Indexed OCR Text
Pages 401-420
بِقَوْمٍ، فَأَمَرُوا لَكُمْ بِمَا يَتْبَغِي لِلصَّفِ(١)، فَاقْبَلُوا، فَإِنْ لَمْ يَفْعَلُوا، فَخُذُوا مِنْهُمْ حَقَّ الضَّيْفِ الَّذِي يَنْبَغِي لَهُمْ)) على أن الضيافة واجبه ليلة واحدة. ومذهب عامة الفقهاء استحبابُها، وأجابوا أن مثل قوله: (فَلْيُكْرِمْ)، و(فَلْيُحْسِنْ) لا يستعمل في الواجب، كيف وقد ضم إليه إكرام الجار، وهو غير واجب وفاقاً، يعني: أن إعطاء شيء من المال للجار غير واجب شرعاً، وإن أُريد بالإكرام: الرعاية، والتوقير، ومحافظة حقه، فواجب في الضيف - أيضاً -، ولكن لا يصلح دليلاً على ما ادعى من ثبوت شيء للضيف على المضيف. وأما سائر الأحاديث، فورودها في بدء الإسلام، وكانت الضيافة واجبة؛ لعدم تمرنهم بمكارم الأخلاق، واعتيادهم بالجفاء والخلاف، ثم نسخ. وقوله - عليه السلام -: ((الضَّافَةُ ثَلاَثَةُ أَيَّامٍ، وَجَائِزَتُهُ يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ)) صريحٌ في ذلك. ثم اختلفوا في أن الوجوب في الأول؛ إما على الجميع، وهو قول الشافعي ﴿ه وأصحابه، أو على البادي خاصة، وعليه مالك ومَنْ تبعه، واستدل الشافعي له وأصحابه بعموم الأحاديث الواردة، وأن التخصيص خلاف الأصل، فلا يصار إليه إلا بسبب. واستدل مالك بأن العلة في ذلك الضرورة، ولا ضرورة في (١) في الأصل: ((بحق الضيف)). ٤٠١ الحضر؛ لأن المسافر يجد فنادق، ومواضع النزول، وما يشترى من الأسواق، فلا حاجة، وربما منعت المقدمتان. وقد استدل بعض المتأخرين بما روي: ((الضَِّافَة عَلَى أَهْل الوَبَرِ، وَلَيْسَتْ عَلَى أَهْلِ المَدَر)»، وهذا ضعيف؛ لأن هذا الحديث عند أهل المعرفة موضوع، وسيجيء الكلام في (باب الضيافة) - إن شاء الله تعالى -. هذا والحق أن إكرام الجار والضيف، والتكلم بالخير، والسكوت عن كلام الشر من حقوق الإيمان، وواجبات الشرع، ويحصل بالقيام بها الإيمانُ، أو كمالُه. والاستدلال بهذا على الضيافة خاصة بعيدٌ جداً؛ إذ وجوب الشيء لا يلزم وجوب كل جزء من أجزائه، وكذا الجواب بأن (فَلْيُكْرِمْ)، و(فَلْيُحْسِنْ) مع أنه صيغة الأمر، ومذكور بعد قوله: (مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ، فَلْيُحْسِنْ) لا يستعمل في الوجوب بعيدٌ - على ما لا يخفى -، ثم الظاهر أن المراد بالخير: ما يترتب عليه ثواب، فعلى هذا الإمساكُ عن المباحات مندرجٌ تحت قوله: (أَوْ لِيَصْمُتْ) كما اندرج المكروه والحرام، ويكون مأجوراً عليه؛ إِمَّا لأنه ترك ما لا يعنيه، فيكون من حسن إسلامه، وإِمَّا لإجرائه - في الغالب - إلى مكروه أو حرام؛ لأنه يمكنه إتيان شيء أفضل منه في وقت إتيانه به، وعليه قوله تعالى: ﴿لَّخَيْرَ فِى كَثِيرٍ مِّن نَّجْوَ هُمْ﴾ [النساء: ١١٤] الآية. ٤٠٢ اله: إذا أراد المرء أن يتكلم، ينبغي أن يتفكر، وعن الشافعي فإن ظهر أن فيه نفعاً تكلم، وإلا أمسك. واختلف العلماء في تفسير قوله تعالى: ﴿مَّا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ ﴾ [قَ: ١٨]: أن جميع ما يلفظ يكتب، أو ما يترتب عليه الجزاء. وإلى الثاني ذهب ابن عباس، وجماعة من المحققين. وإلى الأوّل جمع. فبالجملة: الإمساك عن التكلم بما لا نفع فيه خير، وفي السكوت منافع لا تعد ولا تحصى. وعن أبي محمد عبدالله بن أبي زيد: جماع آداب الخير يتفرع من أربعة أحاديث: من هذا الحديث، ومن قوله: ((مِنْ حُسْنِ إِسْلامِ المَرْءِ تَرْكُهُ مَا لاَ يَعْنِيهِ))، ومن قوله للذي طلب منه الوصية: ((لاَ تَغْضَبْ))، ومن قوله: ((لا يُؤْمِنُ عَبْدٌ حَتَّى يُحِبَّ لأَخِيهِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ)). هذا كلامه . بل عند التحقيق يرجع الكل إلى قوله: (مِنْ حُسْنِ إِسْلامِ المَرْءِ))، وإلى قوله: ((حَتَّى يُحِبَّ لأَخِيهِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ))؛ فإن الباقيين، بل الجميع يتفرع منها، فإن جميع الأوامر والنواهي من الإقدام عليها، والإحجام عنها مندرجٌ تحت قوله: ((تَرْكُهُ مَا لاَ یَعْنِیهِ))؛ إذ في تركه ما لا يعنيه ندب إلى فعل ما يعنيه، وجميع أفعال القلب مندرج تحت قوله: ((يُحِبَّ لأَخِيهِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ)). ٤٠٣ وإنما قدم التكلم؛ لأنه أقوى في تحصيل المثوبة، وبه يمتاز الإنسان عن سائر الحيوانات، وهو الأصل في أداء الحقوق، ولهذا قالوا: السكوت في موضع التكلم خطيئة. وعن أبي القاسم القشيري: السكوت في وقته صفةُ الرجال، كما أن النطق في موضع من أشرف الخصال. وعن أبي علي الدقّاق: من سكت عن الحق فهو شيطان أخرس. وإنما آثر أصحاب المجاهدة السكوت لما علموا أن الكلام من الآفات، وقد استقرأ المُحاسبون أنفسهم آفاتِ اللسان، فوجدوها تُنيف على العشرين، وقد أرشد النبي - عليه السلام - إلى هذا جملة، فقال: (وَهَلْ يَكُتُّ النَّاسَ عَلَى مَنَاخِرِهِمْ فِي النَّارِ إِلَّ حَصَائِدُ السِنَتِهِمْ)). وحديث معاذ، قال: كُنْتُ مَعَ رَسُولِ اللهِ نَّهِ فِي سَفَرٍ، فَأَصْبَحْتُ قَرِيباً مِنْهُ وَنَحْنُ نَسِيرُ، فَقُلْتُ: يَا نَبِيَّ اللهِ! أَلَا تُخْبِرُنِي بِعَمَلٍ يُدْخِلُنِي الجَنَّةَ، وَيُبَاعِدُنِي مِنَ النَّارِ؟ قَالَ: (لَقَدْ سَالتَ عَنْ عَظِيمٍ، وَإِنَّهُ لَيَسِيرٌ عَلَى مَنْ يَسَّرَهُ اللهُ عَلَيْهِ: تَعْبُدُ اللهَ، لا تُشْرِكُ بِهِ شَيْئاً، وَتَقِيمُ الصَّلاةَ، وَتُؤْتِي الزَّكَاةَ، وَتَصُومُ شَهْرَ رَمَضَانَ، وَتَحُجُّ البَيْتَ)). ثُمَّ قَالَ: ((أَلَا أَدُلُكَ عَلَى أَبْوَابِ الخَيْرِ؟ الصَّوْمُ جُنَّةٌ، وَالصَّدَقَةُ تُطْفِئُ الخَطِيئَةَ، وَصَلاةُ الرَّجُلِ فِي جَوْفِ اللَّيْلِ))، ثُمَّ قَرَأَ: ﴿ نَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَارِعِ﴾ حَتَّى بَلَغَ: ﴿جَزَّهُ بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ [السجدة: ١٦ - ١٧]، ثُمَّ قَالَ: ((أَلَا أُخْبِرُكَ بِرَأْسِ أَمْرِ الإِسْلامِ، وَعَمُودِهِ، وَذُرْوَةٍ ٤٠٤ سَنَامِهِ؟ الجِهَاد)»، ثُمَّ قَالَ: ((أَلَا أُخْبِرُكَ بِملاكِ ذَلِكَ؟))، قُلْتُ: بَلَى يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ: فَأَخَذَ بِلِسَانِهِ، فَقَالَ: ((اكْفُفْ عَلَيْكَ هَذَا»، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ! وَإِنَّا لَمُؤَاخَذُونَ بِمَا نَتَكَلَّمُ بِهِ؟ قَالَ: ((ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ يَا مُعَاذُ، وَهَلْ يَكُبُّ النَّاسَ عَلَى وُجُوهِهِمْ فِي النَّارِ إِلا حَصَائِدُ أُلْسِنَتِهِمْ؟)) أخرجه أبو داود، والترمذي. وعن أم حبيبة زوج النبي - عليه السلام -، عن النبي ◌َّ، قال: (كَلاَمُ ابْنِ آدَمَ عَلَيْهِ لاَ لَهُ، إِلَّ الأَمْرَ بِالمَعْرُوفِ، وَالنَّهْيَ عَنِ المُنْكَرِ، وَذِكْرَ اللهِ)) أخرجه الترمذي، وابن ماجه. وحديث ابن عمر، قال: قال رسول الله وَّهِ: ((مَنْ صَمَتَ نَجَا)) أخرجه الترمذي. وقد جمع النبيُّ - عليه السلام - كلَّ ذلك في قوله: ((مِنْ حُسْنِ إِسْلام المَرْءِ تَرْكُهُ مَا لاَ يَعْنِیهِ)) أخرجه الترمذي، وابن ماجه. وحديث أبي هريرة عن النبي - عليه السلام -: ((إِنَّ العَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بِالكَلِمَةِ مِنْ سَخَطِ اللهِ، مَا يُلْقِي بِهَا بَالاً، يَهْوِي بِهَا فِي النَّارِ سَبْعِينَ خَرِيفاً»، وسيجيء الكلام عليه - إن شاء الله تعالى -. وعن الفضيل بن عياض: من عدَّ كلامه من عمله، قل كلامه فيما لا یعینہ. وعن ذي النون: أَصْوَنُ الناس لنفسه أملَكُهم للسانه. وأمثال هذا كثيرة مذكورة في مواضعه. ٤٠٥ قوله: (فَلاَ يُؤْذِي جَارَهُ)، في ((مسلم)) بالياء، وفي بعض الأصول غيره: (فَلاَ يُؤْذِ) بدون الياء على النهي، والأوّل من باب وضع الخبر موضعَ النھي. فيه من المبالغة والإيماء إلى أنه أمرٌ ينبغي أن يسارع إلى امتثاله قبل النهي، كأنه فعل المخاطب، فهو يخبر عنه؛ كما فعل في قوله تعالى: ﴿لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ ﴾ [البقرة: ٨٣] الآية، ما ليس في رواية حذف الياء. الثالث: في بيان الترتيب: وهو ظاهر مما مر. ٤٠٦ (١٤) بيان ما يجب على المؤمن من النهي عن المنكر، ومراتب أهل الإيمان ١٨٦ - (٤٩ / ٧٨) - حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْئَةَ، حَدَّثْنَا وَكِيعٌ عَنْ سُفْيَانَ حِ، وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، كِلاَهُمَا عَنْ قَيْسِ بْنِ مُسْلِمٍ، عَنْ طَارِقِ بْنِ شِهَابٍ - وَهَذَا حَدِيثُ أَبِي بَكْرٍ -، قَالَ: أَوَّلُ مَنْ بَدَأَ بِالخُطْبَةِ يَوْمَ الِعِيدِ قَبْلَ الصَّلاَةِ مَرْوَانُ، فَقَامَ إِلَيْهِ رَجُلٌ، فَقَالَ: الصَّلاَةُ قَبْلَ الخُطْبَةِ. فَقَالَ: قَدْ تُرِكَ مَا هُنَالِكَ، فَقَالَ أَبُو سَعِيدٍ: أَمَّا هَذَا، فَقَدْ قَضَى مَا عَلَيْهِ، سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِعَّل يُقُولُ: (مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَراً، فَلْتُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ، فَبِلِسَانِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ، فَبِقَلْبِهِ، وَذَلِكَ أَضْعَفُ الإِيمَانِ). ١٨٧ - (٤٩ / ٧٩) - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبِ مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ رَجَاءٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُذْرِيِّ، وَعَنْ قَيْسِ بْنِ مُسْلِمٍ، عَنْ طَارِقِ بْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ فِي قِصَّةٍ مَرْوَانَ، وَحَدِيثٍ أَبِي سَعِيدٍ عَنِ النَّبِيِّ ◌َ﴿، بِمِثْلِ حَدِيثِ شُعْبَةَ، وَسُفْيَانَ. ٤٠٧ لمَّا كان في الأحاديث السّابقة وجوبُ محبة المرء لنفسه ما يحبُّ لأخيه، وكان الأمر بالمعروف، والنهيُ عن المنكر مما يجب أن يحبّ المرءُ لنفسه، فينبغي أن يأمر به، وينهى عنه أخاه. و- أيضاً -: لما كان فيه الأمر بالتكلم خيراً، أو الصمت، وفيه إكرام الجار، وربما يظن أن ذلك في كل الأمور حتى في الإضلال عن المعروف، والإقدام على المنكر، أخرج مسلم بعد ذلك ما يدل على أنّ الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر من الإيمان، وأنّ ذلك مما ينبغي أن يقوم [به] المؤمن؛ لأنه مما يجب عليه، لا أن يسكت عنه، وأنه من باب الإحسان إلى الأخ والجار، لا من باب الإساءة إليهما. فأخرج حديث أبي سعيد أنّ: (أَوَّلُ مَنْ بَدَأَ بِالخُطْبَةِ يَوْمَ العِيدِ قَبْلَ الصَّلاَةِ مَرْوَانُ، فَقَامَ إِلَيْهِ رَجُلٌ، فَقَالَ: الصَّلاَةُ قَبْلَ الخُطْبَةِ. فَقَالَ: قَدْ تُرِكَ مَا هُنَالِكَ، فَقَالَ أَبُو سَعِيدٍ: أَمَّا هَذَا، فَقَدْ قَضَى مَا عَلَيْهِ، سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِوَهِ يَقُولُ: ((مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَراً، فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ، فَبِلِسَانِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ، فَبِقَلْبِهِ، وَذَلِكَ أَضْعَفُ الإِيمَانِ). وأخرجه أبو داود، في (الصّلاة)، والترمذي في (الفتن)، والنسائي في (الإيمان)، وابن ماجه في (الصلاة)، وفي (الفتن). ١٨٨ - (٥٠ / ٨٠) - حَذَّثَنِي عَمْرُو النَّقِدُ، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ النَّضْرِ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ - وَاللَّفْظُ لِعَبْدٍ -، قَالُوا: حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ ٤٠٨ سَعْدٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِيٍ، عَنْ صَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ، عَنِ الْحَارِثِ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ الْحَكَمِ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْمِسْوَرِ، عَنْ أَبِي رَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ: أَنَّ رَسُولَ اللهِوَهِ قَالَ: ((مَا مِنْ نَبِيِّ بَعَثَّهُ اللهُ فِي أُمَّةٍ قَبْلِي إِلَّ كَانَ لَهُ مِنْ أُمَّتِهِ حَوَارِتُّونَ وَأَصْحَابٌ يَأْخُذُونَ بِسُنَِّهِ، وَيَقْتَدُونَ بِأَمْرِهِ، ثُمَّ إِنَّهَا تَخْلُفُ مِنْ بَعْدِهِمْ خُلُوفٌ يَقُولُونَ مَا لاَ يَفْعَلُونَ، وَيَفْعَلُونَ مَا لاَ يُؤْمَرُونَ، فَمَنْ جَاهَدَهُمْ بِيَدِهِ، فَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَمَنْ جَاهَدَهُمْ بِلِسَانِهِ، فَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَمَنْ جَاهَدَهُمْ بِقَلْبِهِ، فَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَلَيْسَ وَرَاءَ ذَلِكَ مِنَ الإِيمَانِ حَبَُّ خَرْدَلٍ)). قَالَ أَبُو رَافِعٍ: فَحَدَّثْتُهُ عَبْدَاللهِ بْنَ عُمَرَ، فَأَنْكَرَهُ عَلَيَّ، فَقَدِمَ ابْنُ مَسْعُودٍ، فَزَلَ بِقَنَةَ، فَاسْتَتْبَعَنِي إِلَيْهِ عَبْدُاللهِ بْنُ عُمَرَ يَعُودُهُ، فَانْطَلَقْتُ مَعَهُ، فَلَمَّا جَلَسْنَا، سَأَلْتُ ابْنَ مَسْعُودٍ عَنْ هَذَا الحَدِيثِ، فَحَدَّثَنِيهِ كَمَا حَدَّثْتُهُ ابْنَ عُمَرَ. قَالَ صَالِحُ: وَقَدْ تُحُدِّثَ بِنَحْوٍ ذَلِكَ عَنْ أَبِي رَافِعٍ. ١٨٩ - (٥٠/ ٨٠) - وَحَدَّثَنِيهِ أَبُو بَكْرِ بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ مُحَمَّدٍ، أَخْبَرَنَا ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي الْحَارِثُ بْنُ الْفُضَيْلِ الْخَطْمِيُّ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ الْحَكَمِ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ، عَنْ أَبِي رَافِعٍ مَوْلَى النَّبِيِّ ◌َرَ، عَنْ عَبْدِاللهِ بْنِ مَسْعُودٍ: أَنَّ رَسُولَ اللهِنَ ◌ِّ قَالَ: ((مَا كَانَ مِنْ نَبِيِّ إِلَّ وَقَدْ كَانَ لَهُ حَوَارِيُّونَ يَهْتَدُونَ بِهَدِْهِ، وَيَسْتَنُّونَ بِسُنَّتِهِ»، مِثْلَ حَدِيثٍ صَالِحٍ، وَلَمْ يَذْكُرْ قُدُومَ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَاجْتِمَاعَ ابْنٍ عُمَرَ مَعَهُ. ٤٠٩ وحديث ابن مسعود: أن رسول الله : ﴿ قال: ((مَا مِنْ نَبِيٍّ بَعَثَهُ اللهُ فِي أُمَّةٍ قَبْلِي إِلَّ كَانَ لَهُ مِنْ أُمَنِهِ حَوَارِتُونَ وَأَصْحَابٌ يَأْخُذُونَ بِسُنَِّهِ، وَيَقْتَدُونَ بِأَمْرِهِ، ثُمَّ إِنَّهَا تَخْلُفُ مِنْ بَعْدِهِمْ خُلُوفٌ يَقُولُونَ مَا لاَ يَفْعَلُونَ، وَيَفْعَلُونَ مَا لاَ يُؤْمَرُونَ، فَمَنْ جَاهَدَهُمْ بِيَدِهِ، فَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَمَنْ جَاهَدَهُمْ بِلِسَانِهِ، فَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَمَنْ جَاهَدَهُمْ بِقَلْبِهِ، فَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَلَيْسَ وَرَاءَ ذَلِكَ مِنَ الإِيمَانِ حَبَّهُ خَرْدٍَّ)). قَالَ أَبُو رَافِعٍ: فَحَدَّثْتُهُ عَبْدَاللهِ بْنَ عُمَرَ، فَأَنْكَرَهُ عَلَيَّ، فَقَدِمَ ابْنُ مَسْعُودٍ، فَتَزَّلَ بِقَنَاةَ، فَاسْتَتْبَعَنِي إِلَيْهِ عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ يَعُودُهُ، فَانْطَلَقْتُ مَعَهُ، فَلَمَّا جَلَسْنَا، سَأَلْتُ ابْنَ مَسْعُودٍ عَنْ هَذَا الحَدِيثِ، فَحَدَّثَنِيهِ كَمَا حَدَّثْتُهُ ابْنَ عُمَرَ. وهذا الحديث من أفراد مسلم. إذا عرفت هذا، فاعلم أن الأمر بالمعروف باب عظيم من أبواب الدين، وقد انطمست في هذا الزمان أركانه، واندرست جدرانه، وانقضَّت حيطانه، ولم يبق من ذلك إلا طَلَّلُ ورَسْم، وذهب الباقي في ذهاب جَدیس وطَسْم. وأنا أذكر ـ هاهنا - جملة من الكلام فيه، فتكون إشارة على عظمه، وكيفية القيام به؛ فإن تركه مخوف جداً؛ لأنه إذا كثر الخبيث، عمَّ العقابُ الصالحَ والطالحَ؛ كما قال الله تعالى: ﴿وَأَتَّقُواْ فِتْنَةً لَّا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنكُمْ خَاصَةٌ﴾ [الأنفال: ٢٥] الآية، وقوله: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَلِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ﴾ [النور: ٦٣] الآية. وعن أبي بكر الصديق: أنه بَعْدَ أَنْ حَمِدَ اللهَ، وَأَثْنَى عَلَيْهِ، قَالَ: ٤١٠ يَا أَيّهَا النَّاسُ! إِنَّكُمْ تَقْرَؤُونَ هَذِهِ الْآيَةَ، وَتَضَعُونَهَا عَلَى غَيْرِ مَواضِعِهَا: ﴿عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَن ضَلَّ إِذَا أَهْتَدَيْتُمْ﴾ [المائدة: ١٠٥]، إِنّا سَمِعْنَا رَسُولَ اللهِ لَ ◌ّهَ يَقُولُ: ((مَا مِنْ قَوْمٍ يُعْمَلُ فِيهِمْ بِالْمَعَاصِي، ثُمَّ يَقْدِرُونَ عَلَى أَنْ يُغَيُِّوا، ثُمَّ لاَ يُغَيِّرُوا، إِلَّ يُوشِكُ أَنْ يَعُمَّهُمُ اللهُ مِنْهُ بِعِقَابٍ))، أخرجه الأربعة، إلا النسائي. وعن جرير بن عبدالله: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ وَ﴿ يَقُولُ: ((مَا مِنْ رَجُلٍ يَكُونُ فِي قَوْمٍ يُعْمَلُ فِيهِمْ بِالمَعَاصِيٍ، يَقْدِرُونَ أَنْ يُغَيِّرُوا عَلَيْهِ، وَلا يُغَيِّرُونَ، إِلا أَصَابَهُمُ اللهُ بِعِقَابٍ قَبْلَ أَنْ يَمُوتُوا))، أخرجه أبو داود، وابن ماجه. وعن حذيفة، عن النبي - عليه السلام -: أنه قال: ((وَالَّذِي نَفْسِي بِيِّ! لَتَأْمُرُنَّ بِالمَعْرُوفِ، وَلَنْهَوُنَّ عَنِ المُنْكَرِ، أَوْ لَيُوشِكَنَّ اللهُ أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عِقَاباً مِنْ عِنْدِهِ، ثُمَّ لَتَدْعُنَّهُ، فَلاَ يَسْتَجِيبُ لَكُمْ))، أخرجه الترمذي . وعن عائشة: سمعتُ رسولَ الله ◌ِّهِ يقول: ((مُرُوا بِالمَعْرُوفِ، وَانْهَوْا عَنِ المُنْكَرِ قَبْلَ أَنْ تَدْعُوا فَلاَ يُسْتَجَابَ لَكُمْ))، أخرجه ابن ماجه. و- أيضاً -: الواجب على الأخ القوي أن يأخذ حق الضعيف من الذي ظلمه؛ إذ بذلك تحصل له الفضيلة. وعن عبدالله: لَمَّا رَجَعَتْ إِلَى رَسُولِ اللهِ﴿ مُهَاجِرَةُ البَحْرِ (١)، (١) في الأصل: ((الحبشة)). ٤١١ قَالَ: ((أَلاَ تُحَدِّثُونِي بِأَعَاجِيبٍ مَا رَأَيْتُمْ بِأَرْضِ الحَبَشَةِ؟». قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ! بَيْنَا نَحْنُ جُلُوسٌ، مَرَّتْ بِنَا عَجُوزٌ مِنْ عَجَائِ رَهَابِهِمْ تَحْمِلُ عَلَى رَأْسِهَا قُلَّةً مِنْ مَاءِ، فَمَرَّتْ بِفَتَّى مِنْهُمْ، فَجَعَلَ إِحْدَى يَدَيْهِ بَيْنَ كَتِفَيْهَا، ثُمَّ دَفَعَهَا، فَخَرَّتْ عَلَى رَكْبَيْهَا، فَانْكَسَرَتْ قُلْتُّهَا، فَلَمَّا ارْتَفَعَتِ، الْتَّفَتَتْ إِلَيْهِ، فَقَالَتْ: سَوْفَ تَعْلَمُ يَا غُدَرُ إِذَا وَضَعَ اللهُ الكُرْسِيَّ، وَجَمَعَ الأَوَّلِينَ وَالآخِرِينَ، وَتَكَلَّمَتِ الأَيْدِي وَالأَرْجُلُ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ، فَسَوْفَ تَعْلَمُ كَيْفَ أَمْرِي وَأَمْرُكَ عِنْدَهُ غَداً. قَالَ: يَقُولُ: رَسُولُ اللهِوَ﴿ ((صَدَقَتْ، صَدَقَتْ، كَيْفَ يُقَدِّسُ اللهُ أُمَّةٌ لاَ يُؤْخَذُ لِضَعِيفِهِمْ مِنْ شَدِيدِهِمْ؟!»، أخرجه ابن ماجه. و- أيضاً -: يحصل للساكت عن الانتصار رضا بالمنكر، فيكون شريكاً للفاعل . وفيه حديث عبس بن عمر الكندي، مرفوعاً: ((إِذَا عُمِلَتِ الخَطِيئَةُ فِي الأَرْضِ، كَانَ مَنْ شَهِدَهَا وَكَرِهَهَا فَهُوَ كَمَنْ غَابَ عَنْهَا، وَمَنْ غَابَ عَنْهَا وَرَضِیَهَا كَمَنْ شَهدَهَا»، أخرجه أبو داود. والصاحب المشفق للإنسان هو الذي يسعى في عمارة دينه، وإن كان يسري ذلك إلى خراب دنياه، والشيطان الموبق هو الذي يفعل بالعكس، فإذاَ القيامُ بما يكون سبباً لعمارة الدين، ويرشد [إلى] قواعد مسالك اليقين، هو الواجب على كل مسلم، وهو من جملة ما يحب المرء لنفسه، فیجب أن یحب لأخيه. ٤١٢ ثم للقوم كلام في مواضع من هذا الباب في كونه فرضاً على الجميع، ويسقط بفعل البعض، وهو الصحيح كسائر فروض الكفايات، أو: واجب على بعض غير مُعيَّن، وقد ذهب إليه قوم، مستدلين بأنه لو كان على الكل، لما سقط بفعل البعض، وكذا قولهم في جميع فروض الكفاية؟ أجيب؛ بأن الإسقاط بفعل الغير غير عزيز، ولكن الإثم بترك ما لا يجب على الشخص بعيد خارج من القوانين، فعُلم أن فرض الكفاية ما هو واجب على الجميع، ويسقط بفعل البعض، وربما استدلوا بقوله تعالى: ﴿فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَآئِفَةٌ﴾ [التوبة: ١٢٢]؛ بأن طلب العلم من فروض الكفاية، وقد ثبت أنه على البعض، ولا قائل بالفصل. وأجيب؛ بأن التخصيص للضرورة، وهو الخلو عن مسمع الوحي، فيكون [ ... ]، وبأن ذلك في الأداء، ولا نزاع فيه، وإنما النزاع في الوجوب، ولوجوبه على الجاهل حينئذ. وأجيب بالتزامه، ولا مفسدة؛ كمن وجبت عليه الصلاة، ولا يعلم كيفية الأداء، فيجب أن يعلم ويفعل، حتى إنه لو ترك الكل أثم، وعلى هذا الخلاف [في] معنى (من) في قوله تعالى: ﴿وَلْتَكُنْ مِّنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْغَرُوفٍ وَيَنْهَوْنَ عَنِ اُلْمُنكَرِ﴾ [آل عمران: ١٠٤] الآية، فمن ذهب إلى أنه واجب على بعضٍ مُعيَّن، قال: إنها للتبعيض، ومن ذهب إلى وجوبه على الكل، قال: للبيان. والثاني: في أن وجوبه بالعقل، أو بالسمع، فذهب أهل السنة، ٤١٣ والبهشمية من المعتزلة إلى أنه بالسمع، وذهب سائر المعتزلة إلى أنه بالعقل. والثالث: في شرائطه، وهي أن يكون الشخص عالماً بما يأمر وينهى مطلقاً، على اختلاف المذاهب فيما يحتاج إليه، وأن يبدأ بالرفق واللين، ثم بالأشد فالأشد؛ إذ ربما ينفع في بعض المواضع اللين، ولا تنفع الغِلْظة، وبالعكس [ومنه قوله تعالى]: ﴿فَقُولَا لَهُ، قَوْلًا لَيَِّا لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾ [طه: ٤٤]، وأن يقوم بقدر وسعه من المباشرة بنفسه، أو أمره، وبجميع أعوانه، وبإخباره إلى ولاة بلدته ونحوها بقدر ما یمکنه ویقدر علیه، وأن یکون الذي يُؤْمَر وُنھی مكلفاً، أو غير مكلف، وفي فعله ضرر للمكلف، نعم، ينهى الصبيان عن المحرَّمات حتى لا يتعودوها، کما يؤمرون بالصلاة لیتمرنوا عليها، وهذا حسن، وليس من الأول. فهذه جملة الشروط المتفقة. وأما كون الآمر والناهي من أصحاب الحكومة، فالصحيح: أنه ليس بشرط، بل على كل مسلم ذلك، وربما ينقلب في حقه فرضَ عين، وهو أن يكون في موضع ليس فيه غيره، وادعى قوم الإجماع على ذلك؛ إذ في الصدر الأوّل والذي يليه [كان] يأمر وينهى من ليس بوالٍ، ولا ينكر عليه أحد، و- أيضاً -: واجب عليه كما على الولاة، فلا يختص بهم. وعن ابن مسعود: سمعت رسول الله يقول: ((إِنَّكُمْ مَنْصُورُونَ ٤١٤ وَمُصِيبُونَ وَمَفْتُوحٌ لَكُمْ، فَمَنْ أَدْرَكَ ذَلِكَ مِنْكُمْ، فَلْيَتَّقِ اللهَ، وَلْيَأْمُرْ بِالمَعْرُوفِ، وَلْهَ عَنِ المُنْكَرِ، وَمَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّداً، فَلْيَوَّأْ مَفْعَدَهُ مِنَ النَّارِ))، أخرجه أبو داود، وأخرج الترمذي عن عائشة، مرفوعاً بمعناه . والظاهر: أن الخطاب في قوله: (إِنَّكُمْ)، و(عَلَيْكُمْ)، و(مِنْكُمْ) لجميع الأمة، لا لولاة الأمور فقط، فلا يكون ذلك مختصاً لهم، وهذا إذا لم يُفضِ إلى المحاربة؛ أَمَّا إذا احتيج إليها، فالصحيح: أنه يختص بالولاة وأصحاب السلاح، ويسقط عن غيرهم. وما ليس من المشهورات في الدين، أو يكون من المختلفات في المذاهب، يسقط عن العوام، ويختص بأولي العلم. وأما هل للمحتَسِب أن يحمل الناس على مذهبه، وينهى من يخالفه، مع أن مذهب الفاعل [صحيح]، فالصحيح: أنه ليس له ذلك، وكذا ليس للقاضي الإنكار على من يخالف مذهبه في المختلفات، نعم، يستحب أن يؤمر ويُنهى عن الخروج عن الخلاف إذا لم يكن في الخروج وقوع في خلاف آخر، أو منهي في مذهبه؛ فإن السلف الصالح لم يزل يحترزون عن مظانِّ الخلاف بقدر الإمكان، وأما احتراز الآمر النَّاهي عما أمر ونهى، فليس بشرط على الصحيح؛ لأن ترك الارتكاب والإنكار واجبان، فبترك أحدهما لا يسقط عنه الواجب الآخر، وعن السلف: مروا بالخير، وإن لم تفعلوا. وعن الحسن البصري: أنه سمع مُطَرِّفَ بن عبدِ الله يقول: ٤١٥ لا أقول ما لا أفعل، فقال الحسن: وأينا يفعل ما يقول؟ ودَّ الشيطان لو ظفر بهذه منکم، فلا يأمر أحد بمعروف، ولا ینھی عن منكر. واعترض بقوله تعالى: ﴿لَمَّ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ [الصف: ٢]. وأجيب؛ بأن الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر مخصوصٌ من ذلك العموم بالإجماع، وبأن ذلك في الحكاية عن أنفسهم بأنا فعلنا كذا وكذا، بقوله: ﴿كَبُرَ مَقْنًا عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُواْ مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ [الصف: ٣]، وذلك أن أهل النفاق يدَّعُون أشياء من أفعالهم واعتقاداتهم ما ليس فيهم، فأنزل الله تعالى رَدّاً عليهم، وكذا حكم من حكى عن نفسه ما ليس فيه، قال - عليه السلام -: ((مَنِ اذَّعَى مَا لَيْسَ لَهُ، فَلَيْسَ مِنَّ)»، نعم، لو كان الآمر الناهي فاعلاً لما يأمر، وتاركاً لما نهى، كان أحسنَ، وأشد تأثيراً، وأكثر ثواباً، وأما تأثير قوله في الذي ينهاه، وعدم تأثيره فيه، فليس بشرط وفاقاً. وأما إذا علم أن المعصية تزيد بنهيه، ويحصل له الضرر العظيم في النهي بحيث يُقتل، هل يسقط عنه، أو لا؟ فالذي عليه القومُ: أنه لا يسقط عنه عزيمة؛ لأن الذي ينهاه مسلم، فإذا لم يؤثّر في الظاهر، يؤثر في الباطن؛ إذ من شأن المسلم تأثير النهي فيه، فإن ارتكب ذلك، وقبل، يكون مأجوراً بفعله، لكن إن ترك، لا يكون آثماً؛ لأنه ترك رخصة، بخلاف مسألة الغازي إذا علم أنه لا يضر الكفار، ويقتل حيث يسقط عنه التعرض، ٤١٦ بل يجب، حتى لو تعرض وقتل يكون آثماً؛ لأن عدم تأثير فعله في باطنهم وظاهرهم، بل ربما يحصل لهم التمادي والتشفي، بخلاف مسألة الناهي - على ما مر -. وأما ما وقع في ((الكشاف)) في مواضع بأنه إذا علم عدم تأثيره في النهي يجب تركه حتى يصير فعله موجباً للإثم، ويصير معصية يجب النهي عنها. فقيل: على قول البعض، وقيل: مبني على مذهبه، فإن من ارتكب المعصية كافر عنده حقيقة، فلا يؤثر النهي في باطنه - أيضاً -، ويصير كمسألة الغازي، ولذلك خص الحكم بالنهي، ولم يقل في الأمر؛ لأنه قد یکون مندوباً، وبترکه لا یصیر کافراً عنده. وأما إذا كان المرتكب للنهي صاحب الولاية، ولا ينتهي عن مناهيه بالقول، فهل يجب على الناس خَلْعُه، والمقاتلة معه؟ فالصحیح: أنه لا یجب، بل يجب تركه. وعن إمام الحرمين: أن لأهل الحل والعقد التواطؤ على خلعه، ولو بِشَهْر الأسلحة، ونَصْب الحروب. وأوّله بعضهم؛ بأنه إذا لم يكن فيه مفسدة أعظم، ومع ذلك، فهو غريب من المذهب، وأما إذا تيقن بالمنكر، وكونه ظاهراً، شرط. أو على الناهي البحثُ والتجسس والاقتحام على الساكنين في الدور؛ فيه تفصيل على الصحيح، فإن من المعاصي ما يفوت الغرض ٤١٧ من النهي بالتأخير؛ كقتل مسلم، والزنا بمسلمة، وأمثال ذلك، فلو غلب على ظنه ذلك، فعليه الاقتحامُ والمنع. وهل ذلك مختص بالمحتسب المنصوب من جهة الوالي، أو به، أم لكل مسلم؟ فالصحيح: أنه لا يختص، ومنها ما لا يفوت؛ كشرب الخمر وغيره، فلا عليه الاقتحام، بل عليه المنع الظاهر إذا أراد شيئاً من ذلك في الظاهر. فهذا نُذ من الكلام في هذا الباب، فلنقتصر عليه، ولنرجع إلى الكتاب. * قوله: (كِلَاَهُمَا) الضمير لسفيان وشعبة. * وقوله: (وَهَذَا حَدِيثُ أَبِي بَكْرٍ) من جملة احتياط مسلم، يعني: هذا الترتيب يزيله، وإن كان محمد بن المثنى يرويه - أيضاً -. قوله: (قَيْسِ بْنِ مُسْلِم) فهو أبو عمرو قيس بن مسلم الجدلي الكوفي، العابد. سمع طارق بن شهاب، ومجاهداً، وغيرهما. وعنه الأعمش، ومِسْعَر، وغيرهما. وَثَّقَهُ القوم، وأخرج له الستة. توفي سنة عشرين ومئة، ورُمي بالإرجاء. وأما (طَارِقُ بْنُ شِهَابٍ) بن عبد شمس بن هلال بن عوف بن ٤١٨ ◌ُشم ابن زُفر بن عمرو بن لُؤَي بن رهم بن معاوية بن أسلم بن أخمس بن الغوث بن أنمار البجليُّ، الأحمسيُّ، الكوفيُّ، والبجلية أَثُم ولد أنمار، والأحمس بطن من أنمار، وطارق سكن الكوفة، وهو صحابي رأى النبي - عليه السلام -، وأدرك الجاهلية، وغزا في خلافة أبي بكر وعمر ثلاثاً وثلاثين، أو ثلاثاً وأربعين من بين غزوة وسرية، وروى عن الخلفاء الأربعة، وغيرهم. أخرج له البخاري عن أبي بكر، وابن مسعود، ومسلمٌ عن أبي سعيد، وأخرج له الأربعة - أيضاً -. توفي سنة اثنتین وثمانین. وقال أبو داود: طارق رأى النبي - عليه السلام -، ولم يسمع منه شيئاً. وأمّا (إِسْمَاعِيلُ) في الإسناد الآخر، فهو أبو إسحاق بن رجاء الزبيديُّ، الكوفيُّ. عن أبيه، وإبراهيم النخعي، وأوس بن ضَمْعَجٍ، وجمع. وعنه الأعمش، وشعبة، وجماعة. وثَّقَهُ ابن معين، وأخرج له الستة سوى البخاري. وأما أبوه (رجاء بن ربيعة) يروي عن علي، وجماعة. وعنه ابنه، ویحیی بن هانئء، وجمع. وَثَّقَهُ ابن حبان، وأخرج له مسلم، وأبو داود، وابن ماجه. ٤١٩ ، قوله: ((أَوَّلُ مَنْ بَدَأَ بِالخُطْبَةِ يَوْمَ العِيدِ قَبْلَ الصَّلاَةِ مَرْوَانُ» ذكر ابن بطال عن مالك - رحمه الله تعالى -: أنه قال في ((المبسوط)): أوّل من فعله عثمان؛ ليدرك الناسُ الصلاة، وقيل: ليسمعوا الخطبة، فإنهم يذهبون عند تمام الصلاة، ولا يسمعونها. وقال ابن التين عن يوسف عبدالله بن سلام: إنَّ أوّل من بدأ بها قبل الصلاة يوم الفطر عمر بن الخطاب. وعن ابن شهاب: أوّل من فعله معاوية. وكذا روى الشافعي عن إبراهيم بن محمد، عن داود بن الحصين، عن عبدالله بن يزيد الخطمي: أن النبي - عليه السلام -، وأبا بكر، وعمر، وعثمان كانوا(١) يبدؤون بالصلاة قبل الخطبة حتى قدم معاوية المدينة، فقدَّم الخطبة . وقيل: فعله ابن الزبير. ثم الظاهر: أن هذا الأمر ما وقع في زمن الخلفاء؛ لأنهم رأوا النبي - عليه السلام -، وصلوا معه أعياداً كثيرة، والناس في زمنهم راغبون في أعمال البر، والقيام على السنَّة، فبعيد من الخلفاء تغيير سنة داوم النبي ◌ّ عليها إلى أن قبض، مع كونها من السنن المشهورة الظاهرة، ومن الناس في زمانهم المذاهبة من البكور إلى الجمعة؛ إذ المبادرة إلى(٢) المسجد قبل استماع الخطبة حتى يحتاج الخلفاء إلى (١) في الأصل: ((كان)). (٢) في الأصل: ((من)). ٤٢٠