا منها إلى لاهور، ومنها إلى كشمير، فأصبحت لذريته مستقراً ومُقاماً. من الطبيعي أن للبيئة أثراً غير ضئيل في طبيعة الرجل، وفي تكوين مزاجه، صلاحاً وفساداً . ومن الطبيعي أن للبلاد أثراً كبيراً في طبع رجالها بطابع خاص في ذوقه وفكرته. ومن الطبيعي أن للأسباب رباطاً قوياً مع الأمور في عالم الطبيعة. ومن الطبيعي أن لخالق الطبيعة قدرةً فوق الطبيعة، وأن الطبيعة مقهورة تحت إرادته و مشيئته . فهذه حقائق واضحة عند أولي الطبائع السليمة لا مساغ لإنكارها. أرى أنها تلاءمت في حق مَنْ حاولت ترجمته برُمَّتها . كانت أَرُومَته من بيئة خير وصلاح وتقوى وطهارة، تسلسل فيهم الإرشاد بطرق أهله من العارفين والأولياء، من عشرة أصلاب صلباً فصلياً، فوهبته نفساً مطمئنة، نقية طاهرة. وكانت بلدته كشمير من أحسن بلاد الشرق الشمالي في جمال الطبيعة، من أوديتها النضيرة ومياهها العذبة، ونسيمها العليل، فكانت روعة الطبيعة، ومظاهر حسنها الرائع، متمثلة في جبالها التي اكتست حُللاً من ألوان الزهر، وأصناف الشجر، وكأنها رياض ذات وَشْي دقيق وتحبير فائق تأخذ بالألباب، وتستولي على القلوب. عنادل تصدح على الأغصان، ومياه تقطر عن الأحجار، في هدوء وسكون، فلا تسأل عن حسنها وجمالها، فكسته رقة في الخيال، ودقة في الفكر، وغوراً في التفكير، وسكوناً في الطبيعة. ثم تيسرت له أسباب من شوق مُفْرِط، وذكاء مشرق، وشيوخ جهابذة، وتوفيق للجهد الدائب، والسعي المتواصل. وسبقت المشيئة الأزلية بأن يكون من أكمل رجال العصر علماً وعملاً. فأصبح إماماً أُمَّةً في عصره. ١٣ ١٤ ترجمة إمام العصر الأستاذ المحدِّث محمد أنور الكشميري الحنفي وُلِد صبيحة السبت لسبع وعشرين من شوال عام (١٢٩٢ هـ) ألف ومائتين واثنين وتسعين من الهجرة، بقرية وُدْوَان على وزن لُبْنَان، من أعمال (لولاب) في مقاطعة كشمير. تعلَّم المبادىء على والده، وعدة كتب ورسائل على بعض علماء بلاده، ثم سافر في حدود سنة (١٣٠٧ هـ) إلى مديرية هَزَارة على حدود كشمير، فقرأ كُتباً من فنون المنطق والفلسفة وغيرهما على جهابذة الفن، ثم وصل إلى ديوبند قُرْطبة العلوم في الهند، فقرأ كتب الحديث، واستكمل ما بقي من العلوم، وفرغ في حدود سنة (١٣١٢هـ) منها، فاضلاً بارعاً، يتدفق تياره علماً وكمالاً، فراح إلى دِهْلِي قاعدة بلاد الهند، ومكث ينشر علمه بدرس وإفادة عدة سنين، حتى بدأ هناك بوجوده معهد علمي، يسمى اليوم مدرسة أمينية، فنم فضله، وذاع صيته، وأضحى وله مزايا لا تُبَارَى. ثم رجع إلى بلده وأسس معهداً دينياً، سماه ((الفيض العام))، واشتغل بنشر العلم، وَرَأُبِ الصَّدْع، ثم حج سنة (١٣٢٣ هـ)، ومكث هناك شهراً ولا سيما في المدينة زادها الله تشريفاً، وطالع كتباً جمة بمكتبة شيخ الإسلام عارف حكمة الحسيني، والمكتبة المحمودية، وكانت فيهما ذخائر من المخطوطات القيمة، فانتهز الفرصة لها حتى طفح صدره بعلومهما، ثم رجع إلى بلاده وأقام بُرهة، ثم حاول الهجرة من بلاده إلى الحرمين، زادهما الله كرامة، ووصل إلى دُيوبَنْد في حدود سنة (١٣٢٥ هـ) للقاء شيخه، شيخ العصر محمود حسن رحمه الله تعالى وداعاً، فأشار عليه بالإقامة بديوبند، ولم يكن يُفْرِط في امتثال أمره، فأقام، وأمره بتدريسٍ صحيح مسلم، وسنن النسائي، وابن ماجه، ثم أراد شيخه رحمه الله تعالى سفر الحج، فخلَّفه مقامه، وجعله شيخ المعهد وشيخ الحديث، فكان يُدَرِّس ((صحيح البخاري)) وجامع الترمذي وغيرهما، ففاضت علومه ومزاياه، إلى أن استقال من منصب درسه في سنة (١٣٤٥ هـ). ورحل في شهر ذي الحجة سنة (١٣٤٦ هـ) إلى دابهيل في مديرية سُورَتْ على بعد نحو ١٥٠ ميلاً من عاصمة بمباي، فظهر بوجوده معهد كبير يسمى اليوم بالجامعة الإسلامية، وإدارة تأليف تسمى المجلس العلمي، فاشتغل بالدرس والتأليف بضع سنين، إلى أن وافاه القدر المُبْرَم، فقضى نحبه في ديوبند في ثلث الليل الآخر ليلة الاثنين، ثلاث صفر عام اثنين وخمسين من القرن الرابع عشر للهجرة (١٣٥٢ هـ) رحمه الله ورضي عنه. قال محقق العصر شيخنا العثماني: سمعت عن حكيم الأمة مولانا الشيخ أشرف علي التَّهَانَوِي أنه قال: رأيت عن بعض المستشرقين كلمة في الإِمام الغزالي، أنَّ وجود مثل الغزالي في الأمة المسلمة دليل عندي على أن الإِسلام دين سماوي حق. اهـ. ثم قال الشيخ التهانوي: وعندي وجود الشيخ محمد أنور الكشميري من الدلائل على أن الإِسلام دين سماوي حق. اهـ. وقال مفتي الديار الهندية الشيخ محمد كفاية الله الدِّهْلَوي، في كتاب له إلى بعضٍ معارفه : إن فكرتي وحواسي أضحت معظّلة بِدَاهِيَةِ موت الشيخ محمد أنور، رحمه الله، كان أُمَّة، إماماً مِقداماً، إنه لم يمت، ولكنه مات العلم والعلماء. اهـ. ١٥ ترجمة إمام العصر الأستاذ المحدِّث محمد أنور الكشميري الحنفي كان والده شاعراً مُجِيداً بالفارسية، وكان عالماً فاضلاً في الفرائض والعلوم الرياضية وبعض العلوم الآلية، فأصبح الشيخ رحمه الله شاعراً وفاضلاً في تلك العلوم في بيته . وكان علم الفقه وعلم الفتوى في كشمير مما يُتَسَابَق في حَلْبة رهانها، فأصبح الشيخ فقيهاً مفتياً لا يُذْرَك شَأُوُه ولا يُشَقّ له غبار، حتى أفتى ثلاث سنين فيها المفتيين والفقهاء في الحوادث والنوازل والفتاوى العقيمة، ولم يفتقر إلى مراجعة كتاب. وصل إلى دُيوبَنْد، فأدرك رجالاً جمعوا إلى علومهم الناضجة الرسمية علوم العرفاء والأولياء، وجمعوا إلى دقة المدارك وإصابة الرأي، رفقَ القول وصِدق اللهجة، أصحاب هيبة ووَقار، وأصحاب سنة وورع، وزهد وتقوى. فكانوا علماء عرفاء، ربانيين أصفياء، فكسته صحبتهم وإفادتهم علماً صحيحاً ورأياً صائباً، وشَغَفَاً باتباع السنة، وبهاء في المَلَكَات الفِطرية، وجمالاً في الأخلاق والآداب. وكانت طبيعته مغرمة بالتوسع في الاطلاعِ والتدقيق في الموضوع، ورُزِق توفيقاً دائباً، فلا يسأم ولا يلحقه كَلال. فأصبح بحاثاً محققاً، نظّاراً متبحراً غواصاً في المشكلات، موفقاً لحلِّ الغوامض، لطيفَ الفكرة، دقيقَ الاستنباط، سريع الحَدْسِ. لا ينفسح المجال لذكر شؤون حياته العلمية، وقد أفردتُ لها جزءاً خاصاً حافلاً. وذكرت هناك ما فيه مَقْنَع وبصيرة سميته ((نفحة العنبر من هَذْي الشيخ الأنوار))، وبثئتُ طرفاً من علومه المختصة بالقرآن في مقدمة ((مشكلات القرآن))، ويكفي أن أقول: لم يستغن عن علمه، مثل حكيم الأُمَّة التَّهَانَوِي، ومحقق العصر العثماني، بل أكابر شيوخه الذين تلقى العلم عنهم، ولم يستغن عن آرائه الدقيقة في الفلسفة، مثل الفيلسوف الدكتور السر محمد إقبال الهندي(١)، ويكفي ما أثنى على إصابة رأيه، ودقة فكرته، شيخه أستاذ العالم محمود حسن الدُّيُوبَنْدي رحمه الله. وسأسرد عليك كلماتٍ من باب حياته العلمية: ما يختص بالحديث، وما يختص بدراسة صحيح البخاري، وما يختص بأحاديث الأحكام، ومؤلفاته في الحديث وأسانيده. وَحَدَّثْتَنِي يا سعدُ عنها فزِتَّنِي جنوناً، فَزِذْنِي من حديثِكَ يا سعدُ (١) صدع بالاستفادة عنه في المحاضرات التي ألقاها في (مدراس)، وشاهدت ذلك في لاهور (حين كنت زميلاً خادماً لإمام العصر في سفره إلى كشمير، سنة ١٣٤٨ هـ عند الإياب عن كشمير. وكان استصحبني معه) وكان يسأله في مشكلات القرآن، وقائق الفلسفة التي ذكرها إمام العصر في قصيدته ((ضرب الخاتم)) وسمعت سنة ١٣٤٧ هـ في ديوبند من المحترم عبد الله جغتاي، من أخص أصحاب الدكتور المرحوم، أن الدكتور إقبال يثني كثيراً على دقة رأيه في غوامض الفلسفة ويتمنى أن يشرح إمام العصر نفسه أبياته الغامضة في ((ضرب الخاتم على حدوث العالم)). ١٦ ترجمة إمام العصر الأستاذ المحدِّث محمد أنور الكشميري الحنفي آدابه العامة في تدريس الحديث كان له رحمه الله خصائص في الدراسة، تستولي على القلوب روعتها، لم نرها في أحد من بعده . منها: أنه كان يُلَخِّص الكلام في رجال الحديث إن كان لذكرها حاجة في الباب، أو فائدة يُستحسن ذكرها. وكان لا يُطيل الكلام في الجرح والتعديل حيث كان يقول: ولو أُكْثِر من نقل كلامهم في الرجال، وما فيه من كثرة القيل والقال، لأنه ليس عندي كبير ميزان في الاعتدال وبعضهم يسكت عند الوفاق، ويجرح عند الخلاف، وإذا دُعِيَتْ نَزَالِ. وهذا صنيع لا يشفي ولا يكفي، وإنما هو سبيل الجدال. نعم، اعتنيت بتعيينهم، ومعرفة عينهم، فيستطيع الناظر من المراجعة والمطالعة، ويتمكن من تخمير رأيه لا بالمسارعة. ومنها: أنه كان ◌ُني بمنشأ الخلاف بين الأمة، ولا سيما في المسائل التي تتكرر على رؤوس الأشهاد، فكان يذكر في هذا الصدد أموراً تطمئنُ بها القلوب. ومنها: أنه كان يعتني بنقل غُرَر الُّقول من كلام القدماء، والنقول التي تكون بعيدة عن متناول أيدي أهل العلم. ومنها: أنه كلما ذكر كتاباً أو مؤلفاً في صدد النقل، فكان يكشف عن منزلته في العلم وخصائصه، قلّما يجدها الناظر في كتب الطبقات والتراجم، بغاية من الإنصاف. من غير غض عن قدره، أو إطراء في شأنه، ليكون بصيرةً للطلبة، ووسيلة إلى العلم الصحيح. ومنها أنه كان عُني بحل المشكلات، أكثر منه بتقرير الأبحاث، وتكرير الألفاظ. ومنها : أنه كان يهمه إكثار المادة في الباب، دون الإِكثار في بيانها وإيضاحها، كأنه يَضَنّ بعلمه المضنون. ثم إن هذا الإيجاز في اللفظ، والغزارة في المادة أصبح له دأباً في تدريسه وتأليفه، وكان كما قال علي رضي الله عنه: ما رأيت بليغاً قط إلا وله في القول إيجاز، وفي المعاني إطالة. اهـ. وحكاه ابن الأثير. ويحكى أن حكيم الأمة الشيخ التهانوي يقول: إنّ جملة واحدة من كلام الشيخ ربما تحتاج في شرحها وإيضاحها إلى تأليف رسالة. اهـ. وكأنَّ رأيه ما كشف عنه ابن النَّديم في الفهرست: النفوس - أطال الله بقاءك ـ تشرئِبُّ إلى النتائج دون المقدِّمات، وترتاح إلى الغرض المقصود دون التطويل في العبارات. اهـ. ومنها: أنه كان لا يقتنع بذكر ما يختص بالموضوع، بل ربما كان يذكر أموراً لمناسبة دقيقة بينها وبين الموضوع، حرصاً على بيانها إفادةً للطلبة. ومنها: أنه كان ربما يذكر أشياء وينقدها نقداً علمياً، ويدل الطلبة على منهاج النقد العلمي، ويضع لهم أساساً لذلك، ثم يستدرك ذلك - تنبيهاً لهم - بمزيَّة كلام أهل العلم، والاحتياط عن الخوض في شأنهم بما تأبى جلالةُ قدرهم. ١٧ ترجمة إمام العصر الأستاذ المحدِّث محمد أنور الكشميري الحنفي وهذه أمهات خصائصه العامة في دراسة الحديث. خصائصه في تدريس ((صحيح البخاري)) كان رحمه الله تعالى يُدَرِّس أولاً في عهد إقامته بدُيُوبَنْد ((جامع الترمذي))، و ((صحيح البخاري))، فكان أفرز دراسة جامع الترمذي لتحقيق أحاديث الأحكام، وتبيين مذاهب الأئمة واستيعاب أدلتها، وترجيح ما هو الراجح منها، كما كان هو دأبه، ولما اقتصر تدريسه في الآخر على صحيح البخاري، فكان يعتني فيه بما كان يعتني به في جامع الترمذي، ما عدا المهمات التي كان يتصدى لبيانها في الصحيح، فانتهت خصائص تدريسه لصحيح البخاري إلى أمور: الأول: أنه كان يستوعب أدلة المذاهب بما لها وما عليها في أحاديث الأحكام، على حسب دأبه الذي ذكرته في آداب دراسته العامة. الثاني: أنه كان ينتقي غُرَر النقول من شروح الصحيح، كأنها ورقة موضوعة بين عينيه، يذكر ما يشاء، ويَذَر ما يشاء. الثالث: أنه كان يُلَخِّص كلام الشارحين، ويأمر بالمراجعة إن كان هناك بسط في الموضوع، ويزيد عليه ما كان عنده من الأبحاث الدقيقة، والمواضيع المهمة، مما جمع الله في صدره المتلاطم بالعلوم والمعارف. الرابع: أنه كان يتعرَّض لكثير من مُشكلات العلوم، وكان يذكر في حَلُّها نفائسَ ما يساوي رحلة، حيث يكون الصحيح آخر كتاب، في آخر سنة من الفراغ، على نظام الدراسة في الهند غالباً، ولا سيما لمسائل الكلام، لأن الإمام البخاري أيضاً يتعرَّض لها كثيراً، ولا سيما في كتاب التوحيد الموضوع لذلك. فكان يتكلم فيها كمسلك المحققين من قدماء المتكلمين، وكان يقول: كلام البخاري في التوحيد على مسلك القدماء، وهؤلاء الشارحون لما استأنسوا بالتوحيد الذي دار بين المتأخرين، ربما تَقْصُرُ مداركُهم عن مدارك الإمام البخاري، فيتأوَّلون كلامه بما هو بريء عنه، اهـ. ومن أجل ذلك كان يعتني بأمثال هذه المواضع اعتناءً بليغاً . الخامس: أنه كان يضع عن يمينه ويساره كثيراً من كتب الحديث، ولا سيما من متون الحديث، فإن كان فيها إشكال في موضوع يتعلق بالصحيح، فكان يفتحها ويقرأها على الطلبة، ويَحُلّ الإشكال، أو كانت هناك فائدة تلائم الموضوع فيذكرها بعبارتها. فكأنَّ درسَ الصحيح كان درساً لسائر الأمهات، بل ما عداها أيضاً. فهذه مميزات درسه لصحيح البخاري. لا تجد بعضها في درس غيره. ومن أجل ذلك، كلُّ مَن كان ضليعاً في العلوم، واسعَ الاطلاعِ، حَدِيد الذهن، قوي الحافظة، ثاقب الفكر، كان يقوم من عنده بحظٌّ وافر، وبصيرة نافذة، ومن ثَمَّ كان درسه منشأ لإِخْفاق القاصرين، ومن لم يكن في ذهنه متَّسَعَاً لأمثال هذه الأبحاث الجليلة. ٠ ١٨ ترجمة إمام العصر الأستاذ المحدِّث محمد أنور الكشميري الحنفي ميزته في شرح أحاديث الأحكام كنتُ قد ذكرتُ عَشْر خصائص من آدابه في شرح أحاديث الأحكام في ((نفحة العنبر))، ولا فُسحة في الوقت لذكرها تفصيلاً، وإنما أريد لفت النظر إلى جملةٍ منها باختصار مع إيضاح وزيادة. منها: أنه كان هَمُّه في الأحاديث التي اختلف أتباع أهل المذاهب في معانيها، أن يقف على غرض الشارع، فإذا استبان عنده استمسك به، ولم يَحْفِل بعموم اللفظ، ولا باختلاف اتباع المذاهب. مثاله: ما في ((فيض الباري)) من ص ٤ إلى ص ١١ من الجزء الأول، فراجعه وقابله بما ذكره الشارحون حتى يطمئنَّ به قلبُك. ومنها: أنه إذا تعددت طرق الحديث فلم يكن يدير الكلام على طريقة واحدة، بل كان يجمعها إن أمكن الجمع، وإلا فيتوخى ما هو أوفق بغرض الشارع أو أقرب إليه. مثاله: ما في ((فيض الباري)) في المواقيت من الجزء الثاني من شرح قوله وَلخيرٍ: ((من أدرك ركعةً من الصبح)) ... إلخ. فراجعه. ومنها: أنه إذا تجاذبت الأحاديث، وتضاربت نصوص الشارع، ولم يتعيَّن غرضُ الشارع بيقين، وكان الكلُّ سائغاً عنده، فيحمل اختلاف الأئمة في أمثال هذا على الأولوية، ولم يكن يَزْعُمُه مخالفاً للمذهب ولا خروجاً عنه، راجع لمثاله: بحث الترجيع في الأذان، واختلاف الجهر والإسرار بالتأمين، ورفع اليدين في غير التحريمة، من الجزء الثاني من ((الفيض)). وإن تعيَّن غرض الشارع كان هو المَحْمِل الصحيح عنده. راجع باب وضوء الرجل والمرأة ومسألة جواب الأذان. ومنها: إذا اختلفت الروايات من صاحب الشريعة، واختلفت الرواية عن الإمام أبي حنيفة فكان مَحْمِل كل رواية على كل حديث، وكان الكل جائزاً، وإن تفاضلت فى الرتبة وكان بعضها أولى من بعض. راجع ص ٢٨٨ من الجزء الأول من الفيض، في مسألة المسح على الرأس. ومنها: أنه إذا صح حديث، والرواية المشهورة عن أبي حنيفة كانت مخالفةً له، غير أنه يوجد في الباب رواية عن الإمام، فكان المذهب عنده ما دلّ عليه الحديث، ووافقته رواية من الإمام. كالسواك عند القيام إلى الصلاة. فكان يقول: يُستحبّ لمن يثق بعدم خروج الدَّم من الأسنان، فإن ذلك ناقض الوضوء عند الحنفية. ومنها: أنه إذا تعيَّن غرضُ الشارع، ولم يجد في الباب رواية عن الإمام تُوَافقه، بل صادف روايةً عن الصاحبين أو أحدِهما، فكان هو المذهب الحنفي عنده. مثاله: مسألة الخمر، فكان يقول: غرض الشارع هو النهي عنها، سواء كان من العنب أو غيره، وسواء كان قليلاً أو كثيراً وسواء أسكر قليله أو لم يُسْكِر، وإليه ذهب الجمهور، وأبو يوسف، وهو من أصحابه، فتعيَّن المصيرُ إليه. ١٩ ترجمة إمام العصر الأستاذ المحدِّث محمد أنور الكشميري الحنفي هذا ما تيسر لي بالإجمال، والغرض منه لفت النظر. وهذا كتابه وأماليه أمامَك فراجعه حتى ينبلج كفَلَقِ الصبح ما حاولته. والصبح منبلج لعين رائیه. وأريد أن أُذَيِّل هذا الموضوع بكلمات من إمام هذه النهضة الدينية، الإمام الشاه ولي الله الدِّهْلَوي، ليتضح أن مسلك إمام العصر هو المسلك الأعلى، والطريقة المُثْلى، وإليه ذهب المحققون من الفقهاء المحدثين من أهل المذهب الحنفي. قال الإمام الشاه وليّ الله الدِّهْلَوِي في ((فيوض الحرمين)) ص ٦٢: ثم كشف لي أُنْموذجاً، ظهر لي منه كيفية تطبيق السنة بفقه الحنفية من الأخذ بقول أحد الثلاثة، وتخصيص عموماتهم، والوقوف على مقاصدهم، والاقتصار على ما يُفْهَم من لفظ السنة، وليس فيه تأويل بعيد، ولا ضربُ بعض الأحاديث بعضاً، ولا رفضٌ لحديث صحيح بقول أحد من الأئمة ... وهذه الطريقة إن أتمها الله وأكملها، فهي الكبريت الأحمر والإكسير الأعظم. اهـ. قلت: وهذه الطريقة التي وَضَعَ أساسها الإمام، قد شرع تكميلها في عهد نجله الأكبر، الحجةُ الشاه عبد العزيز رحمه الله، ثم زِيدت في عصر الشيخ المحدث مولانا رشيد أحمد الكَنْكُوهي، وشيدها المحدث الشيخ محمود حسن الدُّيُوبَنْدي رحمه الله، وأكملها إمام العصر صاحب هذه الأمالي رحمه الله . وقال في ص ٤٨: عرفني رسول الله وَُّ أنّ في المذهب الحنفي طريقة أنيقة هي أوفق الطرق بالسنة المعروفة التي جُمِعَت ونُقِّحت في زمان البخاري وأصحابه. وذلك أن يُؤخذ من أقوال الثلاثة قول أقربهم بها في المسألة، ثم ذلك يَتْبَع اختياراتِ الفقهاء الذين كانوا من علماء الحديث. وفي نسخة مخطوطة في مكتبة الشيخ عبد الستار الهندي بمكة هنا زيادة: كالحافظ أبي جعفر الطحاوي. قاله الشيخ عُبَيد الله الدُّيُوبَنْدِي. فَرُبَّ شيء سكت عنه الثلاثة في الأصول، وما تعرضوا لنفيه، ودلَّت الأحاديث عليه، فليس بُدٍّ من إثباته، والكل مذهب حنفي. اهـ. وقال في ص ١٠٣: تراءى لي أن في المذهب الحنفي سراً غامضاً، ثم لم أزل أتحدق في هذا السر الغامض، حتى شاهدت أن لهذا المذهب - يومنا هذا - رجحاناً على سائر المذاهب بحسب هذا المعنى الدقيق. اهـ. وراجع ما ذكر، في كتابه ((التفهيمات الإلهية)) ج ١ ص ١٤٨ و١٤٩ و١٥٢ و١٥٣، طبع المجلس العلمي. وقال في ((حُجَّة الله البالغة)): ومنها أن التخريج على كلام الفقهاء، وتَتَّبّع لفظ الحديث لكلٍّ منهما أصل أصيل في الدين، ولم يزل المحققون من العلماء في كل عصر يأخذون بهما، فمنهم من يُقِلُّ من ذا ويُكْثِر من ذاك، ومنهم من يُكْثِر من ذا ويُقِلُّ من ذاك. فلا ينبغي أن يُهْمَل ٢٠ ترجمة إمام العصر الأستاذ المحدِّث محمد أنور الكشميري الحنفي أمرٌ واحد منهما كما يفعله عامة الفريقين، وإنما الحق البحت، أن يطابَقَ أحدهما بالآخر، وأن يُجْبَرَ خللُ كلِّ بالآخر. اهـ وراجع ما قاله في ((الحجة)) ص ١٥٨ إلى ص ١٦١ ج ١، وص ١١، و١٢ ج ٢، وراجع أيضاً ص ٢٠٢ ج ٢ من ((التفهيمات)). وقال في ص ٢١٥ ج ١ من ((التفهيمات)): وإن قَصُرَت أفهامكم، فاستعينوا برأي من مضى من العلماء، ما تروه أحق وأصرح وأوفق بالسنة. اهـ. وفي رسالتيه: ((الإنصاف)) و ((عِقْد الجِيد)) ما يكفيك أن تقتنع به. وفي هذه الإشارات مَقْنَع لطلبة العلم، وللبسط مجال غير هذا. والله الموفق. مؤلفاته في الحديث (١) فيض الباري على صحيح البخاري، من أماليه، في درس الصحيح. (٢) العَرْف الشَّذِي من جامع الترمذي. من أماليه في درس جامع الترمذي. (٣) أماليه على ((سنن أبي داود))، المطبوع منه جزء واحد، والباقي لم يطبع. (٤) أماليه على ((صحيح مسلم)) ضبطها الفاضل الشيخ مناظر أحسن الجيلاني. الأستاذ بالجامعة العثمانية بحيدر آباد الذَّكن من أصحابه، ولم تطبع. (٥) حاشية على ((سنن ابن ماجه)) وكانت موجودة بُرهة طويلة لدى الشيخ السيد محمد إدريس المُدَرِّس بالجامعة الإسلامية. لكن اليوم لا يُذْرى أين ضاعت هي. هذا ما يتعلق بالأمهات الخمس من السِّبِّ. (٦) فصل الخطاب في مسألة أمّ الكتاب. (٧) خاتمة الخطاب، في فاتحة الكتاب. (٨) نيل الفرقدين، في رفع اليدين. (٩) بسط اليدين، لنيل الفرقدين. (١٠) كشف الستر، عن مسألة الوتر. (١١) التصريح، بما تواتر في نزول المسيح. وكل هذه المؤلفات طافحة بأبحاث سامية، لا يستغني عنها كلُّ من حاول بحثاً دقيقاً في الموضوع، وما عدا هذه، فله حواشٍ على آثار السنن، للمحدث النِّيمَوِي، ولو خُرِّجَتْ حوالاتها لأصبح ذلك كتاباً في عدة أجزاء، وانتقى من ((مسند أحمد)) الأحاديثَ التي يُستدل بها أو يُستأنس بها للحنفية. وله مذكّرات قيمة في كثير من الأبحاث الحديثية، من مسألة ((المِثْل أو المِثْلَين في وقت الظهر))، وحديث ((من أدرك ركعة من الصبح)) إلخ، وفي أحاديث تختص بذي القرنين، ويأجوج ومأجوج، وغيرهما مما رآها مشكلاً في موضوعه.