Indexed OCR Text

Pages 121-140

لِمُسْتَوَى أَسْمَعُ فِيهِ صَرِيفَ الأَقْلاَمِ».
قَالَ ابْنُ حَزْمٍ وَأَنَسُ بْنُ مَالِكٍ: قَالَ رَسُولُ اللهِوَهِ: ((فَفَرَضَ اللهُ
عَلَى أُمَّتِي خَمْسِينَ صَلاَةً، - قَالَ : - فَرَجَعْتُ بِذَلِكَ حَتَّى أَمُرَّ بِمُوسَى،
فَقَالَ مُوسَى - عَلَيْهِ السَّلاَمُ -: مَاذَا فَرَضَ رَبُّكَ عَلَى أُمَّتِكَ؟ - قَالَ : -
قُلْتُ: فَرَضَ عَلَيْهِمْ خَمْسِينَ صَلاَةً، قَالَ لِي مُوسَى - عَلَيْهِ السَّلامُ -:
فَرَاجِعْ رَبَّكَ؛ فَإِنَّ أُمَتَكَ لاَ تُطِيقُ ذَلِكَ، - قَالَ : - فَرَاجَعْتُ رَبِيٍ، فَوَضَعَ
شَطْرَهَا، - قَالَ : - فَرَجَعْتُ إِلَى مُوسَى - عَلَيْهِ السَّلامُ -، فَأَخْبَرْتُهُ، قَالَ:
رَاجِعْ رَبَّكَ؛ فَإِنَّ أُمَّتَكَ لاَ تُطِيقُ ذَلِكَ، - قَالَ : - فَرَاجَعْتُ رَبِي، فَقَالَ:
هِيَ خَمْسٌ، وَهْيَ خَمْسُونَ، لاَ يُبَدَّلُ القَوْلُ لَدَيَّ - قَالَ : - فَرَجَعْتُ إِلَى
مُوسَى، فَقَالَ: رَاجِعْ رَبَّكَ، فَقُلْتُ: قَدِ اسْتَحْبَيْتُ مِنْ رَبِي، - قَالَ : -
ثُمَّ انْطَلَقَ بِي جِبْرِيلُ حَتَّى نَأَتِيَ سِدْرَةَ المُنْتَهَى، فَغَشِيَهَا أَلْوَانٌ لاَ أَدْرِي
مَا هِيَ - قَالَ : - ثُمَّ أُدْخِلْتُ الجَنَّةَ، فَإِذَا فِيهَا جَنَابِذُ اللُّؤْلُقٍ، وَإِذَا تُرَابُهَا
المِسْكُ».
الحديث الثاني: حديثُ أبي ذر: أنه كان يحدث: أَنَّ رَسُولَ اللهِله
قَالَ: ((فُرِجَ سَقْفُ بَيْتِي وَأَنَا بِمَكَّةَ، فَتَزَلَ جِبْرِيلُ، فَفَرَجَ صَدْرِي، ثُمَّ
غَسَلَهُ مِنْ مَاءِ زَمْزَمَ، ثُمَّ جَاءَ بِطَسْتٍ مِنْ ذَهَبٍ مُمْتَلِئْ حِكْمَةً وَإِمَاناً،
فَأَفْرَغَهَا فِي صَدْرِي، ثُمَّ أَطْبَقَهُ، ثُمَّ أَخَذَ بِيَدِي، فَعَرَجَ بِي إِلَى السَّمَاءِ،
فَلَمَّا جِبْنَ السَّمَاءَ الدُّنْيَا، قَالَ جِبْرِيلُ - عَلَيْهِ السَّلاَمُ - لِخَازِنِ السَّمَاءِ
الدُّنْيًا: اقْتَحْ. قَالَ: مَنْ هَذَا؟ قَالَ: هَذَا جِبْرِيلُ، قَالَ: هَلْ مَعَكَ أَحَدٌ؟
١٢١

قَالَ: نَعَمْ، مَعِيَ مُحَمَّدٌ وَهِ، قَالَ: فَأَرْسِلَ إِلَيْهِ؟ قَالَ: نَعَمْ، فَفَتَحَ،
- قَالَ : - فَلَمَّا عَلَوْنَ السَّمَاءَ الدُّنْيًا، فَإِذَا رَجُلٌ عَنْ يَمِينِهِ أَسْوِدَةٌ، وَعَنْ
يَسَارِهِ أَسْوِدَةٌ - قَالَ : - فَإِذَا نَظَرَ قِبَلَ يَمِينِهِ ضَحِكَ، وَإِذَا نَظَرَ قِبَلَ شِمَالِهِ
بَكَى، - قَالَ : - فَقَالَ: مَرْحَباً بِالنَّبِيَّ الصَّالِحِ وَالإِبْنِ الصَّالِحِ، - قَالَ : -
قُلْتُ: يَا جِبْرِيلُ! مَنْ هَذَا؟ قَالَ: هَذَا آدَمُ، وَهَذِهِ الأَسْوِدَةُ عَنْ يَمِينِهِ
وَعَنْ شِمَالِهِ نَسَمُ بَنِيهِ، فَأَهْلُ اليَمِينِ أَهْلُ الجَنَّةِ، وَالأَسْوِدَةُ الَّتِي عَنْ
شِمَالِهِ أَهْلُ النَّارِ، فَإِذَا نَظَرَ قِبَلَ يَمِينِهِ ضَحِكَ، وَإِذَا نَظَرَ قِبَلَ شِمَالِهِ
بَكَى، - قَالَ : - ثُمَّ عَرَجَ بِي جِبْرِيلُ حَتَّى أَتَى السَّمَاءَ الثَّانِيَةَ، فَقَالَ
لِخَازِهَا: افْتَحْ، - قَالَ : - فَقَالَ لَهُ خَازِنُهَا: مِثْلَ مَا قَالَ خَازِنُ السَّمَاءِ
الدُّنْيَا، فَفَتَحَ)). فَقَالَ أَنَسُ بْنُ مَالِكِ: فَذَكَرَ أَنَّهُ وَجَدَ فِي السَّمَاوَاتِ:
آدَمَ، وَإِدْرِيسَ، وَعِيسَى، وَمُوسَى، وَإِبْرَاهِيمَ - صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِمْ
أَجْمَعِينَ -، وَلَمْ يُثْبِتْ كَيْفَ مَنَازِلُهُمْ، غَيْرَ أَنَّهُ ذَكَرَ أَنَّهُ قَدْ وَجَدَ آدَمَ
- عَلَيْهِ السَّلامُ - فِي السَّمَاءِ الدُّنْيَا، وَإِبْرَاهِيمَ فِي السَّمَاءِ السَّادِسَةِ، قَالَ:
(فَلَمَّا مَرَّ جِبْرِيلُ وَرَسُولُ اللهِ وَهِ بِإِدْرِيسَ - صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِ - قَالَ:
مَرْحَباً بِالنَّبِيَّ الصَّالِحِ وَالأَخِ الصَّالِحِ، - قَالَ : - ثُمَّ مَرَّ، فَقُلْتُ: مَنْ
هَذَا؟ فَقَالَ: هَذَا إِدْرِيسُ - قَالَ : - ثُمَّ مَرَرْتُ بِمُوسَى - عَلَيْهِ السَّلامُ-،
فَقَالَ: مَرْحَباً بِالنَّبِيَّ الصَّالِحِ وَالأَخِ الصَّالِحِ، - قَالَ : - قُلْتُ: مَنْ هَذَا؟
قَالَ: هَذَا مُوسَى - قَالَ : - ثُمَّ مَرَرْتُ بِعِيسَى، فَقَالَ: مَرْحَباً بِالنَّبِيَّ
الصَّالِحِ وَالأَخِ الصَّالِحِ. قُلْتُ: مَنْ هَذَا؟ قَالَ: عِيسَى بْنُ مَرْيَمَ، - قَالَ:
- ثُمَّ مَرَرْتُ بِإِبْرَاهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ -، فَقَالَ: مَرْحَباً بِالنَّبِيَّ الصَّالِحِ
د
١٢٢

وَالإِبْنِ الصَّالِحِ -، قَالَ : - قُلْتُ: مَنْ هَذَا؟ قَالَ: هَذَا إِبْرَاهِيمُ)).
قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: وَأَخْبَرَِي ابْنُ حَزْمٍ: أَنَّ ابْنَ عَّاسٍ، وَأَبَا حَبََّ
الأَنْصَارِيَّ كَانَ يَقُولاَنٍ: قَالَ رَسُولُ اللهِوَهُ: ((ثُمَّ عَرَجَ بِي حَتَّى ظَهَرْتُ
لِمُسْتَوَى أَسْمَعُ فِيهِ صَرِيفَ الأَقْلاَمِ».
قَالَ ابْنُ حَزْمِ، وَأَنَسُ بْنُ مَالِكِ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((فَفَرَضَ اللهُ
عَلَى أُمَّتِي خَمْسِينَ صَلَةً، - قَالَ : - فَرَجَعْتُ بِذَلِكَ حَتَّى أَمُرَّ بِمُوسَى،
فَقَالَ مُوسَى - عَلَيْهِ السَّلامُ -: مَاذَا فَرَضَ رَبِّكَ عَلَى أُمَّتِكَ؟ - قَالَ : -
قُلْتُ: فَرَضَ عَلَيْهِمْ خَمْسِينَ صَلاَةً، قَالَ لِي مُوسَى - عَلَيْهِ السَّلامُ -:
فَرَاجِعْ رَّكَ؛ فَإِنَّ أُمَّتَكَ لاَ تُطِيقُ ذَلِكَ، - قَالَ : - فَرَاجَعْتُ رَبِي، فَوَضَعَ
شَطْرَهَا، - قَالَ : - فَرَجَعْتُ إِلَى مُوسَى - عَلَيْهِ السَّلامُ -، فَأَخْبَرْتُهُ، قَالَ:
رَاجِعْ رَبَّكَ؛ فَإِنَّ أُمَتَكَ لاَ تُطِيقُ ذَلِكَ، - قَالَ : - فَرَاجَعْتُ رَبِي، فَقَالَ:
هِيَ خَمْسٌ، وَهْيَ خَمْسُونَ، لاَ يُبَدَّلُ القَوْلُ لَدَيَّ - قَالَ : - فَرَجَعْتُ إِلَى
مُوسَى، فَقَالَ: رَاجِعْ رَبَّكَ. فَقُلْتُ: قَدِ اسْتَحْيَيْتُ مِنْ رَبِيٍ، - قَالَ : -
ثُمَّ انْطَلَقَ بِي جِبْرِيلُ حَتَّى نَأْتِيَ سِدْرَةَ المُنْتَهَى، فَغَشِيَهَا أَّوَانٌ لاَ أَدْرِي
مَا هِيَ - قَالَ : - ثُمَّ أُدْخِلْتُ الجَنَّةَ، فَإِذَا فِيهَا جَنَابِذُ اللُّؤْلُؤِ، وَإِذَا تُرَابُهَا
المِسْكُ))، أخرجه البخاري.
إذا عرفت هذا، فالكلام عليه في مواضع :
الأول: رؤية آدم - عليه السلام:
والأسودة - على وزن أزمنة -: جمع سواد، وفي ((الأساس)): ومن
١٢٣

المجاز: رأيت سواداً، وأسودة، وأساوٍدَ: شخوصاً، ومنه: ساوَدْتُه:
سارَرْتُه؛ لأنك في المساررة تدني سوادك من سواده، والسواد
- أيضاً -: الجماعة، قيل: كثَّرتُ سواد القوم بسوادي؛ أي: جماعَتَهم
بشخصي، ومنه: ((عَلَيْكُمْ بِالسَّوَادِ الأَعْظَمِ))، وهو جماعة المسلمين.
والمعنى: فإذا رجل عن يمينه شخوص، أو جماعة من الناس،
وفسرها - عليه السلام - بأنها (نَسَمُ بَنِيهِ))؛ أي: نفوسهم.
والغرض: بيان أن النبي - عليه السلام - رأى آدم في السماء
الدنيا، وعن يمينه وشماله أرواح بنيه من أهل الجنة وأهل النار.
ولا تنافي بين هذا وبين ما روي أن أرواح الكفار في سِجِّين،
وهي في الأرض السابعة، وأرواح المؤمنين في الجنة، أو في الصُّور
الذي يُنفخ فيه؛ لجواز أنها تعرض على آدم - عليه السلام - أوقاتاً،
وليلة الإسراء من جملتها .
أو عرض تلك الليلة كرامة للنبي - عليه السلام -؛ لينظر إليهم،
ويعلم حالهم.
أو أنها تكون بين يدي آدم في الجنة والنار في بعض الأوقات.
أو أن باب الجنة والنار عن يمين آدم وشماله، ويؤيده: حديث
أبي هريرة: (ثُمَّ صُعِدَ به إلى السَّماء، فاسْتَفْتح جبريل، فقيل: مَنْ
هذا؟ قال: جبريل، قيل: ومَنْ مَعَكَ؟ قال: مُحمَّد، قالوا: وقد أُرْسلَ
إليه؟ قال: نعم، قالوا: حَيَّه اللهُ مِنْ أخ وخَليفةٍ، فنِعْمَ الأخُ، ونِعْمَ
١٢٤

الخَليفةُ، ونِعْمَ المجيءُ جاء، فَدَخَل، فإذا بشيخِ جالسٍ تَامِّ الخَلْقِ لم
يَنْقُصْ من خَلْقِهِ شيئاً كما يَنْقُص من خَلْقِ البَشَرِ، عن يمينه بابٌ تَخْرِجُ
منه ريحٌ طيِّةٌ، وعن شماله بابٌ تَخْرجُ منه ريحٌ خبيئةٌ، إذا نَظَرَ إلى
البابِ الذي عن يمينه ضَحِكَ، وإذا نَظَرَ إلى الباب الذي عَنْ يَسَارِهِ بكى
وحَزِنَ، فقالَ: يا جبريلُ! مَنْ هَذَا الشيخُ؟ وما هَذَانِ البابانِ؟)) قال:
هذا أبوكَ آدمُ، وهذا البابُ الذي عَنْ يمينِهِ بابُ الجَنَّةِ، إذا رَأَى مَنْ
يَدْخُلُهُ مِنْ ذَرِّيَّتِهِ ضَحِكَ واسْتَبْشَرَ، والبابُ الذي عَنْ شِمَالِهِ بَابُ النَّارِ،
إذا نَظَرَ مَنْ يَدْخُلُه مِنْ ذُرِّيَّتِهِ بکی وحَزِنَ» رواه البزار، وإسناده حسن.
وأما ضحكُ آدم وبكاؤه، فمن سرور الأب على حُسن حال ولده،
وحزنه علی سوء حاله.
الثاني: في ترحيب إدريس بالنبي - عليهما السلام -:
* قوله في إدريس: ((مَرْحَباً بِالنَّبِيِّ الصَّالِحِ وَالأَخِ الصَّالِحِ)) ربما
يعترض بأنه ينبغي أن يقول: بالابن الصالح كما قاله آدم وإبراهيم؛ لأن
إدريس من آباء النبي - عليه السلام -؛ لأنه والد جد نوح - عليهما
السلام -؛ فإنه نوحُ بنُ لامَك - بفتح الميم وكسرها - بن مُتُوشلخ -
بفتح الميم وضم التاء الفوقانية ثم خاء معجمة - ابن حَنُوخ - بفتح
الحاء المهملة -، وقيل: المعجمة وضم النون وسكون الواو ثم خاء
معجمة-، وهو إدريس عليه السلام.
ويجاب: بأن المراد من إدريس المذكور هنا: هو إلياس النبي
١٢٥

- عليه السلام -، لا حنوخ المذكور ثمة، وهو اختيار ابن العربي،
والسُّهيلي، وبأن المراد: هو، وإنما قال: (الأَخ) مطلقاً؛ لأن الأنبياء
إخوة والمؤمنون إخوة، قاله جمع.
ويحتمل أن يكون الدعاء والثناء من ملائكة السموات، وإدريس
معهم، كما جاء في حديث أبي هريرة على ما في ((البزار)): أن الثناء
من ملائكة كل سماء من السموات بلفظ: ((حياه الله من أخ وخليفةٍ،
فنعمَ الأخُ، ونعم الخليفة، ونعمَ المجيءُ))، والله أعلم.
والثالث: في الصَّريف، وهو فوق السماوات السبع، وسماع
صريف الأقلام، فيقال: لإتيانه صريف، وللبَكْرَة صريف.
قال الخطابي: هو صوتُ [ما] تكتبه الملائكة من أقضية الله
تعالى ووحيه، وما ينسخونه من اللوح المحفوظ، وما شاء الله أن
یکتب ویرفع.
وهذه حجة للمذهب الصحيح من أن الأمور تكتب بالأقلام،
ووجوب الإيمان به على ما وردت به الآيات والأخبار، وإن كان
لا يعلم كيفية ذلك؛ لوجوب الإيمان بأمثاله من المتشابهات، وإن
الصرف عن ظواهرها خطأ؛ لأنه مما لا حاجة إليه.
وفي ذلك بيان علو مرتبة نبينا - عليه أفضل الصلوات وأكمل
التحيات -؛ حيث جاوز عن مراتب النبيين، وبلغ إلى محل سمع ذلك.
وقد ذكر البزار في حديث الإسراء عن علي : ((أنَّ النبيَّ
- عليه السلام - كان مَعَ جبريلَ حتَّى بَلَغَ الحِجَابَ، فَخَرِجَ مَلَكٌ مِنْ
١٢٦

وراءِ الحِجَابِ، فقالَ جبريلُ: والذي بعثكَ بالحقِّ! إنَّ هذا المَلَك
ما رأيتُه منذ خُلِقْت، وإنِّي أقربُ الخَلْقِ مَكَاناً».
وفي حديث آخر: «فارقَنِي جبريلُ، فانقطعَتْ عَنِّي الأصواتُ)).
الرابع: في قوله: (فَوَضَعَ شَطْرَهَا) قيل: المراد من الشطر:
البعض، لا النصف، ثبت أنه خفف في كل رجعة خمس صلوات،
وهي بعضُ خمسين، لا نصفها، وما ذكر النووي أنه لا ضرورة إلى
هذا التأويل؛ لأنه حط عنه في مرات المراجعة ذلك، وهذه الرواية
مختصرة من الأولى، غيرُ واضح؛ لأن شطر الموضوع لو حمل على
مراتب المراجعة - أيضاً -، لا يستقيم إلا بالتأويل المذكور؛ لأن
الموضوع خمس وأربعون صلاة، وهي ليست نصف خمسين، بل
بعضها - على ما لا يخفى -.
وما يدل على أن المراد: بيانُ أن في كل مرة يُحط شيء من
الصلاة: ما جاء في ((النسائي)): ((فَرَجَعْتُ إِلَى رَبِّي، فَسَأَلْتُّهُ الَّخْفِيفَ))
على الترتيب، وهو الحط كل مرة خمس صلوات، وبعضهم ذكروا
المقصود، وهو الاستقرار على الخمس.
والخامس: في دخول الجنة:
* قوله: (ثُمَّ أُدْخِلْتُ الجَنَّةَ) فيه دليل على كون الجنة مخلوقة،
لا أنها ستخلق، على ما ذهب إليه بعض الناس.
وقد استدل من هذا الحديث بأن الجنة في السماء، ويقتضي هذا
أن تكون النار في السماء - أيضاً-، قاله قوم.
١٢٧

ولكن يُشكِل هذا بالأحاديث الكثيرة الصحيحة، مثل: حديث
الكسوف، وغيره: أنها في الأرض، وقد جاء في حديث الإسراء عن
أبي هريرة: أنَّ رسولَ اللهِ وَّهِ [أُتي بِفَرسِ] يجعلَّ كل خَطْو منه أقصى
بَصَرِهِ، فسارَ، وسارَ معه جبريلُ))، وساق الحديث إلى أن قال: ((ثُمَّ
أتى على وادٍ، فوجد ريحاً [باردةً] طيِّةً، ووجدَ رِيحَ المِسْكِ، وسَمِعَ
صوتاً، فقال: يا جبريلُ! ما هذه الريحُ الباردةُ الطيبةُ، وريحُ المِسْكِ؟
وما هذا الصوتُ؟ قال: هذا صوتُ الجنةِ تقول: يا ربِّ! انتني بأهلي
وبما وَعَدْتَني؛ فقد كَثُر عرفي(١)، وحريري، وسُنْدُسِي، وإستبرقي،
وعبقرييٍّ، ولؤلئي، ومُرْجَاني، وفِضَّتي، وذهبي، وأباريقي، وفواكهي،
وعَسَلي، ولَبَنِي، وخَمْري، فائتني بما وعدتني، فقال: لك كل مسلم
ومسلمة، ومؤمن ومؤمنة، ومَنْ آمن بي وبرسلي، وعَمِلَ صالحاً، ولم
يُشْرِكْ بي شيئاً، ولم يتخذ من دوني أنداداً، ومَنْ خَشِيَتي آمنتُه، ومَنْ
سألني أعطيته، ومن [أقرضني جزيتُه]، ومن توكَّل عليَّ كفيته، وأنا الله
لا إله إلا أنا لا أُخْلِفُ الميعاد ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ - إلى - ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ
أَحْسَنُ الْخَلِقِينَ﴾ [المؤمنون: ١ - ١٤]، قالت: قد رضيت. ثم أتى على
وادٍ، فسمع صوتاً منكراً، فقال: يا جبريل! ما هذا الصوتُ؟ قال: هذا
صوت جهنم تقول: ائتني بأهلي وما وعدتني، فقد كثُر سلاسلي،
وأغلالي، وسَعِيري، وزَقُّومي، وحميمي، [وحجارتي، وغَسَّاقي]،
وغِسْليني، وقد بَعُدَ قَعْري، واشتد حَرِّي، فائتني بما وعدتني، فقال:
(١) في الأصل: ((غرسي)).
١٢٨

لك كل مشرك ومشركة، وكافر وكافرة، وكل خبيث وخبيثة، وكلُّ
جَبَّار لا يؤمن بيوم الحساب، قالت: قد رضيت. قال: ثم سار حتى
أتى بيت المقدس، فنزل، فربط فرسه إلى صخرة)) وساق الحديث،
أخرجه البزار، وإسناده حسن، وهذا صريح في أن الجنة والنار في
الأرض حیث یریهما قبل الوصول إلى بيت المقدس.
والوجه أن يقال: إن قوله: (ثُمَّ أُدْخِلْتُ الجَنَّةَ) لا يدل تصريحه
على أن الجنة في السماوات، وإنما يدل على أنه - عليه السلام - بعد
سدرة المنتهى أُدخل الجنة، فلو كان دعوته بعد النزول إلى الأرض من
المرور عليها، لصح أن يقول: (ثُمَّ أُدْخِلْتُ الجَنَّةَ)، فيكون سماع
صوتها في المرور قبل العروج إلى السماء، والدخول فيها هي المرور
بعد النزول من السماء، أو يكون من الأرض إلى السماء جنة ونار على
سبيل الارتفاع، فقاعدتها وأسافلها في الأرض، وأعاليها في السماء،
ويدل على ذلك: على ما جاء في حديث أبي هريرة: ((وَسَقْفُه عَرْشُ
الرَّحْمَنِ)) الحديث.
و(جَنَبِذُ): جمع جُنْبُدَة، وهي القُبّ.
ووقع في ((صحيح البخاري)) في كتاب الأنبياء - أيضاً - كذلك،
ووقع في كتاب الصلاة: ((حَبائِلُ)) - بالحاء المهملة والباء الموحدة
وآخره لام -، وأكثر القوم على أنه تصحيف، والصحيح ((جَنَابِذُ)»،
وعن ابن التين: أن الغلط إنما جاء من قبل الليث عن يونس.
وقال ابن الأثير: إن صحت رواية ((حَبائِلُ))، فيكون المراد بها:
١٢٩

المواضع المرتفعة كحبال الرمل؛ فإنه جمع حبالة، وهي جمع حَبْل
علی غیر قیاس.
وقال صاحب ((المطالع)): الحَبائِلُ: القلائد والعقود، أو من
حبال الرمل، أو من الحبلة، وهي حليٍّ معروف.
وقال ابن الجوزي في ((كشف المشكل)): الصحيح: (جَنَابِذُ)،
وقد وقع في بعض النسخ (حَبائِلُ) - بالحاء المهملة، وفي بعضها
بالمعجمة -، والكل تصحيف، والله أعلم.
٤٣٤ - (١٦٤ / ٢٦٤) - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ المُثَنَّى، حَدَّثَنَا ابْنُ
أَبِي عَدِيٍّ، عَنْ سَعِيدٍ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ - لَعَلَّهُ قَالَ : - عَنْ
مَالِكِ بْنِ صَعْصَعَةَ - رَجُلٌ مِنْ قَوْمِهِ - قَالَ: قَالَ نَبِيُّ اللهِ وَِّ: (بَيْنَا
أَنَا عِنْدَ الْبَيْتِ بَيْنَ النَّائِمِ وَاليَقْطَانِ، إِذْ سَمِعْتُ قَائِلاً يَقُولُ: أَحَدُ الثَّلاثَةِ
بَيْنَ الرَّجُلَيْنِ، فَأَتِيتُ، فَانْطُلِقَ بِي، فَأَتِيتُ بِطَسْتٍ مِنْ ذَهَبٍ فِيهَا
مِنْ مَاءِ زَمْزَمَ، فَشُرِحَ صَدْرِي إِلَى كَذَا وَكَذَ)». قَالَ قَتَادَةُ: فَقُلْتُ لِلَّذِي
مَعِي: مَا يَعْنِي؟ قَالَ: إِلَى أَسْفَلِ بَطْنِهِ، ((فَاسْتُخْرِجَ قَلْبِيٍ، فَغُسِلَ بِمَاءِ
زَمْزَمَ، ثُمَّ أُعِيدَ مَكَانَهُ، ثُمَّ حُشِيَ إِيمَاناً وَحِكْمَةً، ثُمَّ أُتِيتُ بِدَايَةٍ
أَبْيَضَ يُقَالُ لَهُ: البُرَاقُ، فَوْقَ الحِمَارِ وَدُونَ الْبَغْلِ، يَقَعُ خَطْوُهُ عِنْدَ
أَقْصَى طَرْفِهِ، فَحُمِلْتُ عَلَيْهِ، ثُمَّ انْطَلَقْنَا، حَتَّى أَتَيْنَا السَّمَاءَ الدُّنْيَا،
فَاسْتَفْتَحَ جِبْرِيلُ، فَقِيلَ: مَنْ هَذَا؟ قَالَ: جِبْرِيلُ، قِيلَ: وَمَنْ مَعَكَ؟ قَالَ
١٣٠

مُحَمَّدٌ ◌َِ، قِيلَ: وَقَدْ بُعِثَ إِلَيْهِ؟ قَالَ: نَعَمْ، - قَالَ : - فَفَتَحَ لَنَا،
وَقَالَ: مَرْحَباً بِهِ، وَلَنِعْمَ المَجِيءُ جَاءَ - قَالَ : - فَتَّنَا عَلَى آدَمَ)). وَسَاقَ
الحَدِيثَ بِقِصَّتِهِ. وَذَكَرَ أَنَّهُ لَقِيَ فِي السَّمَاءِ الثَّانِيَةِ عِيسَى وَيَحْتَى - عَلَيْهِمَا
السَّلامُ -، وَفِي الثَّالِثَةِ يُوسُفَ، وَفِي الرَّابِعَةِ إِدْرِيسَ، وَفِي الخَامِسَةِ
هَارُونَ، قَالَ: (ثُمَّ انْطَلَقْنَا حَتَّى انْتُهَيْنَا إِلَى السَّمَاءِ السَّادِسَةِ، فَأَتَيَّتُ
عَلَى مُوسَى - عَلَيْهِ السَّلامُ -، فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ، فَقَالَ: مَرْحَباً بِالأَخِ
الصَّالِحِ وَالنَّبِيِّ الصَّالِحِ، فَلَمَّا جَاوَزْتُ، بَكَى، فَنُودِيَ: مَا يُبْكِيكَ؟
قَالَ: رَبِّ! هَذَا غُلاَمٌ بَعَتْتُهُ بَعْدِي يَدْخُلُ مِنْ أُمَتِهِ الجَنَّةَ أَكْثَرُ مِمَّا يَدْخُلُ
مِنْ أُمَّتِي . - قَالَ : - ثُمَّ انْطَلَقْنَا حَتَّى انْتُهَيْنَ إِلَى السَّمَاءِ السَّابِعَةِ، فَأَنَيْتُ
عَلَى إِيْرَاهِيم). وَقَالَ فِي الحَدِيثِ: وَحَدَّثَ نَبِيُّ اللهِوَِّ: أَنَّهُ رَأَى أَرْبَعَةً
أَنَّهَارٍ يَخْرُجُ مِنْ أَصْلِهَا نَهْرَانِ ظَاهِرَانٍ، وَتَهْرَانِ بَاطِنَانٍ، ((فَقُلْتُ:
يَا جِبْرِيلُ! مَا هَذِهِ الأَنْهَارُ؟ قَالَ: أَمَّا النَّهْرَانِ الْبَاطِنَانِ، فَنَهْرَانِ فِي
الجَنَّةِ، وَأَمَّ الظَّاهِرَانِ، فَالنِّيْلُ وَالغُرَّاتُ. ثُمَّ رُفِعَ لِي البَيْتُ المَعْمُورُ،
فَقُلْتُ: يَا حِبْرِيلُ! مَا هَذَا؟ قَالَ: هَذَا الْبَيْتُ المَعْمُورُ يَدْخُلُهُ كُلَّ يَوْمٍ
سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَكِ، إِذَا خَرَجُوا مِنْهُ، لَمْ يَعُودُوا فِيهِ آخِرُ مَا عَلَيْهِمْ. ثُمَّ
أُتِيتُ بِنَاءَيْنٍ، أَحَدُهُمَا خَمْرٌ، وَالآخَرُ لَبَنٌ، فَعُرِضَا عَلَيَّ، فَاخْتَرْتُ
اللََّنَ، فَقِيلَ: أَصَبْتَ - أَصَابَ اللهُ بِكَ -، أُمَّنُكَ عَلَى الْفِطْرَةِ. ثُمَّ فُرِضَتْ
عَلَيَّ كُلَّ يَوْمٍ خَمْسُونَ صَلَاةً). ثُمَّ ذَكَرَ قِصَّتَهَا إِلَى آخِرِ الحَدِيثِ.
٤٣٥ - (١٦٤ / ٢٦٥) - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا مُعَاذُ
١٣١

ابْنُ هِشَامٍ، قَالَ: حَذَّثَنِي أَبِيٍ، عَنْ قَتَادَةَ، حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ، عَنْ
مَالِكِ بْنِ صَعْصَعَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ قَالَ: فَذَكَرَ نَحْوَهُ، وَزَادَ فِيهِ:
(فَأُمِيتُ بِطَسْتٍ مِنْ ذَهَبٍ مُعْتَلِئٍ حِكْمَةً وَإِيمَاناً، فَشُقَّ مِنَ النَّحْرِ إِلَى
مَرَاقٌ الْبَطْنِ، فَغُسِلَ بِمَاءِ زَمْزَمَ، ثُمَّ مُلِئَ حِكْمَةً وَإِيمَاناً).
الحديث الثالث: حديثُ قتادة عن أنس بن مالك - لعله قال:
عن مالك بن صعصعة؛ رجل من قومه -، قال: قال النبيِ وَل﴾: ( بَيْنَا أَنَا
عِنْدَ البَيْتِ بَيْنَ النَّائِمِ وَالْيَقْظَانِ، إِذْ سَمِعْتُ قَائِلاً يَقُولُ: أَحَدُ الثَّلاَثَةِ بَيْنَ
الرَّجُلَيْنِ، فَأُتِيتُ، فَانْطُلِقَ بِي، فَأُتِتُ بِطَسْتٍ مِنْ ذَهَبٍ فِيهَا مِنْ مَاءِ
زَمْزَمَ، فَشُرِحَ صَدْرِي إِلَى كَذَا وَكَذَ)). قَالَ قَتَادَةُ: فَقُلْتُ لِلَّذِي مَعِي: مَا
يَعْنِي؟ قَالَ: إِلَى أَسْفَلِ بَطْنِهِ، فَاسْتُخْرِجَ قَلْبِي، فَغُسِلَ بِمَاءِ زَمْزَمَ، ثُمَّ
أُعِيدَ مَكَانَهُ، ثُمَّ حُشِيَ إِيمَاناً وَحِكْمَةٌ، ثُمَّ أُتِيتُ بِدَابَةٍ أَنْيَضَ يُقَالُ لَهُ:
البُرَاقُ، فَوْقَ الحِمَارِ وَدُونَ الْبَغْلِ، يَقَعُ خَطْوُهُ عِنْدَ أَقْصَى طَرْفِهِ،
فَحُمِلْتُ عَلَيْهِ، ثُمَّ انْطَلَقْنَا، حَتَّى أَيْنَا السَّمَاءَ الدُّنْيًا، فَاسْتَفْتَحَ جِبْرِيلُ،
فَقِيلَ: مَنْ هَذَا؟ قَالَ: جِبْرِيلُ، قِيلَ: وَمَنْ مَعَكَ؟ قَالَ مُحَمَّدٌ وَّتِه
قِيلَ: وَقَدْ بُعِثَ إِلَيْهِ؟ قَالَ: نَعَمْ، - قَالَ : - فَفَتَحَ لَنَا، وَقَالَ: مَرْحَباً بِهِ،
وَلَنِعْمَ المَجِيءُ جَاءَ - قَالَ : - فَأَتَيْنَا عَلَى آدَمَ - عليه السلام -. وَسَاقَ
الحَدِيثَ بِقِصَّتِهِ. وَذَكَرَ أَنَّهُ لَقِيَ فِي السَّمَاءِ الثَّانِيَةِ عِيسَى وَيَحْيَى - عَلَيْهِمَا
السَّلاَمُ -، وَفِي الثَّالِثَةِ يُوسُفَ، وَفِي الرَّابِعَةِ إِذْرِيسَ، وَفِي الخَامِسَةِ
هَارُونَ، قَالَ: ثُمَّ انْطَلَقْنَا حَتَّى انْتُهَيْنَا إِلَى السَّمَاءِ السَّادِسَةِ، فَأَتَيْتُ عَلَى
١٣٢

مُوسَى - عَلَيْهِ السَّلاَمُ -، فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ، فَقَالَ: مَرْحَباً بِالأَخِ الصَّالِحِ
وَالنَّبِيِّ الصَّالِحِ، فَلَمَّا جَاوَزْتُهُ، بَكَى، فَنُودِيَ: مَا يُبْكِيكَ؟ قَالَ: رَبُّ!
هَذَا غُلاَمٌ بَعَنْتُهُ بَعْدِي يَدْخُلُ مِنْ أُمَتِهِ الجَنَّةَ أَكْثَرُ مِمَّا يَدْخُلُ مِنْ أُمَّتِي
- قَالَ : - ثُمَّ انْطَلَقْنَا حَتَّى انْتُهَيْنَا إِلَى السَّمَاءِ السَّابِعَةِ، فَأَتَيْتُ عَلَى
إِبْرَاهِيمَ. وَقَالَ فِي الحَدِيثِ: وَحَدَّثَ نَبِيُّ اللهِ وَّةِ: أَنَّهُ رَأَى أَرْبَعَةَ أَنْهَار
يَخْرُجُ مِنْ أَصْلِهَا نَهَرَانِ ظَاهِرَانٍ، وَنَهَرَانِ بَاطِنَانٍ، فَقُلْتُ: يَا جِبْرِيلُ!
مَا هَذِهِ الأَنْهَارُ؟ قَالَ: أَمَّا النَّهَرَانِ البَاطِنَانِ، فَنَهَرَانِ فِي الجَنَّةِ، وَأَمَّا
الظَّاهِرَانِ، فَالنِّلُ وَالغُرَاتُ. ثُمَّ رُفِعَ لِي البَيْتُ المَعْمُورُ، فَقُلْتُ:
يَا جِبْرِيلُ! مَا هَذَا؟ قَالَ: هَذَا البَيْتُ المَعْمُورُ يَدْخُلُهُ كُلَّ يَوْمِ سَبْعُونَ
أَلْفَ مَلَكِ، إِذَا خَرَجُوا مِنْهُ، لَمْ يَعُودُوا فِيهِ آخِرُ مَا عَلَيْهِمْ. ثُمَّ أَتِيتُ
بِنَاءَيْنِ، أَحَدُهُمَا خَمْرٌ، وَالآخَرُ لَبَّنٌ، فَعُرِضَا عَلَيَّ، فَاخْتَرْتُ اللَّبَنَ،
فَقِيلَ: أَصَبْتَ - أَصَابَ اللهُ بِكَ -، أُمَّئُكَ عَلَى الفِطْرَةِ. ثُمَّ فُرِضَتْ عَلَيَّ
كُلَّ يَوْمٍ خَمْسُونَ صَلاَةً. ثُمَّ ذَكَرَ قِصَّتَهَا إِلَى آخِرِ الحَدِيثِ.
ثم أخرج مسلم [عن] مُحَمَّدِ بْنِ الْمُثَنَّى، عن مُعَاذِ بْنِ هِشَامٍ، عن
أَبِيهِ، عَنْ قَتَادَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ مَالِكِ، عَنْ مَالِكِ بْنِ صَعْصَعَةً:
أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَلِ قَالَ، فَذَكَرَ الحديثَ نَحْوَهُ، وَزَادَ فِيهِ: (فَأُتِيتُ بِطَسْتٍ
مِنْ ذَهَبٍ مُمْتَلِيٍّ حِكْمَةً وَإِيمَاناً، فَشُقَّ مِنَ النَّحْرِ إِلَى مَرَاقُ البَطْنِ،
فَغُسِلَ بِمَاءِ زَمْزَمَ، ثُمَّ مُلِىءَ حِكْمَةً وَإِيمَاناً) أخرجه البخاري،
والنسائي، وذكر فيه رؤية النبي - عليه السلام - الأنبياء في السماوات
على الترتيب المذكور، وترحيبهم به، وأن آدم قال: (بِالإِبْنِ الصَّالِحِ،
١٣٣

وَالنَّبِي الصَّالِحِ)، وكذا إبراهيم وإدريس قالا: (بِالإِبْنِ الصَّالِحِ،
وَالنَّبِي الصَّالِح)، وكذا غيره من الأنبياء.
وأخرج الترمذي في أوله مختصراً، وقال: إن للحديث قصة
عروج، ولم یذکرها.
إذا عرفت هذا، فالكلام عليه في مواضع :
الأول: في قوله: (لَعَلَّهُ قَالَ: عَنْ مَالِكِ بْنِ صَعْصَعَةَ) قال أبو
علي الغَسَّاني: هذه رواية ابن ماهان، وأبي العباس الرازي عن أبي
أحمد الْجُلُودِيّ، وعند غيره: عن أبي أحمد، عن قتادة، عن أنس بن
مالك بن صعصعة - بغير شك -.
وقال الدارقطني: لم يرو عن أنس بن مالك، عن مالك بن
صعصعة غيرُ قتادة.
وأقول: يحتمل أن مراد مسلم - رحمه الله - بيان سبب ترك سياق
هذه الرواية، فإن البخاري اختار في ((صحيحه)) في (كتاب المعراج)
هذه الرواية، وأورد الحديث بطوله، ومسلم - رحمه الله - إنما جعل
أصل الباب الذي جعل البخاري أصل الباب فيه هذا، وأوماً - أيضاً -
إلى أن مالك بن صعصعة - أيضاً - لم يكن من مشاهير الصحابة في
الرواية، فقوله: (رَجُلٌ مِنْ قَوْمِهِ)؛ يعني: من قوم أنس بن مالك،
وهم الأنصار؛ فإن جميع رواية مالك بن صعصعة عن النبي - عليه
السلام - خمسة أحاديث، ولم يكن في ((الصحيحين)) غير هذا الحديث
فيه، ففي قول مسلم: (لَعَلَّهُ قَالَ)، وقوله: (رَجُلٌ مِنْ قَوْمِهِ) بيان جهة
١٣٤

تقديم رواية ثابت عن أنس بن مالك، عن النبي - عليه السلام - على
هذه الرواية، وتعريض بمن جعل الأمر على العكس، ثم تصريح رواية
النبي بغير شك آخراً.
الثاني : في بکاء موسى - عليه السلام -:
* قوله: (فَلَمَّا جَاوَزْتُهُ، بَکَی) قيل في سبب بكاء موسى - عليه
السلام -: إنه حزن على قومه؛ لقلة المؤمنين منهم بالنسبة إلى أمة
محمد - عليه الصلاة والسلام -، فيكون بكاؤه حزناً عليهم، وغبطة
لنبينا - عليه السلام -، والغبطة في الخير محبوبة، ومعنى الغبطة:
طلب المرء الخيرَ لنفسه مثل ما حصل لغيره، لا زواله عن غيره،
وحصوله له، فإنه حسدٌ مذموم، والأنبياء معصومون عن ذلك وعن كل
قبيح، فموسى - صلوات الله عليه - لأجل عدم حصول السعادة الكثيرة
المرجوة لقومه، وعدم حصول الغبطة له = يبكي ويحزن.
* وفي قوله: (يَدْخُلُ مِنْ أُمَّتِهِ الجَنَّةَ أَكْثَرُ مِمَّا يَدْخُلُ مِنْ أُمَّتِي)
دليل على [أن] أمة محمد(١) - عليه السلام - أكثرُ دخولاً في الجنة من أمة
موسی ۔ علیه السلام -، وذلك لغلوهم في أمر عیسی - عليه السلام -،
ومجاوزتهم الحَدَّ فیه.
وفي حديث أبي هريرة على ما في ((البزار)): ((ثم صعد به إلى
السماء السادسة، فاستفتح جبريلُ، فقالوا: من هذا معك؟ قال: محمد،
قالوا: وقد أرسل إليه؟ قال: نعم، قالوا: حياه الله من أخ وخليفة، فنِعْمَ
(١) في الأصل: ((موسى)).
١٣٥

الأخُ، ونعمَ الخليفةُ، ونعمَ المجيءُ جاء، فإذا هو برجل جالس،
فجاوزه، فبكى الرجلُ، فقال: يا جبريل! من هذا؟ قال: هذا موسى،
قال: ما يبكيه؟ قال: تزعم بنو إسرائيل أني أفضل الخلق، وهذا قد
خلفني، فلو أنه وحده، ولكن معه كلُّ أمَّتِه))، وساق الحديث، وهذا
- أيضاً - راجع إلى ما في حديث الكتاب.
إذا تم الأمر كون أمة النبي - عليه السلام - معه كونه في الجنة
معه، فتكون أمة النبي - عليه السلام - أكثر دخولاً في الجنة من أمة
موسى - عليه السلام -.
وفي حديث ابن مسعود في الإسراء، مرفوعاً: ((فَسِرْنَاً، فَسَمِعْتُ
صَوْتاً، فَأَيْنَا عَلَى رَجُلٍ، فَقَالَ: مَنْ هَذَا مَعَكَ؟ قَالَ: هَذَا أَخُوكَ
مُحَمَّدٌ، فَرَخَّبَ، وَدَعَا لِي بِالْبَرَكَةِ، وَقَالَ: سَلْ لأُمَّتِكَ الْتَّيْسِيرَ،
فَقُلْتُ: مَنْ هَذَا يَا جِبْرِيلُ، قَالَ: هَذَا أَخُوكَ مُوسَى، قُلْتُ: عَلَى مَنْ
كَانَ تَذَقُّرُهُ؟ قَالَ: عَلَى رَبِّهِ، قُلْتُ: عَلَى رَبِّهِ؟! قَالَ: نَعَمْ، قَدْ عَرَفَ
حِدَّتَهُ، ثُمَّ سِرْنَا، فَرَأَيْتُ شَيْئاً، فَقُلْتُ: مَا هَذَا يَا جِبْرِيلُ؟ قَالَ: هَذِهِ
شَجَرَةُ أَبِيكَ إِبْرَاهِيمَ، ادْنُ مِنْهَا (١)، فَدَنَوْنَا مِنْهَا، فَرَجَّبَ، وَدَعَا لِي
بِالبَرَكَةِ، ثُمَّ مَضَيْنَا حَتَّى أَتَيْتُ بَيْتَ المَقْدِسِ، فَرَبَطْتُ الدَّابَّةَ بِالحَلْقَةِ
الَّتِي يَرْبُطُ بِهَا الأَنْبِيَاءُ، ثُمَّ دَخَلْنَا المَسْجِدَ))، وساق الحديث. رواه
البزار، وأبو يعلى، والطبراني، ورجاله رجال الصحيح.
وهذا صريح في أن مرور النبي - عليه السلام - على موسى - عليه
(١) في الأصل: ((قال: نعم)).
١٣٦

السلام -، وعلى إبراهيم - عليه السلام - كان في الأرض في وقت
توجهه من مكة قبل وصوله إلى بيت المقدس، ووجهُ الجمع - على
ما سيجيء -: أنه مَرَّ عليهم؛ أي: على سبعة، وهم في الأرض،
[والثاني] في السماوات، والثالث في الأنهار التي رآها النبي - عليه
السلام - في السماء.
قوله: (يَخْرُجُ(١) مِنْ أَصْلِهَا نَهْرَانِ ظَاهِرَانِ، وَنَهْرَانِ بَاطِنَانِ)
ظاهر هذا الحديث يدل على أن الأنهار الأربعة من أصل الجنة، وفي
((البخاري) في رواية شريك: ((النِيلُ وَالفُرَاتُ)) في السماء الدنيا، وفي
موضع آخر: أنها من أصل السدرة.
وفي (المعراج) من ((البخاري)): أن النبي ◌َّ رأى الأنهار الأربعة،
وسأل عنها من غير بيان أنها من أصل السدرة، أو غيرها.
وذكر النووي: أن الضمير راجع إلى السدرة؛ بدليل ما جاء في
((البخاري)) مبيناً.
وفي ((النسائي)): ((وَإِذَا فِي أَصْلِهَا (٢) أَرْبَعَةُ أَنْهَارِ: نَهْرَانِ ظَاهِرَانِ،
وَنَهْرَانِ بَاطِنَانٍ))، ولفظة (في) تدل على أن الأنهار خارجة في أصل
السدرة، ولا يلزم أن تكون فيها، وعبارة الرواية الواردة في الكتاب
يمكن إجراؤها على ظاهرها؛ بأن يجعل الضمير للجنة، على معنى:
(١) في الأصل: زيادة: ((من الجنة)).
(٢) في الأصل: زيادة: ((السدرة)).
١٣٧

يخرج من أصل الجنة - يعني: من أقصاها - الأنهار الأربعة.
وذكر القاضي عياض بعد ما ذهب إلى أن الضمير يرجع إلى
السدرة: أنه يلزم أن يكون أصل السدرة في الأرض.
وأجاب النووي بأن المعنى: تخرج الأنهار من أصل السدرة،
وجريانُ النيل والفرات في الأرض، لا يوجب كونَ أصل السدرة [في
الأرض]، بل يجوز أن تخرج الأنهار من أصل السدرة، وينزل الله
تعالى بقدرته النيل والفرات إلى الأرض، ويجريان هنا.
وقال مقاتل: النهران الباطنان: السلسبيلُ والكوثر.
وفي حديث أبي هريرة على ما في ((البزار)): ((ثم مضى إلى
السِّدرة المُنْتهى، يخرجُ من أصلها أنهارٌ من ماءٍ غيرِ آسِنٍ، وأنهارٌ من
لبنٍ لم يتغيَّرْ طَعْمُه، وأنهارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ للشَّاربين، وأنهارٌ من عسلٍ
مُصَفَّى)) وهذا صريح من أن هذه الأنهار تخرج من أصل السدرة.
الرابع: في موضع الشق:
* قوله: ((إِلَى مَرَاقُ البَطْنِ)» هو بفتح الميم وتشديد القاف: هو
ما سَفل من البطن، ورَقَّ من جلده، ذكر الجوهري: أنه لا واحد لها،
وقال صاحب ((المطالع)): واحدها مرق.
وجاء في الرواية الأولى في ((مسلم)): (إِلَى كَذَا وَكَذَا، قَالَ قَتَادَةُ:
فَقُلْتُ لِلَّذِي مَعِي: مَا يَعْنِي؟ قَالَ: إِلَى أَسْفَلِ بَطْنِهِ).
وفي ((البخاري)): (قال قتادة: فَقُلْتُ لِلْجَارُودِ - وَهْوَ إِلَى جَنْبِي -:
١٣٨

مَا يَعْنِي بِهِ؟ قَالَ: مِنْ تُغْرَةِ نَحْرِهِ إِلَى شِعْرَتِهِ).
وفي رواية: (مِنْ قَصِّهِ إِلَى شِعْرَتِهِ)، والمراد من الكل: شَقُّ موضع
القلب، وإخراجه.
الخامس: في ملخص الكلام في هذا المقام:
اعلم أن القوم قد ألَّفوا في حديث المعراج وكيفيته مجلداتٍ،
منها: كتاب الشيخ الإمام أبي شامة، ومنها: مجلد ابن المُنَيِّر، ومنها:
تأليف ابن دِخْية، وغيرهم.
وملخصُ كلامهم دائر على مقامات أربعة:
الأول: تصحيح الروايات الواردة فيه:
قال الدرقطني: روى هذا الحديث بألفاظٍ متقاربة جماعة من أهل
الحديث؛ فإن الزهري رواه مرةً عن أبي - وأحسبه أسقط: ذراً -، فجعله
أُبي بن كعب، ووهم فيه.
ورواه قتادة عن أنس بن مالك بن صعصعة بطوله.
وروى بعضه شعبةُ عن قتادة عن أنس، مرفوعاً: ((فرض عليّ
الصلاة)) إلى آخره، وهذه الروايات كلها صحاح، وإن الرواة أثبات.
وأقول: كلام حسن، إلا أن قوله: (وأحسبه أسقطَ ذراً، فجعله
أبي بن كعب، ووهم فيه)، ليس على ما ينبغي، فإن عبدالله بن أحمد
أخرج هذا الحديث عن أبي بن كعب، مرفوعاً، بنحو حديث أبي ذر
على ما في الكتاب، فالحديث مرويّ عن أُبي بن كعب، وعن أبي ذر،
ولیس فیه وهم، فتدبر.
١٣٩

وقال الحاکم في ((الإکلیل)): حدیث المعراج صح سنده بلا خلاف
بين الأئمة، نقله العدل عن العدل، ومدار الروايات الصحيحة فيه على
أنس، وقد سمع بعضه عن النبي - عليه السلام -، وبعضه عن مالك بن
صعصعة، وبعضه عن أبي هريرة.
وقال ابن الجوزي: روى حديث الإسراء والمعراج جماعة،
منهم: علي، وابن مسعود، وأُبَيُّ، وحذيفة، وأبو سعيد، وجابر،
وأبو هريرة، وابن عباس، وأم هانئ، وغيرهم.
قلت: وشداد بن أوس، أخرجه البزار، والطبراني، وأبو أمامة،
وصهيب بن سنان، وعبد الرحمن بن قُرْط، رواها الطبراني، وعبدالله
ابن أسعد بن زرارة رواه البزار.
الثاني: تصحيح كيفيته وعدده وزمانه:
ذكر الدِّمياطي اختلاف العلماء في الإسراء والمعراج، هل كانا
واحداً، أم لا؟ وهل كان المعراج مرة، أو مرات؟ وهل كان المعراج
قبل الإسراء، أو بعده؟
قال ابن قتيبة: أُسري برسول الله و له من مكة بعد سنة ونصف من
رجوعه من الطائف إلى مكة، وقال: إن الإسراء والمعراج كانا في ليلة
واحدة، قال: أُسري برسول الله وسلم من مكة إلى بيت المقدس، وعرج
به من بيت المقدس إلى السماء.
وروى الواقدي، قال: كان - عليه السلام - يسأل ربه أن يُريه الجنة
والنار، فلما كان ليلة السبت، لسبعَ عشرةَ ليلةً خلت من رمضان، قبلَ
١٤٠