Indexed OCR Text
Pages 401-420
وَشِمَالاً))، وهذه الرواية تدل على أن شفاعة نبيّنا - عليه السلام - لجميع الأمم في العبور عن الصّراط، والروايات الأُخر تدل على أنها في الإخراج من النار لأمّته خاصّة، وطلبت الناس الشفاعة للخلاص من الموقف. فقيل في الجمع بين الأحاديث: إن لنبيّا - عليه السلام - شفاعاتٍ في مواطنَ متعددة، كما قدمنا، فذكر في كل حديث أحدَها. وقيل: جمع الشفاعة في موطن واحد، وطلب الناس الإراحة من الموقف لوقوع الغم والكرب عليهم؛ لأجل إدناء الشمس، ورؤية الصراط على الصفة المذكورة، ورؤية الجنة والنار، فلا يقدر أحد من الأنبياء والملائكة الإقدامَ على ذلك؛ لأنه أوّل الأمر، ولا علم لأحد بالإذن في الشفاعة وقبولها، بل هولُ ذلك اليوم قد أثَّر في الجميع، حتى قال كل أحد: نفسي نفسي، فعند ذلك اهتم الناسُ لأجل ذلك، وطلبُهم الخلاصَ من الموقف هو طلبُهم العبور على الصراط، والدخول في الجنَّة . وطلب رسول الله ﴿ ﴿ الإذن من ربّه، فأذن له، وعلَّمه، فجاهد، فبدأ وحَمِد ربه، ثم خرَّ ساجداً، وطلب من ربّه خلاص القوم من تلك(١) الحيرة والدهشة، فشفع لذلك، وحكم على كل شخص بما يستحقه. ثم لمَّا رأى هلاكَ أمته، وأن كثيراً منهم قد حُكم عليهم بدخول النار، ورأى سائر الأنبياء والملائكة قبول الشفاعة، وأذن للكل فيها، (١) في الأصل: ((ذلك)). ٤٠١ شفع كل واحد لأمته، والملائكة للمؤمنين من كل أمة، والمؤمنون لإخوانهم، فشفع لهم، فتكون فضيلة رسولنا - عليه السلام - في بداية الشفاعة، وإراحة الكل من الموقف، وإخراج جميع من آمن به من النار، حتى يكون أكثرهم تابعاً يوم القيامة. ولا شك أن هذا القول هو القولُ الأوَّل بعينه، ولا خلاف بالاعتبار؛ لأن من قال: في مواطن؛ أنها واقعة مُرَتَبة، كلٌّ واحدة بعد أخری، لا دفعة. ومراد من قال: في موطن واحد، يعني: الجميع واقع في يوم واحد. والظاهر هو الأول؛ إذ النظر إلى الوقائع لا الزمان في هذا اليوم، ولهذا قيل: يومُ القيامة يومٌ ذو مواطن، وقد مَرَّ. وفي إلهام الله تعالى المحامد له، وقوله - عليه السلام -: ((فَأَحْمَدُهُ بِمَحَامِدَ لاَ أَقْدِرُ عَلَيْهِ الآنَ(١) يُلْهِمُنِهِ الله)، وقوله: ((وَيُلْهِمُنِي مِنْ مَحَامِدِهِ وَحُسْنِ الثَّنَاءِ عَلَيْهِ شَيْئاً لَمْ يَفْتَحْهُ(٢) لأَحَدٍ قَبْلِي)) إيماء إلى أن إعطاء الله تعالى المقام المحمود له، وقبوله شفاعته أولاً قبل الجميع؛ لأجل قابلية ذاته لإلقاء المحامد إليه، وإلهامه له. وفيه: إشعار بحسن تقديم المحامد عند طلب الشفاعة، وحسن ذكر محامد من تطلب الشفاعة منه، وأنَّ حمد الله تعالی إنما يقدر عليه. (١) في الأصل: ((إلا أن)). (٢) في الأصل: ((لم يعلمه)). ٤٠٢ الإنسان بإلهام الله تعالى له، وإلقائه عليه، وأن ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، والله ذو الفضل العظيم. وجاء في حديث أبي هريرة أن المحامد كانت بعد السجود، وفي حديث أنس قبل السجود، وذلك يدل على أنه - عليه السلام - أكثرَ من التحميد والثناء في هذا المقام كله في قيامه وسجوده إلى أن أسعف بطلبته . والسابع: في قوله: (قَالَ قَتَادَةُ: أَيْ وَجَبَ عَلَيْهِ الخُلُوهُ) إِيماءٌ إلى أن التفسير الذي ذكر - (حَبَسَهُ القرآنُ) - منقول عن قتادة. وفيه نوع رمز إلى التفسير لابد وأن يكون بالنقل، فيخرج من كونه مفسّراً. وفيه: دليل لمذهب أهل الحق في أنه لا يخلد في النار موحِّدٌ. ولما كان في هذه الرواية الشك بأن هذا القول في المرة الثالثة أو الرابعة، أورد رواية أخرى فيها الجزمُ بأنه في الرابعة، وإنما الشكُّ فيها في اللفظ بأنه قال: (آتِيهِ)، (أَوْ أَعُودُ)، ثم أورد الرواية الأخرى المزيلة لهذا الشك - أيضاً -، فقال: وَذَكَرَ فِي الرَّابِعَةِ: (فَأَقُولُ: يَا رَبٌّ!). ٤٩٩ - وَحَدَّثَنِي أَبُو غَسَّانَ المِسْمَعِيُّ، وَمُحَمَّدُ بْنُ المُثَنَّى، قَالاً: حَدَّثَنَا مُعَاذٌ - وَهُوَ ابْنُ هِشَامٍ-، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِيٍ، عَنْ قَتَادَةَ، حَدَّثَنَا أَنَسُ ابْنُ مَالِكٍ: أَنَّ النَِّيَّ وَ﴿ قَالَ: ((يَخْرُجُ مِنَ النَّارِ مَنْ قَالَ: لاَ إِلَهَ إِلَّ اللهُ وَكَانَ فِي قَلْبِهِ مِنَ الخَيْرِ مَا يَزِنُ شَعِيرَةً، ثُمَّ يَخْرُجُ مِنَ النَّارِ مَنْ قَالَ: لاَ إِلَهَ ٤٠٣ إِلَّ اللهُ وَكَانَ فِي قَلْبِهِ مِنَ الخَيْرِ مَا يَزِنُ بُرَّةً، ثُمَّ يَخْرُجُ مِنَ النَّارِ مَنْ قَالَ: لاَ إِلَهَ إِلَّ اللهُ، وَكَانَ فِي قَلْبِهِ مِنَ الخَيْرِ مَا يَزِنُ ذَرَّةً». زَادَ ابْنُ مِنْهَالٍ فِي رِوَايَتِهِ: قَالَ يَزِيدُ: فَلَقِيتُ شُعْبَةَ، فَحَدَّثْتُهُ بِالحَدِيثِ، فَقَالَ شُعْبَةُ: حَدَّثَنَ ◌ِهِ قَتَادَةُ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، عَنِ النَّبِّ ◌َهُ بِالحَدِيثِ. إِلاَّ أَنَّ شُعْبَةَ جَعَلَ مَكَانَ الذَّرَّةِ ذُرَةً. قَالَ يَزِيدُ: صَخَّفَ فِيهَا أَبُو بِسْطَامٍ. الحديث الخامس: حديثُ أنسٍ - أيضاً -: أن النَّبِيَّ - عليه السلام - قَالَ: ((يَخْرُجُ مِنَ النَّارِ مَنْ قَالَ: لاَ إِلَهَ إِلَّ اللهُ، وَكَانَ فِي قَلْبِهِ مِنَ الخَيْرِ مَا يَزِنُ شَعِيرَةً، ثُمَّ يَخْرُجُ مِنَ النَّارِ مَنْ قَالَ: لاَ إِلَهَ إِلَّ اللهُ، وَكَانَ فِي قَلْبِهِ مِنَ الخَيْرِ مَا يَزِنُ بُرَّةً، ثُمَّ يَخْرُجُ مِنَ النَّارِ مَنْ قَالَ: لاَ إِلَهَ إِلَّاللهُ، وَكَانَ فِي قَلْبِهِ مِنَ الخَيْرِ مَا يَزِنُ ذَرَّةً). زَادَ ابْنُ مِنْهَالٍ فِي رِوَايَتِهِ: قَالَ يَزِيدُ: فَلَقِيتُ شُعْبَةَ، فَحَدَّثْتُهُ بِالحَدِيثِ، فَقَالَ شُعْبَةُ: حَدَّثَنَا بِهِ قَتَادَةُ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكِ، عَنِ النَّبِّ ◌َهَ بِالحَدِيثِ. إِلاَّ أَنَّ شُعْبَةً جَعَلَ مَكَانَ الذَّرَّةِ: ذُرَة. قَالَ يَزِيدُ: صَكَّفَ فِيهَا أَبُو بِسْطَامِ . أخرجه البخاري، والترمذي، وفي ((البخاري)): (وقال أبان عن قَتَادة: مِنْ إیمانٍ) مکان (خیر). ثم قال الترمذي: وفي الباب: عن جابر، وعمران بن حصين. وأقول: حديث جابر وعمران قد مرًّا. إذا عرفت هذا، فاعلم أنَّ الرواية في يخرج ضم الياء وفتحها، والمشهور رواية الفتح. ٤٠٤ والذرّة - بفتح الذال وتشديد الراء -: واحدُ الذَّرِّ المعروف، وهي أقلُّ الأشياء الموزونات، قاله المهلب. وقال القاضي عياض: الذرُّ: النمل الصغير. وعن بعض النقلة: أنه الهباء الذي يظهر في شعاع الشمس مثل رؤوس الإبر. ويروى عن ابن عباس: إذا وضعت كفك على التراب، ثم قبضتها، فما سقط من التراب فهو ذرّ. وقيل: إن أربع ذرات خَرْدَلة. وقيل: الذرَّةُ] جزء من ألف وأربعة وعشرين جزءاً من شعيرة. وقد روى شعبة: ذُرَة - بضم الذال وتخفيف الراء -، وهي الحبّة المعروفة، وهي مناسبة لذكر الشعيرة. ونقل مسلم - رحمه الله - عن يزيد بن زريع: أنه تصحيف أبي بسطام؛ يعني: شعبة، والصواب: ذَرَّة - بفتح الذال وتشديد الراء -، وإسناد التصحيف إلى يزيد، وذكر شعبة بالكنية ربما يستدل على أن مسلماً - رحمه الله - جزم بذلك، وإسناده إلى يزيد لا يضر في ذلك، بل يؤكده؛ لأن حال الرواية إنما يعرفها الرواة، وذكر شعبة بالكنية اتباعاً لما سمع، لا أنه أراد التشريفَ، واستصوابَ الرواية . وقد روى العذري، والخشني: دُرة - بضم الدال المهملة -، من رواية شعبة، فهو تصحيف على تصحيف. ثم المراد من قَدْرِ الذَّرة من الإيمان قيل التصديق، الذي هو مِلاكُ ٤٠٥ الأمر، وزيادةُ الشعيرة والبُرَّةِ عليها هو زيادة العمل قلةً وكثرةً على التصديق، فيكون كلُّ مَنْ في قلبه التصديق يخرج من النار، ولا يخلد فيها، ومراتبُ الخروج مقدماً ومؤخراً بحسب مراتب العمل وجوداً وعدماً، قلةً وكثرةً. وقيل: التفاوت في مقدار الشعيرة والبُرَّةِ هو التفاوت في نفس التصديق، والمراد: بيان حال الذين لا عمل لهم قط سوى التصديق، فيخرجون من النار بقدر تصديقهم قوّة وضعفاً؛ لأن قول: لا إله إلا الله لا ينفع ما لم ينضم إليه تصديق القلب، والناس متفاوتون فيه بحسب التقليد والعلم، وفيه يعلم علم اليقين، وعين اليقين. وفي هذا الحديث: دلالة على نفع الإيمان بدون العمل، وعلى عدم خلود الفسَّاق من أهل الإيمان في النار، بل على خروجهم منها، ودخولهم الجنّة، وأنه لا يكفي في الإيمان مجردُ المعرفة، بل لابد من التصديق، وهو مذهب أهل السنة، وفي هذه المسائل خلاف لأقوام. وربما يستدل بهذا الحديث على زيادة الإيمان ونقصانه. وقد ترجم البخاري الباب المشتمل على هذا الحديث: بيان زيادة الإيمان ونقصانه، ومدار الأمر على ما قلنا من أنَّ الأعمال داخلة في حقيقة الإيمان أوّلاً، وأنَّ التصديق يقبل الزيادة والنقصان أم لا . وربما يستدل - أيضاً - بقوله: ((فَمَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ أَدْنَى أَدْنَى أَدْنَی مِنْ مِثْقَالِ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ مِنْ إِيمَانٍ»، وهو راجعٌ -أيضاً - إلى ما ذكرنا. ٤٠٦ ٥٠٠ _ (١٩٢ / ٣٢٦) - حَدَّثَنَا أَبُو الرَّبِيعِ العَتْكِيُّ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، حَدَّثَنَا مَعْبَدُ بْنُ هِلَاَلِ العَنَزِيُّ حِ، وَحَدَّثْنَاهُ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ - وَاللَّفْظُ لَهُ -، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، حَدَّثَنَا مَعْبَدُ بْنُ هِلَاَلِ العَنَزِيُّ، قَالَ: انْطَلَقْنَا إِلَى أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، وَتَشَفَّعْنَا بِثَابِتٍ، فَانْتُّهَيْنَا إِلَيْهِ وَهُوَ يُصَلِّي الضُّحَى، فَاسْتَأْذَنَ لَنَا ثَابِتٌ، فَدَخَلْنَا عَلَيْهِ، وَأَجْلَسَ ثَابِتَاً مَعَهُ عَلَى سَرِيرِهِ، فَقَالَ لَهُ: يَا أَبَا حَمْزَةً! إِنَّ إِخْوَانَكَ مِنْ أَهْلِ البَصْرَةِ يَسْأَلُونَكَ أَنْ تُحَدِّثَهُمْ حَدِيثَ الشَّفَاعَةِ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ فَ﴿ قَالَ: ((إِذَا كَانَ يَوْمُ القِيَامَةِ، مَاجَ النَّاسُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ، فَيَأْتُونَ آدَمَ، فَيَقُولُونَ: لَهُ اشْفَعْ ◌ِذُرِّيَتَكَ، فَيَقُولُ: لَسْتُ لَهَا، وَلَكِنْ عَلَيْكُمْ بِبْرَاهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -؛ فَإِنَهُ خَلِيلُ اللهِ، فَيَأْتُونَ إِيْرَاهِيمَ، فَيَقُولُ: لَسْتُ لَهَا، وَلَكِنْ عَلَيْكُمْ بِمُوسَى - عَلَيْهِ السَّلَمُ -؛ فَإِنَّهُ كَلِيمُ اللهِ، فَيُّؤْتَى مُوسَى، فَيَقُولُ: لَسْتُ لَهَا، وَلَكِنْ عَلَيْكُمْ بِعِيسَى - عَلَيْهِ السَّلامُ -؛ فَإِنَُّ رُوحُ اللهِ وَكَلِمَتُهُ، فَيُؤْنَى عِيسَى، فَيَقُولُ: لَسْتُ لَهَا، وَلَكِنْ عَلَيْكُمْ بِمُحَمَّدٍ وَهِ، فَأُوتَى، فَأَقُولُ: أَنَاَ لَهَا، فَأَنْطَلِقُ، فَأَسْتَأْذِنُ عَلَى رَبِّي، فَيُؤْذَنُ لِي، فَأَقُومُ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَأَحْمَدُهُ بِمَحَامِدَ لاَ أَقْدِرُ عَلَيْهِ الآنَ، يُلْهِمُنِهِ اللهُ، ثُمَّ أَخِرُ لَهُ سَاجِداً، فَيَقَالُ لِي، يَا مُحَمَّدًا ارْفَعْ رَأْسَكَ، وَقُلْ يُسْمَعْ لَكَ، وَسَلْ تُعْطَهْ، وَاشْفَعْ تُشَفَّعْ، فَأَقُولُ: رَبِّ! أُمَّتِي أُمَّتِي، فَيَّقَالُ: انْطَلِقْ، فَمَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ حَيّةٍ مِنْ بُرَّةٍ أَوْ شَعِيرَةٍ مِنْ إِمَاٍ، فَأَخْرِجْهُ مِنْهَا. فَأَنْطَلِقُ فَأَفْعَلُ، ثُمَّ أَرْجِعُ إِلَى رَبِّي، فَأَحْمَدُهُ بِتِلْكَ المَحَامِدِ، ثُمَّ أَخِرُ لَهُ سَاجِداً، فَقَالُ لِي: يَا مُحَمَّدُ! ٤٠٧ ارْفَعْ رَأْسَكَ، وَقُلْ يُسْمَعْ لَكَ، وَسَلْ تُعْطَةْ، وَاشْفَعْ تُشَفَّعْ، فَقُولُ: أُمَّتِي أُمَّتِي، فَيَّقَالُ لِي: انْطَلِقْ فَمَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ حَبٍَّ مِنْ خَرْدَلٍ مِنْ إِمَانٍ، فَأَخْرِجْهُ مِنْهَا، فَأَنْطَلِقُ فَأَفْعَلُ، ثُمَّ أَعُودُ إِلَى رَبِّي، فَأَحْمَدُهُ بِلْكَ المَحَامِدِ، ثُمَّ أَخِرُ لَهُ سَاجِداً، فَيَقَالُ لِي: يَا مُحَمَّدًا ازْفَعْ رَأْسَكَ، وَقُلْ يُسْمَعْ لَكَ، وَسَلْ تُعْطَهُ، وَاشْفَعْ تُشَفَّعْ، فَأَقُولُ: يَا رَبِّ! أُمَّتِي أُمَّتِي، فَيَّقَالُ لِي: انْطَلِقْ، فَمَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ أَدْنَى أَدْنَى أَدْنَى مِنْ مِثْقَالٍ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ مِنْ إِيمَانٍ، فَأَخْرِجْهُ مِنَ النَّارِ، فَأَنْطَلِقُ فَأَفْعَلُ». هَذَا حَدِيثُ أَنَسٍ الَّذِي أَنْبَنَا بِهِ، فَخَرَجْنَا مِنْ عِنْدِهِ، فَلَمَّا كُنَّا بِظَهْرِ الجَانِ، قُلْنَا: لَوْ مِلْنَا إِلَى الحَسَنِ، فَسَلَّمْنَا عَلَيْهِ، وَهُوَ مُسْتَخْفٍ فِي دَارِ أَبِي خَلِفَةَ، - قَالَ : - فَدَخَلْنَا عَلَيْهِ، فَسَلَّمْنَا عَلَيْهِ، فَقُلْنَاَ: يَا أَبَّا سَعِيدٍ! جِئْنَا مِنْ عِنْدِ أَخِيكَ أَبِي حَمْزَةَ، فَلَمْ نَسْمَعْ مِثْلَ حَدِيثٍ حَدَّثْنَاهُ فِي الشَّفَاعَةِ، قَالَ: هِيهِ، فَحَدَّثْنَهُ الحَدِيثَ، فَقَالَ: هِيهِ، قُلْنَا: مَا زَادَنَا، قَالَ: قَدْ حَدَّثْنَا بِهِ مُنْذُ عِشْرِينَ سَنَةً، وَهُوَ يَوْمَئِذٍ جَمِيعٌ، وَلَقَدْ تَرَكَ شَيْئاً، مَا أَدْرِي أَنَسِيَ الشَّيْخُ، أَوْكَرِهَ أَنْ يُحَدِّثَكُمْ فَنَّكِلُوا؟ قُلْنَا لَهُ: حَدَّثْنَا، فَضَحِكَ وَقَالَ: ﴿ خُلِقَ آلْإِنْسَنُ مِنْ عَلٍ﴾ [الأنبياء: ٣٧]، مَا ذَكَرْتُ لَكُمْ هَذَا إِلاَّ وَأَنَا أُرِيدُ أَنْ أُحَدِّثَكُمُوهُ ((ثُمَّ أَرْجِعُ إِلَى رَبِّي فِي الرَّابِعَةِ، فَأَحْمَدُهُ بِتِلْكَ المَحَامِدِ، ثُمَّ أَخِرُ لَهُ سَاجِداً، فَيَقَالُ لِي: يَا مُحَمَّدًا ارْفَعْ رَأْسَكَ، وَقُلْ يُسْمَعْ لَكَ، وَسَلْ تُعْطَ، وَاشْفَعْ تُشَفَّعْ، فَأَقُولُ: يَا رَبِّ! اثْذَنْ لِي فِيمَنْ قَالَ: لاَ إِلَهَ إِلَّ اللهُ، قَالَ: لَيْسَ ذَكَ لَكَ - أَوْ قَالَ: لَيْسَ ذَاكَ إِلَيْكَ -، وَلَكِنْ وَعِزَِّي وَكِبْرِيَائِي، وَعَظَمَتِي ٤٠٨ وَجِبْرِيَائِي! لأُخْرِ جَنَّ مَنْ قَالَ: لاَ إِلَهَ إِلَّ اللهُ. قَالَ: فَأَشْهَدُ عَلَى الحَسَنِ أَنَّهُ حَدَّثَنَا بِهِ: أنَّهُ سَمِعَ أَنَسَ بْنَ مَالِكِ - أُرَاهُ قَالَ: قَبْلَ عِشْرِينَ سَنَةً، وَهُوَ يَوْمَئِذٍ جَمِيعٌ۔۔ الحديث السادس: حديثُ معبدٍ بْنِ هلالٍ، قَالَ: انْطَلَقْنَا إِلَى أَنَسِ بْنِ مَالِكِ، وَتَشَفَّعْنَا بِثَابِتٍ، فَانْتُهَيْنَا إِلَيْهِ وَهُوَ يُصَلِّي الضُّحَى، فَاسْتَأْذَنَ لَنَا ثَابِتٌ، فَدَخَلْنَا عَلَيْهِ، وَأَجْلَسَ ثَابِتَاً مَعَهُ عَلَى سَرِيرِهِ، فَقَالَ لَهُ: يَا أَبَا حَمْزَةً! إِنَّ إِخْوَانَكَ مِنْ أَهْلِ البَصْرَةِ يَسْأَلُونَكَ أَنْ تُحَدِّثَهُمْ حَدِيثَ الشَّفَاعَةِ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ فَهِ قَالَ: ((إِذَا كَانَ يَوْمُ القِيَامَةِ، مَاجَ النَّاسُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ، فَيَأْتُونَ آدَمَ، فَيَقُولُونَ لَهُ: اشْفَعْ لِذُرِّيَّتِكَ، فَيَقُولُ: لَسْتُ لَهَا، وَلَكِنْ عَلَيْكُمْ بِإِبْرَاهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ -؛ فَإِنَّهُ خَلِيلُ اللهِ، فَيَأْتُونَ إِبْرَاهِيمَ، فَيَقُولُ: لَسْتُ لَهَا، وَلَكِنْ عَلَيْكُمْ بِمُوسَى - عَلَيْهِ السَّلامُ -؛ فَإِنَّهُ كَلِيمُ اللهِ، فَيُؤْتَى مُوسَى، فَيَقُولُ: لَسْتُ لَهَا، وَلَكِنْ عَلَيْكُمْ بِعِيسَى - عَلَيْهِ السَّلامُ -؛ فَإِنَّهُ رُوحُ اللهِ وَكَلِمَتُهُ، فَيُّؤْتَى عِيسَى، فَيَقُولُ: لَسْتُ لَهَا، وَلَكِنْ عَلَيْكُمْ بِمُحَمَّدٍ ◌ٍَّ، فَأُوتَى، فَأَقُولُ: أَنَا لَهَا، فَأَنْطَلِقُ، فَأَسْتَأْذِنُ عَلَى رَبِّي، فَيُؤْذَنُ لِي، فَأَقُومُ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَأَحْمَدُهُ بِمَحَامِدَ لاَ أَقْدِرُ عَلَيْهِ الآنَ، يُلْهِمُنِيهِ اللهُ، ثُمَّ أَخِرُّ لَهُ سَاجِداً، فَيُقَالُ لِي: يَا مُحَمَّدُ! ارْفَعْ رَأْسَكَ، وَقُلْ يُسْمَعْ لَكَ، وَسَلْ تُعْطَةْ، وَاشْفَعْ تُشَفَّعْ، فَأَقُولُ: رَبِّ! أُمَّتِي أُمَّتِي، فَيُقَالُ: انْطَلِقْ، فَمَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ حَيَّةٍ مِنْ بُرَّةٍ أَوْ شَعِيرَةٍ مِنْ إِيمَانٍ، فَأَخْرِجْهُ مِنْهَا. ٤٠٩ فَأَنْطَلِقُ فَأَفْعَلُ، ثُمَّ أَرْجِعُ إِلَى رَبِّي، فَأَحْمَدُهُ بِتِلْكَ المَحَامِدِ، ثُمَّ أَخِرُ لَهُ سَاجِداً، فَيُقَالُ لِي: يَا مُحَمَّدُ! ارْفَعْ رَأْسَكَ، وَقُلْ يُسْمَعْ لَكَ، وَسَلْ تُعْطَهُ، وَاشْفَعْ تُشَفَّعْ، فَأَقُولُ: أُمَّتِي أُمَّتِي، فَيُقَالُ لِي: انْطَلِقْ، فَمَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ حَيَّةٍ مِنْ خَرْدَّلٍ مِنْ إِيمَانٍ، فَأَخْرِجْهُ مِنْهَا، فَأَنْطَلِقُ فَأَفْعَلُ، ثُمَّ أَعُودُ إِلَى رَبِّي، فَأَحْمَدُهُ بِلْكَ المَحَامِدِ، ثُمَّ أَخِرُّ لَهُ سَاجِداً، فَيُقَالُ لِي: يَا مُحَمَّدُ! ارْفَعْ رَأْسَكَ، وَقُلْ يُسْمَعْ لَكَ، وَسَلْ تُعْطَةْ، وَاشْفَعْ تُشَفَّعْ، فَأَقُولُ: يَا رَبِّ! أُمَتِي أُمِّي، فَيُقَالُ لِي: انْطَلِقْ، فَمَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ أَدْنَى أَدْنَى أَدْنَى مِنْ مِثْقَالِ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ مِنْ إِيمَانٍ، فَأَخْرِجْهُ مِنَ النَّارِ، فَأَنْطَلِقُ فَأَفْعَلُ)). هَذَا حَدِيثُ أَنَسِ الَّذِي أَنْبَنَ بِهِ، فَخَرَجْنَا مِنْ عِنْدِهِ، فَلَمَّا كُنَّا بِظَهْرِ الجَبَّانِ، قُلْنَا: لَوْ مِلْنَا إِلَى الحَسَنِ، فَسَلَّمْنَا عَلَيْهِ، وَهُوَ مُسْتَخْفٍ فِي دَارِ أَبِي خَلِيفَةَ - قَالَ : - فَدَخَلْنَا عَلَيْهِ، فَسَلَّمْنَا عَلَيْهِ، فَقُلْنَا: يَا أَبَا سَعِيدٍ! جِثْنَا مِنْ عِنْدِ أَخِيكَ أَبِي حَمْزَةَ، فَلَمْ نَسْمَعْ مِثْلَ حَدِيثٍ حَدَّثَنَاهُ فِي الشَّفَاعَةِ، قَالَ: هِيهِ، فَحَدَّثْنَاهُ الحَدِيثَ، فَقَالَ: هِيهِ، قُلْنَا: مَا زَادَنَا، قَالَ: قَدْ حَدَّثَنَا بِهِ مُنْذُ عِشْرِينَ سَنَّةً، وَهُوَ يَوْمَئِذٍ جَمِيعٌ، وَلَقَدْ تَرَكَ شَيْئاً، مَا أَدْرِي أَنَسِيَ الشَّيْخُ، أَوْ كَرِهَ أَنْ يُحَدِّثَكُمْ فَتَّكِلُوا؟ قُلْنَا لَهُ: حَدِّثْنَا، فَضَحِكَ، وَقَالَ: ﴿ خُلِقَ الْإِنْسَنُ مِنْ عَجَلٍ﴾ [الأنبياء: ٣٧]، مَا ذَكَرْتُ لَكُمْ هَذَا إِلَّ وَأَنَا أُرِيدُ أَنْ أُحَدِّتَكُمُوهُ ((ثُمَّ أَرْجِعُ إِلَى رَبِّي فِي الرَّابِعَةِ، فَأَحْمَدُهُ بِلْكَ المَحَامِدِ، ثُمَّ أَخِرُ لَهُ سَاجِداً، فَيُقَالُ لِي: يَا مُحَمَّدُ! ارْفَعْ رَأْسَكَ، وَقُلْ يُسْمَعْ لَكَ، وَسَلْ تُعْطَ، وَاشْفَعْ تُشَفَّعْ، فَأَقُولُ: يَا رَبُّ! اثْذَنْ لِي فِيمَنْ قَالَ: لاَ إِلَهَ إِلاَّ ٤١٠ اللهُ، قَالَ: لَيْسَ ذَاكَ لَكَ - أَوْ قَالَ: لَيْسَ ذَاكَ إِلَيْكَ -، وَلَكِنْ وَعِزَّتِي وَكِبْرِيَائِي، وَعَظَمَتِي وَجِبْرِيَائِي! لأُخْرِ جَنَّ مَنْ قَالَ: لاَ إِلَهَ إِلَّ الله). قَالَ: فَأَشْهَدُ عَلَى الحَسَنِ أَنَّهُ حَدَّثَنَا بِهِ: أنَّهُ سَمِعَ أَنَسَ بْنَ مَالِكِ - أُرَاهُ قَالَ: قَبْلَ عِشْرِينَ سَنَّةً، وَهُوَ يَوْمَئِذٍ جَمِيعٌ .. أخرجه البخاري. إذا عرفت هذا، فالكلام عليه في مواضع : الأول: في التعريف برواته سوى ما سلف. (مَعْبَدٌ)، وهو مَعْبَدُ بْنُ هِلاَلٍ بن هِلاَلِ البصريُّ. عن عقبة بن عامر، والحسن البصري، وجماعة. وعنه سليمان، والحمادان، وشعبة، وخلق. وَثَّقَهُ ابن معين، وأخرجه النسائي. والثاني: في قوله: ((وَتَشَفَّعْنَا بِثَابِتٍ)) فيه إيماء إلى أن أنساً كان منزوياً عن الناس، لا يدخل إليه أحدٌ إلا أن [تكون] له معرفة به، وأنه لا يؤذن إلا لمن يعرفه، وأن الناس يطلبون مصاحبته، وسماع الحديث منه، ولا يقدرون على الدخول عليه إلا باستشفاع من يكون من إخوانه، وإلى أن ثابتاً منهم، وتعظيم أنس له، وإجلاسه على السرير - أيضاً - إيماء إلى فضيلة ثابت. وفيه: نوع أدب لمن تأمّل في ذلك وتفطّن، وكأن المستحَبَّ للعالم وكبير المجلس تعظيمُ الداخل عليه، وإنزالُ كل واحد من الداخلين عليه منزلته، وأنَّ صاحب المجلس إذا لم يعرف ذلك، كان من العلم ٤١١ والمعرفة بمعزل، ولعمري! إنه خصلة حسنة، وخلة جميلة، وقد أمر النبي - عليه السلام - أيضاً بإنزال الناس منازلهم، ولكن ذلك صار في زماننا هذا كالشريعة المنسوخة، لا يكاد أمراء (١) المساكن وعظماء المجالس يعملون ذلك، وليتهم لم يعملوا بضده، وهم في صدده. والثالث: في قوله: (ثَنَا مُحَمَّدٌ وٍَّ) في ذكر اسم النبي - عليه السلام - هاهنا لطيفة، وهي أنه لما كان يحدث بحديث الشفاعة، وهو المقام المحمود الذي بعثه الله، ناسب تسميته: محمد - عليه السلام -. و- أيضاً -: ذكرُ إلهام الله المحامد له، إيماءٌ إلى سبب بعثه على المقام المحمود. وفيه: رمز إلى تسميته محمداً؛ فإنه محمد في الدنيا، محمود في الآخرة. والرواية في: ((لاَ أَقْدِرُ عَلَيْهِ [الآنَ]، يُلْهِمُنِيهِ)) بتوحيد الضمير الراجع إلى الحمد الدال عليه (المحامد)، وتوحيدُه إيماءٌ إلى أنه لا يقدر على تحميدٍ واحدٍ بدون إلهامه تعالى، فكيف بالمحامد؟ كما قيل مثله في قوله تعالى: ﴿فَإِن طِبْنَ لَكُمْ عَن شَىْءٍ مِنْهُ نَفْسًا﴾ [النساء: ٤] الآية، في توحيد الضمير في ﴿منه﴾ الراجع إلى الصدقات، فإنه يرجع إلى بعضها. ويحتمل أن يرجع إلى التحميد الدال عليه لفظ: (فَأَحْمَدُهُ)، وهو أحسن. (١) في الأصل: ((أمر)). ٤١٢ وفيه - أيضاً - ذلك الإيماء مع الزيادة؛ لأنه لا دلالة فيه على العدد، وهو أوفى [في] تأدية الغرض. والرابع: في قوله: (فَأَنْطَلِقُ، فَأَسْتَأْذِنُ عَلَى رَبِّي) وفي حديث أبي هريرة: ((فَآَتِي تَحْتَ العَرْشِ، فَأَقَعُ سَاجِداً)، وبمجموع الحدیثین يتم المعنى؛ إذ من حديث أبي هريرة يُعلم أن الاستئذان كان للدخول تحت العرش، وهي جنة الفردوس التي هي أوسط الجنة، وأعلى الجنة، وفوقها عرشُ الرحمن؛ كما جاء في الأحاديث؛ فإن في دخول ذلك المقام الكريم، والوصول إلى تلك الدار النعيم، لابد من طلب إذن من الخَزَنة، فذكر الإذن، وما يترتب عليه من رعاية آداب الحضرة العَلِيَّة . وفي حديث أنس معنى هذا الحديث، فالمراد من الاستئذان: هو استئذان الدخول إلى موضع المناجاة، وهي جنة الفردوس، وأطلق النبي - عليه السلام - ذلك؛ لكونه معلوماً، وأومأ إلى إيراد لفظة (عَلَى)؛ حيث قال: (أَسْتَأْذِنُ عَلَى رَبِّي) من أن الاستئذان مما يكون من الخَزَنة لأجل الوصول إلى مقام المناجاة، وعرض الحاجة على الرب، كما ذكرنا في حديث المعراج في قوله: ((فلم أزلْ أراجع بين موسى وبين [ربي])): أن المراد: المراجعة إلى موضع المناجاة. والعَرْشُ: الرفعُ في الأصل، ومنه قوله: ﴿جَنَاتٍ مَّعُْ وشَتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشَتٍ﴾ [الأنعام: ١٤١]؛ أي: مرفوعات البنيان. وقيل للسرير، وسقف البيت: عرش، ويقال: لما يستظل به: ٤١٣ عرش، وعريش. والإضافة إلى الله تعالى على جهة الملك والتشريف؛ كما في: بيت الله تعالى، وناقة الله، وغير ذلك؛ لا أن الله استقر عليه، واستظلَّ به، كما يتوهّم بعضُ الجهال من الاستقرار؛ فإن ذلك على الله تعالى مُحال، ولا يُفهم من الاستئذان والدخول بعده الإحاطةُ بجانب من الجوانب، والاطلاع على من يخاطبه كما يكون بين المخلوقات؛ فإن ذلك محال على الله تعالى، فإنه منزه عن الجسمية ولواحقها، بل الرؤية والتكلم وما جرى مجرى ذلك واقعةٌ بلا كيف وبلا تشبيه، كما هو المقرر، وكل من ظن غيره، فهو جاهل بصفات الله تعالى، خارج عن سلك التمييز. وما ذكره القاضي عياض من أن الاستئذان للشفاعة، وقوله: (فأذن)(١) المراد: حصول الإذن فيها، ويخالف سياق الحديث، بل الموافق له ما ذكرنا، يُعلم بأدنی تأمل. والرابع: في (فَأَخْرِجْهُ مِنْهَا) هذه اللفظة واقعة في ثلاثة مواضع في الأخريين: (فَأَخْرِجْهُ) بتوحيد الضمير الحسي الراجع إلى النبي - عليه السلام - في رواية الأصول، وأما الموضع الأول، ففي بعضها كذلك، وفي بعضها: (فَأَخْرَجُوهُ) على الجمع، والضمير للنبي والملائكة - عليهم السلام -. وفي بعضها: (فَأَخْرَجُوا) - بدون هاء -، وهو مثل الأول؛ لأن (١) في رواية الباب: ((فيؤذن)). ٤١٤ ضمير المفعول يحذف كثيراً شائعاً. وفي هذه الرواية إيماءٌ إلى أن الملائكة إنما يشفعون مع النبي - عليه السلام -، ويخرجون قوماً من أهل النار بشفاعتهم معه في المرة الأولى، وأما في المرتين الأخريين، فالشفاعة له وحده، والإخراج مفوّضٌ إليه لا غيرِ وَّهِ. والخامس: في قوله: (هَذَا حَدِيثُ أَنَسٍ) هذا من كلام معبد بن هلال، والمعنى: انطلقت مع ثابت إلى أنس، فحدَّثَنا هذا الحديث. (ثم خَرَجْنَا مِنْ عِنْدِهِ، فلمَّا وصَلْنَا الجَبَّان) - بفتح الجيم وتشديد الباء -: الصحراء، والجَبَّانةُ مثله، والمراد - هاهنا -: المقابر، سميت بها؛ لأنها تكون في الصحراء، ويحتمل أن يريد - هاهنا -: الصحراء، والمعنى: فلما وصلنا ظاهر الصحراء، وخرجنا من العمران، وقد علمنا أن الحسن البصري كان مختفياً من الحجاج بن يوسف الجائر هاهنا في دار أبي خليفة، ((فقُلْنا: لو مِلْنَا إِلَيهِ))؛ يعني: لو ذهبنا إليه فسلَّمنا عليه، فدخلنا عليه، وذكرنا له ما حَدَّثناه أنسٌ، فنسمع الحديث، ثم قال: (تَركَ شيئاً مِنْهُ)؛ إِمَّا لأجل النسيان بطول العهد من سماعه، وإِمَّا لأجل تشويش الخاطر وتفريقه بسبب ظهور الفتن في الزمان، فأشار إلى الأول بقوله: (مَا أَدْرِي أَنَسِيَ الشَّيْخُ)، وإلى الثاني بقوله: (وَهُوَ يَوْمَئِذٍ جَمِيعٌ)؛ أي: مجتمع الخاطر، فارغ البال، ثم ذكر أنه لعله ترك قصداً مع حفظه ذلك؛ لئلا يتكلوا عليه؛ لأن فيه دلالةً على أن الله تعالى يُخْرِج بكمال رحمته وغاية رأفته جميعَ من قال: ٤١٥ لا إله إلا الله، كما مَرَّ في الباب المتقدم من قوله: ((شَفَعَتِ المَلاَئِكَةُ، وَشَفَعَ النَّبِيُّونَ، وَشَفَعَ المُؤْمِنُونَ، وَلَمْ يَبْقَ إِلاَّ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ)). وفي سماع [الحسن](١) لحديثِ [أنسٍ](٢) أولاً منهم، من غير أن يذكر هو الحديثَ، أدبٌ، وطلبٌ للزيادة في الحديث، فلما سمع منهم بعضَ ما سمع من أنس، وسألهم: هل(٣) اكتفى بهذا القدر؟ ذكر أنه حدثه منذ مدة بتمامه، وذكر البقية لهم. * وقوله: «هِئْهِ» ۔ بکسر الهاء وسكون الياء، وقد تكسر الهاء الثانية، وقد تُنوّن، وقد تُسكن وقفاً -، والمراد منه: طلب الاستزادة في الحديث والعمل، وفي معناه (إِيهِ) بهمزة بدل الهاء، والهاء الثانية كالتي في (هيه) في الأحوال. قال ابن السِّكِّيت: فإن وصلتَ، نوَّنْتَ، فقلتَ: إِيهِ حَدِّثْنا. وقال ابن السَّريِّ: إذا قلت: إيهٍ، فإنما تأمره بأن يزيدك من الحديث المعهود، وإذا نَوَّنْتَ، فقد أمرتَهُ بأن يزيدك حديثاً ما؛ لأن التنوین للتنکیر. وبالجملة: يستعمل في طلب الزيادة من الشيء، وبيان الحرص على السّماع. (١) بياض في الأصل. (٢) بياض في الأصل. (٣) في الأصل: ((سأل عنهم أنه)). ٤١٦ وفي ضحك الحسن، وقراءة قوله تعالى: ﴿ خُلِقَ الْإِنسَانُ مِنْ عَجَلٍ﴾ [الأنبياء: ٣٧] إيماءٌ إلى أنه لما رأى حرصهم على الحديث، أعجبه ذلك، وصار ذلك مستحسناً عنده، فضحك، ثم أومأ إلى أن الواجب في الحكمة: التوقفُ والتثبتُ، وتركُ التعجُّل في السؤال؛ لیری ما يوجد من صاحب المجلس؛ كما يحكى عن لقمان: أنه دخل على داود - عليه السلام - وهو يسرد الدرع، فلما فرغ منه، خطر بخاطره السؤال عنها، ثم أدركته الحكمة، فصمت، فلما صبر ساعة، لبسها داود - عليه السلام -، وقال: نِعْمَ لَبَوسُ الحربِ أنتِ، فعلم لقمان أنه لباسُ الحرب، فقال: الصمتُ خيرٌ، وقليلٌ فاعلُه، ثم أخبر داود ما خطر بباله، وما عزم عليه، فقال داود - عليه السلام -: لأمرٍ ما قيل لك: حكيم. والرواية في (جِبْرِيَائِي) - کسر الجيم والراء وسكون الموحدة -، ومعناه: بجبروتي، والجَبَّار: العظيمُ الشأن، الممتنعُ ممن يرومه، ومنه: نخلة جبّارة: إذا فاتت الأيدي طولاً، يقال منه: جبار بَيِّنُ الجبرية، والجبروية، والجبورة، ولم يأت فَعَّال من أفعلت إلاَّ جَبَّار، ودَرَّاك، ويَسَّار، والجبروت - أيضاً - مبالغة بزيادة التاء؛ مثل: ملكوت، ورحموت، ورهبوت، من الملك والرحمة والرهبة، و(جِبْرِيَائِي) هاهنا المطابقة (كِبْرِيَائِي)؛ كما قال: هو يأتينا بِالغَدَايَا وَالعَشَايَا. وقيل: في معنى الجبار: المصلح، من قولهم: جَبَرْتُ العظمَ، وذلك لأنه يقال: يجبر القلوب المنكسرة، ويرحم عباده، فيكون ٤١٧ بمعنى المحسِن. * وقوله: (فَأَشْهَدُ عَلَى الحَسَنِ) تأكيد لسماعه منه، والغرض: زيادة التمكين في قلب السامع، وأنه وإن لم يسمع من أنس بن مالك، فقد سمع من الحسن: أنه قال: حدثنا أنس، فيكون سماع أول الحديث إلى هذه الزيادة من أنس بلا واسطة، وهذه الرواية منه بواسطة الحسن. ٥٠١ _ (١٩٤ / ٣٢٧) - حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَمُحَمَّدُ ابْنُ عَبْدِاللهِ بْنِ نُمَيْرٍ - وَاتَّفَقَا فِي سِيَاقِ الحَدِيثِ، إِلَّ مَا يَزِيدُ أَحَدُهُمَا مِنَ الحَرْفِ بَعْدَ الحَرْفِ -، قَالاَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرِ، حَدَّثَنَا أَبُو ےے حَيَّانَ، عَنْ أَبِي زُرْعَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: أُنِيَ رَسُولُ اللهِ،وَهِ يَوْماً بِلَحْمٍ، فَرُفِعَ إِلَيْهِ الذِّرَاعُ، وَكَانَتْ تُعْجِبُهُ، فَنَهَسَ مِنْهَا نَهْسَةً، فَقَالَ: (أَنَا سَيِّدُ النَّاسِ يَوْمَ الِيَامَةِ، وَهَلْ تَدْرُونَ بِمَ ذَاكَ؟ يَجْمَعُ اللهُ يَوْمَ القِيَامَةِ الأَوَّلِينَ وَالآخِرِينَ فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ، فَيُسْمِعُهُمُ الدَّاعِي، وَيَنْفُذُهُمُ البَصَرُ، وَتَذْنُو الشَّمْسُ، فَبْلُغُ النَّاسَ مِنَ الغَمِّ وَالكَرْبِ مَا لاَ يُطِيقُونَ، وَمَا لاَ يَحْتَمِلُونَ، فَيَقُولُ بَعْضُ النَّاسِ لِبَعْضٍ: أَلاَ تَرَوْنَ مَا أَنْتُمْ فِيهِ؟ أَلاَ تَرَوْنَ مَا قَدْ بَلَغَكُمْ؟ أَلاَ تَنْظُرُونَ مَنْ يَشْفَعُ لَكُمْ إِلَى رَبِكُمْ؟ فَقُولُ بَعْضُ النَّاسِ لِبَعْضٍ: اثْتُوا آدَمَ، فَيَأْتُونَ آدَمَ، فَيَقُولُونَ: يَا آدَمُ! أَنْتَ أَبُو البَشَرِ، خَلَقَكَ اللهُ بِيَدِهِ، وَنَفَخَ فِيكَ مِنْ رُوحِهِ، وَأَمَرَ ٤١٨ المَلائِكَةَ فَسَجَدُوا لَكَ، اشْفَعْ لَنَا إِلَى رَبِّكَ، أَلاَ تَرَى إِلَى مَا نَحْنُ فِيهِ؟ أَلاَ تَرَى إِلَى مَا قَدْ بَلَغَنَا؟ فَيَقُولُ آدَمُ: إِنَّ رَبِّي غَضِبَ اليَوْمَ غَضَباً لَمْ يَغْضَبْ قَبْلَهُ مِثْلَهُ، وَلَنْ يَغْضَبَ بَعْدَهُ مِثْلَهُ، وَإِنَّهُ نَهَانِي عَنِ الشَّجَرَةِ، فَعَصَيْتُهُ، نَفْسِي نَفْسِي، اذْهَبُوا إِلَى غَيْرِي، اذْهَبُوا إِلَى نُوحٍ، فَيَأْتُونَ نُوحاً، فَيَقُولُونَ: يَا نُوحُ! أَنْتَ أَوَّلُ الرُّسُلِ إِلَى الأَرْضِ، وَسَمَّاكَ اللهُ عَبْداً شَكُوراً، اشْفَعْ لَنَا إِلَى رَبِّكَ، أَلاَ تَرَى مَا نَحْنُ فِيهِ؟ أَلاَ تَرَى مَا قَدْ بَلَغَنَا؟ فَيَقُولُ لَهُمْ: إِنَّ رَبِّي قَدْ غَضِبَ الْيَوْمَ غَضَباً لَمْ يَغْضَبْ قَبْلَهُ مِثْلَهُ، وَلَنْ يَغْضَبَ بَعْدَهُ مِثْلَهُ، وَإِنَّهُ قَدْ كَانَتْ لِي دَعْوَةٌ دَعَوْتُ بِهَا عَلَى قَوْمِي، نَفْسِي نَفْسِيٍ، اذْهَبُوا إِلَى إِبْرَاهِيمَ. فَيَأْتُونَ إِبْرَاهِيمَ، فَيَقُولُونَ: أَنْتَ نَبِيُّ اللهِ وَخَلِيلُهُ مِنْ أَهْلِ الأَرْضِ، اشْفَعْ لَنَا إِلَى رَبِّكَ، أَلَ تَرَى إِلَى مَا نَحْنُ فِيهِ؟ أَلاَ تَرَى إِلَى مَا قَدْ بَلَغَنَ؟ فَيَقُولُ لَهُمْ إِبْرَاهِيمُ: إِنَّ رَبِّي قَدْ غَضِبَ اليَوْمَ غَضَباً لَمْ يَغْضَبْ قَبْلَهُ مِثْلَهُ، وَلاَ يَغْضَبُ بَعْدَهُ مِثْلَهُ، وَذَكَرَ كَذَبَائِهِ، نَفْسِي نَفْسِي، اذْهَبُوا إِلَى غَيْرِي، اذْهَبُوا إِلَى مُوسَى، فَيَأْتُونَ مُوسَى، فَيَقُولُونَ: يَا مُوسَى! أَنْتَ رَسُولُ اللهِ، فَضَّلَكَ اللهُ بِرِسَالاَتِهِ وَبِتَكْلِيمِهِ عَلَى النَّاسِ، اشْفَعْ لَنَا إِلَى رَبِّكَ، أَ تَرَى إِلَى مَا نَحْنُ فِيهِ؟ أَلَا تَرَى مَا قَدْ بَلَغَنَا؟ فَيَقُولُ لَهُمْ مُوسَى: إِنَّ رَبِّي قَدْ غَضِبَ اليَوْمَ غَضَباً لَمْ يَغْضَبْ قَبْلَهُ مِثْلَهُ، وَلَنْ يَغْضَبَ بَعْدَهُ مِثْلَهُ، وَإِنِّي قَلْتُ نَفْساً لَمْ أُومَرْ بِقَتْلِهَا، نَفْسِي نَفْسِي، اذْهَبُوا إِلَى عِيسَى، فَيَأْتُونَ عِيسَى، فَيَقُولُونَ: يَا عِيسَى! أَنْتَ رَسُولُ اللهِ، وَكَلَّمْتَ النَّاسَ فِي المَهْدِ، وَكَلِمَةٌ مِنْهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ، وَرُوحٌ مِنْهُ، فَاشْفَعْ لَنَا ٤١٩ إِلَى رَبِّكَ، أَلاَ تَرَى مَا نَحْنُ فِيهِ؟ أَلاَ تَرَى مَا قَدْ بَلَغَنَا؟ فَيَقُولُ لَهُمْ عِيسَى: إِنَّ رَبِّي قَدْ غَضِبَ اليَوْمَ غَضَباً لَمْ يَغْضَبْ قَبْلَهُ مِثْلَهُ، وَلَنْ يَغْضَبَ بَعْدَهُ مِثْلَهُ، - وَلَمْ يَذْكُرْ لَهُ ذَنْباً -، نَفْسِي نَفْسِي، اذْهَبُوا إِلَى غَيْرِي، اذْهَبُوا إِلَى مُحَمَّدٍ وَهَ، فَيَأْتُونِّي فَيَقُولُونَ: يَا مُحَمَّدُ! أَنْتَ رَسُولُ اللهِ وَخَاتَمُ الأَنْبِيَاءِ، وَغَفَرَ اللهُ لَكَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ، اشْفَعْ لَنَا إِلَى رَبِّكَ، أَ تَرَى مَا نَحْنُ فِيهِ؟ أَلاَ تَرَى مَا قَدْ بَلَغَنَا؟ فَنْطَلِقُ فَتِي تَحْتَ العَرْشِ، فَأَقَعُ سَاجِداً لِرَبِّي، ثُمَّ يَفْتَحُ اللهُ عَلَيَّ وَيُلْهِمُّنِي مِنْ مَحَامِدِهِ وَحُسْنِ الثَّاءِ عَلَيْهِ شَيْئاً لَمْ يَفْتَحْهُ لِأَحَدٍ قَبْلِي، ثُمَّ يُقَالُ: يَا مُحَمَّدُ! ارْفَعْ رَأْسَكَ، سَلْ تُعْطَةْ، اشْفَعْ تُشَفَّعْ. فَأَرْفَعُ رَأْسِي، فَأَقُولُ: يَا رَبٌّ! أُمَّتِي أُمَّتِي، فَيَّقَالُ: بَا مُحَمَّدًا أَدْخِلِ الجَنَّةَ مِنْ أُمَّتِكَ مَنْ لاَ حِسَابَ عَلَيْهِ مِنَ الْبَابِ الأَئِمَنِ مِنْ أَبْوَابِ الجَنَّةِ، وَهُمْ شُرَّكَاءُ النَّاسِ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ مِنَ الأَبْوَابِ، وَالَّذِي نَفْسٌ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ! إِنَّ مَا بَيْنَ المِصْرَاعَيْنِ مِنْ مَصَارِيعِ الجَنَّةِ لَكَمَا بَيْنَ مَكَّةَ وَهَجَرٍ، أَوْكَمَا بَيْنَ مَكَّةَ وَبُصْرَى)). ٥٠٢ - (١٩٤ / ٣٢٨) - وَحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ عُمَارَةَ بْنِ القَعْقَاعِ، عَنْ أَبِي زُرْعَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: وُضِعَتْ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللهِ﴿ قَصْعَةٌ مِنْ ثَرِيدٍ وَلَحْمٍ، فَتَنَاوَلَ الذِّرَاعَ، وَكَانَتْ أَحَبَّ الشَّاةِ إِلَيْهِ، فَنَهَسَ نَهْسَةً، فَقَالَ: ((أَنَ سَيِّدُ النَّاسِ ٤٢٠