Indexed OCR Text

Pages 141-160

الهجرة بثمانيةَ عشرَ شهراً، ورسولُ اللهِ وَ ◌ّ نائمٌ في بيته ظهراً، أتاه
جبريل وميكائيل، وقالا: انطلق إلى ما سألت، فانطلقا به إلى ما بين
المقام وزمزم، فأتي بالمعراج، فإذا هو أحسنُ شيء منظراً، فعرجا به
إلى السماوات سماءً سماءً، فلقي فيهنَّ الأنبياءَ، وانتهى إلى السدرة
المنتهى، ورأى الجنة والنار.
وقد ذكرنا في أول الكتاب اختلافَهم في زمان الإسراء، وأنه قبل
البعثة أو بعدها، فلا نعيده.
الثالث: تصحيح شق الصدر، وأنه مرة أو مرتين:
فقيل: مرة، وكان ليلة المعراج، وإنما فعل؛ لزيادة الطمأنينة لما
يرى من عظم الملكوت، والملائكة بصورهم.
وفي ((سيرة ابن إسحاق)): أن هذا الشق حين كان مسترضَعاً في
بني سعد(١)، من حديث حليمة وغيرها ما يدلُّ على ذلك.
وفي ((دلائل أبي نعيم))، و((الأحاديث الجياد)) للضياء محمد بن
عبد الواحد: أن صدره - عليه السلام - شق وعمره عشر سنين.
وقيل: مرتین :
الأولى: في حالة الطفولية؛ ليُطَهَّر من كل خُلق ذميم، ولئلا
يبقى في قلبه إلا الصلاح، فغسل بالثلج ليلج اليقين في قلبه.
والثانية: بعد النبوة عند الإسراء؛ ليعرض عليه الصلاة، ويصلي
(١) بياض في الأصل.
١٤١

بالملائكة، ومن شأن الصلاة الطهور، فقدس ظاهراً وباطناً، وغسل
بزمزمة جبريل لأبيه إسماعيل.
وقيل: فعل به ذلك في حال صغره؛ ليصير قلبه مثل قلوب
الأنبياء في الانشراح، وفي حال النبوة عند المعراج؛ ليصير حاله مثل
حال الملائكة، وهذا هو الظاهر الموافق للروايات الصحيحة؛ فإن
جماعة من الثقات رووا ذلك مرتين: مرة في صغره، ومرة في كبره
وقت العروج، وأخرج من قلبه العلقة التي هي سبب الميل إلى
الشهوات الموجب للانقياد للهوى، قَالَ: ((هَذَا حَظُّ الشَّيْطَانِ مِنْكَ))،
وهذا دليل على [أن] الأنبياء - صلوات الله عليهم أجمعين - لا يصح
عنهم الكفر قبل النبوة - أيضاً -، وأنهم معصومون منه ومن سائر
المعاصي، ثابتو الإيمان من صغرهم، ولا يقدر الشيطان عليهم، بل
هو أسيرهم، وعاجز عندهم؛ كما صح عن رسول الله إليه: أنه قال:
(وَلَكِنَّ اللهَ أَعَانِنِي عَلَيْهِ، فَأَسْلَمَ))(١) - على رواية الفتح والضم-، وسيجيء
لهذا الكلام بسط - إن شاء الله -.
الرابع: تصحيح الأخبار الواردة في بيان ما رأى في معراجه من
السماوات، والارتقاء فيها، وغير ذلك:
قال ابن حزم: لم ير السماءَ أحدٌ غير الأنبياء.
وفي ((صحيح ابن حبان)) من حديث أبي سعد، مرفوعاً: ((مَا بَيْنَ
السَّمَاءِ وَالأَرْضِ مَسِيرَةُ خَمْسٍ مِئَةٍ عَامٍ» .
(١) في الأصل: ((فمكنني الله فيه فأسلم)).
١٤٢

وعن أبي هريرة: بَيْنَمَا نَبِيُّ اللهِ نَّهِ جَالِسٌ وَأَصْحَابُهُ، إِذْ أَتَّى
عَلَيْهِمْ سَحَابٌ، فَقَالَ نَبِيُّ اللهِوَلِ: ((هَلْ تَدْرُونَ مَا هَذَا؟)). فَقَالُوا: اللهُ
وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ: ((هَذَا العَنَانُ، هَذِهِ رَوَايَا الأَرْضِ، يَسُوقُهُ اللهُ
- تَبَارَكَ وَتَعَالَى - إِلَى قَوْمٍ لاَ يَشْكُرُونَهُ، وَلاَ يَدْعُونَةً))، ثُمَّ قَالَ: ((هَلْ
تَدْرُونَ مَا فَوْقَكُمْ؟))، قَالُوا: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: ((فَإِنَّهَا الرَّقِيعُ،
سَقْفٌ مَحْفُوظٌ، وَمَوْجٌ مَكْفُوفٌ))، ثُمَّ قَالَ: ((هَلْ تَدْرُونَ كَمْ بَيْنَكُمْ
وَبَيْنَهَا؟))، قَالُوا: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: ((بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهَا مَسِيرَةُ خَمْسٍ
مِثَّةٍ سَنَةٍ))، ثُمَّ قَالَ: ((هَلْ تَدْرُونَ مَا فَوْقَ ذَلِكَ؟))، قَالُوا: اللهُ وَرَسُولُهُ
أَعْلَمُ، قَالَ: ((فَإِنَّ فَوْقَ ذَلِكَ سَمَاءَيْنِ، وَمَا بَيْنَهُمَا مَسِيرَةُ خَمْسٍ مِنَّةٍ
عَامِ)). حَتَّى عَذَّ سَبْعَ سَمَوَاتٍ، مَا بَيْنَ كُلِّ سَمَاءَيْنِ كَمَا بَيْنَ السَّمَاءِ
وَالأَرْضِ، ثُمَّ قَالَ: ((هَلْ تَدْرُونَ مَا فَوْقَ ذَلِكَ؟)). قَالُوا: اللهُ وَرَسُولُهُ
أَعْلَمُ، قَالَ: ((فَإِنَّ فَوْقَ ذَلِكَ العَرْشَ، وَبَيْنَهُ وَبَيْنَ السَّمَاءِ بُعْدُ مَا بَيْنَ
السَّمَاءَيْنِ). ثُمَّ قَالَ: ((هَلْ تَدْرُونَ مَا الَّذِي تَحْتَكُمْ؟)). قَالُوا: اللهُ
وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: ((فَإِنَّهَا الأَرْضُ)»، ثُمَّ قَالَ: (هَلْ تَدْرُونَ مَا الَّذِي
تَحْتَ ذَلِكَ؟». قَالُوا: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: ((فَإِنَّ تَحْتَهَا الأَرْضَ
الأُخْرَى، بَيْنَهُمَا مَسِيرَةُ خَمْسٍ مِنَةٍ سَنَةٍ»، حَتَّى عَدَّ سَبْعَ أَرَضِينَ، بَيْنَ
كُلِّ أَرْضَيْنِ مَسِيرَةُ خَمْسٍ مِنَّةٍ سَنَةٍ، ثُمَّ قَالَ: ((وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ!
لَوْ أَنَّكُمْ دَلَّيْتُمْ رَجُلاً بِحَبْلٍ إِلَى الأَرْضِ السُّفْلَى، لَهَبَطَ عَلَى اللهِ». ثُمَّ
قَرَّأَ: ﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَاُلْآَخِرُ وَالَّهِرُ وَالْبَاِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ﴾ [الحديد: ٣].
قال الترمذي: قراءة النبي - عليه السلام - الآية يدل عَلَى عِلْم اللهِ
١٤٣

وَقُدْرَتِهِ وَسُلْطَانِهِ، وَعِلْمُ اللّهِ وَقُدْرَتُهُ وَسُلْطَانُهُ فِي كُلِّ مَكَانٍ، وَهُوَ عَلَى
العَرْشِ كَمَا وَصَفَ نفسه فِى كِتَابِهِ. أخرجه الترمذي.
وفي كتاب ((العظمة)) لأبي سعيد بن الأعرابي عن عبدالله بن
مسعود، قال: مَا بَيْنَ السَّمَاءِ الدُّنْيَا وَالَّتِي تَلِيهَا مَسِيرَةُ خَمْسٍ مِئَةٍ عَامِ،
وَمَا بَيْنَ كُلِّ سَمَاءِ مَسِيرَةُ خَمْسٍ مِئَةٍ عَامٍ، وَمَا بَيْنَ السَّمَاءِ السَّابِعَةِ
وَالْكُرْسِيٌّ مَسِيرَةً خَمْسٍ مِثَةٍ عَامٍ، وَمَا بَيْنَ الْكُرْسِيِّ وَالمَاءِ مَسِيرَةُ خَمْسٍ
مِئَّةٍ عَام، وَالعَرْشُ عَلَى المَاءِ، وَاللهُ وَّ عَلَى العَرْشِ يَعْلَمُ مَا أَنْتُمْ
عَلَيْهِ».
وفي كتاب ((العرش)) لأبي جعفر محمد بن عثمان بن أبي شيبة،
عن حديث العباس، مرفوعاً: ((هَلْ تَدْرُونَ كَمْ بَيْنَ السَّمَاءِ
وَالأَرْض؟))، قُلْنَا: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: ((بَيْنَهُمَا مَسِيرَةُ خَمْسٍ مِئَةٍ
سَنَةٍ، [وَ مِنْ كُلِّ سَمَاءٍ إِلَى سَمَاءٍ مَسِيرَةُ خَمْسٍ مِنَّةٍ سَنَةٍ، وَكِثَفُ كُلِّ
سَمَاءٍ مَسِيرَةُ خَمْسٍ مِئَّةٍ سَنَّةٍ]، وَفَوْقَ السَّمَاءِ السَّابِعَةِ بَحْرٌ، بَيْنَ أَسْفَلِهِ
وَأَعْلاَهُ كَمَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ».
ومن حديث أبي ذر، ومن حديث العباس، مرفوعاً: ((إِنَّ بُعْدَ
مَا بَيْنَهُمَا إِمَّا وَاحِدَةٌ، أَوِ اثْتَانٍ، أَوْ ثَلاَثٌ وَسَبْعُونَ سَنَّةٌ، ثُمَّ السَّمَاءُ
فَوْقَهَا كَذَلِكَ)) حَتَّى عَدَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ، ((ثُمَّ فَوْقَ السَّابِعَةِ بَحْرٌ بَيْنَ
أَسْفَلِهِ وَأَعْلاَهُ مِثْلُ مَا بَيْنَ سَمَاءٍ إِلَى سَمَاءٍ، ثُمَّ فَوْقَ ذَلِكَ ثَمَانِيَةُ أَوْعَالٍ،
بَيْنَ أَظْلاَفِهِمْ وَرُكَبِهِمْ مِثْلُ مَا بَيْنَ سَمَاءٍ إِلَى سَمَاءٍ، ثُمَّ عَلَى ظُهُورِهِمُ
العَرْشُ، بَيْنَ أَسْفَلِهِ وَأَعْلاَهُ مِثْلُ مَا بَيْنَ سَمَاءٍ إِلَى سَمَاءٍ، ثُمَّ اللهُ - تَبَارَكَ
١٤٤

وَتَعَالَى - فَوْقَ ذَلِكَ)) أخرجه الأربعة سوى النسائي.
ثم الواقع في هذا الحديث: أن بُعْدَ ما بين السماء والأرض، وكذا
بُعْد كل سماء من سماء: واحدة، أو ثنتان، أو ثلاث وسبعون سنة.
وقد مَرَّ من حديث أبي هريرة: أن البعد خمس مئة.
ويمكن الجمع بعد صحة الحديثين: أن المذكور من حديث
العباس البعد؛ يعني مسافة الفضاء، والواقع في حديث أبي هريرة
بمعنى بحر كل سماء، ويؤيد ذلك: حديث أبي ذر، مرفوعاً: ((كِثَُ
الأَرْضِ مَسِيرَةُ خَمْسٍ مِئَةٍ عَامٍ، وَبَيْنَ الأَرْضِ العُلْيَا وَبَيْنَ السَّمَاءِ الدُّنْيَا
خَمْسُ مِئَةٍ عَامٍ، وَكِثَفُهَا خَمْسُ مِئَةٍ عَامٍ، وَكِثَتُ الثَّانِيَّةِ مِثْلُ ذَلِكَ، وَمَا
بَيْنَ كُلِّ أَرَضِيِّنَ مِثْلُ ذَلِكَ، وَمَا بَيْنَ الْأَرْضِ العُلْيَا وَالسَّمَاءِ خَمْسُ مِثَّةً
عَامِ، وَكِثَفُ السَّمَاءِ خَمْسُ مِئَةٍ عَامٍ، وَمَا بَيْنَ سَمَاءِ الدُّنْيَا وَالثَّانِيَةِ مَسِيرَةُ
خَمْسٍ مِئَةٍ عَامٍ وَكِثَفُ السَّمَاءِ خَمْسُ مِثَةٍ عَامٍ، ثُمَّ كُلُّ سَمَاءِ مِثْلُ ذَلِكَ،
حَتَّى بَلَغَ السَّابِعَةَ، ثُمَّ مَا بَيْنَ السَّابِعَةِ إِلَى العَرْشِ مَسِيرَةُ مَا بَيْنَ ذَلِكَ
كُلِّهِ» رواه البزار، ورجاله ثقات.
وأما جوهر السماء، فقد مَرَّ في حديث أبي هريرة: أنه موج
مكفوف، ولكن يحتمل أن يكون ذلك جوهر كل السماوات، أو جوهر
السماء الدنيا .
وعن الربيع بن أنس، قال: السماء الدنيا موجٌّ مكفوف، والثانية
صخرة، والثالثة حديد، والرابعة نحاس، والخامسة فضة، والسادسة
ذهب، والسابعة ياقوتة. رواه الطبراني هكذا موقوفاً على الربيع بن أنس.
١٤٥

وذكر ابن حبيب: أن بين السماء والأرض بحراً يسمى: البحر
المكفوف، انفلق لنبينا حتى جاوزه، وذلك أعظم من انفلاق البحر
لموسى - عليه السلام -.
السادس: في رؤية الأنبياء في السماوات مع أن مدفنهم في
الأرض:
فقيل: شَكَّل الله تعالى أرواحهم على هيئة صور أجسادهم،
فرآهم، وإليه ذهب ابن عقيل، وابن التين، وجماعة.
وقيل: عرجوا بأجسادهم إلى السماء، فرآهم النبي - عليه السلام -
وهو قائم يصلي في قبره، ورآه في السماء السادسة، وعليه جمع من
المحققین.
وأما مراتب الأنبياء في السماوات.
فقد أعرض عن الخوض في ذلك جماعةٌ من أهل المعرفة
والتحقيق، وأحالوا معرفة ذلك إلى عالم الإسراء، وهو الأحوط.
وخاض فيه بعضهم، وأفضلُ ما قيل فيه: ما ذكره السهيلي وغيره
من أن تلك المراتب تنبيهات على الأحوال الخاصة بهؤلاء الأنبياء
- عليهم السلام -، وتمثيل لما سيتفق للرسول - عليه السلام - مما اتفق
لهم مما قصه الله عنهم في كتابه، فرؤية النبي - عليه السلام - آدمَ - عليه
السلام - في سماء الدنيا تنبيهٌ على الهجرة؛ لأن آدم - عليه السلام -
خرج من الجنة بعداوة إبليس له، وهو مبدأ الأمر، ونظيرُه خروج النبي
- عليه السلام - من مكة بأذى قومه له وللمسلمین.
١٤٦

ورؤية عيسى ويحيى - عليهما السلام - في الثانية، تمثيلٌ إلى فعل
اليهود بهما - عليهما السلام -؛ فإنهم قتلوا يحيى، وراموا قتل عيسى،
فرفعه الله إلى السماء، وكذلك فعلت اليهود بالرسول - عليه السلام -
بعد الهجرة إلى المدينة؛ حيث حاموا حول قتله، حتى سَمُّوا له الشاة،
وكادوا له المكائد، فعصمه الله منهم.
ورؤيته يوسفَ في الثالثة، تنبيهٌ على ظَفَرَه بقومه، وإحسانه إليهم
بعد إساءتهم إليه؛ فقد ظفر بطائفة من أهله في غزوة بدر؛ كالعباس
عمّه، وعقيل ابن عمه، فعفا عنهما، وفَدَاهما، وقال يوم الفتح لما
عفا عن قريش: ((أقول كما قال أخي يوسف: ﴿لَا تَغْرِيبَ عَلَيْكُمُ
الْيَوْمَ﴾ [يوسف: ٩٢]» الآية، كذلك حال یوسف مع إخوته، ففيه إيماء
إلى أنه بعد مقاساة شدائد أفعال اليهود، يحصل له الظفر بالمقصود،
بالاستيلاء على قومه، ويوجد عنه العفو لهم، والإحسان إليهم، كما
فعل يوسف - عليه السلام -.
ورؤيته إدريس - عليه السلام - في الرابعة تنبيهٌ على إرسال الرسول
- عليه السلام - الخطوط والمكاتيب إلى الأطراف؛ لأن إدريس - عليه
السلام - كان أول من خط وكتب بالقلم، وكذلك كان النبي - عليه
السلام - بعدما دخل الناس في دين الله أفواجاً أرسل الرسُلَ [ ... ] إلى
الأطراف.
ورؤيته هارون في السماء الخامسة تنبيهٌ على أن جمعاً من قومه
سیحبونه بعد ما كانوا يبغضونه؛ فإن هارون - عليه السلام - كان محسناً
١٤٧

إلى بني إسرائيل، وكانوا يؤثرونه على موسى - عليه السلام -، ولذلك
قال النبي - عليه السلام -: «أَحبَّهَ جمعٌ من قومه، وآمنوا به بعدما كانوا
یبغضونگ».
ورؤيته موسى - عليه السلام - في السادسة تنبيهٌ على استيلائه
- عليه السلام - على جميع من في بلاده من الجبابرة والأكاسرة؛ فإن
موسى - عليه السلام - قاتل الجبابرة، وأخرجهم من الأرض المقدسة،
وكذلك النبي - عليه السلام - حارب الهوازن، والثقيف، وغيرَهم بعد
فتح مكة، وخلا الحجاز عن شؤم شرِّ کل متکبر.
ورؤية إبراهيمَ - عليه السلام - في السابعة، وإسنادُه ظهرَه إلى
البيت المعمور تنبيهٌ على اختتام عمره بالخير والسداد، وبقاء الأمة
على سبيل الرشاد؛ فإن إبراهيم - عليه السلام - راح من الدنيا على
الكلمة، واستقامة حال الأمة، وكذلك حال النبي - عليه السلام - جاء
إلى حجة الوداع، وبيَّن للناس ما خفي عليهم، وأتم أمر التبليغ، وراح
إلى جوار الله تعالى.
وقيل: رؤيته الأنبياء في السماوات على ترتيب الوقائع في سير
النبوة بعد الهجرة .
وقيل غير ذلك، والله أعلم.
والسابع: التعريف بالرواة سوى ما سلف.
(أبو العباس الماسِرْجِسي)، وهو الإمام أحمد بن محمد بن
الحسين النيسابوريُّ، منسوب إلى جده، فإنه - بفتح الميم وكسر السين
١٤٨

الأولى المهملة وسكون الراء المهملة وكسر الجيم - وكذا أبو علي
الحسن بن عيسى بن ماسرجس النيسابوريُّ منسوبٌ إليه، وغلبت النسبة
عليه وعلى أولاده وأعقابه، وأبو العباس منهم، كذا قاله السَّمّعاني.
وذكر ابن الأثير في ((جامع الأصول)): الماسرجسي: نسبة إلى
بلده ماسر .
وأما (شريك)، فهو أبو عبدالله شريك بن عبدالله بن أبي نمر
القرشيُّ، المدنيُّ، أو الليثيُّ، أو الكنانيُّ، على اختلاف الأقوال فيه،
وجده أبو نمر شهد أحداً مع المشرکین، ثم اهتدی للإسلام، ذكره ابن
سعد في مُسْلِمة الفتح، وسمع أنساً، وسعيد بن المسيب، وأبا سلمة
وجماعة.
وعنه سليمان بن بلال، ومالك، والثوري، وأنس بن عیاض،
وخلائق.
وَثَّقَهُ ابن سعد، وأخرج له الستة سوى الترمذي.
وقال یحیی بن معین : ليس به بأس .
وقال ابن عدي: مشهور من أهل الحديث، حدث عنه الثقات،
وحديثه إذا روى عنه ثقة، فلا بأس به، إلا أن يروي عنه ضعيف.
مات سنة أربعين ومئة.
وأما (ابنُ حَزْم)، فهو أبو بكر بن محمد بن عمرو بن حزم.
قال ابن ماكولا : اسمه کنیته، وأبوه محمد بن عمرو بن حزم،
١٤٩

ولد في زمن النبي - عليه السلام -، وكنيته أبو عبد الملك، قُتل يوم
الحَرَّة، وأبو بكر ولي المدينة لسليمان بن عبد الملك بن مروان، وعمر
ابن عبد العزيز، وهو ابن أخت عمرة بنت عبد الرحمن.
روى عن جده مرسَلاً، وروى عن خالته عمرة، والسائب بن
يزيد، وخالدة بنت أنس، ولها صحبة، وجماعة.
روی عنه ابناه: محمد، وعبدالله، ویحیی بن سعيد، وغيرهم.
وَثَّقَهُ القوم، وأثنوا عليه، وأخرج له الستة.
قال خلف في ((أطرافه)): حديث أبي حبة الأنصاري في المعراج
أخرجه البخاري، عن أبي بكر، عن الليث، عن عبدان، عن ابن
المبارك، وعن أحمد بن صالح، عن عتبة حكيم، عن يونس، وأخرجه
مسلم، عن حرملة بن يحيى، عن ابن وهب، عن يونس. وروى
الطبراني هذه القطعة - أعني: قوله -: (ثُمَّ عُرِجَ بِي حَتَّى ظَهَرْتُ
لِمُسْتَوَى أَسْمَعُ فِيهِ صَرِيفَ الأَقْلاَمِ)) عن هارون بن كامل، عن عبد الله
ابن صالح، عن الليث، عن يونس، عن الزهري، وعن ابن السرح،
عن محمد بن عزيز، عن سلامة بن روح، عن عقيل، عن الزهري.
وقال الدمياطي: رواية ابن حزم عن أبي حبة منقطعة؛ لأنه قتل
یوم ◌ُحد۔ كما سيأتي -.
وابن حزم [توفي] سنة عشرين ومئة عن أربع وثمانين سنة .
وقال الرشيد العطار: هذه القطعة من الأحاديث المقطوعة في
مسلم، وأنت خبير بأن هذا غير واضح؛ لأن مسلماً - رحمه الله - ما أورد
١٥٠

رواية ابن حزم فقط، حتى يحمل على الانقطاع، بل عنه، وعن ابن
عباس، ولا شك في ملاقاة ابن حزم لابن عباس؛ فإنه توفي سنة ثمان
وستين، وأبو بكر إذ ذاك [عمره] اثنتان وثلاثون سنة، فلا يلزم منه
الانقطاع، بل صريح في الاتصال - على ما لا يخفى -.
وأمّا (أبو حبة)، فقد اختلف أهل السير في ضبط کنیته، واسمه،
وحاله، والأكثر على أنه أبو حبة - بالحاء المهملة والباء الموحدة -،
ثابت بن النعمان بن امرئ القيس بن ثعلبة بن عمرو بن عوف بن مالك
ابن أوس.
وقيل: ثابت بن النعمان بن أمية بن امرئ القيس.
وقال أبو زرعة: هو عامر بن عمرو.
قال الطبري: زيد بن غزية بن عمرو بن عطية بن خنساء بن
مبذول ابن عمرو بن غنم بن مازن بن النجار، شهد أحداً، وقيل: يوم
اليمامة، وأخواه: صخرة بن غزية، وتميم بن غزية، وأخوهم أبو حبة
عمرو بن غزية بن عمرو بن عطية بن خنساء شهد أحد مع أبيه.
وقال الواقدي: لیس فیمن شهد بدراً [أحد] يقال له: أبو حبة
- بالباء -، إنما هو: أبو حنة - بالنون -، واسمه مالك بن عمرو بن ثابت
ابن ثعلبة بن عمرو بن عوف.
وأما أبو حبة بن غزية بن عمرو لم يشهد بدراً، وكذا أبو حبة بن
عبد عمرو الذي كان مع عليٍّ بصفُّين، كذا ذكره ابن ماكولا، ولم يذكر
أن أبا حبة قتل يوم أحد، وقد علمت - مما ذكرنا - أن في اسمه وكنيته
١٥١

وكونه شهد بدراً، وأنه واحد أو اثنان خلاف، فلا يستقيم قول النووي:
إنه بدري بالاتفاق، واستشهد يوم أحد، فتدبر.
روى عنه أبو بكر بن حزم، وعمار بن أبي عمار، وخلائق.
وأخرج له الشيخان.
وأما (مالك بن صعصعة الأنصاريُّ)، الخزرجيُّ، ثم المازنيُّ من
بني مازن من النجار، المدنيُّ.
روى عن رسول الله وَّل خمسة أحاديث، اتفق البخاري على
حديث واحد، وهو حديث الإسراء، وأخرج له الترمذي والنسائي هذا
الحديث - أيضاً -.
١٥٢

(٥٢)
بيان ما رأى النبي - عليه السلام-
في المعراج من الأنبياء وغيرهم
٤٣٦ - (١٦٥ / ٢٦٦) - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارِ،
قَالَ ابْنُ الْمُثَنَّى: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ قَتَادَةَ،
قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا الْعَالِيَةِ يَقُولُ: حَدَّثَنِي ابْنُ عَمِّ نَبِيِّكُمْ لَّهِ- يَعْنِي : ابْنَ
عَبَّاسٍ - قَالَ: ذَكَرَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ حِينَ أُسْرِيَ بِهِ، فَقَالَ: ((مُوسَى آدَمُ
◌ُوَالٌ كَأَنَّهُ مِنْ رِجَالِ شَنُوءَةً». وَقَالَ: ((عِيسَى جَعْدٌ مَرْبُوعٌ)). وَذَكَرَ
مَالِكاً خَازِنَ جَهَنَّمَ، وَذَكَرَ الدَّجَّالَ.
٤٣٧ - (١٦٥ / ٢٦٧) - وَحَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، أَخْبَرَنَاَ يُونُسُ بْنُ
مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا شَيْبَانُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَبِيِ الْعَالِيَّةِ:
حَدَّثَنَا ابْنُ عَمِّ نَبِيِّكُمْلَهَابْنُ عَّاسٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهَِّةِ: (مَرَرْتُ
لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِي عَلَى مُوسَى بْنِ عِمْرَانَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - رَجُلٌ آدَمُ، طُوَالٌ،
جَعْدٌ، كَأَنَّهُ مِنْ رِجَالٍ شَئُوءَةَ، وَرَأَيْتُ عِيسَى بْنَ مَرْيَمَ مَرْبُوعَ الخَلْقِ إِلَى
الحُمْرَةِ وَالبَيَاضِ، سَبِطَ الرَّأْسِ». وَأُرِيّ مَالِكاً خَازِنَ النَّارِ، وَالدَّجَّالَ،
فِي آيَاتٍ أَرَاهُنَّ اللهُ إِيَّاهُ، ﴿َفَلَا تَكُنْ فِ مِرْيَةٍ مِّن لِقَابِدِ﴾ [السجدة: ٢٣]،
قَالَ: كَانَ قَتَادَةُ يُفَسِّرُهَا: أَنَّ نَبِيَّ اللهِوَلِقَدْ لَقِيَ مُوسَى - عَلَيْهِ السَّلامُ -.
١٥٣

٤٣٨ - (١٦٦ / ٢٦٨) - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلِ، وَسُرَيْجُ بْنُ
يُونُسَ، قَالاَ: حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ، أَخْبَرَنَاَ دَاوُدُ بْنُ أَبِي هِنْدٍ، عَنْ أَبِي
الْعَالِيَةِ، عَنِ ابْنِ عَّاسٍ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﴿ مَزَّ بِوَادِي الأَزْرَقِ، فَقَالَ:
(أيُّ وَادٍ هَذَا؟)) فَقَالُوا: هَذَا وَادِي الأَزْرَقِ. قَالَ: (كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى
مُوسَى - عَلَيْهِ السَّلامُ - هَابِطاً مِنَ النَِّيَّةِ، وَلَهُ جُؤَارٌ إِلَى اللّهِ بِالتَّلْبِيَّةِ)).
ثُمَّ أَى عَلَى ثَنِِّ هَرْشَى. فَقَالَ: (أَّ ثَنِيَةٍ هَذِهِ؟)). قَالُوا: ثَنِيَّةُ هَرْشَى،
قَالَ: ((كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى يُونُسَ بْنِ مَتَّى - عَلَيْهِ السَّلامُ - عَلَى نَاقَةٍ حَمْرَاءَ
جَعْدَةٍ، عَلَيْهِ جُبَّةٌ مِنْ صُوفٍ، خِطَامُ نَاقَتِهِ خُلْبَةٌ، وَهُوَ يُلَبِّي)). قَالَ ابْنُ
حَتْلٍ فِي حَدِيثِهِ: قَالَ هُشَيْمٌ: يَعْنِي: لِيفاً.
٤٣٩ - (١٦٦ / ٢٦٩) - وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا ابْنُ
أَبِي عَدِيٍّ، عَنْ دَاوُدَ، عَنْ أَبِيِ الْعَالِيَّةِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: سِرْنَاً
مَعَ رَسُولِ اللهِ عَهَ بَيْنَ مَكَّةَ وَالمَدِينَةِ، فَمَرَرْنَاَ بِوَادٍ، فَقَالَ: ((أَيُّ وَادٍ
هَذَا؟)». فَقَالُوا: وَادِي الأَزْرَقِ. فَقَالَ: (كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى مُوسَى - فَذَكَرَ
مِنْ لَوْنِهِ وَشَعْرِهِ شَيْئاً لَمْ يَحْفَظْهُ دَاوُدُ - وَاضِعاً إِصْبَعَيْهِ فِي أُذُنِيَّهِ، لَهُ
جُؤَادٌ إِلَى اللّهِ بِالتَّلْبِيَّةِ، مَارَاً بِهَذَا الوَادِيِ). قَالَ: ثُمَّ سِرْنَاً حَتَّى أَيْنَا
عَلَى ثَنِيَّةٍ، فَقَالَ: ((أَيُّ ثَنِيَّةٍ هَذِهِ؟)). قَالُوا: هَرْشَى، أَوْ لِفْتٌ. فَقَالَ:
(كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى يُونُسَ عَلَى نَقَّةٍ حَمْرَاءَ عَلَيْهِ جُبَّهُ صُوفٍ، خِطَامُ نَقَتِهِ
لِيفٌ خُلْبَةٌ، مَارَّاً بِهَذَا الوَادِي مُلَبِّباً).
٤٤٠ - (١٦٦ / ٢٧٠) - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا ابْنُ
١٥٤

أَبِي عَدِيٍّ، عَنِ ابْنِ عَوْنٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، قَالَ: كُنَّا عِنْدَ ابْنِ عَبَّاسٍ،
فَذَكَرُوا الدَّجَّالَ، فَقَالَ: إِنَّهُ مَكْتُوبٌ بَيْنَ عَيْنَيْهِ كَافِرٌ. قَالَ: فَقَالَ ابْنُ
عَبَّاسِ: لَمْ أَسْمَعْهُ قَالَ ذَاكَ، وَلَكِنَّهُ قَالَ: ((أَمَّا إِبْرَاهِيمُ، فَانْظُرُوا إِلَى
صَاحِبِكُمْ، وَأَمَّا مُوسَى، فَرَجُلٌ آدَمُ جَعْدٌ عَلَى جَمَلٍ أَحْمَرَ مَخْلُومٍ
بِخُلْبَةٍ، كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَيْهِ إِذَا انْحَدَرَ فِي الوَادِي يُلَبِّي)».
أخرج هنا سبعة أحاديث:
الأول: عن ابن عباس، قال: ذَكَرَ رَسُولُ اللهِوَ﴿ِ حِينَ أُسْرِيَ بِهِ،
فَقَالَ: (( مُوسَى آدَمُ طُوَالٌ، كَأَنَّهُ مِنْ رِجَالِ شَنُوءَةَ». وَقَالَ: ((عِيسَى جَعْدٌ
مَرْبُوعٌ)). وَذَكَرَ مَالِكاً خَازِنَ جَهَنَّمَ، وَذَكَرَ الدَّجَّالَ.
وفي رواية: (( مَرَرْتُ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِي عَلَى مُوسَى بْنِ عِمْرَانَ - عَلَيْهِ
السَّلامُ - رَجُلٌ آدَمُ طُوَالٌ جَعْدٌ، كَأَنَّهُ مِنْ رِجَالِ شَئُوءَةَ، وَرَأَيْتُ عِيسَى
ابْنَ مَرْيَمَ مَرْبُوعَ الخَلْقِ إِلَى الحُمْرَةِ وَالبَيَاضِ، سَبِطَ الرَّأْسِ)). وَأُرِيّ
مَالِكَأَ خَازِنَ النَّارِ، وَالدَّجَّالَ فِ آيَاتٍ أَرَاهُنَّ اللّهُ إِيَّاهُ، ﴿فَلَا تَكُنْ فِى مِرْيَتِ
مِّن لِّقَابِهِ﴾ [السجدة: ٢٣]، قَالَ: كَانَ قَتَادَةُ يُفَسِّرُهَا: أَنَّ نَبِيَّ اللهِنَّهِ قَدْ
لَقِيَ مُوسَى - عَلَيْهِ السَّلامُ ..
وفي رواية: أَنَّ رَسُولَ اللهِنَّهِ مَرَّ بِوَادِي الأَزْرَقِ، فَقَالَ: ((أيُّ وَادٍ
هَذَا؟)». فَقَالُوا: هَذَا وَادِي الأَزْرَقِ. قَالَ: ((كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى مُوسَى
- عَلَيْهِ السَّلامُ - هَابِطاً مِنَ الَّنِيَّةِ، وَلَهُ جُؤَارٌ إِلَى اللهِ بِالتَّلْبِيَةِ)). ثُمَّ أَتَى
عَلَى ثَنِيَّةِ هَرْشَى. فَقَالَ: ((أَيُّ ثَنِيَّةِ هَذِهِ؟)). قَالُوا: ثَنِيَّهُ هَرْشَى، قَالَ:
١٥٥

(كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى يُونُسَ بْنِ مَتَّى - عَلَيْهِ السَّلامُ - عَلَى نَاقَةٍ حَمْرَاءَ جَعْدَةٍ،
عَلَيْهِ جُبَّةٌ مِنْ صُوفٍ، خِطَامُ نَاقَتِهِ خُلْبَةٌ، وَهُوَ يُلَبِّي)).
وَأَنَّهُ ذُكِرَ عِنْدَ ابْنِ عَبَّاسِ الدَّجَالُ، فَذَكَرُوا أَنَّهُ مَكْتُوبٌ بَيْنَ عَيْنَيْهِ:
كَافِرٌ، قَالَ: لَمْ أَسْمَعْهُ، وَلَكِنَّهُ قَالَ: ((أَمَّا إِبْرَاهِيمُ، فَانْظُرُوا إِلَى
صَاحِبِكُمْ، وَأَمَا مُوسَى، فَجَعْدٌ آدَمُ، عَلَى جَمَلٍ أَحْمَرَ مَخْطُومٍ بِخُلْبَةٍ،
كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَيْهِ انْحَدَرَ فِيِ الوَادِي يُلَبِّي»، أخرجه البخاري.
٤٤١ - (١٦٧ / ٢٧١) - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا لَيْثٌ ح،
وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رُمْحٍ، أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ، عَنْ أَبِيِ الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ:
أَنَّ رَسُولَ اللهِنَّهِ قَالَ: ((عُرِضَ عَلَيَّ الأَنْبِيَاءُ، فَإِذَا مُوسَى ضَرْبٌ مِنَ
الرِّجَالِ، كَأَنَّهُ مِنْ رِجَالٍ شَئُوءَةَ، وَرَأَيْتُ عِيسَى بْنَ مَرْيَمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ -،
فَإِذَا أَقْرَبُ مَنْ رَأَيْتُ بِهِ شَبَهاً عُرْوَةُ بنُ مَسْعُودٍ، وَرَأَيْتُ إِبْرَاهِيمَ
- صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِ - فَإِذَا أَقْرَبُ مَنْ رَأَيْتُ بِهِ شَبَهاً صَاحِبُكُمْ - يَعْنِي:
نَفْسَهُ -، وَرَأَيْتُ حِبْرِيلَ - عَلَيْهِ السَّلامُ -، فَإِذَا أَقْرَبُ مَنْ رَأَيْتُ بِهِ شَبَهاً
دِحْبَةُ». وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ رُمْحٍ: ((دِحْيَةُ بُْ خَلِفَةَ)).
الحديث الثاني: حديث جابر؛ قال: قال رسول الله وَله: ((عُرضَ
عَلَيَّ الأَنْبِيَاءُ، فَإِذَا مُوسَى ضَرْبٌ مِنَ الرِّجَالِ، كَأَنَّهُ مِنْ رِجَالٍ شَئُوءَةَ،
وَرَأَيْتُ عِيسَى بْنَ مَرْيَمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ -، فَإِذَا أَقْرَبُ مَنْ رَأَيْتُ بِهِ شَبَهاً
عُرْوَةُ بْنُ مَسْعُودٍ، وَرَأَيْتُ إِبْرَاهِيمَ - صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِ -، فَإِذَا أَقْرَبُ مَنْ
١٥٦

رَأَيْتُ بِهِ شَبَهاً صَاحِبُّكُمْ - يَعْنِي: نَفْسَهُ -، وَرَأَيْتُ جِبْرِيلَ - عَلَيْهِ السَّلامُ-،
فَإِذَا أَقْرَبُ مَنْ رَأَيْتُ بِهِ شَبَهاَ دِحْيَةُ)). وَفِي رِوَاَةِ ابْنِ رُمْحٍ: ((دِحْيَةُ بْنُ
خَلِيفَةَ)) أخرجه الترمذي.
٤٤٢ - (١٦٨ / ٢٧٢) - وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعِ، وَعَبْدُ بْنُ
حُمَيْدٍ - وَتَقَارَبَا فِي اللَّفْظِ -، قَالَ ابْنُ رَافِعٍ: حَدَّثْنَا، وَقَالَ عَبْدٌ: أَخْبَرَنَاَ
عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، قَالَ: أَخْبَرَنِي سَعِيدُ بْنُ
الْمُسَيَّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ◌َ: ((حِينَ أُسْرِيَ بِي
لَقِيتُ مُوسَى - عَلَيْهِ السَّلامُ -)». فَنَعَتَهُ النَّبِيُّ ◌َه ((فَإِذَا رَجُلٌ - حَسِبْتُهُ
قَالَ : - مُضْطَرِبٌ، وَجِلُ الرَّأْسِ، كَأَنَّهُ مِنْ رِجَالِ شَئُوءَةَ - قَالَ : -
وَلَقِيتُ عِيسَى)). فَتَعَتَهُ النَّبِيُّ وَه ((فَإِذَا رَبْعَةٌ أَحْمَرُ كَأَنَّمَا خَرَجَ مِنْ
دِيمَاسِ)) . - يَعْنِي: حَمَّاماً - قَالَ: ((وَرَأَيْتُ إِبْرَاهِيمَ - صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِ-،
وَأَنَا أَشْبَهُ وَلَدِهِ بِهِ - قَالَ : - فَأُتِيتُ بِنَاءَيّنٍ، فِي أَحَدِهِمَا لَبَنٌّ، وَفِي
الآخَرِ خَمْرٌ، فَقِيلَ لِي: خُذْ أَّهُمَا شِئْتَ. فَأَخَذْتُ اللَّبْنَ، فَشَرِبْتُهُ،
فَقَالَ: هُدِيتَ الفِطْرَةَ، أَوْ أَصَبْتَ الفِطْرَةَ، أَمَا إِنَّكَ لَوْ أَخَذْتَ الخَمْرَ،
غَوَتْ أُمَّتُكَ)).
الحديث الثالث: حديثُ أبي هريرة، قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ◌َه:
((حِينَ أُسْرِيَ بِي لَقِيتُ مُوسَى - عَلَيْهِ السَّلاَمُ -)». فَنَعَتَهُ النَّبِيُّ ◌َِّ، ((فَإِذَا
رَجُلٌ - حَسِبْتُهُ قَالَ : - مُضْطَرِبٌ رَجِلُ الرَّأْسِ، كَأَنَّهُ مِنْ رِجَالِ شَئُوءَةً
١٥٧

- قَالَ : - وَلَقِيْتُ عِيسَى)). فَنَعَتَهُ النَّبِيُّ ◌َِّ، ((فَإِذَا رَبْعَةٌ أَحْمَرُ كَأَنَّمَا خَرَجَ
مِنْ دِيمَاس)) . - يَعْنِي: حَمَّاماً - قَالَ: ((وَرَأَيْتُ إِبْرَاهِيمَ - صَلَوَاتُ اللهِ
عَلَيْهِ -، وَأَنَا أَشْبَهُ وَلَدِهِ بِهِ - قَالَ : - فَأُتِيتُ بِنَاءَيْنِ، فِي أَحَدِهِمَا لَبَزٌّ،
وَفِي الآخَرِ خَمْرٌ، فَقِيلَ لِي: خُذْ أَتَّهُمَا شِئْتَ. فَأَخَذْتُ اللَّبَنَ، فَشَرِبْتُهُ،
فَقَالَ: هُدِيتَ الفِطْرَةَ، أَوْ أَصَبْتَ الفِطْرَةَ، أَمَا إِنَّكَ لَوْ أَخَذْتَ الخَمْرَ،
غَوَتْ أُمَّتُكَ)) أخرجه البخاري، والترمذي.
إذا عرفت هذا، فالكلام ــ هاهنا - في مواضع:
الأوّل: في المناسبة: لما ذكر [في] حديث المعراج رؤيةَ النبي
- عليه السلام - الأنبياء - عليهم السلام -، أورد الأحاديث المشتملة على
بيان توصيفهم، ولما كان هذا الحديث من الأمور الغريبة، إذ رؤية
الأنبياء الذين ماتوا في أزمنة قديمة سابقة عن زمان النبي - عليه السلام -
بمدد طوال بصورهم وحلاهم أمرٌ غريب جداً، أوما الراوي - وهو أبو
العالية - إلى أن ما رواه ليس عن الأجانب، بل عن ابن عم النبي - عليه
السلام -، وهو ابن عباس ﴿ًّا، فقال: حدثني ابنُ عَمِّ نبيكم.
الثاني: في صفة موسى عليه السلام:
: قوله: (مُوسَى آدَمُ طُوَالٌ)، أما موسى - عليه السلام -، فهو
موسى بن عمران بن ماهت بن نصر بن لاوي بن يعقوب - عليهما
السلام - قيل: سمي موسى؛ لأنه وجد في ماء وشجر، و(مو)
بلغتهم: اسم الماء، و(شا) - بالشين المعجمة -: الشجر فسمي:
موشى، فعُرِّب بالسين المهملة.
قد جاء نعته في الروايات بأنه (آدَمُ)، وهو بیان اللون.
١٥٨

و(طُوَالٌ) وهو بيان القد.
و(جَعْدٌ) والظاهر أنه بيان الشعر.
و(ضَرْبٌ) - بفتح الضاد المعجمة وسكون الراء -: خفيف
اللحم، يقال: رجلٌ ضَرْبٌ؛ أي: خفيفُ اللحم، غيرُ جَسيم، قال
طَرَفَة :
أَنَا الرَّجُلُ الضَّرْبُ الَّذِي تَعرِفُونَهُ
خَشَاشٌ كَرَأْسِ الحَيّةِ المُتَوَقِّدِ
و(مُضْطَرِبٌ)، وهو: متفاوت الخلق، ويستعمل في صاحب
المجد والجود، قال :
رَحْبُ الفِناءِ اضْطِرابُ المَجْدِ رَغْبَتُهُ
وَالمَجْدُ أَنْفَعُ مَضْرُوبٍ لِمُضْطَرِبِ
فقوله: (مُضْطَرِبٌ) يحتمل أن يراد: تفاوت الخلق في الجَسامة
والنحافة، بمعنى: أنه بينهما، وهو معنى قوله: ((ضَرْبٌ مِنَ الرِّجَالِ))،
ويدل عليه: أنه ما جاء في الرواية الأخرى بدله، ويحتمل أن يراد: أنه
صاحب المجد والجود، ويكون إشارة إلى بيان سيرته.
فحاصل الروايات: أن موسى - عليه السلام - آدَمُ اللون، طُوالَ
القَدِّ، جَعْدُ الشعرِ، متوسط الجسم بين الجسامة والنحافة، تمام
الأخلاق والشمائل.
وجاء في بعض الروايات: ((رَجِلُ الرَّأْسِ))، وهو بين الجُعودة
١٥٩

والسُّبوطة، وجاء في حديث ابن [عباس] مرفوعاً: ((وَرَأَيْتُ مُوسَى
أَسْحَمَ، آدَمَ، كَثِيرَ الشَّعْرِ، شَدِيدَ الخَلْقِ)) رواه أبو يعلى، ومر بيان كثرة
الشعر وشدة الخلق زائداً علی حدیث الكتاب.
وعن ابن مسعود: ((كَانَ طُولُ مُوسَى اثْنَيْ عَشَرَ ذِرَاعاً، وَعَصَاهُ
اثْنَيْ عَشَرَ ذِرَاعاً، وَوَثْبَتُهُ اثْنَيْ عَشَرَ ذِرَاعاً، فَضَرَبَ عِوَجَ بنَ عَنَاقٍ، فَمَا
أَصَابَ مِنْهُ إِلا کَعْبَهُ» رواه الطبراني.
وعنہ: بیان طول قامته - عليه السلام -.
وأما تشبيه النبي - عليه السلام - موسى برجال شَنُوءَة - بفتح
الشين المعجمة وضم النون وسكون الواو وفتح الهمزة ثم هاء -: اسم
قبيلة من اليمن، مأخوذ من الشنوءة، وهو التقزز والتباعد من
الأدناس، سَمَّوْه بذلك؛ لما فيهم من الطهارة، والبعدِ عن الأرجاس
والأنجاس، أو لتباعدهم من بين الأحياء والقبائل، فيحتمل أن يكون
من جهة الصورة؛ فإن صورة موسى - عليه السلام - بالنعت الذي ذكره
تشبيه بهم، ويحتمل أن يكون من جهة المعنى، وهو طهارة البدن(١)،
ونقاوة الذات، وفيه منقبة لتلك القبيلة؛ حيث يكون كليمُ الله تعالى
على صورة رجالهم، أو سربهم.
الثالث: في صفة عيسى عليه السلام:
، قوله: (عِيسَى جَعْدٌ مَرْبُوعٌ) هو عيسى بن مريم، عبدُالله
(١) في الأصل: ((الذيل)).
١٦٠