Indexed OCR Text

Pages 101-120

(٢)
باب
بَيَانِ اسْتِحْبَابِ تَطْوِيلِ
الغُرَّةِ وَالتَّحْجِيلِ
[ ١٢ - باب
اسْتِحْبَابِ إِطَالَةِ الغُرَّةِ وَالتَّحْجِيلِ فِي الوُضُوءِ]
٦٠٢ - (٢٤٦ / ٣٤) - حَدَّثَنِي أَبُو كُرَيْبٍ مُحَمَّدُ بْنُ العَلَاَءِ،
وَالقَاسِمُ بْنُ زَكَرِيَّاءَ بْنِ دِينَارٍ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، قَالُوا: حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ
مَخْلَدٍ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ بِلاَلٍ، حَدَّثَنِي عُمَارَةُ بْنُ غَزِيَّةَ الأَنْصَارِيُّ، عَنْ
نَعَيْمٍ بْنِ عَبْدِ اللهِ المُجْمِرِ، قَالَ: رَأَيْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يَتَوَضَّأُ، فَغَسَلَ وَجْهَهُ،
فَأَسْبَعَ الوُضُوءَ، ثُمَّ غَسَلَ يَدَهُ الْيُعْنَى حَتَّى أَشْرَعَ فِي العَصُدِ، ثُمَّ يَدَهُ
البُسْرَى حَتَّى أَشْرَعَ فِي العَصُدِ، ثُمَّ مَسَحَ رَأْسَهُ، ثُمَّ غَسَلَ رِجْلَهُ الْيُمْنَى
حَتَّى أَشْرَعَ فِي السَّاقِ، ثُمَّ غَسَلَ رِجْلَهُ اليُسْرَى حَتَّى أَشْرَعَ فِي السَّاقِ،
ثُمَّ قَالَ: هَكَذَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِّهِ يَتَوَضَّأُ. وَقَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهَِّهِ:
(أَنتُمُ الغُرُّ المُحَجَّلُونَ يَوْمَ القِيَامَةِ مِنْ إِسْبَاغِ الوُضُوءِ، فَمَنِ اسْتَطَاعَ
مِنْكُمْ، فَلْيُطِلْ غُرَّتَهُ وَتَخْجِيلَهُ».
(٢٤٦/ ٣٥) - وَحَدَّثَنِي هَارُونُ بْنُ سَعِيدِ الأَئِي، حَدَّثَنِي
١٠١

ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ الحَارِثِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي هِلاَلٍ، عَنْ
نُعَيْمٍ بْنِ عَبْدِاللهِ: أَنَّهُ رَأَى أَبَا هُرَيْرَةَ يَتَوَضَّأُ، فَغَسَلَ وَجْهَهُ وَيَدَيْهِ حَتَّى
كَادَ يَبْلُغُ المَنْكِبَيْنِ، ثُمَّ غَسَلَ رِجْلَيْهِ حَتَّى رَفَعَ إِلَى السَّاقَيْنِ، ثُمَّ قَالَ:
سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ﴿ يَقُولُ: ((إِنَّ أُمَّتِي يَأْتُونَ يَوْمَ القِيَامَةِ غُرَّاً مُحَجَّلِينَ
مِنْ أَثَرِ الوُضُوءِ، فَمَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ أَنْ يُطِيلَ غُرَّتَهُ، فَلْيَفْعَلْ)).
أخرج - هاهنا - ستة أحاديث:
حديث نُعيم بن عبدالله المُجْمِر، قَالَ: رَأَيْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يَتَوَضَّأُ،
فَغَسَلَ وَجْهَهُ فَأَسْبَغَ الوُضُوءَ، ثُمَّ غَسَلَ يَدَهُ الْيُمْنَى حَتَّى أَشْرَعَ فِي
العَضُدِ، ثُمَّ يَدَهُ الْيُسْرَى حَتَّى أَشْرَعَ فِي العَصُدِ، ثُمَّ مَسَحَ رَأْسَهُ، ثُمَّ
غَسَلَ رِجْلَهُ الْيُمْنَى حَتَّى أَشْرَعَ فِي السَّاقِ، ثُمَّ غَسَلَ رِجْلَهُ الْيُسْرَى حَتَّى
أَشْرَعَ فِي السَّاقِ، ثُمَّ قَالَ: هَكَذَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِلَّهِ يَتَوَضَّأُ. وَقَالَ:
قَالَ رَسُولُ اللهِ لَّهِ: ((أَنْتُمُ الغُرُّ المُحَجَّلُونَ يَوْمَ القِيَامَةِ مِنْ إِسْبَاغِ
الوُضُوءِ، فَمَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ، فَلْيُطِلْ غُرَنَهُ وَتَحْجِيلَهُ)).
وفي رواية: أَنَّهُ رَأَى أَبَا هُرَيْرَةَ يَتَوَضَّأُ، فَفَسَلَ وَجْهَهُ وَيَدَيْهِ حَتَّى
كَادَ يَبْلُغُ المَنْكِبَيْنِ، ثُمَّ غَسَلَ رِجْلَيْهِ حَتَّى رَفَعَ إِلَى السَّاقَيْنِ، ثُمَّ قَالَ:
سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ وَّهِ يَقُولُ: ((إِنَّ أُمَّتِي يَأْتُونَ يَوْمَ القِيَامَةِ غُرَاً مُحَجَّلِينَ
مِنْ أَثَرِ الوُضُوءِ، فَمَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ أَنْ يُطِيلَ غُرَّتَهُ، فَلْيَفْعَلْ)) أخرجه
البخاري.
إذا عرفت هذا، فالكلام عليه في مواضع :
١٠٢

الأول: في التعريف برواته سوى ما سلف: واصل، وعمارة.
أما (واصل)، فهو ابن عبد الأعلى أبو القاسم الكوفي.
عن أبي بكر بن عياش، ووكيع، وجماعة.
وعنه مسلم والأربعة، وأخرجوا له.
وَثَّقَهُ النسائي وغيرُه.
توفي سنة أربع وأربعين ومئة .
وأما (عمارة)، فهو ابن غزية بن الحارث بن عمرو الأنصاري
المازني.
عن أنس، وأبي صالح، وجماعة.
وعنه یونس، ویحیی بن أيوب، ووهیب، وآخرون.
وَثَّقَهُ أحمد، وأبو زرعة، وأخرج له الخمسة، والبخاري تعليقاً.
وقال أبو حاتم: ليس به بأس .
توفي سنة أربعين ومئة .
والثاني: في المعنى :
قوله: (فَغَسَلَ وَجْهَهُ فَأَسْبَغَ الوُضُوءَ) المراد من الوضوء: غسل
الوجه، وسمَّاه وضوءاً؛ لأنه جزؤه، والغرض: بيان إكمال غسل الوجه
حتى يغسل شيئاً من مقدم الرأس؛ ليحل له اليقين بغسل الوجه عن صفة
الكمال؛ فإن تطويل الغرة في المذهب: أن يُغسل شيء زائد على
الواجب؛ ليحصل له اليقين بحصول غسل الوجه على الوجه الأكمل.
١٠٣

وصرح في اليدين والرجلين بموضع الإسباغ حيث قال: (أَشْرَعَ
فِي العَضُدِ)، و(أَشْرَعَ فِي السَّاقِ)، وهو رباعي، ومعناه: مد يده إلى
العضد، وإلى الساق، من قولهم: أشرعْتُ الرمحَ قِبَلَهُ؛ أي: مددته
إليه، وسدَّدته نحوه، وأشرع باباً إلى الطريق؛ أي: فتحه مسدِّداً إليه،
وليس هذا من شرع في الأمر، ولا من شرعَتِ الدوابُ في الماء؛ لأن
هذا ثلاثي، وذلك رباعي.
ولم يذكر في غسل الوجه محلّ الإشراع، بل ذكر الإسباغ.
إِمَّا لأن الأصل تطويلُ الغرة، وتطويلُ التحجيل بمنزلة التبع له؛
إذا كمال ظهور النور وأثر الوضوء في الوجه، ألا ترى أنه اقتصر على
الغرة في قوله: ((فَمَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ أَنْ يُطِيلَ غُرَّتَهُ، فَلْيَفْعَلْ)) إيماء إلى
أن التحجيل تابع الغرة، داخلٌ تحت ذكرها.
كما جاء مصرحاً في رواية أخرى: ((فَلْيُطِلْ غُرَّتَهُ وَتَحْجِيلَهُ))،
فذكر الإسباغ على وجه العموم؛ ليتناول جميع ما يحصل به الإسباغ،
وذكر في التحجيل الموضع؛ إيماء إلى حصوله به؛ ليعرف مرتبة
الأصل والتبع.
وإِمَّا لأن الإسباغ في الوجه يكون بغسل مواضع من مقدم
الرأس، وخلف الأذنين، وبينهما، واللحية، وتحت اللحية، وتخلیل
شعرها، وتحت الذقن إن لم يكن لحية، إذ غسلُ هذه المواضع ليست
بواجبة، وله مدخل في الإسباغ؛ بخلاف اليدين والرجلين؛ إذ ليس
١٠٤

منهما موضع له مدخل في تطويل التحجيل ولا يجب غسله إلا العضد
والساق، فذكر الإسباغ في الوجه اختصاراً، وصرح فيهما؛ لأنه
لا بذکرهما فیھما تطویلاً.
وقيل: لا سبيل إلى الزيادة في غسل الوجه على الواجب؛ إذ
لا يدخل في غسل شيء من الرأس في إكمال غسل الوجه، فعبَّر عنه
بالإسباغ إيماءً إلى أن الغرة تحصل بغسل الوجه من غير زيادة. وأما
التحجيل، فلا يحصل بدون غسل شيء من المرفقين والكعب، وفيه
بُعد - على ما لا يخفى -؛ فإن إطالة الغرة تدل على أنه يحصل
للمتوضئ بعدد غسله من الوجه، والزائد عليه طول الغرة، وأما إن
غُسِلَ شيء من الرأس لا مدخل له في الغرة، فباطل؛ لأن الغرة:
البياضُ في الوجه، وطوله أن ينتهي إلى مقدم الرأس، كيف وقد صرح
العلماء بأن الغرة والتحجيل يتناول جميع أعضاء الوضوء، وهو
حصول النور يوم القيامة في جميعها، ولا شك أن الرأس من جملة
الأعضاء، فيكون النور الحاصلُ من الغرة في الوجه والرأس، بل الغرة
هي النور الحاصل فيهما، كما أن التحجيل هو النور الحاصل على
الیدین والرجلين.
والمراد من الإشراع: إدخال الغسل فيهما - على ما مَرَّ -، وفي
لفظة الإشراع مناسبة إدخال ذلك الغسل في الشرع، بمعنى: بيان كونه
مشروعاً من صاحب الشرع، ورمز إلى أن بذلك تحصل الرفعة
لصاحبه، وأن جميع الناس في تحصيل هذه الفضيلة على السواء؛ لما
١٠٥

في الشرع من معنى الارتفاع والتساوي، ثم المستحَبُّ في تطويل
التحجيل غسلُ ما فوق المرفقين والكعبين.
الثالث : فيما يحصل به التحجيل :
واختلفوا في القدر، فقيل: من غير توقيت، وقيل: إلى نصف
العضد والساق، وقيل: إلى المنكبين والركبتين، وفي الكل أحاديث
وآثار.
وبالجملة: تظاهرت الدلائل على استحباب ذلك، فلا وجه لما
ذهب إليه ابن بَطَّال، وجنح إليه القاضي عياض، والقرطبي، من أن
الزيادة على غسل المرفقين والكعبين غير مستحب، ودعوى اتفاق
العلماء مع حصول هذه الأخبار والآثار قولاً وفعلاً من السلف بعيدٌ
جداً.
والاستدلال بقوله - عليه السلام -: على ما في بعض الروايات:
((فَمَنْ زَادَ عَلَى هَذَا أَوْ نَقَصَ، فَقَدْ أَسَاءَ وَظَلَمَ، أَوْ ظَلَمَ وَأَسَاءَ» غيرُ
صحيح؛ لما عرفت أن المراد: الزيادة والنقص من العدد مع اعتقاد أنه
سُنَّةٍ، ويدل على هذا: سياقُ الحديث المذكور فيه ذلك - على ما مَرَّ -.
وقال الشيخ تقي الدين القشيري(١): ليس في الحديث تقييد ولا
تحديد لمقدار ما يغسل، وقد استعمل أبو هريرة الحديث على
إطلاقه، ولم ينقل عن النبي - عليه السلام - ذلك، ولا كثر استعماله
(١) يعني: ابن دقيق العيد.
١٠٦

في الصحابة والتابعين، فلذلك لم يقل به الفقهاء. هذا كلامه.
واعترض بعض المحققين على قوله: ولم يقل به الفقهاء؛ بأن
الفقهاء قالوا، ولكن ما قالوا بالوجوب، ولا بكونهما سنة مؤكدة؛
لقوله: ((فَمَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ أَنْ يُطِيلَ غُرَّتَهُ، فَلْيَفْعَلْ)).
وقد ذكر ابن أبي شيبة في («مسنده)): أن ابن عمر كان ربما يبلغ
بالوضوء إبطيه، وهذا يصرف في أن غير أبي هريرة يفعل ذلك، نعم،
مراد الشيخ تقي الدين: أن الفقهاء ما قالوا بتحديد ما يحصل به الإسباغ
المطلوب، الذي تحصل به الغرة والتحجيل، لا أنهم ما قالوا بالإسباغ.
وبالجملة: إن قوله - عليه السلام -: ((إِنَّ أُمَّتِي يَأْتُونَ يَوْمَ القِيَامَةِ غُرّاً
مُحَجَّلِينَ مِنْ أَثَرِ الوُضُوءِ» يرويه عن النبي - عليه السلام - مع أبي هريرة
سبعة آخرون من الصحابة على ما نصّ علیه ابن منده في ((مستخرجه))،
وهم: ابن مسعود، وجابر بن عبدالله، وأبو سعيد الخدري، وأبو أمامة
الباهلي، وأبو ذر الغفاري، وعبدالله بن بشر المازني، وحذيفة [بن]
اليمان.
وأقول: حديث ابن مسعود: قَالَ: قِيلَ: يَا رَسُولَ اللهِ! كَيْفَ
تَعْرِفُ مَنْ لَمْ تَرَمِنْ أُمَّنِكَ؟ قَالَ: ((غُرِّ مُحَجَّلُونَ بُلْقٌ مِنْ آثَارِ الُهُورِ(١))
أخرجه ابن ماجه.
وحديث جابر : بمثله سواء، رواه البزار، وإسناده حسن.
(١) في الأصل: ((الوُضُوءِ)).
١٠٧

وحديث أبي سعيد الخدري: قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ! كَيْفَ تَعْرِفُ
مَنْ لَمْ تَرَ مِنْ أُمَتِكَ؟ قَالَ: ((غُرِّ مُحَجَّلُونَ مِنْ آثَارِ الوُضُوءِ» رواه
الطبراني.
وحديث أَبِىِ أُمَامَةَ: قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((مَا مِنْ أُمَّتِي أَحَدٌ
إِلَّ وَأَنَا أَعْرِفُهُ يَوْمَ القِيَامَةِ»، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ! مَنْ رَأَيْتَ وَمَنْ لَمْ تَرَ؟
قَالَ: ((مَنْ رَأَيْتُ، وَمَنْ لَمْ أَرَ، غُرَّاً مُحََجَّلِينَ مِنْ آثَارِ الُهُورِ) رواه
أحمد، والطبراني، ورجاله موثوقون.
وحديث حذيفة هو الحديث من هذا الباب، وباقي الأحاديث
سيجيء في صفة النبي ◌َّهر في: (كتاب الفضائل) - إن شاء الله -.
وعن أبي الدرداء، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ نَّهِ: ((أَنَا أَوَّلُ مَنْ يُؤْذَنُ لَهُ
بِالسُّجُودِ يَوْمَ القِيَامَةِ، وَأَنَا أَوَّلُ مَنْ يُؤْذَنُ لَهُ أَنْ يَرْفَعَ رَأْسَهُ، فَأَنْظُرَ إِلَى
بَيْنِ يَدَيَّ، فَأَعْرِفَ أُمَتِي مِنْ بَيْنِ الأُمَمِ، وَمِنْ خَلْفِي مِثْلُ ذَلِكَ، وَعَنْ
يَمِينِي مِثْلُ ذَلِكَ، وَعَنْ شِمَالِي مِثْلُ ذَلِكَ)». فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ
اللهِ! كَيْفَ تَعْرِفُ أُمْتَكَ مِنْ بَيْنِ الأُمَمِ، فِيمَا بَيْنَ نُوحٍ إِلَى أُمَتِكَ؟ قَالَ:
(هُمْ غُرٌّ مُحَجَّلُونَ مِنْ أَثَرِ الوُضُوءِ، لَيْسَ أَحَدٌ كَذَلِكَ غَيْرَهُمْ، وَأَعْرِفُهُمْ
أَنَّهُمْ يُؤْتَوْنَ كُبُهُمْ بِأَيْمَانِهِمْ، وَأَعْرِفُهُمْ بِنُورٍ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ)) رواه
أحمد، والطبراني.
وبالجملة: قوله - عليه السلام -: ((أنْتُمُ الغُرُّ المُحَجَّلُونَ [يَوْمَ
القِيَامَةِ] مِنْ إِسْبَاغِ الوُضُوءِ» صحيح، وكذا قوله: ((تَبْلُغُ الحِلْيَّةُ مِنَ
١٠٨

المُؤْمِنِ حَيْثُ يَبْلُغُ الوُضُوءُ»، وقد نقل عن الصحابة؛ مثل: أبي
هريرة، وابن عمر، وغيرهما: إسباغ الوضوء: بأن يغسل الوجه
واليدين والرجلين على ما ذُكر؛ كما في الحديث عن أبي هريرة،
وأنهم فعلوا(١) الإسباغ، وتحمل(٢) فضيلة الغرة والتحجيل عليه،
فالوجهُ اقتفاء آثارهم في ذلك.
ومن الناس من زعم أن غسل بعض مقدَّم الرأس وفوق المرفق
والكعب مكروه، وتأول بأن المراد من تطويل الغرة والتحجيل:
المواظبة على الوضوء لكل صلاة، فيطول غرته بتقوية نور أعضائه.
وقال ابن بطال: الطول والدوام معناهما متقارب.
الرابع: في قوله: (فَمَنِ اسْتَطَاعَ) إلى آخره، كما [أن] منهم من
قال: إن قوله: ((فَمَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ أَنْ يُطِيلَ غُرَّتَهُ، فَلْيَفْعَلْ)) من كلام
أبي هريرة، وليس من كلام النبي - عليه السلام -.
قال ابن الجوزي: هذه الزيادة مدرجة في الحديث من كلام أبي
هريرة، لا من كلام النبي - عليه السلام -، بيَّن ذلك غيرُ واحد من
الحفاظ .
وفي ((مسند الإمام أحمد)) في هذا الحديث: قال نعيم: فلا أدري
أن قوله: ((فمن استطاع)) إلى آخره من تمام كلام النبي - عليه السلام -،
(١) في الأصل: ((حملو)).
(٢) في الاصل: ((وتحصل)).
١٠٩

أو من كلام أبي هريرة من عنده.
وإيراد مسلم - رحمه الله - ذلك في الحديث، من غير نقل كلام
نعيم، يدل على أنه من كلام النبي - عليه السلام -، وما ثبت أنه من
قول نعيم، أو لم يلتفت إلى شكه؛ لأنه ما قال: إنه ليس من كلام النبي
- عليه السلام -، بل شك فيه، وهو لا يوجب القول بأنه ليس من
کلامه - عليه السلام -.
وكذا إيراد البخاري ذلك بهذا الطريق في ((صحيحه)) يدل على
ذلك - أيضاً -.
وقول أبي هريرة: ((هَكَذَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ وَِّ يَتَوَضَّأُ)) صريحٌ في
أنه - عليه السلام - أسبغ غسل الوجه وغسل اليدين حتى أشرع في
العضد، والرجلين حتى أشرع في الساقين؛ لأن قوله: (هَكَذَا) إشارةٌ
إلی ما ذکر أولاً من كيفية وضوئه.
فقول القرطبي: لم يحك أبو هريرة ذلك عن فعل النبي - عليه
الصلاة والسلام -، بل استنبط من قوله: ((أَنْتُمُ الغُرُّ المُحَجَّلُونَ))، ليس
على ما ينبغي، فتأمل.
وما احتج إليه المخالف من أن تطويل الغرّة محال؛ لأن الغرة في
الوجه، وإطالتها غير ممكنة، باطلٌ؛ لما مَرَّ، وكذا قوله: لو كان من
كلامه - عليه السلام -، لما ترك التحجيل بعد ذكره في قوله: ((غُرّاً
مُحَجَّلِينَ))؛ لما عرفت من أن ذكر أحدهما يغني عن ذكر الآخر، وكذا
ذكر الأصل وإدخال الفرع عنه غير غرر في الكلام.
١١٠

الخامس: في اختصاص ذلك بهذه الأمة:
* قوله: (أَنْتُمُ الغُرُّ المُحَجَّلُونَ يَوْمَ القِيَامَةِ) الظاهر من مثل هذا
التركيب: الاختصاص، وقد صرح في قوله - عليه السلام -: ((لَيْسَتْ
لأَحَدٍ غَیْرِكُمْ)).
ثم اختلف القوم بأن الاختصاص هو اختصاص الوضوء، أو
حصول هذه الصفة بهم يوم القيامة، وجزم الحليمي في (منهاجه))،
وجماعةٌ على الأول، مستدلين بأن الوضوء لو كان في سائر الأمم،
يحصل لهم أثره، و- أيضاً -: فلا يحصل التمييز، وقد أورد الشارع
هذا الكلام في بيان الامتياز، ولا يخفى أنه لا يلزم من كون الوضوء
فيهم أن يحصل لهم الغرة والتحجيل يوم القيامة؛ لجواز أن تحصل
لهم فضيلة أخرى، وسِيْمًا أخرى، ويؤيده: حديث سمرة بن
جندب، قال: قَالَ رَسُولُ اللهِ نَّهِ: ((إِنَّ الأَنْبِيَاءَ يَتَبَاهَوْنَ أَيُّهُمْ أَكْثَرُ
أَصْحَاباً مِنْ أُمَّتِهِ، فَأَرْجُو أَنْ أَكُونَ يَوْمَئِذٍ أَكْثَرَهُمْ كُلِّهِمْ وَارِدَةً؛ فَإِنَّهُ
كُلُّ رَجُلٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ قَائِمٌ عَلَى حَوْضٍ مَلآنَ، مَعَهُ عَصاً، يَدْعُو مَنْ
عَرَفَ مِنْ أُمَّتِهِ، وَلِكُلِّ أُمَّةٍ سِيمَا يَعْرِفُهُمْ بِهَا نَبِيُّهُمْ)) رواه الطبراني،
وإسناده حسن .
وبالجملة: اختصاص هذه الأمة بحصول هذه الصفة لهم يوم
القيامة كافٍ في التمييز، وسَوقُ الحديث - أيضاً - يدل على ذلك - على
ما لا يخفى -، كيف وقد مَرَّ أنه قال: ((هَذَا وُضُوئِي وَوُضُوءُ الأَنْبِيَاءِ
قَبْلِي))؟ وسيجيء في وجه صريح: أنه توضأ، فعلم عدم الاختصاص،
١١١

اللهم إلا أن يقال: إنه واجب على الأنبياء دون أممهم، والكلام في
الأمم، وتوضأ صريح؛ لأنه بنى على ما قيل أو فعل اقتفاء بالأنبياء من
غیر أن یکون مفروضاً عليه.
وقيل: الوضوء غيرُ خاص بهذه الأمة، بل هو واجب في غيرها،
وعلیہ ذهب جمع کثیر.
وبالجملة: حصول ذلك لمن توضأ من الأمة، بل لمن أسبغ
الوضوء على الوجه الذي ذكرنا، ولا يحصل لمن ترك التوضؤ في
الدنيا، مع اعتقاد كونه مفتاحاً للصلاة، يعني: الفاسق الذي لا يتوضأ
ولا يصلي، والجاهل الذي لا يعلم تمام شرائط الوضوء، أو المقلد
لمذهب الضعيف؛ مثل: المسح على الرجل، وعدم غسل المرفق
والكعب، أو المُداهن في فعله؛ مثل: أن يواظب على غسل الأعضاء
مرة مرة، من غير ضرورةٍ من قلةٍ ماء ونحوها.
وقال الزناتي شارح ((الرسالة)): إن الغرة والتحجيل حكم ثابت
لهذه الأمة، من توضأ منهم، ومن لم يتوضأ، وكما أن أهل القبلة في
قولهم: لا يكفر أحد من أهل القبلة: كلُّ من آمن به من أمته، سواء
صلَّى، أو لم يصلِّ.
واستبعد العلماء قوله: على أن الظاهر من قوله - عليه السلام -
(مِنْ آثَارِ الوُضُوءِ)): أن ذلك خاص بمن توضأ، وأما قياسه بقولهم،
فباطل؛ لأن بترك الصلاة لا يصير كافراً، ولا يخرج من أن يكون
من أمته؛ بخلاف هذه الفضيلة؛ فإنه لا يلازم الإيمان، بل يلازم
١١٢

إسباغ التوضؤ، فتأمل.
٠٠
٦٠٤ - (٢٤٧ / ٣٦) - حَدَّثَنَا سُوَيْدُ بْنُ سَعِيدٍ، وَابْنُ أَبِي عُمَرَ
جَمِيعاً، عَنْ مَرْوَانَ الفَزَارِيِّ - قَالَ ابْنُ أَبِي عُمَرَ: حَدَّثَنَا مَرْوَانُ -، عَنْ
أَبِي مَالِكِ الأَشْجَمِيِّ سَعْدِ بْنِ طَارِقٍ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ أَبِي
هُرَيْرَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﴿ قَالَ: ((إِنَّ حَوْضِي أَبْعَدُ مِنْ أَيْلَةَ مِنْ عَدَنٍ،
لَهُوَ أَشَدُّ بَاضاً مِنَ الثَّلْجِ، وَأَحْلَى مِنَ العَسَلِ بِاللََّنِ، وَلآنِيُهُ أَكْثَرُ مِنْ
عَدَدِ النُّجُومِ، وَإِنِّي لأَصُدُّ النَّاسَ عَنْهُ كَمَا يَصُدُّ الرَّجُلُ إِلَ النَّاسِ عَنْ
حَوْضِهِ». قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ! أَتَعْرِفُنَا يَوْمَئِذٍ؟ قَالَ: (نَعَمْ، لَكُمْ سِيمَا
لَيْسَتْ لَأَحَدٍ مِنَ الأُمَمِ، تَرِدُونَ عَلَيَّ غُرَّاً مُحَجَّلِينَ مِنْ أَثَرِ الوُضُوءِ».
٦٠٥ - (٢٤٧ / ٣٧) - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، وَوَاصِلُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى -
وَاللَّفْظُ لِوَاصِلٍ -، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ فُضَيْلٍ، عَنْ أَبِيٍ مَالِكِ الأَشْجَعِيِّ،
عَنْ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِوَه: (تَرِدُ عَلَيَّ
أُمَتِي الحَوْضَ وَأَنَا أَذُودُ النَّاسَ عَنْهُ كَمَا يَدُودُ الرَّجُلُ إِلَ الرَّجُلِ عَنْ
إِ). قَالُوا: يَا نَبِيَّ اللهِ! أَتَعْرِ فُنَا؟ قَالَ: (نَعَمْ، لَكُمْ سِيمَا لَيْسَتْ لِأَحَدٍ
غَيْرِكُمْ، تَرِدُونَ عَلَيَّ غُرَّاً مُحَجَّلِينَ مِنْ آثَارِ الوُضُوءِ، وَلَيُّصَدَّنَّ عَنِّي طَائِفَةٌ
مِنْكُمْ، فَلاَ يَصِلُونَ، فَأَقُولُ: يَا رَبِّ! هَؤُلاءِ مِنْ أَصْحَابِي، فَيُجِبُِّي
مَلَكٌ فَيَقُولُ: وَهَلْ تَدْرِي مَا أَحْدَثُوا بَعْدَكَ؟)).
١١٣

الحديث الثاني: حديثُ أبي هريرة: أَنَّ رَسُولَ اللهِنَّهِ قَالَ: ((إِنَّ
حَوْضِي أَبْعَدُ مِنْ أَيْلَةً مِنْ عَدَنٍ، لَهُوَ أَشَدُّ بَيَاضاً مِنَ الثَّلْجِ، وَأَحْلَى مِنَ
العَسَلِ بِاللَّبَنِ، وَلَآَنِيَتُهُ أَكْثَرُ مِنْ عَدَدِ النُّجُومِ، وَإِنِّي لأَصُدُّ النَّاسَ عَنْهُ
كَمَا يَصُدُّ الرَّجُلُ إِبِلَ النَّاسِ عَنْ حَوْضِهِ)). قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ!
أَعْرِفُنَا يَوْمَئِذٍ؟ قَالَ: ((نَعَمْ، لَّكُمْ سِيمَا لَيْسَتْ لِأَحَدٍ مِنَ الأُمَمِ، تَرِدُونَ
عَلَيَّ غُرَا مُحَجَّلِينَ مِنْ أَثَرِ الوُضُوءِ».
وفي رواية: ((تَرِدُ عَلَيَّ أُمَّتِي الحَوْضَ، وَأَنَا أَذُودُ النَّاسَ عَنْهُ كَمَا
يَذُودُ الرَّجُلُ إِلَ الرَّجُلِ عَنْ إِلِهِ». قَالُوا: يَا نَبِيَّ اللهِ! أَتَعْرِ فُنَا؟ قَالَ:
(نَعَمْ، لَكُمْ سِيمَا لَيْسَتْ لِأَحَدٍ غَيْرِكُمْ، تَرِدُونَ عَلَيَّ غُرّاً مُحَجَّلِينَ مِنْ
آثَارِ الوُضُوءِ، وَلَيُصَدَّنَّ عَنِّي طَائِفَةٌ مِنْكُمْ، فَلاَ يَصِلُونَ، فَأَقُولُ: يَا رَبُّ!
هَؤُلاَءٍ مِنْ أَصْحَابِي، فَيُجِيبُِّي مَلَكٌ فَيَقُولُ: وَهَلْ تَدْرِي مَا أَحْدَثُوا
بَعْدَكَ؟)) أخرجه البخاري.
٦٠٦ - (٢٤٨ / ٣٨) - وَحَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْئَةَ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ
ابْنُ مُسْهِرٍ، عَنْ سَعْدِ بْنِ طَارِقٍ، عَنْ رِبْعِيِّ بْنِ حِرَاشٍ، عَنْ حُذَيْفَةَ،
قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَله: ((إِنَّ حَوْضِي لِأَبْعَدُ مِنْ أَئِلَةَ مِنْ عَدَنٍ،
وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ! إِنِّي لأَذُودُ عَنْهُ الرِّجَالَ كَمَا يَذُودُ الرَّجُلُ الإِبِلَ
الغَرِيبَةَ عَنْ حَوْضِهِ». قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ! وَتَعْرِفُنَا؟ قَالَ: ((نَعَمْ،
تَرِدُونَ عَلَيَّ غُرّاً مُحَجَّلِينَ مِنْ آثَارِ الوُضُوءِ، لَيْسَتْ لَأَحَدٍ غَيْرِكُمْ)).
١١٤

الحديث الثالث: حديثُ حذيفة، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَلِّ: ((إِنَّ
حَوْضِي لِأَبْعَدُ مِنْ أَيْلَةَ مِنْ عَدَنٍ، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ! إِنِّي لأَذُودُ عَنْهُ
الرِّجَالَ كَمَا يَذُودُ الرَّجُلُ الإِبِلَ الغَرِيبَةَ عَنْ حَوْضِهِ». قَالُوا: يَا رَسُولَ
اللهِ! وَتَعْرِفُنَا؟ قَالَ: ((نَعَمْ، تَرِدُونَ عَلَيَّ غُرَّا مُحَجَّلِينَ مِنْ آثَارِ الْوُضُوءِ،
لَيْسَتْ لأَحَدٍ غَيْرِكُمْ))، أخرجه ابن ماجه.
إذا عرفت هذا، فالكلام عليه في مواضع:
الأول: في إثبات الحوض:
واعلم أن أحاديث الحوض صحيحة، والإيمان به واجب،
والتصديق به من الإيمان، وهو على ظاهره من غير تأويل، وعند أهل
السنة مخلوق الآن، ويدل عليه قوله : - عليه السلام -: ((وَاللهِ! لأَنْظُرُ
إِلَى حَوْضِي الآنَ)). وما ذهب إليه بعضُ الناس أنه سيُخلق؛ إذ لا
فائدة في خلقه الآن، كما قالوا في الجنة والنار = باطلٌ.
وبالجملة: أحاديث الحوض نقلها جمعٌ كثيرٌ من الصحابة؛ مثل:
أبي بكر الصديق، وعمر بن الخطاب، وعبدالله بن عمرو، وعائشة،
وأبي هريرة، وأبي ذر، وثوبان، وجابر بن سمرة، وابن مسعود،
وحذيفة، وعقبة بن عامر، وزيد بن أسلم، وأبي أمامة، وخولة بنت
قيس، وعائذ بن عمرو، وغيرهم من الصحابة على ما جمع ذلك كلّه
الإمامُ الحافظ أبو بكر البيهقي في كتابه ((البعث والنشور))، وغيره من
السلف، حتى قال بعض الناس: حديث الحوض [متواتر]، وسيجيء في
(كتاب الفضائل) تفصيل ذلك - إن شاء الله تعالى -.
١١٥

وبالجملة: الإيمان به واجب.
وقد ذكر النبي - عليه السلام - حوضه مراراً كثيرة في مواطن
مختلفة، وأشار في كل موطن إلى ما يناسب المخاطبين من معرفتهم
ببعض الأماكن، وشبّه عظم حوضه بشيء من ذلك.
والثاني: في بيان سَعَة الحوض:
: قوله: (أَبْعَدُ مِنْ أَثْلَةَ مِنْ عَدَنٍ)؛ أي: أبعد من بُعْد أيلةَ من
عدن، فحذف البعد؛ لدلالة (أبعد) عليه، وقيل: (مِنْ عَدَنٍ) بدل من
(أَیْلَةَ) بتکریر العامل، والمعنى: أبعد من أیلة، أبعد من عدن، يعني:
أن سعةً حوضه، وبُعدَ أطرافه أبعدُ من مُقامه - وهو المدينةُ - من أيلة،
أو أبعدُ من مقامه هذا من عدن.
والوجه الأولُ أحسنُ؛ لقلة الحذف، ومناسبة المعنى، ويدل
عليه - أيضاً -: قوله في حديث آخر: ((بُعْدُ ما [بين] جنبي حوضي ما
بينَ صنعاءَ وأَيلة))، وفي حديث آخر: ((عَرْضُهُ مِثْلُ طُولِهِ مَا بَيْنَ عَمَّانَ
إِلَى أَيْلَةً» .
وبالجملة: الغرضُ: بيان سعة حوضه، فذكر موضعین متباعدین،
أحدهما من الشام، وهي أيلة، فإنها - بفتح الهمزة وسكون الياء المثناة
التحتانية وفتح اللام المخففة -: بلدة معروفة من الشام على ساحل
البحر، متوسطة بين مدينة الرسول، ومدينة دمشق، بينها وبين المدينة
خمس عشرة مرحلة، وبينها وبين مصر ثمان مراحل، [والثانية: صنعاء]؛
فإنها بلدة معروفة في اليمن، وليس المراد: التحديد، بل: بيان سعة
١١٦

الحوض، ولذلك ذكر في كل حديث موضعاً؛ مثل: ((بَيْنَ جَرْبَاءَ
وَأَذْرُحَ))، و((بين عُمان ويَثْرِبَ))، و(بَيْنَ صَنْعَاءَ وَالمَدِينَةِ))، ونحو ذلك -
على ما سيجيء مفصلاً في (باب الحوض) -.
وكذا شبه ماءه في البياض بالثلج والوَرِق ونحوهما، وكذا تشبيه آنيته
بعدد نجوم السماء؛ فإن المراد من جميع ذلك: أن له - عليه السلام -
حوضاً واسعاً لا ينتهي ماؤه بكثرة الشرب، وأنه واسع بعيدُ الأطراف، وأنه
يسحب عليه من الجنة ميزابان، وأن من شرب منه مرة، لا يظمأ بعده، ثم
بيَّن صفاء مائه في البياض، وطعمه في الحلاوة، وعدد آنيته، وکیزانه.
رزقنا الله تعالى بفضله العميم، ولطفه الواسع الجسيم الشربَ منه،
وجعلنا من الذين فازوا بالانخراط في سلك الشاربين منه، الآمنين من
ظمأ يوم القيامة، ولا يجعلنا من المطرودين عنه، المحرومين منه.
والغرضُ من ذلك الحوض في هذا الحديث: بيان سعته، وكثرة
عدد آنیته.
وفيه إيماء بأن من واظب على إسباغ الوضوء، يحصل له سِيما
يعرفه النبيُّ - عليه السلام - في ذلك اليوم، ويَسقيه من حوضه،
وتحصُل له تلك السعادة التي لا شقاوة بعدها أبداً، ففيه حثٌّ على
المواظبة على الوضوء، والإقبال على ما هو لأجله، وهي الصلاة؛
ليحصل له سيما السعداء، وشربٌ من ماء الحوض في موقف الجزاء.
والثالث: في المطرودين عنه:
* قوله: (وَأَنَا أَذُودُ النَّاسَ عَنْهُ)، وفي حديث آخر: ((وَلَيُصَدَّنَّ
١١٧

عَنِّي طَائِفَةٌ مِنْكُمْ)).
وفي آخر: ((وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ! إِنِّي لِأَذُودُ عَنْهُ الرِّجَالَ)).
وفي آخر: ((لَيُّذَادَنَّ رِجَالٌ عَنْ حَوْضِي)».
وفي آخر: ((وَلَيُرْفَعَنَّ رِجَالٌ مِنْكُمْ، ثُمَّلَيُخْتَلَجُنَّ دُونِي)).
وفي آخر: «لَيَرِدَنَّ عَلَيَّ نَاسٌ مِنْ أَصْحَابِي الحَوْضَ، حَتَّى
عَرَفْتُهُمُ اخْتُلِجُوا دُونِي)).
وفي آخر: (لَيَرِدَنَّ عَلَيَّ أَقْوَامٌ أَعْرِفُهُمْ وَيَعْرِفُونِي، ثُمَّ يُحَالُ بَيْنِي
وَبَيْنَهُمْ)).
وفي آخر: «يَرِدُ عَلَيَّ يَوْمَ القِيَامَةِ رَهْطٌ مِنْ أَصْحَابِي، فَيُحَلَّونَ
عَنِ الحَوْضِ».
وفي آخر: ((بَيْنَا أَنَا قَائِمٌ، إِذَا زُمْرَةٌ، حَتَّى إِذَا عَرَفْتُهُمْ، خَرَجَ رَجُلٌ
مِنْ بَيِْي وَبَيْنِهِمْ، فَقَالَ: هَلُمَّ، فَقُلْتُ: أَيْنَ؟ قَالَ: إِلَى النَّارِ وَاللهِ!».
وفي آخر: ((أَنَا عَلَى الحَوْضِ أَنْظُرُ مَنْ يَرِدُ عَلَيَّ، فَيُؤْخَذُ نَاسٌ
ـو
دُونِي، فَأَقُولُ: يَا رَبِّ!، مِنِّي وَمِنْ أَمَّتِي)).
وبالجملة: حاصل الأحاديث: أن قوماً من أمته يُمنعون من
شرب الحوض يوم القيامة، ثم في بعضها: أنه - عليه السلام -
يَمنعهم، وفي بعضها: يمنعهم مَلَكٌ، وفي بعضها: يمنعون، بدون
ذكر مَنْ يمنعهم، ثم في بعض الروايات: أن الممنوعين من أصحابه،
وفي بعضها: أنهم من أمته، فاختلف كلام القوم في هذا المقام.
١١٨

وحاصله: أن معرفة النبي - عليه الصلاة والسلام - لهم في ذلك
الموقف لأجل کونهم أصحابه في حياته، فيعرفونه بذلك، لا تحصل
السِّيما لهم، ومعرفته لغير أصحابه من المؤمنین من أمته بیان السیما،
فيكون المطرودون الذين صحبوه في الدنيا، ولا يحصل لهم الفوز في
العقبى؛ إِمَّا لأنهم منافقون، أو الذين ارتدُّوا من الإيمان بعد وفاته -
عليه السلام -، ثم تحصل تلك العلامة [ ... ] معرفة غيرهم من
المؤمنين، فتكون علامة أثر الوضوء تحصل لكل من يكون متوضئاً من
أمته، سواء كان في الآخرة من أهل السعادة؛ بحيث لا يصيبه شقاوة
قط، أو من أهل الشقاوة الأبدية؛ مثل: المنافقين والمرتدين، أو من
أهل الشقاوة أولاً، والسعادة آخراً؛ كالفساق، فإذا رأى النبي - عليه
السلام - المتصفَ بتلك الصفة، ثم رأى كونَه ممنوعاً عن الشرب
من حوضه، يَسأل عن السبب، فيقال له: إنهم ارتدوا بعدك على
أدبارهم، فيقول: تَبَّ لهم، وبُعداً عن الكرامة والرحمة، فلا يلزم
كون المطرودين من أصحابه، بل يشملهم وغيرَهم، وكذا الارتدادُ
لا يختص بالمرتد عن الإسلام، بل يشملهم والمرتدَّ عن الاستقامة،
لا عن الإسلام، أعني: الفاسق - أيضاً -. هذا تلخيص كلام القوم.
وأنت خبير بأن ذلك لا يتم بشرح هذا المقام، والذي يقتضيه
النظر الثاقب، والتتبع البليغ الصائب: أن المتوجه إلى حوضه - عليه
الصلاة والسلام - يوم القيامة أقوام؛ لغلبة العطش على الجميع،
واحتياج الكل إلى الشرب من الحوض، فالذي ليس له سيما السعادة
١١٩

يُذاد عن الحوض، وهو عبوس، ليس له علامة المعرفة، كما تُذاد
الإبل الغريبة التي ليس عليها سمة صاحبها عن حوضه، وأن النبي -
عليه السلام - لا يَسأل عن حالهم، ولا يلتفت إليهم، بل هو بنفسه
يذودهم عن الحوض كما تزودهم الملائكة، فهؤلاء مطرودون
ممنوعون عن الحوض، يمنعهم الرسول والملائكة جميعاً، فذكر في
موضع: طردهم بنفسه، وفي موضع: طرد الملائكة لهم، والمنافقون
والمرتدون من الذين كانوا داخلين في تلك الطائفة المطرودة، ولا
التفات النبي - عليه السلام - إليهم، ولا سؤال عن حالهم، بل هم
داخلون في سلك الغرباء الواجبي الطرد عن الحوض كالإبل الغريبة.
وإنما السؤال والالتفات عن حال الفساق من أمته؛ فإنه - عليه
السلام - لغاية شفقته على أمته، وعلمه بأن الله تعالى يقبل شفاعته
فيهم، لا يطرد الفساق من أمته عن حوضه، ولا شك أن عليهم - أيضاً
- أثراً من آثار السعادة، وإن لم يكن عليهم الآثار الكاملة، كما يكون
للسعداء، بل أثرهم دون أثر هؤلاء، ولكن ليسوا بغُفل عن الأثر،
وليس أثرهم مطلقاً، بل عليهم شيء من أثر السعادة بحصول الإيمان
فيهم، وفيهم أثر الشقاوة - أيضاً -؛ لوجود الفسق فيهم، وصدور
التقصير عنهم، فالنبي - عليه السلام - بكمال رأفته لا يمنعهم عن
حوضه، كما يمنع الكافرين والمنافقين والمرتدين الذين لا علامة لهم
قط، بل وهم سود ليس عليهم علامة لمعة البياض، بل إنما تزودهم
الملائكة، فإذا رأى النبي - عليه السلام - طردَهم عن الحوض، يَسأل
١٢٠