Indexed OCR Text
Pages 101-120
حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ)، اختصاراً. [٣٧ _ باب بَيَانِ إِطْلاَقِ اسْمِ الكُفْرِ عَلَى مَنْ تَرَكَ الصَّلاَةَ] ٢٥٤ - (٨١ / ١٣٣) - حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْئَةَ، وَأَبُو كُرَيْب، قَالاَ: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَهِ: ((إِذَا قَرَأَ ابْنُ آدَمَ السَّجْدَةَ، فَسَجَدَ، اعْتَزَلَ الشَّيْطَانُ يَبْكِي، يَقُولُ: يَا وَئِلَهُ - وَفِي رِوَايَةٍ أَبِي كُرَيْبٍ: يَا وَيْلِي -! أُمِرَ ابْنُ آدَمَ بِالسُّجُودِ، فَسَجَدَ، فَلَهُ الجَنَّةُ، وَأُمِرْتُ بِالسُّجُودِ، فَأَبَيْتُ، فَلِي النَّارُ)). ٢٥٥ _ (٨١/ ١٣٣) - حَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ بِهَذَا الإِسْنَادِ مِثْلَهُ، غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: ((فَعَصَيْتُ، فَلِي النَّارُ)). الحديث الرابع: حديثُ أبي هريرة، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ إِ: (إِذَا قَرَّأَ ابْنُ آدَمَ السَّجْدَةَ، فَسَجَدَ، اعْتَزَلَ الشَّيْطَانُ يَبْكِي، يَقُولُ: يا وَيْلَهُ - وَفِي رِوَايَةٍ: يَا وَئِي ـ! أُمِرَ ابْنُ آدَمَ بِالسُّجُودِ، فَسَجَدَ، فَلَهُ الجَنَّةُ، وَأُمِرْتُ بِالسُّجُودِ، فَأَبَيْتُ، فَلِي النَّارُ)). وهذا من أفراده. ١٠١ والسجود: الخضوع والخشوع، ويطلق على الميل، سجدت النخلة: إذا مالت، وسجدت الناقة: إذا طأطأت رأسها . وقال ابن دريد: أصل السجود: إدامة النظر مع انحراف إلى الأرض. وبالجملة: صار في الشرع عبارةً عن وضع الجبهة على الأرض بنوع مخصوص. ثم السجود المذكور في الحديث المراد: سجود التلاوة؛ بدليل قوله: (إِذَا قَرَأَ ابْنُ آدَمَ السَّجْدَةَ فَسَجَدَ)، واستدل بذلك على وجوبها؛ إذ استحقاق دخول النار إنما يكون بترك الواجب، فإذا استحق تركه في موضع، يستحق في جميع المواضع؛ لكون السجود نوعاً واحداً، وهذا بعيد؛ فإن استحقاق إبليس النار ليس لأجل تركه السجود المأمور به، بل لتركه على طريق الإباء والإنكار والأمنية الفاسدة؛ كقوله: ﴿فَقْتَنِ مِن ثَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ﴾ [الأعرف: ١٢]، والاستكبارُ عن أمر الله تعالى، بعد تحقق أنه أمره، كفر، ولاشك أن هذا لا يدل على وجوب أصل ذلك، سلَّمنا أن الذم إنما يكون لأجل ترك السجود، لكن لا نسلم كونَ السجود نوعاً واحداً؛ فإن بعض أهل التفسير ذهبوا إلى أن ذلك ميلان تحية لآدم، لا وضع الجبهة في الأرض، سلَّمنا أنه وضع الجبهة، لكنه إلى ما يقع لأجله ينقسم ويتغير، ولهذا يؤمر بالسجود لله، فإنَّ ترك السجود لآدم في ذلك الوقت معصية، وفي غيره ١٠٢ طاعة، وقيل: المراد من السجود: الصلاة [ ... ]. ومعنى (إِذَا قَرَّأَ السَّجْدَةَ): قرأ ما يوجب الخشوع، وهي القراءة في الصلاة. ٢٥٦ - (٨٢/ ١٣٤) - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى التَّمِيمِيُّ، وَعُثْمَانُ ابْنُ أَبِ شَيْئَةَ، كِلاَهُمَا عَنْ جَرِيرٍ، قَالَ يَخْبَى: أَخْبَرَنَا جَرِيرٌ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي سُفْيَانَ، قَالَ: سَمِعْتُ جَابِراً يَقُولُ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ نَّهِ يَقُولُ: ((إِنَّ بَيْنَ الرَّجُلِ وَبَيْنَ الشِّرْكِ وَالْكُفْرِ تَرْكَ الصَّلاَةِ). ٢٥٧ - (٨٢/ ١٣٤) - حَدَّثَنَا أَبُو غَسَّانَ الْمِسْمَعِيُّ، حَدَّثَنَا الضَّغَاكُ بْنُ مَخْلَدٍ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبَّو الزَُّيْرِ: أَنَّ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِاللهِ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ وَهِ يَقُولُ: ((بَيْنَ الرَّجُلِ وَبَيْنَ الشِّرْكِ وَالكُفْرِ تَرْكُ الصَّلاَةِ». الحديث الخامس: حديث جابر: سَمِعْتُ النَّبِيَّ وَلِّ يَقُولُ: ((إِنَّ بَيْنَ الرَّجُلِ وَبَيْنَ الشِّرْكِ تَرْكَ الصَّلاَةِ))، وفي رواية: ((وَالكُفْرِ))، أخرجه الترمذي في (الإيمان)، والنسائي في (الصلاة). ولما أخرج الترمذي هذا الحديث بطرق، أخرج بعده حديث بريدة، مرفوعاً: ((العَهْدُ الَّذِي بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمُ الصَّلاَةُ، فَمَنْ تَرَكَهَا، فَقَدْ كَفَرَ)). وأخرجه النسائي، وابن ماجه. ١٠٣ ثم قال الترمذي: وفي الباب: عن أنس، وابن عباس. وأقول: حديث أنس، مرفوعاً: (لَيْسَ بَيْنَ العَبْدِ وَالشِّرْكِ إِلاَّ تَرْكُ الصَّلاَةِ، فَإِذَا تَرَكَهَا، فَقَدْ أَشْرَكَ))، أخرجه ابن ماجه. وروى الطبراني عن أنس، مرفوعاً: ((مَنْ تَرَكَ الصَّلاَةَ مُتَعَمِّداً، فَقَدْ كَفَرَ جِهَاراً» . وحديث ابن عباس، يرفعه: ((مَنْ تَرَكَ الصَّلاةَ، لَقِيَ اللهَ وَهُوَ عَلَيْهِ غَضْبَانُ» رواه البزار، والطبراني، وإسناده حسن. إذا عرفت هذا، فالكلام ــ هاهنا - في مواضع: الأول: فيما يتعلق بالمعنى: قد اختلف القوم في حال تارك الصلاة عمداً. فقال قوم: إنه کافر، وروي عن علي - كرم الله وجهه -، وهو مذهب عبدالله بن المبارك، وإسحاق بن راهويه، وإحدى الروايتين عن أحمد بن حنبل، وهو وجه لبعض أصحاب الشافعي. وذهب الجمهور من السلف والخلف إلى أنه لا يكفر، بل يفسق ويستتاب، فإن لم يتب، يقتل عند الشافعي، ومالك، وجمهور أهل الحديث، ويُعَزَّر ويُحبس عند أبي حنيفة وجماعة من أهل الكوفة، والمزني صاحب الشافعي. واستدلال المُكَفِّرُ بهذا الحديث وأمثاله، واستدلالُ الجمهور بالآيات النازلة، والأحاديث الواردة في إيمان صاحب الكبيرة، وتارك ١٠٤ الصلاة - أيضاً -، كذلك، واستدلالُ من يقول بالقتل بقوله تعالى: ﴿فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ الصَّلَوةَ وَءَاتَوُاْ الزَّكَوَةَ فَخَلُّوْ سَبِيلَهُمْ﴾ [التوبة: ٥]، وبما مَرَّ من استدلال أبي بكر في مانعي الزكاة، وبحديث أم أيمن: أن رسول الله رَ﴿ قال: ((لاَ تَتَّرُكِ الصَّلاَةَ مُتَعَمِّداً؛ فَإِنَّهُ مَنْ تَرَكَ الصَّلاَةَ مُتَعَمِّداً، فَقَدْ بَرِئَتْ مِنْهُ ذِمَّةُ اللهِ وَرَسُولِهِ)) رواه أحمد، ورجاله ثقات. وحديث معاذ، مرفوعاً: ((مَنْ تَرَكَ الصَّلاَةَ مُتَعَمِّداً، فَقَدْ بَرِثَتْ مِنْهُ ذِمَّةُ اللهِ وَّ)) رواه الطبراني. فإن أكثر ما تستعمل براءة الذمة في استحقاق القتل، لا بالكفر بالله تعالى وحده. واستدلال من يقول بالتعزير بأن النبي ◌َّ خصّ استحقاق قتله في الثلاث، وتركُ الصلاة ليس منها. ولكل واحد من هذه الفرق حجج ومناقضات مذكورة في موضعها، ونحن نشیر فی کل حدیث ما يناسبه. والظاهر: أن تارك الصّلاة ليس بكافر؛ لقوله - عليه السلام -: (خَمْسُ صَلَوَاتٍ افْتَرَضَهُنَّ اللّهُ عَلَى العِبَادِ، فَمَنْ جَاءَ بِهِنَّ، لَمْ يُضَبِّعْ مِنْهُنَّ شَيْئاً، كَانَ لَهُ عِنْدَ اللهِ عَهْدٌ أَنْ يَغْفِرَ لَهُ، وَمَنْ لَمْ يَأْتِ بِهِنَّ، فَلَيْسَ لَهُ عِنْدَ اللهِ عَهْدٌ، إِنْ شَاءَ غَفَرَ لَهُ، وَإِنْ شَاءَ عَذَّبَهُ))، فهذا نص على أنه ليس بكافر، بل فاسق، فينبغي أن تُحمل الأحاديث الواردة فيها ذكر الكفر؛ مثل هذا الحديث ونحوه على استحقاق عقوبة الكفر وهو ١٠٥ القتل، أو غير ذلك من التأويل. وأمّا غير الصّلاة من الفرائض، فهل يلحق بها في هذا الحكم، أم لا؟ فمن قال بالتعزير والحبس، يقول: يلحق البدنية؛ مثل: الصوم، والغسل، والوضوء، ونحوها، ولا يلحق المالية، وأمَّا الحج، فلا يلحق عند القائل على التراخي، ويلحق عند القائل على الفور عند فرضیته باستجماع شرائطه . ومن قال بالقتل، منهم من قال: الصومُ والطهارة يلحقان بالصلاة، فمن ترك إتيانهما يستتاب، فإن تاب وإلا قتل، والمالية مثل: الزكاة، فلا، فإنه إن أبى، تؤخذ عنه قهراً، فإن امتنع، قوتل، وأمّا في الحج، فلا؛ لأنه على التراخي، وهو الظاهر من مذهب مالك، وعند الشافعي هذا مخصوص بالصلاة، ولا يلحق الصّوم به؛ لورود النص فيها دونه، والنيابة لا تدخل فيها بحال، والامتناع عن الوضوء والغسل إنما يلحق بها؛ لأنهما من شرائطها، ولا تصح بدونهما، ويؤيده: حديث عبدالله بن شقيق العقيلي: ((كَانَ أَصْحَابُ مُحَمَّدٍ نَّهِ لاَ يَرَوْنَ شَيْئاً مِنَ الأَعْمَالِ تَرْكُهُ كُفْرٌ غَيْرَ الصَّلاَةِ)) أخرجه الترمذي. وأمّا من قال: لا أصلي الجمعة، بل أصلي الظهر، فالأصح أنه لايقتل، وقيل : يقتل. وبالجملة: الجمهور يؤوّلون الحديث بالمُسْتَحِلِّ، أو بأنه يؤُول ١٠٦ إلى الكفر، أو بأنه يستحق عقوبة الكفر، وهي القتل، إلى غير ذلك من التأويلات - على ما مر -. والثاني: في الجمع بين الشرك والكفر في هذا الحديث، والرواية في جميع أصول ((صحيح مسلم)): ((الشِّرْكِ وَالكُفْرِ)) بالواو، وفي (مستخرج)) أبي نعيم، وأبي عوانة: (أَوَ الكُفْرِ» بـ (أَوْ)، وقد أخرج الترمذي الروايتين جميعاً، وفي رواية له: «بَيْنَ الكُفْرِ وَالإِيمَانِ تَرْكُ الصَّلاَةِ))، والظاهر من الأولى: أن النبي ◌َّ جمع بينهما، وعن الثانية: أن الراوي شك في المذكور منهما. وأما فائدة الجمع، فهي أن الشرك من الكفر، وإن استعملا في بعض المواضع مترادفين، والمقام مقام التغليظ، فذكر الأخص أولاً، ثم أردفه بالأعم، فكأنه قال: تركُ الصلاة موقعٌ له في الشرك الذي هو ظلم عظيم، وموجِب للحرمان من المغفرة، وفي الكفر - أيضاً -، وهذه طريقة التدلَّي من الأقوى إلى الأدنى، وعكسه طريقة الترقِي، ولكل منهما مقام. أو يكون الشرك إشارةً إلى الكفر بالله تعالى، والجهل بصفاته؛ لأنه لو علم اللهَ تعالى وصفاتِهِ، لَمَا ترك عبادته، فالتاركُ للصلاة متبعٌ لهواه، عاصٍ لمولاه، ﴿أَرَءَيْتَ مَنْ أَتَّخَذَ إِلَهَهُ, هَوَنُهُ﴾ [الفرقان: ٤٣]، والكفرُ إشارةٌ إلى كفران النعمة، فيكون جامعاً بين الكفر بالله تعالى، وكفران النعمة، أو يكون بالنظر إلى حال التارك، فإن تَرَكَ مستحِلاً یکون مشركاً، بمعنى: كافراً بالله؛ إذ تستعمل بمعناه، وإن كان غير ١٠٧ مستحل، ففاسق، وعَبَّر عنه بالكفر؛ إذ كفران النعمة فسق، أو يكون بالنظر إلى ما صدر عنه، يعني: أن فعله مشابه لفعل المشركين من عبدة الأوثان، وكل مَنْ جعل له لله شريكاً، وفعل الكفار الذين يقرّون بالوحدانية، ولا يعتقدون الإسلام. والثالث: في الترتيب بين الأحاديث، وهو ظاهر مما مر. * قوله في إسناد حديث أبي هريرة: (عَنِ الْمَقْبُرِيِّ) فهو أبو سعید کیسان المقبري، نسبة إلى مقبرة ۔ بضم الباء، وتفتح وتکسر -، واختلف في سبب النسبة، فقيل: إنه مجاور للمقبرة في المدينة، وقيل: بيته عندها، وقيل: جعله عمر ◌ُّ على حفرها، واحتمل اجتماع الجميع - أيضاً - في حقه، وكان مكاتباً لامرأة من بني ليث بن بکیر، ویقال له : صاحب العبا. روى عن عمر، وعلي، وأسامة بن زيد، وجماعة من الصحابة والتابعين. وعنه عمرو بن أبي عمرو، وجمع. . وَثَّقَهُ الواقدي، وأخرج له الستة. وقال النسائي: لا بأس به. وأَمَّا ابنه (سعيد)، فكنيته: أبو سعد، ويقال له: المقبري - أيضاً -، بنسبة أبيه، وقد سمع جمعاً من الصحابة، منهم أبو هريرة، وابن عمر، وجمعاً من التابعين، منهم أبوه. ١٠٨ وعنه يحيى الأنصاري، وغيره من التابعين، ومالك، وغيره من الأعلام. قال أبو زرعة: ثقة. وقال أحمد: لا بأس به. قال أحمد بن سعد: كان ثقة كثير الحديث، ولكنه كبر وبقي حتى اختلط قبل موته، وقدم الشام مرابطاً . وبالجملة: كلام القوم فيه كثير، وأخرج له الستة، وما وقع في ((الصحيحين)) محمول على أنه قبل الاختلاط. ثم اختلف القوم بأن المقبري المذكور هنا هو، أو أبوه أبو سعيد؛ لأنهما جميعاً يرويان عن أبي سعيد الخدري، ويروي عنهما - أيضاً - عمرو بن أبي عمرو؟ واختيار الدار قطني والشيخ أبي عمرو بن الصّلاح الأوّل، واختيار الغساني وأبي مسعود الدمشقي الثاني، وفي ((مسند أبي عوانة المخرج على صحيح مسلم)) من طريق إسماعيل بن جعفر، عن أبي سعيد، ومن طريق سليمان بن بلال، عن أبيه أبي سعد سعيد، وإطلاق مسلم المقبري ربما يستدل على أن المراد: أبو سعيد؛ لأن النسبة في الأصل له. ١٠٩ (٢٦) باب بيان أفضل الأعمال [٣٨ _ باب بَيَانِ كَوْنِ الإِيمَانِ بِاللهِ تَعَالَى أَفْضَلَ الأَعْمَالِ ] ٢٥٨ _ (٨٣ / ١٣٥) - وَحَدَّثَنَا مَنْصُورُ بْنُ أَبِي مُزَاحِمٍ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ ح، وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ زِيَادٍ، أَخْبَرَنَا إِبْرَاهِيمُ - يَعْنِي : ابْنَ سَعْدٍ -، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: سُئِلَ رَسُولُ اللهِ: أَيُّ الأَعْمَالِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: (إِيمَانٌ بِاللهِ». قَالَ: ثُمَّ مَاذَا؟ قَالَ: ((الجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللهِ». قَالَ: ثُمَّ مَاذَا؟ قَالَ: ((حَجُّ مَبْرُورٌ). وَفِي رِوَايَةٍ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ قَالَ: ((إِيمَانٌ بِاللهِ وَرَسُولِهِ)). ٢٥٩ - وَحَدَّثَنِيهِ مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعِ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ بِهَذَا الْإِسْنَادِ، مِثْلَهُ. ولما كان في الأحاديث السابقة ما يدل على تفاوت الأعمال، وتباينٍ تأثير فعلها وتركها في الإيمان، ناسب إيراد الأحاديث الدالة على التفاضل بينها، فأخرج ثلاثة أحاديث : ١١١ الحديث الأول: حديث أبي هريرة، قَالَ: سُئِلَ رَسُولُ اللهِ ◌ِ: أَيُّ الأَعْمَالِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: ((إِيمَانٌ بِاللهِ». قَالَ: ثُمَّ مَاذَا؟ قَالَ: ((الجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللهِ». قَالَ: ثُمَّ مَاذَا؟ قَالَ: ((حَجّ مَبْرُورٌ)) . وأخرجه البخاري، والنسائي في (الإيمان)، و(الجهاد)، و(الحج)، والترمذي في (الجهاد)، وفيه بدل قوله: ((الجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللهِ)): ((الجِهَادُ سَنَامُ العَمَلِ)). ثم الكلام ــ هاهنا - في مواضع. الأول: في التعريف برواته سوی ما ذکر. (منصور)، وهو أبو نصر بن أبي مزاحم بشير التركي. عن مالك، وفلیح بن سليمان، وشريك، وخلائق. وعنه حفيده أبو طالب، وأحمد بن علي، وجمع. وَثَّقَهُ الدار قطني، وغيره، وأخرج له مسلم، وأبو داود، والنسائي. توفي سنة خمس وثلاثین ومئتين . الثاني : فيما يتعلق بالمعنى : اعلم أن مسلماً - رحمه الله - لما أورد الأحاديث الدالة على حصول الأعمال في الإيمان، أراد أن يورد ما يدل على دخول الإيمان في الأعمال، وإطلاق العمل عليه، مع الإيماء بأنه أفضل من الجميع، وأساس الكل، وقد ترجم البخاري في الباب المشتمل على هذا الحديث: (بيان أن الإيمان هو العمل)، وهذا الإطلاق صحيح لغة ١١٢ وشرعاً؛ لما عرفت من أن مداره التصديق، وهو عمل القلب، ومن ينكر إطلاق العمل عليه، ويزعم أن العمل يطلق على فعل الجوارح، ولا يطلق على فعل القلب واللسان، فقد يناقش في اللفظ على خلاف الصّواب، فإن العمل أعم لغة وشرعاً من فعل الجوارح، وكما يطلق عليها، يطلق على فعل القلب - أيضاً -. ومن يفرق بين الإيمان والإسلام، ويزعم أن الإسلام هو الأعمال لا الإيمان، فقد مر الكلام معه. وقد عرفت أن النبي - عليه السلام - کان یجیب عن سؤال السائل بما يليق بحاله، وتكون بعض الأعمال أليق بحال شخص من بعض، ويكون بعض الأشخاص أميل إلى بعض الأعمال من بعض، ولاشك أن الحكيم الحاذق بمداواة أمراض القلوب يعالج كل مريض بما يناسب حاله، ويليق به، وكون بعض الأشياء بالنسبة إلى بعض الأحوال والأشخاص أليقَ وأفضلَ من بعض، ولا يلزم من ذلك كونه أحسنَ وأليق وأفضل على الإطلاق. وقد علمت أن الإيمان أفضل جميع الأعمال؛ لأنه أساس الكل، ولا يعتبر بدونه عمل، فكونه أفضل بالنسبة إلى الجميع أمرٌ واضح، ولوضوح أمره، واحتياج جميع أنواع البرّ إليه، ربّما يترك ذكره؛ لكونه معلوماً محققاً؛ بحيث لا يخفى على سائل قط، كما قد يذكر توطئة وتذكيراً للسائل بوجوب الثبات عليه، وزيادة الاهتمام بشأنه. ١١٣ وإذا عرفت هذا، فالمذكور من الأعمال بعد الإيمان في هذه الأحاديث: الجهاد في سبيل الله، والحج المبرور؛ أي: المقبول بظهور الرشد في الحاج بعد تلبسه به، كما ذُكِرَ عن النبي ◌َِّ: أَنَّهُ سُئِلَ: مَا بِرُّ الحَجّ؟ فَقَالَ: ((إِطْعَامُ الطَّعَامِ، وَطِيبُ الكَلاَمِ، والصَّلاةُ لِوَقْتِهَا، وَبِرُّ الوَالِدَيْنِ))، وقد تقدم بعضها على بعض بحسب حال المخاطبین. وفيه تنبيه بأن الأفضلية دائرة في الجميع، وكلها من القسم الأفضل بالنسبة إلى غيرها، وإن كان بعضها بالنسبة إلى بعض أفضل، أو مساوياً له في الأفضلية؛ لتقاوم فضيلةُ كل واحد منهما فضيلةَ الآخر من وجه . ولا يَرِد عليه ما يقال: من أن لفظة (ثم) للتراخي، فإذا لم يكن في الزمان، فلابد وأن يكون في الرتبة، وقد وقع في بعض الروايات بعضُ الأعمال بلفظة (ثم)، وذلك يقتضي أن تكون رتبة المعطوف دون رتبة المعطوف عليه . ولا حاجة - أيضاً - إلى أن يقال: إِنَّ (ثم) للتراخي في زمان التكلم، فإن هذا الوجه لا يصار إليه في بليغ الكلام إلا لضرورة داعية إليه، ولا ضرورة هاهنا؛ لأنه ذكر أولاً: أن الإيمان بالله أفضل الأعمال، ولاشك فيه، ثم الجهاد، وكونُ الحج فرضَ عين، والجهادِ فرضَ كفاية، لا يقتضي كونَ الحج أفضلَ منه؛ لما بيَّنَّا بأن ذلك بحسب الأشخاص والأحوال، فإن محاربة أعداء الدين، خصوصاً في ١١٤ أوائل ظهور الإسلام، لاشك أنه أفضل من الحج. ولا ترد قصة ابن عمر، وجوابه بقوله: (بني الإسلام) - على ما مر -؛ لأنه بعد ظهور معالم الدين، ووضوح شعائر اليقين، وبلوغ أمر الإسلام في الأداني والأقاصي، واشتغال أمر الأجناد في الأطراف بأخذ النواصي. وأَمَّا كون الجهاد في بعض الروايات ثانية الأعمال، وثالثة الإيمان بالله ورسوله، وفي بعضها بعد الصلاة وبر الوالدين، فلِما قلنا من أن المراد: بيان أنّ الكل داخل في القسم الأفضل، والتقديم بالذكر بحسب الأشخاص والأحوال. وفيه: إيماء إلى الترتيب - أيضاً -؛ فإن الصّلاة لا تسقط بحال، وكذا بِرَّ الوالدين، والجهادُ يسقط في بعض الأوقات - على ما عرفت -، فتنبّه إلى أنه قد يصير أقوى من الواجب عيناً، وأقدم عليه رتبة، وليس له ذلك في جميع الواجبات العينية، بل في بعضها. وقيل: المراد بالجهاد: الصّوم؛ لأنه المجاهدة مع النفس التي هي أعدى عدوّ الدين. وقيل: المراد من الإيمان - أيضاً -: الصلاة؛ كما قيل في قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللّهُ لِيُضِيعَ إِيمَنَكُمْ﴾ [البقرة: ١٤٣]؛ أي: صلاتكم. فالحاصل: أنه ذكر أموراً خمسة: الإيمان بالله ورسوله، وهو أفضل على الإطلاق، ثم طوى ذكره في بعض الروايات؛ لما قلنا من ١١٥ وضوحه، وأن كل خصلة إنما تستأهل أن تسمى عملاً مع وجود ذكر الصلاة، ولا يخفى فضلها؛ لأنها عماد الدين، وثالثة الإيمان في الركنية في جميع مسالك الیقین. ثم ذكر بّر الوالدين؛ لأن الصلاة كما تكون لأداء شكر نعمة المنعم الحقيقي الأصلي، كذا بِرُّهما إذا شكر نعمة الظاهري الفرعي، ولذلك اقتصر في بعض المواضع عليهما. ثم ذكر الجهاد، ثم الحج - على ما مّر -. ولما كان سبب فضيلة العمل كونه أحب إلى الله تعالى وأحرى لقبوله، وثمرته التقرب إلى ثوابه والجنة، جاء في حديث ابن مسعود - على ما سيجيء - بدل الأفضل: الأحب إلى الله، والأقرب إلى الجنة، إشارةً إلى السبب والثمرة. ولَمَّا كانت الأوقات للصلوات أسباباً، جعلها الشارع علاماتٍ وأماراتٍ على ما تحقق في موضعه، وإدخال اللام عليها المشعر بالسببية شائعٌ مستفيضٌ، قال الله تعالى: ﴿ أَقِمِ الصَّلَوَةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾ [الإسراء: ٧٨]، وغيره. و- أيضاً -: إِنَّ الصلاة إنما تصير مفيدة بها عند وقوعها في وقتها، والواقع خارج الوقت فيه نقصان، مصرّحاً بأن الصّلاة إنما تكون أفضل الأعمال إذا أتى بها المصلي في وقتها، وإنما ذكر (على) بدل اللام، إيماءً إلى أن المصلي ينبغي أن يتمكن في الإتيان منها تمكن المستعلي على مَنْ تحته، والراكب على مركوبه، ففي اللام ١١٦ إيماء إلى أن سبب الفضيلة هو الوقوع في الوقت، وكأن الوقت يبلغها إلى درجة القبول، وفي (على) أنَّ المصلي إنما يصير إلى الجنة بتمكنه في الأداء، كما قيل في قوله تعالى: ﴿أُوْلَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ زِِّهِمْ﴾ [البقرة: ٥] الآية، وإنما خصّ الإيراد بـ (على) في موضع، و(اللام) في آخر؛ نظراً إلى السؤال؛ فإن كون العمل أقربَ إلى الجنة أقوى من كونه أفضل، فذكر لفظة (على) الدالة على التمكن في الأقوى؛ و(اللام) في القوي إيقاعاً للجواب على طبق السؤال، وإيراداً لفضيلة التمكن عليها. وقد روى الدارقطني هذا الحديث من طريق صحيحة، وقال: ((الصَّلاةُ لأَوَّلِ وَقْتِهَا))، وهو ظاهر على أن أوائل أوقات الصلوات أفضل، كما ذهب إليه الشافعي ظه، وسيجيء الكلام على ذلك في موضعه ۔ إن شاء الله -. ٢٦٠ - (٨٤ / ١٣٦) - حَدَّثَنِي أَبُو الرَّبِيعِ الزَّهْرَانِيُّ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، حَذَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ حِ، وَحَدَّثَنَا خَلَفُ بْنُ هِشَامِ - وَاللَّفْظُ لَهُ -: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ هِشَامٍ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِهِ، عَنْ أَبِي مُرَاوِحِ اللَّيِيِّ، عَنْ أَبِيٍ ذَرُّ، قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ! أُّ الأَعْمَالِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: ((الإِيمَانُ بِاللهِ، وَالجِهَادُ فِي سَبِيلِهِ». قَالَ: قُلْتُ: أَيُّ الرِّقَابِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: ((أَنْفَسُهَا عِنْدَ أَهْلِهَا، وَأَكْثَرُهَا ثَمَناً). قَالَ: قُلْتُ: فَإِنْ لَمْ أَفْعَلْ، قَالَ: ((تُعِينُ صَانِعاً، أَوْ تَصْنَعُ لأَخْرَقَ)). ١١٧ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ! أَرَأَيْتَ إِنْ ضَعُفْتُ عَنْ بَعْضِ العَمَلِ؟ قَالَ: ((تَكُفُّ شَرَّكَ عَنِ النَّاسِ؛ فَإِنَّهَا صَدَقَةٌ مِنْكَ عَلَى نَفْسِكَ)). ٢٦١ _ (٨٤/ ١٣٦) - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ عَبْدٌ: أَخْبَرَنَاَ، وَقَالَ ابْنُ رَافِعٍ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَاَ مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ حَبِيبٍ مَوْلَى غُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ أَبِي مُرَاوِحٍ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ، عَنِ النَّبِيِّ بَ﴿ بِنَحْوِهِ، غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: (فَتُعِينُ الصَّانِعَ، أَوْ تَصْنَعُ لأَخْرَقَ)). الثاني: حديث أبي ذرّ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ! أيُّ الأَعْمَالِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: ((الإِيمَانُ بِاللهِ، وَالجِهَادُ فِي سَبِيلِهِ». قَالَ: قُلْتُ: أَيُّ الرِّقَابِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: ((أَنْفَسُهَا عِنْدَ أَهْلِهَا، وَأَكْثَرُّهَا ثَمَنَا)). قَالَ: قُلْتُ: فَإِنْ لَمْ أَفْعَلْ، قَالَ: ((تُعِينُ صَانِعاً، أَوْ تَصْنَعُ لِأَخْرَقَ)). قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ! أَرَأَيْتَ إِنْ ضَعُفْتُ عَنْ بَعْضِ العَمَلِ؟ قَالَ: ((تَكُفُّ شَرَّكَ عَنِ النَّاسِ؛ فَإِنَّهَا صَدَقَةٌ مِنْكَ عَلَى نَفْسِكَ)). أخرجه البخاري، والنسائي في (الجهاد)، و(الفتن)، وابن ماجه في (الأحكام). إذا عرفت هذا، فالكلام ــ هاهنا - في موضعين: الأول: في التعريف برواته سوى ما سلف. وهو (أبو مراوح)، قيل: اسمه سعد، وهو غفاري، ويقال له: الليثي. ١١٨ عن أبي ذر، وحمزة بن عمرو الأسلمي. وعنه عروة، وسليمان بن يسار، وزيد بن أسلم، وغيرهم. وَثَّقَهُ العجلي، وغيره، وأخرج له [الستة] إلا أبا داود، والترمذي، قيل: ولد في حياة النبي ◌َّر. وأما (حَبِيبٌ) في الإسناد الآخر، فهو حَبِيبٌ الأعور. عن مولاه، وأسماء بنت أبي بكر، وغيرهما. وعنه الزهري، وأبو الأسود، وعروة، وآخرون. أخرج له مسلم، وأبو داود، والنسائي. والثاني: فيما يتعلق بمتن الحديث: قوله: (أيُّ الرِّقَابِ أَفْضَلُ؟) الظاهر أنه سؤال عن رقبة الإنسان، والغرض: أن عتق أَيِّ رقبة أفضل؟ فذكر أن الأَنْفَسَ؛ أي: الأعزَّ الأكثرَ ثمناً أفضلُ؛ لأنه كلما كان أنفسَ، كان أحبّ إلى صاحبه ﴿لَنْ ثَنَالُواْ الْبِرَّحَقَّ تُنفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ﴾[آل عمران: ٩٢]، وهذا على إطلاقه مستقيم؛ لما ذكرنا، ولا يَرِد عليه أن الرقبتين المفضولتين في العتق أفضلُ من رقبة واحدة فاضلة؛ فإن تخليص نفسين من ذلّ العبودية أفضلُ من تخليص واحدة؛ بخلاف الأضحية؛ فإن الشاة الواحدة السمينة خيرٌ من شاتين مهزولتين؛ إذ المقصود منها: اللحم، والسمينُ أوفرُ وأطيب؛ لأن السؤال ليس عن جنس الأفضل، ولاشك أن عتق الأنفَسِ أفضلُ وأكثرُ ثواباً من عتق الأخَسّ. ١١٩ وأمّا السؤال عن أن عتق واحدة أفضلُ، أم اثنتين؟ فأمرٌ آخر غير هذا . وقيل: المراد بالأنفَس: المسلِمة؛ لأن عتق رقبة مسلمة خير من عتق كافرة، وفي قوله: (ثَمَناً) بعضُ نبوٍّ عن ذلك. ويحتمل أن يكون المراد من الرقاب: رقاب الأنعام، والغرض: الأضحية، أو الهَدْي؛ لأن هذا وقع بدل الحج في الرواية الأولى، فكأنه سأل عن أفضل ما ينحر؛ إشعاراً بذلك السؤال عن الحج، فلاشك أن الأنفَس الأكثر ثمناً خيرٌ فيها - على ما مر -. وقيل: معنى السؤال: أيُّ عبيدِالله أفضلُ عند الله؟ فقال: (أَنْفَسُهَا)؛ أي: أخلصها طاعة لله، وأكثرها قبولاً لطاعته؛ لأن الشيء كلما كان أعز وأكثر قبولاً، كان أكثر ثمناً، فالمناسبة أنه لما سأل عن أفضل الأعمال، سأل بعضه عن أفضل العاملين، ويدل عليه تتمة الحديث، خصوصاً قوله: (أَرَأَيْتَ ... ) إلى آخره. ويحتمل أن يكون السؤال عن كيفية الجهاد، والمعنى: ضَرْبُ أيِّ الرقاب أفضلُ وأكثر ثواباً؟ فقال: أعزها عند أهلها، وأكثرها قدراً، يعني : أن قتل رئيس من رؤساء الكفرة أفضلُ وأكثر ثواباً من قتل وَاحدٍ من أدناهم، ويدل عليه قوله: (عِنْدَ أَهْلِهَا)، وكذا ذكر الثمن؛ لأن الكافر؛ لكفرانه شكرَ النعمة ملحَقٌ بالبهائم التي عزتُها بكثرة ثمنها . قوله: (تُعِينُ صَانِعاً) الرواية الصحيحة المشهورة بالصاد المهملة والنون، وهو الذي له تدرب في العمل، على ما قيل: إن ١٢٠