Indexed OCR Text

Pages 321-340

المَوْتِ جَزَعاً شَدِيداً، فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ ابْنُهُ عَبْدُاللهِ بْنُ عَمْرٍو، قَالَ: يَا أَبَا
عَبْدِ اللهِ! مَا هَذَا الجَزَعُ؟! وَقَدْ كَانَ رَسُولُ اللهِوَهِ يُدْنِيكَ وَيَسْتَعْمِلُكَ؟
قَالَ: أَيْ بُنَّ! قَدْ كَانَ ذَلِكَ، وَسَأُخْبِرُكَ عَنْ ذَلِكَ، إِنِّي - وَاللهِ - مَا
أَدْرِي أَحُبَّ كَانَ ذَلِكَ، أَمْ تَأَلُّفَ يَتَلَّفُنِي، وَلَكِنْ أَشْهَدُ عَلَى رَجُلَيْنِ أَنَّهُ قَدْ
فَارَقَ الدُّنْيَا وَهُوَ يُحِبُّهُمَا: ابْنُ سُمَيَّةَ، وَابْنُ أُمِّ عَبْدٍ، فَلَمَّا حَدَّثَهُ، وَضَعَ
يَدَهُ مَوْضِعَ الغِلَاَلِ مِنْ ذَقَنِهِ، وَقَالَ: اللَّهُمَّ أَمَرْتَنَا فَتَرَكْنَا، وَنَهَيْتَنَ
فَرَكِبْنَا، وَلاَ يَسَعُنَا إِلاَّ مَغْفِرَتُكَ، وَكَانَتْ تِلْكَ هِجِّيرَاهُ حَتَّى مَاتَ.
رواه أحمد، ورجاله ثقات.
إذا عرفت هذا، فقوله: (فَجَعَلَ ابْنُهُ يَقُولُ) المقصود من قول ابنه
عبدالله: تقويةُ رجائه في هذه الحالة، وأن لا يحصل له اليأس؛ لأن
هذه الحالة حالة عجيبة للإنسان، وهي مناط الخير والشر؛ إذ الأعمال
بالخواتيم، فإذا وفّق الله تعالى لعبدٍ أن يخرج من الدنيا بالإيمان، فقد
حصل له الفوز والنجاة، وإذا لم يوفق له، وخرج بلا إيمان، فقد وقع
في الهلاك والخسران، وفقنا الله تعالى ولإخواننا الخروج من الدنيا
بالإيمان الکامل بعونه و کرمه .
فالواجب علی کل مَنْ حضر المیت: أن يقول له كلاماً يحصل له
قوة الرجاء بالله تعالى، وبمغفرته؛ ليكون قوله باعثاً على تحسين ظن
الميت بالله ځ.
وأمّا قول ابنه: (يا أَبَتَاهُ! أَمَا بَشَّرَكَ رَسُولُ اللهِ وَهِ بِكَذَا وَكَذَا؟)،
٣٢١

فعن عقبة بن عامر، قال: قال رسول الله وَ﴿: ((أَسْلَمَ النَّاسُ، وَآمَنَ
عَمْرُو بنُ العَاصِ)).
وعن طلحةَ بنِ عُبيدالله: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ وَّهِ يَقُولُ: ((عَمْرُو ابنُ
العَاصِ مِنْ صَالِحِي قَرَيْشٍ)) أخرجهما الترمذي.
وروى الطبراني، والبزار عن طلحةَ بنِ عبيدالله: سَمِعْتُ
رَسُولَ اللهِوَهِ يَقُولُ: ((يَا عَمْرُو! إِنَّكَ لَذُو رَأْيٍ رَشِيدٍ فِي الإِسْلامِ».
وعن أبي هريرة، مرفوعاً: ((ابْنَا العَاصِ مُؤْمِنَانِ، وَعَمْرُو بْنُ
العَاصِ فِي الجَنَّةِ)) رواه أحمد، والطبراني، ورجاله ثقات.
وعن عَلْقَمَةَ بنِ رِمْثَةَ البَلَوِيٌّ، قَالَ: بَعَثَ رَسُولُ اللهِ لِ عَمْرَو بن
العَاصِ إِلَى البَحْرَيْنِ، ثُمَّ خَرَجَ رَسُولُ اللهِلَهُ فِي سَرِيَّةٍ، وَخَرَجْنَا مَعَهُ،
فَنَعَسَ رَسُولُ اللهِ نَّهِ، ثُمَّ اسْتَيْقَظَ، فَقَالَ: ((رَحِمَ اللهُ عَمْراً))، فَتَذَاكَرْناَ
مَنِ اسْمُّهُ عَمْرُو، ثُمَّ نَعَسَ ثَانِيَّةً، فَاسْتَيْقَظَ، فَقَالَ: ((رَحِمَ اللهُ عَمْرا))،
ثُمَّ نَعَسَ ثَالِثَةً، فَاسْتَيْقَظَ، فَقَالَ: ((رَحِمَ اللهُ عَمْراً)، قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللهِ!
مَنْ عَمْرٌو هَذَا؟ قَالَ: ((عَمْرُو بن العَاصِ))، قُلْنَا: وَمَا شَأْنُهُ؟ قَالَ:
((كُنْتُ إِذَا نَبْتُ النَّاسَ إِلَى الصَّدَقَةِ، جَاءَ، فَأَجْزَلَ مِنْهَا، فَأَقُولُ:
يَا عَمْرُو! أَنَّى لَكَ هَذَا؟ قَالَ: مِنْ عِنْدِ اللهِ، وَصَدَقَ عَمْرٌو، إِنَّ لَهُ
عِنْدَ اللهِ خَيْراً كَثِيراً) رواه أحمد، والطبراني، ورجاله ثقات.
وأما قوله في حديث أبي نوفل: (قَدْ كَانَ رَسُولُ اللهِ يُدْنِكَ
وَيَسْتَعْمِلُكَ)؛ فَعَنْ رَافِعٍ بِن أَبِي رَافِعِ الطَّائِيِّ، قَالَ: لَمَّا كَانَتْ غَزْوَةٌ
٣٢٢

ذَاتِ السَّلَاسِلِ، اسْتَعْمَلَ رَسُولُ اللهِ وَ ﴿ِ عَمْرَو بْنَ العَاصِّ عَلَى جَيْشٍ
فِيهِمْ أَبُو بَكْرٍ .
وعن بريدة: أن عُمرَ قال لأبي بكر حين شَيَّع عَمْراً: أتريد بالناس
ناراً، ألا ترى إلى ما يصنع هذا بالناس؟! فقال: دعه، فإنما ولاه علينا
رسول الله وَ﴿ لعلمِه بالحرب. رواهما الطبراني.
وعن عمرو بن العاص، قال: بَعَثَ إِلَيَّ رَسُولُ اللهِ لَّهِ، فَقَالَ:
(خُذْ عَلَيْكَ ثِيَابَكَ وَسِلاَحَكَ، ثُمَّ ائْتِي)) . فَأَيْتُهُ وَهُوَ يَتَوَضَّأُ، فَصَعَّدَ فِيَّ
النَّظَرَ، ثُمَّ طَأْطَأَهُ، فَقَالَ: «إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أَنْعَثَكَ عَلَى جَيْشٍ، فَيُسَلِّمَكَ
اللهُ، وَيُغْنِمَكَ، وَأَرْغَبُ لَكَ مِنَ المَالِ رَغْبَةً صَالِحَةً))، قَالَ: قُلْتُ:
يَا رَسُولَ اللهِ! مَا أَسْلَمْتُ مِنْ أَجْلِ المَالِ، وَلَكِنِّي أَسْلَمْتُ رَغْبَةً فِي
الإِسْلاَمِ، وَأَنْ أَكُونَ مَعَ رَسُولِ اللهِنَّهِ، فَقَالَ: ((يَا عَمْرُوا نِعْمَ المَالُ
الصَّالِحُ لِلْمَرْءِ الصَّالِحِ)) رواه أحمد، وأبو يعلى، ورجاله رجال
الصحیح.
* وقوله: (نُعِدُّ) - بضم النون - هو الرواية؛ أي: أعُدُّ أنا وأنتم،
أو إخواني من الصحابة، على تغليب المتكلم على المخاطب، أو
الغائب، أو نون الواحد المطاع، والغرض: أن بكاءه ليس لأجل
الجزع، وأنه لا ييئس من روح [الله]، بل يكون عقله على الكمال في
تلك الحال، وأنه يعلم ما كان قبل نزول الموت به من المعدِّ لتلك
الحالة، وأن هذا ليس مما أعد هو فقط، بل هو إعدادُ جميع من كان
٣٢٣

على صفته من الصحابة والتابعين.
وفي ذكر الأفضل إشارةٌ إلى أن له بعداً سوى ذلك، ولكن
التوحيد والإقرار بنبوّة الرسول - عليه السلام - أفضلُ الجميع وأصلُه
وأساسُه، وقد مَرَّ: أن الإيمان أفضل الأعمال كلها، ويتأكد أمره
بالشهادتين عند الموت؛ ليكون ذلك خاتمة الأمر، وآخر الكلام.
والمراد من الأطباق: الأحوال، ولهذا أنَّث ثلاثاً؛ نظراً إلى
المعنى، قال الله تعالى: ﴿لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقِ﴾ [الانشقاق: ١٩]، أي:
حالاً بعد حال.
* وقوله: (ابْسُطْ يَمِينَكَ فَلأَبَابِعْكَ) روي بكسر اللام وإسكان
العين، على الأمر؛ أي: أَمْرُ المتكلم لنفسه، فعلى هذا: الفاء جوابٌ
لما تضمنه الأمر الذي هو (ابسط) من الشرط، وروي بالنصب على أن
تكون اللام لامَ کي، فتكون اللامُ سببيةً.
، وقوله: (تَشْتَرِطُ بِمَاذَا؟) هكذا في الأصول بزيادة الباء في
(بِمَاذا)(١)، فقيل: زائدة، وقيل: بتضمين معنى: يحتاط، والأحسن
أن تكون صلة (تَشْتَرِطُ)، يقال: شرطه كذا على كذا وبكذا، والفائدة
في إيراد الباء وإيثارها على (على) الإيماءُ إلى معنى الأولية، كأنه لما
قبض يده عن البيعة، وطلب الشرط، أشار النبي - عليه السلام - بأن
ذلك شيء زائد لا حاجة في الإسلام إليه، وكأنه فضلة، فالمطلوب هو
(١) في الأصل: ((بما)).
٣٢٤

الإسلام، فإذا حصل التوفيق بالدخول فيه، فاشتراط كل شيء قبله زائد
مستغنی عنه.
وأيضاً في الباء معنى المصاحبة، كأنه أومأ إلى أنك تطلب
اشتراط شيء آخر مع الإيمان، وهو زائد لا حاجة إليه، ولهذا قال في
الجواب: (أَمَا عَلِمْتَ)؛ يعني: أن يحيط علمك بأن الإيمان هو
الماحي للذنوب، الذي لا حاجة إلى اشتراط شيء آخر معه، فإذا
حصل لك التوفيق في الدخول فيه، فقد حصل لك الفوز بالعظمى،
والأجر الأقصى.
وزاد عليه: الهجرةَ والحجَّ، وبين أن كل واحد منهما - أيضاً -
يهدم ما كان قبله، إيماءً إلى عظم أجر من دخل في الإيمان، وهاجر،
وحج، وترغيباً في الإقدام عليهما، وبياناً لتفاوت مراتب الداخلين في
الإيمان بعد استوائهم في هذه الفضيلة.
ثم هَدْمُ الإيمانِ كلَّ ما(١) كان قبله، فعاتٌّ يتناول الصغائر والكبائر
من حقوق الله بالاتفاق.
وأما من حقوق العباد، فخلاف العلماء في أن الحربيَّ إذا أسلمَ
بعدما استولى على مال المسلم، وهو موجود في يده بعدَ الإسلام،
فمنهم من أوجب عليه الردَّ، ومنهم من لم يوجب، وأما بعد
الاستهلاك، فالصحيحُ من المذاهب عدمُ إيجاب الردِّ، على أن عليهم
(١) في الأصل: ((من)).
٣٢٥

ردَّ أسارى المسلمين الأحرار، فإن الحر لا يُملك.
وأما أهل الذمة، فلا يُسقط الإسلام عنهم(١) شيئاً من الحقوق من
مال أو دَم أو غيرهما، وتفاصيل ذلك في الفروع.
وأما الهجرة والحج، ففيه خلاف، فقيل: يختص بحقوق الله
تعالى؛ لورود الأخبار الصحيحة في أن حقوق العباد لا تغفر بدون
الخروج من العُهدة، وعليه بُنيت القواعد الشرعية.
وقيل: يعم الجميع، لا بمعنى عدم المؤاخذة والمطالبة في الدنيا،
بل بمعنى أن الله تعالى إذا قَبِلَ هجرته وحجَّه، يغفر له، ويدخله الجنة،
ويجعل خصمه(٢) راضياً، فكما أن الإيمان المقبول هادمٌ لجميع ما كان
قبله في أحوال الآخرة، كذلك الهجرة والحج المقبولان - أيضاً - يهدمان
ما كان قبلهما في ذلك، وفي ذكر كل واحد من الثلاثة على الانفراد،
وإدخال (أَنَّ) على كل واحد منها، إيماءٌ إلى عظم شأن كل واحد منها،
وأنّ كل واحد يستأهل أن يُفرد بالذكر، ولا يجعل تبعاً للآخر، وإن كان
في الحقيقة الكلُّ تبعٌ للإيمان، وهو أساس الجميع.
وفي ذكر الهدم والجَب، وهو القطع في الرواية الأخرى،
استعارة لطيفة؛ حيث شبّه كل واحد من هذه الأفعال بشيء يهدم
البناء، ويقطع الأشياء.
(١) في الأصل: ((عنه)).
(٢) في الأصل: ((خصومه)).
٣٢٦

وفيه: رمز إلى استحكام الذنوب والآثام، وصيرورتها مثل
البناء، وإلى أنها مما يُزال(١) ويُقطع، وإلا، يحصل منه الهلاك.
وفي هذه القصة أنواع من الفوائد:
منها: بيان فضيلة عمرو بن العاص، وأنه في وقت ارتحاله من
الدنيا على كمال عقله ووفور علمه مُعِدّاً لما يجب أن يُعِدَّهُ المؤمن في
هذه الحالة من الإيمان، وتعظيم النبي - عليه السلام - وإجلاله.
وأنه عند دخوله في الإيمان قد طلب المغفرة من النبي - عليه
السلام -، وأنه في ذلك الوقت كان عالماً بالآخرة والعذاب، مقرّاً
بهما، وأن دخوله في الإيمان عن اختيار وطلب؛ لتدارك ما فاته من
الأعمال، مع العلم والاعتقاد بأنها قبيحة، وأنه عند خروجه من الدنيا
يعلم حاله من أوّل أمره، ومن تقلب الأمور عليه، وأنه إن مات على ما
كان أولاً، يكون من أهل النار، وإن مات في الحالة الثانية بعد الدخول
في الإيمان قبل الاشتغال بأمور الدنيا؛ من الحكومة والوزارة،
وغيرهما كان من أهل الجنة، وموته في هذه الحالة يكون بين الخوف
والرجاء الذي هو مناط العبودية الخالصة؛ لأنه بين الحالة [الأولى]
والثانية، فأمرُه مفوَّض إلى مشيئة الله تعالى.
* وفي قوله أوّلاً: (لَكُنْتُ مِنْ أَهْلِ النَّارِ)، والثاني: (لَرَجَوْتُ
أَنْ أَكُونَ مِنْ أَهْلِ الجَنَّةِ) أدب حسن؛ حيث حکم في حال كونه على
(١) في الأصل: ((يزيل)).
٣٢٧

الكفر على أنه من أهل النار، وفي حال كونه على الإيمان علَّق دخول
الجنة بالرجاء؛ لأن قبول ذلك أمر مخفي مفوَّض إلى الله تعالى.
* وفي قوله: (ثُمَّ وَلِينَا أَشْيَاءَ مَا أَدْرِي) إيماء إلى أن توليه الأمور
بعضها باختياره، وبعضها بأمر الآمر، وفيه: أنه يشارك غيره فيها؛
حيث جمع الضمير في (وَلِينَا)، وأفرد في (مَا أَدْرِي).
ومنها: النهي عن النياحة، وإيقاد النار - على ما هو دأب أهل
الجاهلية -؛ لعلمه نهي النبي - عليه السلام - عن ذلك، وأن الميت
يعذب بسببها إذا أوصى بها، وقيل: وإن لم يوص - أيضاً -، على ما
سيجيء في الجنائز.
ومنها: استحباب صب التراب في القبر على الميت، كما هو
السُّنَّة.
والسين في قوله: (فَسُنُّوا عَلَيَّ التُّرَابَ سَناً) يروى بمعجمة ومهملة،
يقال: سَنَّ الماء على وجهه سَناً - بالمهملة -: إذا صبه صَباً سهلاً من غير
تفريق، فإذا فرقه يقول: شَنَّ - بالمعجمة -، وقد ترجح الأولى بأن المراد
صبُّ التراب عليه، لا تفريقه، ولموافقته السنة لفظاً.
وبالجملة: المعنيان متقاربان.
ومنها: استحباب المكث عند القبر ساعة بعد الدفن على - ما
سيجيء -.
ومنها: إثبات سؤال القبر، وأنه إذا كان حول القبر جماعة من
٣٢٨

المسلمين، تكون للميت فائدة في جواب الملكين، وتقوية في ذلك،
يسدد الله (١) تعالى كلامنا، وكلام إخواننا في هذه الحالة، ويثبت
أقدامنا في ذلك الموطن بفضله وكرمه.
وأمّا الاستدلال من قوله: (وَيُقْسَمُ لَحْمُهَا) على جواز قسمة
الأشياء الرطبة؛ كاللحم وغيره، المشتركة، فغير واضح، إذ لا يستفاد
منه ذلك، وإنما المقصود: بيان زمان مكثهم حول قبره، وأنه ينبغي أن
يُنحر لأجله جزور، ویفرق لحمه على الفقراء، ولهذا قد استدل بعض
الناس على قوله هذا استحباب نحر الجزور أو البقر أو الغنم حول
القبر، والتَّصَدُّقِ بلحمها على الفقراء؛ ليكون في أوّل نزول الميت في
منازل الآخرة فاعلاً للخير، ويكتب هذا في ديوان عمله بعد خروجه
من دار التكليف.
*
٣٣٧ - (١٢٢ / ١٩٣) - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمِ بْنِ مَيْمُونٍ،
وَإِبْرَاهِيمُ بْنُ دِينَارٍ - وَاللَّفْظُ لإِبْرَاهِيمَ -، قَالاَ: حَدَّثَنَا حَجَاجٌ - وَهُوَ ابْنُ
مُحَمَّدٍ -، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، قَالَ: أَخْبَرَتِي يَعْلَى بْنُ مُسْلِمٍ: أَنَّهُ سَمِعَ
سَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ يُحَدِّثُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ نَاساً مِنْ أَهْلِ الشَّرْكِ قَتَلُوا
فَأَكْثَرُوا، وَزَنَوْا فَأَكْثَرُوا، ثُمَّ أَنَوْا مُحَمَّداً ◌َه فَقَالُوا: إِنَّ الَّذِي تَقُولُ
وَتَدْعُو لَحَسَنٌ، وَلَوْ تُخْبِرُنَا أَنَّ لِمَا عَمِلْنَا كَفَّارَةً، فَنَزَلَ: ﴿وَالَّذِينَ لَا
(١) كذا في الأصل.
٣٢٩

يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا ءَاخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِىِ حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِأَلْحَقِّ وَلَا
يَزْنُونَ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا﴾ [الفرقان: ٦٨]، وَنَزَلَ: ﴿يَعِبَادِىَ الَّذِينَ
أَسْرَفُواْ عَلَى أَنفُسِهِمْ لَا نَقْنَّعُواْ مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ﴾ [الزمر: ٥٣].
الحديث الثالث: حديث ابن عباس: أَنَّ نَاساً مِنْ أَهْلِ الشِّرْكِ قَتَلُوا
فَأَكْثَرُوا، وَزَنَوْا فَأَكْثَرُوا، ثُمَّ أَتَوْا مُحَمَّداً ◌َّهِ، فَقَالُوا: إِنَّ الَّذِي تَقُولُ وَتَدْعُو
لَحَسَنٌ، وَلَوْ تُخْبِرُنَا أَنَّ لِمَا عَمِلْنَا كَفَّارَةً، فَنَزَلَ: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ
إِلَهَاءَ اخَرَ وَلاَ يَقْتُلُونَ النَّفْسَ اَلَِّى حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُنَّ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ
يَلْقَ أَثَامًا﴾ [الفرقان: ٦٨]، وَنَزَلَ ﴿يَعِبَادِىَ الَّذِينَ أَسْرَفُواْ عَلَى أَنفُسِهِمْ لَا نَقْنَّطُواْ
مِن رَّحْمَةِ اللهِ﴾ [الزمر: ٥٣]. أخرجه البخاري وأبو داود، والنسائي.
ولفظ النسائي: أَنَّ [قَوْماً كَانُوا] قَتَلُوا فَأَكْثَرُوا، وَزَنَوْا فَأَكْثَرُوا
وَانْتُهَكُوا، فَأَتَوًّا النَّبِيَّ ◌َِّ، قَالُوا: يَا مُحَمَّدُ! إِنَّ الَّذِي تَقُولُ وَتَدْعُو إِلَيْهِ
لَحَسَنٌ، لَوْ تُخْبِرُنَا أَنَّ لِمَا عَمِلْنَاَ كَفَّارَةً، فَأَنْزَلَ اللهُ عَّ: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدُْونَ
مَعَ اللَّهِ إِلَهَاءَ اخَرَ﴾ إِلَى ﴿فَأُوْلَكَ يُدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ﴾ [الفرقان: ٦٨
- ٧٠] قَالَ: ((يُبَدِّلُ اللهُ شِرْكَهُمْ إِيمَاناً، وَزِنَهُمْ إِحْصَاناً)، وَنَزَلَتْ: ﴿قُلْ
يَعِبَادِىَ الَّذِينَ أَسْرَفُواْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ﴾ [الزمر: ٥٣] الآيَةَ.
وعَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ يَزِيدَ قَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ وَ﴾َ يَقْرَأُ:
﴿يَعِبَادِىَّ الَّذِينَ أَسْرَفُواْ عَلَىَّ أَنْفُسِهِمْ لَا نَقْنَطُواْ مِن رَّحْمَةِ اَللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ
جَميعًا﴾ [الزمر: ٥٣] وَلاَ يُبَالِي أخرجه الترمذي.
إذا عرفت هذا، فقوله: (وَلَوْ تُخْبِرُنَا أَنَّ لِمَا عَمِلْنَا) جواب (لو)
٣٣٠

محذوف، يعني: لأسلمنا، يدل عليه قولهم: (إِنَّ الَّذِي تَقُولُ وَتَدْعُو
لَحَسَنٌ).
وفي هذا الحذفِ من الإبهام والتعظيم للإسلام ما ليس في
الذكر .
وقيل: (لو) للتمني؛ أي: ليت الأمر كذلك، والأوّلُ أرجحُ،
هذا على تقدير وجود الواو في قوله: (وَلَوْ تُخْبِرُنَا).
وأما على حذفها؛ كما هو رواية النسائي فيما قبل (لو) يدل على
الجواب.
وفي (تُخْبِرُنَا) من حسن التأدية في اختيارهم الإيمان ما ليس في
(عَلِّمْنَا) - على ما لا يخفى ..
ومراد مسلم من إيراد قول ابن عباس في سبب نزول هذه الآية:
بيان أن الكتاب العزيز - أيضاً - ناطق بما جاءت به السنة، وتنبيه على
أن كثرة الفسوق وقلتها سَواءٌ في هدم الإيمان لها، وأن صاحبها بعد
دخوله في الإيمان لا يؤاخَذ بها، وإن كان ذلك من حقوق العباد؛
كالقتل، والزنا، كما لا يؤاخذ بحقوق الله تعالی.
وفي الآية إيماءٌ إلى أن الشرك والقتل إنما يؤاخَذ بهما لو صدرت
من الفاعل، ومات على الكفر، ولم يدخل في الإيمان، أمّا لو دخل
في الإيمان بعدها، فلا يؤاخَذ بها، بل لا يسمى صاحبه بعد الدخول
فيه: فاعلاً لها؛ لقوله: ﴿وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا﴾ [الفرقان: ٦٨]؛ لأن
٣٣١

الآية لمَّا نزلت في شأن الذين يفعلون ذلك، وفي قبول الإيمان منهم،
وعدم مؤاخذتهم بها، علم أن المراد من قوله: ﴿وَمَن يَفْعَلّ﴾: أنه
فعل، ولم يدخل فيه؛ لأن الداخل فيه بعدما عملوها في الجاهلية هم
الذين قال في شأنهم: ﴿وَاُلَّذِينَ لَا يَدْعُونَ﴾ إلى آخره.
وفيه دليل: على أن الكفار مخاطبون بفروع الشريعة، كما هو
مذهب الشافعي، والصحيحِ من مذهب مالك.
وفي إيراد الآية الثانية تنبيهٌ على أن المراد بالذنوب في قوله: ﴿إِنَّ
اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ [الزمر: ٥٣]، فهي الذنوب الذي تصدر عن الفاعل
قبل دخوله الإيمان، وفيه كلام سيجيء - إن شاء الله تعالى -.
هذا ما يتعلق بأحاديث الباب.
وأما التعريف بالرواة سوى ما سلف.
(أبو معن): هو زيد بن يزيد الرقاشيُّ، البصريُّ.
عن معتمِرٍ بن سليمان، وغُنْدَر، ووكيع، وجماعة.
وعنه مسلم، وأخرج له، ولم يخرج له غيره من الستة.
وَثَّقَهُ جمع.
وأَمَّا (حَيْوَةُ)، فهو أبو زرعة حَيْوَةُ بْنِ شُرَيْحِ بنِ صفوان بنِ مالك
التُّجِيبيُّ، المصريُّ، أحدُ الزهّاد والعباد، والأئمة.
عن أبي يونس مولى أبي هريرة، وحميد بن هانئ، وجماعة.
وعنه الليث، وابن المبارك، والمَقْبُري، وخلائق.
٣٣٢

وَثَّقَهُ القوم، وأثنوا عليه كثيراً، وأخرج له الستة.
توفي سنة ثمان وخمسين ومئة.
وأما ابْنُ (شَمَاسَةَ)، فهو أبو عبدالله عبد الرحمن بن شماسة
- بالشين المعجمة المفتوحة -، وروي الضم - أيضاً-، ثم ميم مخففة،
وبعد الألف سين مهملة ، أبي ذئب المَهْري التابعي، يُعد في الطبقة
الأولى من تابعي مصر .
يروي عن عائشة، وسمع عقبة بن عامر، وزيد بن ثابت.
وسمع منه یزید [بن] أبي حبيب، وغيره.
وَثَّقَهُ العجلي، وغيره، وأخرج له الستة إلا البخاري.
والمَهْرِي - بفتح الميم وسكون الهاء -: نسبة إلى مهرة بن حَيْدَان
- بفتح الحاء المهملة وسكون الياء التحتانية وفتح الدال المهملة - ابن
الحاف - بالحاء المهملة والفاء - [بن] قضاعة.
وأما (عمرو بن العاص)، فهو أبو محمد، وقيل: أبو عبدالله،
عمرو بن العاص بن وائل بن هاشم بن سُعَيْدٍ - بضم السين وفتح العين
المهملتين - ابن سعد بن سهم بن عمرو بن هصيص بن كعب بن لؤي
ابن غالب، القرشيُّ السهميُّ، أسلم عام خيبر في أول سنة سبع،
وقيل: أسلم في صفر سنة ثمان قبل الفتح بستة أشهر، قدم هو وخالد
ابن الوليد وعثمان بن أبي طلحة على النبي ◌َّر، فأسلموا.
وحديثُ إسلامهم عن راشد مولى حبيب بن أبي أوس الثقفي،
قال: حدثني عمرو بن العاص من فيه إلى فِيَّ، قال: لما انصرفنا من
٣٣٣

الأحزاب عن الخندق، جمعتُ رجالاً من قریش کانوا یرون مكاني،
ويسمعون مني، فقلت لهم: تعلمون - والله - إني لأرى محمداً يعلو
الأمور علواً منكراً، وإني قد رأيت أمراً، فما ترون فيه؟ قالوا:
ما رأيت؟ قلت: رأيت أن نَلْحق بالنجاشي، فنكون عنده، فإن ظهر
محمد علی قومنا، کنا عند النجاشي، فلأن نكون تحت یدیه أحبُّ إلينا
أن نكون تحت يد محمد، وإن ظهر قومنا، فنحن ممن قد عرفوا، فلن
يأتينا منهم إلا خير، قالوا: إن هذا الرأي.
قال: قلت لهم: اجمعوا له ما يُهدى إليه، وكان أحب ما يهدى
إليه من أرضنا الأَدَمُ، فجمعنا له أَدَماً كثيراً، ثم خرجنا، حتى
قَدِمنا عليه، فوالله! إنا لعنده، إذ جاء عمرو بن أمية الضَّمَرِي، وكان
رسولُ الله ◌َ ﴿ قد بعثه إليه في شأن جعفرٍ وأصحابه، فلما دخل إليه،
وخرج من عنده، قلت لأصحابي: هذا عمرو بن أمية، لو قد دخل
على النجاشي، قد سألته إياه، فأعطانيه، فضربت عنقه، فإذا فعلت
ذلك، رأت قريشٌ أني قد أجزأت(١) عنها حين قتلت رسولَ محمد.
قال: فدخلت عليه، فسجدت له كما كنت أصنع، فقال: مرحباً
بصديقي، أهديت لي من بلادك شيئاً؟ قلت: نعم أيها الملك، وقد
أهديت إليك أدماً كثيراً، ثم قدمته إليه، فأعجبه، واشتهاه، ثم قلت:
یا أيها الملك! إني رأيت رجلاً خرج من عندك، وهو رسول رجل عدوٍّ
لنا، فأعطنيه فأقتله؛ فإنه قد أصاب من أشرافنا وخيارنا.
(١) في الأصل: ((أخبرت)).
٣٣٤

قال: فغضب، ومد يده وضرب بها أنفه ضربة ظننت أنه قد
كسرها، فلو انشقت الأرض، لدخلت فيها فَرَقاً منه، ثم قلت: أيها
الملك! لو ظننتُ أنك تكره هذا، ما سألتُه، قال: سألتني أن أعطيك
رسولَ رجل يأتيه الناموسُ الأكبر الذي کان یأتي موسی لتقتله؟!
قال: قلت: أيها الملك! أكذاك هو؟ قال: ويحك يا عمرو،
أَطِعْني واتَّبِعْه، فإنه - والله - لَعَلَى الحق، وليظهرنَّ على مَنْ خالفه كما
ظهر موسى على فرعون وجنوده، قال: فتبايعني له على الإسلام؟
ثم خرجت إلى أصحابي، وقد حال رأيي عما كنت عليه،
وكتمت عن أصحابي إسلامي. ثم خرجت عامداً لرسول الله وَالر،
فلقيت خالد بن الوليد، وذلك قُبيل الفتح، وهو يُقبل من مكة،
فقلت: يا أبا سليمان! قال: والله لقد استقام الأمر، وإن الرجل لنبيُّ،
اذهب فأسلم، فحتى متى(١)؟ قال: قلت: والله! ما جئت إلا لأُسلم.
قال: فقدمنا على رسول الله وَّر، فتقدم خالد بن الوليد فأسلم
وبايع، ثم دنوت، فقلت: يا رسول الله! إني أبايعك على أن يُغفر لي
ما تقدم من ذنبي، ولا أذكر ما تأخر، فقال رسول الله وَّه: ((يا عَمْرُو!
بَايِعْ؛ فَإِنَّ الإِسْلامَ يَجُبُّ مَا قَبْلَهُ، وَإِنَّ الهِجْرَةَ تَجُبُّ مَا قَبْلَهَا))، قال:
فبايعتُه، ثم انصرفتُ.
قال ابن إسحاق: وحدَّثَني مَنْ لا أَّهم: أن عثمان بنَ طلحةَ كان
(١) في الأصل: (منه)).
٣٣٥

معهما حين أسلما. رواه أحمد، والطبراني، ورجاله ثقات.
ثم أَمَّرَهُ رسولُ الله ◌َّ﴿ في غزوة ذات السَّلاسل على الجيش،
وهم ثلاث مئة، فلما دخل بلاد العدو، طلب المَدَد من النبي - عليه
السلام -، فأمدَّه بجيش من المهاجرين، منهم: أبو بكر، وعمر،
وأميرهم أبو عبيدة بن الجراح، وقال لأبي عبيدة: ((لا تَخْتَلِفا)».
ثم استعمله رسول الله ﴿ ﴿ على عُمان، فلم يزل عليها حتى تُوفي
رسول الله التع ـ
ثم أرسله أبو بكر إلى الشام، فشهد فتوحه، وولي فلسطين لعمر
ابن الخطاب، ثم أرسله عمر في جيش إلى مصر، ففتحها، ولم يزل
والياً عليها حتى توفي عُمَر، ثم أقره عثمان عليها أربع سنين، ثم
عزله، فاعتزل بفلسطين، وكان يأتي المدينة أحياناً، ثم استعمله معاوية
على مصر، فبقي عليها حتى توفي فيها، وكان من أبطال العرب
ودهاتهم.
ولما حضرته الوفاة، قال: أمرتني فلم أأتمر، ونهيتني فلم أنزجر،
ولستُ قوياً فأنتصر، ولا بريئاً فأعتذر، ولا مستكبراً، بل مستغفراً، لا إله
إلا أنت، فلم يزل يرددها حتى توفي
قال محمد بن عبدالله بن نمير: مات عمرو بن العاص بمصر يوم
الفطر سنة اثنتين وأربعين.
وقال يحيى بن بكير: توفي ليلة الفطر سنة ثلاث وأربعين، ودفن
يوم الفطر، وصلى عليه ابنه عبدالله، وسِتُّه نحوٌ من مئة سنة.
٣٣٦

روي له عن رسول الله صلفي سبعة وثلاثون حديثاً، اتفقا على
ثلاثة، وانفرد البخاري بحديث، ومسلم بحدیثین.
روى عنه: ابنه عبدالله، وابن عمر، وأبو عثمان النهدي، وقیس
ابن أبي حازم، وعروة بن الزبير، وعبد الرحمن بن شماسة، وغيرهم،
وأخرج له الأربعة - أيضاً -.
وأما (يعلى)، فهو ابن مسلم هرمز المكيُّ.
عن أبي الشعثاء، وعكرمة، وجمع.
وعنه ابن جريج، وشعبة، وجماعة.
وَثَّقَهُ ابن معين، وأبو زرعة، وأخرج له الستة إلا ابن ماجه.
وأَمًا (سعيد)، فهو أبو عبدالله، وقيل: أبو محمد سعيد بن جُبير
ابن هشام الكوفي، الأسدي، الوالبي - بالباء الموحدة -، نسبة إلى
وَالِبَةَ - بكسر اللام وفتح الباء -، وهو ابن الحارث بن ثعلبة، دُودان -
بدالين مهملتين الأولى مضمومة والثانية مفتوحة - ابن أسد بن جديمة
ابن مدركة بن إلياس، وسعيدٌ نُسب إلى والبة؛ لأنه مولّى لهم، وهو
أحدُ الأعلام، ومن أَجِلَّة التابعين.
سمع جماعةً من الصحابة، منهم: أبو مسعود البدري، وابن
عمر، وابن عباس، وابن الزبير، وعبدالله بن معقل، وأنس، وجماعة
من التابعين .
روی عنه جماعات من التابعین وغیرهم، منهم: عمرو بن دینار،
٣٣٧

وأيوب، وجعفر بن إياس، وغيرهم.
وذكر البخاري في ((تاريخه)) عن سفيان الثوري: أنه كان يقدِّم
سعيدَ بنَ جبير على إبراهيم النخعي.
وذكر ابن أبي حازم: أن ابن عباس إذا أتاه أهل الكوفة يسألونه،
يقول: أليس فیکم سعيد بن جبير؟!
ومناقبه كثيرة، قتله الحجاج بن يوسف الظالم صَبْراً وظلماً في
شعبان سنة خمس وتسعين، وله تسع وأربعون سنة، ومات الحجاج
في رمضان من هذه السنة، ولم يسلّط بعدَه على قتل أحد.
وروى خلفُ بنُ خليفة عن بوَّاب الحجاج: أنه قال: رأيت رأس
سعيد بن جبير بعد ما سقط إلى الأرض يقول: لا إله إلا الله.
وروى ابن قتيبة: أن الحجاج قال له: اختر أي قتلة شئت، قال
سعيد: اختر أنت لنفسك، فإن القصاص أمامك.
ولما قتل، دفن بظاهر واسط، وقبره هناك يزار
عنْه .
٣٣٨

(٤٠)
بيان حكم عمل الكافر
بعد ما أسلم
٣٣٨ _ (١٢٣ / ١٩٤) - حَدَّثَنِي حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا ابْنُ
وَهْبٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ بْنُ
الزُّبَيْرِ: أَنَّ حَكِيمَ بْنَ حِزَامٍ أَخْبَرَهُ: أَنَّهُ قَالَ لِرَسُولِ اللهِ وَلَّهِ: أَرَأَنْتَ
أُمُوراً كُنْتُ أَتَحَنَّثُ بِهَا فِي الجَاهِلِيَّةِ، هَلْ لِي فِيهَا مِنْ شَيْءٍ؟ فَقَالَ لَهُ
رَسُولُ اللهِ وَ﴿: (أَسْلَمْتَ عَلَى مَا أَسْلَفْتَ مِنْ خَيْرِ)). وَالتَّحَتُّثُ:
التَّعَبُّدُ.
٣٣٩ _ (١٢٣ / ١٩٥) - وَحَدَّثَنَا حَسَنٌ الحُلْوَانِيُّ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ
- قَالَ الخُلْوَانِيُّ: حَدَّثَنَا، وَقَالَ عَبْدٌ: حَدَّثَنِي يَعْقُوبُ - وَهُوَ ابْنُ إِبْرَاهِيمَ
ابْنِ سَعْدٍ -، حَدَّثْنَا أَبِيٍ، عَنْ صَالِحٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي
عُرْوَةُ ابْنُ الزُّبَيْرِ: أَنَّ حَكِيمَ بْنَ حِزَامٍ أَخْبَرَهُ: أَنَّهُ قَالَ لِرَسُولِ اللهِ: أَنْ
رَسُولَ اللهِ! أَرَأَيْتَ أُمُوراً كُنْتُ أَنَحَنَّثُ بِهَا فِي الجَاهِلِيَّةِ مِنْ صَدَقَةٍ أَوْ عَنَاقَةٍ
أَوْ صِلَةِ رَحِمٍ، أَفِيهَا أَجْرٌ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِّهِ: ((أَسْلَمْتَ عَلَى مَا أَسْلَفْتَ
مِنْ خَيْرِ)).
٣٤٠ _ (١٢٣ / ١٩٥) - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَعَبْدُ بْنُ
٣٣٩

حُمَيْدٍ، قَالاَ: أَخْبَرَنَاَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ بِهَذَا
الإِسْنَادِ حِ، وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَاَ أَبُو مُعَاوِيَةَ، حَدَّثَنَا
هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِهِ، عَنْ حَكِيمٍ بْنِ حِزَامٍ، قَالَ: قُلْتُ: يَا
رَسُولَ اللهِ! أَشْيَاءَ كُنْتُ أَفْعَلُهَا فِي الجَاهِيَّةِ - قَالَ هِشَامٌ: يَعْنِي: أَتْبَرَّرُ
بِهَا ◌ِ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ: ((أَسْلَمْتَ عَلَى مَا أَسْلَفْتَ لَكَ مِنَ الخَيْرِ)،
قُلْتُ: فَوَاللهِ! لاَ أَدَعُ شَيْئاً صَنَعْتُهُ فِي الجَاهِلِيَّةِ إِلَّ فَعَلْتُ فِي الإِسْلاَمِ
مِثْلَهُ.
٣٤١ - (١٢٣ / ١٩٦) - حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا
عَبْدُ اللهِ بْنُ نُمَيْرٍ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِهِ: أَنَّ حَكِيمَ بْنَ حِزَامِ
أَعْتَقَ فِي الجَاهِلِيَّةِ مِئَةَ رَقَبَةٍ، وَحَمَلَ عَلَى مِثَةٍ بَعِيٍ، ثُمَّ أَعْتَقَ فِي
الإِسْلاَمِ مِئَةَ رَقَبَةٍ، وَحَمَلَ عَلَى مِثَّةٍ بَعِيرٍ، ثُمَّ أَتَى النَّبِيَّ لَهُ، فَذَكَرَ
نَحْوَ حَدِيثِهِمْ.
أخرج فيه حديثَ حكيم بن حزام: أَنَّهُ قَالَ لِرَسُولِ اللهِ وَلّه:
أَرَّأَنْتَ أُمُوراً كُنْتُ أَتَحَنَّثُ بِهَا فِي الجَاهِلِيَّةِ، هَلْ لِي فِيهَا مِنْ شَيْءٍ؟
فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ: ((أَسْلَمْتَ عَلَى مَا أَسْلَفْتَ مِنْ خَيْرِ)).
وفي رواية: ((أَرَأَيْتَ أُمُوراً كُنْتُ أَتَحَنَّثُ بِهَا فِي الجَاهِلِيّةِ مِنْ
صَدَقَةٍ أَوْ عَتَاقَةٍ أَوْ صِلَةٍ رَحِمٍ، أَفِيهَا أَجْرٌ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ:
(أَسْلَمْتَ عَلَى مَا أَسْلَفْتَ مِنْ خَيْرِ».
٣٤٠