Indexed OCR Text

Pages 321-340

ثم أردفه بحديث معاذ؛ لأن فيه زيادة العبادة، وكون ذلك حقاً
لازماً على العباد، لابد لهم من أن يفعلوه، فإذا فعلوا، فقد لزم على
الله تعالى - نظراً إلى وعده ولطفه - إدخالهم الجنة.
ثم ذكر حديث أبي هريرة الزائد عليه بإيقان القلب مصرحاً، وهو
لا يستفاد من الأوّل إلا ضمناً.
ثم ذكر حديث أنس المذكور فيه العبودية الدالة عليه قوله: ((مَا
مِنْ عَبْدٍ))، ولذلك ذكر فيه: ((إِلاَّ حَرَّمَهُ اللهُ عَلَى النَّارِ)) الذي هو أبلغ في
إفادة عدم دخول النار من قوله في حديث عبادة المذكور في أوّل هذا
القسم: ((إِلَّ حَرَّمَ اللهُ عَلَيْهِ النَّارَ))، فإن معنى الأوّل: حرمته على النار،
فلا تمسه النار، ولا يدخلها، ومعنى الثاني: حرم النار عليه، فلا
تأكله، بمعنى: لا يدوم فيها، ولا تؤثر فيه التأثير التام.
ثم لما فرغ من بيان أحاديث القسمين، ذَيَّل الباب بقصة عتبان بن
مالك الدالةِ على أن من علم الشارع حاله في الإيقان، وإن اكتفى هو
بمجرد الإيمان، فإنه يحكم بنجاته، ولا يسمع فيه قول من يقول إنه
ليس من قلبه، بل لسانه فقط، وأورد الحكم عاماً، وإن كان المورد
وهو مالك بن الدخشم خاصاً، إشارة إلى أنه ليس خاصاً به، بل کل
من هو علی صفته، فحكمه كذلك.
وفيه: أن الإقرار مع التصديق كافٍ - على ما مَرَّ في أحاديث
الباب ۔.
٣٢١

ثم أورد حديثَ العباس الدالّ على أن الفوز بالسعادة العظمى
بثبوت الإيمان واستقراره، وأن اجتناء ثمراته بالرضا بالأمور الثلاثة،
وَفَّقنا الله تعالى بالثبات على الرضا، وجَنَّبنا عن التعرض لأسباب
الرَّدَی بفضله وكرمه.
٣٢٢

بب
بيان عدد شعب الإيمان
[١٤ _ باب
شُعَبِ الإِيمَانِ]
١٦١ - (٣٥/ ٥٧) - حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ سَعِيدٍ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ،
قَالاَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَامِرِ العَقَدِيُّ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ بِلاَلٍ، عَنْ عَبْدِاللهِ
ابْنِ دِينَارٍ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِّ ◌ِ﴾، قَالَ:
(الإِيمَانُ بِضْعٌ وَسَبْعُونَ شُغْبَةً، وَالحَيَاءُ شُعْبَةٌ مِنَ الإِيمَانِ).
١٦٢ - (٣٥ / ٥٨) - حَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ
سُهَيْلٍ، عَنْ عَبْدِاللهِبْنِ دِينَارٍ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ:
قَالَ رَسُولُ اللهِ: ((الإِيمَانُ بِضْعٌ وَسَبْعُونَ، أَوْ بِضْعٌ وَسِتُّونَ شُعْبَةً،
فَأَفْضَلُهَا: قَوْلُ: لاَ إِلَهَ إِلَّ اللهُ، وَأَدْنَاهَا: إِمَاطَةُ الأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ،
وَالحَيَاءُ شُعْبَةٌ مِنَ الإِيمَانِ)).
١٦٣ - (٣٦/ ٥٩) - حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْئَةً، وَعَمْرُو النَّقِدُ،
وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، قَالُوا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيْئَةَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ
٣٢٣

سَالِمٍ، عَنْ أَبِيهِ: سَمِعَ النَّبِيُّ ◌َهِ رَجُلاً يَعِظُ أَخَاهُ فِي الحَيَاءِ، فَقَالَ:
(الحَيَاءُ مِنَ الإِيمَانِ».
١٦٤ - (٣٦/ ٥٩) - حَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ،
أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ بِهَذَا الإِسْنَادِ، وَقَالَ: مَرَّ بِرَجُلٍ مِنَ الأَنْصَارِ
و ءَ
يَعِظُ أَخَاهُ.
١٦٥ - (٣٧ / ٦٠) - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ المُثَنَّى، وَمُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارِ
- وَاللَّفْظُ لِإِبْنِ المُثَنَّى -، قَالاَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ،
عَنْ قَتَادَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا السَّوَّارِ يُحَدِّثُ: أَنَّهُ سَمِعَ عِمْرَانَ بْنَ
حُصَيْنٍ يُحَدِّثُ عَنِ النَّبِّ ﴿: أَنَّهُ قَالَ: ((الحَيَاءُ لاَ يَأْتِي إِلاَّ بِخَيْرٍ).
فَقَالَ بُشَيْرُ بْنُ كَعْبٍ: إِنَّهُ مَكْتُوبٌ فِي الِحِكْمَةِ: أَنَّ مِنْهُ وَقَاراً، وَمِنْهُ
سَكِينَةً. فَقَالَ عِمْرَانُ: أُحَدِّئُكَ عَنْ رَسُولِ اللهِ، وَتُحَدِّثُنِي عَنْ
صُحُفِكَ؟!
١٦٦ - (٣٧ / ٦١) - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ حَبِيبِ الحَارِثِيُّ، حَدَّثَنَا
حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ إِسْحَاقَ - وَهُوَ ابْنُ سُوَيْدٍ -: أَنَّ أَبَا قَتَادَةَ حَدَّثَ،
قَالَ: كُنَّا عِنْدَ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ فِي رَهْطٍ مِنَّ، وَفِينَا بُشَيْرُ بْنُ كَعْبٍ،
فَحَدَّثَنَا عِمْرَانُ يَوْمَئِذٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ: ((الحَيَاءُ خَيْرٌ كُلُّهُ)).
قَالَ: أَوْ قَالَ: ((الحَيَاءُ كُلُّهُ خَيْرٌ)). فَقَالَ بُشَيْرُ بْنُ كَعْبٍ: إِنَّا لَنَجِدُ فِي
بَعْضِ الكُتُبِ أَوِ الحِكْمَةِ: أَنَّ مِنْهُ سَكِينَةً، وَوَقَاراً لِلَّهِ، وَمِنْهُ ضَعْفٌ.
٣٢٤

قَالَ: فَغَضِبَ عِمْرَانُ حَتَّى احْمَرَّتَا عَيْنَهُ، وَقَالَ: أَا أُرَانِي أُحَدِّئُكَ
عَنْ رَسُولِ اللهِ وَّهِ، وَتُعَارِضُ فِيهِ؟! قَالَ: فَأَعَادَ عِمْرَانُ الحَدِيثَ،
قَالَ: فَأَعَادَ بُشَيْرٌ، فَغَضِبَ عِمْرَانُ، قَالَ: فَمَا زِلْنَا نَقُولُ فِيهِ: إِنَّهُ مِنَّا
يَا أَبَا نُجَيْدٍ، إِنَّهُ لاَ بَأُسَ بِهِ.
١٦٧ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ: أَخْبَرَنَاَ النَّضْرُ: حَدَّثَنَا أَبُو
نَعَامَةَ العَدَوِيُّ، قَالَ: سَمِعْتُ حُجَيْرَ بْنَ الرَّبِيعِ العَدَوِيَّ يَقُولُ: عَنْ
عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ، عَنِ النَّبِيِّ ◌َ﴿، نَحْوَ حَدِيثٍ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ.
ذكر مسلم هاهنا ثلاثة أحاديث:
الأوّل: حديث أبي هريرة عن النبي ◌ََّ، قال: ((الإِيمَانُ بِضْعٌ
وَسَبْعُونَ شُعْبَةً، وَالحَيَاءُ شُعْبَةٌ مِنَ الإِيمَانِ)).
وفي رواية: ((الإِيمَانُ بِضْعٌ وَسَبْعُونَ، أَوْ بِضْعٌ وَسِتُونَ شُعْبَةً،
فَأَفْضَلُهَا: قَوْلُ: لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ، وَأَدْنَاهَا: إِمَاطَةُ الأَذَى عَنِ الطَِّيقِ،
وَالحَيَاءُ شُعْبَةٌ مِنَ الإِيمَانِ)).
وقد أخرجه البخاري، والترمذي، والنسائي في (الإيمان)، وأبو
داود، وابن ماجه في (السُّنَّة).
والثاني: حديث ابن عمر: سَمِعَ النَّبِيُّ - عليه السلام - رَجُلاً
يَعِظُ أَخَاهُ فِي الحَيَاءِ، فَقَالَ: ((الحَيَاءُ مِنَ الإِيمَانِ)).
وفي رواية: ((مَرَّ بِرَجُلِ يَعِظُ أَخَاهُ))، وقد أخرجه البخاري،
٣٢٥

والترمذي في (الإيمان)، وابن ماجه في (السُّنَّة).
والثالث: حديثُ عمرانَ بنِ حُصين يُحَدِّثُ عَنِ النَّبِيِّ - عليه
السلام -: أَنَّهُ قَالَ: ((الحَيَاءُ لاَ يَأْتِي إِلاَّ بِخَيْرِ)). فَقَالَ بُشَيْرُ بْنُ كَعْبٍ: إِنَّهُ
مَكْتُوبٌ فِي الحِكْمَةِ: أَنَّ مِنْهُ وَقَاراً، وَمِنْهُ سَكِينَةً. فَقَالَ عِمْرَانُ:
أُحَدِّثُكَ عَنْ رَسُولِ اللهِ، وَتُحَدِّثُنِي عَنْ صُحُفِكَ؟ ! .
وفي رواية: أن عمران قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((الحَيَاءُ خَيْرٌ
كُلُّهُ)). قَالَ: أَوْ قَالَ: ((الحَيَاءُ كُلُّهُ خَيْرٌ)). فَقَالَ بُشَيْرُ بْنُ كَعْبٍ: إِنَّا لَنَجِدُ
فِي بَعْضِ الكُتُبِ، أَوِ الحِكْمَةِ: أَنَّ مِنْهُ سَكِينَةً وَوَقَاراً لِلَّهِ، وَمِنْهُ
ضَعْفٌ. قَالَ: فَغَضِبَ عِمْرَانُ حَتَّى احْمَرَتَا عَيْنَاهُ، وَقَالَ: أَلَ أُرَانِي
أُحَدِّثُكَ عَنْ رَسُولِ اللهِ لَهَ وَتُعَارِضُ فِيهِ؟ !. قَالَ: فَأَعَادَ عِمْرَانُ
الحَدِيثَ، قَالَ: فَأَعَادَ بُشَيْرٌ، فَغَضِبَ عِمْرَانُ، قَالَ: فَمَا زِلْنَا نَقُولُ
فِيهِ: إِنَّهُ مِنَّا يَا أَبَا نُجَيْدٍ، إِنَّهُ لاَ بَأْسَ بِهِ.
أخرجه البخاري، وأبو داود.
وفي الباب: عن أبي هريرة، مرفوعاً: ((الحَيَاءُ مِنَ الإِيمَانِ،
وَالإِيمَانُ فِي الجَنَّةِ، وَالْبَذَاءُ مِنَ الجَفَاءِ، وَالجَفَاءُ فِي النَّارِ)) أخرجه
الترمذي، وأخرج ابن ماجه من حديث أبي بكرة بمثله.
وعن أبي أمامة، يرفعه: ((الحَيَاءُ وَالعِيُّ شُعْبَتَانِ مِنَ الإِيمَانِ،
وَالْبَذَاءُ وَالبَيَانُ شُعْبَتَانٍ مِنَ النِّفَاقِ».
وأخرجه الترمذي، وقال: العِيُّ: قلة الكلام، والبذاء: الفحش
٣٢٦

في الكلام، والبيان: هو كثرة الكلام، قيل: هؤلاء الخطباء الذين
يخطبون، ويتوسعون في الكلام، ويتفصّحون فيه من مدح الناس فيما
لا یرضي الله تعالی.
وعن ابن مسعود، مرفوعاً: ((إِنَّ مِمَّا أَدْرَكَ النَّاسُ مِنْ كَلامِ النَُّوَّةِ
الأُولَى: إِذَا لَمْ تَسْتَحِ، فَافْعَلْ مَا شِئْتَ)) أخرجه البخاري، وأبو داود،
وابن ماجه.
وعن أنس، يرفعه: ((إِنَّ لِكُلِّ دِينٍ خُلُقاً، وَخُلُقُ الإِسْلاَمِ الحَيَاءُ))
أخرجه ابن ماجه.
وأخرج عن ابن عباس مرفوعاً، مثله.
وأخرج مالك في ((الموطأ)) عن ابن طلحة بن رُكانة مثله، وعن
أبي موسى، مرفوعاً: ((الحَيَاءُ وَالإِيمَانُ مَقْرُونَانٍ(١) لا يَفْتَرِقَانِ إِلاَّ
جَمِيعاً».
وعن ابن عباس، يرفعه: ((الحَيَاءُ وَالإِيمَانُ فِي قَرَنٍ، فَإِنْ أَسْلَمْتَ
أَحَدَهُمَا، تَبِعَهُ الآخَرُ)).
وعن ابن مسعود، قال: جَاءَ قَوْمٌ إِلَى نَبِيِّ اللهِ وَلِ بِصَاحِبِهِمْ،
فَقَالُوا: يَا نَبِيَّ اللهِ! إِنَّ صَاحِبَتَا هَذَا قَدْ أَفْسَدَهُ الحَيَّاءُ، فَقَالَ النَّبِيِّ ◌ِلْ:
(إِنَّ الحَيَاءَ مِنْ شَرَائِعِ الإِسْلامِ، وَإِنَّ البَذَاءَ مِنْ لُؤْمِ المَرْءِ» رواه
الطبراني، ورجاله ثقات.
(١) في الأصل: ((مقترنان)).
٣٢٧

ولما أخرج الترمذي حديث أبي هريرة، قال: وفي الباب: عن
ابن عمر، وأبي بكرة، وأبي أمامة، وعِمران بن حُصين، أقول: قد مر
كلها، وقد أخرجه البخاري.
إذا عرفت هذا، فالكلام في مواضع:
الأول: في التعريف بالرواة سوى ما سلف.
أما عبيدالله، فهو أبو قدامة عبيدالله بن سعيد بن يحيى بن برد
اليشكريُّ، مولاهم، السرخسيُّ، الحافظُ.
عن ابن عيينة، وصفوان بن عيسى، وعفان بن مسلم(١)،
وجماعة .
وعنه الشيخان، والنسائي، وآخرون.
وَثَّقَهُ النسائي، وغيره، وأخرج له هؤلاء الثلاثة.
توفي سنة إحدى وأربعين ومئتين.
وأمّا شيخه، فهو (أبو محمد سليمان بن بلال المدنيُّ)، أحدُ
العلماء في عصره.
عن زيد بن أسلم، وأبي طوالة، وهشام بن عروة، وخلق.
وعنه ابن وهب، والقَعْنَبِي، وآخرون.
وَثَقَهُ القوم، وأخرج له الستة.
(١) في الأصل: ((وصفي بن عتاب والوليد بن مسلم)) والتصويب من (تهذيب
الكمال» للمزي (١٩ / ٥٠ -٥١).
٣٢٨

توفي سنة اثنتين وسبعين ومئة.
وأما شيخه، فهو (أبو عبد الرحمن عبدالله بن دينار) المدنيُّ.
عن مولاه ابن عمر، وأنس، وجماعة من التابعين.
وعنه يحيى بن سعيد، وموسى بن عقبة، وشعبة، وخلائق.
وَثَّقَهُ أبو حاتم، وجماعة، وأخرج له الستة.
توفي سنة سبع وعشرين ومئة.
وأما (سُهَيْلٌ) في الإسناد الآخر، فهو أبو يزيد سهيلُ بن صالح
المدنيُّ.
عن أبيه، وابن المسيب، وعطاء بن يسار، وخلائق.
وعنه ابن جريج، وشعبة، وآخرون.
وَثَّقَهُ ابن عيينة، والعجلي، وقوم، وأخرج له الستة.
وعن ابن معين: هو والعلاء بن عبد الرحمن سواء، وحديثهما
لیس بحجة .
وسئل النسائي عنه، فقال: هو خیر من فليح بن سليمان، وجبير
المعلم، وأبي اليمان، ويحيى بن بكير، وهذا تعریض بالبخاري؛
حیث احتج بهؤلاء، وترك سُهيلاً.
وأمّا (سَالِمٌ) في الإسناد الآخر، فهو أبو عمر سالم بن عبدالله بن
عمر بن الخطاب، المدنيُّ، أحدُ الفقهاء السّبعة.
عن أبيه، وأبي هريرة، وأبي أيوب، وخلائق.
٣٢٩

وعنه الزهري، وصالح بن كيسان، وموسى بن عقبة، وآخرون.
اتفق القوم على غاية ورعه، ونهاية إتقانه، وأخرج له الستة،
وثناؤهم عليه كثير جداً.
توفي سنة ست ومئة ، ومناقبه جمة جداً.
الثاني: في ذكر الروايات والأحاديث الواردة فيه:
وقد ترجم البخاري في ((صحيحه)) هذا الباب بـ (أمور) الإيمان،
وذكر فيه هذا الحديث، وربما يستدل به على أن الإيمان شيء ذو
أجزاء وأمور لا تحصل إلا بعد حصول أجزائه.
وهي بالنظر الأوّل ثلاث: الإقرار باللسان، والتصديق بالجَنان،
والعمل بالأركان.
وبالنظر الثاني كثيرة؛ إذ الإقرار والتصديق - وإن لم يكن فيهما
تعدد - لكن في العمل تعدد كثير، فتتعدد الأجزاء والشعب بحسب
ذلك، فمن اقتصر على الثلاثة، نظر إلى الأوّل، ومن عد الكثير، نظر
إلى الثاني.
وقد عرفت في صدر (كتاب الإيمان) مذاهب القوم فيه، ونحن
نورد هنا الروايات الواردة في الكتب المعتبرة في هذا الباب، ونذكر
أقوال الأئمة، ثم نرجع إلى ما عندنا.
فأخرج البخاري عن عبدالله بن محمد، عن أبي عامر العقدي،
عن سليمان بن بلال، عن عبدالله بن دينار، عن أبي صالح، عن أبي
٣٣٠

هريرة: ((الإِيمَانُ بِضْعٌ وَسِتُونَ شُعْبَةً، وَالحَيَاءُ شُعْبَةٌ مِنَ الإِيمَانِ)).
وكذا أخرجه مسلم عن عبيدالله بن سعيد، وعبيد بن حميد، عن
أبي عامر العقدي، بهذا الإسناد، إلا أن فيه: ((بضْعٌ وَسَبْعُونَ شُعْبَةً)).
وأخرجه - أيضاً - عن زهير بن حرب، عن جرير، عن سهيل،
عن عبدالله بن دينار، عن أبي صالح، عن أبي هريرة: ((الإِيمَانُ بِضْعٌ
وَسَبْعُونَ))، أو (بِضْعٌ وَسِتُونَ)) - على الشك ..
فالأسانيد الثلاثة في الكتابين تجتمع في عبدالله بن دينار،
والرواية التي ليس فيها شك في أبي عامر العقدي، والظاهر: أن
عبدالله بن دينار سمع عدد الشعب مرفوعاً؛ تارة ((بِضْعُ وَسِتُونَ))، وتارة
(بِضْعٌ وَسَبْعُونَ))؛ إذ تتداخل بعض الأعمال في بعض، وقدم تداخله،
وعدّه عملاً برأسه، وعدَّ بعضها باعتبار منه، وعدم عدها باعتبار یزید
عدد الشعب وینقص.
وذكرُ الشارع البضعَ دون العدد المعين، يومئ على ذلك، فروى
كما سمع، واجتمعت الروايتان في أبي عامر، فروى تارة لعبدالله بن
محمد بأحدهما وهو الواقع في ((البخاري))، وتارة لعبيدالله بن سعيد،
وعبيد بن حميد بالأخرى، وهو المذكور في الكتاب أولاً .
وأما سهيل، فسمع من عبدالله بن دينار الروايتين، ثم وقع له
الشك بأنه روايتان مختلفتان، أو رواية واحدة فيه شك، فرواه على
الشك تارة، فيكون الشك منه، كما قاله الحافظ أبو بكر البيهقي، وهو
الرواية المذكورة في الكتاب ثانياً، وتارة رواه على الجزم، واختيار
٣٣١

الأكثر، وهي الواقعة في ((سنن أبي داود))، والترمذي.
وبالجملة: لا إشكال في هذه الروايات؛ لما قلنا من اختلاف
الاعتبار، وقد رجَّح قوم - منهم القاضي عياض - رواية الأكثر بأنه زيادة
الثقة، فتكون مقبولة، وقوم - منهم الشيخ أبو عمرو بن الصلاح -
الأوّل؛ لأنه متيقن، وبأنه لا خلاف في ذلك الاعتبار، فتكون الروايتان
متحدتين في الأصل، مختلفتين في الاعتبار، نعم، لو نصّ الشارع
على تفصيل الشّعب، يكون للاختيار مدخل بإخراج بعضها من
الإيمان، وعدم إخراجها منه، أما إذا لم ينصّ، فلا تغاير إلا بالاعتبار
۔ کما قدمنا -.
وقد روی محمد بنُ عجلان عن عبدالله دينار، عن أبي صالح:
((الإيمان ستون باباً، أو سبعون)).
وروى قتيبة، عن بكر بن مضر، عن عمارة بن غزية، عن أبي
صالح، عن أبي هريرة، عن النبي ◌ِّ: ((الإِيمَانُ أَرْبَعٌ وَسِتُّونَ باباً»
أخرجه الترمذي.
وروى المغيرةُ بن عبد الرحمن بن عُبيد، عن أبيه، عن جده
- وكان له صحبة -: أن النبي - عليه السلام - قال: ((الإيمان ثلاثُ مئة
وثلاثون شريعة، من وافى اللهَ بشريعة منها، دخلَ الجنةَ)) رواه
الطبراني.
وروى ابن شاهين من حديث الإفريقي، عن عبدالله بن راشد
مولى عثمان عفان، عن أبي سعيد، مرفوعاً: ((إِنَّ بَيْنَ يَدَيِ الرَّحْمَنِ
٣٣٢

لَوْحاً فِيهِ ثَلاَثُ مِئَةٍ وَتِسْعَ عَشْرَةَ [شَرِيعَةٌ]، يَقُولُ - جَلَّ وَعَلاَ -:
لاَ يَجِيئِي عَبْدٌ مِنْ عِبَادِي لا يُشْرِكُ بِي شَيْئاً فِيهِ وَاحِدَةٌ مِنْهُنَّ إِلاَّ أَدْخَلْتُهُ
الجَنَّةَ» رواه أبو يعلى.
ومن حديث عبد الواحد بن زيد، عن عبدالله بن راشد، عن
مولى عثمان بن عفان، مرفوعاً: ((إِنَّ لِلهِ تَعَالَى مِئَةَ خُلُقٍ وَسِئَةَ عَشَرَ
خُلُقاً)، وفي رواية: ((سَبْعَةَ عَشَرَ خُلُقاً، مَنْ أَتَى بِخُلُقٍ مِنْهَا، دَخَلَ
الجَنَّةَ)) رواه أبو يعلى في ((المسند الكبير))، ورواه البزار - أيضاً -.
وروى أبو الحسن عبدُ الرحمن بنُ عمرَ بنِ مَرْثَدٍ من حديثِ ابنِ
مَهْدِيٍّ، عن إسرائيلَ، عن أبي إسحاق، عن صِلَةَ، عن حُذيفة: ((الإِسْلامُ
ثَمَانِيَّةُ أَسْهُمٍ: الإِسْلامُ سَهْمٌ، وَالصَّلاةُ سَهْمٌ، وَالزَّكَاةُ سَهْمٌ، وَالحَيُّ
سَهْمٌ، وَالجِهَادُ سَهْمٌ، وَصَوْمُ رَمَضَانَ سَهْمٌ، وَالأَمْرُ بِالمَعْرُوفِ سَهْمٌ،
وَالنَّهْيُ عَنِ المُنْكَرِ سَهْمٌ، وَخَابَ مَنْ لَا سَهْمَ لَهُ)) رواه الطبراني.
وعن علي بن أبي طالب، مرفوعاً: ((الإِسْلاَمُ ثَمَانِيةُ أَسْهُمٍ:
الإِسْلاَمُ سَهْمٌ، والصَّلاَةُ سَهْمٌ)) بمثل حديث حذيفة، رواه أبو يعلى.
وعن ابن عباس، يرفعه: ((الإِسْلامُ عَشَرَةُ أَسْهُم، وَقَدْ خَابَ مَنْ
لا سَهْمَ لَهُ، شَهَادَةُ أَنْ لا إِلَهَ إِلا اللهُ، وَهِيَ المِلَّةُ، وَالثَّانِي: الصَّلاةُ،
وَهِيَ الفِطْرَةُ، وَالثَّالِثُ: الزَّكَاةُ، وَهِيَ الظُّهُورُ، وَالرَّابِعُ: الصَّوْمُ، وَهُوَ
الجُنَّةُ، وَالخَامِسُ: الحَجُّ، وَهُوَ الشَّرِيعَةُ، وَالسادسُ: الجِهَادُ، وَهُوَ
الغَزْوُ، وَالسابعُ: الأَمْرُ بِالمَعْرُوفِ، وَهُوَ الوَفَاءُ، وَالثّامِنُ: النَّهْيُ عَنِ
٣٣٣

المُنْكَرِ، وَهِيَ الحُجَّةُ، وَالتّاسعُ: الجَمَاعَةُ، وَهِيَ الأُلْفَةُ، وَالعَاشِرُ:
الطَّاعَةُ، وَهِيَ العِصْمَةُ)) رواه الطبراني.
وعن عائشة، ترفعه: ((ثَلاَثٌ أَحْلِفُ عَلَيْهِنَّ: لاَ يَجْعَلُ اللهُ مَنْ لَهُ
سَهْمٌ فِي الإِسْلاَمِ کَمَنْ لاَ سَهْمَ لَهُ، فَأَسْهُمُ الإِسْلاَمِ ثَلاَثَةٌ: الصَّلاَةُ،
وَالصَّوْمُ، وَالزَّكَاةُ، وَلاَ يَتَوَّلَّى اللهُ عَبْدَاً فِي الدُّنْيَا، فَيُؤَلِيهِ غَيْرَهُ يَوْمَ
القِيَامَةِ، وَلاَ يُحِبُّ رَجُلٌ قَوْماً، إِلاَّ جَعَلَهُ اللهُ مَعَهُمْ، وَالرَّابِعَةُ لَوْ
حَلَفْتُ عَلَيْهَا، وَجَوْتُ أَنْ لاَ آثَمَ، لاَ يَسْتُرُ اللهُ عَبْدَاً فِي الدُّنْيَا إِلَّ سَتَرَهُ
يَوْمَ القِيَامَةِ» رواه أحمد، وأبو يعلى، ورجاله ثقات.
وروى أبو يعلى عن ابن مسعود، مرفوعاً، مثله.
وعن أنس بن مالك، مرفوعاً: ((إنَّ للهِ وَكَ لَوْحاً مِنْ زَبَرْجَدٍ أَخْضَرَ
تَحْتَ العَرْش، كتبَ فِيهِ: أَنَا اللهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنَا أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ، خَلَقْتُ
بِضْعَةً عَشَرَ وَثَلاَثَ مِئَةٍ خُلُقٍ، فَمَنْ جَاءَ بِخُلُقٍ مِنْهَا مَعَ شَهَادَةٍ أَنْ لاَ إِلَهَ
إِلَّ اللهُ، دَخَلَ الجَنَّةَ)) رواه الطبراني.
وعن ابن عباس، يرفعه: ((الإِسْلاَمُ ثَلاَثُ مِئَةٍ شَرِيعَةٍ، وَثَلاَثَةَ
عَشَرَ، لَيْسَ فِيهَا شَرِيعَةٌ يَلْقَى [اللهَا بِهَا صَاحِبُهَا إِلاَّ وَهُوَ يَدْخُلُ الجَنَّةَ))
رواه الطبراني - أيضاً -.
وفي الباب: أحاديث كثيرة، هذا ما ذكرنا.
وبالجملة: الكثرة والقلة في ذكر الشعب بحسب الاعتياد
والاعتداد به تارة، وبحسب الذات وعدم الاعتداد أخرى.
٣٣٤

الثالث: في بيان الشعب، وقد صنف الفضلاء في تعدادها،
وبيانِ تفصيلها كتباً، منها: كتاب ((المنهاج)) لأبي عبدالله الحَليمي،
وكتاب ((الشعب))(١) لأبي بكر البيهقي، وكتاب ((النصائح)) لإسحاق ابن
إبراهيم القرطبي، وغيرها.
وقال أبو حاتم بن حبان في (كتاب وصف الإيمان وشعبه):
تتبعت معنى هذا الحديث مدة، وعددت الطاعات، فإذا هي تزيد على
هذا العدد شيئاً كثيراً، فرجعت إلى السنن، فعددت كل طاعة عدَّها الله
من الإيمان، فإذا هي تنقص عن هذا العدد، فرجعت إلى كتاب الله
العزيز، فقرأته بالتدبر، وعددت كل طاعة عدّها الله من الإيمان، فإذا
هي تنقص من هذا العدد - أيضاً -، فضممتُ إلى الكتاب السنة،
وطرحت المُعاد، فإذا كل شيء عده الله ورسوله من الإيمان بضع
وسبعون، وفي نسخة: تسع وسبعون، فعلمت أن مراد النبي - عليه
السلام - هذا العدد المذكور في الكتاب والسنة.
وقال القاضي البيضاوي: إن شعب الإيمان - وإن كانت متعددة -
إلا أن حاصلها يرجع إلى أصل واحد، وهو تكميل النفس على وجه
يصلح معاشه ومعاده، وذلك بأن يعتقد الحق، ويستقيم في العمل،
وإليه أشار النبي - عليه السلام - لمَّا سأله سفيان بنُ عبدالله الثقفي عن
قولٍ جامع، قال: ((قُلْ: آمَنْتُ بِاللهِ، ثُمَّ اسْتَقِمْ).
(١) غير واضحة في الأصل.
٣٣٥

وفنُّ الاعتقاد يتشعب إلى ست عشرة شعبة: طلب العلم،
ومعرفة الصّانع، وتنزيهه عن النقائص، والإيمان بصفات الإكرام؛
مثل: الحياة، والعلم، والإقرار بالوحدانية، والاعتراف بأن ما عداه
صُنعه لا يوجد ولا يعدم إلا بقضائه وقدره، والإيمان بملائكته
المطهرة المعتكفين في حظائر القدس، وتصديق رسله بالآيات،
وحسن الاعتقاد فيهم، والعلم بحدوث العالم، واعتقاد فنائه، والجزم
بالنشأة الثانية، وإعادة الأرواح إلى الأجساد، والإقرار باليوم الآخر -
أعني: بما فيه من الصراط، والحساب، والميزان، وسائر ما تواتر عن
الرسول -، والوثوق على وعد الجنة وثوابها، واليقين بوعيد النار
وعقابها .
وفن العمل ينقسم إلى ثلاثة أقسام :
أحدها: ما يتعلق بالباطن، وحاصله: تزكية النفس عن الرذائل،
وأُمَّهاتها عشر: شَرَه الطعام، وشره الكلام، وحب الجاه، وحب
المال، وحب الدنيا، والحقد، والحسد، والرياء، والعُجْب.
وتحلية النفس بالفضائل، وأمهاتها ثلاث عشرة: التوبة،
والخوف، والرجاء، والزهد، والحياء، والشكر، والوقار، والصّبر،
والإخلاص، والصدق، والمحبة، والتوكل، والرضا بالقضاء.
ثانيها: ما يتعلق بالظاهر، وتسمى: العبادات، وشعبها ثلاث
عشرة: طهارة البدن عن الحَدَث والخَبَث، وإقامة الصّلاة، وإيتاء
الزكاة، والقيام بأمر الجنائز، وصيام رمضان، والاعتكاف، وقراءة
٣٣٦

القرآن، وحج البيت، وذبح الضحايا، والوفاء بالنذر، وتعظيم الأيمان،
وأداء الكفارات.
وثانيها(١) ما يتعلق به وبخواصِّه، وأصل منزله، وشعبها: التعفف
عن الزنا، والنكاح، والقيام بحقوقه، والبر بالوالدين، وصلة الرحم،
وطاعة السادة، والإحسان إلى المماليك، والعتق.
وثالثها: ما يعم الناس، وينوط به إصلاح العباد، وشعبها سبعة
عشر: القيام بإمارة المسلمين، واتباع الجماعة، ومطاوعة أولي الأمر،
ومعاونتهم على البر، وإحياء معالم الدين، والأمر بالمعروف، والنهي
عن المنكر، وحفظ الدين بالزجر عن الكفر، ومجاهدة الكفار،
والمرابطة في سبيل الله، وحفظ أموال الناس، وبطلب الحلال، وأداء
الحقوق، والتجافي عن المظالم، وحفظ الأنساب وأعراض الناس بإقامة
حدود الزنا والقذف، وصيانة العقل بالمنع عن تناول المسكرات
والمجتنبات بالتهديد والتأديب عليه، ودفع الضرر عن المسلمين، ومن
هذا القبيل: إماطة الأذى عن الطريق، فتكون الجملةُ سبعة وسبعين.
وهذا في الحقيقة عدُّ بعض المسائل من العلوم الدينية وجعله
باباً، وترك البعض، أو جعله مندرجاً تحت المذكورة. وفيه نوع
تحگُّم.
وقال قوم: الضبط في تعداد الشعب أن يقال: الإنسان لا يخلو
(١) كذا في الأصل.
٣٣٧

من المبدأ، والمعاد، والمعاش، وهو إِمَّا أن يتعلق بنفس الرجل فقط،
وتسمى: نفسية، وإِمَّا بغيره، والغير إِمَّا أهل بيته، ويسمى: سياسة
المنزل، وإِمَّا سواهم من الناس، ويسمى: سياسة المدنية.
والنفسية إِمَّا باطنية، وإِمَّا ظاهرية.
والظاهرية؛ إِمَّا قول، وهي إما أن يتعلق بذات الله تعالى، وهي
تسعة، وهو الإيمان بوجود الصانع، وبالتوحيد الذي هو أصل صفات
الجلال، وبالصفات السبعة المسماة بصفات الإكرام؛ وهي الحياة،
والعلم، والإرادة، والقدرة، والسمع، والكلام.
وإِمَّا بفعل الله، وهي أربعة: الإيمان بملائكته وكتبه ورسله،
وحدوث العالم والمعاد، وأمهاتها ثمانية؛ وهي: البعث، والوقفة،
والحساب، والميزان، والصراط، والشفاعة، والجنة، والنار، وما
يتعلق بهما .
والمركبة كذلك ثمانية: التعفف عن السِّفاح، وعقد النكاح،
والقيام بحقوقه، والبر بالوالدين، وتربية الأولاد، وصلة الرحم،
وطاعة السادات، والإحسان إلى المماليك.
والمدنية أصولها أربعة عشر: القيام بالإمارة، واتباع الجماعة،
ومطاوعة أولي الأمر، والمعاونة على البر، وإحياء معالم الدين،
والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وحفظ الدين بالقتل والقتال،
وحفظ النفس بالكف عن الجنايات، وإقامة حدود الخَراج، وحفظ
٣٣٨

العقل بالمنع عن المسكرات والمخبئات، وحفظ المال بطلب الحقوق
وأدائها، وحفظ الأنساب بإقامة حد الزنا، وحفظ الأعراض بحد
القذف والتعزير، ودفع الضرر عن المسلمين.
والظاهرية القولية خمسة: التلفظ بالكلمة، وصدق اللهجة،
وتلاوة القرآن، والتعليم، والتعلم للشرائع.
والظاهرية الفعلية: مالية، أو بدنية، أو مركبة، وهي عشرة:
الطهارة، وستر العورة، وإقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة، والقيام بأمر
الجنائز، والصيام، والحج، والوفاء بالنذر، وأداء الكفارات.
والباطنية؛ إِمَّا تخلية عن الرذائل، وأمهاتها ثمانية: حب المال،
وحب الجاه، وحب الدنيا، والحقد، والحسد، والربا، والنفاق،
والعجب.
وإِمَّا تحلية بالفضائل، وكلياتها أحد عشر: التوبة، والخوف،
والرجاء، والحياء، والشكر، والوفاء، والصبر، والإخلاص، والمحبة،
والتوكل، والرضا بالقضاء.
هذا كلامهم، وهم ما زادوا على الأول إلا تغيير بعض
التقسيمات، ولا يرتفع بذلك التكرار والتحكّمات، فإن تحت القيام
بالإمارة مثلاً تندرج إقامة الحدود، وحفظ الدماء والأموال،
والجهاد، وما يتعلق بها، وتحت لأولي الأمر يدخل اتباع الجماعة،
والمعاونة على الطاعة، فلا وجه لإيراد المقسم وجعله قسماً،
٣٣٩

وإيراد الأقسام تالياً، فالوجه: الإجراء على الإجمال، كما فعله
النبي - عليه السلام -؛ فإن الحكم على أن هذا مراد النبي - عليه
السلام - فيه صعوبة، والإيمان بها، واعتقاد أنها من شعب الإيمان
لا يتوقف على معرفة أعيانها؛ كالإيمان بالملائكة والأنبياء - عليهم
السلام -، فبيَّن النبيُّ - عليه السلام - أعلاها الذي هو التوحيد
الواجب على كل مكلف، الذي لا تتم كل خصلة ولا يعتد بها
بدونه، وأدناها ما يتوقع منه ضرر المسلمين؛ من إماطة الأذى عن
طريقهم، وجعل الحياء منه - وإن كان غريزة -؛ لأن استعماله على
قانون الشرع يحتاج إلى اكتساب ونية وعلم، فهو من الإيمان بهذا
الاعتبار، ولكونه باعثاً على أفعال البر، ومانعاً من المعاصي، وقد
يكون تخلقاً واكتساباً كسائر أنواع البر - على ما سيجيء في تعريفه،
وبيان أقسامه -.
وأما ما يمنع من المواجهة بالحق؛ من أمر بمعروف، أو نهي عن
منكر، أو إخلال ببعض الحقوق، فهو ليس من الحياء، وإن سمي في
العرف بالحياء مجازاً، بل هو عَجْز وخَوَر.
وعن شيخ الطبقة جُنيد البغدادي: الحياء يتولد من رؤية الآلاء،
ورؤية التقصير.
هذا حاصل ما قالوا في معنى هذا الحديث.
وأما في لفظه: فاختلفوا في البِضْع معنّى واستعمالاً؛ أما لفظاً:
٣٤٠