Indexed OCR Text

Pages 221-240

بالواو، وهذا لا يضر؛ لأن الغرض: بيان موضع الدلالة، لا التلاوة،
فيجوز حذف نصف الآية، فكيف بحذف [حرف]؟ ومثله قوله - عليه
السلام -: ((فأنزل الله تعالى: ﴿ وَأَقِمِ الصَّلَوةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ﴾ [هود: ١١٤]،
وقوله: ﴿أقم الصَّلَوَةَ لِذِكْرِىّ﴾ [طه: ١٤])» بحذف الواو في الحديثين،
وبإثباتها في التنزيل .
* وفي قولها: (أَوَلَمْ تَسْمَعْ أَنَّ اللهَ تَعَالَى يَقُولُ) تصريح بجواز أن
يقول الشخص: إن الله يقول كذا، على ما هو المشهور، خلاف ما روى
أبو بكر بن أبي داود، عن مطرف بن عبدالله: أنه قال: يكره ذلك،
والواجب أن يقال: إن الله تعالى قال، وكأنه احتراز عن إطلاق صيغة
المستقبل الدال على الحدوث، ولكن الاستعمال الفاشي على استعمال
(قال)، و(يقول)، على ما يعرف بالتدبر، وقد جاء في الأحاديث كثيراً،
والله أعلم.
الثالث: في قولها: (وَلَوْ كَانَ مُحَمَّدٌ عَيْ كَاتِماً شَيْئاً مِمَّا أُنْزِلَ
عَلَيْهِ، لَكَتَمَ هَذِهِ الْآيَةَ: ﴿ وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِىّ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ
عَلَيْهِ﴾ [الأحزاب: ٣٧] الآية: قد ذكر بعض من لم يحقق الكلام من
المفسرين في معنى هذه الآية فيما نسب إلى رسول الله صلو ما لا يليق
به، ويستحيل عليه؛ لأن الله تعالى قد عصمه عن أمثال ذلك، فقال:
إن النبي - عليه السلام - هوي زينبَ امرأةً زيد، وربما أطلق بعض
المُجَّان لفظَ العشق، ثم جاء زيدٌ يريدُ تطليقها، فقال له: ﴿أَسِْك
عَلَيْكَ زَوْجَكَ﴾ [الأحزاب: ٣٧]، وهو مع ذلك يحب أن يطلقها ليتزوجها،
٢٢١

وهذا القول إنما يصدر عن جاهل بعصمته - عليه السلام -، وتنزهه عن
مثل هذا، أو عن مستخفّ بحرمته، متبع لهواه.
والذي عليه المحققون من المفسرين، والراسخين من أهل اليقين:
أن تفسير هذه الآية ما حكي عن علي بن الحسين زين العابدين: إن الله
تعالى أعلمَ نبيَّهُ بكون زينبَ زوجته، فلما شكاها زيدٌ له، وأراد أن
يطلقها، قال له: أمسكْ زوجك، وأخفى في نفسه ما أعلَمَه الله به مما هو
مُبديه بطلاق زيد لها، وتزويج النبي - عليه السلام - إياها، والذي خشيه
النبي - عليه السلام - هو إرجافُ المنافقين بأنه نهى عن تزويج نساء
الأبناء، وتزوج بزوجة ابنه، وهذا هو تفسير هذه الآية عند من كان
له معرفة بكتاب الله تعالى، وسنة نبيه، ووجب الاعتمادُ عليه، وتركُ
ما هو غيره، وسيجيء الكلام في كيفية التزويج، وما نزل فيه من
الآيات في (كتاب النكاح) - إن شاء الله تعالى -.
الرابع: في قولها: (سُبْحَانَ اللهِ!) يستعمل في مكان التعجب،
ثم أكد تعجبها بقولها: (لَقَدْ قَفَّ)؛ أي: قام واجتمع شَعْري، وقد
يستعمل قَفَّ الشعرُ في الإنكار، والغرضُ من هذا التعجب المستعمل
فيه: (سبحان الله) في هذا المقام: الإنكار، فأكده به، وأصل القَفِّ:
الانقباض، يقال: قف الشيء: إذا انقبض، وقَفَّت الشجرة: يبست،
ومنه: القُفَّة، وهي الزَّنبيل؛ لاجتماع أجزائها وانقباضها.
والغرض: الإنكار على السائل بأن مثل هذا ينبغي أن لا يخفى
عليه حتى يحتاج إلى السؤال.
٢٢٢

والخامس: في قوله: ﴿ثُمَّدَنَا﴾؛ أي: جبريل من رسول الله وَّه
﴿فَدَلَّ﴾: فتعلق عليه في الهواء، والتدلي: التعلق والامتداد إلى جهة
السفل، يقال: دلَّى رجليه من السرير، ومنه: الدوالي، وهي الثمر
المعلَّق، وفي المثل: هُوَ مِثْلُ القِرِلَّى، إِنْ رَأَى خَيْراً تَدَلَّى، وإِنْ رَأَى
شَرّاً تَوَلَّى، ويستعمل في القرب، والمعنى: ثم دنا من رسول الله وَالچ،
فقرب إليه، ففي ذكر التدلي [و]الدُّنُو: بيانُ شدة القرب حتى يكون
مثل قرب المتعلق بالمعلَّقِ في مثل مقدار القرب؛ كقاب القوس أو
أقرب، وقال صاحب ((النظم)): في الكلام تقديم وتأخير؛ أي: تدلى
فدنا. وما ذكر من الوجه لا يخفى ما فيه من الحسن لفظاً ومعنى.
[٨٠ - باب:
فِي قَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - ((نُورٌ أَنَّى أَرَاهُ»،
وَفِي قَوْلِهِ: ((رَأَيْتُ نُوراً)]
٤٦١ - (١٧٨ / ٢٩١) - حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا
وَكِيعٌ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ عَبْدِاللهِ بْنِ شَقِيقٍ، عَنْ
أَبِي ذَرُّ، قَالَ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللهِ: هَلْ رَأَيْتَ رَبَّكَ؟ قَالَ: (( نُورٌ أَنَّى
أَرَاهُ».
الحديث الخامس: حديث أبي ذر: سَأَلْتُ رَسُولَ اللهِ وََّ: هَلْ
رَأَيْتَ رَبَّكَ؟ قَالَ: ((نُورٌ أَنَّى أَرَاهُ» .
٢٢٣

وفي رواية: كُنْتُ أَسْأَلُهُ: هَلْ رَأَيْتَ رَبَّكَ؟ قَالَ أَبُو ذَرٍّ: قَدْ سَأَلْتُ،
فَقَالَ: ((رَأَيْتُ نُورا) (١) أخرجه الترمذي.
والكلام عليه في مواضع :
الأول: التعريف برواته سوى ما ذكر.
يزيد، وهو أبو سعيد يزيدُ بنُ إبراهيم التستريُّ، البصريُّ.
عن الحسن، وابن سيرين، وعطاء، وخلائق.
وعنه بَهْزٌ، ويزيدُ بنُ هارون، والقعنبيُّ، وآخرون.
وَثَّقَهُ أحمد، وجماعة، وأخرج له الستة.
وقال ابن معين: هو أثبتُ من جرير بن أبي حازم.
وقال يحيى القطان: ليس بذاك في قتادة.
توفي سنة إحدى وستين ومئة.
(عبدالله): هو أبو عبد الرحمن عبدُالله بنُ شقيق العقيليُّ، البصريُّ.
عن عمر، وعثمان، وعلي، وجماعة.
وعنه ابن سيرين، وأيوب، وخالدٌ الحذاء، وآخرون.
وَثَّقَهُ ابنُ معين، وابن عُلية، وأخرج له الستة إلا البخاريَّ.
وقال يحيى القطان: كان سليمان التيمي سيء [الرأي] في عبدالله
ابن شقيق .
(١) في الأصل: ((كنت سألت: هل رأيت ربك؟ فقال: رأيت نوراً)).
٢٢٤

وقال أحمد: ثقة، وكان [يحمل] على علي
وقال ابن عدي: ما بأحاديثه بأسٌ - إن شاء الله تعالى -.
توفي سنة ثمان ومئة.
والثاني: في المعنى: قوله: (نُورٌ أَنَّى) الرواية في الأصول: (نُورٌ)
- بالرفع - منونٌ، و(أنَّى) - بفتح الهمزة وتشديد النون المفتوحة -،
بمعنى: كيف؟ و(أَرَاهُ) - بفتح الهمزة -، والمعنى: هو نور كيف أراه؟
والضمير عائد إلى الله تعالى، يعني: أن المانع من رؤيتي إياه النور،
وهو معنى قوله: (حِجَابُهُ النُّورُ)؛ أي: المانعُ من إدراك الإبصار له
أشعة النور، على ما كانت العادة من منع النورِ الكثيرِ الكائنِ حوالي
المرئيِّ من رؤيته.
* وقوله: في الرواية الأخرى: ((رَأَيْتُ نُوراً) أيضاً معناه: رأيت
نوراً، ما رأيت شيئاً آخر، ففي الرواية الأولى بيان أنه رأى النور،
واستبعاد رؤيته تعالى، وفي الثانية بيان الأول فقط.
وذكر المازري: أن بعضهم روى: (نورانيٌّ أراه)، وقال: يحتمل
أن يكون معناه راجعاً إلى ما قلنا؛ أي: هو خالق النور، والنور مانع لي
من الرؤية، فيكون من صفات الأفعال، وذكر القرطبي: أن هذه الرواية
ليست بصحيحة النقل، ولا موافقة للعقل، ولعلها تصحيف.
والثالث: في ملخص الكلام فيه:
فاعلم: أن التحقيق أن النبي - عليه السلام - ذكر هذا الجواب
على طريق الذم عن سبب عدم الرؤية لاختصار المسافة، والزجر عن
٢٢٥

كثرة الخوض في أمثال هذه الأسئلة؛ فإنه - عليه السلام - لو قال في
جواب هَلْ رَأَيْتَ رَبَّكَ؟: لا، لاحتمل أن يسأل السائل عن السبب،
ويطول الكلام، ويكثر الخوض، وكان ينهى عن التفكر في الله،
فالنهي عن الخوض بالطريق الأول؛ فالنبي - عليه السلام - قد ذكر أولاً
السببَ، فينقطع الكلام، ويتحقق المرام، فقال: نورٌ كيف أراه؟ فإن النور
نفسه إذا كان غالباً لا يمكن إبصارُه، فكيف برؤية الذي هو حجابه،
والضمير في قوله: (أراه) حَقُّه أن يرجع إلى [الله سبحانه وتعالى]،
ولا يناقض ما جاء في الرواية الثانية: (رَأَيْتُ نُوراً)؛ فإن الناظر إلى الشيء
يحصِّل له أولاً إدراكاً بالشيء، ثم يديم النظر إلى تحقيقه، فإذا وقع بصره
علی النور، رآه، ثم غلب عليه بَعْدُ، فضعف عنه بصره.
ويحتمل أن تحمل رواية (نورانيّ) على ذلك - أيضاً -؛ فإنه لما
وقع بصره، رأى شيئاً نُوُّر، وهو الحجاب، فلما أراد أن يديم النظر
إليه، ضعف عنه بصره، إذ لا شكَّ أن المراد من النور هو الذي رآه،
لا هو الذي سأله السائل، وهو الله تعالى؛ إذ يستحيل أن يكون الله
نوراً، ولا يصح أن يعتقد ذلك مؤمنٌ، وما ذهب إليه بعض المُجَسِّمة؛
مثل: هشام الجواليقي، وأتباعه، فمن اتباع الهوى، وعدم التحقيق،
فإن الله تعالى منزَّهُ عن ذلك، كما تحقق في علم الكلام من أنه ليس
بجسم، ولا جسمان، وقولهم: جسم لا کالأجسام، ونور لا کالأنوار،
سَقْطٌ من القول، وتسببٌ بما لا فائدة فيه.
وأما ما وقع في لسان الشرع من إطلاق النور عليه تعالى، فمأوَّلٌ
٢٢٦

بأن معناه: خالق النور، وقيل: بمعنى: الهادي، وقيل: بمعنى: ذي
النور، وقيل غير ذلك.
[٨١ - باب
فِي قَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ -: ((إِنَّ اللهَ لاَ يَنَامُ)) .
وَفِي قَوْلِهِ: ((حِجَابُهُ النُّورُ، لَوْ كَشَفَهُ،
لِأَحْرَقَ سُبُحَاتُ وَجْهِهِ مَا انْتُهَى إِلَيْهِ بَصَرُهُ مِنْ خَلْقِهِ»]
٤٦٣ - (١٧٩ / ٢٩٣) - حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْئَةَ، وَأَبُو
كُرَيْبٍ، قَالاَ: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ،
عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ، عَنْ أَبِي مُوسَى، قَالَ: قَامَ فِينَا رَسُولُ اللهِ ◌َّهِبِخَمْسِ
كَلِمَاتٍ؛ فَقَالَ: ((إِنَّ اللهَ وَّ لاَ يَنَامُ، وَلاَ يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَنَامَ، يَخْفِضُ
القِسْطَ وَيَرْفَعُهُ، يُرْفَعُ إِلَيْهِ عَمَلُ اللَّيْلِ قَبْلَ عَمَلِ النَّهَارِ، وَعَمَلُ النَّهَارِ
قَبْلَ عَمَلِ اللَّيْلِ، حِجَابُهُ النُّورُ - وَفِي رِوَايَةِ أَبِي بَكْرٍ: النَّارُ -، لَوْ كَشَفَهُ،
لأَحْرَقَتْ سُبُحَاتُ وَجْهِهِ مَا انْتُهَى إِلَيْهِ بَصَرُهُ مِنْ خَلْقِهِ».
وَفِي رِوَايَةٍ أَبِي بَكْرٍ: عَنِ الأَعْمَشِ، وَلَمْ يَقُلْ: حَدَّثَنَا.
٤٦٤ - (١٧٩ / ٢٩٤) - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَاَ
جَرِيرٌ، عَنِ الأَعْمَشِ بِهَذَا الإِسْنَادِ، قَالَ: قَامَ فِيْنَا رَسُولُ اللهِ يَ﴿ بِأَرْبَعِ
كَلِمَاتٍ. ثُمَّ ذَكَرَ بِمِثْلِ حَدِيثٍ أَبِي مُعَاوِيَةَ، وَلَمْ يَذْكُرُ: ((مِنْ خَلْقِهِ)).
وَقَالَ: ((حِجَابُهُ النُّورُ)).
٢٢٧

٤٦٥ - (١٧٩ / ٢٩٥) - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَّى، وَابْنُ بَشَّارِ،
قَالاَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي شُعْبَةُ، عَنْ عَمْرِو بْنِ
مُرَّةَ، عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ، عَنْ أَبِي مُوسَى، قَالَ: قَامَ فِيْنَا رَسُولُ اللهِ وَهُ
بِأَرْبَعٍ: ((إِنَّ اللهَ لاَ يَمُ، وَلاَ يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَنَامَ، يَرْفَعُ القِسْطَ وَيَخْفِضُهُ،
وَيُرْفَعُ إِلَيْهِ عَمَلُ النَّهَارِ بِاللَّيْلِ، وَعَمَلُ اللَّيْلِ بِالنَّهَارِ».
الحديث السادس: حديثُ أبي موسى: قَامَ فِيْنَا رَسُولُ اللهِ وَه
بِخَمْسٍ كَلِمَاتٍ؛ فَقَالَ: ((إِنَّ اللهَ وَّ لاَ يَنَامُ، وَلاَ يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَنَامَ،
يَخْفِضُ الْقِسْطَ وَيَرْفَعُهُ، يُرْفَعُ إِلَيْهِ عَمَلُ اللَّيْلِ قَبْلَ عَمَلِ النَّهَارِ، وَعَمَلُ
النَّهَارِ قَبْلَ عَمَلِ اللَّيْلِ، حِجَابُهُ النُّورُ - وَفِي رِوَايَةٍ أَبِي بَكْرٍ: النَّارُ، لَوْ
كَشَفَهُ، لأَحْرَقَتْ سُبُحَاتُ وَجْهِهِ مَا انْتُهَى إِلَيْهِ بَصَرُهُ مِنْ خَلْقِهِ)).
وفي رواية: قَامَ فِيْنَا رَسُولُ اللهِلَّهِ بِأَرْبَعِ كَلِمَاتٍ، وساق مثله،
ولم يذكر: (من خلقه) أخرجه ابن ماجه في ((السنة)).
وفي الباب: عن أنس، مرفوعاً: «سألتُ جبريلَ: هَلْ ترِى رَبَّكَ؟
قال: إنَّ بيني وبينه سَبْعونَ حِجَاباً مِنْ نُورِ، لو رأيتُ أَدْناها، لاحترَقْتُ))
رواه الطبراني.
وعن عبدالله بن عمرو، وسهيل بن سعد، يرفعه: أنه «دُونَ اللهِ
سَبْعُونَ أَلْفَ حِجَابٍ مِنْ نُورٍ، وَسَبْعُونَ أَلْفَ حِجَابٍ مِنْ نُورِ وَظُلْمَةٍ،
وَمَا مِنْ نَفْسٍ تَسْمَعُ شَيْئاً مِنْ حَسِّ تِلْكَ الحُجُبِ إِلَّ زَهَقَتْ نَفْسُهَا)) رواه
أبو يعلى، والطبراني.
٢٢٨

وعن أبي هريرة: أن رجلاً أتى النبيَّ ◌َّ، فقال: ((هَلِ احْتَجَبَ اللهُ
عَنْ خَلْقِهِ بِشَيْءٍ غَيْرِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ؟ قَالَ: ((نَعَمْ، بَيْنَهُ وَبَيْنَ
المَلائِكَةِ الَّذِينَ حَوْلَ العَرْشِ سَبْعُونَ حِجَاباً مِنْ نَارِ، وَسَبْعُونَ حِجَاباً
مِنْ نُورٍ، وَسَبْعُونَ حِجَاباً مِنْ ظُلْمَةٍ، وَسَبْعُونَ حِجَاباً مِنْ [دُرًّا رَفَارِفِ
الإِسْتَبْرَقِ، وَسَبْعُونَ حِجَاباً مِنْ رَفَارَفِ السُّنْدُسِ، وَسَبْعُونَ حِجَاباً مِنْ
دُرِّ أَنْيَضَ، وَسَبْعُونَ حِجَاباً مِنْ دُرِّ أَحْمَرَ، وَسَبْعُونَ حِجَاباً مِنْ دُرِّ
أَصْفَرَ، وَسَبْعُونَ حِجَاباً مِنْ دُرِّ أَخْضَرَ، وَسَبْعُونَ حِجَاباً مِنْ ضِيَاءِ
اسْتَضَاءَهَا مِنَ النَّارِ وَالنُّورِ، وَسَبْعُونَ حِجَاباً مِنْ ثَلْجِ، وَسَبْعُونَ حِجَاباً
مِنْ مَاءٍ، وَسَبْعُونَ حِجَاباً مِنْ غَمَامِ، وَسَبْعُونَ حِجَاباً مِنْ بَرَدٍ، وَسَبْعُونَ
حِجَاباً مِنْ عَظَمَةِ اللهِ الَّتِي لا تُوصَفُ))، [قَالَ: فَأَخْبِرْنِي عَنْ مُلْكِ اللهِ
الَّذِي يَلِيهِ]، فَقَالَ النَّبِيُّ ◌َّهِ: ((أَصَدَقْتُ فِيمَا أَخْبَرْتُكَ يَا يَهُودِيُّ؟»،
قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: ((فَإِنَّ المَلَكَ الَّذِي يَلِيهِ إِسْرَافِيلُ، ثُمَّ جِبْرِيلُ، ثُمَّ
مِيكَائِيلُ، ثُمَّ مَلَكُ المَوْتِ)).
إذا عرفت [هذا]، فالكلام - هاهنا - في مواضع:
الأول: التعريف برواته سوى ما سلف:
(عمرو): وهو أبو عبدالله عمرو بنُ مرةَ بنِ عبدالله بنِ طارقٍ بنِ
الحارثِ الجَمَلِيُّ، الكوفيُّ الأعمى، أحدُ الأعلام.
عن عبدالله بن أبي أوفى، ومرة الطيب، وعبد الرحمن بن أبي
لیلی، وخلائق.
وعنه ابنه عبدالله، ومنصور، ومِسْعر، وآخرون.
٢٢٩

وَثَّقَهُ القوم، وأثنوا عليه كثيراً، وأخرج له الستة، وربما نقموا
عليه بالإرجاء.
توفي سنة عشر ومئة.
(شيخه)، وهو أبو عبيدة عامرُ بنُ عبدالله بنِ مسعودٍ الهذليُّ،
الکوفیُّ، وقيل : اسمُه کنیته.
عن أبيه، ولم يسمع منه. وحديثه عنه في السنن الأربعة، وعن
أبي موسى، وكعب بن عُجرة، وعائشة، وخلائق.
وعنه إبراهيم النخعي، ومجاهد، ونافع بن جبير، وآخرون.
وَثَّقَهُ القوم، وأخرج له الستة.
قال أحمد: كانوا يفضِّلونه على أخيه عبد الرحمن.
وقال عمرو بن مرة: سألته: هل تذكر من أبيك شيئاً؟ قال: لا.
قال أبو داود: مات أبوه وله سبع سنين، قال عمرو: فُقد ليلة
دجیل سنة إحدى و ثمانین .
الثاني: في الجمع بين الروايتين :
قوله: (بِخَمْسِ كَلِمَاتٍ) الظاهر أن المراد من الكلمات:
الجمل المستقلة في إفادة المعنى؛ فإن قوله: ((وَلاَ يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَنَامَ))
وكلاهما كلمة واحدة، وكذلك قوله: ((وَعَمَلُ النَّهَارِ قَبْلَ عَمَلِ اللَّيْلِ))
من تتمة قوله: ((يُرْفَعُ إِلَيْهِ عَمَلُ اللَّيْلِ قَبْلَ عَمَلِ النَّهَارِ))، فكانا كلمة.
فالأولى: ((إِنَّ اللهَ لاَ يَنَامُ، [وَلاَ يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَنَامَ]».
٢٣٠

[والثانية:] ((يَخْفِضُ القِسْطَ وَيَرْفَعُهُ)).
والثالثة: ((يُرْفَعُ إِلَيْهِ عَمَلُ اللَّيْلِ ... )) إلى آخره.
والرابعة: ((حِجَابُهُ النُّورُ)».
والخامسة: ((لَوْ كَشَفَهُ» من جملة قوله: ((حِجَابُهُ النُّورُ))، ومتعلق
به، ولكنه مفيد فائدة لا تفيدها الأولى، جعل (فِي رِوَايَة) كلمة
خامسة، و(فِي رِوَايَة) تتمة للرابعة، فقال: ((بِأَرْبَع كَلِمَاتٍ)) في الرواية
الثالثة، ولم يذكر: ((حجابه النور ... )) إلى آخره، فقيل: مذكور،
ولكن لم يذكره مسلم اختصاراً، فتكون مثل التي قبلها، وإنما التعبير
في قوله: ((وَيُرْفَعُ إِلَيْهِ عَمَلُ النَّهَارِ بِاللَّيْلِ)) بتقديم ذكر النهار على الليل
في هذه الرواية، عكس التي قبلها، وحذف لفظة (قَبْل)، وإيراد الباء
بدلها، وقيل: الرواية تامة، ما حذف منها شيء. وقوله: ((حِجَابُهُ
النُّورُ)) غير مذكور فيها، فعلى هذا جعل كل واحد من قوله: ((وَيُرْفَعُ
إِلَيْهِ عَمَلُ النَّهَارِ بِاللَّيْلِ، وَعَمَلُ اللَّيْلِ بِالنَّهَارِ)) كلمة، فيحتمل على هذا:
أن الاعتبار بالخمس والأربع في الروايتين السابقتين فيها، لا في قوله:
((لَوْ کَشَفَه»، فتدبر.
الثالث: في المعنى:
فاعلم: أن المعلومَ من الكلمات أمورٌ:
من الأولى: عدم جواز النوم على الله تعالى؛ لأنه موت كما
قال ◌َّ﴿ حين سئل عن نوم أهل الجنة، فقال: ((النَّوْمُ أَخُو المَوْتِ،
٢٣١

والجَنَّة لا مَوتَ فيها))، و- أيضاً - النوم راحة من تعب التصرف،
ويحصل للشخص تغيير من صفة الكسالة إلى صفة الجلادة، ولا شك
في أنه تعالى منزه عن كل ما يوجب الغفلة والتغيير، ﴿لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا
نَوْمٌ ﴾ [البقرة: ٢٥٥].
ومن الثانية: أن نصيب الخلق من الرزق وغيره بأمره وبقدره؛
كما قال: ﴿وَمَا نُغَزِّلُهُ: إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ﴾ [الحجر: ٢١]، والمعنى: أن أعمال
العباد تعدل عنده وتحفظ، وأرزاقهم تقسم وتنزل.
والقسط: الميزان؛ لأنه في الأصل: العدل، وبالميزان تعدل
الأشياء، فعبّر عن التسوية وحصول العدل والنَّصْفَة في الحفظ،
والإعطاء بالوزن بالميزان تمثيلاً وتصويراً، ولما كان خفض الميزان
للثقل، ورفعه للخفة، ومن كرم أكرم الأكرمين إعطاءُ الأجر الجزيل
والرزق الجميل عند حصول العمل القليل، قدم الخفض على الرفع،
فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوَزِينُهُ ل فَهُوَ فِى عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ ، وَأَمَّا مَنْ خَقَّتْ
مَوَزِينُهُ ، فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ ) وَمَآ أَدْرَنِكَ مَاهِيَةْ﴾ [القارعة: ٦ -١٠].
وقيل: إن القسط هو العدل نفسُه، ويراد به: الشرائع والأحكام،
كما قال: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَبَ وَاَلْمِيزَانَ
لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ ﴾ [الحديد: ٢٥]، فهي النصفة المأمور بها في قوله:
﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَنِ﴾ [النحل: ٩٠]، فتارة يرفعه بمعنى: يعليه
ويظهره بوجود الأنبياء وأصحابهم وأتباعهم العاملين به، وتارة يخفضه
بمعنى: أنه يُذهبه ويُخفيه بدروس الشرائع، ورجوع الأكثر عن الاستقامة.
٢٣٢

وقيل: رفع الأمانة ونصبها؛ كما قال - عليه السلام -: ((أَّلُ
مَا تَفْقِدُونَ مِنْ دِينِكُمُ الأَمَانَّةُ، وَآخِرُ مَا تَفْعِدُونَ مِنْهُ الصَّلاةُ».
ويجوز أن يراد بالقسط: العلم، وأنه إخبار عن رفعه من الأرض؛
كما قال - عليه السلام -: ((عليكُمْ بِالعِلْمِ قَبْلَ أَنْ يُرْفَعَ))، وخفضه: إيجاده
في الأرض، ووضعُه فيها.
والمفهوم من الثالثة؛ أي: الأعمال ترفع إليه بسرعة؛ فإن الليل
والنهار متعاقبان، فيرفع العمل الواقع في الليل قبل مجيء النهار،
والعمل الواقع في النهار قبل مجيء الليل، ولما كان امتياز الليل من
النهار بغروب الشمس، وامتياز النهار من الليل بطلوعها، أو الفجر،
وكان اتصال أحدهما بوجه لا يتخلل بينهما شيء غير سرعة رفع
الأعمال إليه، بأنه يرفع عمل الليل بعد مُضيِّهِ ودخول النهار، وعمل
النھار - أيضاً- كذلك.
ولما كان ذلك بالنسبة إلى قدرة الله تعالى أمراً ميسّراً واقعاً،
ووجود[٥] لا یتأخر عند تعلق إرادته بحال، ولا يتوقف على زمان كما
تتوقف أمور المخلوقات، ذكر أنه يرفع إليه عمل الواقع في أحدهما
بعد مضيه ودخول الآخر؛ إيماء إلى ذلك، ولما كان بعد مضي
أحدهما يدخل الآخر بلا تخلل، ذكر أن عمل النهار يرفع بالليل،
وعمل الليل بالنهار، نظراً إلى ما يتفاهم الناس، فَرْفْعُ العمل بالحقيقة
وبالنظر إليه تعالى لا يتوقف على زمان، ولا يوجد فيه، بل بعد وجوده
وصدوره من العامل، يحيط علمه به موجوداً، كما أحاط في الأزل بأنه
٢٣٣

سيوجد، وبالظاهر وبالنظر إلى الملائكة الرافعين يوجد في زمان،
ويرفع عمل كل واحد منها في أول جزء الآخر.
فالروايتان ناظرتان إلى هاتين الجملتين، ولما كان إخلاص
العمل في الليل أكثر من النهار، والعمل المفيدُ به المستأهِلُ بأن يُرفع
هو الذي بالإخلاص، قدَّمَ ذكرَ عمل الليل؛ لأنه الذي يكون سببَ
خفضٍٍ الميزان، ولما لوحظ في الرواية الثانية رفع الملائكة بالعمل،
وذلك في الزمان، ورفعهم - أيضاً - عمل يؤثر في قبول ما رفعوا،
لوحظ وقت الرفع، لا وقت العمل، فقيل: يرفع إليه عمل النهار
بالليل.
والضمير في (إليه) عائد إلى الله تعالى، على تقدير مضاف،
والمراد: المحل الذي تنتهي إليه الملائكة بأعمال العباد، ولعله سِدْرةُ
المنتهى - كما تقدم -، وهذا كما تقول: دفع المال إلى الملك؛ أي: إلى
خزائنه، وعليه يحمل قوله تعالى: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الَِّبُ ﴾ [فاطر: ١٠]،
وقوله: ﴿تَعْرُجُ اَلْمَلَئِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ ﴾ [المعارج: ٤]، ونحو ذلك،
وإنما احتجنا إلى هذا التأويل؛ لاستحالة الجهة في حقه تعالى على
ما جاء مصرحاً في قوله تعالى: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَاكُنْتُمْ﴾ [الحديد: ٤]،
ونحوه، ولدلالة الدلائل العقلية والنقلية على ذلك.
والمفهوم من الرابعة: عظم جلاله - جل جلاله -؛ بحيث لا يبلغ
أحد من خلقه إلى أوائل مراتب إدراكه - تعالى وتقدس -، وعبَّر عن
ذلك بالحجاب تمثيلاً وتفهيماً، وإن كان هو منزهاً عن الحجاب؛ إذ
٢٣٤

العادة أن الملوك والسلاطين كانوا محجوبين عن أن يصل إلى جنابهم
كلُّ من يريد، فمالكُ الملوك، وربُّ الأرباب، وإن كان قريباً إلى
عباده، عالماً بأحوالهم، وأقرب إليهم من حبل الوريد، لكِنْ نظراً إلى
كمال ذاته، وعلو صفاته، لا تدرك عقولُ جميع مخلوقاته أوائلَ مراتب
كمالاته، فعبّر عن ذلك بالحجاب؛ تشبيهاً لذلك بالحجاب الذي هو
المانع في الحقيقة للمخلوقين، لا إلى الخالق؛ فإنه منزه عن الحجاب
والحد، ويستحيل عليه؛ لأنه يلزم منه الحدوث، وهو منزه عنه.
وذكر أن الحجاب: النور، أو النار، وفي بعض الأحاديث:
الظلمة والماء، وغير ذلك - كما مَرَّ - إيماء إلى أن المراد بالحجاب
ليست الحجب حقيقة، وأنها ليست بموانع، بل المانع: إرادته
ومشيئته وقدرته، وهذه تمثيلات، وهذا هو المذهب الحق، وعليه
مذهب أهل السنة من السلف والخلف.
وقالوا: إن الرؤية والإدراك فعلُ الله تعالى، وخَلْقُ ذلك في
المدرك، ولا يشترط في المرئي والمدرَك سوی وجوده، إلا من حيث
مجرى العادة، خلافاً للفلاسفة ومن اقتفى آثارهم من ضُلاَّل المعتزلة؛
حيث اشترطوا في الرؤية رفعَ الموانع؛ من الحجب الثخينة، والقربِ
والبعدِ المفرِطين، واشترطوا اتصالَ الأشعة، ومقابلةَ المرئي، وافتقار
الإدراك لنبيِّه مخصوصة، وهي العين، وهذه الدعاوى حملتهم على
نفي رؤية العباد لله تعالى أصلاً، وقال بعضهم(١): إن ما وراء الله لا يَرى
(١) في الأصل: ((وقال بعضهم إلى)).
٢٣٥

ولا يُرى - تعالى الله عن قولهم علواً كبيراً -، فأبان النبي وَّ ل أن حَجْبَ الله
لأبصارِ خلقِه مشيئته وخلقُه إلى أنه يحجبه شيء، وأن النور الذي هو
في العادة سببٌ للإدراك، والموجب للرؤية، يحجب بمشيئته عنه
العباد، كما يحجبهم ضده من الظلمة، وكذلك الماء بشفوفه ورقته،
والنار بضوئها.
وفي هذا الحديث بيان للجواب المذكور في حديث أبي ذر؛
حيث قال: ((نُورٌ أَنَّى أَرَاهُ))، أو ((رَأَيْتُ نُوراً)، فإنه لما قال ذلك، خطر
في قلوب السامعين أن النور الذي هو المرئي بأي طريق كان، فقام
رسول الله ﴿ خطيباً، وبيَّن أن المراد بالنور المانع: هو قدرته
ومشيئته؛ فإن قوى البشر في هذا العالم قاصرة عن احتمال هذا الأمر
- ولو قدر الله تعالى، وأراد من غير أن يخلق قوة التحمل للمدرك،
لاضمحلَّ الكل، كما ذكر، وذكر أن حجابه النور، أو النار، إيماء إلى
أنه ليس من جنس ما يحجب، بل هو تمثيل لما يليق بجلاله، ولما
كان الوجه وارداً في صفات الله تعالى ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَلِ
وَالْإِكْرَامِ ﴾ [الرحمن: ٢٧]، ويؤول بالذات، أو يؤمن به، ويترك التأويل
والخوض، على ما هو المذهب في أمثاله، والحجابُ الذي ورد
تمثيلاً يكون في الأصل لستر وجه مَنْ له الحجاب - جاء ذكرُ الوجه
بهذه المناسبة، ولمناسبة النور، وذكرُ السُّبُحات، وهي جمع سُبْحَة؛
في ((الأساس)): يقال: أسألك بسُبُحاتٍ وجهك؛ أي: بما يسبح به من
دلائل عظمتك وجلالك. ويقرب إليه ما في ((الغريبين)) وغيره، من أن
المراد من سبحات الوجه: نوره وجلاله وبهاؤه.
٢٣٦

الرابع: في مرجع الضمائر:
اعلم: [أن] آراء القوم اضطربت في مرجع الضمائر، فذهب قوم
إلى أن كلها - يعني: الضمير في (حِجَابُهُ)، و(وَجْهه)، و(بَصَرُهُ) -
يرجع إلى الخلق، والمعنى: مانعُ الخلق عن الرؤية النورُ، لو كشف
الله تعالى المانع، لاحترقت وجوه المخلوقين، وهذا كما ترى بعيد
جداً، فإن الرواية رفعُ السبحات، بأنها محرقة لا محترقة.
وذهبت طائفة إلى أن الضمير في (حِجَابه)، و(وَجْهه) لله تعالى،
وفي (بَصَره) للخلق، فيقرب الكلام بهذا التقدير إلى الانتظام، وفيه
نوع بعد في أنّ قوله: (بَصَره) فاعل قوله: (انْتُهَى)، وقوله: (مِنْ
خَلْقِهِ) بيان لما في قوله: (مَا انْتُهَى)، وقول [ .... ]: لأحرقت
سبحات وجهه ما انتهى إليه من خلقه بصره، وفيه حزازة لا تخفى،
ويحتاج إلى أن يفك النظم، ويقدر: لأحرقت سبحات وجهه من خلقه
ما انتھی إلیه بصره منهم.
ولأجل ذلك ذهب المحققون بأن الضمير في قوله: (بَصَره)
راجع إلى الله تعالى، كما أن الضمير في (حِجَابُهُ)، و(وَجْهه) راجع
إليه، حينئذ يتم الانتظام، ويصير المعنى: أن سبحات وجهه تحرق
الجميع؛ إذ لا من شيء إلا ورؤية الله تعالى تنتهي إليه، فكأنه قال: لو
کشفها، لأحرقت جميع الخلق، کما مَرَّ في حديث أنس : أن جبريل
قال: ((لو رأيتُ أدناها، لاحترقتُ))، والمعنى: أن الله تعالى لو كشف
عن خلقه ما منعهم به من رؤيته في الدنيا، لَمَا أطاقوا رؤيته، ويهلكوا
٢٣٧

من عند آخرهم؛ لأنه إنما خلقهم في هذه الدار الفانية لأجل التكليف
والابتلاء، والارتحال والفناء، فإذا أنشأهم للبقاء، وقوَّاهم، احتملوا
ذلك.
وقد حمل بعض أهل المشرب الحجب على ما يمنع المعرفة من
العلوم العادية الناقصة، المانعة للعقل عن المعرفة، والمعنى: لو
كشف الله تعالى تلك الحجب عن المخلوقين، وأراحهم منها،
وظهرت الأنوار والمعارف التي [هي] من وجه الحقيقة وجهه،
لأحرقتهم ولأهلكتهم، ولم يحتملها ضعفُ تركيبهم، ولكنه تعالى
إنما يكشف منها اليسير بقدر احتمال قواهم الضعيفة، حتى إذا شاء الله
تعالى، وقواهم، وربط على قلوبهم، احتملوا رؤيته، ومشاهدة
عجائب ملكوته وقدرته، بقدر ما أعطاهم من القوة، ويؤيد ذلك:
ما جاء في قوله - عليه السلام -: ((فلا يسمعُ حِسُّ ذلكَ أحدٌ لا يربَطُ
على قلبه، إلا خلع أفئدته بالموت)).
وحمل بعضُهم حجاب النور على: المعرفة، والمعنى: حجبت
هذه المعرفة، وهي معرفة أن لا مِثْلَ له، ولا نِدَّ له هي النور، وبيان أن
العجز عن إدراكه إدراك، كما قال الصِّدِّيق. قال الله تعالى ﴿أَفَمَن شَرَحَ
اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَمِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِّن رَّيِّهِ﴾ [الزمر: ٢٢]، وقال: ﴿مَثَلُ نُورِهِ،
كَمِشْكَوْقٍ فِيهَا مِصْبَاعُ﴾ [النور: ٣٥]، فالمراد - والله أعلم -: أنه لا يريد
كشف الحجاب في هذه الدار، فراعى مراده سبحانه وتعالى، وإلا،
فالمساكين يرضون بالاحتراق ألف مرة.
٢٣٨

وللكلام في هذا المقام بسط، لولا مخافة الغبار، وملاحظة
الأغيار.
فلنرجع إلى الكتاب، ونبين الفوائد المتعلقة بفحوى الخطاب.
وفي جعله حجابه النور إيماءٌ إلى سعة رحمته، وأن رحمته
سبقت غضبه؛ فإن النور خيرٌ محضٌ، فرفعُ العمل القليل المشتمل
على الخير يخفض القسط، بأنه بنوره الفائض على جميع مخلوقاته،
وإعطائه التوفيق لهم، وخلقهم على الفطرة، يقبل العمل اليسير،
ويثيب عليه الثواب الجزيل.
وفي جعل النار إيماءٌ إلى أن أفعال العباد لا تقتضي فيضان النور
عليهم، ولكن بفضله عليهم تقبل منهم، ففيه إشعار إلى الوعيد، كما
أن في الأول إشعاراً إلى الوعد.
وفي إسناد الإحراق إلى سبحات الوجه دون الحجاب، إيماءٌ إلى
أن الإفناء من صفات جلال الجمال.
والحاصل: بيان أن رحمته قريب إلى عباده، وهو أقرب إليهم
من كل شيء، وترفع إليه أعمالهم موجودة بأسرع ما يمكن، ولكن
لا تُدرك ذاته، ولا تُعلم صفاته لغاية كمال المُدْرَكِ، وضعف المُدْرِكِ،
فلو أمكن اتصالُ قوى المخلوقات إلى ساحة إدراكه، لاضمحلت،
ولا يبقى لها أثر، فأشار إلى جانب كماله، وطوى ذكرَ جانب ضعف
المخلوقات؛ لأنه يعلم من ذلك.
و- أيضاً -: يليق بالكمال ذكرُ جانبه، لا جانب النقصان.
٢٣٩

ولَمَّا كانت الكلمة الخامسة منطوية تحت الرابعة - كما أشرنا
إليه -، وكما وردت به الرواية المشتملة على ذكر الأربع، طوينا ذكره.
وإنما لم يتوسط العاطف بين الكلمات؛ لأن كل واحدة مبيّنة
للتي قبلها بوجه.
فالأول لمَّا اشتمل على نفي الغفلة عنه - تعالى وتقدَّس -، بیَّن
ذلك بأن جميع أمور المخلوقات تحت قدرته وإرادته، فكيف تصح
عليه الغفلة والنوم؟
ولما عبر عن ذلك بخفض القسط ورفعه، بيَّنه في الثالثة؛ بأن
سبب ذلك عمل المخلوقات؛ فإنها ترفع إليه دائماً.
ولما كان في ذلك إبهام رؤية الرافعین للأعمال له، کما کان حال
المخلوقات، نبّه على دفع ذلك بالرابعة، فقال: ((حِجَابُهُ النُّورُ ... ))
إلى آخره، فعلم أنه محيط بجميع الأشياء، لا يَعْزُب عنه شيء، ويعمل
على ما تقتضيه إرادته، لا يدركه أحدٌ من خلقه، ولا ينتهي إليه، بل
جميعُ ما سواه بالنظر إلى كماله في حيز الفناء والزوال، فلا يصح عليه
النوم والغفلة وكل ما فيه نوعُ نقصان، ولا يمكن للمخلوقات في دار
التكليف رؤيته، وكلُّ واحدة من الكَلِمِ مُبيِّنة للتي قبلها، فلا مجال
للعاطف بينها، ولو وجد، لكان بين القضاء، [ ... ] كما في حمل آية
الكرسي؛ فإن الحديث على رزانتها معنى وأسلوباً، فتأمله.
الخامس: في قوله: (وَفِي رِوَايَةٍ أَبِي بَكْرٍ: عَنِ الأَعْمَشِ) لمّا
ذكر في الأول: أن أبا بكر بن أبي شيبة، وأبا کُريب حَدَّثاه عن الأعمش،
٢٤٠