Indexed OCR Text

Pages 1-20

◌َ السََّةِ التََّ
١٧،٠٠
فَضْلُ المُنْعَةُ
في سَرْح
تَأْلِيْفُ
القَاضِيِّ شمْسِ الدِّيْنِ الْهَرَوِيِّ
أِ عَبْدِاللهِ مُحَدِ بْنِ عَطَاء اللَّهِ بِنِ مُحٍَّ الْهَرَوِيّ الْحَنَّفِيِّ ثُمَّالشَّافِيٍّ
المولود بهراة سنة ٧٦٧ هـ والمتوفى بالقدس سنة ٨٢٩ هـ
رحمه الله تعالى
تَحْقِيْقَ وَدِرَاسَة
ـه
مختصّبَة مِنَ
ـت المحققينَ
بِإِشِرَافٍ
﴿نُور الدينُظُ التّ
الْجَلَُّ الرَّابُِ
◌َ لِلْبُحُوثِ وَالدِرَاسَاتِ
قَطَرْ
دَارُ التَّولاد®

التَّنَوَيَّة
,
موسوعة
13
13
◌ُِْ لِلْبُحُوثِ وَالذِرَاسَاتِ
طَرْ
دَارُ التَّوَادِدِ®

التَّنَوَيَّة
١٧٥٠
عبر
١١
فَضْلِ المُنْعَة
فِي سَزْچ
◌ِحَج
(٤)
ـعْ لِلْبُحُوثِ وَالدِرَاسَاتِ
قطرْ
دَارُ التَّوَادِدِ®
٠٠ ..

◌َةُالتَّوَة
٧،٠
جَميعُ الحُقُوقِ مَخْفُوظَة
الطِّبْعَةُ الْأُولَى
١٤٣٣ هـ ـ٢٠١٢م
ردمك: ٧ - ٤٣ _٤١٨ - ٩٩٣٣ _٩٧٨ :ISBN
9789933459437
لِلْبُحُوثِ وَالدِرَاسَاتِ
قطر - الدوحة
فاكس: ٠٠٩٧٤٤٤٤٤١٨٧٠
Email : arraqeem@gmail. com
دَارُ التَوَازده
سورية - لبنان - الكويت
مُؤْسَسَة دَارِ النَّوَادِرِ م. ف- سُورِيةٍ * شَرِكَةَ دَارِ النَّوَادِلُبْنَائِيَّة ش.م.م-لُبْنَانِ) شَرِكَة دَارِ التَّوَادِرِ اَلْكُوَيْتِيَّةِ ذ.م.م.الكُتّ
سورية - دمشق - ص . ب: ٣٤٣٠٦ - هاتف: ٢٢٢٧٠٠١ - فاكس: ٢٢٢٧٠١١ (٠٠٩٦٣١١)
لبنان - بيروت - ص. ب: ٥١٨٠/١٤ - هاتف: ٦٥٢٥٢٨ - فاكس: ٦٥٢٥٢٩ (٠٠٩٦١١)
الكويت - الصالحية - برج السحاب - ص. ب: ٤٣١٦ حولي - الرمز البريدي: ٣٢٠٤٦
هاتف: ٢٢٢٧٣٧٢٥ - فاكس: ٢٢٢٧٣٧٢٦ (٠٠٩٦٥)
www.daralnawader.com
info@daralnawader.com
تُ الدِّينَظَالِ بْ المدير العام والرئيس التنفيذي
أَسَّسَهَا سَنَّة: ١٤٢٦هـ- ٢٠٠٦°م
لِلْبُحُوثِ وَالدِّرَاسَاتِ
قطّرْ
دَارُ التَّولاد®

تابع
(٢)
كتابة الأنْمَّا
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
(٥٠)
باب
بيان بدوَ الوحي، وعلامات النبوة
[٧٥ _باب
بَدْءِ الوَحْي إِلَى رَسُولِ اللهِ]
٤٢٢ - (١٦٠ / ٢٥٢) - حَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ أَحْمَدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ
عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ سَرْحٍ، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي يُونُُ،
عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ: أَنَّ عَائِشَةَ زَوْجَ النَّبِيَّ لَهـ
أَخْبَرَتْهُ: أَنَّهَا قَالَتْ: كَانَ أَوَّلُ مَا بُدِىَ بِهِ رَسُولُ اللهِ وَّهِ مِنَ الوَحْي:
الرُّؤْيَا الصَّادِقَةَ فِي النَّوْمِ، فَكَانَ لاَ يَرَى رُؤْيَا إِلَّ جَاءَتْ مِثْلَ فَلَقِ
الصُّبْحِ، ثُمَّ حُبِبَ إِلَيْهِ الخَلاَءُ، فَكَانَ يَخْلُو بِغَارِ حِرَاءٍ يَتَحَنَّثُ فِيهِ - وَهُوَ
التَّعَبِّدُ - اللَّيَالِيَ أُوْلاَتِ العَدَدِ، قَبْلَ أَنْ يَرْجِعَ إِلَى أَهْلِهِ، وَيَزَوَّهُ لِذَلِكَ،
ثُمَّ يَرْجِعُ إِلَى خَدِيجَةَ، فَيَزَوَّهُ لِمِثْلِهَا، حَتَّى فَجِئَهُ الحَقُّ، وَهُوَ فِي غَارِ
حِرَاءٍ، فَجَاءَهُ المَلَكُ، فَقَالَ: اقْرَأْ، قَالَ: ((مَا أَنَا بِقَارِئٍ)) - قَالَ : -
((فَأَخَذَنِي فَغَطَّنِي حَتَّى بَلَغَ مِنِّي الجَهْدَ، ثُمَّ أَرْسَلَنِي فَقَالَ: اقْرَأْ - قَالَ : -

قُلْتُ: مَا أَنَا بِقَارِئٍ - قَالَ : - فَأَخَذَنِي فَغَطَّنِي الثَّانِيَةَ حَتَّى بَلَغَ مِنِّي
الجَهْدَ، ثُمَّ أَرْسَلَنِي فَقَالَ: اقْرَأْ، فَقُلْتُ: مَا أَنَا بِقَارِئٍ، فَأَخَذَنِي
فَغَطَّنِي الثَّالِثَةَ حَتَّى بَلَغَ مِنِّي الجَهْدَ، ثُمَّ أَرْسَلَنِي، فَقَالَ: ﴿أَقْرَأْ بِأَسِ رَبِّكَ
الَّذِىِ خَقَ آ خَلَقَ الْإِنسَنَ مِنْ عَلَقٍ ٢ آقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرُمُ الَّذِى عَلَّمَ بِالْقَلِمِ ن عَلََّ
اُلْإِنسَنَ مَا لَمْ يَعْلَ﴾ [العلق: ١ -٥])». فَرَجَعَ بِهَا رَسُولُ اللهِ نَّهِ تَرْجُفُ
بَوَادِرُهُ، حَتَّى دَخَلَ عَلَى خَدِيجَةَ، فَقَالَ: ((زَمِّلُونِي زَمِّلُونِي))، فَزَقَلُوهُ
حَتَّى ذَهَبَ عَنْهُ الرَّوْعُ، ثُمَّ قَالَ لِخَدِيجَةَ: ((أَيْ خَدِيجَةُ! مَا لِي؟)).
وَأَخْبَرَهَا الخَبَرَ، قَالَ: ((لَقَدْ خَشِيتُ عَلَى نَفْسِي)). قَالَتْ لَهُ خَدِيجَةُ:
كَلَّ، أَبْشِرْ، فَوَاللهِ! لاَ يُخْزِيكَ اللهُ أَبَداً، وَاللهِ! إِنَّكَ لَتَصِلُ الرَّحِمَ،
وَتَصْدُقُ الحَدِيثَ، وَتَحْمِلُ الكَلَّ، وَتَكْسِبُ المَعْدُومَ، وَتَقْرِي الضَّيْفَ،
وَتُعِينُ عَلَى نَوَائِبِ الحَقِّ، فَانْطَلَقَتْ بِهِ خَدِيجَةُ حَتَّى أَتَتْ بِهِ وَرَقَةَ بْنَ
تَوْفَلِ بْنِ أَسَدِ بْنِ عَبْدِ العُزَّى، وَهُوَ ابْنُ عَمِّ خَدِيجَةَ أَخِي أَبِهَا، وَكَانَ
امْرَأْ تَنَصَّرَ فِي الجَاهِلِيَّةِ، وَكَانَ يَكْتُبُ الكِتَابَ العَرَبِيَّ، وَيَكْتُبُ مِنَ
الإِنْجِيلِ بِالعَرَبِيَّةِ مَا شَاءَ اللهُ أَنْ يَكْتُبَ، وَكَانَ شَيْخاً كَبِيراً قَدْ عَمِيَ.
فَقَالَتْ لَهُ خَدِيجَةُ: أَيْ عَمِّ! اسْمَعْ مِنِ ابْنٍ أَخِيكَ، قَالَ وَرَقَهُ بْنُ نَوْفَلٍ :
يَا بْنَ أَخِي! مَاذَا تَرَى؟ فَأَخْبَرَهُ رَسُولُ اللهِ وَهِ خَبَرَ مَا رَآهُ، فَقَالَ لَهُ
وَرَقَةُ: هَذَا النَّامُوسُ الَّذِي أُنْزِلَ عَلَى مُوسَى، يَا لَيْتَنِي فِيهَا جَذَعاً،
يَا لَيْتَنِي أَكُونُ حَيَّأَ حِينَ يُخْرِجُكَ قَوْمُكَ، قَالَ رَسُولُ اللهِوَِّ: ((أَوَمُخْرِجِيَّ
هُمْ؟)). قَالَ وَرَقَةُ: نَعَمْ، لَمْ يَأْتِ رَجُلٌ قَطُّ بِمَا جِئْتَ بِهِ إِلاَّ عُودِيَ، وَإِنْ
يُدْرِكْنِي يَوْمُكَ، أَنْصُرْكَ نَصْراً مُؤَزَّراً).
٦

٤٢٣ - (١٦٠ / ٢٥٣) - وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ
الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، قَالَ: قَالَ الزُّهْرِيُّ: وَأَخْبَرَنِي عُرْوَةُ، عَنْ
عَائِشَةَ: أَنَّهَا قَالَتْ: أَوَّلُ مَا بُدِىَ بِهِ رَسُولُ اللهِنَّهِ مِنَ الوَحْي، وَسَاقَ
الحَدِيثَ بِمِثْلِ حَدِيثٍ يُونُسَ، غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: ((فَوَاللهِ! لاَ يُخْزِنُكَ اللهُ
أَبَداً، وَقَالَ: قَالَتْ خَدِيجَةُ: أَيِ ابْنَ عَمِّ! اسْمَعْ مِنِ ابْنِ أَخِكَ)).
٤٢٤ - (١٦٠ / ٢٥٤) - وَحَدَّثَنِي عَبْدُ المَلِكِ بْنُ شُعَيْبٍ بْنِ
اللَّيْثِ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِيٍ، عَنْ جَدِّي، قَالَ: حَدَّثَنِي عُقَيْلُ بْنُ خَالِدٍ،
قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: سَمِعْتُ عُرْوَةَ بْنَ الزَُّيْرِ يَقُولُ: قَالَتْ عَائِشَةُ زَوْجُ
النَّبِيَّ ◌َهُ: ((فَرَجَعَ إِلَى خَدِيجَةَ بَرْجُفُ فُؤَادُهُ»، وَاقْتَصَّ الحَدِيثَ بِمِثْلِ
حَدِيثٍ يُونُسَ وَمَعْمٍَ، وَلَمْ يَذْكُرْ أَوَّلَ حَدِيثِهِمَا مِنْ قَوْلِهِ: ((أَوَّلُ
مَا بُدِىَ بِهِ رَسُولُ اللهِ وَ﴿ مِنَ الوَحْرِ الرُّؤْيَا الصَّادِقَةُ)). وَتَبَعَ يُونُسَ
عَلَى قَوْلِهِ: ((فَوَاللهِ! لاَ يُخْزِيكَ اللهُ أَبَداً)، وَذَكَرَ قَوْلَ خَدِيجَةَ: ((أَي ابْنَ
عَمِّ! اسْمَعْ مِنِ ابْنِ أَخِيكَ)).
أخرح فيه حدیثین :
الأول: حديثُ عائشة، قَالَتْ: كَانَ أَوَّلُ مَا بُدِىَ بِهِ رَسُولُ اللهِ وَله
مِنَ الوَحْيِ الرُّؤْيَا الصَّادِقَةَ فِي النَّوْمِ، فَكَانَ لاَ يَرَى رُؤْيَا إِلَّ جَاءَتْ مِثْلَ
فَلَقِ الصُّبْحِ، ثُمَّ حُبِبَ إِلَيْهِ الخَلاَءُ، فَكَانَ يَخْلُو بِغَارِ حِرَاءٍ يَتَحَنَّثُ فِيهِ
- وَهُوَ التَّعَبُّدُ - اللَّيَالِيَ أُوْلاَتِ العَدَدِ، قَبْلَ أَنْ يَرْجِعَ إِلَى أَهْلِهِ، وَيَتَزَوَّدُ
٧

◌ِذَلِكَ، ثُمَّ يَرْجِعُ إِلَى خَدِيجَةَ، فَيَزَوَّدُ لِمِثْلِهَا، حَتَّى فَجِئَهُ الحَقُّ، وَهُوَ
فِي غَارِ حِرَاءٍ، فَجَاءَهُ المَلَكُ، فَقَالَ: اقْرَأْ، قَالَ: ((مَا أَنَا بِقَارِىٌ - قَالَ : -
( فَأَخَذَنِي فَغَطَّنِي حَتَّى بَلَغَ مِنِّي الجَهْدَ، ثُمَّ أَرْسَلَنِي، فَقَالَ: اقْرأُ - قَالَ : -
قُلْتُ: مَا أَنَا بِقَارِىِ - قَالَ : - فَأَخَذَنِي فَغَطِّي الثَّانِيَةَ حَتَّى بَلَغَ مِنِّي
الجَهْدَ، ثُمَّ أَرْسَنِي فَقَالَ: اقْرَأْ، فَقُلْتُ: مَا أَنَا بِقَارِئٍ، فَأَخَذَنِي فَغَطِّي
الثَّالِثَةَ حَتَّى بَلَغَ مِنِّي الجَهْدَ، ثُمَّ أَرْسَلَنِي، فَقَالَ: ﴿اقْرَأْ بِأَسِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ(٥)
خَلَقَ الْإِنسَنَ مِنْ عَلَقٍ ن آقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرُ الَّذِى عَلَّمَ بِالْقَلَمِ عَلَّمَ الْإِنسَنَ مَا لَرْ
بَعَ﴾ [العلق: ١ - ٥]». فَرَجَعَ بِهَا رَسُولُ اللهِ وَّهِ تَرْجُفُ بَوَادِرُهُ، حَتَّى
دَخَلَ عَلَى خَدِيجَةَ، فَقَالَ: ((زَمِّلُونِي زَمُلُونِ))، فَمَّلُوهُ حَتَّى ذَهَبَ عَنْهُ
الرَّوْعُ، ثُمَّ قَالَ لِخَدِيجَةَ: ((أَيْ خَدِيجَةُ! مَا لِي؟)). وَأَخْبَرَهَا الخَبَرَ،
قَالَ: ((لَقَدْ خَشِيتُ عَلَى نَفْسِي)). قَالَتْ لَهُ خَدِيجَةُ: كَلَ، أَبْشِرْ، فَوَاللهِ!
لاَ يُخْزِيكَ اللهُ أَبَداً، وَاللهِ! إِنَّكَ لَتَصِلُ الرَّحِمَ، وَتَصْدُقُ الحَدِيثَ،
وَتَحْمِلُ الكَلَّ، وَتَكْسِبُ المَعْدُومَ، وَتَقْرِي الضَّيْفَ، وَتُعِينُ عَلَى نَوَائِبٍ
الحَقِّ، فَانْطَلَقَتْ بِهِ خَدِيجَةُ حَتَّى أَتَتْ بِهِ وَرَقَةَ بْنَ نَوْفَلِ بْنِ أَسَدِ بْنِ عَبْدِ
العُزَّى، وَهُوَ ابْنُ عَمِّ خَدِيجَةَ أَخِي أَبِيِهَا، وَكَانَ امْرَأَ تَنَصَّرَ فِي
الجَاهِلِيَّةِ، وَكَانَ يَكْتُبُ الكِتَابَ العَرَبِيَّ، وَيَكْتُبُ مِنَ الإِنْجِيلِ بِالعَرَبِيَّةِ
مَا شَاءَ اللهُ أَنْ يَكْتُبَ، وَكَانَ شَيْخاً كَبِيراً قَدْ عَمِيَ. فَقَالَتْ لَهُ خَدِيجَةُ:
أَيْ عَمِّ! اسْمَعْ مِنِ ابْنِ أَخِيكَ، قَالَ وَرَقَهُ بْنُ نَوْفَلٍ: يَا بْنَ أَخِي! مَاذَا
تَرَى؟ فَأَخْبَرَهُ رَسُولُ اللهِ وَ لِ خَبَرَ مَا رَآهُ، فَقَالَ لَهُ وَرَقَةُ: هَذَا النَّامُوسُ
٨

الَّذِي أُنْزِلَ عَلَى مُوسَى، يَا لَيْتَنِي فِيهَا جَذَعاً، يَا لَيْتَنِي أَكُونُ حَيَّ حِينَ
يُخْرِجُكَ قَوْمُكَ، قَالَ رَسُولُ اللهِوَّهِ: ((أَوَمُخْرِجِيَّ هُمْ؟)). قَالَ وَرَقَةُ :
نَعَمْ، لَمْ يَأْتِ رَجُلٌ قَطُ بِمَا جِئْتَ بِهِ إِلَّ عُودِيَ، وَإِنْ يُدْرِكْنِي يَوْمُكَ،
أَنْصُرْكَ نَصْراً مُؤَزَّراً) .
أخرجه البخاري، والترمذي ساق أوله.
وفي الباب: عن ابْن عَبَّاس: أَنَّ النَّبِيَّ وَ لِ قَالَ لِخَدِيجَةَ: فَذَكَرَ
عَفَّنُ الحَدِيثَ، وَقَالَ أَبَو كَامِلٍ، وَحَسَنٌ فِي حَدِيثِهِمَا: أَنَّ النَّبِيَّ ◌َه
قَالَ لِخَدِيجَةَ: (إِّي أَرَى ضَوْءاً، وَأَسْمَعُ صَوْتاً، وَإِنِّي أَخْشَى أَنْ يَكُونَ
بِي جَنَنٌ)). قَالَتْ: لَمْ يَكُنِ اللهُ لِيَفْعَلَ ذَلِكَ بِكَ يَا بْنَ عَبْدِ اللهِ، ثُمَّ أَتَتْ
وَرَقَةَ بْنَ نَّوْفَلٍ، فَذَكَرَتْ ذَلِكَ لَهُ. فَقَالَ: إِنْ يَكُ صَادِقاً، فَإِنَّ هَذَا
نَمُوسٌ مِثْلُ نَمُوسِ مُوسَى، فَإِنْ بُعِثَ وَأَنَا حَيُّ، فَسَأُعَزِّزُهُ، وَأَنْصُرُهُ،
وَأُومِنُ بِهِ)) رواه أحمد، والطبراني، ورجاله ثقات.
إذا عرفت هذا، فالكلام في مواضع:
الأول: في التعريف برواته سوى ما سلف.
(عائشة) وهي أم عبدالله، عائشةُ بنت أبي بكر الصديق - أمُّ
المؤمنين - التيميةُ، الفقيهةُ، الربانيةُ، حبيبةُ رسول اللهِ وَّةِ، ومناقبُها
كثيرة غزيرة، وسيجيء في الكتاب طرفٌ منها.
روي لها عن رسول الله صل﴿ ألفا حديث، ومئتا حديث، وعشرة
أحاديث، اتفقا على مئة وأربعة وسبعين حديثاً، وانفرد البخاري بأربعة
وخمسين، ومسلم بثمانية وستين، وأخرج لها الأربعة - أيضاً -.
٩

روى عنها ابن عباس، وابن الزبير، وأبو موسى الأشعري،
وجماعات من الصحابة والتابعين.
وفي الصحابة عشرة [أسماؤهن] عائشة: هي، وبنت سعد بن
أبي وقاص، وبنت عجرد، وبنت الحارث القرشية، وبنت أبي سفيان
الأشهلية، وبنت عبد الرحمن بن عتيك، وبنت عمير الأنصارية، وبنت
مسعود بن المغيرة، وبنت قدامة بن مظعون، وبنت طلحة بن عبيدالله.
وليس في ((الصحيحين)) من اسمها عائشة من الصحابيات سوى
هذه الصدِّيقة، وعائشة بنت طلحة بن عبيدالله، وفي ((البخاري)) عائشة
بنت سعد، وفي ((ابن ماجه)) عائشة بنت مسعود بن العجماء العدوية،
عن أبيها، وليس في مجموع الكتب الستة غيرهن.
توفيت الصدِّيقة بعد الخمسين؛ إِمَّا بسنة خمس، أو ست، أو
سبع، أو ثمان، وأَمرت أن تدفن ليلاً بعد الوتر بالبقيع، وصلى عليها
أبو هريرة - رضي الله عنها -.
الثاني: في حال هذا [الحديث]:
ذهب جمع من الناس إلى أن هذا الحديث من مراسيل عائشة
- رضي الله عنها -؛ لأنها ما أدركت هذه القضية، وأوردوا الخلاف في
حجية مراسيل الصحابة.
وهذا القول لا يكاد يصح(١)؛ لأن احتمال سماع الصحابي
(١) في الأصل: ((يتضح)).
١٠

الحديثَ من صحابي آخر قائمٌ، فيما أدرك الراوي القضيةَ - أيضاً -؛
بأن تكون القضية في زمان كونه صحابياً، ولا يسمع ذلك من النبي
- عليه السلام -؛ فإن كيفية اغتسال النبي - عليه السلام - مثلاً إذا رواه
أحد من الصحابة، فإنه يحتمل أنه شاهده، أو سمعه من النبي - عليه
السلام -، ويحتمل أنه سمعه من صحابي آخر، كما أن احتمال سماعه
من النبي - عليه السلام - قائمٌ فيما لم يدرك الراوي زمان القضية.
ولا ريب في أن الحديث بهذا الاحتمال لا يصير مرسلاً، وإلا،
لكانت الأحاديث المشتملة على القصص، والأخبار السابقة، وجميع
روايات الأنصار، والداخلين في الإسلام بعد الهجرة عن الأمور التي
جرت في مكة قبل الهجرة، مراسيلَ، ولم يقل به أحد، فتعليلَهم كونَ
هذا الحديث مرسلاً بأن عائشة ما شاهدت هذه القضية غيرُ مستقيم،
والظاهر: أنها سمعت من رسول الله وَله، وذكر لها ذلك(١) على سبيل
حكاية الحال الواقعة.
نعم، لو قالوا: إن في الرواية: (قالت)، وليس فيها: (سمعت)،
فهو يحتمل الإرسال - لما عرفت -، أي: (سمعت) محمول على
الاتصال، وفي (قال) خلاف = لكان وجهاً، ولكن لا تعلق له بكون
الراوي عند حدوث القضية صحابياً وشاهداً لها، أم لا .
والحاصل: أن عائشة سمعت ذلك من النبي - عليه السلام -
فلیس بمرسل؛ إذ لا يشترط في الاتصال حضور زمن المحدّث به، بل
(١) في الأصل: ((وذكر لها في ذلك)).
١١

السماع عن المحدث عنه.
و(مِنَ) في قوله: (مِنَ الوَحْي) قيل: للبيان، وقيل: للتبعيض.
واعتُرض بلزوم كون الرؤيا من الوحي.
وأجيب: بإلزامه بأن الرؤيا جزءٌ من النبوة - على ما سيجيء -،
ولأن الوحي إعلام، ورؤيا الأنبياء حق، فيكون إعلامَ بشارة أو إنذار.
وعن ابن عباس: ((رُؤْيَا الأَنْبِيَاء حَقّ))، ألا ترى إلى قوله تعالى:
﴿إِنّ أَرَى فِ اَلْمَنَامِ أَنِّ أَذْبَحُكَ ﴾ [الصافات: ١٠٢] الآية.
وقال المهلب: الرؤيا الصالحة هي تباشير النبوة.
والحكمة في ابتداء الوحي بالرؤيا، وحصول المؤانسة على سبيل
التدريج؛ لضعف القوى البشرية، وعدم تحملها لرؤية الملك فجأة،
ورؤية الضوء، وسماع الصوت، وسلام [ ... ]، ونحوها.
أيضاً: لأجل الإعداد، وتقوية الاستعداد على الابتداء في النوم؛
لأجل الإيماء إلى شرائط القابلية؛ لأن القوى الحسية يضعف أكثرها
في النوم، ويحصل للقوى الروحانية الفراغة أكثر مما في اليقظة،
فابتدئ في النوم؛ ليعلم الرسول أن من جملة شرائط مجيء الوحي
إليه: الإعراض عن الأمور الإنسانية، والاشتغال بتصفية الباطن،
وحضور القلب، ولذلك حُبب إليه الخلاء.
الثالث: في شرح ألفاظه:
* قوله: (الرُّؤْيَا) ووقع في الكتاب: (الصَّادِقَةَ)، وكذا في
١٢

((البخاري)) في (كتاب التعبير)، ووقع في صدده: (الصَّالِحَة) بدل
(الصادقة)، والمعنیان متقاربان.
وقيد الرؤيا بقوله: (فِي النَّوْم)، وإن كان في عُرف اللغة لا يستعمل
إلا بما كان فيه، كما خصَّ الرؤية بالبصر في اليقظة، والرؤية بما كان
بالفكر فيها؛ زيادةً للتأكيد، واستعمالاً للرؤيا في المعنى الأعم، حتى
يفيد التخصيص بقوله: (في النوم).
وقوله: (إِلاَّ جَاءَتْ)؛ أي: الرؤيا.
(مِثْلَ فَلَقِ الصُّبْح)؛ أي: مثل ضيائه وإنارته، وإنما يستعمل هذا
في الشيء الواضح، يقال: هو بيّن مثل فلق الصبح.
وعن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿فَالِقُ اَلْإِصْبَاحِ﴾ [الأنعام: ٩٦] هو
ضوء الشمس بالنهار، وضوء القمر بالليل.
والمعنى: أن النبي - عليه السلام - لا يرى الرؤيا إلا رؤية واضحة
بيِّنة غير ملتبسة بشيء، كأنه رآه في اليقظة مبيناً واضحاً، فالمراد:
وضوح رؤية في المنام من غير خفاء عليه.
ويحتمل أن يراد: لا يرى رؤيا إلا جاءت تعبيرها وتأثيرها في
الوجود واضحاً مبيناً.
وبالجملة: الغرض: بيان كون رؤياه رؤيا حَقِّ ويقين، لا شكِّ
وتخمين، والتعبير عن ذلك بفلق الصبح - أيضاً - مناسب؛ من جهة أن
شمس النبوة كانت مبادئ أنوارها الرؤيا، ثم تم برهانها، وظهرت
أشعتها .
١٣

وفي ((جامع الترمذي)): أَوَّلُ مَا ابْتُدِىَّ بِهِ رَسُولُ اللهِبَ لهِ مِنَ النُُّوَّةِ
حِينَ أَرَادَ اللهُ تَخْ كَرَامَتَهُ، وَرَحْمَةَ العِبَادِ بِهِ: أَنْ لاَ يَرَى شَيْئاً إِلاَّ جَاءَتْ
مِثْلَ فَلَقِ الصُّنْحِ.
* وقوله: (ثُمَّ حُبِبَ إِلَيْهِ الخَلاَءُ)؛ لأن في الخلوة فراغ القلب
عن الشواغل الحسية، وهي مُعينة على الفكر، وأن البشر لا ينتقل عن
طبعه إلا بالرياضة البليغة، فحُبب إليه الخلوةُ لذلك.
وقد استدل بعض الصوفية بذلك على أنه لا بد للمريد في ابتداء
أمره من الخلوة.
وقال ابن المرابط: كان يخلو بغار حراء اعتباراً وفكرة؛ كاعتبار
إبراهيم لمناجاة ربه، والضراعة إليه؛ ليريه السبيلَ إلى عبادته على
صحة إرادته.
* وقوله: (فَكَانَ يَخْلُو بِغَارِ حِرَاءٍ) الغار: الثقب في الجبل،
وحِراءَ - بكسر الحاء وتخفيف الراء المهملتين -: جبل على ثلاثة أميال
من مكة، على يسار الذاهب من مكة إلى منى، يُمَدُّ ويُقصر، ويذكر
ويؤنث، ويُصرف ويُمنع، والمد والتذكير والصرف أكثر، وفتح الحاء
مع القصر غريب.
وعن أبي عمرو الزاهد: العوام يخطئون في حراء في ثلاثة مواضع،
و[هي]: فتح الحاء وهي مكسورة، وكسر الراء وهي مفتوحة، وقصر
الألف وهي ممدودة.
وإنما اختاره للخلوة؛ لأنه يرى بيت ربه منه، وهي عبادة، فكان
١٤

في حالة انزوائه مشغولاً بهذه العبادة.
وقيل: لما قال ثَبير - وهو اسمُ جبل أيضاً - للنبي عليه السلام:
اهبط عني؛ فإني أخاف أن تُقُتل على ظهري، فأعذَّبَ، ناداه حِراء،
وقال: إليّ یا رسول الله.
وذكر الكلبي: أن حراءً وثبيراً سُميا بابني عم من عاد الأولى.
وفي بعض روايات البخاري: (وكان يجاور بحراء) بدل (يخلو)،
والمعنى متقارب، وفيه حديث جابر: ((جَاوَرْتُ بِحِرَاءٍ شَهْراً» .
* وقوله: (يَتَحَنَّثُ) مفسَّر في الحديث بالتعبد، والرواية بالحاء
المهملة ثم النون ثم مثلثة .
وقال أبو أحمد العسكري: رواه بعضهم (التَّحَنَّفُ) بإبدال المثلثة
فاءً.
وعن أبي عمرو الشيباني: أنه سئل عن التحنث، فقال: لا أعرف
ما معنى (يَتَحَنَّثُ)، إنما هو (يتحنف)؛ أي: يتبع الدين الحنيف، وهو
دين إبراهيم عليه السلام.
وفي ((الأساس)): ومن المجاز: ﴿وَكَنُواْ يُصِرُونَ عَلَى الْحِنِثِ الْعَظِيمِ ﴾
[الواقعة: ٤٦]؛ أي: الذنب، استعير من حِنْثِ الحَانِثِ، الذي هو نقيضُ
بِّ.
يقال: وهو يتحنث؛ أي: يتحرَّج ويتأثّم، والمعنى: يطلب
الخروجَ من الإثم [إلى] طلب البر، وإنما اختار هذا اللفظ، ثم فسره
١٥

بالتعبد الذي هو سببُ الخروج من الحنث، وهو الإثم؛ إيماءً إلى
لزوم العبادة، كأنه حلف على المداومة عليها، ويخاف من التقصير
الحِنْثَ في یمنیه.
وتفسير التحنث من كلام بعض الرواة، أو يكون من كلام عائشة.
* وقوله: (اللَّالِيَ) منصوب على الظرفية، وهو يتعلق بـ (الحنث)؛
لأن التفسير اعتراض، و- أيضاً -: لو علق، لكان قيداً فيه، فيكون معنى
التحنث: تعبد الليالي ذوات العدد، وليس كذلك، بل التحنث: التعبد
مطلقاً.
واختلف في تعبد النبي - عليه السلام - قبل البعثة وبعدها، قبل
فرضية الطاعات:
فقيل: قبل البعثة وبعدها لا يتعبد بشريعة أحد، وعليه الجمهور،
واستدل على ذلك بعضهم بأن في اتباعِه غيرَه تنفيراً عنه؛ لأن التابع
يبعد أن يكون متبوعاً. وضعفُه ظاهر، وأكثرهم بأن ذلك لو كان لنقل
إلينا؛ لتوفر الدواعي إلى نقله، وهو الوجه.
وقيل: متعبّد بشريعة موسى، وقيل: عيسى، وقيل: إبراهيم،
وقيل : نوح، وقيل : آدم.
وقيل : شریعة مَنْ قبله من غیر تعیین.
وقيل: جميعُ الشرائع شرعٌ له، هذا قبل البعثة، وأما بعدها،
فقيل : بواحدٍ مما ذكر.
وقيل: بل كان مأموراً بأخذ الأحكام من كتبهم.
١٦

وقيل بالتوقف في تعبده قبل البعثة وبعدها.
والأوجه: أنه مشتغل بربّه، منشرح الصدر بما جَبَله الله علیه من
نور المعرفة، ومحبة الحق، وبغض ما كان عليه قومه من عبادة الأوثان،
وقبح الفعال، فكان يفر منهم بغضاً، ويخلو بمعروفه أَنْساً.
* وقوله: (أُوْلاَتِ العَدَدِ) صفة الليالي، وفي ((البخاري)):
(ذَوَاتَ العَدَدِ)، وهو بمعناه، والغرض [من] بيان طول خلوته: أنه
يخلو في حراء الليالي الكثيرة المتعددة من غير رجوع إلى أهله؛ لأنه
يتعبد فيه في الأيام، ويرجع في الليالي إلى أهله، أو يتعبد فيه الليالي
المتفرقة، بل يتعبد فيه الليالي المتعددة المتصلة.
ويحتمل أن يراد بها: الشهر؛ لقوله في حديث جابر: ((جَاوَرْتُ
بِحِرَاءٍ شَهْراً) - على ما سيجيء ..
وفي التخلي في غار حراء اللياليَّ متصلةً إيماءٌ إلى كمال الخلوة؛
لأن حراء بعيدٌ عن العمران، وليس فيه أحد يشوشه عن التفكر،
خصوصاً في غاره في الليل، وسكونه فيه الليالي من غير رجوع إلى
أهله، إلا لأجل التزؤُّد.
وفيه: إشعار بغاية تنزهه من الخلق، ونهاية أنسه بالحق، حتى
إنه لولا [ما] فيه البشرية، لانقطع عن الخلق الانقطاعَ الكليَّ؛ بحيث
لا يعود إلى طبعهم أصلاً.
وفي (يَرْجِعُ) إيماءٌ إلى أنه لبقاء الإنسانية فيه، وإذا احتاج إلى
التردد، وتحصيلٍ كمال القابلية؛ برفع وسوسة الطبيعة من طلب الغذاء
١٧

ونحوه، يرجع عن تلك الحالة الأنسية التي لا يسع فيه ملك مُقَرَّب،
ولا نبي مرسل إلى هذه الحالة؛ لبقاء حالة الأنسية فيه. ففي لفظ
الرجوع إيماءٌ إلى أن العود من تلك المرتبة لأجل بقاء تلك القابلية فيه.
وفي ((البخاري)): (يَنْزِعُ) بدل (يَرْجِعُ)، وفيه - أيضاً - ذلك المعنى
من الرجوع إلى الأصل، وهو البشرية؛ لأن لا يعرف نزاعاً.
ويندرج في التزود: التطيب، والتطهر في البدن والثياب، وإعداد
الطعام، وكل ما يحتاج إليه الشخص في ذلك، ويليق بتلك الحالة.
وفيه: أن التزود لا يمنع التوكل، بل بدونه اتكال لا توكل.
ولَمَّا كانت رتبة الحالة القريبة أعلى الرتب، والرجوع إلى الأهل
لأجل التزود لتحصيلها، عبَّر عنها قبل حالة الرجوع بلفظة: (لِذَلِكَ)؛
إشعاراً لبعد مرتبتها في الكمال، وعبَّر [عن] الحالة الحاصلة بعد
الرجوع وحصول التوجه نحو الخلوة بالضمير الراجع إلى الحالة، أو
الليالي، ولم يقل: بمثل ذلك، فأومأ بقوله: (لِذَلِكَ) وبمثلها إلى
التفاوت بين حصول الكمال والتوجه إليه بعد الزوال.
وفي (حَتَّى) إشعارٌ بمداومته على تلك الحالة، وأنه لم يزل عليها
حتى جاء الوحي.
* وقوله: (فَجِئَهُ الحَقُّ) والرواية: فتح الفاء وكسر الجيم،
وروي بفتحهما؛ أي: جاءه بغتة، وكذا أورده البخاري في (كتاب
التفسير) من ((صحيحه))، وأورد في أوله: ((حَتَّى جَاءَهُ الحَقُّ))، وفي
الفجأة، وهي البغتة، زيادةُ معنى ليس في المجيء؛ لأنها أخص.
١٨

وفيه: رمز إلى كمال تصفية النبي - عليه السلام -، ونهاية مداومته
على التعبد، وأنه لا يزال يداوم حتى جاءه الوحي فجأة.
وفيه - أيضاً -: إيماءٌ إلى غاية قوة النبي - عليه السلام -، وكمال
استعداده؛ حيث جاءه الوحي فجأة، وهو قابل له لا یتزلزل.
والمراد من الحق: الوحي، وفيه إيماءٌ إلى معنى الثبوت؛ يعني:
أن الحالة النومیة تتغير وتتبدل؛ بخلاف الوحي؛ فإنه ثابت لا مغیر فیه.
وفيه - أيضاً -: رمز إلى مجيئه من عند الحق، واشتماله على
الحق.
* وقوله: (وَهُوَ فِي غَارِ حِرَاءٍ) زيادةُ بيان لمكان مجيء الوحي،
وإن كان يفهم ذلك من لفظة: (حتى).
وفيه: إشعار بكمال انقطاعه عن الخلق، واتصاله بالحق، وحب
الموضع الذي يجد فيه الفراغة للتوجه.
وروى ابنُ سعد بإسناده: أن نزول الملك على النبي - عليه السلام -
بحراء يوم الاثنين، لسبع عشرة خلت من رمضان، ورسولُ اللهِ وَل﴿ ابنُ
أربعين سنة .
وعن ابن عبد البر: أنه في ربيع الأول.
ويحتمل أن يكون المعنى من قوله: (فَجِئَهُ الحَقُّ): أنه تمت
قابليته لقبول الحق، وكمل استعداده، لذلك، (فَجَاءَهُ المَلَكُ)، وهو
جبريل - عليه السلام -.
وأما على المعنى الأول، وهو: أن المراد من الحق: الوحي،
١٩

فقوله: (فَجَاءَهُ المَلَكُ) أن الملك الآمرَ له بالقراءة مجيئُهُ متعاقب
لمجيئه الأول، فعبّر عن الأول بالحق؛ نظراً إلى المرسِل والمرسَل به،
وعن الثاني بالمَلَك؛ نظراً إلى كونه الآمر للنبي - عليه السلام - بالقراءة،
والآخذ له بالشدة.
ويحتمل أن تكون الفاء فصيحة، يعني: فإذا فَجِئَهُ الحق، جاءه
الملك.
الرابع: في قوله: (مَا أَنَا بِقَارِئٍ)، (ما) نافية، ولهذا أدخل الباء
في الخبر تأكيداً للنفي؛ أي: ما أُحسن القراءة، وقد جاء في رواية:
(ما أحسن أن أقرأ)، ومن زعم أنها استفهامية، استدل برواية ابن
إسحاق: (مَا أَقْرَأُ؟)، ولا دلالة فيها لجواز أن تكون نافية في تلك الرواية
- أيضاً -. والمعنى: نفي القراءة مطلقاً؛ تنزيلاً للفعل المتعدي منزلةً
اللازم، كما يفعلون ذلك إذا كان غرضهم نفيَ الأصل، لا التعلق، وهو
أقوی من استعمال ما ليس له تعلق - كما تقرر في موضعه -.
* (فَغَطَّنِي) يقال: الغط: الغمس(١)، يقال: غَطّ في الماء بمعنى:
غمس، ومنه: غطني في بحر كرمه: إذا أراد نشر إنعامه، وغطيطُ
النائم: شخيرُه، يستعمل بمعنى: العصر، والخنق، وهو المراد هاهنا
على ما ذهب إليه الشارحون، ويؤيده رواية النسائي؛ لأن البيان الخنق،
وكذا رواية (فدعتني).
وبالجملة: في الغط معنى الستر والاشتمال عليه، وإظهار الشدة
(١) في الأصل: ((الشيء)) بدل ((الغمس)).
٢٠