Indexed OCR Text

Pages 201-220

وشهد اليرموك، وسكن المِزَّةَ القريةَ المعروفة بجنب دمشق،
وبقي إلى خلافة معاوية څ﴾.
وأما (عروة بن مسعود)، فهو أبو مسعود، وقيل: أبو يعفور عروةُ
ابنُ مسعود بن معدن بن مالك [بن] کعب بن عمرو بن سعد بن عوف بن
ثقيف بن بكر بن هوازن بن عكرمة بن حفصة بن قيس عيلان - بالعين
المهملة -، الثقفيُّ، وأمه سبيعة بنتُ عبد شمس بن عبد مناف.
قال ابن إسحاق: لما انصرف النبي - عليه السلام - عن ثقيف،
تبعه عروة بن مسعود، فأسلم، وسأله أن يرجع إلى قومه بالإسلام،
وكان فيهم مجاباً(١) مطاعاً، فرجع إليهم، فأظهر دينه، ودعاهم إلى
الإسلام، فرموه بالنبل من كل وجه، وأصابه سهم فقتله، فقيل له: ما
ترى في دمك؟ فقال: كرامة أكرمني الله بها، وشهادة ساقها الله إليَّ،
فادفنوني مع الشهداء الذين قتلوا مع رسول الله إذاۇ .
وأما (قَطَنٌ)، فهو عبدُ العزيز بن قطن - بفتح القاف والطاء -،
جاهليّ .
(١) في الأصل: ((مجيباً)).
٢٠١

(٥٣)
هل رأى محمد - عليه السلام -
ربه ليلة المعراج، أم لا؟
٤٥٠ - (١٧٤ / ٢٨٠) - وَحَدَّثَنِي أَبُو الرَّبِيعِ الزَّهْرَانِيُّ، حَدَّثَنَا
عَبَّادٌ - وَهُوَ ابْنُ الْعَوَّامِ -، حَدَّثَنَا الشَّيْيَانِيُّ، قَالَ: سَأَلْتُ زِرَّ بْنَ حُبَيْشٍ
عَنْ قَوْلِ اللهِ وَكَّ: ﴿فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَ﴾ [النجم: ٩]، قَالَ: أَخْبَرَنِي
ابْنُ مَسْعُودٍ: أَنَّ النَّبِيَّ وَ﴿ِ رَأَى جِبْرِيلَ لَهُ سِتُّ مِئَةٍ جَنَاحٍ.
٤٥١ - (١٧٤ / ٢٨١) - حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا
حَفْصُ بْنُ غِيَاثٍ، عَنِ الشَّيْبَانِيِّ، عَنْ زِرٍّ، عَنْ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: ﴿مَاكَذَبَ
اٌلْفُؤَادُ مَا رَأَ﴾ [النجم: ١١]، قَالَ: رَأَى جِبْرِيلَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لَهُ سِتُّ
مِئَةِ جَنَاحِ.
٤٥٢ - (١٧٤ / ٢٨٢) - حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُعَاذِ الْعَنْبَرِيُّ، حَدَّثَنَا
أَبِيِ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ سُلَيْمَانَ الشَّيْبَانِيِّ: سَمِعَ زِرَّ بْنَ حُبَيْشٍ، عَنْ
عَبْدِ اللهِ، قَالَ: ﴿لَقَدْ رَأَى مِنْ ءَايَتِ رَبِّهِ الْكُبْرَ﴾ [النجم: ١٨]، قَالَ: رَأَى
جِبْرِیلَ فِي صُورِهِ لَهُ سِتُّ مِئَةٍ جَنَاحِ.
أخرج له - هاهنا - ستة أحاديث:
٢٠٣

الأول: حديث زِر بنٍ حُبيش: سألت ابنَ مسعود عن قول الله
تعالى: ﴿فَكَانَ قَابَ قَّوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَ﴾ [النجم: ٩]، قال: إن النبي - عليه
السلام - رأى جبريل له سِتُّ مئةٍ جناح.
وفي رواية في قوله تعالى: ﴿مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَ﴾ [النجم: ١١] قَالَ
ابْنُ مَسْعُودٍ: رَأَى جِبْرِيلَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لَهُ سِتُّ مِئَةٍ جَنَاحٍ.
وفي رواية في قوله تعالى: ﴿لَقَدْرَأَى مِنْ ءَايَتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى﴾ [النجم: ١٨]
قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: رَأَى جِبْرِيلَ فِي صُورَتِهِ لَهُ سِتُّ مِئَةٍ جَنَاحِ. أخرجه
البخاري، والترمذي.
[٧٩ _ باب
مَعْنَى قَوْلِ اللهِ وَكَّ: ﴿وَلَقَدْ رَءَاهُ نَزْلَةً أُخْرَى﴾ [النجم: ١٣]،
وَهَلْ رَأَى النَّبِيُّ نَّهِ رَبَّهُ لَيْلَةَ الإِسْرَاءِ؟]
٤٥٣ - (١٧٥ / ٢٨٣) - حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْئَةً، حَدَّثَنَا
عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: ﴿وَلَقَدْ
رَاهُتَزْلَةً أُخْرَى﴾ [النجم: ١٣]، قَالَ: رَأَى جِبْرِيلَ.
الحديث الثاني: حديثُ أبي هريرة في قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْرَءَاهُ
نَزْلَةً أُخْرَى﴾ [النجم: ١٣]، قَالَ: رَأَى جِبْرِيلَ. وهذا من أفراد مسلم.
إذا عرفت هذا، فالكلام - هاهنا - في مواضع:
٢٠٤

الأول: في بيان المناسبة: لما أورد الأحاديث الدالّة على رؤية
النبي - عليه السلام - للأنبياء في المعراج، أراد أن يورد الأخبار الدالة
على أنه رأى جبريل - عليهما السلام - بصورته التي خُلق عليها؛ ليعلم
أن الآيات الواردة في الكتاب العزيز التي فيها خفاء في المرئي، حتى
اختلف القوم فيها، محمولٌ على رؤية جبريل، وأنه - عليه السلام -
ما رأى ربه، وإنما رأى جبريل، ورأى آثار قدرة ربه من النور وغيره.
الثاني : في تحقيق ذلك:
اعلم أن مسألة الرؤية من مشكلات المسائل في الكلام، وقد
زَلَّت فيها الأقدام، وكلّت عندها الأفهام، وكثر الخلاف والمِراء فيها.
ثم بعد اختلافهم في جواز رؤية الله تعالى في الآخرة، وأنه
- على تقدير الجواز - هل واقع، أم لا؟ اختلف القائلون بالجواز
والوقوع في أنه هل يجوز [أن] يقع في الدنيا، أم لا؟ وهل رأى نبينا
- عليه السلام - ربه في المعراج، أم لا؟ وفي كل واحد من هذه المقالات
لأصحاب المقالات حجج ومناقضات كثيرة في مواضعها .
ولما كان القولُ بحصول الرؤية في الآخرة للمؤمنين هو المذهب
الحق، والقول الجزم، وعليه جمعٌ كثير من الأمة من الصحابة ومَنْ
بعدهم، كان القولُ برؤية النبي - عليه السلام - في المعراج آثارَ قدرة
ربه؛ من رؤية جبريل في صورته، ورؤية النورِ، وغير ذلك من الآيات
الکبری، أسلمَ.
وذهب بعض أهل الحديث إلى هذا القول، ودوَّنوا [ذلك] كتبهم،
٢٠٥

فمسلمٌ - رحمه الله - جرى على منوالهم، وقدَّم ذِكْرَ عدمٍ رؤية النبي
- عليه السلام - ربّه في المعراج على بيانٍ حصولِ الرؤية في الآخرة
ممن دخل الجنة؛ لأنه يتعلق بحال المعراج، وهو في صدد بيانه
- أيضاً-، هذا في الدنيا، وذلك في الآخرة.
ولما كان أجلَّ ما يُتمسك [به] في هذا الباب على هذا المذهب
قولُ عائشة - رضي الله عنها -، وسؤال أبي ذر ته، أوردهما على
الترتيب .
ولما كان في حديثٍ أبي ذر نوعُ خفاء في دلالته على المقصود،
وحديثٍ أبي موسى، عقبه به، وهذا القول مروي عن أبي هريرة، وابن
مسعود، وجماعة من الصحابة ومن بعدهم.
وعن ابن عباس : أنه قال: رأى النبي - عليه السلام - ربه
بعينه .
وعنه: أن رسول الله وَ لّ قال: ((رَأَيْتُ رَبِي ◌َ)) رواه أحمد،
ورجاله رجال الصحيح.
وعنه: أنه يقول: إِنَّ مُحَمَّداً وَِّ رَأَى رَبّه مَرَّتَيْنِ: مَرَّةً بِبَصَرِهِ،
وَمَرَّةٌ بِفُؤَادِهِ. رواه الطبراني، ورجاله ثقات.
وعنه: أنه قال: نَظَرَ مُحَمَّد نَّهِ إِلَى رَبّه - تَبَارَكَ وَتَعَالَى -))، قَالَ
عِكْرِمَةُ: فَقُلْتُ لابْنِ عَبَّاس: نَظَرَ مُحَمَّدٌ وَلَّهِإِلَى رَبّه - تَبَارَكَ وَتَعَالَى -؟
قَالَ: نَعَمْ، جَعَلَ الكَلاَمَ لِمُوسَى، وَالخُلَّةَ لِإِبْرَاهِيمَ، وَالنَّظَرَ لِمُحَمَّدٍ.
رواه الطبراني، وإسناده حسن.
٢٠٦

ويروى عنه: أنه قال: ((أَتَعْجَبُونَ أَنْ تَكُونَ الخُلَّةُ لإِبْرَاهِيم،
وَالكَلامُ لِمُوسَى، وَالرُّؤْيَةُ لِمُحَمَّدٍ؟)) - صلوات الله عليهم أجمعين -.
وعن عكرمة: أنه سأل ابن عباس: هَلْ رَأَى مُحَمَّد رَبّه؟ قَالَ:
نَعَمْ.
وروي عن شعبة، عن قتادة، عن أنس، قال: رَأَى مُحَمَّدٌ وَّهِرَبِّه.
وَكَانَ الحَسَنِ يَحْلِفِ: لَقَدْ رَأَى مُحَمَّدٌ أَِّرَبّه .
وحُکي مثله عن ابن مسعود، وأحمد بن حنبل.
وحكى أصحابُ المقالات عن الأشعري القولَ بالرؤية في المعراج.
ووقف بعض المحققين في ذلك، وقالوا: لا شك في جواز
الرؤية؛ لِمَا دلت عليه الأدلة المذكورة في موضوعه، وسؤال موسى
-عليه السلام - أقوی دلیل علیه.
والقول بأن مراده: العلم، فعبّر عنه بالرؤية بالمجاز - على ما قاله
العلاف، وتبعه الجُبَّائي؛ وأكثرُ البصريين من المعتزلة - فاسدٌ؛ لأنه
خلاف [الحقيقة]، ولزومه عدم علم موسى - عليه السلام - بربه،
ویلزم ذلك ضال بلا ريب.
وكذا القول بأن المضاف مقدر، والمقصود: رؤية عَلَم من
أعلامه - على ما قاله الكعبي، والبغداديون منهم -، وبأن ذلك لأجل
قومه على ما قال الجاحظ ومتبعوه(١) لما مَرَّ.
(١) في الأصل: ((ومتبوعه).
٢٠٧

وقد دلت الدلائل على الجواز مطلقاً، وعلى الوقوع في الآخرة،
وإنما النزاع في الوقوع [في الدنيا]، فالواجب التوفيقُ، وإيكال الأمر
إلى عالم الغيب؛ إذ لا مجال للعقل في ذلك، والنقل قد يُعارض؛ لما
مَرَّ من كلام ابن عباس، وعائشة، وغيرهما، وغايةُ التمسك في النفي
والإثبات بهذا الظواهر المتعارضة المُعرَّضة للتأويل، والمسألة ليست
من باب العمليات حتى يكتفى منها بالظنون، وإنما هي من باب
المعتقدات، ولا مدخل للظنون فيها؛ إذ الظن في الحقيقة لتغليب أحد
المجوِّزين، وهو من باب الشك مناقض العلم والاعتقاد، وهذا قول
جمع من المحققين.
واختيارُ قومٍ إثباتَ رؤية نبينا - عليه السلام - ربّه ليلة المعراج،
وترجيحُ رواية ابن عباس ظُها على رواية عائشة، فإنها سمعت عدمَ
الرؤية، بل سمعت تفسير الآيتين، ولهذا لم تصرح بالرفع إلى النبي
- عليه السلام -، بل احتجت للاستدلال، وسيجيء الكلام عليه.
وقد عرفت ۔ فیما مَرّ ۔ أن قوی الأنبياء، خصوصاً قوة نبينا - عليه
السلام -، واطلاعه على الأمور مغايرةٌ لقوى سائر الخلق، فلا يبعد أن
تكون الدنيا عند كمال قوته بمنزلة الآخرة، وأن يعاين بعين اليقين
هاهنا ما يحصل لغيره في الآخرة، وقد مَرَّ في حديث ابن عباس
مرفوعاً إثباتُ الرؤية، وقد جاء فيما ذكرنا [ما] يوجب الاعتقاد به،
ونحن ندین بذلك ۔ إن شاء الله -.
و- أيضاً -: إن هذه مرتبة للإنسان، ولله تعالى [ .... ].
٢٠٨

واختلفوا - أيضاً -: هل كلَّم محمدٌ ربه ليلة الإسراء بغير واسطة،
أم لا؟
فذهب ابن مسعود، وابن عباس، وجعفر بن محمد، وأبو
الحسن الأشعري في طائفة من المتكلمين إلى إثباته.
وذهبت طائفة إلى نفي ذلك، والكلامُ على هذه المسألة كالكلام
على مسألة الرؤية سواء، والمشهور من مذهب عائشة النفي، ولذلك
استدلت بالآية الدالة على نفي الكلام والرؤية بحسب الظاهر - على
ما سیجيء۔.
وقد جاء: أن الله تعالى كلم عبدَالله بنَ حرام أبا جابر كفاحاً،
فالكلام مع محمد ◌َّ﴿ أولى، وربما يستدل بذلك القائلُ بالكلام.
وربما يجاب: بأن الكلام مع عبدالله بعد خروجه من الدنيا،
ودخوله الجنة، ولا نزاع فيه، وإنما التنازع [في] الكلام مع النبي
- عليه السلام - في المعراج، وذلك من وراء التكليف.
الثالث: التعريف بالرواة سوى ما سلف.
(عَبَّاد)، وهو أبو سهل عبادُ بنُ العوام بنِ عمرَ بنِ عبدالله بن
المنذر الكلابيُّ، مولاهم، الواسطيُّ.
عن حصين بن عبد الرحمن، وأبي مالك الأشجعي، وابن عون،
وخلائق.
وعنه أحمد، وابن أبي شيبة، وآخرون.
وَثَّقَهُ ابن معين، وأبو حاتم، وأخرج له الستة.
٢٠٩

وقال أحمد: مضطرب الحديث عن ابن أبي عروبة.
وقال ابن سعد(١): كان يتشيع، فحبسه هارون زماناً، ثم خَلَّى عنه.
توفي سنة خمس وثمانين ومئة.
الرابع: في ترتيب الآثار:
لما كانت الآيات الثلاث الواردة في سورة النجم مما يتمسك بها
في رؤية النبي - عليه السلام - ربّه ليلة الإسراء، أورد الروايات المنقولة
عن الصحابة، على أن المراد: رؤية جبريل بصورته، ولما كان قوله
تعالى: ﴿وَلَقَدْ رَءَاهُ نَزْلَةً أُخْرَى﴾ [النجم: ١٣] يدل على تكرير الرؤية، انتقل
إلى ذكر الرواية المشتملة عليه، المذكور فيها: أن المراد بها - أيضاً -
رؤية جبريل، وأورد قول ابن عباس: (أنه رآه)؛ أي: ربه، فتكون
الروايات المنقولة عن غير ابن عباس، أن المراد: رؤية جبريل،
والمنقولة عنه: أنه رؤية ربه تعالى بقلبه لا بعينه، وليس [في] الكتاب
الرواية المشتملة على بيان رؤيته ربَّه بعينه.
٤٥٤ - (١٧٦ / ٢٨٤) - حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةً، حَدَّثَنَا
حَفْصٌ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: رَآهُ بِقَلْبِهِ.
٤ - (١٧٦ / ٢٨٥) - حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ بْنُ أَبِي شَيْئَةَ، وَأَبُو
(١) في الأصل: ((ابن سعيد)).
٢١٠

سَعِيدٍ الأَشَجُّ جَمِيعاً، عَنْ وَكِيعٍ - قَالَ الأَشَجُّ: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ -، حَدَّثَنَا
الأَعْمَشُ، عَنْ زِيَادِ بْنِ الْحُصَيْنِ أَبِي جَهْمَةَ، عَنْ أَبِيِ الْعَالِيَةِ، عَنِ
ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: ﴿مَا كَذَبَ اٌلْقُؤَادُ مَا رَأَ﴾ [النجم: ١١]، ﴿ وَلَقَدْ رَءَاهُ نَزْلَةٌ
أُخْرَى﴾[النجم: ١٣]، قَالَ: رَآهُ بِفُؤَادِهِ مَرَّتَيْنِ.
٤٥٦ - (١٧٦ / ٢٨٦) - حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْئَةَ، حَدَّثَنَا
حَفْصُ بْنُ غِيَاثٍ، عَنِ الأَعْمَشِ، حَدَّثَنَا أَبُو جَهْمَةَ بِهَذَا الإِسْنَادِ.
الحديث الثالث: حديثُ ابن عباس، قَالَ: رَآهُ بِقَلْبِهِ .
وفي رواية: قوله: ﴿مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَغَىَ﴾ [النجم: ١١]، ﴿ وَلَقَدْ رَءَاهُ
نَزْلَةٌ أُخْرَى﴾ [النجم: ١٣] قال ابن عباس: قَالَ: رَآهُ بِفُؤَادِهِ مَرَّتَيْنِ.
أخرج الترمذي الروايتين، وله أخرى: أن ابن عباس قَالَ: رَأَى
مُحَمَّدٌ بَيْهِرَبَّهُ رَتْ، قال عكرمةُ: أَلَيْسَ اللهُ يَقُولُ: ﴿لََّ تُدْرِكُهُ الْأَبْصَرُ
وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَرَ﴾[الأنعام: ١٠٣]؟ قَالَ: وَيْحَكَ! ذَاكَ إِذَا تَجَلَّى بِنُورِهِ
الَّذِي هُوَ نُورُهُ، وَقَدْ رَأَى رَبَّهُ مَرَّتَيْنٍ)).
إذا عرفت هذا، فالكلام عليه في مواضع:
الأول: في التعريف برواته سوی ما ذکر.
(أَبُو جَهْمَةٍ)، وهو زياد بن الحصين بن قيس اليربوعي.
عن ابن عباس، وابن عمر، وجمع.
عنه عاصمٌ الأحول، وعَوْن، ومطرٌ، وجماعة.
٢١١

وَثَّقَهُ العجلي، وأخرج له مسلم، والنسائي، وابن ماجه.
وقال أبو حاتم: أبو جهم عن ابن عباس، مرسل.
الثاني: في معنى قوله: (رَآهُ بِقَلْبِهِ) ليس المراد منه: العلم؛ فإنه
- عليه السلام - كان عالماً به على الدوام، بل المراد على ما ذهب إليه
المحققون من أن الرؤية لا يشترط فيها محل مخصوص عقلاً، بل
يجوز أن تُخلق في أي عضو كان، وإنما العادة جرت بخلقها في
العين، وقد نقل عن ابن عباس - فيما مَرَّ -: أنه ذهب إلى أن النبي
- عليه السلام - رأى ربه ببصره، وهذا غير ذلك.
وإما أن تنقل عنه الروايتان جميعاً، ويحمل على أن غرضه: بيان
أنه - عليه السلام - رآه بعينه، وبفؤاده - أيضاً -، وهو الأَوجه، ويدل
عليه رواية الترمذي - على ما مَرَّ -.
أو يكون المنقول أحدهما، ولمّا بين أن المراد من رؤية الفؤاد غيرُ
العلم، فإنه لا يُقَّد بمرتين، رواه بعض الرواة بلفظه، فقال: (رَآهُ
بِفُؤَادِهِ)، وبعضهم لما فهم أنه المقصود، وقال: (رَآهُ بِقَلْبِهِ)؛ ذهاباً إلى
أن رؤية الفؤاد إذا لم تكن بمعنى العلم يكون مرادفاً للإبصار، والله
أعلم.
وعن الواحدي: إن أكثر أهل التفسير على أن المراد: التدلي إلى
جبريل، ورؤية الآيات الكبرى: رؤية جبريل، وكذا رؤيته ﴿نَزْلَةٌ
أُخْرَى﴾ .
وأما قوله: ﴿مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى﴾ [النجم: ١١] المراد: رؤية ربه،
٢١٢

فقال جمهور المفسرين: رآه بقلبه على ما هو الظاهر من الآية.
وعن أنس، وعكرمة، والحسن، والربيع: أنه رآه بعينه، وقد مَرَّ.
الثالث: في شرح الألفاظ :
والقَابُ، والقِيبُ، والقَادُ، والقِيْدُ، والقيس: المِقْدَارُ، وقرئ
في الشواذ بدل ﴿قَابَ﴾: (قاد)، و(قيد)، و(قدر).
[وقد] جاء التقدير في كلام العرب بالقوس، والرمح، والسوط،
والذراع، والباع، والخطوة، والشبر، والأصبع، فورد ذلك على ما يتعارف
بينهم، والمراد: بيان القرب، والتقدير: فكان مسافة قربه مثلَ قاب قوسين
أو أدنى، على تقدير كم، كقوله: ﴿أَوْ يَزِيدُونَ﴾ [الصافات: ١٤٧].
* وقوله: (ما كذب الفؤاد)؛ أي: ما کذب فؤاد محمد - عليه
السلام - ما رآه؛ أي: بفؤاده؛ من رؤيته ربَّه، أو بعينه منه، أو من رؤية
جبريل.
وفي ((الكشاف)): ما رآه ببصره من صورة جبريل؛ أي: ما قال
فؤاده لمّا رآه: ما أعرفك، ولو قال ذلك، لكان كاذباً؛ لأنه عرفه.
والمعنى: أنه رآه بعينه، وعرفه بقلبه، ولم يشك في أن ما رآه
حق، وقرئ: ﴿ما كذَّب﴾ بالتشديد؛ أي: صدقه، ولم يشك أنه هو.
: وقوله: (من آيات ربه الكبرى) مثل: رؤية جبريل، وغير
ذلك.
وقيل: الآيات التي هي كبرها وعظماها، يعني: حين رقي إلى
٢١٣

السماء، فأُري عجائب الملكوت.
والنزلة: المرّة من النزول، ونُصبت نصبَ الظرف؛ أي: رآه مرة
أخرى، فإن كان المرئي هو جبريل، فالنزلة له، وإن كان الله تعالى،
فالنزلة عائدة إلى النبي - عليه السلام -، أو كانت له عرجات في تلك
الليلة لاستحطاط الصلوات، فكل عرجة نزلة.
٤٥٧ - (١٧٧ / ٢٨٧) - حَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ
ابْنُ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ دَاوُدَ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ مَسْرُوقٍ، قَالَ: كُنْتُ مُتَكِئاً
عِنْدَ عَائِشَةَ، فَقَالَتْ: يَا أَبَا عَائِشَةً! ثَلاَثٌ مَنْ تَكَلَّمَ بِوَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ، فَقَدْ
أَعْظَمَ عَلَى اللهِ الفِرْيَةَ؛ قُلْتُ: مَا هُنَّ؟ قَالَتْ: مَنْ زَعَمَ أَنَّ مُحَمَّداً وَجه
رَأَى رَبَّهُ، فَقَدْ أَعْظَمَ عَلَى اللهِ الفِرْيَةَ. قَالَ: وَكُنْتُ مُتَكِئاً، فَجَلَسْتُ،
فَقُلْتُ: يَا أُمَ المُؤْمِنِينَ! أَنْظِرِينِي وَلاَ تَعْجَلِيْنِي، أَلَمْ يَقُلِ اللهُ أَك:
﴿وَقَدْ رَءَاهُ بِالْأُفُقِّ الْبِينِ﴾ [التكوير: ٢٣]، ﴿ وَلَقَدْ رَءَاهُ نَزْلَةً أُخْرَى﴾ [النجم: ١٣]؟
فَقَالَتْ: أَنَا أَوَّلُ هَذِهِ الأُمَّةِ سَأَلَ عَنْ ذَلِكَ رَسُولَ اللهِوَهِ فَقَالَ: ((إِنَّمَا
هُوَ جِبْرِيلُ، لَمْ أَرَهُ عَلَى صُورِهِ الَّتِي خُلِقَ عَلَيْهَا غَيْرَ هَاتَيْنِ المَرََّيْنِ،
رَأَيْتُهُ مُنْهَبِطاً مِنَ السَّمَاءِ، سَاداً عِظَمُ خَلْقِهِ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ إِلَى
الأَرْضِ)». فَقَالَتْ: أَوَلَمْ تَسْمَعْ أَنَّ اللهَ يَقُولُ: ﴿لَّا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَرُ
وَهُوَيُدْرِكُ اَلْأَبْصَرَ﴾ [الأنعام: ١٠٣]؟ أَوَلَمْ تَسْمَعْ أَنَّ اللهَ يَقُولُ: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ
أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلََّ وَحْيًّا أَوْ مِن وَرَآعٍ جَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِىَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَآءُ
٢١٤

إِنَّهُ عَلِىُّ حَكِيمٌ ﴾ [الشورى: ٥١]؟ قَالَتْ: وَمَنْ زَعَمَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَالجول
كَتَمَ شَيْئاً مِنْ كِتَابِ اللهِ، فَقَدْ أَعْظَمَ عَلَى اللهِ الْفِرْيَةَ، وَاللهُ يَقُولُ: ﴿َأَيُهَا
الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكٌ وَإِن ◌َّمْ تَفْعَلْ فَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ﴾ [المائدة: ٦٧].
قَالَتْ: وَمَنْ زَعَمَ أَنَّهُ يُخْبِرُ بِمَا يَكُونُ فِي غَدٍ، فَقَدْ أَعْظَمَ عَلَى اللهِ
الفِرْيَةَ، وَاللهُ يَقُولُ: ﴿قُل لَّا يَعْلَمُ مَن فِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ الْغَيّبَ إِلَّا اللَّهُ﴾
[النمل: ٦٥].
٤٥٨ _ (١٧٧ / ٢٨٨) - وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا عَبْدُ
الْوَهَّابِ، حَدَّثَنَا دَاوُدُ بِهَذَا الإِسْنَادِ، نَحْوَ حَدِيثِ ابْنِ عُلَيَّةَ، وَزَادَ:
قَالَتْ: وَلَوْ كَانَ مُحَمَّدٌ وَهِ كَاتِماً شَيْئاً مِمَّا أَنْزِلَ عَلَيْهِ، لَكَتَمَ هَذِهِ
الآيَةَ: ﴿وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِّ أَنْعَمَ اللّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ
وَأَتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِى فِى نَفْسِكَ مَا اَللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ
تَخْشَهُ﴾ [الأحزاب: ٣٧].
٤٥٩ - (١٧٧ / ٢٨٩) - حَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرِ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا
إِسْمَاعِيلُ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ مَسْرُوقٍ، قَالَ: سَأَلْتُ عَائِشَةَ: هَلْ رَأَى
مُحَمَّدٌ ◌َِرَبَّهُ؟ فَقَالَتْ: سُبْحَانَ اللهِ! لَقَدْ قَفَّ شَعْرِي لِمَا قُلْتَ. وَسَاقَ
الحَدِيثَ بِقِصَّتِهِ.
٤٦٠ - (١٧٧ / ٢٩٠) - وَحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرِ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ،
حَدَّثَنَا زَكَرِيَّاءُ، عَنِ ابْنِ أَشْوَعَ، عَنْ عَامِرٍ، عَنْ مَسْرُوقٍ، قَالَ: قُلْتُ
٢١٥

لِعَائِشَةَ: فَأَيْنَ قَوْلُهُ: ﴿ثُمَّدَنَا فَتَدَلَ ا فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْفَ ) فَأَوْحَ إِلَى
عَبْدِهِ مَا أَوْحَى﴾ [النجم: ٨ -١٠]؟ قَالَتْ: إِنَّمَا ذَاكَ جِبْرِيلُ، كَانَ يَأْتِيهِ فِي
صُورَةِ الرِّجَالِ، وَإِنَّهُ أَتَاهُ فِي هَذِهِ المَرَّةِ فِي صُورَتِهِ الَّتِي هِيَ صُورَتُهُ،
فَسَدَّ أَفْقَ السَّمَاءِ.
الحديث الرابع: حديثُ مسروق: كُنْتُ مُتَكِئاً عِنْدَ عَائِشَةَ،
فَقَالَتْ: يَا أَبَا عَائِشَةَ! ثَلاَثٌ مَنْ تَكَلَّمَ بِوَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ، فَقَدْ أَعْظَمَ
عَلَى اللهِ الفِرْيَةَ؛ قُلْتُ: مَا هُنَّ؟ قَالَتْ: مَنْ زَعَمَ أَنَّ مُحَمَّداً وَخْ رَأَى
رَبَّهُ، فَقَدْ أَعْظَمَ عَلَى اللهِ الفِرْيَةَ. قَالَ: وَكُنْتُ مُتَكِناً، فَجَلَسْتُ، فَقُلْتُ:
يَا أُمَّ المُؤْمِنِينَ! أَنْظِرِينِي وَلاَ تَعْجَلِي، أَلَمْ يَقُلِ اللّهُ وَّ: ﴿وَقَدْ رَمَاءُ
بِالْأُفُقِّ الْمُبِينِ﴾ [التكوير: ٢٣]، ﴿ وَلَقَدْ رَءَاهُ نَزْلَةً أُخْرَى﴾ [النجم: ١٣]؟ فَقَالَتْ:
أَنَا أَوَّلُ هَذِهِ الأُمَّةِ سَأَلَ عَنْ ذَلِكَ رَسُولَ اللهِ نَّهِ، فَقَالَ: (إِنَّمَا هُوَ
جِبْرِيلُ، لَمْ أَرَهُ عَلَى صُورَّهِ الَّتِي خُلِقَ عَلَيْهَا غَيْرَ هَاتَيْنِ المَرَّتَيْنِ، رَأَيْتُهُ
مُنْهَِطاً مِنَ السَّمَاءِ، سَاداً عِظَمُ خَلْقِهِ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ)).
فَقَالَتْ: أَوَلَمْ تَسْمَعْ أَنَّ اللهَ يَقُولُ: ﴿لَّا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَرُ وَهُوَ يُدْرِكُ
اُلْأَبْصَرَ ﴾ [الأنعام: ١٠٣]؟ أَوَلَمْ تَسْمَعْ أَنَّ اللهَ يَقُولُ: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرِ أَنْ
يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِن وَرَآٍ ◌ِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِىَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَآءُ
ج
إِنَّهُ, عَلِىُّ حَكِيمٌ ﴾[الشورى: ٥١]؟ قَالَتْ: وَمَنْ زَعَمَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ اَيه
كَتَمَ شَيْئاً مِنْ كِتَابِ اللهِ، فَقَدْ أَعْظَمَ عَلَى اللهِ الفِرْيَةَ، وَاللهُ يَقُولُ: ﴿َأَيُهَا
الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبٌِّ وَإِن ◌َّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ﴾ [المائدة: ٦٧]؟
قَالَتْ: وَمَنْ زَعَمَ أَنَّهُ يُخْبِرُ بِمَا يَكُونُ فِي غَدٍ، فَقَدْ أَعْظَمَ عَلَى اللهِ الفِرْيَةَ،
٢١٦

وَاللهُ يَقُولُ: ﴿قُل لَّا يَعْلَمُ مَن فِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [النمل: ٦٥].
وفي رواية نحو ما مَرَّ، وَزَادَ: قَالَتْ: وَلَوْ كَانَ مُحَمَّدٌ وَلِ كَاتِماً
شَيْئاً مِمَّا أُنْزِلَ عَلَيْهِ، لَكَتَمَ هَذِهِ الآيَةَ: ﴿وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِىّ أَنْعَمَ اللهُ
عَلَيْهِ ﴾ [الأحزاب: ٣٧] الآية.
وفي رواية: فَقَالَتْ: سُبْحَانَ اللهِ! لَقَدْ قَفَّ شَعْرِي لِمَا قُلْتَ.
وَسَاقَ الحَدِيثَ بِقِصَّتِهِ.
وفي رواية عَنْ مَسْرُوقٍ، قَالَ: قُلْتُ لِعَائِشَةَ: فَأَيْنَ قَوْلُهُ: ﴿ثُمَّدَنَا
فَتَدَلَ ا فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَ ا فَأَوْحَّ إِلَى عَبْدِهِ، مَا أَوْحَى﴾ [النجم: ٨-١٠]؟
قَالَتْ: إِنَّمَا ذَاكَ جِبْرِيلُ، كَانَ يَأْتِيهِ فِي صُورَةِ الرِّجَالِ، وَإِنَّهُ أَتَاهُ فِي هَذِهِ
المَرَّةِ فِي صُورِهِ الَّتِي هِيَ صُورَتُهُ، فَسَدَّ أُفُقَ السَّمَاءِ. أخرجه البخاري،
والترمذي.
وللترمذي: عن الشعبي، قَالَ: لَقِيَ ابْنُ عَبَّاس كَعْباً بِعَرَفَةَ، فَسَأَلَهُ
عَنْ شَيْءٍ، فَكَبَّرَ حَتَّى جَاوَبَتْهُ الجِبَالُ، فَقَالَ ابْنُ عَبَّاس: إِنَّا بَنُو هَاشِمِ،
فَقَالَ كَعْبُ: إِنَّ اللهَ قَسَمَ رُؤْيَتَهُ وَكَلاَمَهُ بَيْنَ مُحَمَّدٍ وَمُوسَى، فَكَلِّمَ
مُوسَى مَرَّتَيْنِ، وَرَآهُ مُحَمَّدٌ مَرَّتَيْنِ. قَالَ مَسْرُوفٌ: فَدَخَلْتُ عَلَى عَائِشَةً،
فَقُلْتُ: هَلْ رَأَى مُحَمَّدٌ رَبَّهُ؟ فَقَالَتْ: لَقَدْ تَكَلَّمْتَ بِشَيْءٍ قَفَّ لَهُ شَعْرِي،
قُلْتُ: رُوَيِداً، ثُمَّ قَرَأْتُ: ﴿لَقَدْ رَأَى مِنْ ءَايَتِ رَبِهِ الْكُرَى﴾ [النجم: ١٨]،
قَالَتْ: أَيْنَ يُذْهَبُ بِكَ، إِنَّمَا هُوَ جِبْرِيلُ، مَنْ أَخْبَرَكَ أَنَّ مُحَمَّداً رَأَى
رَبَّهُ، أَوْ كَتَمَ شَيْئاً مِمَّا أُمِرَ بِهِ، أَوْ يَعْلَمُ الخَمْسَ الَّتِي قَالَ اللهُ تَعَالَى:
٢١٧

﴿ إِنَّ اللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾ [لقمان: ٣٤]، فَقَدْ أَعْظَمَ الفِرْيَةَ، وَلَكِنَّهُ رَأَى
جِبْرِيلَ، لَمْ يَرَهُ فِي صُورَتِهِ إِلَّ مَرَّتَيْنِ: مَرَّةً عِنْدَ سِدْرَةِ المُنْتَهَى، وَمَرَّةً
فِى جِبَادٍ، لَهُ بِتُّ مِئَةٍ جَنَاحٍ، قَدْ سَدَّ الأُمُقَ.
إذا عرفت هذا، فالكلام عليه في مواضع:
الأول: في التعريف برواته سوى ما سلف.
(زكريا): هو أبو يحيى زكريا بنُ أبي زائدةَ خالد بن ميمون،
الهمذانيُّ الكوفيُّ، الحافظُ.
عن الشعبي، وخالد بن سلمة، وعطية، وجماعة، وأخرج له الستة.
وقال ابن معين: صالح، وقال أبو زرعة: يدلس كثيراً عن الشعبي.
وقال أبو حاتم: لین الحديث، ویدلس.
وقال أبو داود: ثقة، لکنه یدلس.
وقال أبو نعيم: توفي سنة ثمان وأربعين ومئة.
وأما (شيخه)، فهو سعيد بن عمرو بن أشوع الهمدانيُّ، الكوفيُّ.
عن الشعبي، وأبي سلمة بن عبد الرحمن، وأبي بردة، وجماعة.
وعنه أبو إسحاق، وسَلَمة بن كُهيل، وخالدٌ الحَذَّاء، وآخرون.
ذكره ابن حبان في ((الثقات))، والترمذي.
وقال النسائي : ليس به بأس.
قوله: (وَلَقَدْ رَآهُ بِالأَفُقِ المُبِينِ) الظاهر أن الضمير يرجع
إلى جبريل؛ لقوله قبله: ﴿إِنَّهُ، لَقَوْلُ رَسُولٍ كِمٍ (٦) ذِى قُوَّةٍ عِندَ ذِى الْعَرشِ
٢١٨

صَلَى اللّه
رستام
مَكِينٍ﴾ [التكوير: ١٩ - ٢٠] الآيات، وإنما اشتبه الحال عليهم؛ لأن النبي
كان رأى جبريل مرات كثيرة، فتخصيص الرؤية بالأفق المبين، أو نزلة
أخرى، توهم أنه رأى غيره، وهو الله تعالى، فلذلك أزالت عائشة
- رضي الله عنها - الإيهام، وذكرت أنها سألت رسولَ الله اَل عن
ذلك، فقال: ((إِنَّمَا هُوَ جِبْرِيلُ، لَمْ أَرَهُ عَلَى صُورَتِهِ الَّتِيِ خُلِقَ عَلَيْهَا
غَيْرَ هَاتَيْنِ المَرَّتَيْنِ)» (١)، وهذا لا ينافي ما ذكرنا أولاً من [أن] عائشة
ما روت عن النبي ◌ّ﴾ عدم رؤيته ربه مصرحاً؛ لأن المرويَّ هو رؤية
جبريل، وليس فيه نفي رؤية الله تعالى، وذلك لا يدل [على] نفي
الرؤية، لذلك مالت إلى الاحتجاج بقوله تعالى: ﴿لََّ تُدْرِكُهُ
اَلْأَبْصَرُ وَهُوَ يُدْرِكُ اَلْأَبْصَرَ ﴾ [الأنعام: ١٠٣].
والأجوبة عنها كثيرة، من جملتها :
أن الإدراك هو: الإحاطةُ بجميع جوانب المُدْرَك، ولا يلزم من
نفيه نفيُ الإبصار، وقد نفي الإدراك مع وجود الرؤية في قوله: ﴿فَلَمَّا
تَرَّهَا الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَبُ مُوسَىّ إِنَّا لَمُدْرَّكُونَ ﴾ قَالَ كَلَّا﴾ [الشعراء: ٦١ - ٦٢]؛
أي: لا یدرکوکم.
ومنها: أن الإبصار عامُّ قابلٌ للتخصیص، یخصص بالكافرين،
كما قال: ﴿كَلَّ إِنَّهُمْ عَن رَّبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لََّحْجُوبُونَ﴾ [المطففين: ١٥]، وتحصل
الرؤية للمؤمنين تكريماً وتشريفاً؛ كما قال: ﴿وُجُوهٌ يَؤْمَيِذٍ نَاضِرَةُ (٦) إِلَى
(١) في الأصل: ((رأيت جبريل على صورة غيرها بين المرتين)).
٢١٩

رَبِهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٢ -٢٣] الآية.
وبالجملة: الآية ليست نصاً في عدم الرؤية، ولا من الظواهر
الجلية، فلا حجة فيها، وكذا عن قوله: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرِ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللهُ إِلَّا
وَحْيًا﴾ [الشورى: ٥١] الآية.
ومنها: أن الآية تدل على بيان أنواع التكلم من الله تعالى مع
أنبيائه، وذلك لا يدل على عدم رؤيتهم، أو رؤية واحد منهم له، وإنما
تصلح أن يستدل بها على نفي تكليم الله تعالى لمحمد ◌َله مشافهة،
ولعل غرضها من الاستدلال بها: نفي الرؤية والكلام، على أنهما
لا یثبت واحد منهما، وهو ظاهر.
ومن الناس من استدل بهذه الآية على إثبات التكليم لرسول الله
وسـ
مشافهة، وعلى إثبات الرؤية له - أيضاً -، وقال: لمَّا جعل الله تعالى
ذلك ثلاثة أقسام: من وراء [حجاب] كتكليم(١) موسى، وبإرسال
الرسل - وهي الملائكة - كحال(٢) جميع الأنبياء، ولم يبق من تقسيم
المكالمة إلا كونها مع المشاهدة، فينبغي أن يثبت ذلك لمحمد ◌َله؛ إذ
لا قائل بحصولها لغيره.
* وقوله: (سَاداً عِظَمُ خَلْقِهِ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ) الرواية في (عُظْمُ
خَلْقِهِ) - بضم العين وسكون الظاء، وبكسر العين وفتح الظاء -، وفي
قوله: (مَا كَانَ لِبَشَرٍ) بحذف الواو، وفي التنزيل: ﴿وَمَا كَانَ﴾ [الشورى: ٥١]
(١) في الأصل: ((التكليم)).
(٢) في الأصل: ((كان)).
٢٢٠