Indexed OCR Text

Pages 181-200

أَرَأَيْتَ إِنْ لَقِيتُ رَجُلاً مِنَ الْكُفَّارِ، فَقَاتَلَنِي، فَضَرَبَ إِحْدَى يَدَيَّ
بِالسَّيْفِ، فَقَطَعَهَا، ثُمَّ لاَذَ مِنِّي بِشَجَرَةٍ، فَقَالَ: أَسْلَمْتُ لِلَّهِ، أَفَقْلُهُ
يَا رَسُولَ اللهِ بَعْدَ أَنْ قَالَهَا؟ قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّةِ: ((لاَ تَقْتُلْهُ». قَالَ:
فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ! إِنَّهُ قَدْ قَطَعَ يَدِي، ثُمَّ قَالَ ذَلِكَ بَعْدَ أَنْ قَطَعَهَا،
أَفَأَقْتُلُهُ؟ قَالَ رَسُولُ اللهِّهِ: ((لاَ تَقْتُلْهُ، فَإِنْ قَتَلْتَهُ، فَإِنَّهُ بِمَنْزِلَتِكَ قَبْلَ أَنْ
تَقْتُلَهُ، وَإِنَّكَ بِمَنْزِلَتِهِ قَبْلَ أَنْ يَقُولَ كَلِمَتَهُ الَّتِي قَالَ)).
وفي رواية: «فلما أهويت لأقتله قال لا إله إلا الله)).
وفي رواية: ((أَنَّ المِقْدَادَ بْنَ عَمْرِو بْنِ الأَسْوَدِ الكِنْدِيَّ، وَكَانَ
حَلِيفاً لِبَنِي زُهْرَةَ، وَكَانَ مِمَّنْ شَهِدَ بَدْراً مَعَ رَسُولِ اللهِ وَّ.
وقد أخرجه البخاري، وأبو داود.
إذا عرفت هذا، فالكلام فيه في مواضع:
الأول: في التعريف برواته سوى ما ذكر.
(عبيدالله)، وهو ابن عدي بن الخِيار بن عدي نوفل بن عبد مناف
النوفليُّ، المدنيُّ، الفقيهُ، ولد في حياة النبي - عليه السلام -.
روى عن عمر، وعثمان، وعلي، وجماعة.
وعنه عُروة بن الزبير، وجعفر بن عمرو بن أمية، وآخرون.
وَثَّقَهُ القوم، وأخرج له الشيخان، وأبو داود، والنسائي، وكان
من علماء قريش وأشرافهم.
و(إسحاق)، وهو أبو موسى إسحاق [بن] موسى بن عبدالله بن
موسى الأنصاريُّ الخطميُّ.
١٨١

عن جرير بن عبد الحميد، وابن عيينة، وابن وهب، وجماعة.
وعنه ابنه موسى، وابن خزيمة، وخلق.
وَثَّقَهُ أبو حاتم، وأثنى عليه كثيراً، وأخرج له الستة إلا البخاري
وأبا داود.
توفي سنة أربع وسبعين ومئتين.
والثاني : فيما يتعلق بمعنى الحديث:
ثم الظاهر من الحديث: أن الدخول في الإسلام بأيّ صفة
حصل؛ من اختيار كامل، أو من نوع ضرورة، فإنه يحصل به الخلاصُ
عما يجري على الكفار في الدنيا، ويحكم بإسلامه، ثم النفعُ الأخرويُّ
منوطٌ بالتصديق، وكمالُه به وبالعمل، وإنما أخَّر مسلم - رحمه الله -
هذا الحديثَ وحديثَ أسامة إلى هذا الموضع، ولم يذكر مع
الأحاديث الواردة في أن مجرد التلفظ بالشهادتين حاصنٌ للدم والمال؛
إيماءً إلى أن الغرض: بيانُ أن التلفظ بذلك موجب للخلاص من
عذاب الدنيا، والاعتقادُ به، والموتُ عليه موجبٌ للخلاص من عذاب
الآخرة، وأنه يجب على المؤمن إذا سمع ذلك من شخص، أن يعتبر
إیمانه، ولا يُقدِم علی قتله، وإن صدر منه ۔ قبل تلفظه جواب معه، أو
قطع عضو منه - الباعث على الانتقام، أو الطمع في شيء من أمواله
المطلوب أخذها منه.
وبالجملة: فيه بيان أن ذلك يفيد القائل، ولا يجوز الإقدام على
قتله، فالغرض في ذلك الموضع: بيان أن بترك عمل من الأعمال
١٨٢

يخرج عن الإيمان الكامل، ويستحق المقاتلة معه، وهتك حريمه،
وسبي جواريه، والغرض - هاهنا -: بيان أن تلفظه كلمة الشهادة يدخل
في حكم المؤمنين، ويحرم عليهم تعرضه، فيكون نافعاً له في الدنيا،
وإن مات على ذلك ينفعه في الآخرة - أيضاً -.
قوله: (ثُمَّ لاَذَ مِنِّي)؛ أي: استتر، يقال: لاَذْ يَلُوذُ لِوَاذَاً: إذا
استتر، قال الله تعالى: ﴿يَتَسَلَّلُونَ مِنكُمْ لِوَاذًا﴾ [النور: ٦٣] الآية .
* ومعنى قوله: (أَسْلَمْتُ لِلَّهِ): دخلتُ في دين الإسلام،
وتدینت به .
ثم الظاهر أن المراد في الحديث: في دين الإسلام بتلفظ
الشهادة، كما جاء مصرّحاً في رواية معمر: (فَلَمَّا أَهْوَيْتُ لأَقْتُلَهُ، قَالَ:
لاَ إِلَهَ إِلَّ الله).
وربما يستدل بظاهر قوله: (أَسْلَمْتُ لِلَّهِ): أن كل من صدر عنه
أمر يدل على الدخول في دين الإسلام من قول أو فعل، حكم له بذلك
الإسلام، وأن ذلك ليس بمقصور على النطق بكلمة الشهادة، ويؤيده:
حكاية خالد مع بني خزيمة، وقول النبي - عليه السلام -: ((اللَّهُمَّ إِنِّي
أَبْرَأُ إِلَيْكَ مِمَّ صَنَعَ خَالِدٌ)) الحديث - على ما سيجيء-، وقد عرفت في
أوّل (كتاب الإيمان) مذهبَ القوم في حقيقته، وأن الشرط ما هو،
فتدبر .
فإن قلت: حديثُ جرير بن عبدالله البجلي، قَالَ: بَعَثَ
رَسُولُ اللهِوَهِ سَرِيَّةً إِلَى خَثْعَمٍ، فَاعْتَصَمَ نَاسٌ مِنْهُمْ بِالسُّجُودِ، فَأَسْرَعَ
١٨٣

فِيْهِمِ القَتْلَ، فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ ◌َ، فَأَمَرَ لَهُمْ بنصْفِ العَقْلِ، وَقَالَ:
(إِنِي بَرِيءٌ مِنْ كُلِّ مُسْلِمٍ يُقِيمُ بَيْنَ ظَهْرَانَيِ المُشْرِكِينَ))، قَالُوا: يَا رَسُولَ
اللهِ! وَلِمَ؟ قَالَ: ((لا تَرَاءَى نارَاهُمَا)) على ما أخرج أبو داود، وغيره =
يدل على أن الفعل الدال على الإيمان لا يحكم بإيمان من صدر عنه
ذلك.
قلت: هذا لا يدل على ذلك، غاية الأمر: أن الهجرة إلى النبي وَلـ
واجبة في ذلك الزمان، فالتارُ لها تاركٌ لما يكمِّلُ إيمانَهَ مع القدرة على
التکمیل، کیف وقد أمر النبي۔۔ علیه السلام - بنصف العقل، وذلك يدل
على أنه حصل لهم الإيمانُ الكاملُ.
وقد يستدل من سؤال المقداد: عدمُ الكراهية من السؤال عن
الأحكام والنوازل قبل الوقوع، وهذا ليس على عمومه، فإن السؤال
عن مسألة يكثر وقوعها(١)، أو يترقب السائل عروضها، فسؤاله عن
ذلك قبل الوقوع مستحسن، ولهذا دَوَّن المجتهدون المسائل الكثيرة
قبل وقوعها؛ علماً منهم بأنها مما يقع كثيراً، ويحتاج الناس إلى
معرفتها .
وأمّا السؤال عن مسألة لا تقع إلا نادراً، وليس مما يغلب على
ظن السائل وقوعُها له، فسؤاله مكروه؛ لأن فيه شائبةَ الامتحان
والتعنت.
(١) في الأصل: ((وقوعه)).
١٨٤

وأما تدوين تلك المسألة، فغير مكروه؛ لأنها ربما تقع في وقت
من الأوقات، وليس فيه الشائبة التي في السؤال.
والثالث: في قوله: ((فَإِنْ قَلْتَهُ، فَإِنَّهُ بِمَنْزِلَئِكَ قَبْلَ أَنْ تَقْتُلَهُ،
وَإِنَّكَ بِمَنْزِلَتِهِ قَبْلَ أَنْ يَقُولَ كَلِمَتَهُ الَّتِي قَالَ)) .
قيل: معناه: أنه يصير معصومَ الدم بسبب التلفظ بهذه الكلمة؛
كما كنتَ كذلك قبل إقدامك على قتله، وأنت بعدُ صرتَ غيرَ معصوم
الدم؛ لوجوب القصاص عليك؛ كما كان هو قبل التلفظ بها غيرَ
معصوم؛ لكفره.
وقيل: إنك مثله في مخالفة الحق، وارتكاب الإثم، وإن اختلف
أنواع المخالفة والإثم؛ بأن يكون إثمه كفراً، وإثمك فسقاً.
وقيل: إنه بمنزلته في إخفاء الإيمان، وإلى فعله ممن كان يخفي
إيمانه بين الكفار، فأخرج مكرهاً كما كنت أنت بمكة، إذ تخفي
إيمانك، ويؤيد ذلك: ما جاء في ((البخاري)) في هذا الحديث من
حديث ابن عباس: أنه - عليه السلام - قال للمقداد: ((إِذَا كَانَ رَجُلٌ
مُؤْمِنٌ يُخْفِي إِيمَانَهُ مَعَ قَوْمٍ كُفَّارٍ، فَأَظْهَرَ إِيمَانَهُ، فَقَتَلْنَهُ، فَكَذَلِكَ كُنْتَ
أَنْتَ تُخْفِي إِيمَانَكَ بِمَكَّةً مِنْ قَبْلُ».
ويحتمل أن يراد بالمنزلة: الموضع في الآخرة؛ لأن عذاب قاتل
النفس المحرمةِ النارُ - على ما وردت به النصوص -، وإن كان ذلك
يتفاوت في الدوام والانقطاع، لكن الغرض - هاهنا - الاستحقاق،
والغرض تعظيم شأن قتل المتلفظ بالإيمان بأيّ وجه كان، وأن
١٨٥

الواجب على المؤمن إذا رأى من يدخل في الإيمان: أن يعظمه،
ويحترمه، ولا يفعل ما يقتضي هتك حرمته، خصوصاً القتل الذي هو
أشد الأنواع، ويعضده: حديث أسامة - على ما سيجيء -، وحديث
حارثة بن مُضَرِّس عن فُرات بن حيان: أَنَّ رَسُولَ اللهِلَّهِ أَمَرَ بِقَتْلِهِ،
وَكَانَ عَيْناً لأَبِي سُفْيَانَ، فَمَرَّ بِمَجْلِسٍ مِنَ الأَنْصَارِ، فَقَالَ: إِنِّي مُسْلِمٌ،
فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ ◌َهَ، فَقَالَ: ((إِنَّا نَكِلُ نَاساً إِلَى إِيمَانِهِمْ، مِنْهُمْ فُرَاتُ
ابْنُ حَیَّانَ))، أخرجه أبو داود.
والرابع: في جمع الروايات:
* قوله: (ثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مُوسَى الأَنْصَارِيُّ، حَدَّثَنَا الوَلِيدُ بْنُ
مُسْلِمٍ، عَنِ الأَوْزَاعِيِّ) هكذا، وقع هذا الإسناد في رواية الجُلُودِيّ
محولاً بعد رواية معمر، ثم بعد هذا التحويل تحويلٌ آخرُ لرواية ابن
جريج، ثم تجتمع الروايات الثلاث التي هي: رواية معمر،
والأوزاعي، وابن جريج، عن عطاء بن يزيد، عن عبيدالله بن عدي
ابن الخيار، عن المقداد، كما كانت رواته أولاً، فقال أبو مسعود
الدمشقي: هذا هو الصّواب؛ لأن رواية الوليد بهذا الإسناد عن عطاء
ابن یزید غیر معروفة .
وقال الدارقطني: إن الأوزاعي يرويه عن إبراهيم بن مرة، وقد
اختلفت الرواية عليه، فروى أبو إسحاق الفزاري، ومحمد بن شعيب،
ومحمد بن حمير، والوليد بن يزيد، عن إبراهيم بن مرة، عن الزهري،
عن عبيدالله بن الخيار، عن المقداد، بدون ذكر عطاء في البَين.
١٨٦

وروى عيسى بن مساور، عن الوليد، عن الأوزاعي، عن
الزهري، عن حميد بن عبد الرحمن، عن عبيدالله بن الخيار، عن
المقداد، بدون ذکر إبراهيم بن مرة، وفیه (حمید بن عبد الرحمن) بدل
(عطاء بن یزید).
وروى الفريابي عن الأوزاعي، عن إبراهيم بن مرة، عن الزهري،
مرسلاً عن المقداد، بدون ذكر (عبيدالله بن الخيار) وغيره في البين.
فلأجل هذه الاختلافات ذهب القوم إلى أن رواية ابن ماهان التي
و
ليس فيها رواية الأوزاعي أصح من رواية الجُلُودِيّ التي فيها، ووجَّهها
البعض بأنها واقعة في المتابعة، ولا يضرها الاستدراك الذي ذكره
الدار قطني؛ لأنه في المتابعة، والحديث صحيح برواية لیث، ومعمر،
وابن جريج، ویونس، وغيرهم.
. قوله: (أَمَّا الأَوْزَاعِيُّ، وَابْنُ جُرَيْجٍ، فَفِي حَدِيثِهِمَا: قَالَ:
أَسْلَمْتُ) قيل: التقدير: أمّا الأوزاعي في حديثه (قَالَ: أَسْلَمْتُ لِلَّهِ)
كما قال اللیث في حديثه، وابن جريج - أيضاً - قال كذلك، يجمعها
اختصاراً، وحذف الفاء في جواب (أما) لتقدير الظرف، وهو في
حديثهما، وقيل: الفاء مع القول محذوف، والتقدير: وأمّا الأوزاعي
وابن جريج، (فَقَالاَ فِي حَدِيثِهِمَا كذا) كما قال الليث.
وفي بعض الأصول غير ((مسلم)): (فَفِي حَدِيثِهِمَا) الأصل في
الاستعمال، والحذف مع القول - أيضاً - مستعمل؛ كما في قوله
تعالى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ أَسْوَذَتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ ﴾ [آل عمران: ١٠٦]، ﴿وَأَمَّا
١٨٧

الَّذِينَ كَفَرُوْ أَفَلَمْ تَكُنْ ءَايَتِى تُتْلَى عَلَيْكُمْ﴾ .
والخامس: في نسب المقداد:
* قوله: (وَكَانَ حَلِيفاً لِبَنِي زُهْرَةَ) قد اختلف القوم في نسبة
المقداد، فقيل: بَهْرَاني - بفتح الباء الموحدة وسكون الهاء وفتح الراء
المهملة -، وقيل: زهري وقيل: كِنْدي، وكذا في انتظام اسمه مع اسم
أبيه، فقيل: المقداد بن عمرو.
وقيل: المقداد بن الأسود.
وقيل: المقداد بن عمرو بن الأسود.
والصحيح: أنه المقداد بن عمرو بن ثعلبة بن مالك بن ربيعة بن
يمامة بن مطرود بن عمرو بن سعد بن دُهِیر - بضم الدال المهملة وكسر
الهاء - بن لؤي بن ثعلبة بن مالك بن الشَّريد بن هند بن أبي أهون بن
قاس بن دريم بن القين بن أهود بن بهراء، البهرانيُّ، وإنما قيل له:
الزهريُّ؛ لأنه كان في حِجْر الأسود بن عبد يغوث بن وهب بن عبد
مناف بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب الزهري، فتبنّاه،
ولذلك قيل له: ابن الأسود.
وقيل: كان عبداً له. وقيل له: الكندي؛ لأن أباه حالف كندة.
وقيل: المقداد أصاب دماً في بهراء، فهرب منهم إلى كندة،
فحالفهم، فهو بهراني بالأصل، وزهري بالتربية، أو الحلف أو بهما،
وکندي بحِلْفِهِ، أو بِحِلْفٍ أبيه.
وما قيل: المقداد بن عمرو ابن الأسود، فالصواب أن یکتب ابن
١٨٨

الأسود بالألف، ويقرأ بالنصب، وعمرو بالجرّ، والتقدير: والمقداد
ابن عمرو؛ أعني: ابنَ الأسود، ولو قرئ الابن بالجرّ، لصار الأسودُ
جدَّ المقداد، وهو غلط.
ونظير هذا الانتظام عبدالله بن عمرو ابن أم مكتوم، وعبدالله بن
عبدالله [بن أبي ابن سلول، وعبدالله] بن مالك ابن بُحينة، ومحمد ابن
علي ابن الحنفية، وإسماعيل بن إبراهيم ابن عُلية، وإسحاق بن
إبراهيم ابن راهويه، ومحمد بن يزيد ابن ماجه، وغير ذلك، فإن ابن
أم مكتوم، وسلول، وبُحينة، والحنفية، وعُلية: أمهات العبادلة
المذكورة ومحمد وإسماعيل. وراهويه وماجه: لقبان لإبراهيم ويزيد
أبوا(١) إسحاق ومحمد.
والغرض من هذا الطريق في الانتظام: التكميل في التعريف؛
فإن المقداد - مثلاً - إذا رآه شخص في موضع: المقداد بن عمرو،
وفي آخر: المقداد ابن الأسود، لربما ظن أنهما شخصان، فرفع ذلك،
فهذا الطريق وكذا نظائره، ولكن لابد من التنبيه؛ لئلا يؤدي إلى الإبهام
الذي هو خلاف المقصود من الانتظام.
والمقداد قديم الإسلام والصحبة .
عن ابن مسعود: أنّ أوّل من أظهر الإسلام بمكة سبعة؛ منهم:
المقداد، وهاجر إلى الحبشة، ثم عاد إلى مكة، ثم هاجر إلى المدينة،
(١) في الأصل: ((أبا)).
١٨٩

وشهد مع النبي ټ بدراً وسائر المشاهد، وهو الفارس يوم بدر، ليس
لأحدٍ سواه فرس، وقيل: كان الزبير أيضاً فارساً ذلك اليوم.
وفي (صحيح البخاري)) عن ابن مسعود: أن المقداد قال يوم
بدر للرسول - عليه السلام -: ((يَا رَسُولَ اللهِ! إِنَّا لاَ نَقُولُ لَكَ كَمَا قَالَتْ
بَنُو إِسْرَائِيلَ لِمُوسَى: ﴿فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَتِلَا إِنَّا هَهُنَا
فَعِدُونَ﴾ [المائدة: ٢٤]، وَلَكِنِ امْضٍ، وَنَحْنُ مَعَكَ. فَكَأَنَّهُ سُرِّي عَنْ
رَسُولِ اللهِ وَلِ﴾(١)).
وفي ((الترمذي)) عن بريدة، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((إِنَّ اللهَ وَّ
أَمَرَنِي بِحُبِّ أَرْبَعَةٍ، وَأَخْبَرَنِي أَنَُّ يُحِبُّهُمْ)). قِيلَ: يَا رَسُولَ اللهِ! سَمِّهِمْ لَنَا،
قَالَ: ((عَلِيٍّ مِنْهُمْ)) - يَقُولُ ذَلِكَ ثَلاَثً-، ((وَأَبُو ذَرٍّ، وَالِمِقْدَادُ، وَسَلْمَانُ)).
ومناقب المقداد كثيرة، روى عنه من الصحابة علي بن أبي طالب ذاته،
وابن مسعود، وابن عباس، والسائب بن يزيد، وسعيد بن العاص،
والمسور بن شداد، وطارق بن شهاب، وخلائق من التابعين.
روي له عن رسول الله وَ ل﴿ اثنان وأربعون حديثاً، اتفق البخاري
ومسلم على واحد، وانفرد مسلم بثلاثة، وأخرج له الأربعة.
توفي سنة ثلاث وثلاثين، وله سبعون سنة، على أميال من
المدينة، وحمل فدفن بها، وصلى عليه عثمان.
(١) في الأصل: ((فسر النبي - عليه السلام - بذلك وتوجه)).
١٩٠

٢٨٧ _ (٩٦ / ١٥٨) - حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْئَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو
خَالِدِ الأَحْمَرُحِ، وَحَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ أَبِي
مُعَاوِيَةَ كِلاَهُمَا، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ أَبِ ظِيْيَانَ، عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ،
وَهَذَا حَدِيثُ ابْنٍ أَبِي شَيْئَةَ، قَالَ: بَعَثََّا رَسُولُ اللهِ عَهْ فِي سَرِيَّةٍ، فَصَبَّحْنَا
الحُرَقَاتِ مِنْ جُهَيْئَةَ، فَأَدْرَكْتُ رَجُلاً، فَقَالَ: لاَ إِلَهَ إِلَّ اللهُ. فَطَعَتُّهُ، فَوَقَعَ
فِي نَفْسِي مِنْ ذَلِكَ، فَذَكَرَّتُهُ لِلنَّبِيِّ وَِّ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِوَِّ: ((أَقَالَ: لاَ
إِلَهَ إِلاَّ اللهُ، وَقَتَلْتَهُ؟!)). قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ! إِنَّمَا قَالَهَا خَوْفاً مِنَ
السَّلاَحِ. قَالَ: ((أَفَلاَ شَقَقْتَ عَنْ قَلْبِهِ حَتَّى تَعْلَمَ أَقَالَهَا أَمْ لاَ؟)). فَمَا زَالَ
يُكَرِّرُهَا عَلَيَّ حَتَّى تَمَنَّيْتُ أَنِّي أَسْلَمْتُ بَوْمَئِذٍ. قَالَ: فَقَالَ سَعْدٌ: وَأَنَ
وَاللهِ! لاَ أَقْتُلُ مُسْلِماً حَتَّى يَقْتُلَهُ ذُو الْبُطَيْنِ، يَعْنِي: أُسَامَةَ. قَالَ: قَالَ
رَجُلٌ: أَلَمْ يَقُلِ اللهُ: ﴿وَقَائِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِينُ
كُلُّهُ لِلَّهِ﴾ [الأنفال: ٣٩]؟ فَقَالَ سَعْدٌ: قَدْ قَاتَلْنَا حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ،
وَأَنْتَ وَأَصْحَابُكَ تُرِيدُونَ أَنْ تُقَاتِلُوا حَتَّى تَكُونَ فِتْنَةٌ.
٢٨٨ - (٩٦ / ١٥٩) - حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ الدَّوْرَقِيُّ، حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ،
أَخْبَرَنَا حُصَيْنٌ، حَدَّثَنَا أَبُو ◌ِيَانَ، قَالَ: سَمِعْتُ أُسَامَةَ بْنَ زَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ
يُحَدِّثُ، قَالَ: بَعَثَنَا رَسُولُ اللهِ وَّهِ إِلَى الحُرَقَةِ مِنْ جُهَيْنَةَ، فَصَبَّحْنَا
القَوْمَ، فَهَزَمْنَاهُمْ، وَلَحِقْتُ أَنَا وَرَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ رَجُلاً مِنْهُمْ، فَلَمَّا
غَشِيْنَهُ، قَالَ: لاَ إِلَهَ إِلَّ اللهُ، فَكَفَّ عَنْهُ الأَنْصَارِيُّ، وَطَعَتُهُ بِرُمِْي حَتَّى
قَلْتُهُ. قَالَ: فَلَمَّا قَدِمْنَا، بَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ لَهُ، فَقَالَ لِي: ((يَا أُسَامَةُ!
١٩١

أَقَتَلْتَهُ بَعْدَ مَا قَالَ: لاَ إِلَهَ إِلَّ الله؟!)). قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ! إِنَّمَا كَانَ
مُتَعَوِّذاً. قَالَ: فَقَالَ: ((أَقَتَلْتَهُ بَعْدَ مَا قَالَ: لاَ إِلَهَ إِلَّ اللهُ؟!)). قَالَ: فَمَا
زَالَ يُكَرِّرُهَا عَلَيَّ حَتَّى تَمَنَّيْتُ أَنِّي لَمْ أَكُنْ أَسْلَمْتُ قَبْلَ ذَلِكَ الْيَوْمِ.
الحديث الثاني: حديث أسامة بن زيد، قَالَ: بَعَثَنَا رَسُولُ اللهِ وَه
فِي سَرِيَّةٍ، فَصَبَّحْنَا الحُرَقَاتِ مِنْ جُهَيْنَةَ، فَأَدْرَكْتُ رَجُلاً، فَقَالَ: لاَ إِلَهَ
إِلَّ اللهُ، فَطَعَنْتُّهُ، فَوَقَعَ فِي نَفْسِي مِنْ ذَلِكَ، فَذَكَرَّتُهُ لِلنَّبِيِّ ◌َِّ، فَقَالَ
رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((أَقَالَ: لاَ إِلَهَ إِلَّ اللهُ، وَقَتَلْتَهُ؟!)). قَالَ: قُلْتُ:
يَا رَسُولَ اللهِ! إِنَّمَا قَالَهَا خَوْفاً مِنَ السِّلاَحِ، قَالَ: ((أَفَلاَ شَقَقْتَ عَنْ قَلْبِهِ
حَتَّى تَعْلَمَ أَقَالَهَا أَمْ لاَ؟)). فَمَا زَالَ يُكَرِّرُهَا عَلَيَّ حَتَّى تَمَنَّيْتُ أَنِّي
أَسْلَمْتُ يَوْمَئِذٍ. قَالَ: فَقَالَ سَعْدٌ: وَأَنَا وَاللهِ! لاَ أَقْتُلُ مُسْلِماً حَتَّى يَقْتُلَهُ
ذُو الْبُطَيْنِ. يَعْنِي: أُسَامَةَ. قَالَ: قَالَ رَجُلٌ: أَلَمْ يَقُلِ اللهُ: ﴿ وَقَائِلُوهُمْ
حَتَّ لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ﴾ [الأنفال: ٣٩]؟ فَقَالَ
سَعْدٌ: قَدْ قَاتَلْنَا حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ، وَأَنْتَ وَأَصْحَابُكَ تُرِيدُونَ أَنْ
تُقَاتِلُوا حَتَّى تَكُونَ فِتْنَةٌ.
وفي رواية: قَالَ: بَعَثَنَا رَسُولُ اللهِ لَهُ إِلَى الحُرَقَةٍ مِنْ جُهَيْنَةَ،
فَصَبَّحْنَاَ القَوْمَ، فَهَزَمْنَاهُمْ، وَلَحِقْتُ أَنَا وَرَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ رَجُلاً مِنْهُمْ،
فَلَمَّا غَشَيْنَاهُ، قَالَ: لاَ إِلَهَ إِلَّ اللهُ، فَكَفَّ عَنْهُ الأَنْصَارِيُّ، وَطَعَتُهُ
بِرُمْحِي حَتَّى قَتَلْتُهُ. قَالَ: فَلَمَّا قَدِمْنَا، بَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ ◌َ، فَقَالَ لِي:
(يَا أُسَامَةُ! أَقَتَلْتَهُ بَعْدَ مَا قَالَ: لَ إِلَهَ إِلَّ اللهُ؟!)). قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ
١٩٢

اللهِ! إِنَّمَا كَانَ مُتَعَوِّذاً. قَالَ: فَقَالَ: ((أَقَتَلْتَهُ بَعْدَ مَا قَالَ: لاَ إِلَهَ إِلاَّ
اللهُ؟!)). قَالَ: فَمَا زَالَ يُكَرِّرُهَا عَلَيَّ حَتَّى تَمَنَّيْتُ أَنِّي لَمْ أَكُنْ أَسْلَمْتُ
قَبْلَ ذَلِكَ اليَوْمِ. وأخرجه البخاري في (المغازي)، وأبو داود في
(الجهاد)، والنسائي في (السير).
إذا عرفت هذا، فالكلام عليه في مواضع :
الأول: في التعريف برواته [سوی] ما سلف.
(أبو ظبيان)، وهو حصين بن جندب الكوفي.
عن حذيفة، وسلمان، وعلي، وجماعة.
:
وعنه ابنه قابوس، وحصين بن عبد الرحمن، وآخرون.
[قال عباس الدُّوري: سألت يحيى](١) ابن معين عن حديث
الأعمش عن أبي ظبيان، قال لي عمر: يا أبا ظبيان! اتخذ مالاً، فقال
یحیی: ليس هذا الذي يروي عن علي، ذاك أبو ظبيان آخر.
الثاني: في الألفاظ:
فقوله: (فَصَبَّحْنَا الحُرَقَاتِ) - بضم الحاء المهملة وفتح الراء
المهملة ثم القاف ــ: بطن من جُهَيْنَةَ، وقيل: الحُرَقَةُ - أيضاً -، على
ما في الرواية الثانية .
قوله: (فَطَعَنْتُّهُ، فَوَقَعَ فِي نَفْسِي مِنْ ذَلِكَ، فَذَكَرْتُهُ لِلنَّبِيِّ
(١) ما بين معكوفتين من ((تهذيب الكمال)) للمزي (٦ / ٥١٦). وجاء في
الأصل بدلها: ((وثقة ابن معين)) .
١٩٣

- عليه السلام -) ظاهر هذا الكلام يدل على أنه وقع في قلب أسامة من
قتل ذلك القائل بالشهادة شيء، فلما رجع من الغزو، ذكر ذلك للنبي
- عليه السلام -، وظاهر الرواية الثانية: أن الخبر بلغ إلى رسول الله
- عليه السلام - من غيره على ما صرح به في الرواية الثالثة؛ من أنّ
البشير أخبره بذلك.
ووجه الجمع بين الروايات: أنه وقع في قلبه شيءٌ من ذلك
القتل، وعزم على(١) أن يقول للنبي - عليه السلام - إذا رجع، فلما
رجع، وعلم أنه قد بلغ النبي - عليه السلام -، وأخبره البشير، سكت
عن التكلم به حتى سأله النبي - عليه السلام -.
ويحتمل: أنه لما رجع إلى النبي - عليه السلام -، ذكر وقوع
شيء في قلبه من ذلك القتل، ولكن لما كان الغرض بيان ذلك القتل،
وأنه ما وقع موقعه، اشتغل بذكر ذلك، لا بذكر ما وقع في قلبه؛ لأن
ذلك إنما يفيد إذا أثَّر في الارتداع عن القتل، وعدم الإقدام عليه.
الثالث: فيما يتعلق بالمعنی :
، قوله: ((أَفَلاَ شَقَقْتَ عَنْ قَلْبِهِ حَتَّى تَعْلَمَ أَقَالَهَا أَمْ لاَ؟)) فيه:
بيان أن الواجب قبول الظاهر؛ لأنا مأمورون بذلك، والله تعالى متولي
السرائر، والمراد: الإنكار لما قاله؛ لأنه بنى الأمر على التخمين،
وسفكَ الدمَ الذي لا يجوز سفكه؛ إذ الواجب قبولُ ذلك منه؛ فإن
(١) في الأصل: ((وعدم الإقدام على)).
١٩٤

مبنى الشرع على الظاهر، وليس على أحد أن يفحص بأن هذا القول
من صميم القلب، أو بظاهر الحال، وقد وقع التكلم بالإيمان للجماعة
في أوّل الأمر، فوجب عليهم قبولُه من مثلهم، قال الله تعالى:
﴿كَذَلِكَ كُنتُم مِّن قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَنُواْ﴾ [النساء: ٩٤]
الآية، يعني: أن ظهور الإيمان يكون بأفعالكم، ولا يقول أحد لكم
بأنه من صميم القلب أو لا، كذلك الواجب عليكم قبولُ ما قبل الناسُ
منکم.
وقيل: معناه: كذلك كنتم من قبل حصول الإيمان الظاهري
لكم، ثم بعد مدة حصل اليقين الكامل، فصدور الإيمان على سبيل
التدريج، وحصول كماله بعد التفكر والرويّة = لا يلزم عدم قبول
ظاهره أوّلاً، بل الواجب القبول.
وأما عدم إيجاب النبي - عليه السلام - القِصاصَ على أسامة؛
لأن فيه شبهة؛ لأنه ظنه كافراً، أو ظن أن إظهار كلمة التوحيد في هذا
الحال لا يفيده.
وأما عدم إيجاب الدِّية، فقيل: لا يجب قطعاً، وقيل: يجب،
ولكن ما أوجبَ عليه؛ لأنه كان معسراً في ذلك الزمان، فأخَّر إلى
يَسَاره .
وأمّا عدم إيجاب الكفّارة، فقيل: لا تجب عليه؛ لأنه مأذون في
أصل القتال، فلا يضمن ما يكون عنه من إتلاف نفس أو مال؛ كالحاقن
والطبيب .
١٩٥

وقيل: تجب، لكن على التراخي، فأخر البيان إلى وقت الحاجة،
وذلك جائز؛ لِمَا عرفت.
ويجوز أن يكون وجوب الدِّية والكفَّارة بعد ذلك، ولا يكون في
ذلك الزمان في مثل هذا القتل شيء؛ لأنه زمان بدُوِّ الإسلام، وغاية
الاحتياج إلى المحاربة، وتحريض المؤمنين على ذلك، أو يكون
للاجتهاد مشاع في ذلك، وتسقط به الدِّية والكفَّارة جميعاً، ويدل
عليه: جواب سعد بن أبي وقاص للقائل: أَلَمْ يَقُلِ اللهُ تَعَالَى:
: وَقَائِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ﴾ [الأنفال:
٣٩]؟ وعلى هذا يحمل قتلُ خالدِ بنِ الوليد مالكَ [بنَ] نويرة في زمن
أبي بكر - على ما سيجيء ..
وقيل: إنما لم يلزمه ذلك؛ لأن المقتول كان من العدو، ولم
یکن له وليّ من المسلمین یستحق دیته، فلا تجب فيه دیة؛ كما قال الله
تعالى: ﴿فَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ عَدُوِّ لَّكُمْ﴾ [النساء: ٩٢] الآية؛ حيث لم
يحكم فيه سوى الكفَّارة، وهذا إنما يتمشى على مذهب ابن عباس
وجماعة من أهل العلم في تفسير الآية.
وقيل: الآية فيمن كان أولياؤه معاندین.
وعن مالك: أنها فيمن لم يهاجر من المؤمنين؛ كقوله تعالى:
﴿ وَلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَلَمْ يُهَاجِرُواْ﴾ [الأنفال: ٧٢] الآية.
وقيل: إن أسامة اعترف بالقتل، ولم تقم بذلك بيّنة، ولا تَعقل
العاقلةُ عمداً، ولا صلحاً، ولا اعترافاً، ولم يكن لأسامةَ مال لتكون
فيه الدِّیة.
١٩٦

وكل هذه الوجوه لا تخلو عن ورود الاعتراض عليها، وأسلمُها ما
ذكرنا، مع عدم وجوب ذلك في ذلك الزمان، والله أعلم.
وبالجملة: الغرض في هذا الموضع بيان إقدام أسامة على أمر
عظيم، وأنه ينبغي للمؤمن إذا سمع من شخص كلمة الشهادة، أن
يحترز عن تعرّضه، وإن كان ذلك لخوف، أو طمع، أو غيرهما،
ولذلك بالغ في ذلك.
والظاهر: أن القضية واحدة، ولكن تتعدد المجالس في ذكرها،
وأن النبي - عليه السلام - ما ترك ذكرها، وأنه كان يكررها في
مجالس؛ لينتشر هذا الأمر، وأنَّ حالَ حِبّ النبي - عليه السلام - وابن
حِبِّهِ إذا كان كذلك، فكيف له حال غيره؟ ولذلك اختلفت عبارات
الرواة في هذه القضية.
فقال في الرواية الأولى: ((أَفَلاَ شَقَفْتَ عَنْ قَلْبِهِ؟)).
وفي الثانية: ((أَقَتَلْتَهُ بَعْدَ مَا قَالَ: لاَّ إِلَهَ إِلَّ اللهُ؟!)).
وفي الثالثة: ((فَكَيِّفَ تَصْنَعُ بِلاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ إِذَا جَاءَتْ يَوْمَ القِيَامَةِ؟!).
وكذا سائر التفاوت في الروايات من قول أسامة: ((تَمَنَّيْتُ أَنِّي
أَسْلَمْتُ يَوْمَئِذٍ))، أو ((لَمْ أَكُنْ أَسْلَمْتُ قَبْلَ ذَلِكَ الْيَوْمِ)).
وإنما قال ذلك؛ لأنه لمَّا بالغ النبي - عليه السلام - في ذلك
الأمر، وعلم أسامة خطأه وإقدامَهُ على أمر عظيم، تمنى أن يكون ذلك
في حال کفره؛ لیکون الإسلام هادماً له.
١٩٧

والغرض - أيضاً -: بيان شدة تأثير قول الرسول - عليه السلام -
فيه، وبيان مبالغته فيه، وأنه أمر عظيم ينبغي أن يحترز عن مثله من
سمعه، ولهذا [أقسم] أسامة على أن لا يقاتل مسلماً، وقعد عن نصرة
علي نظره، ولذلك قعد سعد بن أبي وقاص، وسيجيء طرف من ذلك
في الکتاب - إن شاء الله تعالى -.
والرابع: في معنى قوله: (فَقَالَ سَعْدٌ) ظاهر هذا الكلام: أن هذا
غير متعلق بهذه القصة، وإنما وقع ذلك جواباً لقول قائل يقول لسعد
ابن أبي وقاص في أيام الفتنة الواقعة بين الصحابة: لمَ لمْ يقاتل؟ وقد
اعتزل عن الفتنة، فأجابه سعد بذلك.
والمعنى: أن أسامة لمَّا سمع من النبي ◌َّ ما سمع من التشديد
في قتل مَنْ تلفظ بالإسلام، انعزل عن قتال المسلمين، وجانبَ الفتنةَ،
ولا يقاتل، ولا يقتل أحداً، فأنا - أيضاً - كذلك لاَ أَقْتُلُ مُسْلِماً حَتَّى
يَقْتُلَهُ ذُو الْبُطَيْنِ - يَعْنِي: أُسَامَةَ - فقال الرجل المحرِّض لسعد على
القتال: ألم يقل الله: ﴿وَقَائِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ [البقرة: ١٩٣]؟ فأجابه
سعد بما مر، وإنما ذَكَر سعدٌ أسامةَ لأمرين :
أحدهما: أن القصة وقعت له، وهو قتلُه المتلفّظَ بالشهادة،
وسمع من النبي - عليه السلام - ما سمع.
والثاني: أن سماعه ذلك صار سبب العزلة من الفتنة، وقد انعزل
عنها سعد - أيضاً -.
والرجل القائل لسعد، قيل: هو نافع بن الأزرق، ويؤيده: حديث
١٩٨

عمران بن الحصين، قال: أَتَى نَفِعُ بْنُ الأَزْرَقِ وَأَصْحَابُهُ، فَقَالُوا:
هَلَكْتَ يَا عِمْرَانُ، قَالَ: مَا هَلَكْتُ، قَالُوا: بَلَى، قَالَ: مَا الَّذِي
أَهْلَكَنِي؟ قَالُوا: قَالَ اللهُ عَّ: ﴿وَقَائِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ
وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ﴾ [الأنفال: ٣٩]. قَالَ عمرانُ: قَاتَلْنَاهُمْ حَتَّى
نَفَيْنَاهُمْ، فَكَانَ(١) الدِّينُ كُّهُ لِلَّهِ، إِنْ شِئْتُمْ حَدَّثْتُكُمْ حَدِيثاً سَمِعْتُهُ مِنْ
رَسُولِ اللهِ وَلِّ، قَالُوا: وَأَنْتَ سَمِعْتَهُ مِنْ رَسُولِ اللهِ نَّهِ؟ قَالَ: نَعَمْ،
شَهِدْتُ رَسُولَ اللهِ وَّهِ وَقَدْ بَعَثَ جَيْشاً مِنَ المُسْلِمِينَ إِلَى المُشْرِكِينَ،
فَلَمَّا لَّقُوهُمْ، قَاتِلُوهُمْ قِتَلاَ شَدِيداً، فَمَنَخُوهُمْ أَكْتَافَهُمْ، فَحَمَلَ رَجُلٌ مِنْ
لُحْمَتِي عَلَى رَجُلٍ مِنَ المُشْرِكِينَ بِالرُّمْحِ، فَلَّا غَشِيَهُ، قَالَ: أَشْهَدُ أَنْ
لاَ إِلَهَ إِلَّ اللهُ، إِنِّي مُسْلِمٌ، فَطَعَنَهُ فَقَتَلَهُ، فَأَتَى رَسُولَ اللهِ، فَقَالَ:
يَا رَسُولَ اللهِ! هَلَكْتُ، قَالَ: ((وَمَا الَّذِيِ صَنَعْتَ؟)) مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ، فَأَخْبَرَهُ
بِالَّذِي صَنَعَ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((فَهَلاَّ شَقَقْتَ عَنْ بَطْنِهِ فَعَلِمْتَ مَا
فِي قَلْبِهِ؟!)). فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ! لَوْ شَقَقْتُ بَطْنَهُ أَكُنْتُ أَعْلَمُ مَا فِي
قَلْبِهِ؟ قَالَ: ((فَلاَ أَنْتَ قَبِلْتَ مَا تَكَلَّمَ بِهِ، وَلاَ أَنْتَ تَعْلَمُ مَا فِي قَلْبِهِ)»،
قَالَ: فَسَكَتَ عَنْهُ رَسُولُ اللهِ وَّهِ، فَلَمْ يَلْبَثْ إِلاَّ يَسِيراً حَتَّى مَاتَ،
فَدَفَنَّاهُ، فَأَصْبَحَ عَلَى ظَهْرِ الأَرْضِ، فَقَالُوا: لَعَلَّ عَدُوّاً نَبَشَهُ، فَدَفَّهُ، ثُمَّ
أَمَرْنَا غِلْمَانَنَا يَحْرُسُونَهُ، فَأَصْبَحَ عَلَى ظَهْرِ الأَرْضِ، فَقُلْنَا: لَعَلَّ الِغِلْمَانَ
نَعَسُوا، فَدَقَنَّاهُ، ثُمَّ حَرَسْنَاهُ بِأَنْفُسِنَا فَأَصْبَحَ عَلَى ظَهْرِ الأَرْضِ، فَأَلْقَيْنَاهُ
فِى بَعْضٍ تِلْكَ الشِّعَابِ.
(١) في الأصل: ((ويكون)).
١٩٩

وفي رواية بزيادة: فَأُخْبِرَ النَّبِيُّ ◌َهِ، فَقَالَ: ((إِنَّ الأَرْضَ لَتَقْبَلُ
مَنْ هُوَ أَشَرُّ مِنْهُ، وَلَكِنَّ اللهَ أَحَبَّ أَنْ يُرِيَّكُمْ تَعْظِيمَ حُرْمَةٍ لاَ إِلَهَ إِلاَّ
الله))، أخرجه ابن ماجه.
وقيل: إن سعد بن أبي وقاص قال ذلك الكلام عند وقت
الفحص عن حال هذه القضية في المدينة، والغرض: أنه لو كان مكان
أسامة، لما قدم على هذا الأمر؛ لأنه أمر عظيم.
وفيه - أيضاً -: بيان خطأ اجتهاد أسامة ومتابعته، والتنبيه على
ذلك، ولذلك قال: «قَدْ قَاتَلْنَا حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ، وَأَنْتَ وَأَصْحَابُكَ
تُرِيدُونَ أَنْ تُقَاتِلُوا حَتَّى تَكُونَ فِتْنَةً))؛ يعني: أن قتل الكافر قاطع
للفتنة، لا قتل المؤمن، بل موجب لها.
ويحتمل أن يكون سعد معهم في تلك السرية، ويكون - أيضاً -
قد اتهم بقتل الرجل، فقال ذلك دفعاً عن نفسه، وبياناً بأنه إذا سمع منه
كلمة الشهادة، ما أقدم على قتله، وإنما قتله أسامة، والتعبير عنه بذي
البُطَين، وهو تصغير البطن - أيضاً-؛ لبيان قبح فعله، كما مر في قصة
أبي هريرة مع عمر خطيها، وإن كان ذلك لقبه.
واعلم: أن القوم صرّحوا بأن سعداً هذا هو سعد بن أبي وقاص،
وهو قد كان مع أسامة، فلما سمع بقول ذلك الرجل، امتنع عن قتله
حتى قتله أسامة، وما جاء في الرواية الثانية: (وَلَحِقْتُ أَنَا وَرَجُلٌ مِنَ
الأَنْصَارِ رَجُلاً مِنْهُمْ، فَلَمَّا غَشَيْنَاهُ، قَالَ: لاَ إِلَهَ إِلَّ اللهُ، فَكَفَّ عَنْهُ
الأَنْصَارِيُّ) يدل على أن الرجل الذي امتنع عن قتل ذلك الرجل كان
٢٠٠