Indexed OCR Text

Pages 341-360

(١٠)
حكم البول في المسجد،
وكيفية تطهيره
[٣٠ - باب
وُجُوبٍ غَسْلِ البَوْلِ وَغَيْرِهِ مِنَ النَّجَاسَاتِ إِذَا حَصُلَتْ
فِي المَسْجِدِ، وَأَنَّ الأَرْضَ تَظْهُرُ بِالمَاءِ مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ إِلَى حَفْرِهَا ]
٦٨٥ - (٢٨٤ / ٩٨) - وَحَدَّثَنَا قُتَّيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ
- وَهُوَ ابْنُ زَيْدٍ-، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ: أَنَّ أَعْرَابِيَّاً بَالَ فِي المَسْجِدِ،
فَقَامَ إِلَيْهِ بَعْضُ القَوْمِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِلَه: ((دَعُوهُ وَلاَ تُزْرِمُوهُ».
قَالَ: فَلَمَّا فَرَغَ، دَعَا بِدَلْوٍ مِنْ مَاءِ، فَصَبَّهُ عَلَيْهِ.
٦٨٦ _ (٢٨٤ / ٩٩) - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ
سَعِيدِ الْقَطَّانُ، عَنْ يَحْتَى بْنِ سَعِيدِ الأَنْصَارِيِّ ح، وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ
يَحْبَى، وَقُتَنِيَّةُ بْنُ سَعِيدٍ جَمِيعاً، عَنِ الدَّرَاوَرْدِيِّ - قَالَ يَحْيَى بْنُ
يَحْيَى: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدِ الْمَدَنِيُّ -، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ:
أَنَّهُ سَمِعَ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ يَذْكُرُ أَنَّ أَعْرَابِيّاً قَامَ إِلَى نَحِيَةٍ فِي المَسْجِدِ،
قَبَالَ فِيهَا، فَصَاحَ بِهِ النَّاسُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ لِهِ: ((دَعُوهُ». فَلَمَّا فَرَغَ،
٣٤١

أَمَرَ رَسُولُ اللهِو ◌َّهِبِذَنُوبٍ، فَصُبَّ عَلَى بَوْلِهِ.
٦٨٧ - (٢٨٥/ ١٠٠) - حَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ
يُونُسَ الْحَنَفِيُّ، حَدَّثَنَا عِكْرِمَةُ بْنُ عَمَّارٍ، حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ،
حَدَّثَنِي أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ - وَهُوَ عَمُّ إِسْحَاقَ-، قَالَ: بَيْنَمَا نَحْنُ فِي المَسْجِدِ
مَعَ رَسُولِ اللهِ وَّهِ إِذْ جَاءَ أَعْرَابِيٌّ، فَقَامَ يَبُولُ فِي المَسْجِدِ، فَقَالَ
أَصْحَابُ رَسُولِ اللهَِهِ: مَهْ مَهْ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ: ((لاَ تُزْرِ مُوهُ،
دَعُوهُ»، فَتَرَكُوهُ حَتَّى بَالَ، ثُمَّ إِنَّ رَسُولَ اللهِوَلِ دَعَاهُ، فَقَالَ لَهُ: ((إِنَّ هَذِهِ
المَسَاجِدَ لاَ تَصْلُحُ لِشَيْءٍ مِنْ هَذَا البَوْلِ وَلاَ القَذَرِ، إِنَّمَا هِيَ لِذِكْرِ
- اللهِ وَكَ-، وَالصَّلاَةِ، وَقِرَاءَةِ القُرْآنِ)). أَوْ كَمَا قَالَ رَسُولُ اللهِ، قَالَ:
فَأَمَرَ رَجُلاً مِنَ القَوْمِ، فَجَاءَ بِدَلْوٍ مِنْ مَاءٍ، فَشَنَّهُ عَلَيْهِ.
أخرج فيه حديث أنس: أَنَّ أَعْرَابِيّاً بَالَ فِي المَسْجِدِ، فَقَامَ إِلَيْهِ
بَعْضُ القَوْمِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((دَعُوهُ وَلاَ تُزْرِمُوهُ). قَالَ: فَلَمَّا
فَرَغَ، دَعَا بِدَلْوٍ مِنْ مَاءٍ، فَصَبَّهُ عَلَيْهِ.
وفي رواية: بَيْنَمَا نَحْنُ فِي المَسْجِدِ مَعَ رَسُولِ اللهِ وَهَ، إِذْ جَاءَ
أَعْرَابِيٌّ، فَقَامَ يَبُولُ فِي المَسْجِدِ، فَقَالَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللهِ وَّهِ: مَهْ
مَهْ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِوَهِ: ((لاَ تُزْرِمُوهُ دَعُوهُ))، فَتَرَكُوهُ حَتَّى بَالَ، ثُمَّ
إِنَّ رَسُولَ اللهِنَّهَ دَعَاهُ، فَقَالَ لَهُ: ((إِنَّ هَذِهِ المَسَاجِدَ لاَ تَصْلُحُ لِشَيْءٍ مِنْ
هَذَا الْبَوْلِ وَلاَ القَذَرِ، إِنَّمَا هِيَ لِذِكْرِ اللهِ وَكَ، وَالصَّلاَةِ، وَقِرَاءَةٍ
الْقُرْآنِ)). أَوْ كَمَا قَالَ رَسُولُ اللهِ، قَالَ: فَأَمَرَ رَجُلاً مِنَ القَوْمِ، فَجَاءَ
٣٤٢

بِدَلْوٍ مِنْ مَاءٍ، فَشَنَّهُ عَلَيْهِ. أخرجه البخاري، والنسائي، وابن ماجه.
وأخرج الترمذي حديث أبي هريرة عن سعيد بن عبد الرحمن
المخزومي، عن سفيان بن عيينةَ، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب،
عن أبي هريرة، قال: دَخَلَ أَعْرَابِيٌّ المَسْجِدَ، وَالنَّبِيُّ ◌َهِ جَالِسٌ،
فَصَلَّى، فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ صَلاَتِهِ، قَالَ: اللَّهُمَّ ارْحَمْنِي وَمُحَمَّداً، وَلاَ تَرْحَمْ
مَعَنَا أَحَداً، فَالتَفَتَ إِلَيْهِ النَِّيُّ ◌َهِ، فَقَالَ: (لَقَدْ تَحَجَّرْتَ وَاسِعاً»، فَمَا
لَبِثَ أَنْ بَالَ فِي المَسْجِدِ، فَأَسْرَعَ النَّاسُ إِلَيْهِ، فَقَالَ النَّبِيُّ ◌َ: «أَهْرِيِقُوا
عَلَيْهِ سَجْلاً مِنْ مَاءٍ، أَوْ دَلْواً مِنْ مَاء))، ثُمَّ قَالَ: ((إِنَّمَا بُعِثُمْ مُيَسِّرِينَ، وَلَمْ
تُبْعَثُوا مُعَسِّرِينَ)).
ثم قال الترمذي: قال سعيد: قال سفيان: وحدثني يحيى بن
سعيد، عن أنس بن مالك نحو هذا، وهذا في ((الترمذي)) إخراج لهذا
الحدیث، فتدبر.
وقد أخرج هذا الحديث البخاري، والثلاثة - أيضاً -، ثم قال
الترمذي: وفي الباب: عن عبدالله بن مسعود، وابن عباس، وواثلة
ابن الأسقع.
وأقول: حديث واثلة، قال: جَاءَ أَعْرَابِيٌّ إِلَى النَّبِيِّ ◌َّهِ، فَقَالَ:
اللَّهُمَّ ارْحَمْنِي وَمُحَمَّداً، وَلاَ تُشْرِكْ فِي رَحْمَتِكَ أَحَداً. فَقَالَ: ((لَقَدْ
حَظَرْتَ وَاسِعاً وَيْحَكَ - أَوْ وَيْلَكَ )) قَالَ: فَشَجَ يَيُولُ، فَقَالَ أَصْحَابُ
النَّبِيِّ نَّهِ: مَهْ. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((دَعُوهُ))، ثُمَّ دَعَا (١) بِسَجْلٍ مِنْ
(١) في الأصل: ((فدعا)).
٣٤٣

مَاءِ، فَصَبَّ عَلَيْهِ. أخرجه ابن ماجه.
وحديث ابن عباس، قال: أَتَى النَّبِيَّ وَل﴿ أَعْرَابِيٌّ، فَبَايَعَهُ فِي
المَسْجِدِ، ثُمَّ انْصَرَفَ، فَقَامَ، فَفَشَجَ فَبَالَ، فَهَمَّ النَّاسُ بِهِ، فَقَالَ النَّبِّ ◌َِله:
(لا تَقْطَعُوا عَلَى الرَّجُلِ بَوْلَهُ»، ثُمَّ دَعَا بِهِ، فَقَالَ: ((أَسْتَ بِمُسْلِمٍ؟))،
قَالَ: بَلَى، قَالَ: ((فَمَا حَمَلَكَ عَلَى أَنْ بُلْتَ فِي المَسْجِدِ؟))، فَقَالَ:
وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالحَقِّ! مَا ظَنْتُ إِلا أَنَّهُ صَعِيدٌ مِنَ الصُّعُدَاتِ، فَبَلْتُ فِيهِ،
فَأَمَرَ النَّبِيُّ ◌َّهِ بِذَنُوبٍ مِنْ مَاءِ، فَصُبَّ عَلَى بَوْلِهِ. رواه البزار، وأبو
يعلى، والطبراني، ورجاله رجال الصحيح.
وحديث عبدالله بن مسعود، قال: جَاءَ أَعْرابِيٌّ فَبَالَ فِي المَسْجِدِ،
فَأَمَرَ النَّبِيُّ لَهُ بِمَكَانِهِ، فَاحْتُفِرَ، وَصُبَّ عَلَيْهِ دَلْوٌ مِنْ مَاءٍ، قَالَ
الأَعْرَابِيُّ: يَا رَسُولَ اللهِ! المَرْءُ يُحِبُّ القَوْمَ، وَلَمَّا يَعْمَلْ بِعَمَلِهِمْ،
فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَلِهِ: ((المَرْءُ مَعَ مَنْ أَحَبَّ)) رواه أبو يعلى، وفيه سمعان
ابن مالك، وهو ضعيف، وقال ابن [خراش](١) مجهول.
إذا عرفت هذا، فالكلام عليه في مواضع:
الأول: في التعريف برواته سوى ما سلف: يحيى، وإسحاق.
أما يحيى، فهو ابن سعيد بن قيس بن عمرو بن [سهل](٢) بن
ثعلبة، أبو سعيد الأنصاري، النَّجَّارِيُّ، قاضي المدينة.
(١) بياض في الأصل.
(٢) بياض في الأصل.
٣٤٤

عن سعيد بن المسيب، والقاسم، وسالم، وخلائق.
وعنه الزهري، ويزيد بن الهاد، وهشام بن عروة، وآخرون.
اتفق القوم على جلالة قدره، وغزارة علمه وإتقانه، وأخرج له
الستة .
قال ابن المديني : له نحو ثلاث مئة حدیث.
قيل: توفي سنة ثلاث وأربعين ومئة.
وأما إسحاق، فهو ابن عبدالله [بن] أبي طلحة الأنصاريُّ،
النجاريُّ، المدنيُّ.
عن أبيه، والطفيل بن أُبيِّ بنِ كعب، وسعيد بن يسار، وجمع.
وعنه حماد بن سلمة، وابن عُيينة، ومالك، وخلائق.
وَثَّقَهُ ابن معين، وأخرج له الستة.
قال الواقدي: كان مالك لا يقدِّم عليه في الحديث أحداً.
قيل : توفي سنة اثنتين وثلاثين.
الثاني: في الترتيب :
لما ذكر مسلم النهيَ عن البول في الماء؛ لأنه مطهِّر يجب صيانتُه
عن المتنجِّس، أراد ذكرَ وجوبٍ صيانة مكان الصلاة عليه - أيضاً -،
فأورد حديثَ الأعرابي الذي بال في المسجد، وهو أبو الخويصرة
اليماني، على ما أورد أبو موسى المديني في ((معرفة الصحابة)). وفي
((أمالي)) أحمد بن فارس اللغوي صاحب ((المجمل)) أنه عُيينة بن
٣٤٥

حِصْن، وإنما تركه النبي - عليه السلام -، ومنعَ زاجرَه عن زجره؛ لأن
أمر (١) النجاسة قد حصل، ومنعه قد يكون سبباً للحوق الضرر إليه،
وهو بَلُّ ثوبِهِ، وتقطير البول منه، ووصوله إلى المسجد في مكان
آخر، فيكون في ضمن هذا النهي مناهي، فيجب النهي عنه؛ لأن الأمر
والنهي إذا اشتمل على مفسدة أقوى، وجب النهي؛ [كقوله تعالى]:
﴿وَلَا تَسُبُّواْلَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّواْ اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [الأنعام: ١٠٨].
الثالث: في كيفية تطهير الأرض من البول:
ويؤخذ من أمر النبي - عليه الصلاة والسلام - صب ذَنوب على
بوله: أن البول نجس، وهو مُجمَعٌ عليه، ولا فرق بين الكبير
والصغير، وأن المساجد يجب صيانتها عن الأنجاس، وأن الأرض
تطهر بصبِّ الماء عليها، ولا يحتاج إلى حفرِها وخروج الغسالة منها،
على ما ذهب إليه أبو حنيفة ڼڤ .
والقول بأن في موضع البول حفره [حتى] يخرج الماء من الطرف
الآخر، وأن صب الماء لأجل إزالة الرائحة، ثم أمر بإخراج التراب
النجس منه = يحتاج إلى الرواية في ذلك، وما صحت.
وما أخرج أبو داود عن عبدالله بن معقل بن مُقَرِّن في هذه القصة؛
بأن النبي - عليه السلام - قال: ((خُذُوا مَا بَالَ عَلَيْهِ مِنْ التُّرَابِ، وَأَلْقُوهُ،
وَأَهْرِيقُوا عَلَى مَكَانِهِ مَاءً)) مرسَلٌ - كما نص عليه أبو داود في ((سننه)) -؛
(١) في الأصل: ((أهل)).
٣٤٦

فإن عبدالله بن معقل لم يدرك النبي - عليه الصلاة والسلام -.
وما جاء في حديث ابن مسعود؛ كأمر النبي - عليه السلام -
بمكانه ماء، ضعيفٌ - على ما مَرَّ -، وأبو يعلى، فقد قدمت ضعفه.
وقد عرفت أن هذه القصة رواها جمعٌ من الصحابة على ما مَرَّ من
أحاديثهم، وليس في حديث أحدٍ منهم هذه الزيادة.
وفيه تعليمٌ وإرشاد إلى المعاملة مع الجاهل، وأن الواجب الرفقُ
به إذا لم يأت بالمخالفة عناداً واستخفافاً.
وفي دعوته له، وقوله: ((إِنَّ هَذِهِ المَسَاجِدَ لاَ تَصْلَحُ لِشَيْءٍ مِنْ
هَذَا البَوْلِ وَلاَ القَذَرِ، إِنَّمَا هِيَ لِذِكْرِ اللهِ، وَالصَّلاَةِ، وَقِرَاءَةِ القُرْآنِ)»
أنواعٌ من التلطف به، وإنما منعه لأجل دينه، وأن هذا الموضع الذي
هو مشتغل بالبول فيه خارجٌ عما يجب عليه من رعايته، فإنها محلٌّ
للعبادة، وأن المحل بها إن كان جاهلاً، يجب على العالم تعليمُه
وإرشاده.
الرابع: في صيانة المسجد عن الأقذار، وبيان ما يجوز فيه، وما
یحرم ویکره:
وقد يؤخذ من الأمور الثلاثة المذكورة، ومن النهي عن البول في
المسجد: أن كل ما يكون ملوثاً يجب صيانة المسجد عنه، فيمنع عن
التراب، والأقذار، ورفع الأصوات، وقطع الخصومات، والبيع،
والشراء، وسائر العقود، وإدخال النجاسة فيه، بحيث تصل إلى
موضع فیه.
٣٤٧

وأما الجلوس فيه للعبادة؛ من اعتكاف، وسماع موعظة، ودرس
علم، وانتظار صلاة وتحريها، فمستحب.
وإن لم يكن شيء من ذلك، ولا شيء في معنى الممنوعات،
فقيل: مباح، وقيل: مكروه.
وأما النوم، فقيل: يجوز بلا كراهة، نص عليه الشافعي في ((الأم)).
ويروي عن [ابن] المسيب، والحسن، وعن ابن عباس: لا يتخذه
مرقداً، فإن کان ینام للصلاة، فلا بأس به.
وقال الأوزاعي: يكره النوم في المسجد.
وقال مالك: لا بأس بذلك للغرباء، ولا أرى ذلك للحاضر.
وعن أحمد: مثلُه، وهو قول إسحاق.
وأما في الوضوء في المسجد، فالجمهور على إباحته إن كان
لا یتأذی الناس من بَلَله.
وعن ابن سيرين، ومالك، وسحنون: أنه مكروه تنزيهاً للمسجد.
وأما الاستلقاء، ومَدُّ الرِّجلِ، وتشبيكُ الأصابع، فجائزٌ بالاتفاق،
كما ثبت في الأحاديث الصحاح من فعل النبي - عليه الصلاة والسلام -
ذلك، وسيجيء بعضها في مواضعها.
وأما إدخال البهائم والمجانين والصبيان الذين لا يميزون فيه،
فمكروه بغير ضرورة، وليس بحرام إذا أمن التنجيس، وإذا لم يؤمن،
فحرام.
٣٤٨

وأما طوافه - عليه السلام - راكباً، فللجواز.
وأما الفَصْدُ في المسجد، فحکمُه حکمُ البول، فإن كان في غیر
إناء فحرام، وإن كان فيه فمكروه.
وأما إدخال الميتِ المسلمٍ فيه، فسيجيء في (كتاب الجنائز)
جوازه، وأنه ◌َّهِ صَلَّى عَلَى ابْنِ بَيْضَاءَ فِي المَسْجِدِ.
وقول القرطبي: إن هذا الحديث حجةٌ لمالكٍ في منع إدخال
الميتِ للمسجد، وتنزيهه عن الأقذار جملة = بعيدٌ؛ فإن الميتَ
المسلمَ ليس من الأقذار.
وكذا قوله: بأن فرق القوم(١) بين الماء القليل والكثير في ورود
النجاسة عليه، ووروده على النجاسة؛ تمسكاً بهذا الحديث ونحوه،
حيث قال: يتنجس القليل بورود النجاسة عليه، لا بوروده على
النجاسة، فرقٌ صورٌّ ليس فيه من الفقه شيء .
وليس الباب باب التعبدات، بل من باب عقلية المعاني؛ فإنه من
باب إزالة النجاسة وأحكامها، ثم هذا كله منهم يرده قوله - عليه
الصلاة والسلام -: ((المَاءَ طَهُورٌ لاَ يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ إلَّ مَا غَلَبَ عَلَى رِيحِهِ
وَطَعْمِهِ وَلَوْنِهِ))، هذا كلامه. ولا يخفي بُعده؛ فإنه - عليه الصلاة
والسلام - إنما قال ذلك في بئر بُضاعة، وقد عرفت [ ... ](٢) بعد
(١) في ((المفهم)): ((الشافعية)) بدل ((القوم)).
(٢) بياض في الأصل.
٣٤٩

الزيادة، فلا تمسك بها .
ولما حدَّ الشارع الكثير بالقلتين، وذكر أنه لا ينجسه شيء ما لم
يتغير، عُلم أن ما دونه على خلاف حكمه، فيتنجس بوقوع النجاسة
عليه بلا ريب، فيجب اتباع أمر الشارع؛ لأن هذه الأشياء ليست مما
يستقل العقل بمعرفتها - على ما لا يخفى ..
الخامس: فيما يتعلق بألفاظه:
* قوله: (مَهْ مَهْ) هي اسم من أسماء الأفعال، بمعنى: كُفَّ،
وهي ساكنة الهاء، ويقال: بَهْ - بالباء بدل الميم -، فإن وُصِلَتْ،
نُوَّنتْ، ويُقال: مَهْمَهْتُ به؛ أي: زجرته.
* وقوله: ((فَشَنَّهُ عليه)» يروى بالشين المعجمة والمهملة، وفرق
بينهما لغة؛ فإنه بالمعجمة معناه: صَبَّهُ بشدّة، والمهملة: صَبَّه
بسهولة .
* وقوله: (لاَ تُزْرِمُوهُ) - بضم التاء الفوقانية وإسكان الزاي وكسر
الراء -: لا تقطعوا عليه بوله، والإِزْرَامُ: القطع، وهذا اللفظ من أفراد
مسلم، ليس في ((البخاري)).
وفيه عن أبي هريرة: ((دَعُوهُ، وَأَهْرِيقُوا عَلَى بَوْلِهِ سَجْلاً مِنْ مَاءٍ،
أَوْ ذَنُوباً مِنْ مَاءٍ؛ فَإِنَّمَا بُعِثْتُمْ مَسِّرِينَ، وَلَمْ تُبْعَثُوا مُعَسِّرِينَ))، والله
أعلم.
٣٥٠

(١١)
حكم بول الصبي،
وكيفية تطهيره، والفرق بين بوله
وبول الجارية في هذا الحكم
٦٨٨ - (٢٨٦ / ١٠١) - حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبُو
كُرَيْبٍ، قَالاَ: حَدَّثَنَا عَبْدُاللهِ بْنُ نُمَيْرٍ: حَدَّثَنَا هِشَامٌ، عَنْ أَبِهِ، عَنْ
عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِّ ◌ِ﴿: أَنَّ رَسُولَ اللهِوَ لِ كَانَ يُؤْتَى بِالصِّبْيَانِ، فَيَُّرِّكُ
عَلَيْهِمْ، وَيُحَنِّكُهُمْ، فَأُنِيَ بِصَبِيٍّ، فَبَالَ عَلَيْهِ، فَدَعَا بِمَاءٍ، فَأَنْبَعَهُ
بَوْلَهُ، وَلَمْ يَغْسِلْهُ.
٦٨٩ _ (٢٨٦ / ١٠٢) - وَحَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ،
عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِهِ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: أُنِيَ رَسُولُ اللهِوَهَ بِصَبِيٍّ
يَرْضَعُ، فَالَ فِي حِجْرِهِ، فَدَعَا بِمَاءٍ، فَصَبَّهُ عَلَيْهِ.
٦٩٠ - (٢٨٦ / ١٠٢) - وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَاَ
عِيسَى، حَدَّثَنَا هِشَامٌ بِهَذَا الإِسْنَادِ، مِثْلَ حَدِيثِ ابْنِ نُمَيْرٍ .
٦٩١ - (٢٨٧ / ١٠٣) - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رُمْحِ بْنِ الْمُهَاجِرِ،
أَخْبَرَنَ اللَّيْثُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِاللهِ، عَنْ أُمِّ قَيْسٍ
٣٥١

بِنْتٍ مِحْصَنٍ: أَنَّهَا أَتَتْ رَسُولَ اللهِ ﴿ بِابْنٍ لَهَا لَمْ يَأْكُلِ الطَّعَامَ،
فَوَضَعَتْهُ فِي حِجْرِهِ، فَبَالَ - قَالَ : - فَلَمْ يَزِدْ عَلَى أَنْ نَضَحَ بِالمَاءِ.
٦٩٢ - (٢٨٧ / ١٠٣) - وَحَدَّثَنَاهُ يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ
أَبِي شَيْئَةَ، وَعَمْرُو النَّقِدُ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ جَمِيعاً، عَنِ ابْنِ عُبَيْنَةَ،
عَنِ الزُّهْرِيِّ بِهَذَا الإِسْنَادِ، وَقَالَ: فَدَعَا بِمَاءٍ، فَرَشَّهُ.
٦٩٣ - (٢٨٨ / ١٠٤) - وَحَدَّثَنِيْهِ حَرْمَلَةُ بنُ يَحيى، أَخْبرَنا ابنُ
وَهْبٍ، أَخْبَرِنِي يونسُ بنُ يَزِيدٍ: أَنَّ ابنَ شِهابٍ أَخبرَهُ قَالَ: أَخْبَرَني
عُبيدُالله بنُ عبدِاللهِ بنِ عُتبة بن مسعودٍ: أَنَّ أُم قَيسٍ بِنتَ مِحْصَنٍ
وكانتْ مِن المهاجراتِ الأُوَل اللاتي بَايَعَهُنَّ رسولُ اللهِله وهي أُختُ
عُكاشَةَ بنِ مِحْصَنٍ أَحَدٍ بني أَسَدِ بن خُزَيمةَ قال: أخبرتْني أَنَّهَا أَنَتْ
رسولَ الله ◌َ﴿ بابنٍ لها لم يبلغْ أَنْ يَأْكلَ الطعامَ، قالَ عُبيدُالله: أخبرتني
أَنَّ ابنَها ذاكَ بَالَ في حِجْرِ رسولِ اللهِ ◌ّهِ، فدعا رسولُ اللهِ وَهِ بماءٍ
فَنَضَحَهُ على ثوبه ولم يَغْسِلْهُ غَسْلاً.
أخرج فیه حدیثین:
الأول: حديث عائشة - رضي الله عنها -: أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَهِ كَانَ
يُؤْنَى بِالصِّبْيَانِ، فَيُرِّكُ عَلَيْهِمْ، وَيُحَتِكُهُمْ، فَأُنِيَ بِصَبِيٍّ، فَبَالَ عَلَيْهِ،
فَدَعَا بِمَاءٍ، فَأَتْبَعَهُ بَوْلَهُ، وَلَمْ يَغْسِلْهُ.
وفي رواية: أَتِيَ رَسُولُ اللهِ يَّهُ بِصَبِيِّ يَرْضَعُ، فَبَالَ فِي حِجْرِهِ،
٣٥٢

فَدَعَا بِمَاءِ، فَصَبَّهُ عَلَيْهِ.
الحديث الثاني: حديث أُمِّ قَيْسٍ بِنْتِ مِحْصَنٍ: أَنَّهَا أَتَتْ
رَسُولَ اللهِ وَ﴿ بِابْنٍ لَهَا لَمْ يَأْكُلِ الطَّعَامَ، فَوَضَعَتْهُ فِي حِجْرِهِ، فَبَالَ -
قَالَ : - فَلَمْ يَزِدْ عَلَى أَنْ نَضَحَ بِالمَاءِ.
وفي رواية: فَدَعَا بِمَاءٍ، فَرَشَّهُ.
وفي رواية: أَنَّهَا أَتَتْ رَسُولَ اللهِّهِ بِابْنٍ لَهَا لَمْ يَبْلُغْ أَنْ يَأْكُلَ الطَّعَامَ
- قَالَ عُبَيْدُ اللهِ : - أَخْبَرَتْني: أَنَّ ابْتَهَا ذَاكَ بَالَ فِي حِجْرِ رَسُولِ اللهِ ◌ِ﴿ه
فَدَعَا رَسُولُ اللهِ،وَّهِ بِمَاءٍ، فَنَضَحَهُ عَلَى ثَوْبِهِ، وَلَمْ يَغْسِلْهُ غَسْلاً. أخرجه
الترمذي، والأربعة .
وحديث عائشة أخرجه البخاري، والنسائي، وابن ماجه.
ولما أخرج الترمذي حديث أم قيس، قال: وفي الباب: عن
علي، وعائشة، وزينب، ولبابة بنت الحارث، وأبي السَّمْح، وعبدالله
ابن عمرو، وأبي ليلى، وابن عباس.
وأقول: حديث عائشة قد مَرَّ.
وحديث علي: أَنَّ النَّبِيَّ وَ قَالَ فِي بَوْلِ الْغُلامِ الرَّضِيِعِ:
(يُتْضَحُ بَوْلُ الغُلامِ، وَيُغْسَلُ بَوْلُ الجَارِيَةِ)).
وفي رواية: ((يُغْسَلُ مِنْ بَوْلِ الجَارِيَةِ، وَيُنْضَحُ مِنْ بَوْلِ الْغُلاَمِ مَا
لَمْ يَطْعَمْ)) أخرجه الأربعة سوى النسائي.
وحديث لبابة، قالت: كَانَ الْحُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ فِي حِجْرِ النَّبِيِّ وَّهِ،
٣٥٣

فَبَالَ عَلَيْهِ، فَقُلْتُ: الْبَسْ ثَوْباً، وَأَعْطِنِي إِزَارَكَ حَتَّى أَغْسِلَهُ، قَالَ:
((إِنَّمَا يُغْسَلُ مِنْ بَوْلِ الأُنْثَى، وَيُنْضَحُ مِنْ بَوْلِ الذَّكَرِ)) أخرجه أبو داود،
وابن ماجه.
وحديث أبي السمح، قال: كُنْتُ أَخْدُمُ النَّبِيَّ وَّهِ، فَكَانَ إِذَا أَرَادَ
أَنْ يَغْتَسِلَ، قَالَ: ((وَلِّنِي قَفَاكَ))، فَأُوَلِّيهِ قَفَائِيَ، فَأَسْتُهُ بِهِ، فَأُتِيَ بِحَسَنٍ
أَوْ حُسَيْنٍ، فَبَالَ عَلَى صَدْرِهِ، فَجِئْتُ أَغْسِلُهُ، فَقَالَ: ((يُغْسَلُ مِنْ بَوْلِ
الجَارِيَةِ، وَيُرَشُّ مِنْ بَوْلِ الغُلاَمِ)) أخرجه الأربعة سوى الترمذي.
وحديث زينب بنت جَحْش: أَنّ النَّبِيَّ وَ﴿ كَانَ نَئِماً عِنْدَهَا،
وَحُسَيْنٌ يَحْبُو فِي البَيْتِ، فَغَفَلَتْ عَنْهُ، فَحَبَا حَتَّى بَلَغَ النَّبِيَّ ◌َهِ، فَصَعِدَ
عَلَى بَطْنِهِ، ثُمَّ وَضَعَ ذَكَرَهُ فِي سُرَّتِهِ، قَالَتْ: وَاسْتَيْقَظَ النَّبِيُّ ◌َ، فَقُمْتُ
إِلَيْهِ، فَخَطَطْتُهُ عَنْ بَطْنِهِ، فَقَالَ النَّبِيُّ ◌َّهِ: ((دَعِ ابْنِ))، فَلَمَّا قَضَى بَوْلَهُ،
أَخَذَ كُوزاً مِنْ مَاءٍ، فَصَبَّهُ عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: (إنّهُ يُصَبُّ مِنَ الغُلامِ، وَيُغْسَلُ
مِنَ بولِ الجَارِيَةِ» رواه الطبراني.
وحديث عبدالله بن عمرو: أَنَّ رَسُولُ اللهِ وَ ﴿ أَتِيَ بِصَبِيٍّ، فَبَالَ
عَلَيْهِ، فَنَضَحَه، وَأُنِيَ بِجَارِيَّةٍ، فَبَالَتْ عَلَيْهِ، فَغَسَلَه. رواه الطبراني،
وإسناده حسن.
وحديث أبي ليلى، قَالَ: كُنْتُ عِنْدَ النَّبِيِّ نَّهِ، وَعَلَى صَدْرِهِ أَوْ
بَطْنِهِ الْحَسَنُ أَوِ الْحُسَيْنُ، فَبَالَ، فَرَأَيْتُ بَوْلَهُ أَسَارِيعَ، فَقُمْنَا إِلَيْهِ،
فَقَالَ: ((دَعُوا ابْنِي لاَ تُفْزِعُوهُ حَتَّى يَقْضِيَ بَوْلَهُ»، ثُمَّ أَتْبَعَهُ المَاءَ، ثُمَّ قَامَ
فَدَخَلَ بَيْتَ تَمْرِ الصَّدَقَةِ، وَدَخَلَ مَعَهُ الْغُلاَمُ، فَأَخَذَ تَمْرَةَ، فَجَعَلَهَا فِي
٣٥٤

فِيهِ، فَاسْتَخْرَجَهَا النَّبِيُّ وَّهِ، وَقَالَ: ((إِنَّ الصَّدَقَةَ لاَ تَحِلُّ لَنَا)) رواه
أحمد، والطبراني، ورجاله ثقات.
وحديث ابن عباس، قال: جَاءَتْ أُمُّ الْفَضْلِ بْنَتُ الْحَارِثِ بِأُمِّ
حَبِيْبَةَ بِنْتِ العَبَّاسِ، فَوَضَعَتْهَا فِي حِجْرِ النَّبِيِّ وَّهِ، فَبَالَتْ، فَاخْتَلَجَتْهَا
أُّ الْفَضْلِ، ثُمَّ لَكَمَّتْ بَيْنَ كَتِفَيْهَا، ثُمَّ اخْتَلَجَتْهَا، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ:
((أَعْطِيْنِي قَدَحاً مِنْ مَاءٍ))، فَصَبَّهُ عَلَى مَبَالِهَا، ثُمَّ قَالَ: ((اسْلُكُوا المَاءَ فِى
سَبِيلِ البَوْلِ» رواه أحمد.
وفي الباب: عن أم سلمة: أنها تَصُبُّ المَاءَ عَلَى بَوْلِ الغُلامِ مَا
لَمْ يَطْعَمْ، فَإِذَا طَعِمَ، غَسَلَتْهُ، وَكَانَتْ تَغْسِلُ بَوْلَ الجَارِيَةِ. أخرجه أبو
داود موقوفاً عليها، ورواه الطبراني مرفوعاً، وروي فيها وجه بول
الحسن .
وعن أم كُرْز، مرفوعاً: ((بَوْلُ الغُلاَمِ يُنْضَحُ، وَبَوْلُ الجَارِيَةِ يُغْسَلُ))
أخرجه ابن ماجه .
وعن أنس في قصة بول الحسن على صدر النبي - عليه السلام -،
وقول النبي - عليه السلام -: ((يُصَبُّ مِنَ الغُلامِ، وَيُغْسَلُ مِنَ الجَارِيَةِ)).
وعن أبي أمامة بمعناه. رواهما االطبراني.
إذا عرفت هذا، فالكلام ـــ هاهنا - في مواضع:
الأول: في بيان المناسبة:
* قوله: (كَانَ يُؤْتَى) لما ذكر حكمَ البول في المسجد، وكيفية
٣٥٥

تطهيره، ونبه بأنه يكفي فيه صبُّ الماء عليه، انتقل إلى ذكر حكم بول
الطفل على الثوب؛ إذ يكفي فيه صبُّ الماء عليه، فذكر أن النبي - عليه
الصلاة والسلام - يؤتى إليه بالصبيان، وهو - عليه الصلاة والسلام -
لغاية شفقته، وكمال رأفته، يأخذهم، ويُجلسهم في حجره، ويدعو
لهم بالبركة، ويحنكهم، وهو أن يمضغ التمر أو نحوَه، ثم يدلك به
حنك الصغيرة .
وفي (حَنَّكَ) لغتان: تخفيف النون، وتشديدها، والمشهور في
رواية الكتاب التشديد.
الثاني: في حكم المسألة:
ثم المشهور من مذهب الشافعي، وأحمد، وإسحاق: الاكتفاء
في بول الغلام بالنضح، وهو أن يصب الماء على موضع البول،
ويغلب عليه، والفرق بينه وبين الغسل: أن العصر، أو تقاطر الماء
وإنزاله على اختلاف الأصلين شرطً في الغسل على الأصح،
والمشهور في النضخ: بالخاء المعجمة، وقيل: المهملة بمعناه،
وقيل: [ ... ] والرش بمعنى النضح.
وكذا إتباع الماء البول في قوله: ((فَأَتْبَعَهُ بَوْلَهُ، وَلَمْ يَغْسِلْهُ)).
وفي ((البخاري)): ((فَأَتْبَعَهُ إِيَّاهُ))، وليس فيه قوله: ((وَلَمْ يَغْسِلْهُ))،
والظاهر أنه من قول هشام - على ما في الكتب -، وقيل: من قول ابن
نمير؛ لأن مالكاً رواه عن هشام على ما في ((البخاري))، وليس فيه
ذلك.
٣٥٦

وأما بولُ الجارية، فالصحيح من مذهب الشافعي، وأحمد: أنه
يجب غسله، وقيل: يكفي النضح في بولها - أيضاً -؛ كما في بول
الغلام.
وقيل: لا يكفي فيهما، والصحيح: الفرق، وهو منقول عن
علي، وعطاء بن أبي رباح، والحسن البصري، وأكثر أهل الحديث،
وابن وهب من أصحاب مالك، والأحاديث الواردة في الباب - على ما
مَرَّ - صريحةٌ في الفرق.
واختلف في سببه، والأظهر: أنه تعبد؛ لأن الشارع لما اكتفى في
بول الغلام بالرش، وأمر في بول الجارية بالغسل، وجب الأخذ به.
وفي ((ابن ماجه)) عن أبي اليمان المصري، قَالَ: سَأَلْتُ الشَّافِعِيَّ
عَنْ حَدِيثِ النَّبِيِّ لَهُ: ((يُرَشُّ مِنْ بَوْلِ الْغُلَامِ، وَيُغْسَلُ مِنْ بَوْلِ
الجَارِيَةِ»، وَالمَاءَانِ جَمِيعاً وَاحِدٌ، قَالَ: لأَنَّ بَوْلَ الغُلاَم مِنَ المَاءِ
وَالطِّيْنٍ، وَبَوْلَ الجَارِيَةِ مِنَ اللَّحْمِ وَالدَّمِ، ثُمَّ قَالَ: فَهِمْتَ؟ قَالَ:
قُلْتُ: لاَ، قَالَ: إِنَّ اللهَ تَعَالَى لَمَّا خَلَقَ آدَمَ، خُلِقَتْ حَوَّاءُ مِنْ ضِلَعِهِ
القَصِيرِ، فَصَارَ بَوْلُ الْغُلاَمِ مِنَ المَاءِ وَالطِّينِ، وَصَارَ بَوْلُ الجَارِيَةِ مِنَ
اللَّحْمِ وَالدَّمِ، قَالَ لِي: فَهِمْتَ؟ قُلْتُ: نَعَمْ. قَالَ لِي: نَفَّعَكَ اللهُبِهِ.
وقيل: لملازمتهم حملَ الذكور؛ لفرط فرحهم بهم، ومحبتهم
لهم، فرخص ذلك تخفيفاً.
ثم الشرط في الاكتفاء في بول الغلام بالرش: أنه بول غلام لم
يأكل شيئاً، وكذا قيد في الحديث بقوله: ((لَمْ يَأْكُلِ الطَّعَامَ»، والمراد
٣٥٧

من الأكل: الاكتفاء به عن اللبن، لا أن يدخل جوفه شيء من الطعام؛
فإن ذلك غير مانع من الاكتفاء بالرش؛ لما علمت من أن النبي - عليه
السلام - کان قد حنك الصبي الذي بال عليه.
والمشهور من مذهب أبي حنيفة، ومالك، وجمع: عدم الفرق
بينهما، ووجوب الغسل من بولهما، والحجة عليهم الأحاديثُ
المشهورة المذكورة.
وعن مالك: الاكتفاء بالرش في بول الجارية - أيضاً -، وهو شاذ
عنه .
والقول بأن المراد من النضح: الغسل، ضعيف، لأن في بعض
الأحاديث التصريح بنفي الغسل.
ثم الصحيح: أن الاكتفاء لا لأجل أن بول الغلام طاهر على ما
ظنَّ، بل لأن نجاسته أخف من نجاسة بول الجارية - على ما صرح به
الخطابي وجمعٌ من المحققين -.
الثالث: في التعريف برواته سوى ما سلف.
أُ قَيْسٍ، واسمها أَمَة - على ما قاله السهيلي -، وخدامة - على ما
قاله غيره -، وهي مشهورة بكنيتها، وتمام سنها قد مَرَّ عند ذكر أخيها
عكاشة بن محصن، وهي قديمة الإسلام، أسلمت بمكة، وهاجرت
إلى المدينة.
روي لها عن رسول الله وسل* أربعة وعشرون حديثاً، وأخرج لها
الأربعة - أيضاً -.
٣٥٨

روى عنها وابصة بن معبد، ونافع مولى جهينة.
الرابع: في تصحيح المتن:
وقال ابن بطال: حديثُ أم قيس انتهى عند قوله: ((فَنَضَحَهُ))،
وقولُهُ: ((وَلَمْ يَغْسِلْهُ)) من قول ابن شهاب، ورواه معمر عن ابن
شهاب، فقال: ((فَنَضَحَهُ))، وَلَمْ يَزِدْ. رواه ابن عُيينة عن ابن شهاب،
فقال: ((فَرَشَّهُ))، ولم يزد، رواية ابن أبي شيبة وليس في ((البخاري))
لفظة: ((غَسْلاً)، بل فيه: ((وَلَمْ يَغْسِلْهُ)) فقط.
الخامس: في وجه الترتيب:
وهو أن المذكور في حديث عائشة لفظة: (الصبي)، وهو، وإن
كان المراد منه: الابن، لكن لفظ الابن أوضح منه؛ لعدم الاشتباه
والاشتراك، على ما ذهب إليه بعض، فقدم الحديث المشتمل على
لفظ الصبي على المشتمل على لفظ الابن، و- أيضاً - في حديث
عائشة لفظة: (عليه) - بالضمير -، وهو وإن كان ظاهره: أنه يرجع إلى
النبي - عليه السلام -، فقد تعسف قوم، فظنوا رجوعه إلى الصبي
نفسه، ويزول هذا الوهم؛ لحديث أم قيس؛ فإن فيه تصريحاً بأن
الصبي بال في حجر النبي - عليه السلام -.
ثم أورده مسلم بروايتين، وأخر الرواية المشتملة على لفظ:
(يرضع)؛ لأنه مقيد بالنسبة إلى الرواية الأولى.
وأورد حديث أم محصن بثلاث روايات، فذكر رواية النضح
أولاً، ثم الروايةُ بالرش أوضحُ في المقصود من النضح؛ لما علمت
٣٥٩

من فروق استعمالهما، ثم أخر الرواية المشتملة على نفي الغسل؛ لأنه
يوضح المقصود أتمّ إيضاح، ويؤكده.
والصبي المذكور في حديث عائشة قيل: عبدالله بن الزبير،
وقيل: الحسن بن علي، وقيل: الحسين على ما جاء في [ ... ]،
ويحتمل أنهم جميعاً في أوقات مختلفة؛ لأنه - عليه الصلاة والسلام -
كان يضعهم في حجره، وقد حنك الثلاثة - أيضاً - بيده.
٣٦٠