Indexed OCR Text
Pages 181-200
الله تعالى، ويعبدونها رجاء الشفاعة منها، ويصدقون ادعاءَ الشخص المتولد بينهم الذي يعرفون أباه وأمه وولادته، بأنه معبود؛ كفرعون - مثلاً -، حين ادعى ذلك، كان الواجب على المرشد الكامل إزالةٌ ذلك الوهم عن الخواطر؛ لئلا يظن من رأى من الدجال الأمورَ الخارقة للعادة، أنه صادق في دعواه، فصدّر الكلام بأن الله تعالى منزه عن جميع النقائص الصورية والمعنوية، كامل الذات والصفات، وأن هذا المدعي ناقص الصورة، فاسد السيرة، فإنه يشبِّه هذا بذلك. وأما وصفه بالجَعْد القَطَط، فالمشهور من الرواية: فتح القاف والطاء، وروى القاضي عياض عن بعضهم: كسر الطاء الأولى أيضاً، وهو شديد الجعودة. وهذا الوصف - وإن كان المراد بيان صورته - ففيه إيماء - أيضاً - إلى سيرته بأنه عديم الخير، بل هو متبعٌ كلَّ شر، يقال للبخيل البليغ في الشح: هو جعد قطط. قال: سبط البنان بما في رحل صاحبه جعد البنان بما في رجله قَطَطُ وأما عَوَرُ عينه، فقد جاء في الروايات: أنها اليمنى، وجاء - أيضاً -: أنها اليسرى، وضبط الرواة (طَافِئَةٌ) - بالهمزة - بمعنى: ذاهبة ضوءها، والياء بغير همز؛ أي: ظاهرة بارزة، وجاء - أيضاً -: (جاحظ العين)؛ أي: ناتئ الحدقة، عظيم المقلة، وجاء: أن لها - يعني: لعينه - حدقة جاحظة كأنها نخاعة في حائط . ١٨١ فوجهُ الجمع بين هذه الروايات - على ما ذهب إليه المحققون -: أن كلا عينيه مَعيبةٌ، والعور في الأصل: العيب. فالعينُ المطموسةُ الممسوحةُ العوراء الطافئة - بالهمزة -؛ أي: الذاهبة ضوءها هي اليمنى، والجاحظة التي كأنها نخاعة الثانية الطَّافِية - بالياء -؛ أي: عظیم الحدقة، هي الیسری، أو بالعكس. والغرض: أن هذه الأوصاف موجودة في عينيه، والاختلاف ليس من الرواة، بل من اختلاف المحل، وسيجيء لهذا زيادة بيان في (کتاب: الفتن) - إن شاء الله تعالى -. ٤٤٦ - (١٧٠ / ٢٧٦) - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ: حَدَّثَنَا لَيْثٌ، عَنْ عُقَيْلٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَبِي سَلَّمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ لَ﴿ قَالَ: ((لَمَّا كَذَّبَتْنِي قُرَيْشٌ، قُمْتُ فِي الحِجْرِ، فَجَلاَ اللهُ لِي بَيْتَ المَقْدِسِ، فَطَفِقْتُ أُخْبِرُهُمْ عَنْ آيَاتِهِ وَأَنَا أَنْظُرُ إِلَيْهِ». ٤٤٧ - (١٧١ / ٢٧٧) - حَدَّثَنِي حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى: حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ: قَالَ: أَخْبَرَتِي يُونُسُ بْنُ يَزِيدَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، عَنْ أَبِهِ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ وَّل يَقُولُ: (بَيْنَمَا أَنَا نَائِمٌ، وَأَنْتُنِي أَطُوفُ بِالكَعْبَةِ، فَإِذَا رَجُلٌ آدَمُ، سَبِطُ الشَّعْرِ، بَيْنَ رَجُلَيْنِ، يَنْطِفُ رَأْسُهُ مَاءً - أَوْ: يُهَرَاقُ رَأْسُهُ مَاءً -، قُلْتُ: ١٨٢ مَنْ هَذَا؟ قَالُوا: هَذَا ابْنُ مَرْتَمَ. ثُمَّ ذَهَبْتُ أَلْتَفِتُ، فَإِذَا رَجُلٌ أَحْمَرُ جَسِيمٌ، جَعْدُ الرَّأْسِ، أَغْوَرُ العَيْنِ، كَأَنَّ عَيْنَهُ عِنبَةٌ طَافِيَّةٌ. قُلْتُ: مَنْ هَذَا؟ قَالُوا: الدَّجَّلُ، أَقْرَبُ النَّاسِ بِهِ شَبَهاً ابْنُ قَطَنٍ)). الحديث الخامس: حديثُ جابر بن عبد الله: أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَلهـ قَالَ: (لَمَّا كَذَّبَتْنِي قُرَيْشٌ، قُمْتُ فِي الحِجْرِ، فَجَلاَ اللهُ لِي بَيْتَ المَقْدِسِ، فَطَفِقْتُ أُخْبِرُهُمْ عَنْ آيَاتِهِ وَأَنَا أَنْظُرُ إِلَيْهِ» . أخرجه البخاري، والترمذي في (التفسير)، وقال الترمذي: وفي الباب: عن مالك بن صعصعة، وابن عباس. وأقول: حديث مالك قد مَرَّ، وحديث أبي سعيد، مرفوعاً: ((إن في السماء مَلَكاً يقال له: إسماعيل على سبعين ألف ملك)) رواه الطبراني، وهو قطعة من حديث المعراج. وحديث ابن عباس، يرفعه: ((لَمَّا كَانَ لَيْلَةَ أُسْريَ بِي، وَأَصْبَحْتُ بِمَكَّةَ، فَظِعْتُ بِأَمْرِي، وَعَرَفْتُ أَنَّ النَّاسَ مُكَذِّبِيَّ»، فَقَعَدَ مُعْتَزِلاً حَزِيناً، قَالَ: فَمَرَّ عَدُؤُ اللهِ أَبُو جَهْلٍ، فَجَاءَ حَتَّى جَلَسَ إِلَيْهِ، فَقَالَ لَهُ كَالمُسْتَهْزِئٍ: هَلْ كَانَ مِنْ شَيْءٍ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِنَّهِ: ((نَعَمْ))، قَالَ: مَا هُوَ؟ قَالَ: ((إِنَهُ أُسْرِيَ بِي اللَّيْلَةَ»، قَالَ: إِلَى أَيْنَ؟ قَالَ: ((إِلَى بَيْتِ المَقْدِسِ)). قَالَ: ثُمَّ أَصْبَحْتَ بَيْنَ ظَهْرَانََّ؟! قَالَ: (نَعَمْ)). قَالَ: فَلَمْ يَرَ أَنَّهُ يُكَذِّبُهُ؛ مَخَافَةَ أَنْ يَجْحَدَهُ الحَدِيثَ إِذَا دَعَا قَوْمَهُ إِلَيْهِ، قَالَ: أَرَأَيْتَ إِنْ دَعَوْتُ قَوْمَكَ تُحَدِّثُهُمْ مَا حَدَّثْتَنِي؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ إِلَّه: ١٨٣ ((نَعَمْ))، فَقَالَ: هَيَا يَا مَعْشَرَ بَنِي كَعْبٍ بْنِ لُؤَيٍّ، حَتَّى قَالَ: فَانْتُفَضَتْ إِلَيْهِ المَجَالِسُ، وَجَاؤُوا حَتَّى جَلَسُوا إِلَيْهِمَا، قَالَ: حَدِّثْ قَوْمَكَ بِمَا حَدَّثَتْنِي، فَقَالَ رَسُولُ اللهِوَّةِ: ((إِنِّي أُسْرِيَ بِي اللَّيْلَةَ))، قَالُوا: إِلَى أَيْنَ؟ قُلْتُ: (إِلَى بَيْتِ المَفْدِسِ»، قَالُوا: ثُمَّ أَصْبَحْتَ بَيْنَ ظَهْرَانيَّ؟! قَالَ: (نَعَمْ). قَالَ: فَمِنْ بَيْنِ مُصَفِّقٍ، وَمِنْ بَيْنِ وَاضِعِ يَدَهُ عَلَى رَأْسِهِ مُتَعَجِّباً لِلْكَذِبِ زَعَمَ، قَالُوا: وَهَلْ تَسْتَطِيعُ أَنْ تَنْعَتَ لَنَا الْمَسْجِدَ؟ وَفِي القَوْمِ مَنْ قَدْ سَافَرَ إِلَى ذَلِكَ الْبَلَدِ، وَرَأَى المَسْجِدَ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِنَّهِ: ((فَذَهَبْتُ أَنْعَتُ، فَمَا زِلْتُ أَنْعَتُ حَتَّى الْتَبَسَ عَلَيَّ بَعْضُ النَّعْتِ - قَالَ -: فَجِيءَ بِالمَسْجِدِ وأَنَا أَنْظُرُ، حَتَّى وُضِعَ دُونَ دَارٍ عِقَالٍ أَوْ عَقِيلِ، فَنَعَثُّهُ وَأَنَا أَنْظُرُ إِلَيْهِ)»، قَالَ: وَكَانَ مَعَ هَذَا نَعْتٌ لَمْ أَحْفَظْهُ، قَالَ: فَقَالَ القَوْمُ: أَمَّا النَّعْتُ، فَوَاللهِ! لَقَدْ أَصَابَ. رواه أحمد، والبزار، والطبراني، ورجاله ثقات. إذا عرفت هذا، فقوله: (جلا) روي بتشديد اللام وتخفيفها، يقال: جَلَّى فلان مجلسه، وجَلاَه، بمعنى: أزال من كان فيه، والمراد هنا: إزالة المانع من رؤية الأشياء، فالنبي - عليه السلام - في الحِجْر ينظر إلى بيت المقدس بلا مانع من الرؤية، كأنه في بيت المقدس. وفي التشديد زيادةُ مبالغة ليست في التخفيف، وهي أشهر الروايات - أيضاً -، وعلى هذا معنى قوله: (فَرَفَعَهُ اللهُ لِي): الموانع من البيت، وقيل: معناه: رفع الله تعالى البيتَ المقدَّس من موضعه، ووضعه في الهواء قريباً إلى مرأى النبي - عليه السلام -، وهو ينظر إليه، ويخبر ١٨٤ القوم عما سألوه، وحديث ابن عباس على ما مَرَّ صريحٌ في ذلك. ٤٤٨ - (١٧٢ / ٢٧٨) - وَحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا حُجَيْنُ ابْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ - وَهُوَ ابْنُ أَبِي سَلَمَةَ -، عَنْ عَبْدِ اللهِبْنِ الفَضْلِ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((لَقَدْ رَأَيْتُنِي فِي الِحِجْرِ، وَقُرَيْشٌ تَسْأَلُنِي عَنْ مَسْرَايَ، فَسَأَنِي عَنْ أَشْيَاءَ مِنْ بَيْتِ المَقْدِسِ لَمْ أُثْبِتْهَا. فَكُرِبْتُ كُرْبَةً مَا كُرِبْتُ مِثْلَهُ قَطُّ - قَالَ : - فَرَفَعَهُ اللهُ لِي أَنْظُرُ إِلَيْهِ، مَا يَسْأَلُونِي عَنْ شَيْءٍ إِلاَّ أَنْبَأْتُهُمْ بِهِ، وَقَدْ رَأَنْتُنِي فِي جَمَاعَةٍ مِنَ الأَنْبِيَاءِ، فَإِذَا مُوسَى قَائِمٌ يُصَلِّي، فَإِذَا رَجُلٌ ضَرْبٌ جَعْدٌ كَأَنَّهُ مِنْ رِجَالٍ شَئُوءَةَ، وَإِذَا عِيسَى بْنُ مَرْيَمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - قَائِمٌ يُصَلِّي، أَقْرَبُ النَّاسِ بِهِ شَبَهاً عُرْوَةُ بْنُ مَسْعُودِ الثَّقَفِيُّ، وَإِذَا إِْرَاهِيمُ - عَلَيْهِ السَّلاَمُ - قَائِمٌ يُصَلِي، أَشْبَهُ النَّاسِ بِهِ صَاحِبُّكُمْ - يَعْنِي: نَفْسَهُ -، فَحَانَتِ الصَّلاَةُ، فَأَمَمْتُهُمْ، فَلَمَّا فَرَغْتُ مِنَ الصَّلاَةِ، قَالَ قَائِلٌ: يَا مُحَمَّدُ! هَذَا مَالِكٌ صَاحِبُ النَّارِ، فَسَلِّمْ عَلَيْهِ، فَالْتَفَتُّ إِلَيْهِ، فَبَدَأَنِي بِالسَّلاَمِ» . الحديث السادس: حديث أبي هريرة، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ إِّه : (لَقَدْ رَأَيْتُنِي فِي الحِجْرِ، وَقُرَيْشٌ تَسْأَلْنِي عَنْ مَسْرَايَ، فَسَأَنِي عَنْ أَشْيَاءَ مِنْ بَيْتِ المَقْدِسِ لَمْ أُثْبِثْهَا. فَكُرِئْتُ كُرْبَةً مَا كُرِبْتُ مِثْلَهُ قَطُّ، قَالَ: فَرَفَعَهُ اللهُ لِي أَنْظُرُ إِلَيْهِ، مَا يَسْأَلُونِي عَنْ شَيْءٍ إِلاَّ أَنْبَأْتُهُمْ بِهِ، وَقَدْ ١٨٥ رَأَيْتُنِي فِي جَمَاعَةٍ مِنَ الأَنْبِيَاءِ، فَإِذَا مُوسَى قَائِمٌ يُصَلِّي، فَإِذَا رَجُلٌ ضَرْبٌ جَعْدٌ كَأَنَّهُ مِنْ رِجَالِ شَنُوءَةَ، وَإِذَا عِيسَى بْنُ مَرْيَمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - قَائِمٌ يُصَلِّي، أَقْرَبُ النَّاسِ بِهِ شَبَهاً عُرْوَةُ بْنُ مَسْعُودِ الثَّفِيُّ، وَإِذَا إِبْرَاهِيمُ - عَلَيْهِ السَّلاَمُ - قَائِمٌ يُصَلِّي، أَشْبَهُ النَّاسِ بِهِ صَاحِبُكُمْ - يَعْنِي: نَفْسَهُ -، فَحَانَتِ الصَّلاَةُ، فَأَمَمْتُهُمْ، فَلَمَّا فَرَغْتُ مِنَ الصَّلاَةِ، قَالَ قَائِلٌ: يَا مُحَمَّدُ! هَذَا مَالِكٌ صَاحِبُ النَّارِ، فَسَلِّمْ عَلَيْهِ، فَالْتَّفَتُّ إِلَيْهِ، فَبَدَأَنِي بِالسَّلام))، وهذا من أفراد مسلم. إذا عرفت هذا، فاعلم: أن في هذا الحديث ذكر معجزتين، فإنه لما ذكر معجزة رؤية بيت المقدس من مكان بعيد، وإخباره للسائلين ما سألوه عن مشاهده، انتقل إلى ذكر معجزة أخرى، وهي الصلاة مع الأنبياء، والإمامة لهم، فظاهر هذا الكلام، وعطفُه على الكلام السابق و يدل على أن ذلك في اليقظة. وفي حديث عبد الرحمن بن أبي ليلى في المعراج: ثُمَّ أُقِيمَت الصَّلاَة، فَتَدَافَعُوا حَتَّى قَدَّمُوا مُحَمَّداً أَِّ. رواه الطبراني. فذِكْرُ إقامة الصلاة، وذكر الإمامة يدل على [أن] المراد من الصلاة هو المتعارَفُ، لا الدعاء الذي هو معناها اللغوي، على ما ذهب إليه جمع من الشارحين، مستدلين بأن الأنبياء بعد انتقالهم إلى دار الجزاء لا يُتصور منهم الصلاة، وسائرُ العبادات، بل المراد: الدعاء والذكر؛ لأن ذلك من أعمال الآخرة، والأوجَهُ: ما ذكره بعض المحققين من أن حال الأنبياء مغاير لحال سائر الخلق؛ فإن صعود ١٨٦ النبي - عليه السلام - إلى السماوات بجسده، ورؤيته ما فيها أمرٌ خارج عما عليه حالُ البشر، وإن أمثال ذلك من خواص الملك، فإذا رأى النبي - عليه السلام -، وبلغ ما لا رآه مَلَكٌ، ولا بَلَغَ إليه، كان فيه دلالة على رؤية الملك، ولا شك أن الملائكة مشتغلون بالعبادة إلى زمان قيام الساعة، ولا شك - أيضاً - في أن عيسى - عليه السلام - مرفوع إلى السماء بجسده، منقطع عن خواص البشر، متصف بصفات الملك، مشتغل بالعبادة بما يليق بحاله، وأمر به، فلا بُعْدَ في اتصاف الأنبياء - بعدَ الخروج من دار الدنيا الخروجَ الصوريَّ - بصفات تختص بحالهم، ويشتغلون بها، فالنبي - عليه السلام - أومأ إلى ذلك كله؛ من ذكر رؤيتهم في السماء، إيماء بأنهم منتقلون من الأرض، فيشتغلون بما يليق بهم، منخرطون في سلك الملإ الأعلى. وفي ذكر التكلم معهم، وسماع الترحيب منهم، ورؤية إبراهيم - عليه السلام - مسنداً ظهره إلى البيت المعمور، ورؤية آدم وبين يديه أرواح أولاده، إيماء إلى ملاقاته إياهم بالحقيقة، وأنهم في الحياة كما أنهم في الأرض في زمانهم، بل أقوى من ذلك، وأحسن حالاً، كما أنهم في مرتبة أعلى من الأولى، وفي ذكر رؤيتهم في الأرض، واشتغالهم بالصلاة، وإمامته لهم، إيماءٌ على بقاء تعلقهم بمواضع مدافنهم، وأنهم في هذه المواضع مشتغلون بما كانوا مشتغلين قبل ذلك. وفيه - أيضاً -: إشعارٌ بعدم الانقطاع الكلي لهم عن الأرض، بل ١٨٧ لهم تعلقٌ بتلك المواضع، فينبغي أن يتوجه إليها، وتزار، ويتبرك، ويطلب الاستعانة منهم في المهمات. فالحاصل: أن حال الأنبياء بعد الانتقال الصوري كحال الملائكة في الصعود إلى السماء، والنزول إلى الأرض؛ لأجل الطواف والصلاة، وغير ذلك، وهذا لا ينقطع عنهم إلى قيام الساعة، ولهم زيادة تعلق بمواضع مدافنهم، ليس ذلك للملائكة، ولا يلزم من اشتغالهم بالعبادات کونھم مکلفین بها؛ لجواز أنهم يُلْهمون ذلك، فیعبدون بما یجدون من دواعي أنفسهم، لا بما يلتزمون، كما يحمده ويسبحه أهلٌ الجنة، ولذلك قال النبي - عليه السلام -: ((يُلْهَمُونَ التَّسْبِيحِ كَمَا يُلْهَمُون النَّفَس)». وبما ذكرنا في هذا المقام يحصل الجمعُ بين جميع ما ورد في هذا الباب إذا أمعن الناظر فيه النظر. وأما حديث زِرِّ بْنِ حُبَيْش، قَالَ: قُلْتُ لِحُذَيْفَةَ بْنِ الْيَمَانِ: أَصَلَّى رَسُولُ اللهِ وَّهِ فِي بَيْتِ المَقْدِس؟ قَالَ: لاَ، قُلْتُ: بَلَى، قَالَ: أَنْتَ تَقُولُ ذَاكَ يَا أَصْلَعُ؟! بِمَا تَقُولُ ذَلِكَ؟ قُلْتُ: بِالقُرْآنِ، بَيْنِي وَبَيْنَكَ القُرْآنُ، فَقَالَ حُذَيْفَةُ: مَنِ احْتَجَّ بِالقُرْآنِ فَقَدْ أَفْلَحَ، قَالَ سُفْيَانُ: يَقُولُ: فَقَدِ احْتَجَّ، وَرُبَّمَا قَالَ: قَدْ فَلَجَ، فَقَالَ: ﴿سُبْحَنَ الَّذِىّ أَسْرَى بِعَبْدِهِ، لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَا﴾ [الإسراء: ١]، قَالَ: أَفَتَرَاهُ صَلَّى فِيهِ؟ قُلْتُ: لاَ، قَالَ: لَوْ صَلَّى فِيهِ، لَكُتِبَ عَلَيْكُمْ فِيهِ الصَّلاَةُ، كَمَا كُتِبَتِ الصَّلاَةُ فِىِ المَسْجِدِ الحَرَامِ، قَالَ حُذَيْفَةُ: قَدْ أَتِيَ رَسُولُ اللهِ وَه ١٨٨ بِدَابَّةٍ طَوِيلَةِ الظَّهْرِ مَمْدُودَةٍ هَكَذَا، خَطْوُهُ مَذُّ بَصَرِهِ، فَمَا زَايَلاَ ظَهْرَ البُرَاقِ حَتَّى رَأَيَا الجَنَّةَ وَالنَّارَ، وَوَعْدَ الآخِرَةِ أَجْمَعَ، ثُمَّ رَجَعَا عَوْدَهُمَا عَلَى بَدْئِهِمَا، قَالَ: وَيَتَحَدَّثُونَ أَنَّهُ رَبَطَهُ، [لِمَ؟ أَيَفِرُّ مِنْهُ؟ !! ](١) وَإِنَّمَا سَخَّرَهُ لَهُ عَالِمُ الغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ. أخرجه الترمذي، فقبول صحة هذا الحدیث رأيٌ من حذيفة، لا رواية. والأحاديث الكثيرة الصحيحة - على ما مَرَّ - بعضُها صريحة من أنه - عليه السلام - صلى في بيت المقدس، فلا نترك الكل لهذا الأثر، على أنه يحتمل أن يكون مراد حذيفة: الصلاة المعروفة، ولهذا ذكر الافتراض، أو الصلاة إليها، ولهذا ذكر الصلاة في المسجد الحرام؛ أي: إليها، إلى غير ذلك من التأويلات، والوجه ما ذكرناه أولاً، ثم المقام بعد ذلك موضع بسط، ولكن لما كان الكلام في حالة الأنبياء، وذلك أمر يجب علينا اتباع ما بلغ إلينا، وليس للرأي والاحتمال فيها مجال، والتكلم فيها بذلك ضلال، اكتفينا من كلام القوم على ما هو الأقوى وأقرب، وتركنا غيره مخافة الإطناب. [٧٨ - باب فِي ذِكْرٍ سِدْرَةِ المُنْتُھَى] ٤٤٩ - (١٧٣ / ٢٧٩) - وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا (١) بياض في الأصل. ١٨٩ أَبُّو أُسَامَةَ، حَدَّثَنَا مَالِكُ بْنُ مِغْوَلٍ ح، وَحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ جَمِيعاً، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيْرٍ - وَأَلْفَاتُهُمْ مُتَقَارِبَةٌ -، قَالَ ابْنُ نُمَيْرٍ: حَدَّثَنَا أَبِيٍ، حَدَّثَنَا مَالِكُ بْنُ مِغْوَلٍ، عَنِ الزُّبَيْرِ بْنِ عَدِيٍّ، عَنْ طَلْحَةَ، عَنْ مُرَّةَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: لَمَّا أُسْرِيَ بِرَسُولِ اللهَِِّهِ انْتُهِيَ بِهِ إِلَى سِدْرَةِ المُنْتُهَى، وَهِيَ فِي السَّمَاءِ السَّادِسَةِ، إِلَيْهَا يَنْتُهِي مَا يُعْرَجُ بِهِ مِنَ الأَرْضِ، فَيُقْبَضُ مِنْهَا، وَإِلَيْهَا يَنْتُهِي مَا يُهْبَطُ بِهِ مِنْ فَوْقِهَا، فَيُقْبَضُ مِنْهَا، قَالَ: ﴿إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى﴾ [النجم: ١٦]، قَالَ: فَرَاشُ مِنْ ذَهَبٍ، قَالَ: فَأُعْطِيَ رَسُولُ اللهِ نَّهِ ثَلَاثاً: أُعْطِيَ الصَّلَوَاتِ الخَمْسَ، وَأُعْطِيَ خَوَاتِيمَ سُورَةِ البَقَرَةِ، وَغُفِرَ لِمَنْ لَمْ يُشْرِكْ بِاللهِ مِنْ أُمَّتِهِ شَيْئاً المُقْحِمَاتُ. الحديث السابع: حديث ابن مسعود، قَالَ: لَمَّا أُسْريَ بِرَسُولِ اللهِ وَّهِ، انْتُهِيَ بِهِ إِلَى سِدْرَةِ المُنْتَهَى، وَهِيَ فِي السَّمَاءِ السَّادِسَةِ، إِلَيْهَا يَنْتُهِي مَا يُعْرَجُ بِهِ مِنَ الأَرْضِ، فَيُقْبَضُ مِنْهَا، وَإِلَيْهَا يَنْتَهِي مَا يُهْبَطُ بِهِ مِنْ فَوْقِهَا، فَيُقْبَضُ مِنْهَا، قَالَ: ﴿إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى﴾ [النجم: ١٦]، قَالَ: فَرَاشٌ مِنْ ذَهَبٍ، قَالَ: فَأُعْطِيَ رَسُولُ اللهِ وَِّ ثَلاَثَاً: أُعْطِيَ الصَّلَوَاتِ الخَمْسَ، وَأُعْطِيَ خَوَاتِيمَ سُورَةِ البَقَرَةِ، وَغُفِرَ لِمَنْ لَمْ يُشْرِكْ بِاللهِ مِنْ أُمَّتِهِ شَيْئاً المُفْحِمَاتُ. أخرجه الترمذي، والنسائي. إذا عرفت هذا، فالكلام ــ هاهنا - في مواضع: الأول: في معنى هذا الحديث: وقوله: (فَأَعْطِيَ رَسُولُ اللهِنَّهـ ١٩٠ ثَلاَثًاً) سيجيء الكلام في الصلوات الخمس، وكذا في خواتيم سورة البقرة . والمعنى: أن النبي - عليه السلام - لما بلغ أمره إلى ما بلغ، أعطاه الله تعالى الفضائل الثلاث المختصة به، لم تُعط لنبي قبله، ويدل عليه: رواية الترمذي لهذا الحديث: لَمَّا بَلَغَ رَسُولُ اللهِلهِ سِدْرَةَ المُنْتَهَى، قَالَ: ((انْتُهَى إِلَيْهَا مَا يَعْرُجُ مِنَ الأَرْضِ وَمَا يَنْزِلُ مِنْ فَوْق، قَالَ: فَأَعْطَاهُ اللهُ عِنْدَهَا ثَلاَثً لَمْ يُعْطِهِنَّ نَبِيََّ كَانَ قَبْلَهُ: فُرِضَتْ عَلَيْهِ الصَّلاَةُ خَمْساً، وَأُعْطِيَ خَوَاتِمَ سُورَةِ البَقَرَةِ، وَغُفِرَ لأُمَّتِهِ المُفْحِمَاتُ مَا لَمْ يُشْرِكُوا بِاللهِ شَيْئً». وحديث إبراهيم في قصة المعراج: ((ثم مضى إلى السدرة، فقال له - تبارك وتعالى -: سل، فقال: إنك اتخذتَ إبراهيمَ خليلاً، وأعطيته ملكاً عظيماً، وكلَّمْتَ موسى تكليماً، وأعطيتَ داودَ مُلكاً عظيماً، وأَلَنْتَ له الحديدَ، وسَخَّرْتَ له الجبالَ، وأعطيتَ سليمانَ مُلكاً عظيماً، وسخرتَ له الجنَّ والإنسَ والشياطينَ والرياحَ، وأعطيته مُلكاً لا ينبغي لأحدٍ من بعده، وعلَّمت عيسى التوراة والإنجيل، وجعلته يبرئ الأكمه والأبرصَ، وأعذَتْه وأمَّه من الشيطان الرجيم، فلم يكن له عليهما سبيلاً، فقال له ربه - تبارك وتعالى -: قد اتخذتُك خليلاً، وهو مكتوب في التوراة: محمدٌ حبيبُ الرحمن، وأرسلتك إلى الناس كافة، وجعلتُ أمتك هم الأولون، وهم الآخرون، وجعلت أمتك لا تجوز لهم خطبةٌ حتى يشهدوا أنك عبدي ورسولي، وجعلتك ١٩١ أولَ النبيين خَلْقاً، وآخرَهم بَعْئاً، وأعطيتُك سبعاً من المثاني لم أعطها نبياً قبلك، وأعطيتك خواتيم سورة البقرة من كنزٍ تحت العرش، لم أعطها نبياً قبلك، وجعلتك فاتحاً وخاتماً)) رواه البزار، وإسناده حسن. (الصَّلَوَاتِ الخَمْسَ) التي هي المناجاة مع الله تعالى في أزمان وهيئات يعجز البشر عن معرفة الحكمة فيها. والأدعية الموجبة إنزال المغفرة والرحمة المشتملة عليها خواتيم تلك السورة. والتخفيف لتلك الأمة بغفران جميع المعاصي سوى الشرك، فإن مات من تلك الأمة غيرَ مشرك بالله تعالى، وإن أخل بالطاعات، لا يصير من أهل النار؛ بأن يستحق الخلود فيها، بل يخلد في الجنة؛ إما دخولاً أولياً بفضله، أو بعد إذاقته جزاء ما عمل بعدله. و(المُقْحِمَاتُ) ۔ بضم الميم وسكون القاف وکسر الحاء - قيل: الموقعات في المهالك، وهي المعاصي، وهو مفعول (يغفر)، والمعنى: غفر لمن لم يشرك بالله من أمته المعاصي الموجبة لدخول النار، أية معصية كانت خلا الشركَ. وقيل: المُقْحِمَاتُ: المدخِلات، يقال: فلان مِقْدام مِقْحام ليس معه إحجامٌ: إذا كان مدخالاً في الأمور، ويستعمل في المدح، فالمعنى: أن الله تعالى أعطى رسوله - عليه السلام - الفضائلَ الثلاثَ المدخِلاتِ في الجنة، فالمقحِمات صفةٌ للخصائل الثلاث، ويؤيد الوجه الأول: رواية الترمذي - على ما مَرَّ -. الثاني : في التعريف سوى ما ذکر. ١٩٢ لما كانت الأحاديث متقاربة المعنى، وسردنا الكلام عليها جملة، ذكرنا التعريف بالرواة الواقعة فيها غير المذكورة سابقاً جملة؛ إيثاراً للضبط، واحترازاً عن الانتشار. فأما (أبو العالية) - بالعين المهملة والمثناة التحتانية -، فهو رُفَيع - بضم الراء وفتح الفاء - ابن مهران البصريُّ، الرياحيُّ، مولى امرأة من بني رياح بن يربوع: حيٌّ من بني تميم، واسمها آمنة، وهو من كبار التابعين المخضرمين، أدرك الجاهلية، وأسلم بعد وفاة رسول الله وَليه بسنتين، ودخل على أبي بكر الصديق، وصلى خلف عمر ﴾. وروى عن علي، وابن مسعود، وأبي بن كعب، وأبي أيوب، وأبي موسى، وأبي هريرة، وابن عباس، وجماعة. وعنه قتادة، وعاصمٌ الأحول، وداود بن أبي هند، والربيع بن أنس، ومحمد بن واسع، وثابت البناني، وحميد بن هلال، وحفصة بنت سیرین، وآخرون. وقال يحيى بن معين، وأبو زرعة، وأبو حاتم، وآخرون: هو ثقة. وقال أبو قاسم الطبراني: هو ثقة مجمَع على توثيقه: وأخرج له الستة . وقال أبو بكر بن أبي داود: ليس أحد بعد الصحابة أعلم بالقرآن من أبي العالية، ثم بعدہ سعید بن جبير، ثم السُّدي، ثم سفيان الثوري قال أبو خلدة: توفي سنة تسعين . وقال البخاري: سنة ثلاث وتسعين. ١٩٣ وأما (شيبان)، فهو أبو معاوية بن عبد الرحمن مولى ابن تميم، و البصريُّ، النحويُّ، منسوب إلى النحو بن شمس - بضم الشين - بن عمرو بن غنم بن غالب بن عثمان بن نضر بن زهران وليس في الرواة منسوب إلى هذه القبيلة سواه، وسوى يزيد بن أبي سعيد النحوي، وما سواهما فمنسوب إلى النحوِ علمِ العربية، وقد مَرَّ خالد بن شيبان هذا. وأما (أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلِ)، فهو الإِمَامُ أَبُو عَبْدِ اللهِ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ ابْنِ حَنْبَلِ بْنُ هِلَالِ بْنُ أَسَدٍ بْنُ إِذْرِيسَ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ حَيَّنَ - بالحاء المهملة والمثناة التحتانية -، ابْنِ عَبْد الله بْن أَنَسِ بْنِ عَوفِ بْنُ قَاسِطِ ابنِ مَازِنِ بْنِ شَيْئَنَ بْنِ ذُهْلِ بْنِ ثَعْلَةِ بْنِ عُكَابَة بْنِ صَعْب بْنِ عَلِيٍّ بْن بَكْرٍ ابْنِ وَائِلِ بْن قَاسِطِ بْن هِنْبٍ - بكسر الهاء وسكون النون وبعدها باء موحدة - بْنِ أَفْصَى - بالفاء والصاد المهملة - بْنِ دَعْمِيٍّ بنِ جُدَيْلَةَ بْنِ أَسَدِ بْنِ رَبِيعَةَ بْنِ نِزَارِ بْنِ مَعَدِّ بْنِ عَدْنَانَ، الذهليُّ، ثم الشيبانيُّ، المروزيُّ، ثم البغدادُّ. خرج أبوه من مرو وأحمدُ حملٌ، فولد ببغداد، ونشأ بها إلى أن توفي بها، ودخل مكة والمدينة والشام واليمن والعراق والجزيرة، سمع خلقاً من أهل هذه الديار؛ منهم: سفيان بن عيينة، وإبراهيم بن سعد، ويحيى القطان، وهشيماً، ووكيعاً، وابن عُلية، وابن مهدي، وابن عبد الرزاق، وغيرهم. روى عنه عبد الرزاق، وابن مهدي، ويزيد بن هارون، وهو من شيوخه، ويحيى بن معين، وعلي بن المديني، والبخاري، ومسلم، ١٩٤ وأبو داود، والذهلي، وأبو زرعة الرازي، والدمشقي، وإبراهيم الحربي، وخلائق كثيرة. وهو الإمام البارع المُجمَع على إمامته وجلالته، وورعه وزهده، وحفظهِ ووفورٍ علمه، أثنى عليه القوم كلهم، وأخرج له الستة . قال إبراهيم الحربي: كأن الله تعالى جمع عِلْمَ الأولين من كل صنف في أحمدَ بنِ حنبلٍ، لا يحدث إلا من كتاب. وقال إبراهيم بن جابر بن خالد: كنا نجالس أحمد، فيذكر الحديث، ونحفظه ونتقنه، فإذا أردنا أن نكتبه، قال: الكتابُ أحفظُ [شيء، فیثب]، ويجيء بالكتاب. وقال الهيثم بن جميل: وددت أنه نقص من عمري، وزيد في عمر أحمد بن حنبل . وقال عبد الرحمن بن مهدي: أحمد بن حنبل أعلم الناس بحديث سفيان الثوري. وقال أبو عبدالله: انتهى العلم إلى أربعة: أحمد بن حنبل، وهو أفقههم فيه، وعلي بن المديني، وهو أعلمهم به، ويحيى بن معين، وهو أكتبُهم له، وأبو بكر بن أبي شيبة، وهو أحفظهم له. وسئل أبو حاتم عن أحمد، وعلي بن المديني، فقال: كانا في الحفظ متقاربين، وأحمدُ أفقهُ. وقال ابن مهدي : أحمدُ إمامُ الدنيا. وقال عمرو بن محمد الناقد: إذا وافقني أحمد على حديث، ١٩٥ لا أبالي مَنْ خالفني. قال الشافعي ظه: ما رأيت أعقلَ من أحمد بن حنبل. وقال الميموني: ما رأيت قَطُّ أحسنَ صلاةً من أحمد بن حنبل، ولا أشدَّ اتباعاً للسنن منه. وعن الحسن بن أبي الحسن الرازي: حضرت في مصر عنده، فقال: فسألني عن أحمد بن حنبل، فقلت: كتبت عنه، فلم يأخذ ثمن المتاع مني، وقال: لا آخذ ثمنَ شيءٍ ممن یعرف أحمد بن حنبل. وعن أبي زرعة: بلغني أن المتوكل أمر أن يمسح الموضع الذي وقف الناس فيه للصلاة على أحمد بن حنبل، فبلغ مقام ألفي ألف وخمس مئة ألف. وقال الوركاني: أسلم يوم وفاة أحمد عشرون ألفاً من اليهود والنصارى والمجوس. ومناقبه كثيرة، وقد صنف العلماء فيها مجلدات، والمقصود الإشارة إلى شيء منها . ولد - رحمه الله - في شهر ربيع الأول، سنة أربع وستين ومئة، وتوفي ضحوة يوم الجمعة، الثاني عشر من ربيع الأول، سنة إحدى وأربعین ومئتين، ودفن ببغداد، وقبره معروف مشهور یزار - رحمه الله -. وأما (محمد بن إسحاق)، فهو أبو عبدالله محمدُ بنُ إسحاقَ بنِ محمد بن عبد الرحمن بن عبدالله بن المسيب بن أبي الثابت المخزوميُّ. ١٩٦ عن أبيه، وابن عيينة، ويزيد بن هارون، وجماعة. وعنه مسلم، وأبو داود، وأخرجا له، وإبراهيم الحربي، وأبو یعلی، وجمع. وَثَّقَهُ القوم، وأثنوا علیه. توفي سنة ست وثلاثین ومئتين. وأما (شيخه)، فهو أبو ضَمْرَة أنسُ بنُ عياضٍ الليثيُّ، المدنيُّ، الثقةُ، العالِمُ. روى عن هشام بن عروة، وربيعة، وعبيدالله، وغيرهم. وعنه أحمد، وإبراهيم بن المنذر، ويونس بن عبد الأعلى، وأحمدُ بن صالح، وجماعة. وَثَقَهُ ابن معين، وابن عَدِيٍّ، وأخرج له الستة، وقال النسائي: لا بأس به. مات سنة مئتین، عن ست وتسعين سنة. وهو من الأفراد، ليس في الكتب الستة أنس بن عياض سواه. وأما (شيخه)، فهو أبو محمد موسى بن عقبة بن أبي عَيَّاش - بالعين المهملة وتشديد المثناة التحتانية، وآخرها شين معجمة -، الأسديُّ، المدنيُّ، مولى آل الزبير بن العوام، وقيل: مولى أم خالد بنت سعيد بن العاص، وهو تابعي، أدرك عمر، وأنس بن مالك، وسهل بن سعد، وسمع أم خالد بنت خالد الصحابية، وعلقمة بن وقاص. ١٩٧ ورأى الزبير، وكريباً، ونافعاً، وعبدالله بن دينار، وسالماً وحمزة ابني عبدالله بن عمر، وآخرین. روى عنه يحيى الأنصاري، وابن جريج، ومالك، والسفيانان، وشعبة، وإبراهيم بن طهمان، وزهير بن معاوية، وابن أبي الزناد، والدراوردي، وابن المبارك، وخلائق. وَثَّقَهُ القوم، وأخرج له الستة. وقال ابن معين: روايته عن نافع فيها شيء، وقال: كتاب موسى ابن عقبة عن الزهري من أصح الكتب. وقال معن بن عيسى: كان مالك إذا قيل له: مغازي مَنْ نكتب؟ كان يقول: عليكم بمغازي الشيخ الصالح موسى بن عقبة؛ فإنها أصح المغازي عندنا . قال ابن خليفة: مات ابن عقبة سنة إحدى وأربعين ومئة. وأما (حُجَين)، فهو أبو عمر حُجَيْنُ - بضم الحاء المهملة وفتح الجيم وسكون المثناة التحتانية وآخره نون -، ابنُ المثنى البغداديُّ. حدث عن مالك، وعبد العزيز الماجشون، ويعقوب العَمِّي، واللیث، وغيرهم. وعنه أحمد، وابن معين، وابن رافع، وخلائق. وَثَّقَهُ القوم، وأخرج له الستة إلا ابن ماجه. توفي سنة خمسین و مئتين . ١٩٨ وأما (شيخه)، فهو أبو عبد الملك عبدُ العزيز بنُ عبدالله بن أبي سلمة الماجشون، التيميُّ مولاهم، الفقیه. عن الزهري، وعن عمه يعقوب بن أبي سلمة، وجماعة. وعنه ابنه الفقيه عبد الملك، وابن مهدي، والليث، وخلق. وأخرج له الستة. قال [علي بن] الحسين بن حبان: قيل لابن معين: عبدُ العزيز الماجشون مثلُ الليث، وإبراهيم بن سعد؟ قال: لا، هو دونهما؛ أي: كان رجلاً يقول بالقدر والكلام، ثم تركه، وأقبل إلى السنة، ولم يكن من شأنه الحديث، فلما قدم بغداد، كتبوا عنه، وكان يقول بعدُ: جعلني أهل بغداد مُحَدِّثاً، وكان صدوقاً، ثقة، أجازه المهدي بعشرة آلاف دينار، وكان إماماً معظماً. وقال أبو الوليد: كان يصلح للوزارة. مات سنة أربع وستين ومئة. وأما (شيخه)، فهو أبو الفضل عبدُالله بنُ الفضل بنِ العباس بن ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب الهاشميُّ، المدني، يُعَدُّ في التابعين، سمع أنسَ بنَ مالك، ونفراً من التابعين . وعنه إسحاق بن سويد، وموسى بن عقبة، وصالح بن كيسان، وخلق. وَثَّقَهُ ابن معين، وأخرج له الستة . ١٩٩ وأما (الزبير)، فهو أبو عَدِيٍّ، الزبيرُ بنُ عدي الهمدانيُّ، الكوفيُّ، قاضي [الري]. عن أنس، وطارق بن شهاب، وأبي وائل، وخلائق. وعنه إسماعيل بن أبي خالد، وأبو إسحاق السَّبيعي، وسلمة بن نبيط مع تقدمهم، وصغره، والثوري، وآخرون. وَثَّقَهُ القوم، وأثنوا عليه، وأخرج له الستة. قال أبو داود الطيالسي: لا يعرف للزبير عن أنس إلا حديثاً واحداً. وقال البخاري : توفي سنة إحدى وثلاثين ومئة بالري. الثالث: في الأسماء الواقعة ـــ هاهنا - سوى الرواة. (دِحْيَةُ) - بكسر الدال وفتحها - لغتان، وهو دِحْيَة بْنُ خَلِيفَة بْنِ فَضَالَةَ بْنُ فَرْوَةَ الْكَلْبِيُّ، أسلم قديماً، وشهد مع رسول الله وَل المشاهدَ كلها بعد بدر، وقد أرسله رسول الله ◌َيقر بكتابه إلى عظيم بصرى؛ ليدفعه إلى هرقل، وكان جبريل - عليه السلام - يأتي إلى النبي -عليه السلام - في صورته، وکان من أجمل الناس. وحكي: أنه إذا قدم من الشام لم يبق امرأة بلغت الحيض إلا خرجت تنظر إليه. روي له عن النبي -عليه السلام -ثلاثة أحاديث، وقيل: له حديثان. أخرج له أبو داود من الستة. روى عنه خالد بن يزيد، وعبدالله بن شداد، والشعبي، وغيرهم. ٢٠٠