Indexed OCR Text

Pages 241-260

عُرْوَةَ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ، عَنْ عَائِشَةَ: أَنَّ النَّبِيَّ ◌َهِ قَبَلَهَا
وَلَمْ يَتَوَضَّأُ، وَهَذَا لاَ يَصِحُ أَيْضاً، وَلاَ نَعْرِفُ لإِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ سَمَاعاً
مِنْ عَائِشَةَ، وَلَيْسَ يَصِحُّ عَنْ النَّبِيِّ بَّهِ فِي هَذَا الْبَابِ شَيْءٌ، هذا
كلامه .
وعن ابن مسعود: الْمُلامَسَةُ مَا دُونَ الْجِمَاعِ، أَنْ يَمَسَّ الرَّجُلُ
جَسَدَ امْرَأَتِهِ بِشَهْوَةٍ، فَفِيهِ الْوُضُوءُ .
وعن أَبي عُبيدة، عن أبيه عبدالله بن مسعود: يَتَوَضَّأُ الرَّجُلُ مِنَ
الْمُبَاشَرَةِ، وَمِنَ اللَّمْسِ بِيَدِهِ، وَمِنَ الْقُبْلَةِ إِذَا قَبَّلَ امْرَأَنَهُ، وَكَانَ يَقُولُ فِي
هَذِهِ الآيَةِ: ﴿أَوْ لَمَسْتُمُ اٌلِّسَآءَ﴾ [المائدة: ٦] هُوَ الْغَمْزُ. رواه الطبراني،
ورجاله موثقون.
والعجب أن مدارَ مذهب الكوفيين على أقوال ابن مسعود، وقد
ترکوا قوله في هذه المسألة بلا سبب.
وأما مسُّ الذَّكَر: فعن طَلْق بنٍ عليٍّ، قال: قَدِمْنَا عَلَى نَبِيِّ اللهِ،
فَجَاءَ رَجُلٌ كَأَنَّهُ بَدَوِيٌّ، فَقَالَ: يَا نَبِيَّ اللهِ! مَا تَرَى فِى مَسِّ الرَّجُلِ ذَكَرَهُ
بَعْدَ مَا يَتَوَضَّأُ؟ فَقَالَ: ((هَلْ هُوَ إِلاَّ مُضْغَةٌ مِنْهُ؟)). أَوْ قَالَ: (بَضْعَةٌ مِنْهُ)
أخرجه الأربعة.
ولما أخرج الترمذي هذا الحديث قال: وفي الباب: عن أبي
أمامة .
ولما أخرج حديث بُسرة بنت صفوان قال: وفي الباب: عن أمّ
٢٤١

حبيبة، وأبي أيوب، وأبي هريرة، وأروى بنت أنس، وعائشة،
وجابر، وزيد بن خالد، وعبدالله بن عمرو، وحديث سبرة حديث
حسن صحيح.
وأقول: حديثُ أبي أمامة: سُئِلَ رَسُولُ اللهِ نِ﴿ِ عَنْ مَسِّ الذَّكَرِ،
فَقَالَ: ((إِنَّمَا هُوَ جُزْءٌ مِنْكَ)) أخرجه ابن ماجه.
وحديثُ أم حبيبة: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ وَهِ يَقُولُ: (مَنْ مَسَّ
فَرْجَهُ، فَلْيَتَوَضَّأُ)).
وحديث أبي أيوب: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ نَّهِ يَقُولُ: ((مَنْ مَسَّ
فَرْجَهُ، فَلْيَتَوَضَّأْ)).
وحديث جابر بن عبدالله، قال: قَالَ رَسُولُ اللهِ نَ ◌ّهِ ((إِذَا مَسَّ
أَحَدُكُمْ ذَكَرَهُ، فَعَلَيْهِ الْوُضُوءُ)) أخرج الثلاثة ابن ماجه.
وحديث عائشة، مرفوعاً: ((مَنْ مَسَّ فَرْجَهُ، فَلْيَتَوَضَّأ)).
وحديث محمد بن مسلمة، رواهما البزار.
وحديث أبي هريرة، يرفعه: ((مَنْ أَفْضَى بِيَدِهِ إِلَى ذَكَرِهِ لَيْسَ دُونَهُ
سِتْرٌ، فَقَدْ وَجَبَ عَلَيْهِ الْوُضُوءُ)) رواه أحمد، والبزار، والطبراني.
وحديث زيد بن خالد، مرفوعاً: ((مَنْ مَسَّ فَرْجَهُ فَلْيَتَوَضَّأْ)) رواه
الثلاثة، ورجاله ثقات.
وحدیث عبدالله بن عمرو سواء. رواه أحمد.
٢٤٢

وقال الترمذي: وقد روي عن غير واحد من أهل العلم من
الصحابة والتابعين: أنه لا وضوء من مسّ الذكر، وبه يقول أهل
الكوفة، وابن المبارك، وذهب غير واحد من أصحاب النبي - عليه
السلام - والتابعين و[من] بعدهم إلى أنه يوجب الوضوء، وبه يقول
الأوزاعي، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، انتهى.
والأشبه أن يلزم الوجوب، قيل: ثم وجب، ويؤيده: [حديث]
أبي طَلْق بن علي روى عدم الوجوب؛ كما مَرَّ مرفوعاً: ((مَنْ مَسَّ
فَرْجَهُ، فَلْيَتَوَضَّأُ)) أخرجه الطبراني، ورجاله ثقات، فيكون طلق قد
سمع الناسخ والمنسوخ، ورواهما معاً.
وأمّا الضحك في الصلاة: فعن أبي موسى الأشعري: بَيْنَمَا
النَّبِيُّ ◌َّهُ يُصَلِّي بِالنَّاسِ، إِذْ دَخَلَ رَجُلٌ، فَتَرَّدَّى فِي حُفْرَةٍ كَانَتْ فِي
الْمَسْجِدِ، وَكَانَ فِي بَصَرِهِ ضَرَرٌ، فَضَحِكَ كَثِيْرٌ مِنَ القَوْمِ وَهُمْ فِي
الصَّلاةِ، فَأَمَرَ رَسُولُ اللهِ وَلِهِ مَنْ ضَحِكَ أَنْ يُعِيدَ الْوُضُوءَ، وَيُعِيدَ
الصَّلاَةَ. رواه الطبراني، وفيه محمد بن عبد الملك الدقيقي، وفيه
جهالة.
وإعادة الصلاة على قواعد القوم، ويقولون بها، وأما إعادة
الوضوء، فلا تجب عند الجمهور، وفي مذهب أبي حنيفة: يعيد إذا
قهقه في الصّلاة، وكل [ ... ]، وإنما أوردنا ما في هذا الأثر من
الأحاديث، ولم [ ... ].
٢٤٣

حدیث الكتاب:
قوله: (عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَعِيدٍ، وَعَبَّدِ بْنِ تَمِيمٍ) يعني: أن
الزهري يروي عن سعيد بن المسيب، وعباد بن تميم، وهما يرويان
عن عمّ عباد، وهو عبدالله بن زيد بن عاصم.
الثاني: في ألفاظه:
قوله: (شُكِيَ إِلَى النَّبِيِّ ◌َ﴿ِ الرَّجُلُ يُخَيَّلُ) وضبطه بعض
القوم على ما لم يسمَّ فاعلُه، و(الرجلُ) مرفوع، وبعضهم على بناء
الفاعل، و(الرجلَ) منصوب.
وذكر النووي: أن الثانية وهم، والرواية هي الأولى، واعترض
عليه بعض شارحي ((البخاري)) بأن الشاك إذا كان هو زيد الراوي، فَلِمَ
تکون الرواية الثانية وهماً؟ والظاهر ما قاله النووي رواية، وكذا دراية؛
إذ ليس في رواية ((البخاري)) ما يدل على أن الشاك هو الراوي؛ فإن
الضمير في قوله: (أَنُّ) ضمير الشأن، ولو قدره في البناء للواحد،
فالظاهر: أن الضمير في قوله: (أنّهُ) حينئذ راجع إلی عبدالله بن زيد،
وينبغي في قوله: (الرَّجُلُ)، والتقدير: أن عبدالله شكا إلى النبيّ - عليه
السلام - عن حال الرجل الذي يخيل، فيحتاج إلى إضمار وتوهم
خلاف المقصود؛ إذ الغرض: بيان الحكم، لا [ ... ] عن الرجل
الذي أصابه ذلك.
ويحتمل جعل الضمير للشأن في رواية البناء للفاعل - أيضاً -،
٢٤٤

ولهذا قال بعض الشارحين: (الرَّجُلُ) مرفوع فاعل (شُكِيَ)، والذي
تخيل صفةٌ له، وأن مع الاسم والخبر مفعولُ ما لم يُسَمَّ فاعله، وهو
(يُخَيَّلُ)، ويحتمل أن (الرَّجُلُ يُخَيَّلُ) الذي تخيل مفعول (شُكِيَ).
الثالث: في حكمه:
ويدخل في هذا الحكم المرأة - أيضاً -، ولا ينحصر بالرجل،
كما لا ينحصر الحدث بسماع أو وجدان الريح، فإن كلَّ خارج من
السبيلين، بل كل ناقض للوضوء إذا حصل التيقنُ به، يكون موجباً
للاتصاف، وإذا كان مشكوكاً، فلا، وإنما اختصًا بالذِّكْر؛ نظراً إلى
السؤال، وبياناً للأغلب؛ لأن الوسوسة في الحدث تكون - [في]
الأغلب - عن تخيل خروج؛ فإن غيره من البول والغائط لا تحصل
به الوسوسة؛ لأنه يتبين فيهما الخروج وعدمه، والشيطانُ إنما يوقع
المصلي في الوسوسة فيما يحتمله، ويتشوش عليه حاله، ولهذا جاء
في الحديث الأمر بتكذيبه؛ فقد روي في «صحيحي ابن خزيمة وابن
حبان))، وفي ((مستدرك الحاكم)) من حديث أبي سعيد الخدري: أَنَّ
رَسُولَ اللهِ ن ◌َ﴿ قَالَ: ((إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الشَّيْطَانُ، فَقَالَ: إِنَّكَ
أَحْدَثْتَ، فَلْيَقُلْ: كَذَبْتَ، إِلا مَنْ وَجَدَ بِأَنْفِهِ رِيحاً، أَوْ سَمِعَ صَوْتاً
بِأُذُنِهِ».
وفي رواية ابن حبان: ((فَلْيَقُلْ فِي نَفْسِهِ: كَذَبْتَ)).
وجاء في ((مسند الإمام أحمد)» من حديث أبي سعيد - أيضاً -:
(إِنَّ الشَّيْطَانَ يَأْتِي أَحَدَكُمْ وَهُوَ فِي صَلاَتِهِ، فَيَأْخُذُ شَعْرَةً مِنْ دُبُرِهِ،
٢٤٥

فَيَمُدُّهَا، فَيَرَى أَنَّهُ قَدْ أَحْدَثَ، فَلاَ يَنْصَرِفْ حَتَّى يَسْمَعَ صَوْتاً، أَوْ يَجِدَ
رِیحاً)، وقد مَرَّ، وفي إسناده عليُّ بنُ زيد بن جدعان، وفيه مقال.
الرابع: في قوله: (لاَ يَنْصَرِفْ)، وفي رواية البخاري في
موضع: (لاَ يَنْفَتِلْ، أو لاَ يَنْصَرِفْ) على الشك، وهو عن الراوي،
وذكر الخطابي: (لاَ يَنْفَتِلْ، وَلاَ يَنْصَرِفْ) بالجمع بدون الشك، وهو
على التأكيد؛ فإن الانفتال هو الانصراف، والمراد من الانصراف:
الخروج من الصلاة أو المسجد، والذهاب إلى الوضوء؛ كما جاء
مصرحاً في الرواية الثانية: ((فَلاَ يَخْرُجَنَّ مِنَ الْمَسْجِدِ)).
الخامس: في قوله: (قَالَ أَبُو بَكْرٍ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) هذا من
غاية احتياط مسلم في باب الرواية، وأنه روى هذا الحديث عن عمرو
الناقد، وزهير، وأبي بكر بن أبي شيبة، وفي الإسناد عَمُّ عَبَّادِ بنِ تميم
بلا تسمية، فأورد بعد ذلك: أن أبا بكر وزهيراً ذكرا الاسم عم عباد،
وهو عبدالله بن زيد، وعلم منه أن ليس في رواية عمرو الناقد اسمه
مذكوراً، والله أعلم.
*
٢٤٦

(١٤)
باب
حكم الإهاب إذا ذُبغ
[٢٧ - باب
طَهَارَةِ جُلُودِ الْمَيْنَةِ بِالدِّبَاغِ]
٨٣٢ - (٣٦٣ / ١٠٠) - وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ
أَبِي شَيْبَةَ، وَعَمْرٌو النَّاقِدُ، وَابْنُ أَبِي عُمَرَ جَمِيعاً، عَنِ ابْنِ عُبَيْنَةَ، قَالَ
يَحْبَى: أَخْبَرَنَاَ سُفْيَانُ بْنُ عُبَيْنَةَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُيَبْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِاللهِ،
عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: تُصُدِّقَ عَلَى مَوْلاَةٍ لِمَيْمُونَةَ بِشَاةٍ، فَمَاتَتْ، فَمَرَّ
بِهَا رَسُولُ اللهِوَلِ، فَقَالَ: ((هَلَّ أَخَذْتُمْ إِهَابَهَا فَدَبَغْتُمُوهُ فَانتُفَعْتُمْ بِهِ».
فَقَالُوا: إِنَّهَا مَيْئَةٌ. فَقَالَ: ((إِنَّمَا حَرُمَ أَكْلُهَا)). قَالَ أَبُو بَكْرٍ، وَابْنُ أَبِي
عُمَرَ فِي حَدِيثِهِمَا: عَنْ مَيْمُونَةَ - رضي الله عنها -.
٨٣٣ - (٣٦٣/ ١٠١) - وَحَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ، وَحَرْمَلَةُ، قَالاً:
حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُبَيْدِاللهِ بْنِ
عَبْدِ اللهِ بْنِ عُتْبَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﴿ وَجَدَ شَاةً مَيْنَةً
أُعْطِيَتْهَا مَوْلاَةٌ لِمَيْمُونَةَ مِنَ الصَّدَقَةِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَلِ: ((هَلَّ
٢٤٧

اتَفَعْتُمْ بِجِلْدِهَا)). قَالُوا: إِنَّهَا مَيْنَةٌ، فَقَالَ: (إِنَّمَا حَرُّمَ أَكْلُهَ)).
٨٣٤ - (٣٦٣ / ١٠١) - حَدَّثَنَا حَسَنٌ الْحُلْوَانِيُّ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ
جَمِيعاً، عَنْ يَعْقُوبَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ، حَدَّثَنِي أَبِيٍ، عَنْ صَالِحٍ،
عَنِ ابْنِ شِهَابٍ بِهَذَا الإِسْنَادِ، بِنَحْوِ رِوَايَةِ يُونُسَ .
٨٣٥ - (٣٦٣ / ١٠٢) - وَحَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ، وَعَبْدُاللهِ بْنُ
مُحَمَّدٍ الزُّهْرِيُّ - وَاللَّفْظُ لإِبْنِ أَبِي عُمَرَ -، قَالاَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ
عَمْرٍو، عَنْ عَطَاءٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ رَسُولَ اللهِوَلِهِ مَرَّ بِشَاةٍ مَطْرُوحَةٍ
أُعْطِيَتْهَا مَوْلاَةٌ لِمَيْمُونَةَ مِنَ الصَّدَقَةِ، فَقَالَ النَّبِيُّ ◌َهِ: ((أَلاَّ أَخَذُوا
إِهَابَهَا فَدَبَغُوهُ، فَانْتُفَعُوا بِهِ)) .
٨٣٦ - (٣٦٤ / ١٠٣) - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عُثْمَانَ النَّوْفَلِيُّ، حَدَّثَنَا
أَبَّ عَاصِمٍ، حَذَّثَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَتِي عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ، أَخْبَرَنِي عَطَاءٌ
مُنْذُ حِينٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي ابْنُ عَبَّاسٍ: أَنَّ مَيْمُونَةَ أَخْبَرَتْهُ: أَنَّ دَاجِنَةً
كَانَتْ لِبَعْضِ نِسَاءِ رَسُولِ اللهِ وَلِهِ، فَمَاتَتْ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِلَ: ((أَلَا
أَخَذْتُمْ إِهَابَهَا، فَاسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ».
٨٣٧ - (٣٦٥/ ١٠٤) - حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ
الرَّحِيمِ بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنِ
ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ النَّبِيَّ لَهُ مَرَّ بِشَاةٍ لِمَوْلاَةٍ، لِمَيْمُونَةَ فَقَالَ: ((أَلَا انْتُفَعْتُمْ
بِهَابِهَا».
٢٤٨

فیه حدیثان لابن عباس :
الأول: حديثُه: تُصُدِّقَ عَلَى مَوْلاَةٍ لِمَيْمُونَةَ بِشَاةٍ، فَمَاتَتْ، فَمَرَّ
بِهَا رَسُولُ اللهِ، فَقَالَ: ((هَلاَّ أَخَذْتُمْ إِهَابَهَا فَدَبَغْتُمُوهُ، فَانْتُفَعْتُمْ بِهِ».
فَقَالُوا: إِنَّهَا مَيْنَةٌ. فَقَالَ: ((إِنَّمَا حَرُمَ أَكْلُهَا)).
وفي رواية: أَنَّ مَيْمُونَةَ أَخْبَرَتْهُ: أَنَّ دَاجِنَةً كَانَتْ لِبَعْضٍ نِسَاءِ
رَسُولِ اللهِ وَّهِ، فَمَاتَتْ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَلِهِ: ((أَلَّ أَخَذْتُمْ إِهَابَهَا،
فَاسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ)).
٨٣٨ - (٣٦٦ / ١٠٥) - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا سُلَيْمَانُ
ابْنُ بِلاَلٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ: أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ وَعْلَةَ أَخْبَرَهُ عَنْ
عَبْدِاللهِ بْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ وَ﴿ يَقُولُ: ((إِذَا دُبِغَ
الإِهَابُ، فَقَدْ طَهُرَ)).
٨٣٩ - (٣٦٦/ ١٠٥) - وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْئَةَ، وَعَمْرٌو
النَّقِدُ، قَالاَ: حَدَّثَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ حِ، وَحَدَّثَنَا قُتَنْيَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ
الْعَزِيزِ - يَعْنِي: ابْنَ مُحَمَّدٍ - ح، وَحَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، وَإِسْحَاقُ بْنُ
إِبْرَاهِيمَ جَمِيعاً، عَنْ وَكِيعٍ، عَنْ سُفْيَانَ، كُلُّهُمْ عَنْ زَئِدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ
عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ وَعْلَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنِ النَّبِّ ◌َّهُ بِمِثْلِهِ؛ يَعْنِي:
حَدِيثَ بَحْيَى بْنِ بَحْیَى.
٢٤٩

٨٤٠ _ (٣٦٦ / ١٠٦) - حَدَّثَنِي إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورِ، وَأَبُو بَكْرِ
ابْنُ إِسْحَاقَ - قَالَ أَبُو بَكْرٍ: حَدَّثَنَا، وَقَالَ ابْنُ مَنْصُورٍ: أَخْبَرَنَا
عَمْرُو بْنُ الرَّبِيعِ -: أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي
حَبِيبٍ: أَنَّ أَبَا الْخَيْرِ حَدَّثَهُ، قَالَ: رَأَيْتُ عَلَى عَلِيِّ بْنٍ وَعْلَةَ
السَّبَيِّيِّ فَرْواً، فَمَسِسْتُهُ، فَقَالَ: مَا لَكَ تَمَشُّهُ؟ قَدْ سَأَلْتُ عَبْدَاللهِ بْنَ
عَبَّاسٍ، قُلْتُ: إِنَّا نَكُونُ بِالْمَغْرِبِ، وَمَعَنَا الْبَرْبَرُ وَالْمَجُوسُ، نُؤْنَى
بِالْكَبْشِ قَدْ ذَبَعُوهُ، وَنَحْنُ لاَ نَأْكُلُ ذَبَائِحَهُمْ، وَيَأْتُونَ بِالسِّقَاءِ
يَجْعَلُونَ فِيهِ الْوَدَكَ. فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: قَدْ سَأَلْنَا رَسُولَ اللهِّهِ عَنْ
ذَلِكَ، فَقَالَ: ((دِبَاغُهُ طَهُورُهُ».
٨٤١ _ (٣٦٦ / ١٠٧) - وَحَدَّثَنِي إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، وَأَبُو
بَكْرِ بْنُ إِسْحَاقَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ الرَّبِيعِ: أَخْبَرَنَا بَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ،
عَنْ جَعْفَرِ بْنِ رَبِيِعَةَ، عَنْ أَبِي الْخَيْرِ حَدَّثَهُ، قَالَ: حَدَّثَنِي ابْنُ
وَعْلَةَ السَِّيُّ، قَالَ: سَأَلْتُ عَبْدَاللهِ بْنَ عَبَّاسِ قُلْتُ: إِنَّا نَكُونُ
بِالْمَغْرِبِ، فَيَأْتِيْنَا الْمَجُوسُ بِالأَسْقِيَةِ فِيهَا الْمَاءُ وَالْوَدَكُ، فَقَالَ:
اشْرَبْ. فَقُلْتُ: أَرَأْيٌّ تَرَاهُ؟ فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسِ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ وَ﴾
يَقُولُ: ((دِبَاغُهُ طَهُورُهُ» .
الحديث الثاني: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ نَّهِ يَقُولُ: ((إِذَا دُبِغَ الإِهَابُ،
فَقَدْ طَهُرَ».
٢٥٠

وفي رواية: أن عَلِيَّ بْنَ وَعْلَةَ السَِّيَّ سأل ابْنَ عباسٍ، فقال: إِنَّا
تَكُونُ بِالْمَغْرِبِ، وَمَعَنَا الْبَرْبَرُ وَالْمَجُوسُ، نُؤْتَى بِالْكَبْشِ قَدْ ذَبَُوهُ،
وَنَحْنُ لاَ نأْكُلُ ذَبَائِحَهُمْ، وَيَأْتُونَ بِالسِّقَاءِ يَجْعَلُونَ فِيهِ الْوَدَكَ. فَقَالَ ابْنُ
عَبَّاسِ: قَدْ سَأَلْنَا رَسُولَ اللهِنَّهِ عَنْ ذَلِكَ، فَقَالَ: ((دِبَاغُهُ طَهُورُهُ)).
وفي رواية: قال: إِنََّ نَكُونُ بِالْمَغْرِبِ، فَيَأْتِنَ الْمَجُوسُ بِالأَسْقِيَةِ
فِيهَا الْمَاءُ وَالْوَدَكُ، فَقَالَ: اشْرَبْ. فَقُلْتُ: أَرَأْتِيٌّ تَرَاهُ؟ فَقَالَ ابْنُ
عَبَّاسٍ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ لّهِ يَقُولُ: ((دِبَاغُهُ طَهُورُهُ» .
وأخرج الأولَ البخاريُّ، والأربعة، والنسائي الأربعة.
وقال الترمذي: وفي الباب: عن سلمة بن الْمُحَبِّقِ، وميمونة،
وعائشة.
وأقول: حدیث ميمونة قد مَرَّ في بعض طرق حديث ابن عباس،
وكذا في الأربعة سوى الترمذي.
وحديث سلمة بن الْمُحَبِّقِ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ فِي غَزْوَةِ تَبُّوكَ أَتَى
عَلَى بَيْتٍ، فَإِذَا قِرْبَةٌ مُعَلَّقَةٌ، فَسَأَلَ الْمَاءَ، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ! إِنَّهَا
مَيْتَةٌ. فَقَالَ: ((دِبَاغُهَا ◌ُهُورُهَا)) أخرجه أبو داود.
وفي رواية النسائي: أَنَّ نَبَيَّ اللهِنَّهِ فِي غَزْوَةٍ تَبُوكَ دَعَا بِمَاءِ مِنْ
عِنْدِ امْرَأَةٍ، قَالَتْ: مَا عِنْدِي إِلاَّ فِي قِرْبَةٍ لِ مَّيْتَةٍ، قَالَ: ((أَلَيْسَ قَدْ
دَبَغْتِهَا؟))، قَالَتْ: بَلَى، قَالَ: ((فَإِنَّ دِبَاغَهَا ذَكَاتُهَ)).
وحديث عائشة: أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَ﴿ أَمَرَ أَنْ يُسْتَمْتَعَ بِجُلُودِ الْمَيْنَةِ
٢٥١

إِذَا دُبِغَتْ. أخرجه الأربعة سوى الترمذي.
وفي رواية للنسائي: سُئِلَ النَّبِيُّ وَّهِ عَنْ جُلُودِ الْمَيْنَةِ، فَقَالَ:
((ِبَاغُهَا طَهُورُهَا)).
وفي أخرى: ((دِبَاغُهَا طَهُورُهَا)).
وفي الباب: عن سودة بنت زمعة: مَاتَتْ شَاةٌ لَنَا، فَدَبَغْنَا
مَسْكَهَا، فَمَا زِلْنَا نَتْبِذُ بِهِ حَتَّى صَارَ شَنّاً. أخرجه البخاري، والنسائي.
وعَنْ شَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ، عَنْ سَلْمَانَ، قَالَ: كَانَ لِبَعْضِ أُمَّهَاتِ
الْمُؤْمِنِينَ شَاةٌ، فَمَاتَتْ، فَمَرَّ رَسُولُ اللهِهِ عَلَيْهَا، فَقَالَ: ((مَا ضَرَّ أَهْلَ
هَذِهِ لَوِ انْتُفَعُوا بِإِهَابِهَا)) أخرجه ابن ماجه.
وبمثل حديث سلمة بن الْمُحَبِّقِ روى المغيرة بن [شعبة]
مرفوعاً، رواه أحمد والطبراني.
وروى أنس، وأبو أمامة، مرفوعاً، رواه الطبراني، وأبو يعلى.
وعن أم سلمة مثلُ حديث ميمونة، ترفعه بزيادة: ((يَحِلُّ كَمَا يَحِلُّ
الْخَلُّ مِنَ الْخَمْرِ)).
وعنها، مرفوعاً: ((لا بَأْسَ بِمَسْكِ الْمَيْتَةِ إِذَا دُبِغَ)) رواهما الطبراني.
إذا عرفت هذا، فنقول: الكلام - هاهنا - في مواضع:
الأول: في التعريف برواته سوى مَا سلف، وهو: عبدالله،
وأحمد، وعبد الرحيم، وشيخه، وعبد الرحمن، وعمرو.
٢٥٢

وأمّا (عبدُالله)، فهو ابنُ محمدِ بنِ عبدِ الرحمن بنِ المِسْوَرِ بنِ
مَخرمةَ الزهريُّ، المسوريُّ، البصريُّ.
عن غُنْدَر، والوليدِ بن مسلم، وعبدِ الوهاب الثقفي، وجمعٍ.
وعنه الخمسةُ سوى البخاري، وأخرجوا له.
قال أبو حاتم: صدوق.
وأمَّا (أَحْمَدُ)، فهو: ابْنُ عُثْمَانَ بن [عبد] النور بن عبدالله بن
سنان النَّوْفَلِيُّ البصريُّ، ويعرف بأبي الجوزاء.
عن أزهرَ السمان، وقريشٍ بن أسدٍ، ووهبٍ بن جريرِ، وجماعةٍ.
وعنه مسلم، والترمذي، والنسائي، وأخرجوا له.
وَثَّقَهُ النسائي، وابن أنس، وكان من أهل البصرة.
وأمَّا (عَبْدُ الرَّحِيمِ)، فهو ابْنُ سُلَيْمَانَ الكنانيُّ، ويقال له: أَبُو
عَلِيِّ الأَشَلُّ، الطَّائِيُّ، الْمَرْوَزِيُّ، نَزِيلُ الْكُوفَةِ .
عن عبدِالله بنِ عثمانَ، وهشامَ بنِ عُروةَ، ويزيدَ بنِ أبي زیادٍ،
وجماعةٍ .
وعنه عليُّ بنُ سعیدِ بنِ مسروق، وأبو سعيد، وخلق.
وَثَّقَهُ أبو داود، وابن معين، وأخرج له الستة.
وقال أبو حاتم: صالح الحديث، ضعيف الكتب.
وقال النسائي : ليس به بأس.
٢٥٣

وأمّا (شيخُه)، فهو أبو محمدٍ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ أَبِي سُلَيْمَان.
عن جمع.
وعنه شعبة، والسفیانان، وابن المبارك، وخلق.
وَثَّقَهُ أحمد، والنسائي، وجمع، وكان من أحفظِ أهلِ الكوفة.
وعن سفيان: أنه كان يسميه: الميزان.
وقال عبدُ الرحمن بنُ مهدي: كان شعبةٌ يتعجب من حفظ عبد
الملك، وثناءُ الناس عليه كثير، وإنما قيل فيه: إنه يخطئ، وأخرج له
الخمسة، والبخاري تعليقاً.
وأمّا (عَبْدُ الرَّحْمَنِ)، فهو ابْنُ وَعْلَةَ بن أَسْمَيْفَعَ، السَّبَائِيُّ،
البصريُّ.
عن ابن عمر، وجمع.
وعنه یحیی بن سعید، وجعفر بن ربيعة، وغيرهما.
وَثَّقَهُ ابن سفيان، والعجلي، والنسائي، وأخرج له الستة سوى
البخاري، له في الكتب حدیثان.
قال ابن يونس: أسميفعُ آخر ملوك سبأ الستة، عليه قام الإسلام.
وأمّا (عَمْرٌو)، فهو ابْنُ الرَّبِيعِ بنِ طارقِ بنِ فُرَّة، أبو حفصٍ
الهلاليُّ، الكوفيُّ.
عن الليث، وابن لهيعة، وجمع.
وعنه: البخاري، وإسحاق الكَوسج، وأبو حاتم، وجمع.
أخرج له الشيخان، وأبو داود.
٢٥٤

وقال أبو حاتم: صدوق.
والثاني: في وجه الترتيب:
لمَّا ذكر أحاديثَ الوضوء والغسل، وما يتعلق بهما، وما يكون
موجباً لهما، وما لا يكون، وكان بعضُ ظروف الماء من الجلود، انتقل
إلى بيان الطاهرِ منها، وكيفية تطهيرها، وأورد الأحاديث المشتملة على
جلد الميتة .
وبدأ بالحديث المشتمل على الدباغ؛ إيماء إلى المقصود،
وإرشاداً بأنه مراد في الرواية التي ليس فيها ذكره؛ فإنه لو ذكر الرواية
التي ليس فيها ذكر الدباغ أولاً، كما هو دأبه في إيراد الرواية المطلقة
قبل المقيدة، فلربما توهم أن جلد الميتة طاهرٌ بدون الدباغ، وأنه يُنتفع
به في الأشياء الرطبة واليابسة؛ كما ذهب إليه الزهري، وليس المراد
ذلك، بل المراد: أن الطهارة إنما تحصل بالدباغ، فأورد الرواية
المشتملة عليه أوّلاً .
ثم لمَّا بين ذلك في الجلد مطلقاً، ذكر بعد ذلك جواز الشرب
من الأسقية المدبوغة، وإن كانت من دباغ المجوس، مع عدم جواز
أكل ذبائحهم، ويبَّن أن دباغه طهوره، والغرض: بيان طهارة الأسقية،
فذكره بعد ذكر طهارة الجلد بالدباغ مطلقاً.
والثالث: في حکمه:
ثم اعلم أن للعلماء في جلد الميتة، وذكاةٍ غيرِ أهل الإسلام
والكتابِ، أقوالاً:
٢٥٥

طاهر مطلقاً بالدباغ وبغيره، وهو قول الزُّهري ومَنْ تبعه.
ولا يطهر مطلقاً بالدباغ - أيضاً -، وهو المشهور من مذهب
أحمد، وإحدى الروايتين عن مالك، ويروى عن عمر بن الخطاب،
وابنه عبدالله، وعائشة.
ويطهر الجميعُ بالدباغ، ظاهرُه دونَ باطنه، فيستعمل في الأشياء
اليابسة دون المائعات، إلا الماء، وهو المشهور من مذهب مالك.
وعنه: أنه يستعمل في جميع المائعات، ويطهر الجميع به - حتى
الخنزير - ظاهراً أو باطناً، وهو مذهب أهل الظاهر، ويحكى عن أبي
یوسف - رحمه الله -.
ويطهر الجميع به ظاهراً وباطناً، إلا الخنزير والآدمي، وهو
مذهب أبي حنيفة وأصحابه، وإلا الكلب - أيضاً -، والمتولد منه ومن
الخنزير، أو من أحدهما وحيوان آخر، وهو مذهب الشافعي، ومرويُّ
عن علي بن أبي طالب، وابن مسعود، وغيرهما.
ويطهر به جلدُ مأكول اللحم دون غيره، وهو مذهب الأوزاعي،
وابن المبارك، وأبي ثور، وإسحاق بن راهويه.
وظهر من ذلك: أن أكثر العلماء ذهبوا إلى طهارته بعد الدباغ،
واستدلالهم بالأحاديث المذكورة آنفاً، فإنها صريحة في ذلك،
[ ... ]، يجوز الانتفاع به .
والقائل بعدم الطهارة بالدباغ يستدلّ من النهي عن الاستمتاع به،
٢٥٦

على ما جاء في حديث أسامة بن زيد: أَنَّ رَسُولَ اللهِ﴿ نَهَى عَنْ جُلُودِ
السِّباع. أخرجه أبو داود.
وَلِّ: «أَنْ لاَ
وحديث عبدالله بن عُكيم: أَتَانَا كِتَابُ النَّبِيِّ
تَسْتَمْتِعُوا مِنَ الْمَيْتَةِ بِإِهَابٍ ولا عَصَبٍ)) أخرجه الأربعة.
وفي رواية أبي داود: قُرِئَ عَلَيْنَا كِتَابُ رَسُولِ اللهِ نَّهِ فِي أَرْضٍ
جُهَيْنَةَ، وَأَنَا غُلاَمٌ شَابٌ: ((أَنْ لاَ تَسْتَمْتِعُوا مِنَ الْمَيْنَةِ بِإِهَابٍ وَلاَ
عَصَبٍ)).
وفي رواية: أنه - عليه السلام - كَتَبَ إِلَى جُهَيْنَةَ قَبْلَ مَوْتِهِ بِشَهْرٍ.
وفي رواية للترمذي: قَبْلَ مَوْتِهِ بِشَهْرَیْن.
وعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُكَيْمٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّةِ: ((لاَ تَسْتَمْتِعُوا
مِنَ الْمَيْتَةِ بِإِهَابٍ وَلاَ عَصَبٍ)) رواه الطبراني، وهذا حديث من النبيّ -
علیه السلام - بدون ذکر کتابه.
ويجاب عن الحديثين بأنّ المراد: قبل الدباغ.
وعن الأوّل: بأن الوارد ما لم يدبغ، أو ما لم يطهر به؛ كالخنزير
والكلب.
وعن الثاني: بالاضطراب فيه، فإن في ألفاظه اختلافاً - كما مَرَّ -،
وهذا في سنده؛ فإن عَبْدَاللهِبْنَ عُگیْمٍ تارة يروي عن النبي - عليه السلام -،
وتارة عن كتابه، وتارة عن أشياخ له.
قال الترمذي: سَمِعْت أَحْمَدَ بْنَ الْحَسَنِ يَقُولُ: كَانَ أَحْمَدُ بْنُ
٢٥٧

حَنْبَلٍ يَذْهَبُ إِلَى هَذَا الْحَدِيثِ؛ لِمَا ذُكِرَ فِيهِ: قَبْلَ وَفَاتِهِ بِشَهْرَيْنِ، وَكَانَ
يَقُولُ: كَانَ هَذَا آخِرَ أَمْرِ النَّبِّ ◌َهَ، ثُمَّ تَرَكَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ هَذَا
الْحَدِيثَ لَمَّا اضْطَرَبُوا فِي إِسْنَادِهِ؛ حَيْثُ رَوَى بَعْضُهُمْ، فَقَالَ: عَنْ
عَبْدِ اللهِ بْنِ عُكَيْمٍ عَنْ أَشْيَاخٍ لَهُمْ مِنْ جُهَيْنَةَ. انتهى.
وقد اختلفوا في الدباغ - أيضاً -، فقيل: يحصل منها نشف
الفضلات، حتى بالشمس والتراب والرماد والملح، ونحوها، وهو
مذهب مالك، وأبي حنيفة.
وقيل: بالأشياء التي تستعمل في الدباغ؛ مثل: الشبِّ، والقرظ،
وقشور الرمان، وما أشبه ذلك، ولا يحصل بالشمس والتراب والرماد
والملح؛ لأنها تزيل الرطوبة الظاهرة دون الباطنة، وهو مذهب
الشافعي، وأحمد، وأكثر أهل الحديث، ويؤيّده: حديث بِنْتِ سُبَيْع:
أَنَّهَا قَالَتْ: كَانَ لِي غَنَمٌ بِأُحُدٍ، فَوَقَعَ فِيهَا الْمَوْتُ، فَدَخَلْتُ عَلَّى
مَيْمُونَةَ زَوْجِ النَّبِّ ◌َ﴿ه، فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لَهَا، فَقَالَتْ لِي مَيْمُونَّةُ: لَوْ
أَخَذْتِ جُلُودَهَا، فَانْتُفَعْتِ بِهَا، فَقَالَتْ: أَوَيَحِلُّ ذَلِكَ؟ قَالَتْ: نَعَمْ،
مَرَّ عَلَى رَسُولِ اللهِوَهَ رِجَالٌ مِنْ قُرَيْشٍ يَجُزُّونَ شَاةً لَهُمْ مِثْلَ الْحِمَارِ،
فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللهِ نَّهِ: (لَوْ أَخَذْتُمْ إِهَابَهَا))، قَالُوا: إِنَّهَا مَيْنَةٌ، فَقَالَ
رَسُولُ اللهِّهِ: ((يُطَهِّرُهَا الْمَاءُ وَالْقَرَظُ)) أخرجه أبو داود والنسائي.
وأما بيعُ الجلد المدبوغ، فالأصح في المذاهب الجواز. وفي
وجه لبعض أصحاب الشافعي : أنه لا يجوز.
٢٥٨

وأمّا أكله، فقيل: يجوز مطلقاً.
وقيل: لا يجوز مطلقاً.
وثالثها: المختار: أنه يجوز أكل جلد مأكول اللحم، ولا يجوز
غيره.
وأَمَّا الشعر على الجلد المدبوغ، ففي غير مذهب الشافعي
طاهر، وفي مذهبه: إن كان جلد المذكَّى المأكول لحمه، فكذلك.
وإن كان جلد غيره، فقيل: طاهر؛ لأن الموت لا يحل الشعر،
وإذا قلنا - على المختار من المذهب -: إن الموت يحله، وإن جلد
الميتة نجس، فقيل: يطهر شعر جلد المدبوغ تبعاً للجلد، ويؤيده:
حديث عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن أبيه، قال: كُنْتُ جَالِساً عِنْدَ
النَّبِّ ◌َِّ، فَأَتَى رَجُلٌ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ! أُصَلِّي فِي الْفِرَاءِ؟ فَقَالَ:
(فَأَيْنَ الدِّبَاغُ؟)) رواه أحمد، وفيه محمد بن أبي ليلى، تكلم [فيه من
قِبَل] حفظه.
والأظهر: أنه لا يطهر.
وأمّا إذا اشتبه الحال على أن هذا الجلد المدبوغ جلدُ المذكى،
أو الميتة؛ كما يكون حال الفِراء المتخذة من السنجاب، والسنور،
والقاقُم، والفَنَك، والثعلب، وأمثالها في هذا الزمان؛ فإنها تُجلب من
بلاد الترك، وبعضُ الصيّادين مسلمون يذبحون من هذه الأشياء لأجل
أكل لحمها، وبعضُهم كفار لا يذبحون، فالأظهرُ في مذهب الشافعي:
٢٥٩

الطهارة؛ كما في مسألة اشتباه الطاهر بالنجس.
وقيل: الأظهرُ النجاسة.
وعلى هذا الخلافُ [في] بيع تلك الجلود قبل الدباغ، وباقي
تفاصيل ذلك في كتب الفروع.
* وقوله: (إِنَّمَا حَرُمَ أَكْلُهَا) روي بفتح الحاء وضم الراء مخففة،
ويضم الحاء وكسر الراء مشددة، وربما تشبث به من رأى حرمة أكل
الجلد المدبوغ.
ويجاب: بأن هذا حكمه قبل الدباغ، أو المراد: اللحم فقط.
ويتشبث القائل بجواز الأكل؛ لعموم جواز الانتفاع.
وبالجملة: بعد الدبغ.
* وقوله: ((حَرُمَ أَكْلُهَا)) خرجَ مخرجَ الغالب، وإلا، فقد حرم
لبسُها في الصّلاة، واستعمالُها، وغير ذلك؛ كما تحرم النجاسات.
والإهاب: الجلد مطلقاً، وقيل: إذا كان غير مدبوغ.
والمراد بالداجنة: الشاة، ودواجن البيت: ما ألفه من الطير
[ ... ] وغيرهما، من دجن: إذا ألف.
* وقوله: ((وَيَحْمِلُونَ مِنْهَا الْوَدَكَ)) الرواية المشهورة: (يجعلون)
بالعين، ويروي بالميم بدل العين، ومعناه يذيبون، يقال: حملت
الشحم وأحملت: إذا أذبته، والله أعلم.
٢٦٠