Indexed OCR Text
Pages 141-160
رحمه، وجمع العَاقُّ: عَقَقَةٌ - بفتح الحروف -، ويستعمل عُقَق - بضم العين والقاف -، وفتحها في الواحد، بمعنى: عاقّ، ومنه: قول أبي سفیان لحمزة بعد ما استُشهد بأحد: ذُقْ عقق. [وقيل]: كل فعل يتأذى به الوالد والوالدة تأذياً ليس بالهين، مع كونه ليس من الأفعال الواجبة. وقيل: مخالفة أمرهما في كل ما ليس بمعصية. وقد أوجب بعض العلماء طاعتهما في الشبهات أيضاً. وأما شهادة الزور، وقول الزور، فهو في الأصل: المُعْوَجُ، من زَوَرَ الشيء: إذا اعوج، يقال: كلمة زُوْر؛ أي: دنيئة مُعْوَجَّةٌ، ومنارة زَوْراء: مائلة عن السمت، ويقال: وما لكم تعبدون الزور؟ وهو كل ما عُبد من دون الله تعالى. فقول الزور، وشهادة الزور تتناول كل قول وشهادة على خلاف الحق والصواب، ويدخل تحته: الإشراك، وعقوق الوالدين، والكذب والبهتان، وغيرها مما يطول ذكرها، وإن كان بحسب العرف يختص بالشهادة الباطلة في الحقوق، فبالنظر إلى المفهوم اللغوي أفرد الشارع ذکره من بین الكبائر، وحکم بأنه أكبرها، بعدما بيّن من الكبائر بعضَها. ولا يَرِدُ عليه: أن الشرك أكبرُ منه؛ لكونه فرداً من أفراده، ولا أن القتل أکبرُ؛ لأنه على هذا التقدير کونه أكبر منه ممنوع، وهو ظاهر، ولا حاجة إلى الاعتذار بأنه محمول على المستحِلّ، أو (من) مقدرة ١٤١ في الكلام، أو مخصوص بالكافر؛ لأنه شاهد بالزور، أو الغرض: الزجر عن الشهادة الباطلة في الحقوق؛ لأن المعنى الذي حملناه عليه يتناول الجميع، ولا يرد عليه شيء من ذلك - على ما لا يخفى .. ثم هذا الحديث يؤكد أن الإيمان، وبِرَّ الوالدين من أفضل الأعمال؛ لأن رعاية حق الله تعالى الذي هو المنعمُ الحقيقي الأصلي، فالإيمان به، وحق الأبوين اللذين هما المنعمان ظاهراً وصورة بالبر إليهما، لما كان أعظم الأعمال، كان التهاون بهما أقبحَ القبائح، وذكر شهادة الزور بعد ذلك؛ لأنه يتناولهما وغيرهما، فأومأ بذكره بعدهما بأن القبح فيه لأجل اشتماله على أقبح القبائح. وفيه إشعار - أيضاً - إلى أن القبائح لا تنحصر في عدد، بل كل شيء مماثل شيئاً، ويشتمل عليه معناه، كان من جملتها - على ما مر -. والرابع: في قوله: (وَكَانَ رَسُولُ اللهِهِ مُتَّكِئَّاً، فَجَلَسَ، فَمَا زَالَ يُكَرِّرُهَا) الظاهر أن الضمير في قوله: (يُكَرِّرُهَا) الثلاث المذكورات قبله، ويكررها لأجل زيادة التشديد، والمبالغة والزجر عنها. وفي رواية الترمذي بعد قوله: (وَعُقُوقُ) قَالَ: وَجَلَسَ وَكَانَ مُتَكِئاً، قَالَ: ((وَشَهَادَةُ الزُّورِ، أَوْ قَوْلُ الزُّورِ))، قَالَ: فَمَا زَالَ رَسُولُ اللهِ وَهـ يَقُولُهَا حَتَّى قُلْنَا: لَيْتَهُ سَكَتَ، والظاهر: أن الضمير في هذه الرواية راجع إلى شهادة الزور، وأنث [الضمير] نظراً إلى المقالة، وفي ذلك زيادة تأكيد لشهادة زور، وبيان لعظم قبحه، وهو يؤيد ما قلنا من الشمول للكل. ١٤٢ ويحتمل عود الضمير في رواية ((الصحيحين)) إلى الشهادة - أيضاً -، [لا] سيما، وقد جاء في بعض الرّوايات بعد قوله: ((وَعُقُوقُ الوَالِدَيْنِ)): ((أَلَا وَشَهَادَةُ الزُّورِ)) بزيادة لفظة (أَلاَ) للتنبيه، وإيرادُها بعدما قال في أول الحديث إشعارٌ بأن المذكور بعدُ أعظم من الكلِّ، فيحتاج إلى فصل بينه، ورواية الترمذي - كما مرَّ - ظاهر من رجوعه إلى الشهادة، وكذا في حديث أبي الدرداء، وعمران - على ما مر -، وكذا في حديث أبي بكر - على ما سيجيء -. وأمّا جلوسه - عليه السلام -، وتكراره ذلك، فلأجل إظهار عظمه، وأنه أمر عظيم ينبغي أن يتوجه إليه السامع، ويقرر في ذهنه، ويتحقق عنده عظمه وكبره، فيحصل له الاحتراز عنه على سبيل الدوام. وأما تمنيهم سكوتَه، فهو - أيضاً - تأكيد لكثرة تكراره - عليه السلام - هذا الكلام، يعني: كرره تكراراً كثيراً؛ بحيث شئنا سكوته عن التكرار؛ لأن فيه مشقةً عليه، وهم يكرهون شيئاً يزعجه ويغضبه، ويُحبُّون زواله، فهو - في الحقيقة - تحقيقٌ لكثرة التكرار، وأنه يكرر ذلك باهتمام، حتى يظهر منه الكراهة من تلفظ تلك القبائح؛ إيماء بأن التلفظ الذي فيه الإرشاد والمنع عن القيام بها لَمَّا كان مكروهاً، فالإتيان به الذي هو شرّ محضٌ مما لا ريب فيه، في كونه أشدَّ الأمور وِزْراً، وأكثرها قبحاً. ١٤٣ ٢٧٠ - (٨٨ / ١٤٤) - وَحَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ حَبِيبِ الْحَارِثِيُّ، حَدَّثَنَا خَالِدٌ - وَهُوَ ابْنُ الْحَارِثِ -، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ الهِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ عَنْ أَنَسٍ، عَنِ النَِّّ ◌َ﴿ فِيِ الكَبَائِرِ، قَالَ: ((الشِّرْكُ بِاللهِ، وَعُقُوقُ الوَالِدَيْنِ وَقَتْلُ النَّفْسِ، وَقَوْلُ الزُّورِ». ٢٧١ - (٨٨ / ١٤٤) - وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْوَلِيدِ بْنِ عَبْدِ الْحَمِيدِ، حَذَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنِي عُبَيْدُ اللهِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ، قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ قَالَ: ذَكَرَ رَسُولُ اللهِو ◌َ﴿ِ الكَبَائِرَ - أَوْ سُئِلَ عَنِ الكَبَائِرِ -، فَقَالَ: ((الشِّرْكُ بِاللهِ، وَقَتْلُ النَّفْسِ، وَعُقُوقُ الوَالِدَيْنِ)). وَقَالَ: ((أَلَ أُنَكُمْ بِأَكْبَرِ الكَبَائِرِ؟». قَالَ: ((قَوْلُ الزُّورِ». أَوْ قَالَ: ((شَهَادَةُ الزُّورِ)). قَالَ شُعْبَةُ: وَأَكْبَرُ ظَنِّي أَنَّهُ شَهَادَةُ الزُّورِ . الحديث الثالث: حديث أنس بن مالك: ذَكَرَ رَسُولُ اللهِ وَاهـ الكَبَائِرَ - أَوْ سُئِلَ عَنِ الكَبَائِرِ -، فَقَالَ: (الشِّرْكُ بِاللهِ، وَقَتْلُ النَّفْسِ، وَعُقُوقُ الوَالِدَيْنِ». وَقَالَ: (أَلَ أُنَعُكُمْ بِأَكْبَرِ الكَبَائِرِ؟)). قَالَ: ((قَوْلُ الزُّورِ)). أَوْ قَالَ: ((شَهَادَةُ الزُّورِ)). قَالَ شُعْبَةُ: وَأَكْبَرُ ظَنِّي أَنَّهُ شَهَادَةُ الزُّورِ. وأخرجه البخاري في (الشهادات)، وغيرها، والترمذي، والنسائي، وقال الترمذي: وفي الباب: عن أبي بكرة، وأيمن بن خُرَيْمٍ، وابن عمر. ١٤٤ وأقول: حديثُ أبي بكرة قد مرَّ، وحديث أيمن: أن النبي - عليه السلام - قَامَ خَطِيباً، فَقَالَ: ((يَا أَّهَا النَّاسُ! عَدَلَتْ شَهَادَةُ الزُّورِ إِشْرَاكاً باللهِ»، ثُمَّ قَرَأَ رَسُولُ اللهِ نَّهِ: ﴿فَاجْتَنِبُواْ الْرِّْسَ مِنَ الْأَوْثَنِ وَأَجْتَنِبُواْ قَوْلَ الزُّورِ ٦ حُنَفَاءَ لِلَّهِ﴾ [الحج: ٣٠ - ٣١]. أخرجه الترمذي من حديث أيمن بن خريم، وقال: قد اختلفوا في رواية هذا الحديث، لا يُعرف لأيمن سماعٌ من النبي - عليه السلام -. وأخرجه أبو داود، وابن ماجه عن خریم بن وائل. وحديث ابن عمر، مرفوعاً: ((لَنْ تَزُولَ قَدَمُ شَاهِدِ الزُّورِ حَتَّى يُوجِبَ اللهُ لَهُ النَّارَ)) أخرجه ابن ماجه. وفي الباب: عن أبي هريرة، مرفوعاً: ((مَنْ شَهِدَ عَلَى مُسْلِمٍ شَهَادَةً لَيْسَ لَهَا بِأَهْلٍ، فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ)) رواه الطبراني. إذا عرفت هذا، فالكلام ــ هاهنا - في موضعين : الأول: في التعريف برواته سوى ما ذكر. (عبيدالله) بن أبي بكر بن أنس بن مالك. عن جده، وغيره. وعنه شعبة، والحمادان، وهُشيم، وآخرون. وَثَّقَهُ ابن معين، وأبو داود، وأخرج له الستة. وقال أبو حاتم: صالح. و(محمد)، وهو أبو عبدالله محمد بن الوليد بن [عبد] الحميد ١٤٥ القرشي، البصري، حَمْدان. عن يحيى القطان، ووكيع، وابن مهدي، وجماعة. وعنه الشيخان، والنسائي، وابن ماجه، أخرجوا له، قال النسائي: ثقة . والثاني: ما يتعلق في المعنى، وقد مر الكلام عليه، وإنما قَدَّم في روايةٍ عقوقَ الوالدين على قتل النفس، وأَخَّر في رواية؛ إشعاراً بتساويهما في الوزر، وأن كل واحد منهما مستحقٌّ لكونه تاليَ الشرك، ويحتمل أن يكون بحسب السامع والسائل؛ فإنه - عليه الصلاة السلام - لما علم عدم مبالاة السامع بشيء، قدَّم ذكره؛ تنبيهاً له على المحافظة. وأما القول بأنه من الرواة، فبعيد؛ لأن إلزام الراوي الغلط صعب، وبابٌ إن فتح دخل منه في الشريعة خَطْب. ٢٧٢ - (٨٩/ ١٤٥) - حَدَّثَنِي هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الأَيْلِيُّ، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي سُلَيْمَانُ بْنُ بِلاَلٍ، عَنْ ثَوْرِ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ أَبِي الْغَيْثِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﴿ قَالَ: ((اجْتَنِبُوا السَّبْعَ المُوبِقَاتِ)). قِيلَ: يَا رَسُولَ اللهِ! وَمَا هُنَّ؟ قَالَ: ((الشِّرْكُ بِاللهِ، وَالسِّحْرُ، وَقَتْلُ النَّفْسِ الَّتِي حَرَّمَ اللهُ إِلاَّ بِالحَقِّ، وَأَكْلُ مَالِ الْيَكِيمِ، وَأَكْلُ الرِّبَا، وَالتَّوَلِّي يَوْمَ الزَّحْفِ، وَقَذْفُ المُحْصَنَاتِ الغَافِلاَتِ المُؤْمِنَاتِ». ١٤٦ الحديث الرابع: حديثُ أبي هريرة: أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَِّ قَالَ: ((اجْتَنِبُوا السَّبْعَ المُوبِقَاتِ)). قِيلَ: يَا رَسُولَ اللهِ! وَمَا هُنَّ؟ قَالَ: (الشِّرْكُ بِاللهِ، وَالسِّخْرُ، وَقَتْلُ النَّفْسِ الَّتِي حَرَّمَ اللهُ إِلاَّ بِالحَقِّ، وَأَكْلُ مَالِ الْيَتِيمِ، وَأَكْلُ الرِّبَا، وَالثَّوَلِّي يَوْمَ الزَّحْفِ، وَقَذْفُ المُحْصَنَاتِ الغَافِلاَتِ المُؤْمِنَاتِ)) أخرجه البخاري، والنسائي، وأبو داود. وفي الباب: عن عُبيد بن عُمير، عن أبيه: أن رسول الله وَ لّه قال - وقد سأله رجل عن الكبائر -، فقال: ((هي تِسْعٌ، فذكر: ((الشركَ، وقتلَ النفس، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتولِّيَ يوم الزحف، وقذفَ المحصنات، وعقوقَ الوالدين، واستحلالَ البيت الحرام قبلتكم أحياء وأمواتاً)، أخرجه أبو داود والنسائي، وهو مثل حديث أبي هريرة السابق بزيادة: ((عُقُوقُ الوَالِدَيْنِ المُسْلِمَيْنِ، وَاسْتِحْلَاَلُ البَيْتِ الحَرَامِ» . وعن أبي أيّوب: أن رسول الله وَ ◌ّه قال: ((مَنْ جَاءَ يَعْبُدُ اللهَ لاَ يُشْرِكُ بِهِ شَيئاً، كَانَ لَهُ الجَنَّةُ))، فَسَأَلُوهُ عَنِ الكَبَائِرِ، فَقَالَ: ((الإِشْرَاكُ بِاللهِ، وَقَتْلُ النَّفْسِ المُسْلِمَةِ، وَالفِرَارُ يَوْمَ الزَّحْفِ)) أخرجه النسائي. وعن عبدالله بن عمرو بن العاص: أن النبي - عليه السلام - قال: ((الكَبَائِرُ: الإِشْرَاكُ بِاللهِ، وَعُقُوقُ الوَالِدَيْنِ، وَقَتْلُ النَّفْسِ، وَالْيَمِينُ الغَمُوسُ)) أخرجه البخاري، والترمذي، والنسائي. وعن عبدالله بن أنيس: ذكر رسول الله وَّيقر الكبائر، فقال: ((وَمَا ١٤٧ حَلَفَ خَالِفٌ بِاللهِ يَمِينَ صَبْرٍ، فَأَدْخَلَ فِيهَا مِثْلَ جَنَاحِ بَعُوضَةٍ إِلاَّ جُعِلَتْ نُكْتَةٌ فِي قَلْبِهِ إِلَى بَوْمِ القِيَامَةِ)) أخرجه الترمذي. إذا عرفت هذا، فالكلام ــ هاهنا - في مواضع: الأول: في التعريف برواته سوى ما [ذكر]. (ثَوْرٌ)، وهو ابْنُ زَيْدِ الديليُّ، المدنيُّ . عن سالم، وعكرمة، وجماعة. وعنه ابن عجلان، ومالك، وسلیمان بن بلال. وَثَّقَهُ ابن معين، وأخرج له الستة. وأما (شيخه)، فهو سالم أبو الغيث المدنيُّ، مولى عبدالله بن مطيع. عن أبي هريرة، وغيره. وعنه صفوان بن سليم، وعثمان بن عمر، وجمع. وَثَّقَهُ ابن معين، والنسائي، وأخرج له الستة. الثاني: في قوله: (اجْتَنِبُوا السَّبْعَ المُوبِقَاتِ)؛ أي: المهلكات، جمع مُوبِقَة، من أَوْبَقَ، وهي اسم فاعل من وَبَقَ يَبِقُ - بالكسر - يَوْبَقُ - بالفتح في الماضي، والكسر في المضارع -، وُبُوقاً: إذا هلك، ويقال: وَبِقِ - بالكسر - يوبق - بالفتح - وَبْقاً، ويقال: وَبِقَ يَبِقُ - بالكسر فيهما -، والمَوْبِقُ: الموعد، قال الله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا بَيْنْهُم مَّوْبِقًا﴾ [الكهف: ٥٢]؛ أي: موعداً، وقيل: مَحْبِساً. ١٤٨ وإنما سُميت هذه الكبائر موبقات؛ لأنها تُهلك فاعلها في الدنيا بما يترتب عليها من العقوبات، وفي الآخرة من العذاب. وليس في قوله: (اجْتَنِبُوا السَّبْعَ) ما يدل على انحصار الكبائر فيها حتى يحتاج إلى تأويل، ولهذا جاء في بعض الأحاديث الزيادة على هذه السبع: و(الرَّجُوعِ إِلَى الأَعْرَابِيَّةِ بَعْد الهِجْرَة) بدل (السِّحْرِ). رواه الطبراني. وعن أبي هريرة: ((خَمْسٌ لَيْسَ لَهُنَّ كَفَّارَةٌ: الشِّرْكُ بِاللهِ، وَقَتْلُ النَّفْسِّ بِغَيْرِ حَقٍّ، وَبَهْتُ المُؤْمِنِ، وَالِرَارُ يَوْمَ الزَّحْفِ، وَيَمِينٌ صَابِرَةٌ يَقْتَطِعُ بِهَا مَالاَ بِغَيْرِ حَقٍّ)) رواه أحمد. وعن أبي هريرة، يرفعه: ((الكَبَائِرُ أَوَّلُهُنَّ الإِشِرَاكُ بِاللهِ، وَقَثْلُ النَّفْسِ بِغَيْرِ حَقٍّ، وَأَكْلُ الرِّبَا، وَأَكْلُ مَالِ اليَيْمِ، وَفِرَارٌ يَوْمَ الزَّحْفِ، وَرَمْيُ المُحْصَنَاتِ، وَالانْتِقَالُ إِلَى الأَعْرَابِ بَعْد الهِجْرَة)) رواه البزار. وعن ثوبان، مرفوعاً: (ثَلاثَةٌ لا يَنْفَعُ مَعَهُنَّ عَمَلٌ: الشِّرْكُ بِاللهِ، وَعُقُوقُ الوَالِدَيْنِ، وَالفِرَارُ مِنَ الزَّحْفِ)) رواه الطبراني. وفائدة تخصيص هؤلاء بالذكر: الإيماءُ إلى عظمها، وكثرة وقوع الناس فيها، والإرشاد للسامعين إلى الاحتراز عنها. الثالث: في قوله: ((وَالسِّحْرُ)) قيل: فيه دليل على أنه من الكبائر، ولاشك فيه . وعن ابن عباس، يرفعه: ((ثَلاَثٌ مَنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ وَاحِدَةٌ مِنْهُنَّ، ١٤٩ فَإِنَّ اللهَ يَغْفِرُ لَهُ مَا سِوَى ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ: مَنْ مَاتَ لا يُشْرِكُ بِاللهِ شَيْئاً، وَلَمْ يَكُنْ سَاحِراً يَتْبَعُ السَّحَرَةَ، وَلَمْ يَحْقِدْ عَلَى أَخِيهِ)) رواه الطبراني، وإسناده حسن. وربّما يفرق بفرق بعضهم بين تعلمه، والعمل به، مع إجماعهم على أن عمله محرم، فذهب جماعة إلى أنه لا فرق في الحرمة؛ لإطلاق الحدیث. والحق: أن الحديث حجة للفارق؛ إذ لاشك أن المراد من الأشياء الأُخر هو فعلها، لا العلم بها، فمن اشتغل بمعرفة قبح الشرك، وأكل الربا، وأخذ ذلك من النصوص والقواعد، كان اشتغاله بذلك، وحصول العلم له ممدوحاً مستحسناً، وإنما القبيحُ الإقدامُ عليها، وكذلك من تعلَّمَ السحرَ لأجل الاتقاء منه، والتمييز بينه وبين الكرامة، ودفع شبهة من تمسك به، واشتغل بإضلال الناس، يكون ممدوحاً مستحسناً، بل مندوباً. لَكِنْ لِتَوَقِيهِ عَرَفْتُ الشَّرَّ لا للشَّرِّ مِنَ النَّاسِ يَقَحْ فِيهِ وَمَنْ لا يَعْرِفِ الشَّرَّ نعم، ربما يُنهى عن تعلمه لمن لا يكون له فِطنة؛ خوفاً من أن يميل إليه، كما يمنع من تعلم الفلسفة؛ لئلا ينجرَّ إلى الغواية، بل السلفُ منعوا من تعلم علم الكلام إلا للأذكياء؛ لذلك. وأما حقيقة السحر، والفرق بينه وبين الكهانة، وبين أقسامه من ١٥٠ الخواص، والنيرنج، والطلسم، فيحتاج إلى كلام طويل ليس هذا موضع إيراده، وعسى أن يكون مِنَّا تنبيهٌ في (كتاب الكهانة والطيرة) - إن شاء الله تعالى -. الرابع في قوله: ((وَالثَّوَلِّي يَوْمَ الزَّحْفِ)، وربما يستدل بعمومه على أن التولي في يوم المحاربة مع الكفار في جميع الأوقات والمواطن بلا عذر، محرمٌ معدودٌ في الكبائر، وهو مذهب الجمهور، ولا تخصيصَ له بيوم بدر على ما يحكى عن الحسن البصري: أنه مخصوص بالتولي عن الزحف يوم بدر؛ لقوله تعالى: ﴿ وَمَن يُوَلِّهِمْ ﴾ [الأنفال: ١٦]. یومید دبره، الخامس: في قوله: ((وَقَذْفُ المُحْصَنَاتِ)) ربما تعرض على أن قيد المؤمنات زائد؛ لأن من شرائط الإحصان: الإيمان، فيكون مندرجاً تحت المحصنات. ويجاب: بأنه تصريح بعد الاشتمال الضمني لشرف الإيمان، وتعريضٌ لقبح شأن القاذف؛ حيث قذف من هي أخته في الدين. وقيل: المراد من المحصنات: العفائف مطلقاً؛ سواء من أهل الإسلام، وغيره؛ لأن الإحصان يطلق على الإسلام، والعفة، والنكاح، والتزويج، والحرية - على ما هو المشهور من الاستعمال في هذه المعاني -. وقيل: المراد: ذوات الأزواج؛ لقوله تعالى: ﴿وَالْمُحْصَنَتُ مِنَ النِّسَآءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَنُكُمْ﴾ [النساء: ٢٤] الآية؛ فإن سبّ المرأة الغافلة ١٥١ عن فعل الزنا قبيحٌ، وإن كانت خَلِيَّةً، لكن في سَبّ ذاتِ الزوج أقبحُ؛ لأنه يفضي إلى فساد المعاشرة؛ فإن زوجها ربما يسمع ذلك، ويخطر في قلبه شيء، فيكون في قذفها إفسادُ المعاشرة - أيضاً -. ٢٧٣ - (٩٠ / ١٤٦) - حَدَّثَنَا قُتَيْيَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنِ ابْنِ الْهَادِ، عَنْ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ عَبْدِ اللهِبْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﴿ قَالَ: ((مِنَ الكَبَائِرِ شَتْمُ الرَّجُلِ وَالِدَيْهِ». قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ! هَلْ يَشْتِمُ الرَّجُلُ وَالِدَيْهِ؟ قَالَ: ((نَعَمْ، يَسُبُّ أَبَا الرَّجُلِ، فَيَسُبُّ أَبَاهُ، وَيَسُبُّ أُمَّهُ، فَيَسُبُّ أُمَّهُ)). ٢٧٤ - (٩٠ / ١٤٦) - وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَمُحَمَّدُ ابْنُ الْمُثَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ جَمِيعاً، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ، عَنْ شُعْبَةَ ح، وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمِ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ كِلاَّهُمَا عَنْ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بِهَذَا الإِسْنَادِ، مِثْلَهُ. الحديث الخامس: حديثُ عبدالله بن عمرو بن العاص: أَنَّ رَسُولَ اللهِ﴿ قَالَ: ((مِنَ الكَبَائِرِ شَتْمُ الرَّجُلِ وَالِدَيْهِ». قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ! هَلْ يَشْتِمُ الرَّجُلُ وَالِدَيْهِ! قَالَ: ((نَعَمْ، يَسُبُّ أَبَا الرَّجُلِ، فَيَسُبُّ أَبَاهُ، وَيَسُبُّ أُمَّهُ، فَيَسُبُّ أُقَّهُ)). أخرجه البخاري، وأبو داود في (الأدب)، والترمذي في (البرّ). ١٥٢ وجعل النبي - عليه السلام - ذلك من الكبائر؛ لأنه يؤدي إلى العقوق، يتأذيان بذلك تأذياً [ليس] بالهين، وإنما أبرز في هذه الصورة؛ إيماء إلى أن فاعلَ سببٍ الشيء يُنسب إليه الفعلُ كالفاعل؛ لأنه فاعله في الحقيقة، وإنما صرح بلفظة (من)؛ إشعاراً بأن ذلك ثمرته، لا أنه سبب، ودفعاً لما عسى يتوهم أنه ليس منها، فصرح بأنه منها، ثم بيَّن ذلك. ولما كان شتمُ الوالدين عندهم أمراً عظيماً؛ حيث لا يكاد يُقدم عليه أحد منهم؛ تعظيماً له، قالوا: (وهَلْ يَشْتِمُ الرَّجُلُ وَالِدَيْهِ؟)، فبين أن المراد بالشتم المذكور: هو التسبُّب للشتم، وكل ما هو مُفض إلى محظور يجب المنع عنه، ﴿ وَلَا تَسُبُّواْ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّواْ اللَّهَ عَدْوَّا بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [الأنعام: ١٠٨]. وفي الحديث: دليل لمن منع بيع العنب ممن يعصر خمراً، ومنع بيع ثياب الحرير ممن يلبسها، ونحوهما مما يفضي إلى محرَّم، ویکون مقدمة له. وفيه: تقوية لمالك في القول بسد الذرائع، والذريعة هي: الامتناع مما ليس ممنوعاً في نفسه، مخافة الوقوع في محظور. ١٥٣ (٢٨) بيان قبح الكبر ٢٧٥ _ (٩١ / ١٤٧) - وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَّى، وَمُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، وَإِبْرَاهِيمُ بْنُ دِينَارٍ جَمِيعاً، عَنْ يَحْيَى بْنِ حَمَّدٍ - قَالَ ابْنُ الْمُثَنَّى: حَدَّثَنِي يَحْبَى بْنُ حَمَّادٍ -: أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَبَانَ بْنِ تَغْلِبَ، عَنْ تُضَيْلِ الْقُقَيْمِيِّ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ، عَنْ عَلْقَمَةَ، عَنْ عَبْدِ اللهِبْنِ مَسْعُودٍ، عَنِ النَّبِيِّ وَّهِ، قَالَ: ((لاَ يَدْخُلُ الجَنَّةَ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنْ كِبْرِ)). قَالَ رَجُلٌ: إِنَّ الرَّجُلَ يُحِبُّ أَنْ يَكُونَ ثَوْبُهُ حَسَناً، وَنَعْلُهُ حَسَنَةً، قَالَ: ((إِنَّ اللهَ جَمِيلٌ يُحِبُّ الجَمَالَ، الكِبْرُ: بَطَرُ الحَقِّ، وَغَمْطُ النَّاسِ)). ٢٧٦ - (٩١ / ١٤٨) - حَدَّثَنَا مِنْجَابُ بْنُ الْحَارِثِ التَّمِيمِيُّ، وَسُوَيْدُ بْنُ سَعِيدٍ كِلاَهُمَا، عَنْ عَلِيِّ بْنِ مُسْهِرٍ - قَالَ مِنْجَابٌ: أَخْبَرَنَاَ ابْنُ مُسْهِرٍ -، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَلَقَمَةَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ◌َّهِ: ((لاَ يَدْخُلُ النَّارَ أَحَدٌ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ حَبَّةِ خَرْدَلٍ مِنْ إِيمَانٍ، وَلاَ يَدْخُلُ الجَنَّةَ أَحَدٌ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ حَبٍَّ خَرْدَلٍ مِنْ کِبْرِیَاءَ». ١٥٥ ٢٧٧ - (٩١ / ١٤٩) - وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارِ، حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَبَانَ بْنِ تَغْلِبَ، عَنْ فُضَيْلٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَلْقَمَةَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ، عَنِ النَّبِّ ◌ِ﴿ِ، قَالَ: ((لاَ يَدْخُلُ الجَنَّةَ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنْ کِیْرِ». لما ذكر الكبائر، وهو منها، أورد ذكره بعدَها، وأفرده بالذكر؛ لزيادة قبحه - على ما سيجيء بيانها -، وأخرج حديث ابن مسعودٍ عن النبي - عليه السلام -، قَالَ: ((لاَ يَدْخُلُ الجَنَّةَ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنْ كِبْرِ)). قَالَ رَجُلٌ: إِنَّ الرَّجُلَ يُحِبُّ أَنْ يَكُونَ ثَوْبُهُ حَسَناً، وَنَعْلُهُ حَسَنَةً، قَالَ: ((إِنَّ اللهَ جَمِيلٌ يُحِبُّ الجَمَالَ، الكِبْرُ: بَطَرُ الحَقِّ، وَغَمْطُ النَّاس)». وفي رواية: «لاَ يَدْخُلُ النَّارَ أَحَدٌ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ حَبَّةٍ خَرْدَلٍ مِنْ إِيمَانٍ، وَلاَ يَدْخُلُ الجَنَّةَ أَحَدٌ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ حَبَّةٍ خَرْدَلٍ مِنْ كِبْرِيَاءَ)» أخرجه الأربعة سوى النسائي. ولما أخرجه الترمذي، قال: وفي الباب: عن أبي هريرة، وابن عباس، وسلمة بن الأ كوع، وأبي سعيد، ثم أخرجه من حديث سلمة ابن الأكوع عن النبي - عليه السلام -: ((لاَ يَزَالُ الرَّجُلُ يَذْهَبُ بِنَفْسِهِ حَتَّى يُكْتَبَ فِي الجَبَّارِينَ، فَيُصِيبُهُ مَا أَصَابَهُمْ)) حَسَّنَهُ، وَغَرَّبَهُ. وأقول: حديث أبي هريرة: أَنَّ رَجُلاً أَتَى النَّبِيَّ نَّهِـ وَكَانَ رَجُلاً ١٥٦ جَمِيلاً-، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ! إِنِّي رَجُلٌ حُبِّبَ إِلَيَّ الجَمَالُ، وَأُعْطِيتُ مِنْهُ مَا تَرَى، حَتَّى مَا أُحِبُّ أَنْ يَفُوقَنِي أَحَدٌ - وَإِمَّا قَالَ: بِشِرَاكِ نَعْلِي، وَإِمَّا قَالَ: بِشِسْعِ نَعْلِي - أَفَمِنَ الكِبْرِ ذَلِكَ؟ قَالَ: ((لاَ، وَلَكِنَّ الكِبْرَ مَنْ بَطَرَ الحَقَّ، وَغَمَطَ النَّاسَ)) أخرجه أبو داود. وحديث ابن عباس، مرفوعاً: ((لاَ يَدْخُلُ الجَنَّةَ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ حَبَةٍ مِنْ خَرْدَلٍ مِنْ كِبْرٍ، وَلاَ يَدْخُلُ النَّارَ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ حَيَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ مِنْ إِيمَانٍ)) رواه البزار، والطبراني. وحديث أبي سعيد: أن رسول اللهَ بَّ﴿ قال: ((مَنْ تَوَاضَعَ لِلَّهِ دَرَجَةً، رَفَعَهُ اللهِ دَرَجَةٍ حَتَّى يَجْعَلَهُ اللهُ فِي أَعْلَى عِلِّيِّينَ، وَمَنْ تَكَبَّرَ عَلَى اللهِ دَرَجَةً، وَضَعَهُ اللهُ دَرَجَةً حَتَّى يَجْعَلَهُ فِي أَسْفَلِ سَافِلِينَ)) أخرجه ابن ماجه. وفي الباب: عن عبدالله بن عمرو بن العاص، يرفعه: ((مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ مِنْ كِبْرٍ، كَبَّهُ اللهُ لِوَجْهِهِ فِي النَّار)) رواه أحمد، والطبراني، ورجاله رجال الصحيح. وعن عُقبةَ بن عامرٍ، مرفوعاً: ((مَا مِنْ رَجُلٍ يَمُوتُ حِينَ يَمُوتُ وَفِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ حَيَّةٍ مِنْ خَرْدَّلٍ مِنْ كِبْرٍ تَحِلُّ لَهُ الجَنَّةُ أَنْ يَرِبِحَ رِيحَهَا وَلاَ يَرَاهَا))، فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ قُرَيْشٍ يُقَالُ لَهُ أَبُو رَيْحَانَةَ: وَاللهِ يَا رَسُولَ اللهِ! إِنِّي لأُحِبُ الجَمَالَ وَأَشْتَهِيهِ، حَتَّى إِنِّي لأُحِبُّهُ فِي عَلاَقَةِ سَوْطِي، ١٥٧ وَفِي شِرَاكِ نَعْلِي. قَالَ رَسُولُ اللهِوَّهِ: ((لَيْسَ ذَاكَ الكِبْرُ، إِنَّ اللهَ جَمِيلٌ يُحِبُّ الجَمَالَ، وَلَكِنَّ الكِبْرَ مَنْ سَفِهَ الحَقَّ، وَغَمَصَ النَّاسَ بِعَيْنَيْهِ)) رواه أحمد. وعن عَبْدِ اللهِ بن سَلامٍ: أَنَّه مَرَّ فِي السُّوقِ، وَعَلَيْهِ حِزْمَةُ حَطَبٍ، فَقِيلَ لَهُ: مَا يَحْمِلُكَ عَلَى هَذَا، وَقَدْ أَغْنَاكَ اللهُ عَنْ هَذَا؟ قَالَ: أَرَدْتُ أَنْ أَدْمَغَ الكِبْرَ، سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ◌ّهِ يَقُولُ: ((لا يَدْخُلُ الجَنَّةَ مَنْ فِي قَلْبِهِ خَرْدَلَةٌ مِنْ كِبْرِ)) رواه الطبراني. وعن ابن عمر، يرفعه: ((مَنْ تَعَظَّمَ فِى نَفْسِهِ، أَوِ اخْتَالَ فِي مِشْيَتِهِ، لَقِي اللهَ - تَبَارَكَ وَتَعَالَى - وَهُوَ عَلَيْهِ غَضْبَانُ)) رواه أحمد، ورجاله رجال الصحيح. وعن جابر بن عَتيك، مرفوعاً: ((مِنَ الغَيْرَةِ مَا يُحِبُّ اللهُ، وَمِنْهَا مَا يُبْغِضُ اللهُ، وَمِنَ الخُيَلاءِ مَا يُحِبُّ اللهُ، وَمِنْهَا مَا يُبْغِضُ اللهُ، فَالغَيْرَةُ الَّتِي يُحِبُّ اللهُ: الغَيْرَةُ فِي الرِّيبَةِ، وَالغَيْرَةُ الَّتِي يُبْغِضُ اللهُ: الغَيْرَةُ فِي غَيْرِ رِيبَةٍ، وَإِنَّ مِنَ الخُيَلاءِ مَا يُحِبُّ اللهُ، وَمِنْهَا مَا يُبْغِضُ اللهُ، فَأَمَّا الخُيَلاءُ الَّتِي يُحِبُّ اللهُ وَ: فَاخْتِيَالُ الرَّجُلِ بِنَفْسِهِ عِنْدَ القِتَالِ، وَاخْتِيَالُهُ عِنْدَ الصَّدَقَةِ، وَأَمَّا الخُيَلاءُ الَّتِي يُبْغِضُ اللهُ وَتَ: فَاخْتِيَالُهُ فِي الْبَغْيِ وَالفُجُورِ)) أخرجه أبو داود، والنسائي. وعن جُبير بن مطعم، قال: يَقُولُونَ: إنَّ فِيَّ التِّيهَ، وَقَدْ رَكِبْتُ الحِمَارَ، وَلَبِسْتُ الشَّمْلَةَ، وَقَدْ حَلَبْتُ الشَّاةَ، وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ١٥٨ ((مَنْ فَعَلَ هَذَا، فَلَيْسَ فِيهِ مِنْ الكِبْرِ شَيْءٌ)) أخرجه الترمذي. وعن السائب بن يزيدَ، مرفوعاً: ((لا يَدْخُلُ الجَنَّةَ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ حَبَّةٍ مِنْ كِبْرِ))، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ! هَلَكْنَا، وَكَيْفَ لَنَا أَنْ نَعْلَمَ مَا فِي قُلُوبِنَا مِنْ ذَلِكَ الكِبْرِ؟ وَأَيْنَ هُوَ؟ فَقَالَ النَّبِيُّ ◌َهِ: (مَنْ لَبِسَ الصُّوفَ، أَوْ حَلَبَ الشَّاةَ، أَوْ أَكَلَ مَعَ مَا مَلَكَتْ يَمِينُهُ، فَلَيْسَ فِي قَلْبِهِ - إِنْ شَاءَ اللهُ - الكِبْرُ)) رواه الطبراني. إذا عرفت [هذا]، فالكلام - هاهنا - في مواضع : الأول: في التعريف برواته سوى ما مر. (إِبْرَاهِيمُ بْنُ دِينَارٍ)، وهو أبو إسحاق التمَّارُ، البغداديُّ. عن هُشَيم، وابن عيينة، ومعتمر بن سليمان، وجماعة. وعنه مسلم، وأبو زرعة، وعبَّاسٌ الدُّوريُّ، وآخرون. وَثَّقَهُ أبو زرعة، وأخرج له مسلم فقط. توفي سنة اثنتين وثلاثين ومئتين. و(شيخه)، وهو أبو بكر يحيى بن حماد بن أبي زياد الشيبانيُّ ختنُ أبي عوانة وراويته. روى عن عكرمة، وحماد بن سلمة، وجُبير بن حازم، وخلائق. وعنه ابن راهويه، ويُندار، والدارمي، والبخاري، وآخرون. وَثَّقَهُ أبو حاتم، وغيره، وأخرج له الستة إلا أبا داود. توفي سنة خمس عشرة ومئتين. ١٥٩ و(أبان)، وهو أبو سعيد أَبَانُ بنُ تَغْلِبَ الربعيُّ، الكوفيُّ. عن الحكم، وعكرمة، وعَديٍّ بن ثابت، وخلائق. وعنه شعبة، وابن عُيينة، وابن المبارك. وَثَّقَهُ القوم، وأخرج له الستة إلا البخاري، وربما نقموا [عليه] بالتشيع. وأمّا (شيخه)، وهو أبو النضر فُضيلُ بن عمرو الفقيميُّ، الكوفيُّ. عن الحسن، والعلاء بن المسيّب، وجماعة. وعنه ابن معين، وغيره، وأخرج له الستة إلا البخاريّ، وأبا داود. قال أبو حاتم: لا بأس به. توفي سنة عشر ومئة. و(علْقَمَةُ)، وهو أبو شبل علقمةُ بنُ قيس بنِ عبدالله بن علقمةً ابنِ سلامان النخعيُّ، الكوفيُّ، العلامة، عم الأسود. عن الخلفاء الأربعة، وجماعة من الصحابة. وعنه أبو وائل، والشعبيُّ، وابن سيرين، وخلائقُ لا يُحْصَون. اتفق القوم على جلالة قدره، وغزارة فضله، ووفور ديانته، وكثرة إتقانه، وأخرج له الستة، وهو رواية ابن مسعود. وهذا الإسناد كلهم كوفيون، وفيه أربعة تابعيون: الأعمش ومَنْ بعده . وأما (مِنْجَابٌ)، فهو أبو محمد مِنْجَابُ بْنُ الحَارِثِ التَّمِيمِيُّ، الکوفيُّ. ١٦٠