Indexed OCR Text

Pages 321-340

وعنه حيوة بن شریح، ويزيد بن أبي مريم، ومفضل، وخلق.
وَثَّقَهُ النسائي، وأخرج له الستة.
وقال أبو حاتم: لا بأس به.
توفي سنة تسع وثلاثين ومئة.
وأما (شيخه)، فهو أبو العلاء سعيد بن أبي هلال الليثيُّ
مولاهم، المدنيُّ، ثم المصريُّ، أحدُ المشاهير المكثرين عن نافع،
ونعيمِ المُجْمِرِ، والزهري، وخلائق، وأرسل عن جابر وغيره، وأخرج
له الستة .
قال أبو حاتم: لا بأس به .
توفي سنة ثلاث وثلاثين ومئة.
وأما (هشام) في الإسناد الآخر، فهو أبو عباد هشام بن سعد
المدنيُّ، يقال له: یتیم زیدِ بنِ أسلم.
روى عن زيد فأكثرَ، وعن نافع، ونعيمِ المجمرِ، وسعيد المقبريِّ،
وجماعة.
وعنه الليث، ووكيع، وعبد الرحمن بن مهدي، وطائفة.
أخرج له الخمسة، والبخاري تعليقاً.
قال أحمد: لم يكن بالحافظ، ولا مُحكّم الحديث.
وقال ابن معين : ضعيف.
وقال أبو حاتم: لا يحتج به.
٣٢١

وقال النسائي : ضعيف.
وقال أبو زرعة: شيخ محلُّه الصدق.
وقال أبو داود: هو أثبتُ الناس في زيد بن أسلم.
وقال ابن عدي: مع ضَعْفِهِ یکتب حدیثه.
قيل : توفي سنة ستین ومئة.
وغرض مسلم من هذه المتابعات: التأكيد لرواية حفص بن
ميسرة، وذكر التفاوت بين روايته، وبين رواية سعيد بن أبي هلال؛
فإن الروايتين متفقتان على قوله: ((بِغَيْرِ عَمَلٍ عَمِلُوهُ))، ثم في رواية
حفص بعده: ((وَلَاَ خَيْرِ قَدَّمُوهُ)) إلى آخره، على ما في الكتاب، وفي
رواية سعيد بن أبي هلال: ((وَلاَ قَدَم قَدَّمُوهُ) بدل: ((وَلاَ خَيْرِ قَدَّمُوهُ))،
(فَيْقَالُ لَهُمْ: لَكُمْ مَا رَأَيْتُمْ، وَمِثْلُهُ مَعَهُ)) مع قوله: ((قَالَ أَبُو سَعِيدٍ:
بَلَغَنِي أَنَّ الجِسْرَ [أَدَقُّ مِنَ الشَّعْرَةِ، وَآأَحَدُّ مِنَ السَّيْفِ))، وليس في
رواية بعضٍ هذه الزيادة، وفيها قوله: ((فَيَقُولُونَ: رَبَّنَا! أَعْطَيْتَنَا مَا لَمْ
تُعْطِ أَحَداً) إلى آخر الحديث، وليس في رواية سعيد بن أبي هلال
ذلك، فيكون التفاوت بين الروايتين جميعاً؛ فإن في كل واحدة زيادةً
ليست في الأخرى، وفيهما تبديل لفظ (قَدَم) بدل (خَيْر).
وربما يعترض على قوله: (وَزَادَ بَعْدَ قَوْلِهِ: بِغَيْرِ عَمَلٍ عَمِلُوهُ،
وَلاَ قَدَمٍ قَدَّمُوهُ): أن قوله: (وَلاَ قَدَم) لا يصلح أن يكون حكاية رواية
حفص؛ لأن في روايته: (وَلَاَ خَيْرِ قَدَّمُوهُ)، ولا يصلح أن يكون من
٣٢٢

الزيادة التي في رواية سعيد؛ لأن في روايته جاءت هذه الكلمة بدل
(خَيْر) في رواية حفص، وليست زيادة، وإنما الزيادة قوله: (فَيُقَالُ
لَهُمْ) إلى آخره.
ويجاب: بأن المراد بيان موضع الزيادة، ولا يمكن البيان مع
الاختصار إلا بهذا الطريق، وأنه لو قال: وذكر بدل قوله: (وَلَاَ خَيْرِ
قَدَّمُوهُ)، (وَلاَ قَدَم قَدَّمُوهُ)، وزاد: (فيقال ... ) إلى آخره، لكان
تطويلاً، مع أن المقصود ظاهر.
وإنما أطنب الكلام بقوله: قرأت هذا الحديث على عيسى،
وقلت له كذا، ثم كرر، وقال: (قُلْتُ لِعِيسَى)، بعد قوله: (وَقُلْتُ
لَهُ)، وزاد في الآخر: (فَأَقَرَّ بِهِ عِيسَى بْنُ حَمَّادٍ)، مع أن بيان هذه
المتابعة يمكن بأقصر طريق على ما هو دأبه في سائر المتابعات؛ إيماءً
إلى أنه حديث جليل المقدار؛ لأنه مناط الأمر وملاكه في الآخرة،
فيجب الاعتناء بشأنه، والفحص عن مظانِّه، وأومأ إلى هذا - أيضاً -
بقوله: (هَذَا الحَدِيثَ فِي الشَّفَاعَةِ)، وفي هذا الأمر - أيضاً - إرشادٌ إلى
كيفية أخذ الحديث من الثقات، وبيان لِمَا كانوا عليه من التتبع
والفحص.
ثم أورد متابعة أخرى تأكيداً على تأكيده، وذكر أن هشام بن سعد
يروي - أيضاً - عن زيد بن أسلم، وإسنادهما - يعني: بإسناد حفص بن
ميسرة، وسعيد بن أبي هلال - نحو حديث حفص، والغرض: أن
هشام بن سعد يروي عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن أبي
٣٢٣

سعيد الخدري؛ كما يروي حفص وسعيد، فيكون إسناد هشام بن
سعد، عن زيد بن أسلم إلى النبي - عليه السلام - مثلَ إسناد حفص بن
میسرة، ومتنُ حدیثه مثل حدیث حفص، فیکون قد روی عن زید بن
أسلم ثلاثة : حفص، وسعيد، وهشام.
ثم أورد رواية عمر بن يحيى بن عمارة، عن أبيه، عن أبي
سعيد، ثم رواية أبي نضرة، عن أبي سعيد، فأكد الحديث بهذه
الروايات؛ إشعاراً على أنه مما يجب المحافظة عليه، والاعتناء بشأنه،
مع أن في كل واحد من الروايات فوائد من زيادة وتغيير، يستنبط منها
حکم، ویبین بها خفي .
*
٤٧٥ - (١٨٤ / ٣٠٤) - وَحَدَّثَنِي هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الأَيْلِي، حَدَّثَنَا
ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: أَخْبَرَتِي مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ يَخْبَى بْنِ عُمَارَةً،
قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِيٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَلْ قَالَ:
(يُدْخِلُ اللهُ أَهْلَ الجَنَّةِ الجَنَّةَ، يُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ بِرَحْمَتَهِ، وَيُدْخِلُ أَهْلَ
النَّارِ النَّارَ، ثُمَّ يَقُولُ: انْظُرُوا مَنْ وَجَدْتُمْ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ
خَرْدَلٍ مِنْ إِيمَانٍ، فَأَخْرِ جُوهُ، فَيُخْرَجُونَ مِنْهَا حُمَماً قَدِ امْتَحَشُوا،
فَيُلْقَوْنَ فِي نَهْرِ الحَيَاةِ، أَوِ الحَيَا، فَيَتْبُونَ فِيهِ كَمَا تَنْبُتُ الحِبَّةُ إِلَى
جَانِبِ السَّيْلِ، أَلَمْ تَرَوْهَا كَيْفَ تَخْرُجُ صَفْرَاءَ مُلْتَوِيَةً؟» .
٤٧٦ - (١٨٤ / ٣٠٥) - وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا
٣٢٤

عَفَّانُ، حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ ح، وَحَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ الشَّاعِرِ، حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ
عَوْنٍ، أَخْبَرَنَاَ خَالِدٌ كِلاَهُمَا، عَنْ عَمْرِو بْنِ يَحْيَى بِهَذَا الإِسْنَادِ،
وَقَالاَ: ((فَيُلْقَوْنَ فِي نَهْرٍ يُقَالُ لَهُ: الحَيَاءُ)، وَلَمْ يَشُكّا.
وَفِي حَدِيثٍ خَالِدٍ: ((كَمَا تَنْبُتُ الغُثَاءَةُ فِي جَانِبِ السَّيْلِ)).
وَفِي حَدِيثٍ وُهَيْبٍ: (كَمَا تَنْبُتُ الحِبَّةُ فِي حَمِثَةٍ، أَوْ حَمِيلَةِ
السَّيْلِ».
الحديث الخامس: حديثُ أبي سعيد - أيضاً -: أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَل
قَالَ: ((يُدْخِلُ اللهُ أَهْلَ الجَنَّةِ الجَنَّةَ، يُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ بِرَحْمَتَهِ، وَيُدْخِلُ
أَهْلَ النَّارِ النَّارَ، ثُمَّ يَقُولُ: انْظُرُوا مَنْ وَجَدْتُمْ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالَ حَبَةٍ مِنْ
خَرْدَلٍ مِنْ إِيمَانٍ، فَأَخْرِجُوهُ، فَيُخْرَجُونَ مِنْهَا حُمَماً قَدِ امْتَحَشُوا،
فَيُلْقَوْنَ فِي نَهْرِ الحَيَاةِ، أَوِ الحَيَا، فَيَنْبُونَ فِيهِ كَمَا تَنْبُتُ الحِبَّةُ إِلَى جَانِبٍ
السَّيْلِ، أَلَمْ تَرَوْهَا كَيْفَ تَخْرُجُ صَفْرَاءَ مُلْتَوِيَةً؟».
وفي رواية: ((فَيُلْقَوْنَ فِي نَهْرِ يُقَالُ لَهُ: الحَيَاةُ)) بلا شك. أخرجه
البخاري.
وهذا الحديث والذي قبله في الحقيقة روايات الحديث السابق
باختصار، وإنما جعلنا كل واحدة منهما حديثاً برأسه؛ اقتداء بالقوم،
وكأن كُلاّ منهما زيادة.
وقد سلف ـ في أوّل الكتاب -: أن الزيادة المحتاج إليها من حديث
بمنزلة حديث على حدة.
إذا عرفت هذا، فالكلام عليه في مواضع.
٣٢٥

الأول: التعريف برواته سوى ما سلف:
عمرو، وأبو عمر، وآخر.
وأمّا (عمرو)، فهو أبو يحيى بن عمارة بن أبي حسن الأنصاري،
ابن بنت عبدالله بن زید بن عاصم.
عن أبيه، وعباد بن تميم، والأعرج، وخلائق.
وعنه يحيى بن سعيد الأنصاري، ويحيى بن أبي كثير، وهما من
أقرانه، وابن جريج، والسفيانان، والحمادان، وآخرون.
وَثَّقَهُ أبو حاتم، والنسائي، وأخرج له الستة.
وأمّا (أبوه)، فهو يحيى بن عمارة.
عن عبدالله بن زيد بن عاصم، وشُقران، وأنس بن مالك، وجماعة.
وعنه الزهري، ومحمد بن يحيى بن حبان، وعمارة بن غزية،
وخلق.
وَثَّقَهُ النسائي، وابن خراش، وأخرج له الستة.
وأمّا (عمرو) في الإسناد الآخر، فهو أبو عثمان عمرو بن عدي
ابن أويس بن الجعد السّلميُّ، أحدُ الحفاظ.
عن عبد العزيز الماجشون، وحماد بن سلمة، وشريك، وجماعة.
وعنه البخاري، وأبو داود، وابن معين، وخلق.
وَثَّقَهُ ابن معين، وأطنب في الثناء عليه، وأخرج له الستة، وقال
أبو زرعة: قلَّ من رأيت أثبتَ منه.
٣٢٦

قيل: توفي بواسط سنة خمس وعشرين ومئتين.
الثاني: في الشك في قول: ((نَهْرِ الحَيَاةِ، أَوِ الحَيَا)) هكذا وقعت
الرواية بالشك، وذكر البخاري: أن الشك من مالك، ثم أورد رواية
وهب بلا شك، كما أورد في الكتاب روايته مع حجاج بن الشاعر، إلا
أن البخاري - رحمه الله - نبّه بأنّ في رواية مالك: ((مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ
خَرْدَلٍ مِنْ إِيمَانٍ)»، وفي رواية وهيب: ((مِنْ خَیْرْ) بدل ((إِیمَانٍ))، ولیس
في مسلم هذه النسبة، وفيه النسبة على أن من رواية حجاج ((الغُثَاءَةُ)
بدل (الحبة) في رواية، وفي رواية وهب ((فِي حَمِئَةٍ، أَوْ حَمِيلَةِ السَّيْل)»
بدل ((جَانِبِ السَّيْلِ)) في رواية مالك، وليس في ((البخاري)) هذا.
ثم (الحَيَا) مقصورٌ في الرواية، والمراد منه: المطر، سمي
حیاة؛ لأنه يُحيي الأرض.
و(الحِبَّةُ) - بكسر الحاء -: بزر البقول والعشب التي تنبت في البَرّ
وجوانب السيول، وبالفتح من الحنطة، وغيرهما مما يزرع.
و(الغُثَاءَةُ) - بضم الغين المعجمة والتاء المثلثة المخففة وبالمد
وآخرها هاء -: كل ما جاء به السّيل مما بَلِيَ واسودَّ من العيدان والورق
وغيرهما. والغُنَّاء - بالتشديد - مثله، قال امرؤ القيس:
كَأَنَّ ذُرَى رَأْسِ المُجَيْمِرِ غُذْوَةً
مِنَ السَّيلِ والغُثَّاءِ فَلْكَةُ مِغْزَلٍ
٣٢٧

والرواية في غير مسلم: ((كَمَا تَنْبُتُ الحِبَّةُ فِى غُثَاءِ السَّيْلِ))، وهو
ظاهر، وأمّا رواية الكتاب، فقيل: المراد: ما احتمله السّيلُ من البزور،
وهذا حَسنٌ.
قال في ((القاموس)): الغثاء: ما على وجه الأرض من فُتَات الأشياء.
ويحتمل أن يراد بالغثاءة: النبات الضعيف الذي ينبت أوَّلاً، فإن
الغثاءة في الحقيقة ما اسودّ وبلي من حميل السيل، فشبّه النبات
الخارج من الأرض أولاً به؛ لأن كل واحد منها يُرى أسود على وجه
الأرض، غير مرتفع عنه، وإن النبات قبل أن يعلو عن وجه الأرض
يرى من بعيد أسود الموضع سواداً ضعيفاً مائلاً إلى الصفرة، كما
أن موضع الغثاءة من الأرض - أيضاً - كتلك، ويستعمل كل واحد
منهما في موضع الآخر، قال الله: ﴿وَاَلَّذِىّ أَخْرَجَ الْعَىِ ن فَجَعَلَهُ غُثَ
أَحْوَى﴾ [الأعلى: ٤ - ٥] الآية، وروى السمر قندي: (القثاة) - بالقاف -،
وهو تصحيف.
والحَمِئَةُ - بفتح الحاء وكسر الميم ثم همزة مفتوحة -: الطين
الأسود الذي يكون في جوانب النهر، والعين، ﴿وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِى عَيْنٍ
حَمِئَةٍ﴾ [الكهف: ٨٦]، والشك في قوله: (فِي حَمِئَةٍ، أَوْ حَمِيلَةِ السَّيْلِ)
من الراوي.
٤٧٧ - (١٨٥ / ٣٠٦) - وَحَدَّثَنِي نَصْرُ بْنُ عَلِيِّ الْجَهْضَمِيُّ، حَدَّثَنَا
بِشْرٌ - يَعْنِي: ابْنَ الْمُفَضَّلِ -، عَنْ أَبِي مَسْلَمَةَ، عَنْ أَبِ نَضْرَةَ، عَنْ
٣٢٨

أَبِ سَعِيدٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِّهِ: ((أَمَّا أَهْلُ النَّارِ الَّذِينَ هُمْ أَهْلُهَا،
فَإِنَّهُمْ لاَ يَمُوتُونَ فِيهَا، وَلاَ يَحْيَوْنَ، وَلَكِنْ نَاسٌ أَصَابَتْهُمُ النَّارُ بِذُنُوبِهِمْ
- أَوْ قَالَ: بِخَطَايَاهُمْ -، فَأَمَاتَهُمْ إِمَاتَّةً، حَتَّى إِذَا كَانُوا فَحْماً، أُذِنَ
بِالشَّفَاعَةِ، فَجِيءَ بِهِمْ ضَبَائِرَ ضَبَائِرَ، فَبُِّوا عَلَى أَنّهَارِ الجَنَّةِ، ثُمَّ قِيلَ:
يَا أَهْلَ الجَنَّةِ! أَفِيضُوا عَلَيْهِمْ، فَيَتْبُونَ نَبَاتَ الحِبَّةِ تَكُونُ فِي حَمِيلٍ
السَّيْلِ)». فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ القَوْمِ: كَأَنَّ رَسُولَ اللهِّهِ قَدْ كَانَ بِالْبَادِيَةِ.
٤٧٨ - (١٨٥ / ٣٠٧) - وَحَدَّثَنَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارِ،
قَالاَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي مَسْلَمَةَ، قَالَ:
سَمِعْتُ أَبَا نَضْرَةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، عَنِ النَّبِيِّ وَّهُ بِمِثْلِهِ إِلَى
قَوْلِهِ: ((فِي حَمِيلِ السَّيْلِ)). وَلَمْ يَذْكُرْ مَا بَعْدَهُ.
الحديث السادس: حديثهُ - أيضاً -، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ◌َتْ:
((أَمَّا أَهْلُ النَّارِ الَّذِينَ هُمْ أَهْلُهَا، فَإِنَّهُمْ لاَ يَمُوتُونَ فِيهَا وَلاَ يَحْيَوْنَ،
وَلَكِنْ نَاسٌ أَصَابَتْهُمُ النَّارُ بِذُنُوبِهِمْ - أَوْ قَالَ: بِخَطَايَاهُمْ -، فَأَمَاتَهُمْ
إِمَاتَةً، حَتَّى إِذَا كَانُوا فَحْماً، أُذِنَ بِالشَّفَاعَةِ، فَجِيءَ بِهِمْ ضَبَائِرَ
ضَبَائِرَ، فَبُّوا عَلَى أَنْهَارِ الجَنَّةِ، ثُمَّ قِيلَ: يَا أَهْلَ الجَنَّةِ! أَفِيضُوا عَلَيْهِمْ،
فَيَنْبُونَ نَبَاتَ الحِبَّةِ تَكُونُ فِي حَمِيلِ السَّيْلِ)». فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ القَوْمِ:
كَأَنَّ رَسُولَ اللهِ وَّهِ قَدْ كَانَ بِالْبَادِيَةِ. أخرجه ابن ماجه في الشفاعة.
إذا عرفت هذا، فالكلام عليه في مواضع :
الأول: في التعريف برواته سوى ما سلف.
٣٢٩

(أبو مسلمة)، وهو سعيد بن يزيد بن مسلمة الأزديُّ، البصريُّ،
القصير.
عن أنس، وعبد العزيز بن أسيد، وشقيق بن ثور، وجماعة.
وعنه حماد بن زيد، وعباد بن العوَّام، وابن عُلَية، وخلق.
وَثَّقَهُ ابن معين، والنسائي، وأخرج له الستة.
والثاني: في ألفاظه:
والواقع في معظم الأصول: ((أَهْلُ النَّارِ [الَّذِينَآ هُمْ أَهْلُهَا)) بدون
لفظة: (أما)، فتكون الفاء في قوله: (فَإِنَّهُمْ) مزيدة على هذا في بعض
النسخ (أَمَّا أَهْلُ النَّارِ) بزيادة (أَمَّا)، فتكون الفاء في موضعها.
* وقوله: ((فَأَمَاتَهُمْ)) في بعض النسخ: بتاءين، والفعل مسند إلى
النار، وفي بعضها بتاء واحدة، فيكون مسنداً إلى الله تعالى، وحُذِف
للعلم به .
والثالث: فيما يتعلق بالمعنی :
وهو كما قص فيما مَرَّ.
وفي الحديث دليل على أن أهل النار لا يموتون فيها، ويكونون
معذبين دائماً، قال الله تعالى: ﴿لَا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُواْ وَلَا يُحَفَّفُ عَنْهُم
مِنْ عَذَابِهَا﴾ [فاطر: ٣٦].
وفيه: رد لزعم من زعم: أن العذاب ينقطع، مستدلاً بأن الجرم
مُتَناهٍ، لصدوره عن العبد في زمانٍ متناه، فيليق بالحكيم العادل على
٣٣٠

الإطلاق أن يعذب في زمانٍ متناهٍ، وبأن قوى البشر لا تبقى أبداً، فلا
يمكن عذابه دائماً، فتعذيبُ الأعضاء التي لم تَعْصِ خارجةٌ عن
الحكمة والعدل.
وأنت خبير بأن هذه أباطيل وجهالاتٌ بقدرة الله تعالى وحكمته،
والحقُّ ما ذهب إليه أهل الحق، ونطقت به الآيات، ودلت عليه
الأخبار؛ فإن أمثال هذه الأمور لا يقدر العقل أن یحکم فيها بنفسه، بل
لا بد من اتباع النقل، ولهذا من اعتمد عليه مجرداً، ضَلَّ.
وفيه دليل - أيضاً - على أن الفساق بعد إذاقة العذاب مرة يموتون،
ثم بعد ذلك يخرجون، فينبتون على نهر الحياة، فيحيون بعد ذلك
على ما هو الظاهر من الحديث.
وقد اختلف فيه، فقيل: الموت حقيقة على ما هو الظاهر،
فيكون عذابهم حبسهم في النار عن دخول الجنة كالمسجونين، ويؤيده:
ما جاء في حديث أبي هريرة: ((إذا أدخلَ اللهُ الموحِّدينَ النَّارَ، أَمَاتَهُم فيها
إماتةً، فإذا أرادَ أن يُخرجهم منها، أَمَسَّهم ألمَ العذابِ تلك الساعةَ)).
وقيل: المراد: بيان عدم إحساسهم الألم، بأن تُركوا بعد
ما نَضِجِت جلودُهم على ما صارت، ولم يبدلها بجلود غيرها، فبقوا
غير مُدْرکین للألم.
ويعترض على الأول: بأن الثابت إِمَّا بيان أحدهما قبيل دخول
القبر، والثانية في النفخ الأول، على ما نطقت به الآيات والأحاديث
بإثبات الثالثة مخالفة لذلك.
٣٣١

ويجاب: بأن ذلك في حق الجميع، فلا يمنع ثبوت ثالثة في حق
البعض.
وفي الحديث: رد على من زعم بأن من دخل النار لا يُخرج منها،
ويخلد فيها .
* وقوله: (فَجِيءَ بِهِمْ ضَبَائِرَ ضَبَائِرَ) الرواية بالتكرير، و(ضَبَائِرَ)،
بفتح الضاد المعجمة، جمع ضبارة - بكسر الضاد، يروى فيها الفتح
أيضاً، وهي المتفرقة من الشيء، وفي معناه: الإضبارة، والجمع:
أَضَابِيرُ، يقال: عنده أَضَابِيرُ من الكتب، ومن السهام.
وفي ضَبَرَ معنى الجمع، يقال: ضَبَرَ الفَرَسُ: إذا جمع قوائمه،
ثم وثب، وفلان ذُو ضَبارَةٍ؛ أي: مجتمع الخلق موثَّقَهُ.
والمعنى: يجيء بهم مجتمعة الأجزاء، مضمومة بعضها إلى
بعض، ملتقطة من مواضع مفرقة، كما تجمع الذباب والأشياء
الصغار، ويضم بعضها إلى بعض، حتى تصير شيئاً واحداً.
وكما في ضبائر من معنى القلة والصغر والتفرق، قيل: فَبُثوا؛ إذ
البثُّ یناسبه - على ما لا يخفى -.
[٨٥ _ باب
آخِرٍ أَهْلِ النَّارِ خُرُوجاً]
١٨ / ٣٠٨) - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَإِسْحَاقُ
٣٣٢

ابْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِي كِلاَهُمَا، عَنْ جَرِيرٍ، قَالَ عُثْمَانُ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ،
عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَبِيدَةَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ، قَالَ:
قَالَ رَسُولُ اللهِ عَه: (إِنِّي لأَعْلَمُ آخِرَ أَهْلِ النَّارِ خُرُوجاً مِنْهَا، وَآخِرَ
أَهْلِ الجَنَّةِ دُخُولاً الجَنَّةَ: رَجُلٌ يَخْرُجُ مِنَ النَّارِ حَبْواً، فَيَقُولُ اللهُ
- تَبَارَكَ وَتَعَالَى - لَهُ: اذْهَبْ، فَادْخُلِ الجَنَّةَ، فَيَأْتِيهَا، فَيُخَيَّلُ إِلَيْهِ أَنَّهَا
مَلَأَى، فَيَرْجِعُ فَيَقُولُ: يَا رَبِّ! وَجَدْتُهَا مَلَأَى. فَيَقُولُ اللهُ - تَبَارَكَ
وَتَعَالَى - لَهُ: اذْهَبْ فَادْخُلِ الجَنَّةَ - قَالَ : - فَيَأْتِيهَا، فَيُخَيَّلُ إِلَيْهِ أَنَّهَا
مَلأَى، فَيَرْجِعُ، فَيَقُولُ: يا رَبِّ! وَجَدْتُهَا مَلَأَى، فَيَقُولُ اللهُ لَهُ: اذْهَبْ
فَادْخُلِ الجَنَّةَ، فَإِنَّ لَكَ مِثْلَ الذُّنْيًا، وَعَشَرَةَ أَمْثَالِهَا، أَوْ إِنَّ لَكَ عَشَرَةَ
أَمْثَالِ الدُّنْيًا - قَالَ : - فَيَقُولُ: أَتَسْخَرُ بِي - أَوْ أَنَضْحَكُ بِي - وَأَنْتَ
المَلِكُ؟)). قَالَ: لَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِوَلِ ضَحِكَ حَتَى بَدَتْ نَوَاجِذُهُ.
قَالَ: فَكَانَ يُقَالُ: ذَاكَ أَدْنَى أَهْلِ الجَنَّةِ مَنْزِلَةً.
٤٨٠ - (١٨٦ / ٣٠٩) - وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْئَةً، وَأَبُو كُرَيْبٍ
- وَاللَّفْظُ لِأَبِي كُرَيْبٍ -، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ
إِنْرَاهِيمَ، عَنْ عَبِيِدَةَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَلِ: ((إِنِّي
لأَعْرِفُ آخِرَ أَهْلِ النَّارِ خُرُوجاً مِنَ النَّارِ: رَجُلٌ يَخْرُجُ مِنْهَا زَحْفاً،
فَيَقَالُ لَهُ: انْطَلِقْ فَادْخُلِ الجَنَّةَ - قَالَ : - فَيَذْهَبُ، فَيَدْخُلُ الجَنَّةَ، فَيَجِدُ
النَّاسَ قَدْ أَخَذُوا المَنَازِلَ، فَيُقَالُ لَهُ: أَتَذْكُرُ الزَّمَانَ الَّذِي كُنْتَ فِيهِ؟
فَيَقُولُ: نَعَمْ. فَيُقَالُ لَهُ: تَمَنَّ، فَيَتَمَنَّى، فَيُقَالُ لَهُ: لَكَ الَّذِي تَمَنَّيْتَ،
٣٣٣

وَعَشَرَةُ أَضْعَافِ الدُّنْيَا - قَالَ : - فَيَقُولُ: أَتَسْخَرُ بِي وَأَنْتَ المَلِكُ؟)).
قَالَ: فَلَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِوَ لِ ضَحِكَ حَتَّى بَدَتْ نَوَاجِذَهُ.
٤٨١ - (١٨٧ / ٣١٠) - حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْئَةَ، حَدَّثَنَا
عَفَّانُ بْنُ مُسْلِمٍ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، حَدَّثَنَا ثَابِتٌ، عَنْ أَنَسٍ، عَنِ
ابْنِ مَسْعُودٍ: أَنَّ رَسُولَ اللهِهِقَالَ: ((آخِرُ مَنْ يَدْخُلُ الجَنَّةَ رَجُلٌ، فَهُوَ
يَمْشِي مَرَّةً، وَيَكْبُو مَرَّةً، وَتَسْفَعُهُ النَّارُ مَرَّةَ، فَإِذَا مَا جَاوَزَهَا، الْتَّفَتَ
إِلَيْهَا، فَقَالَ: تَبَّارَكَ الَّذِي نَجَّانِي مِنْكِ، لَقَدْ أَعْطَانِيَ اللهُ شَيْئاً مَا أَعْطَاهُ
أَحَداً مِنَ الأَوَّلِينَ وَالآخِرِينَ، فَتُرْفَعُ لَهُ شَجَرَةٌ، فَقُولُ: أَيْ رَبِّ! أَدْنِي
مِنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ فَلَسْتَظِلَّ بِظِلَّهَا، وَأَشْرَبَ مِنْ مَائِهَا، فَيَقُولُ اللهُ عَكَ:
يَا بْنَ آدَمَ! لَعَلِي إِنْ أَعْطَيْئُكَهَا سَأَلْتَنِي غَيْرَهَا؟ فَيَقُولُ: لاَ يَا رَبِّ،
وَيُعَاهِدُهُ أَنْ لاَ يَسْأَلَهُ غَيْرَهَا، وَرَبُّهُ يَعْذِرُهُ؛ لأَنَّهُ يَرَى مَا لاَ صَبْرَ لَهُ
عَلَيْهِ، فَيُدْنِهِ مِنْهَا، فَيَسْتَظِلُّ بِظِلِّهَا، وَيَشْرَبُ مِنْ مَائِهَا، ثُمَّ تُرْفَعُ لَهُ
شَجَرَةٌ هِيَ أَحْسَنُ مِنَ الأُولَى، فَيَقُولُ: أَيْ رَبِّ! أَدْنِي مِنْ هَذِهِ
لِأَشْرَبَ مِنْ مَائِهَا، وَأَسْتَظِلَّ بِظِلِّهَا، لاَ أَسْأَلُكَ غَيْرَهَا. فَقُولُ: يَا بْنَ
آدَمَ! أَلَمْ تُعَاهِدْنِي أَنْ لاَ تَسْأَلَنِي غَيْرَهَا؟ فَيَقُولُ: لَعَلِي إِنْ أَدْنَتُكَ مِنْهَا
تَسْأَلُنِي غَيْرَهَا؟ فَيُعَاهِدُهُ أَنْ لاَ يَسْأَلَهُ غَيْرَهَا، وَرَبُّهُ يَعْذِرُهُ؛ لأَنَّهُ يَرَى
مَا لاَ صَبْرَ لَهُ عَلَيْهِ، فَيُدْنِيهِ مِنْهَا، فَيَسْتَظِلُّ بِظِلُّهَا، وَيَشْرَبُ مِنْ مَائِهَا،
ثُمَّ تُرْفَعُ لَهُ شَجَرَةٌ عِنْدَ بَابِ الجَنَّةِ هِيَ أَحْسَنُ مِنَ الأُولَيْنِ، فَيَقُولُ: أَيْ
رَبِّ! أَدْنِي مِنْ هَذِهِ لأَسْتَظِلَّ بِظِلِّهَا، وَأَشْرَبَ مِنْ مَائِهَا، لاَ أَسْأَلُكَ
٣٣٤

غَيْرَهَا، فَقُولُ: يا بْنَ آدَمَ! أَلَمْ تُعَاهِدْنِي أَنْ لاَ تَسْأَئِي غَيْرَهَا؟ قَالَ:
بَلَى يَا رَبِّ، هَذِهِ لاَ أَسْأَلُكَ غَيْرَهَا، وَرَبُّهُ يَعْذِرُهُ؛ لأَنَّهُ يَرَى مَا لاَ صَبْرَ
لَهُ عَلَيْهَا، فَيُدْنِيهِ مِنْهَا، فَإِذَا أَدْنَهُ مِنْهَا، فَيَسْمَعُ أَصْوَاتَ أَهْلِ الجَنَّةِ،
فَيَقُولُ: أَيْ رَبِّ! أَدْخِلْنِهَا. فَيَقُولُ: يَا بْنَ آدَمَ! مَا يَصْرِينِي مِنْكَ،
أَيَّرْضِيِكَ أَنْ أُعْطِيَكَ الدُّنْيًا وَمِثْلَهَا مَعَهَا؟ قَالَ: يَا رَبِّ! أَتَسْتَهْزِئُ مِنِّي
وَأَنْتَ رَبُّ العَالَمِينَ؟)». فَضَحِكَ ابْنُ مَسْعُودٍ، فَقَالَ: أَلَا تَسْأَلُونِّي مِمَّ
أَضْحَكُ؟ فَقَالُوا: مِمَّ تَضْحَكُ؟ قَالَ: هَكَذَا ضَحِكَ رَسُولُ اللهِوَ﴾
فَقَالُوا: مِمَّ تَضْحَكُ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: ((مِنْ ضِحْكِ رَبِّ العَالَمِينَ حِينَ
قَالَ: أَتَسْتَهْزِئُ مِنِّي وَأَنْتَ رَبُّ العَالَمِينَ؟ فَيَقُولُ: إِنِّي لاَ أَسْتَهْزِئُ
مِنْكَ، وَلَكِنِّي عَلَى مَا أَشَاءُ قَادِرٌ».
الحديث السابع: حديثُ ابن مسعود، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ◌ِّه :
(إِنِّي لأَعْلَمُ آخِرَ أَهْلِ النَّارِ خُرُوجَاً مِنْهَا، وَآخِرَ أَهْلِ الجَنَّةِ دُخُولاً الجَنَّةَ:
رَجُلٌ يَخْرُجُ مِنَ النَّارِ حَبْواً، فَقُولُ اللهُ - تَبَارَكَ وَتَعَالَى - لَهُ: اذْهَبْ فَادْخُلٍ
الجَنَّةَ، فَيَأْتِهَا، فَيُخَيَّلُ إِلَيْهِ أَنَّهَا مَلَى، فَيَرْجِعُ فَيَقُولُ: يا رَبِّ! وَجَدْتُهَا
مَلأَى. فَيَقُولُ اللهُ - تَبَارَكَ وَتَعَالَى لَهُ -: اذْهَبْ فَادْخُلِ الجَنَّةَ - قَالَ : -
فَيَأْتِهَا، فَيُخَيَّلُ إِلَيْهِ أَنَّهَا مَلَى، فَيَرْجِعُ، فَيَقُولُ: يَا رَبِّ! وَجَدْتُهَا مَلَأَى،
فَيَقُولُ اللهُ لَهُ: اذْهَبْ فَادْخُلِ الجَنَّةَ، فَإِنَّ لَكَ مِثْلَ الدُّنْيَا، وَعَشَرَةَ
أَمْثَالِهَا، أَوْ إِنَّ لَكَ عَشَرَةَ أَمْثَالِ الدُّنْيًا - قَالَ : - فَيَقُولُ: أَتَسْخَرُ بِي - أَوْ:
٣٣٥

أَتَضْحَكُ بِي - وَأَنْتَ المَلِكُ؟)). قَالَ: لَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ضَحِكَ
حَتَّى بَدَتْ نَوَاجِذُهُ. قَالَ: فَكَانَ يُقَالُ: ذَاكَ أَذْنَى أَهْلِ الجَنَّةِ مَنْزِلَةٌ.
وفي رواية: ((إِنِّي لأَعْرِفُ آخِرَ أَهْلِ النَّارِ خُرُوجاً مِنَ النَّارِ: رَجُلٌ
يَخْرُجُ مِنْهَا زَحْفاً، فَيُقَالُ لَهُ: انْطَلِقْ فَادْخُلِ الجَنَّةَ - قَالَ : - فَيَذْهَبُ،
فَيَدْخُلُ الجَنَّةَ، فَيَجِدُ النَّاسَ قَدْ أَخَذُوا المَنَازِلَ، فَيُقَالُ لَهُ: أَتَذْكُرُ الزَّمَانَ
الَّذِي كُنْتَ فِيهِ؟ فَيَقُولُ: نَعَمْ. فَيُقَالُ لَهُ: تَمَنَّ، فَيَتَمَنَّى، فَيُقَالُ لَهُ: لَكَ
الَّذِي تَمَنَّيْتَ وَعَشَرَةُ أَضْعَافِ الدُّنْيًا - قَالَ : - فَيَقُولُ: أَتَسْخَرُ بِي وَأَنْتَ
المَلِكُ؟)). قَالَ: فَلَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِوَلِضَحِكَ حَتَّى بَدَتْ نَوَاجِذُهُ.
وفي رواية: ((آخِرُ مَنْ يَدْخُلُ الجَنَّةَ: رَجُلٌ، فَهُوَ يَمْشِي مَرَّةً،
وَيَكْبُو مَرَّةً، وَتَسْفَعُهُ النَّارُ مَرَّةً، فَإِذَا مَا جَاوَزَهَا، الْتَفَتَ إِلَيْهَا، فَقَالَ:
تَبَارَكَ الَّذِي نَجَّانِي مِنْكِ، لَقَدْ أَعْطَانِيَ اللهُ شَيْئاً مَا أَعْطَاهُ أَحَداً مِنَ
الأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ، فَتُرْفَعُ لَهُ شَجَرَةٌ، فَيَقُولُ: أَيْ رَبِّ! أَدْنِي مِنْ هَذِهِ
الشَّجَرَةِ، فَلَأَسْتَظِلَّ بِظِلَّهَا، وَأَشْرَبَ مِنْ مَائِهَا، فَيَقُولُ اللّهُ أَقُ: يَا بْنَ
آدَمَ! لَعَلِّي إِنْ أَعْطَيْئُكَهَا، سَأَلْتَنِي غَيْرَهَا؟ فَيَقُولُ: لاَ يَا رَبِّ، وَيُعَاهِدُهُ
أَنْ لاَ يَسْأَلَهُ غَيْرَهَا، وَرَبُّهُ يَعْذِرُهُ؛ لأَنَّهُ يَرَى مَا لَ صَبْرَ لَهُ عَلَيْهِ، فَيُدْنِيهِ
مِنْهَا، فَيَسْتَظِلُّ بِظِلِّهَا، وَيَشْرَبُ مِنْ مَائِهَا، ثُمَّ تُزْفَعُ لَهُ شَجَرَةٌ هِيَ أَحْسَنُ
مِنَ الأُولَى، فَيَقُولُ: أَيْ رَبِّ! أَدْنِي مِنْ هَذِهِ لِأَشْرَبَ مِنْ مَائِهَا،
وَأَسْتَظِلَّ بِظِلِّهَا، لَاَ أَسْأَلُكَ غَيْرَهَا. فَقُولُ: يا بْنَ آدَمَ! أَمْ تُعَاهِدْنِي أَنْ
لاَ تَسْأَنِي غَيْرَهَا؟ فَقُولُ: لَعَلِّي إِنْ أَدْنَيِّئُكَ مِنْهَا، تَسْأَلُنِي غَيْرَهَا؟
٣٣٦

فَيُعَاهِدُهُ أَنْ لاَ يَسْأَلَهُ غَيْرَهَا، وَرَبُّهُ يَعْذِرُهُ؛ لأَنَّهُ يَرَى مَا لَ صَبْرَ لَهُ عَلَيْهِ،
فَيُذْنِيهِ مِنْهَا، فَيَسْتَظِلُّ بِظِلِّهَا، وَيَشْرَبُ مِنْ مَائِهَا، ثُمَّ تُزْفَعُ لَهُ شَجَرَةٌ عِنْدَ
بَابِ الجَّةِ هِيَ أَحْسَنُ مِنَ الأُولَيْنِ، فَيَقُولُ: أَيْ رَبِّ! أَذْنِي مِنْ هَذِهِ
لِأَسْتَظِلَّ بِظِلّهَا، وَأَشْرَبَ مِنْ مَائِهَا، لاَ أَسْأَلُكَ غَيْرَهَا، فَيَقُولُ: يا بْنَ
آدَمَ! أَلَمْ تُعَاهِدْنِي أَنْ لاَ تَسْأَلَنِي غَيْرَهَا؟ قَالَ: بَلَى يَا رَبِّ، هَذِهِ
لاَ أَسْأَلُكَ غَيْرَهَا، وَرَبُّهُ يَعْذِرُهُ لأَنَّهُ يَرَى مَا لاَ صَبْرَ لَهُ عَلَيْهَا، فَيُدْنِهِ
مِنْهَا، فَإِذَا أَذْنَهُ مِنْهَا، فَيَسْمَعُ أَصْوَاتَ أَهْلِ الَنَّةِ، فَيَقُولُ: أَيْ رَبُّ!
أَدْخِلْنِيهَا، فَيَقُولُ: يا بْنَ آدَمَ مَا يَصْرِينِي مِنْكَ! أَيَرْضِيِكَ أَنْ أُعْطِيَكَ
الدُّنْيَا وَمِثْلَهَا مَعَهَا؟ قَالَ: يَا رَبِّ! أَتَسْتَهْزِئُ مِنِّي وَأَنْتَ رَبُّ
العَالَمِينَ؟». فَضَحِكَ ابْنُ مَسْعُود، فَقَالَ: أَلاَ تَسْأَلُونِّي مِمَّ أَضْحَكُ؟
فَقَالُوا: مِمَّ تَضْحَكُ؟ قَالَ: هَكَذَا ضَحِكَ رَسُولُ اللهِوَِّ، فَقَالُوا: مِمَّ
تَضْحَكُ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: ((مِنْ ضِحْكِ رَبِّ العَالَمِينَ حِينَ قَالَ:
أَتَسْتَهْزِئُ مِنِّي وَأَنْتَ رَبُّ العَالَمِينَ؟ فَقُولُ: إِنِّي لاَ أَسْتَهْزِئُ مِنْكَ،
وَلَكِنِّي عَلَى مَا أَشَاءُ قَادِرٌ)) أخرجه البخاري، والترمذي.
إذا عرفت هذا، فالكلام عليه في مواضع :
الأول: التعریف برواته سوی ما سلف.
(عَبِيدَةَ): وهو ابن عمرو، وقيل: ابن قيس بن غنم المراديُّ،
السَّلمانُّ، الکوفیُّ، أسلم قبل وفاة النبي ◌ُآ بسنتين.
وروى عن علي، وابن مسعود، وغيرهما.
وعنه الشعبي، وابن سيرين، والسبيعي، وجماعة.
٣٣٧

اتفق القوم على علو درجته وفضله وإتقانه، وأخرج له الستة .
قال ابن نمير: كان شُريح إذا أشكل عليه الأمر، كتبه إلى عبيدة.
وقال أبو مسهر: توفي سنة اثنتين وسبعين.
الثاني: في ألفاظه:
، قوله: (رَجُلٌ يَخْرُجُ مِنَ النَّارِ حَبْواً)، وفي رواية: (زَحْفاً)،
وكلاهما متقارب المعاني.
قال في ((الأساس)): الصبي يَحْبُو: إذا زحف، والبعير المعقول
يَحْبُو: إذا زحف، ويقال: زَحَفْتُ إليه: إذا مشيت إليه، ومشيه زحف
وزحوف: فيه نقلُ حركة، زَحَفَ البَعِيرُ، وَأَزْحَفَ: أَعْيَا حتى جَرَّ
فِرْسِنَهُ، وزحفَ العسكرُ إلى العدو: مشوا إليهم في ثقل؛ لكثرتهم،
وزحف الشيء: جرَّه جراً ضعيفاً، فحصل من هذا: أن الحبو
والزحف: المشي الضعيف الثقيل، ولَمَّا كانت آلة المشي هي الرِّجْلُ،
وعند فقده أو فقد استعماله يكون اشتغالاً بالنقل بغير آلة، يستعمل
الزحف في ذلك الشيء، وإن لم يكن ضعيفاً ثقيلاً، يقال: زحفت
الحية، و کلُّ ماش علی بطنه.
والمعنى: أن الشخص الذي يخرج من النار يمشي مشياً ثقيلاً
ضعيفاً؛ لأن النار قد أهلكت قواه، وأبطلت [ ... ]، فعبّر عن ذلك
بالحبو والزحف.
وفي الرواية الأخرى: (يَمْشِي مَرَّةً، وَيَكْبُو مَرَّةً)، أي: يسقط،
فعلم أنه لا اختلاف بين الروايات في ذلك، والمعنى واحد، والغرض:
٣٣٨

بيان ضعفه، وعدم قدرته على المشي التام، وأن النار أضعفت قواه،
وأثرت فيه أشدَّ تأثير؛ إذ ما تخيله بأن الجنة مملوءة، قيل: لأجل ذلك،
وقيل: لأجل حكمة التردد والانتظار، على ما جاء في الرواية الأخرى من
رؤية الشجرة، وطلبه من الله تعالى الإدناء إليها، ثم إلى أخرى على
التدريج، ولا يخفى ما في التدريج من الفوائد.
و- أيضاً -: لما كان هذا الشخص قد تثاقل في العبادة، ولم
يوجد منه الرغبة والنشاط في القيام عليها في الدنيا، ناسب أن يُجازى
و
بذلك، وجاء مثلَه في حديث حذيفة، وأبي هريرة في: آخِرِ من يَجُوُز
على الصراط .
وجاء في حديث أبي أمامة، مرفوعاً: ((إِنَّ آخِرَ رَجُلِ يَدْخُلُ
الجَنَّةَ: رَجُلٌ يَتَقَلَّبُ عَلَى الصِّرَاطِ ظَهْراً لِبَطْنٍ؛ كَالغُلامِ يَضْرِبُهُ أَبُوهُ،
وَهُوَ يَفِرُّ مِنْهُ))، ثم ساق الحديث نحو حديث ابن مسعود، رواه
الطبراني، وهذا صريح أن ذلك في الصراط.
وعن أنس بن مالك، مرفوعاً: ((إِنَّ عَبْداً فِي جَهَنَّمَ لَيُنَادِي أَلْفَ
سَنَةٍ: يَا حَتَّانُ يَا مَنَّانُ! قَالَ: فَيَقُولُ اللهُ - تَبَارَكَ وَتَعَالَى - لِجِبْرِيلَ:
اذْهَبْ فَأَتِي بِعَبْدِي هَذَا، فَيَنْطَلِقُ جِبْرِيلُ، فَيَجِدُ أَهْلَ النَّارِ مُكِبِّينَ
يَبْكُونَ، فَيَرْجِعُ إِلَى رَبِّهِ دَتْ، فَيُخْبِرُهُ، فَقُولُ: اثْنِي بِهِ؛ فَإِنَّهُ فِي مَكَانٍ
كَذَا وَكَذَا، فَيَجِيءُ بِهِ، فَيُوقِفُهُ عَلَى رَبِّهِ لَتْ، فَيَقُولُ لَهُ: يَا عَبْدِي! كَيْفَ
وَجَدْتَ مَكَانَكَ وَمَقِيلَكَ؟ فَيَقُولُ: أَيْ رَبِّ! شَرَّ مَكَانٍ، وَشَرَّ مَقِيلٍ،
فَيَقُولُ: رُدُّوا عَبْدِي، فَيَقُولُ: يَا رَبٌّ! مَا كُنْتُ أَرْجُو إِذْ أَخْرَجْتَنِي مِنْهَا
٣٣٩

أَنْ تَرُدَّنِي فِيهَا، فَيَقُولُ: دَعُوا عَبْدِي)) رواه أحمد، وأبو يعلى، ورجاله
ثقات، وهذا صريح في أن ذلك بعد دخول النار.
فقيل: إنهما اثنان؛ إما شخصان، أو نوعان، وعبر عن الجماعة
بالواحد منهما .
وقيل: المراد بآخر أهل النار خروجاً؛ يعني: من المرور والجواز
على الصراط، لا في من أوثق ودخلها، والأوجَهُ؛ نظراً إلى سياق
الأحاديث: الوجهُ الأوّل.
الثالث: في قول الرجل: (أَتَسْخَرُ بِي - أَوْ: أَتَضْحَكُ بِي)،
هكذا وقع في الروايات بالشك، وهو من الراوي، وقد صححوا
رواية: (أَتَضْحَكُ بِي) أكثر من رواية: (أَتَسْخَرُ بِي)؛ لما فيه من مطابقة
الروايات، والاستعمال الفاشي: سخر منه، وقد حكى أبو زيد: سخر
به، وقيل: إيراد الباء لدلالة التضمين؛ كأنه مثل: استهزأ بي، والهزء
والسخرية من وادٍ واحدٍ، وقد جاء في رواية أخرى: (أَتَسْتَهْزِئُ مِنِّ،
وَأَنْتَ رَبُّ العَالَمِينَ؟).
وفي هذا الحذف وجوه من التأويل، فقيل: سمي جزاء فعله،
وهو الغدر؛ حيث نقض العهود والمواثيق مراراً باسمه، فإن فعله لما
كان من هذا القبيل، يسمى فعلُ الله تعالى به من الإطماع بدخول
الجنة، مع تخييل أنها ملأى، الذي فعله سخر به تضحكاً؛ كما قيل في
قوله تعالى: ﴿ وَجَزَّوَأْ سَيِّئَةٍ سَيِّئَّةٌ مِثْلُهَا﴾ [الشورى: ٤٠]، قاله المازري.
٣٤٠