Indexed OCR Text
Pages 21-40
أَنْزِلَ عَلَيْهِ: ﴿ وَأَنْذِرْ عَشِيَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٤]: ((يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ! اشْتَرُوا أَنْفُسَكُمْ مِنَ اللهِ، لاَ أَغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللهِ شَيْئاً، يَا بَنِي عَبْدِ المُطَّلِبِ! لاَ أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللهِ شَيْئاً، يَا عَبَّاسَ بْنَ عَبْدِ المُطَّلِبٍ! لاَ أُغْنِي عَنْكَ مِنَ اللهِ شَيْئاً، يَا صَفِيَّةُ عَمََّ رَسُولِ اللهِ! لاَ أُغْنِي عَنْكِ مِنَ اللهِ شَيْئاً، يَا فَاطِمَةُ بِنْتَ رَسُولِ اللهِ! سَلِيْنِي بِمَا شِئْتِ، لاَ أُغْنِي عَنْكِ مِنَ اللهِ شيئاً». أخرجه البخاري، والنسائي. وهذا في الحقيقة رواية من روايات الحديث السابق لأبي هريرة، وقد جعله أصحابُ الجمع كأن الأثر وغيره من جملة رواياته، وما جعلوه حديثاً آخر، ومسلم - رحمه الله - لمَّا أراد أن يُنَبِّهُ على أنه حديث آخر، وسَّطَ بين الحديث السابق لأبي هريرة، وبين هذا الحديث [حدیث] عائشة؛ ليعلم أنه حديث آخر. وهذا على ما ذكر في مقدمة الكتاب بأن الزائد من حديث يقوم مقام حديث آخر، ومن هذا، ((اشْتَرُوا أَنْفُسَكُمْ مِنَ اللهِ)) بدل: ((أَنْقِذُوا أَنْفُسَكُمْ مِنَ النَّارِ)» في الحديث السابق. وفيه: بيان أن الخلاص من النار أن يحصل شراء الأنفس من الله تعالى بالقيام على أوامره، والانتهاء عن نواهيه، ومِيزةُ هذه المبايعة الخلاص من النار، ودخول الجنة؛ ﴿إِنَّ اللَّهَ أُشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَلَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ﴾ [التوبة: ١١١]. ٢١ * وقوله: (لاَ أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللهِ شَيْئاً)، فهددهم بذلك، والمراد: أنا بنفسي لا أنتفع إلا أن يريد الله تعالى، والأولى: ما مَرَّ من أن [النسب] والقرابة بدون الإيمان لا ينفع شيئاً. * وقوله في صفية: (عَمَّةَ رَسُولِ اللهِ)، وفي فاطمة: (بِنْتَ رَسُولِ اللهِ)؛ لأجل أن عقول الرجال في إدراك أمور الدين أقوى من عقول النساء؛ بما فضل الله بعضهم على بعض، فناسب في إلقاء هذا الأمر الجليل أن يذكر رسول الله بَليو [أن] قرابته لهن سبب ذلك التأمل في هذا الكلام الذي يلقى إليهن، ويتفطَّنَّ أنه كلام رسول الله وَّز، وأنهن من جملة قرابته، وخُلِّص عشيرته، وهو لا یرید بهنَّ إلا كلَّ خیر. وفيه: إشعار بأن الواجب عليهن أن يقمْنَ على ذلك الأمر من غير حاجة إلى الدعوة؛ لأن بينهن وبين نبينا - [فضلاً عَمَّا] فضَّله الله بالرسالة - اشتباكَ الأبعاض، فتكون قابليتهن للقيام على الأمور الدينية أقوى من قابلية غيرهن، ولهذا قال: ((يَا صَفِيَّةُ عَمَّةَ رَسُولِ اللهِ))، و((يَا فَاطِمَةُ بِنْتَ رَسُولِ اللهِ))، وقال في عباس: ((ابنَ عبدِ المُطَّلِب)). ولَمَّا كانت علقةُ فاطمةَ أشدَّ العلائق، وهي من جملة ما يكون في كنف رسول الله وقلقه، وناظرة إلى نفقته وخصائص إحسانه، زاد قوله: ((سَلِينِي بِمَا شِئْتِ)) إيماء إلى أنه يقدر على إعطاء كل ما يسأل في الدنيا، ولا يقدر على إنقاذها من النار إلا بعد حصول شريطة الشفاعة، وهي الدخول في الإيمان، والموتُ عليه، وهذا غاية الإنذار، ونهاية التخويف . ٢٢ ولما كان إحسانه على جميع أقاربه على العموم، بل على عموم الناس، قال في (١) حديث: ((سَلَونِي مِنْ مَالِي مَا شِئْتُمْ))، وكما ذكرَ في هذا الحديث من رواية البخاري صفيةً وفاطمةً في سلك واحد حين قال: ((يَا أُمَّ الزُّبَيْرِ بْنِ العَوَّامِ عَمَّةَ رَسُولِ اللهِ، يَا فَاطِمَةُ بِنْتَ مُحَمَّدٍ! اشْتَرِيَا أَنْفُسَكُمَا مِنَ اللهِ، لاَ أَمْلِكُ لَكُمَا مِنَ اللهِ شَيْئاً، سَلاَنِي مِنْ مَالِي مَا شِئْتُمَا))، وهذا دليل على صدور هذا الحديث عن النبي - عليه السلام - مراراً كما مر. ٥٢٧ - (٢٠٦ / ٣٥٢) - حَدَّثَنَا أَبُو كَامِلِ الجَحْدَرِيُّ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْع، حَدَّثَنَا التَّْمِيُّ، عَنْ أَبِ عُثْمَانَ، عَنْ قَبِصَةَ بْنِ المُخَارِقِ، وَزُهَيْرِ بْنِ عَمْرٍو، قَالاَ: لَمَّا نَزَلَتْ: ﴿ وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ اَلْأَقْرَبِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٤]، قَالَ: انْطَلَقَ نَبِيُّ اللهِ عَهَ إِلَى رَضْمَةٍ مِنْ جَبَلٍ، فَعَلاَ أَعْلاَهَا حَجَراً، ثُمَّ نَدَى: ((يَا بَنِي عَبْدِ مَثَفَاهْ! إِنِّي نَذِيرٌ، إِنَّمَا مَثَلِي وَمَثَلُّكُمْ كَمَثَلِ رَجُلٍ وَأَى العَدُوَّ، فَانْطَلَقَ يَرْبَأُ أَهْلَهُ، فَخَشِيَ أَنْ يَسْبِقُوهُ، فَجَعَلَ يَهْتِفُ: یَا صَبَاحَاه!». ٥٢٨ _ (٢٠٦ / ٣٥٤) - وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى، حَدَّثَنَا المُعْتَمِرُ، عَنْ أَبِيِهِ، حَدَّثَنَا أَبُو عُثْمَانَ، عَنْ زُهَيْرِ بْنِ عَمْرٍو، وَقَبِيصَةَ ابْنِ مُخَارِقٍ، عَنِ النَّبِيِّ ◌َ﴿ بِنَحْوِهِ. (١) في الأصل: ((عن)). ٢٣ الحديث الخامس والحديث السادس: حديثُ قَبِيصَةَ بْنِ المُخَارِقِ، وَزُهَيْرٍ بْنِ عَمْرٍو، قَالاَ: لَمَّا نَزَلَتْ: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ اُلْأَقْرِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٤]، قَالَ: انْطَلَقَ نَبِيُّ اللهِلَّهِ إِلَى رَضْمَةٍ مِنْ جَبَلٍ، فَعَلاَ أَعْلَاَهَا حَجَراً، ثُمَّ نَدَى: ((يَا بَنِي عَبْدِ مَنَافَاهْ! إِنِّي نَذِيرٌ، إِنَّمَا مَثَلِي وَمَثْلُكُمْ كَمَثَلِ رَجُلٍ رَأَى العَدُوَّ، فَانْطَلَقَ يَرْبَأُ أَهْلَهُ، فَخَشِيَ أَنْ يَسْبِقُوهُ، فَجَعَلَ يَهْتِفُ: يَا صَبَاحَاهْ!)). وهذا من أفراد مسلم. إذا عرفت هذا، فالكلام عليه في مواضع: الأول: في التعريف برواته [سوى] ما سلف. (قَبِيصَةٌ) فهو ابْنُ المُخَارِقِ بنِ عبدالله بن شدَّاد بنِ أبي ربيعةَ بنِ سهيلِ بنِ هلالِ الهلاليُّ، وفد على النبي - عليه السلام-، وروي له عنه ستة أحاديث، روى مسلم عنه هذا الحديث. روى عنه ابنه قطن بن قبيصة، وأمامة بن نعيم، وجماعة، وأخرج له أبو داود، والنسائي - أيضاً -. وأما (زُهَيْرٌ)، فهو أبو عمرو الهلاليُّ، له صُحبة. روى عنه أبو عثمان النهدي، وليس له في الكتاب رواية غير هذا. الثاني: في ألفاظه: * قوله: قال: (انْطَلَقَ نَبِيُّ اللهِ ﴿ إِلَى رَضْمَةٍ مِنْ جَبَلٍ) ذكر النووي أن الواجب أن يقول: قالا - بالتثنية -؛ لأن القائل قبيصةُ وزهيرٌ، ولكن لما كانا متفقين في الرواية، جعلهما كالواحد، ولو حذف (قَالَ)، لكان الكلام - أيضاً - منتظماً صحيحاً، ولكن لما كان في الكلام بعض ٢٤ الطول، حَسُنَ إعادة (قَالَ)، ومثله في القرآن والحديث كثير. هذا كلامه، ولا يرد عليه ما قيل: من أنه لو جعلهما بمنزلة الواحد، لكان ينبغي أن يقول في الأول - أيضاً -: (قال): لما نزلت، بل أورد (قَالَاً) - على التثنية -؛ لأن الذي قاله وجه جواز إيراد (قال) موضع (قالا)، لا أنه يجب أن یکون کذلك في کل موضع، أو وحَّد لإرادة كل واحد. والرَّضْمَةُ - بفتح الراء وإسكان الضاد المعجمة -: واحد الرِّضَامِ، وهي صخور عظام بعضها فوق بعض، وقيل: حجارة مجتمعة غير ثابتة في الأرض، ومنه حديث أبي الطفيل: لما أرادت قريش بناء البيت بالخَشَب، وكان البِناء الأوّلُ رَضْماً. وحكى صاحب ((المطالع)) فتحَ الضاد في الرَّضَمَة لغة، وابنُ فارس اقتصر عليه، فالجمهور على السكون. ءُ * وقوله: (يَرْباً) - بفتح المثناة التحتانية وسكون الراء وفتح الموحدة ثم همزة -؛ من رَبَأَ فلانٌ للقوم، ورَبَأَهُم: إذا كان لهم طليعةً فوق شرف، والرَّبِيْئَةُ: العين يرقُب العدو وغيره، قال الشاعر: وأرسلنا أبا عمرو رَبيئاً ويقال: فلان يَرْبَأُ ماله: يحفظه ويصلحه، ورَباً في الأمر: نظر فيه، وفكر، وفعل في تأمله فعلَ الرَّبِيْئَةِ، وارْتَبَأْتُ الجبلَ؛ أي: صعدته. وفي رواية: (وجماعة تَرْتاً) بالتاء المثناة الفوقانية بدل الموحدة -، وذكر القاضي عياض أنه لا وجه له هاهنا، وليس الأمر على ما قال، فإن ٢٥ معناه: يسرع، ويتوجه نحو أهله؛ ليخبرهم بالحال خطوة بعد خطوة، وقوله: (فَانْطَلَقَ) أشدُّ مناسبة له. ومن استعمال الرتوة في هذا المعنى حديثُ فاطمة: أنها أقبلت إلى النبي - عليه السلام -، فقال لها: ((ادني يا فاطمةُ))، فدنت رتوةً، ثم قال: ((ادني يا فاطمة))، فدنت رتوة، وحديث: ((معاذٌ يتقدَّمُ العلماءَ يومَ القيامة بِرَتْوَةٍ))؛ أي: برمية سهم، وقيل: بميل، وقيل: مثل النصر. * وقوله: (يَهْتِفُ) - بفتح التاء -؛ من هَتَفَ بمعنى: صاح، ويقال: هَتَفَتِ الحمامة، وسحابةٌ هَتَّافَةٌ: راعِدَة. والثالث: في المعنى : إنه - عليه السلام - مثَّلَ حاله معهم بحال ربِيْئَةٍ رأى العدو، وقومُه لا يرونه، وهو من خوف مسابقةِ العدو له إلى أهله، وإيقاعِهم عليهم قبلَ إخباره لهم، يصيح ويصرخ؛ ليأخذوا حِذْرَهم قبل وصول العدو إليهم، فالنبي - عليه السلام - كان على ذروة مراتب الإنسانية، وهي النبوة، والتأييد بالوحي، وهو حافظ للناس كافة، وداع لهم إلى سبيل الحق، والشيطانُ وأعوانه أعداؤهم، ويريدون إيصالَ الضرر إليهم، وإيقاعهم في العذاب والنكال، وهم لقصور عقولهم، وضعف بصائرهم لا يرون ذلك، فلو صبر النبي - عليه السلام -، وأخَّر إنذارهم وإخبارَهم إلى حين وصول العدو إلى الحي ليفوت فائدة كونه عيناً، فلا بد له من الإخبار قبل وصول العدو. ففي ذلك: بيان أن نزول العذاب والنكال عليهم أن يأتوا على ٢٦ ما كانوا عليه أمرٌ محققٌ لا شك فيه، كما لا شك في الأمور المحسوسة، وأنه - عليه السلام - حافظُهم ورقيبُهم، وهمتُه دفعُ كل شر عنهم، كما أن حال العين كذلك، وأن دعوته لهم، ونداءه علیھم لأجل قرب وصول العدو إليهم، وعدم شعورهم به، ولخوفه من أن يحيط بهم قبل بلوغه إليهم. وأصل الكلام: إنما مثلي ومثلكم كمثل ربيئة رأى العدو، فخشي أن يسبقوه إلى أهله، فجعل يهتف، وإنما ذكر على ما ذكر؛ لما في (رَجُلٍ) من التنكير الدال على أن الذي يربؤهم ويحفظهم كاملٌ في الرجولية، جامعٌ لما يجب أن يكون في الرجال من مكارم الخصال، ولما في قوله: (فَانْطَلَقَ) من بيان أنه لما رأى العدو، توجه من فوره، وما ثبت وسكن في مكانه، وشدَّ في العَدْو، ولكن لما كان العدوُّ في غاية سرعة السبق، وحصل له خوف مسابقة العدو، جعل يهتف ويصيح، ففيه إيماءٌ إلى قرب العدو، وسرعة وصوله، وشدة نکایته، وإشعار بغاية شفقته، ونهاية شغفهِ بخلاص قومه. * وقوله: (يَا صَبَاحَاة) الرواية الصحيحة تقديم الموحدة على الحاء - على أنه نداء الصباح، ووقع في بعض النسخ: (يا صاحباه) - بتقديم الحاء - على أنه نداء الصاحب، وهو سهو. ويوم الصباح: يوم الغارة، يقال: لقيته غداة الصباح؛ أي: يوم الغارة، فنداءُ الصباح إشعارٌ بأن هذا يوم الغارة، وأن العدو قد أحاط بهم؛ ليكون أبلغَ في الإنذار. ٢٧ ٥٢٩ - (٢٠٨ / ٣٥٥) - وَحَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ مُحَمَّدُ بْنُ العَلاَءِ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: (وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ اُلْأَقْرَينَ، وَرَهْطَكَ مِنْهُمُ المُخْلَصِينَ)، خَرَجَ رَسُولُ اللهِ وَلِ حَتَّى صَعِدَ الصَّفَا، فَهَتَفَ: ((يَا صَبَاحَاهْ!))، فَقَالُوا: مَنْ هَذَا الَّذِي يَهْتِفُ؟ قَالُوا: مُحَمَّدٌ، فَاجْتَمَعُوا إِلَيْهِ، فَقَالَ: ((يَا بَنِي فُلاَنٍ، يَا يَتِي فُلاَنٍ، يَا يَنِي فُلاَنٍ، يَا بَنِي عَبْدِ مَثَفٍ، بَا بَنِي عَبْدِ المُطَّلِبِ!))، فَاجْتَمَعُوا إِلَيْهِ، فَقَالَ: (أَرَأَنْتَكُمْ لَوْ أَخْبَرْتُكُمْ أَنَّ خَيْلاً تَخْرُجُ بِسَفْحٍ هَذَا الجَبَلِ، أَكُنُمْ مُصَدِّقِيَّ؟)). قَالُوا: مَا جَرَّيْنَا عَلَيْكَ كَذِباً، قَالَ: ((فَإِنِّي نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ)». قَالَ: فَقَالَ أَبُو لَهَبٍ: تَبَّأَلَكَ، أَمَا جَمَعْتَنَا إِلَّ لِهَذَا؟! ثُمَّ قَامَ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ السُّورَةُ: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَقَدْ تَبَّ﴾. كَذَا قَرَأَ الأَعْمَشُ إِلَى آخِرِ السُّورَةِ. ٥٣٠ - (٢٠٨ / ٣٥٦) - وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبُو كُرَيْبٍ، قَالاَ: حَدَّثْنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنِ الأَعْمَشِ بِهَذَا الإِسْنَادِ، قَالَ: صَعِدَ رَسُولُ اللهِ﴿ ذَتَ يَوْمِ الصَّفَا، فَقَالَ: ((يَا صَبَاحَاءْ!)). بِنَحْوِ حَدِيثٍ أَبِي أُسَامَةَ، وَلَمْ يَذْكُرْ نُزُولَ الآيَةِ: ﴿ وَأَنْذِرْ عَشِيَرَتَكَ الْأَقْرَيِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٤]. الحديث السابع: حديثُ ابن عباس، قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَفْرِينَ ﴾ [الشعراء: ٢١٤]، وَرَهْطَكَ مِنْهُمُ المُخْلَصِينَ، ٢٨ خَرَجَ رَسُولُ اللهِوَّهِ حَتَّى صَعِدَ الصَّفَا، فَهَتَفَ: ((يَا صَبَاحَاه!))، فَقَالُوا: مَنْ هَذَا الَّذِي يَهْتِفُ؟ قَالُوا: مُحَمَّدٌ، فَاجْتَمَعُوا إِلَيْهِ، فَقَالَ: ((يَا بَنِي قُلاَنٍ، يَا بَنِي فُلاَنٍ، يَا بَنِي فُلاَنٍ، يَا بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ، يَا بَنِي عَبْدِ المُطَّلِبٍ!»، فَاجْتَمَعُوا إِلَيْهِ، فَقَالَ: «أَرَأَيْتَكُمْ لَوْ أَخْبَرْتُكُمْ أَنَّ خَيْلاً تَخْرُجُ بِسَفْحِ هَذَا الجَبَلِ، أَكْتُمْ مُصَدِّقِيَّ؟)). قَالُوا: مَا جَزَّيْنَا عَلَيْكَ كَذِباً، قَالَ: ((فَإِّي نَذِيْرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ)). قَالَ: فَقَالَ أَبُو لَهَبٍ: تَبََّ لَكَ، أَمَا جَمَعْتَنَا إِلاَّ لِهَذَا؟! ثُمَّ قَامَ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ السُّورَةُ: (تَبَّتْ يَدَا أَبِيٍ لَهَبٍ وَقَدْ تَبَّ). كَذَا قَرَّأَ الأَعْمَشُ. أخرجه البخاري، والترمذي. إذا عرفت هذا، فالكلام عليه في مواضع : الأول: في الزيادة : قيل: هذه الزيادة، وهو قوله: (وَرَهْطَكَ مِنْهُمُ المُخْلَصِينَ) كان قرآناً أُنزل أولاً، ثم نسخت تلاوته. وقيل: من قول الراوي؛ تفسيراً لقوله: ﴿عَشِيرَتَكَ الْأَقْرِينَ﴾، وليس في روايات البخاري تلك الزيادة. وفي الآية وجهان: أولهما: أن يؤمر بإنذار الأقرب من قومه، ويبدأ في ذلك بمن هو أولى بالبداءة، ثم بمن يليه، وإن تقدم إنذارهم على إنذار غيرهم، كما ٢٩ مَرَّ في الروايات الدالة من ندائه - عليه السلام - قومه بطناً بطناً. والثاني: أن يؤمر بأن لا يأخذه ما يأخذ القريب للقريب من العطف والرأفة، ولا في الإنذار والتخويف، فعلى هذا لا يكون مخصوصاً بإنذار الأقارب، بل يتناولهم وغيرهم. والثاني: في قوله: (وَقَدْ تَبَّ، كَذَا قَرَأَ الأَعْمَشُ) بزيادة (قَدْ)، وهي قراءة ابن مسعود، والتَّبَابُ: الهَلاك، ومنه قولهم: أسابّة أو: تابّة؛ أي: هالكة من الهرم والتعجيز، والمعنى: تبت يداه؛ أي: هلكت، وتخصيصُ اليد؛ إِمَّا على الحقيقة؛ بأنه قد بطلت أعمال يديه، على ما يروى: أنه أخذ حجراً ليرمي به رسولَ الله ◌َّ، فعجز عن ذلك؛ إذ المراد بهلاك يديه: هلاكُ جملته؛ كقوله تعالى: ﴿بِمَا قَدَّمَتْ يَدَاكَ﴾ [الحج: ١٠] الآية، ومعنى (قَدْ تَبَّ): كان ذلك، وحصل؛ کقوله: جَزَانِيَ جَزَاهُ اللهُ شَرَّ جَزائِهِ جَزَاءَ الكِلاَبِ العَادِياتِ وَقَدْ فَعَلْ وقراءة الأعمش أشدُّ طباقاً على ذلك. والثالث: ذكر أبي لهب بالكنية، فذكر الأشهر، ولذلك تقع الكنية عطفَ بيان عن الاسم إذا كان مشهوراً، كما يقع الاسم عنه إذا كان كذلك، ويؤيده: قراءة من قرأ: ﴿يَدَآ أَبِى لَهَبٍ ﴾ [المسد: ١] كأنه لشهرته جعله اسمه، فلا يجوز التغيير، وكما قيل: علي بن أبي طالب، ومعاوية بن أبي سفيان. ٣٠ وإِمَّا لأنه لما كان من أهل النار، وكان مآله إلى نار ذات لهب، كان جديراً بأن يكنى بها، كما يقال للشرِّيرِ: أبو الشر، وللخَيِّر: أبو الخير. وقيل: كُنِّي بذلك؛ لتلهب وجنتيه وإشراقتهما، فيجوز أن يذكر بذلك تھگّماً به. وأما القول بأنه لقب، وليس بكنية، وكنيته أبو عقبة، فمعَ بُعْدِه لا يشفي غليلاً - على ما لا يخفى -؛ إذ [إن] في ذكر اللقب الدال على الشرف تعظيماً كما في ذكر الكنية، وإنما منع من منع تكنية المشرك؛ لما في الكنية من التعظيم، وهو موجود في مثل هذا اللقب. وأما ما جاء من ذكر النبي - عليه السلام - بعضَ الكفار بالكنى، قيل: إنه على وجه التألف، وجوزوا ذلك في كل ما يكون فيه فائدة مثل ذلك. ومنهم من يجوز تكنية الكافر مطلقاً. وعن مالك في تکنیة الذمي روایتان. ٥٣١ - (٢٠٩ / ٣٥٧) - وَحَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ القَوَارِيرِيُّ، وَمُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرِ المُقَدَّمِيُّ، وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ المَلِكِ الأُمَوِيُّ، قَالُوا: حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ عَبْدِ المَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ، عَنْ عَبْدِاللهِ بْنِ الحَارِثِ بْنِ نَوْفَلٍ، عَنِ العَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ المُطَّلِبِ: أَنَّهُ قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ! هَلْ نَفَعْتَ ٣١ أَبَا طَالِبٍ بِشَيْءٍ؛ فَإِنَّهُ كَانَ يَخُوطُكَ، وَيَغْضَبُ لَكَ؟ قَالَ: ((نَعَمْ، هُوَ فِي ضَحْضَاحِ مِنْ نَارِ، وَلَوْلاَ أَنَا، لَكَانَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ)). ٥٣٢ _ (٢٠٩ / ٣٥٨) - حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَبْدِ المَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ الحَارِثِ، قَالَ: سَمِعْتُ العَبَّاسَ يَقُولُ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ! إِنَّ أَبَا طَالِبٍ كَانَ يَخُوطُكَ وَيَنْصُرُكَ، فَهَلْ نَفَعَهُ ذَلِكَ؟ قَالَ: ((نَعَمْ، وَجَدْتُهُ فِي غَمَرَاتٍ مِنَ النَّارِ، فَأَخْرَجْتُهُ إِلَى ضَخْضَاحٍ». ٥٣٣ _ (٢٠٩ / ٣٥٩) ۔ وَحَدَّثَتِهِ مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمِ، حَدَّثَنَا یَحْیَی بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ سُفْيَانَ، قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ المَلِكِ بْنُ عُمَيْرٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ اللهِبْنُ الحَارِثِ، قَالَ: أَخْبَرَّتِي العَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ حٍ. ٥٣٤ - وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْئَةَ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنْ سُفْيَانَ بِهَذَا الإِسْنَادِ، عَنِ النَّبِّ ◌َ﴾، بِنَحْوِ حَدِيثِ أَبِي عَوَانَةٌ. الحديث الثامن: عن العبَّاسِ بن عبد المطلب: أَنَّهُ قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ! هَلْ نَفَعْتَ أَبًا طَالِبٍ بِشَيْءٍ؛ فَإِنَّهُ كَانَ يَخُوطُكَ، وَيَغْضَبُ لَكَ؟ قَالَ: ((نَعَمْ، هُوَ فِي ضَحْضَاحٍ مِنْ نَارٍ، وَلَوْلاَ أَنَا، لَكَانَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ». وفي رواية: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ! إِنَّ أَبَّا طَالِبٍ كَانَ يَحُوطُكَ ٣٢ وَيَنْصُرُكَ، فَهَلْ نَفَعَهُ ذَلِكَ؟ قَالَ: ((نَعَمْ، وَجَدْتُهُ فِي غَمَرَاتٍ مِنَ النَّارِ، فَأَخْرَجْتُهُ إِلَى ضَحْضَاح)). أخرجه البخاري. ٥٣٥ _ (٢١٠ / ٣٦٠) - وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا لَيْثُ، عَنِ ابْنِ الهَادِ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ خَبَّابٍ، عَنْ أَبِ سَعِيدِ الخُذْرِيِّ: أَنَّ رَسُولَ اللهِو ◌َِّ ذُكِرَ عِنْدَهُ عَمُّهُ أَبُو طَالِبٍ، فَقَالَ: ((لَعَلَّهُ تَنْفَعُهُ شَفَاعَتِي يَوْمَ القِيَامَةِ، فَيُجْعَلُ فِي ضَحْضَاحِ مِنْ نَارِ يَبْلُغُ كَعْبَيْهِ يَغْلِي مِنْهُ دِمَاغُهُ» . [ ٩٣ _ باب أَهْوَنِ أَهْلِ النَّارِ عَذَاباً] ٥٣٦ _ (٢١١/ ٣٦١) - حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَبِي بُكَيْرِ، حَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ مُحَمَّدٍ، عَنْ سُهَيْلِ بْنِ أَبِي صَالِحٍ، عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ أَبِي عَيَّاشٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدِ الخُذْرِيِّ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﴿ قَالَ: ((إِنَّ أَدْنَى أَهْلِ النَّارِ عَذَاباً يَنْتَعِلُ بِنَعْلَيْنِ مِنْ نَرٍ يَغْلِي دِمَاغُهُ مِنْ حَرَارَةِ نَعْلَيْهِ». الحديث التاسع: حديثُ أبي سعيد الخدريِّ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَّه ذُكِرَ عِنْدَهُ عَمُّهُ أَبُو طَالِبٍ، فَقَالَ: ((لَعَلَّهُ تَنْفَعُهُ شَفَاعَتِي يَوْمَ القِيَامَةِ، فَيُجْعَلُ فِي ضَخْصَاحٍ مِنْ نَارٍ يَبْلُغُ كَعْبَيْهِ يَغْلِي مِنْهُ دِمَاغُهُ)). ٣٣ وفي رواية: ((إِنَّ أَدْنَى أَهْلِ النَّارِ عَذَاباً يَنْتُعِلُ بِنَعْلَيْنِ مِنْ نَارٍ يَغْلِي دِمَاغُهُ مِنْ حَرَارَةِ نَعْلَيْهِ)). أخرج البخاري الرواية الأولى، والثانية من أَفْرَاد مسلم. * ٥٣٧ - (٢١٢ / ٣٦٢) - وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَفَّانُ: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، حَدَّثَنَا ثَابِتٌ، عَنْ أَبِي عُثْمَانَ النَّهْدِيِّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ﴿ قَالَ: ((أَهْوَنُ أَهْلِ النَّارِ عَذَاباً أَبُو طَالِبٍ، وَهُوَ مُتَعِلٌ بِنَعْلَيْنِ يَغْلِي مِنْهُمَا دِمَاغُهُ» . الحديث العاشر: حديثُ ابن عباس: أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَّهِ قَالَ: ((أَهْوَنُ أَهْلِ النَّارِ عَذَاباً أَبُو طَالِبٍ، وَهُوَ مُنْتَعِلٌ بِنَعْلَيْنِ يَغْلِي مِنْهُمَا دِمَاغُهُ)) وهذا من أفراد مسلم. ٥٣٨ - (٢١٣ / ٣٦٣) - وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ المُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارِ - وَاللَّفْظُ لإِبْنِ المُثَنَّى -، قَالاَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثْنَا شُعْبَةُ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَّ إِسْحَاقَ يَقُولُ: سَمِعْتُ النُّعْمَانَ بْنَ بَشِيرٍ يَخْطُبُ وَهْوَ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ لَ﴿ يَقُولُ: ((إِنَّ أَهْوَنَ أَهْلِ النَّارِ عَذَاباً بَوْمَ القِيَامَةِ لَرَجُلٌ تُوضَعُ فِي أَخْمَصٍ قَدَمَيْهِ جَمْرَتَانِ يَغْلِي مِنْهُمَا دِمَاغُهُ». ٥٣٩ - (٢١٣ / ٣٦٤) - وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا أَبُّوِ أُسَامَةَ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ، ٣٤ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ نَّهِ: (إِنَّ أَهْوَنَ أَهْلِ النَّارِ عَذَاباً مَنْ لَهُ نَعْلَانِ وَشِرَاكَانِ مِنْ نَارٍ يَغْلِي مِنْهُمَا دِمَاغُهُ كَمَا يَغْلِي المِرْجَلُ، مَا يَرَى أَنَّ أَحَداً أَشَدُّ مِنْهُ عَذَاباً، وَإِنَّهُ لأَهْوَنُهُمْ عَذَاباً» . الحديث الحادي عشر: حديثُ النُّعمان بن بشير: سَمِعْتُ أَبًا إِسْحَاقَ يَقُولُ: سَمِعْتُ النُّعْمَانَ بْنَ بَشِيرٍ يَخْطُبُ وَهْوَ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ وَ﴿ يَقُولُ: ((إِنَّ أَهْوَنَ أَهْلِ النَّارِ عَذَاباً يَوْمَ القِيَامَةِ لَرَجُلٌ تُوضَعُ فِي أَخْمَصٍ قَدَمَيْهِ جَمْرَتَانِ يَغْلِي مِنْهُمَا دِمَاغُهُ)). وفي رواية: ((كَمَا يَغْلِي المِرْجَلُ، مَا يَرَى أَنَّ أَحَداً أَشَدُّ مِنْهُ عَذَاباً، وَإِنَّهَ لأَهْوَنُهُمْ عَذَاباً) أخرجه البخاري، والترمذي. وقال الترمذي: وفي الباب: عن أبي هريرة، وعباس بن عبد المطلب، وأبي سعيد. وأقول: حديث عباس، وأبي سعيد قد مَرًّا. وحديث أبي هريرة: ((إِنَّ أَدْنَى أَهْلِ النَّارِ عَذَاباً الَّذِي لَهُ نَعْلاَنِ مِنْ نَرِ يَغْلِي مِنْهُمَا دِمَاغُهُ)) رواه الطبراني، ورجاله ثقات. وفي الباب: من حديث جابر بن عبدالله: سُئِلَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ، فَقِيلَ لَهُ: هَلْ نَفَعْتَ أَبَا طَالِبِ؟ قَالَ: ((أَخْرَجْتُهُ مِنَ النَّارِ إِلَى ضَحْضَاحِ مِنْهَا» رواه البزار. ٠٠ وروى أبو يعلى بلفظ: سُئِلَ النَّبِيُّ - عليه السلام - عَنْ أَبِي طَالِبٍ هَلْ نَفَعْتَهُ؟ قَالَ: ((نَعَمْ، أَخْرَجْتُهُ مِنْ غَمْرَاتِ جَهَنَّمَ إِلَى ضَحْضَاحِ مِنْهَا»، وإسناده حسن. ٣٥ إذا عرفت هذا، فاعلم أن الكلام - هاهنا - في مواضع: الأول: التعريف بالرواة سوى ما سلف: محمد بن عبد الملك، وعبدالله بن النعمان. أما محمد، فهو ابن عبد الملك بن أبي الشوارب محمد بن عبدالله الأمويُّ، البصريُّ. عن عبد العزيز بن المختار، وكثير بن سليم، وابن زريع، وخلائق. وعنه مسلم، والأربعة سوى أبي داود، وأخرجوا له، وخلق سواهم. قال أبو علي: شيخ جليل صدوق. وقال النسائي : لا بأس به. توفي سنة أربع وأربعين ومئتين. وأما (عبدالله)، فهو أبو محمد عبدالله بن الحارث بن نوفل بن الحارث بن عبد المطلب الهاشميُّ، المدنيُّ، لقبه [يَّة](١)، حنَّكَهُ النبي - عليه السلام -. وروى عن عمر، وعثمان، وعلي، وجماعة. وعنه بنوه: عبدالله، وعبيدالله، وإسحاق، ومولاه يزيد بن أبي زياد، والزهري، وخلائق. وَثَّقَهُ القوم، وأثنوا عليه، وأخرج له الستة. (١) بياض في ((الأصل)). ٣٦ وقال أبو داود: ما سمع الزهري منه، وإنما سمع من بنيه . توفي سنة أربع وثمانين بعمان هارباً من الحجاج. ١ وأما عبدالله، فهو أبو محمد عبدالله بن حبان الأنصاريُّ، البخاريُّ، مولاهم، المدينيُّ. عن أبي سعيد. وعنه القاسم بن محمد مع تقدمه، وبُكير بن الأشجِّ، وجمع. وَثَّقَهُ أبو حاتم وغيرُه، وأخرج له الستة. وأما (النعمان)، فهو أبو عبدالله النعمان بن بشير بن ثعلبة الأنصاريُّ، الخزرجيُّ، الأمير، وأمه عَمْرَةَ أخت عبدِالله بنِ رَواحة، وهو أول مولود ولد للأنصار بعد الهجرة، ولد على رأس أربعةَ عشرَ شهراً من الهجرة. روي له عن رسول الله صل* مئة وأربعة عشر حديثاً، اتفقا على خمسة، وانفرد البخاري بحديث، ومسلم بأربعة، وأخرج له الأربعة - أيضاً -. روى عنه ابنه محمد، وكاتبه حبيب بن سالم، والشعبي، وخلائق. ولي الكوفة لمعاوية. قال ابن معين: أهل المدينة يقولون: لم يسمع من النبي - عليه السلام -، وأهل العراق يصححون سماعه منه، ولا يقول: (سمعت رسول الله - عليه السلام -) إلا في حديث الشعبي: ((إِنَّ فِي الجَسَدِ مُضْغَةً))، وفي الباقي يقول: (عن). ٣٧ وقال أبو مسهر: كان النعمان عاملاً على حمص لابن الزبير، فلما تمردت أهل حمص، خرج هارباً، فاتبعه خالد بن حلي، فقتله، وكان سنة خمس وستین بسلمیة - رحمه الله -. والثاني: في بيان المناسبة: فاعلم أنه لما ذكر أن شفاعة الرسول - عليه السلام - إنما تكون لأهل الإيمان، وأورد الأحاديث الدالة على أنه - عليه السلام - صرح مراراً لأقاربه بأنه لا يغني عنهم من الله شيئاً إن لم يدخلوا في الإيمان، أورد الأحاديث الدالة على أن المراد بعدم نفعه لقرابته هو: النفعُ الكامل، يعني: الإخراج من النار، والإدخال في الجنة؛ كما سيكون للمؤمنین من أمته، وإن كان من أهل قرابته، ينفعه في الدنيا، ويحصل منه المدد في الآخرة في تخفيف العذاب، لكن لا في الإخراج من النار؛ فإن ذلك لابد فيه من الإيمان. والثالث: في بيان نفع أعمال الخير للكافر: وقد تشعبت الآراء في ذلك، فقيل: لا ينفع مطلقاً؛ لما تقرر من عدم نفع عمل الكافر في الآخرة، قال الله تعالى: ﴿وَقَدِمِنَّا إِلَى مَا عَمِلُواْ مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَهُ هَبَآَ مَنْتُورًا﴾ [الفرقان: ٢٣]. وقيل: لا ينفعه في الاستخلاص من النار، ولكن ينفعه في تخفيف العذاب، وما ورد محمول على أنه لا ينفع في زوال العذاب عنه أصلاً، ومنه حديث أبي طالب؛ لأن الإخراج من الدرك الأسفل ٣٨ إلى الضحضاح من النار تخفيف، و- أيضاً -: دركاتُ الجحيم مثلُ درجات النعيم في التفاوت، ولا شك أن الكفار بقدر جناياتهم وقلتها تختلف محالَّهم، وباختلافها يختلف عذابهم قوة وضعفاً. وقال بعض أهل القلوب: يعذَّب كلُّ منكر بقدر مرتبة من أنكر عليه، فنمرودُ بقدر مرتبة الخليل - عليه السلام -، وفرعونُ بقدر مرتبة موسى - عليه السلام -، وأبو جهل وأضرابه بقدر مرتبة نبينا - عليه وعلى جميع الأنبياء الصلاة والسلام -، وكذلك حال كل من أنكر على أولياء الله تعالی. وقيل: ينفع أبا طالب ما فعل برسول الله؛ لمكان كرامة الرسول - عليه السلام -، ولا ينفع غيرَه ما فعله من الخيرات؛ لقوله - عليه السلام - في ابن جدعان: ((لاَ يَنْفَعُهُ، إِنَّهُ لَمْ يَقُلْ يَوْماً: رَبِّ اغْفِرْ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ))، وقوله في أبي طالب: ((وَلَوْلاَ أَنَا، لَكَانَ فِي الدَّرْك الأَسْفَل مِنْ النَّار)»، وهذا التركيب ربما يدل على اختصاص هذا النفع لأبي طالب بواسطة رسول الله اليه . والرابع: في حال أبي طالب: ولما كان أمر (١) الآخرة محققَ الوقوع، وبسبب تحقق وقوعه يعبر عنه في كلام الشرع بلفظ الماضي: ﴿ وَنَادَى أَصْحَبُ النَّارِ﴾ [الأعراف: ٥٠]، وقع سؤال العباس على هذا المنوال؛ حيث قال: ((هَلْ نَفَعْتَ أَبَّا طَالِبٍ (١) في الأصل: ((أهل)). ٣٩ بِشَيْءٍ؛ فَإِنَّهُ كَانَ يَحُوطُكَ؟)) - بفتح الياء وضم الحاء -؛ من حَاطَهُ: إذا حَفِظَهُ، وذَبَّ عنه، فقال النبي - عليه الصلاة والسلام -: (نَعَمْ))، والظاهر: أنه جواب له بأنه ينفعه، ثم بين ذلك بقوله: ((هُوَ فِي ضَحْضَاح ء مِنْ نَارٍ، وَلَوْلاَ أَنَا، لَكَانَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ»، والضَّحْضَاحُ يستعمل في الماء، وكل شيء مائع، يقال: ماء ضَحْضَاحٌ؛ أي: قريب القعر، وضَحْضَحَ السرابُ، وتَضَحْضَحَ: إذا ترقرق، فاستعير للنار؛ إشعاراً بأنه في موضع رقة النار، لا في كثافتها وعظمها. وتنكير قوله: (مِنْ نَارٍ)، والتعريف في قوله: (مِنَ النَّارِ) - أيضاً - إيماءٌ إلى أنه في نار قليلة، ولولا بركته، لكان في أسفل طبقات النار. والغَمَرَاتُ: جمع غَمْرَة، وهي ما يغطي الإنسان ويغمره، مأخوذٌ من الماء الغَمْرِ، وهو الكثير، وتستعمل الغَمْرَةُ في كل كثرة غير الماء - أيضاً -، ويستعمل في الشدة - أيضاً-، قال أبو الطيب: وَتُسْعِدُنِي فِي غَمْرَةٍ بَعْدَ غَمْرَةٍ سَبُوحٌ لَهَا مِنْهَا عَلَيْهَا شَوَاهِدُ وقد وقع في بعض روايات: (غَبَرَاتٍ) - بالموحدة بدل الميم -، وهو تصحيف؛ إذ لا معنى لغبرات هنا، ومقابلة الضّحْضَاح تصحح رواية الغمرات - أيضاً -. ولما كان المراد بيان تخفيف عذاب أبي طالب بسبب حفظه رسول الله وَّة، عبّر عن ذلك بغمرات؛ إيماء إلى أنها تشبيهات، لا أن في النار موضعاً أرق، وآخر أغلظ، وهو في الرقيق دون ٤٠