Indexed OCR Text
Pages 241-260
١٥٦ - (٣١/ ٥٢) - حَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ يُونُسَ الحَنَفِي، حَدَّثَنَا عِكْرِمَةُ بْنُ عَمَّارٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبَّ كَثِيرٍ، قَالَ: حَذَّثَنِي أَبُو هُرَيْرَةَ، قَالَ: كُنَّا قُعُوداً حَوْلَ رَسُولِ اللهِ، مَعَنَا أَبُو بَكْرٍ، وَعُمَرُ فِي نَفَرٍ، فَقَامَ رَسُولُ اللهِ عَهُ مِنْ بَيْنِ أَظْهُرِنَاَ، فَأَبْطَأَ عَلَيْنَا، وَخَشِينَا أَنْ يُقْتَطَعَ دُونَنَا، وَفَزِعْنَا فَقُمْنَا، فَكُنْتُ أَوَّلَ مَنْ فَزِعَ، فَخَرَجْتُ أَنْتَغِي رَسُولَ اللهِوَهِ، حَتَّى أَتَيْتُ حَائِطاً لِلْأَنْصَارِ لِيَتِي النَّجَّارِ، فَدُرْتُ بِهِ هَلْ أَجِدُ لَهُ بابا، فَلَمْ أَجِدْ، فَإِذَا رَبِيعٌ يَدْخُلُ فِي جَوْفِ خَائِطٍ مِنْ ◌ِثْرٍ خَارِجَةٍ - وَالرَّبِيعُ: الجَدْوَلُ -، فَاحْتَفَزْتُ كَمَا يَحْتَفِزُ الثَّعْلَبُ، فَدَخَلْتُ عَلَى رَسُولِ اللهِ بِهِ، فَقَالَ: ((أَبُو هُرَيْرَةَ؟)). فَقُلْتُ: نَعَمْ يَا رَسُولَ اللهِ. قَالَ: «مَا شَأْنُكَ؟)). قُلْتُ: كُنْتَ بَيْنَ أَظْهُرِنَاَ، فَقُمْتَ، فَأَبْطَأْتَ عَلَيْنَا، فَخَشِينَا أَنْ تُقْتَطَعَ دُونَنَا، فَفَزِعْنَا، فَكُنْتُ أَوَّلَ مَنْ فَزِعَ، فَأَتَيْتُ هَذَا الحَائِطَ، فَاحْتَفَرْتُ كَمَا يَحْتَفِزُ الثَّعْلَبُ، وَهَؤُلاءِ النَّاسُ وَرَائِي، فَقَالَ: ((يَا أَبَّ هُرَيْرَةَ)) وَأَعْطَانِي نَعْلَيْهِ، قَالَ: ((اذْهَبْ بِنَعْلَيَّ هَاتَيْنِ، فَمَنْ لَقِيتَ مِنْ وَرَاءِ هَذَا الحَائِطِ يَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلَّ اللهُ مُسْتَيْقِناً بِهَا قَلْبُهُ، فَبَشِّرُهُ بِالجَنَّةِ)»، فَكَانَ أَوَّلَ مَنْ لَقِيتُ عُمَرُ، فَقَالَ: مَا هَاتَانٍ النَّعْلَاَنِ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ؟ فَقُلْتُ: هَاتَانِ نَعْلاَ رَسُولِ اللهِ﴿ِ، بَعَثَنِي بِهِمَا مَنْ لَقِيتُ يَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلَّ اللهُ مُسْتَيِّقِناً بِهَا قَلْبُهُ بَشَّرْتُهُ بِالجَنَّةِ. فَضَرَبَ عُمَرُ بِيَدِهِ بَيْنَ ثَدْتِيَّ، فَخَرَرْتُ لاِسْتِي، فَقَالَ: ارْجِعْ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ، فَرَجَعْتُ إِلَى رَسُولِ اللهِ﴿ه، فَأَجْهَشْتُ بُكَاءً، وَرَكِيَتِي عُمَرُ، فَإِذَا هُوَ ٢٤١ عَلَى أَثَرِي، فَقَالَ لِي رَسُولُ اللهِ وَِّ: ((مَا لَكَ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ؟)). قُلْتُ: لَقِيتُ عُمَرَ، فَأَخْبَرْتُهُ بِالَّذِي بَعَثْتُنِي بِهِ، فَضَرَبَ بَيْنَ ثَدْتَيَّ ضَرْبَةً خَرَرْتُ لإِسْتِي، قَالَ: ارْجِعْ. فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ: ((يَا عُمَرُ! مَا حَمَلَكَ عَلَى مَا فَعَلْتَ؟)). قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ! بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي، أَبَعَنْتَ أَبَا هُرَيْرَةَ بِتَعْلَيْكَ مَنْ لَقِيَ يَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلَّ اللهُ مُسْتَيْقِناً بِهَا قَلْبُهُ بَشَّرَهُ بِالجَنَّةِ؟ قَالَ: ((نَعَمْ)). قَالَ: فَلاَ تَفْعَلْ؛ فَإِنِي أَخْشَى أَنْ يَتَّكِلَ النَّاسُ عَلَيْهَا، فَخَلَّهِمْ يَعْمَلُونَ. قَالَ رَسُولُ اللهِ: ((فَخَلِّهِمْ). وحديث أبي هريرة: كُنَّا قُعُوداً حَوْلَ رَسُولِ اللهِّهِ، مَعَنَا أَبُو بَكْر وَعُمَرُ فِي نَفَرٍ، فَقَامَ رَسُولُ اللهِ وَهُ مِنْ بَيْنِ أَظْهُرِنَا، فَأَبْطَأَ عَلَيْنَا، وَخَشِينَا أَنْ يُقْتَطَعَ دُونِنَا، وَفَزِعْنَا فَقُمْنَا، فَكُنْتُ أَوَّلَ مَنْ فَزِعَ، فَخَرَجْتُ أَبْتَغِي رَسُولَ اللهِنَّهِ حَتَّى أَتَيْتُ حَائِطَاً لِلأَنْصَارِ لِبَنِي النَّجَّارِ، فَدُرْتُ بِهِ هَلْ أَجِدُ لَهُ باباً، فَلَمْ أَجِدْ، فَإِذَا رَبِيعٌ يَدْخُلُ فِي جَوْفِ حَائِطٍ مِنْ بِثْرِ خَارِجَةٍ - وَالرَّبِيعُ الجَدْوَلُ -، فَاحْتَفَرْتُ كَمَا يَحْتَفِزُ الثَّعْلَبُ، فَدَخَلْتُ عَلَى رَسُولِ اللهِ ◌ّهِ، فَقَالَ: ((أَبُو هُرَيْرَةَ؟». فَقُلْتُ: نَعَمْ يَا رَسُولَ اللهِ. قَالَ: ((مَا شَأْنُكَ؟)). قُلْتُ: كُنْتَ بَيْنَ أَظْهُرِنَا، فَقُمْتَ فَأَبْطَأْتَ عَلَيْنَا، فَخَشِينَا أَنْ تُقْتَطَعَ دُونَنَا، فَفَزِعْنَا، فَكُنْتُ أَوَّلَ مَنْ فَزِعَ، فَأَيَّتُ هَذَا الحَائِطَ فَاحْتَفَرْتُ كَمَا يَحْتَفِزُ الثَّعْلَبُ، وَهَؤُلاءِ النَّاسُ وَرَائِي، فَقَالَ: (يَا أَبَا هُرَيْرَةَ)) وَأَعْطَانِي نَعْلَيْهِ، قَالَ: ((اذْهَبْ بِنَعْلَيَّ هَاتَيْنِ، فَمَنْ لَقِيتَ مِنْ وَرَاءِ هَذَا الحَائِطِ يَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلَّ اللهُ مُسْتَيْقِناً بِهَا قَلْبُهُ، فَبَشِّرْهُ ٢٤٢ بِالجَنَّةِ))، فَكَانَ أَوَّلَ مَنْ لَقِيتُ عُمَرُ، فَقَالَ: مَا هَاتَانِ النَّعْلاَنِ يَا أَبَّا هُرَيْرَةَ؟ فَقُلْتُ: هَاتَانِ نَعْلاَ رَسُولِ اللهِ وَّهِ، بَعَثَنِي بِهِمَا مَنْ لَقِيتُ يَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ مُسْتَيِقِناً بِهَا قَلْبُهُ بَشَّرْتُهُ بِالجَنَّةِ. فَضَرَبَ عُمَرُ بِدِهِ بَيْنَ ثَدْيِيَّ، فَخَرَرْتُ لإِسْتِي، فَقَالَ: ارْجِعْ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ، فَرَجَعْتُ إِلَى رَسُولِ اللهِ وَّهِ، فَأَجْهَشْتُ بُكَاءَ، وَرَكِبَنِي عُمَرُ، فَإِذَا هُوَ عَلَى أَثَرِي، فَقَالَ لِي رَسُولُ اللهِ: ((مَا لَكَ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ؟)). قُلْتُ: لَقِيتُ عُمَرَ، فَأَخْبَرْتُهُ بِالَّذِي بَعَشَنِي بِهِ، فَضَرَبَ بَيْنَ ثَدْتَيَّ ضَرْبَةً خَرَرْتُ لِإِسْتِي، قَالَ: ارْجِعْ. فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِنَّهِ: ((يَا عُمَرُ! مَا حَمَلَكَ عَلَى مَا فَعَلْتَ؟)). قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ! بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي أَبَعَنْتَ أَبَا هُرَيْرَةَ ◌ِنَعْلَيْكَ مَنْ لَقِيَ يَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلَّ اللهُ مُسْتَيْقِناً بِهَا قَلْبُهُ بَشَّرَهُ بِالجَنَّةِ؟ قَالَ: (نَعَمْ). قَالَ: فَلاَ تَفْعَلْ؛ فَإِنِي أَخْشَى أَنْ يَثْكِلَ النَّاسُ عَلَيْهَا، فَخَلِّهِمْ يَعْمَلُونَ. قَالَ رَسُولُ اللهِّهِ: ((فَخَلِّهِمْ)). وقد أخرجه البخاري. ١٥٧ - (٣٢ / ٥٣) - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورِ، أَخْبَرَنَا مُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِ عَنْ قَادَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ مَالِكِ: أَنَّ نَبِيَّ اللّهِوَّةِ، وَمُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ رَدِيفُهُ عَلَى الرَّحْلِ قَالَ: (يَا مُعَاذُ!)). قَالَ: لَبَّيْكَ رَسُولَ اللهِ وَسَعْدَيْكَ، قَالَ: ((يَا مُعَاذُ!))، قَالَ: لَبَّيْكَ رَسُولَ اللهِ وَسَعْدَيْكَ، قَالَ: ((يَا مُعَاذُ!))، قَالَ لَبَيْكَ رَسُولَ اللهِ وَسَعْدَيْكَ، قَالَ: ٢٤٣ (مَا مِنْ عَبْدٍ يَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلَّ اللهُ، وَأَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، إِلاَّ حَرَّمَهُ اللهُ عَلَى النَّارِ)). قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ! أَفَلاَ أُخْبِرُ بِهَا النَّاسَ فَيَسْتَبْشِرُوا؟ قَالَ: ((إِذاً يَتَّكِلُوا))، فَأَخْبَرَ بِهَا مُعَاذٌ عِنْدَ مَوْتِهِ تَأَثُّماً. وحديث أنس: أَنَّ نَبِيَّ اللهِ وَهَ، وَمُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ رَدِيفُهُ عَلَى الرَّحْلِ قَالَ: ((يَا مُعَاذُ!)) ثلاثاً، قَالَ: لَبَّيْكَ رَسُولَ اللهِ وَسَعْدَيْكَ، قَالَ: ((مَا مِنْ عَبْدٍ يَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلَّ اللهُ، وَأَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، إِلاَّ حَرَّمَهُ اللهُ عَلَى النَّارِ». قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ! أَفَلاَ أُخْبِرُ بِهَا النَّاسَ فَيَسْتَبْشِرُوا؟ قَالَ: (إِذا يَتَّكِلُوا))، فَأَخْبَرَ بِهَا مُعَاذٌ عِنْدَ مَوْتِهِ تَأْثُّماً. وأخرجه البخاري في (العلم). ١٥٨ - (٣٣/ ٥٤) - حَدَّثَنَا شَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخَ: حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ - يَغْنِي: ابْنَ المُغِيرَةِ - قَالَ: حَدَّثَنَا ثَابِتٌ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي مَحْمُودُ ابْنُ الرَّبِيعِ، عَنْ عِتْبَانَ بْنِ مَالِكِ، قَالَ: قَدِمْتُ المَدِينَةَ، فَلَقِيتُ عِثْبَانَ، فَقُلْتُ: حَدِيثٌ بَلَغَنِي عَنْكَ، قَالَ: أَصَابَتِي فِي بَصَرِي بَعْضُ الشَّيْءِ، فَبَعَثْتُ إِلَى رَسُولِ اللهِوَّهِ أَنّي أُحِبُّ أَنْ تَأْتِيَنِي، فَتُصَلِّيَ فِي مَنْزِي، فَأَتَّخِذَهُ مُصَلَّى - قَالَ : - فَتَى النَّبِيُّ: ﴿ وَمَنْ شَاءَ اللهُ مِنْ أَصْحَابِهِ، فَدَخَلَ، وَهُوَ يُصَلِّي فِي مَنْزِلِي، وَأَصْحَابُهُ يَتَحَدَّنُونَ بَيْتَهُمْ، ثُمَّ أَسْتَدُوا عُظْمَ ذَلِكَ وَكِبْرَهُ إِلَى مَالِكِ بْنِ دُخْفُمٍ، قَالُوا: ٢٤٤ وَدُّوا أَنَّهُ دَعَا عَلَيْهِ فَهَلَكَ، وَوَدُّوا أَنَّهُ أَصَابَهُ شَرٌّ. فَقَضَى رَسُولُ اللهِ وَاجى الصَّلاَةَ، وَقَالَ: ((أَلَيْسَ يَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلَّ اللهُ، وَأَنِي رَسُولُ اللهِ؟)). قَالُوا: إِنَّهُ يَقُولُ ذَلِكَ، وَمَا هُوَ فِي قَلْبِهِ، قَالَ: ((لاَ يَشْهَدُ أَحَدٌ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلَّ اللهُ، وَأَنِي رَسُولُ اللهِ، فَيَدْخُلَ النَّارَ، أَوْ تَطْعَمَهُ)). قَالَ أَنٌَّ: فَأَعْجَبَتِي هَذَا الحَدِيثُ، فَقُلْتُ لِإِنِي: اكْتُبُ، فَكَتَبَهُ. ١٥٩ - (٣٣/ ٥٥) - حَدَّثَنِي أَبُو بَكْرِ بْنُ نَفِعِ العَبْدِيُّ: حَدَّثَنَا بَهْزٌ: حَدَّثَنَا حَمَّادٌ: حَدَّثَنَا ثَابِتٌ عَنْ أَنَسِ، قَالَ: حَدَّثَنِي عِتْبَانُ بْنُ مَالِكٍ: أَنَّهُ عَمِيَ، فَأَرْسَلَ إِلَى رَسُولِ اللهِوَهِ، فَقَالَ: تَعَالَ فَخُطَّ لِي مَسْجِداً. فَجَاءَ رَسُولُ اللهِ وَهِ، وَجَاءَ قَوْمُهُ، وَنُعِتَ رَجُلٌ مِنْهُمْ يُقَالُ لَهُ: مَالِكُ ابْنُ الدُّخْشُمِ. ثُمَّ ذَكَرَ نَحْوَ حَدِيثِ سُلَيْمَانَ بْنِ المُغِيرَةِ. وحديث عتبان بن مالك : أَصَابَنِي فِي بَصَرِي بَعْضُ الشَّيْءِ، فَبَعَثْتُ إِلَى رَسُولِ اللهِ وَِّ: أَنِّي أُحِبُّ أَنْ تَأْتِي فَتُصَلِّيَ فِي مَنْزِي، فَأَتَّخِذَهُ مُصَلَّى - قَالَ : - فَأَتَّى النَّبِيُّ ◌َّهُ وَمَنْ شَاءَ اللهُ مِنْ أَصْحَابِهِ، فَدَخَلَ، وَهُوَ يُصَلِّي فِي مَنْزِلِي، وَأَصْحَابُهُ يَتَحَدَّثُونَ بَيْنَهُمْ، ثُمَّ أَسْنَدُوا عُظْمَ ذَلِكَ وَكِبْرَهُ إِلَى مَالِكِ بْنِ دُنْتُمٍ، قَالُوا: وَدُّوا أَنَّهُ دَعَا عَلَيْهِ فَهَلَكَ، وَوَدُّوا أَنَّهُ أَصَابَهُ شَرٍّ. فَقَضَى رَسُولُ اللهِ بَّهِ الصَّلاَةَ، وَقَالَ: ((أَلَيْسَ يَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلَّ اللهُ، وَأَنِّي رَسُولُ اللهِ؟)). قَالُوا: إِنَّهُ يَقُولُ ذَلِكَ، وَمَا هُوَ فِي قَلْبِهِ، قَالَ: ((لاَ يَشْهَدُ أَحَدٌ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ، وَأَنِي رَسُولُ اللهِ، فَيَدْخُلَ النَّارَ، أَوْ تَطْعَمَهُ)). ٢٤٥ أخرجه البخاري في مواضع، والنسائي، وابن ماجه في (الصلاة). ولما أخرج الترمذيُّ حديث عُبادةَ بنِ الصامتِ، قال: وفي الباب: عن أبي بكر، وعمر، وعثمان، وطلحة، وجابر، وابن عمر، وزید بن خالد. وأقول: حديث أبي بكر: أن رسول الله وَ ◌ّه قال له: ((اخْرُجْ فَنَادِ فِي النَّاسِ: مَنْ شَهِدَ أَنْ لا إِلَهَ إِلا اللهُ، وَجَبَتْ لَهُ الجَنَّةُ»، قَالَ: فَخَرَجْتُ، فَلَقِيَِّي عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ، فَقَالَ: مَا لَكَ أَبَّا بَكْرٍ؟ فَقُلْتُ: قَالَ لِي رَسُولُ اللهِ وٍَّ: ((اخْرُجْ فَنَادِ فِي النَّاسِ: مَنْ شَهِدَ أَنْ لا إِلَهَ إِلا اللهُ، وَجَبَتْ لَهُ الجَنَّةُ»، قَالَ عُمَرُ: ارْجِعْ إِلَى رَسُولِ اللهِ وَّهِ؛ فَإِنِّي أَخَافُ أَنْ يَتَّكِلُوا عَلَيْهَا، فَرَجَعْتُ إِلَى رَسُولِ اللهِ وَّهِ، فَقَالَ: (مَا رَدَّكَ؟»، فَأَخْبَرْتُهُ بِقَوْلِ عُمَرَ، فَقَالَ: ((إِنَهُ مَنْ شَهِدَ أَنْ لا إِلَهَ إِلا اللهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ مُخْلِصاً، دَخَلَ الجَنَّةَ)). فَقَالَ عُمَرُ: يَا رَسُولَ اللهِ! إِذاً يَتَّكِلُوا، فَقَالَ: ((دَعْهُم)). رواهما أبو يعلى، وروى حديث عمر البزار - أيضاً -. وحديث عثمان قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ وَ﴿ يَقُولُ: ((إِنِّي لأَعْلَمُ كَلِمَةٌ لاَ يَقُولُهَا عَبْدٌ حَقّاً مِنْ قَلْبِهِ إِلَّ حُرِّمَ عَلَى النَّارِ)). فَقَالَ لَهُ عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ: أَنَا أُحَدِّئُكَ مَا هِيَ، هِيَ كَلِمَةُ الإِخْلاَصِ الَّتِي أَعَزَّ اللهُ - تَبَارَك وَتَعَالَى - بِهَا مُحَمَّداً أٍَّ وَأَصْحَابَهُ، وَهِيَ كَلِمَةُ التَّقْوَى الَّتِي أَصَ(١) (١) أي: ألخَّ وراوده فيها. ٢٤٦ عَلَيْهَا نَبِيُّ اللهِ عَمَّهُ أَبَا طَالِبٍ عِنْدَ المَوْتِ: شَهَادَةُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلَّ اللهُ. رواه أحمد. وحديثُ طلحةَ: أن أبا بكرِ الصدِّيقَ لقيه، فقال: يا طلحةُ! مَالِي أَرَاكَ وَاجِماً؟ قَالَ: كَلِمَةٌ سَمِعْتُهَا مِنْ رَسُولِ اللهِوَهِ يَزْعُمُ أَنَّهَا مُوجِبَةٌ، فَلَمْ أَسْأَلَهُ عَنْهَا، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: أَنَا أَعْلَمُ مَا هِيَ، قَالَ: مَا هِيَ؟ قَالَ: لا إِلَهَ إِلا اللهُ. وحديث جابر: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَلِ: ((نَدِ يَا عُمَرُ فِي النَّاسِ: أَنَّهُ مَنْ مَاتَ يَعْبُدُ اللهَ مُخْلِصاً مِنْ قَلْبِهِ، أَدْخَلَهُ اللهُ الجَنَّةَ، وَحَرَّمَ عَلَيْهِ النَّارَ))، قَالَ: فَقَالَ عُمَرُ: يَا رَسُولَ اللهِ! أَفَلا أُبَشِّرُ النَّاسَ؟ قَالَ: ((لا، لا يَتَکلُوا». رواهما أبو يعلى. وحديث ابن عمر: أن رسول الله وَ ﴿ قال: ((أَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ، وَأَشْهَدُ أَنِّي رَسُولُ اللهِ، وَأَشْهَدُ أَنْ لاَ يَقُولُهَا أَحَدٌ مِنْ حَقِيقَةِ قَلْبِهِ إِلَّ وَقَاهُ اللهُ حَرَّ النَّارِ)). رواه البزار. وحديث زيد بن خالد: أَرْسَلَنِي رَسُولُ اللهِ وَّهِ أُبَشِّرُ النَّاسَ: ((أَنَّهُ مَنْ شَهِدَ أَنَّ لا إِلَهَ إِلا اللهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، فَلَهُ الجَنَّةُ)). رواه الطبراني، ورجاله ثقات. وفي الباب: عن سهيل بن البيضاء، وأبي موسى الأشعري، ٢٤٧ رواهما أحمد والطبراني، وأبي سعيد الخدري، وزيد بن أرقم، رواهما البزار، وسلمة بن نعيم الأشجعي، رواه أحمد، وبلال، وابن شيبة، وهذه الأحاديث مؤكدة للذي قبلها؛ لأن فيهما بيان أن الموت على التوحيد موجبٌ لدخول الجنة، ودعوة النبي - عليه السلام - لعمه أيضاً على ذلك. ثم اعلم: أن مذهب أهل الحق: أن من مات من أهل التكليف على الإيمان بدون معصية، فهو من أهل الجنة، ولا يدخل النار أصلاً، وكذا غير المكلف، كما أن من مات على الشرك لا يدخل الجنة، ولا تفيده سائر المَبَرات. وأما الذي مات على الإيمان، وله معصية كثيرة، ولم يتب عنها، فأمره في مشيئة الله تعالى، إن شاء الله غفره بفضله، وألحقه الصنف الأوّل، وإن شاء عذبه بقدر معصيته، ثم يدخله الجنة. ولا يبقى في النار من مات على التوحيد أحد، وإن كانت له أنواع المعاصي، وقد تظاهرت الآيات والأحاديث على ذلك، وما وقع على خلافه، فالواجب تأويله؛ للجمع، والرد إلى المُقَرَّر. وذهبت المعتزلة إلى أن صاحب الكبيرة كافر في أحكام الآخرة، مؤمن في أحكام الدنيا، فهو مخلّد في النار كالكفار، ولا ينفعه الإيمان مع الكبيرة، بل حالُه وحالُ الكافر على السواء. وهذا لعمري! قول شنيع، مخالف لظواهر النصوص، بعید من فضل الله تعالی وحكمته، ٢٤٨ مع أنهم ادعوا أن مذهبهم مذهب العدل والفهم. وذهبت الخوارج إلى أن الصغيرة تُخرج صاحبها من الإيمان كالكبيرة. وذهبت بعض المرجئة إلى أن الكفر لا يضر؛ فإن الله تعالى غني عن تعذيب عبيده، بل الوعيدات الواقعة في النصوص للتخويف(١). وهذه المذاهب على طرفي إفراط وتفريط، والحق ما قاله أهل السنة والجماعة، وهو المذهب الأول، والكلام المبسوط على هذه المسائل في الكتب الكلامية، ونحن نورد في هذا الكتاب خلاصةً أقوالهم بحسب المناسبة في كل حديث - إن شاء الله تعالى -. * قوله: عن (خالد): هو أبو المنازل، خالد بن مهران الحَذَّاء، قيل: هو ليس بحذاء، ولكن كان يجلس معهم، فسُمي به، وقيل: و كان يقول: احْذُوا على هذا النحو، فلَقب بالحذاء. رأى أنساً، وروى عن أبي عثمان النهدي، وعبدالله بن شقيق، وعبد الرحمن بن أبي بكرة، وجمع. وعنه شيخه ابن سيرين، وشعبة، والحمادان، وخلائق. وَثَقَهُ أحمد، وابن معين، والنسائي، وأخرج له الستة. وقال أبو حاتم: لا يحتج به. توفي سنة وأربعين ومئة. (١) في الأصل: ((بل وعيدات الواقعة في التصوف للتخويف)). ٢٤٩ وأما (الوَلِيدُ)، فهو أبو بشر الوليدُ بنُ مسلمٍ بنِ شهابِ العنبريُّ، البصريُّ. عن جندب بن عبدالله البجلي، وحُمران، وأبي بكر الصديق، وجماعة. وعنه منصور بن زاذان، وخالد الحذاء، وسعيد بن أبي عروبة، وخلائق. وثَّقَهُ ابن معين، وأبو حاتم، وابن حبان، وأخرج له مسلم، وأبو داود، والنسائي. وربما اشتبه بأبي العباس الوليدِ بنِ مسلم الأمويِّ، الدمشقيِّ، صاحبِ الأوزاعيِّ، ولكن إذا تأمل الناظر إلى الكنية والزمان، والنسبة والبلدة، عرف أن أبا بشر البصريَّ أقدمُ من أبي العباس، والشاميُّ أجلٌّ وأشهر من البصري، حتى قيل: انتهى علم الشام إلى أبي العباس الوليدِ بنِ مسلم، وإلى إسماعيل بن عياش، وهو أجلُّ من ابن عيَّاش. وأما (حُمْرَانُ) - بضم الحاء المهملة وسكون الميم -، فهو أبو يزيدَ حُمْرَانُ بْنُ أَبَانَ، وقيل: ابن أبانَ، مدنيٍّ قرشيٍّ، مولى عثمانَ بنِ عفانَ ﴾، كان من سبي عين التمر، وكان كاتب عثمان وحاجبه، ولِيَ نيسابور زمن الحجاج، وغرَّمه الحجاج مئة ألف لأجل الولاية، ثم ردّ علیه بشفاعة عبد الملك. أدرك أبا بكرٍ، وروى عن عثمان، ومعاوية، وجمع. ٢٥٠ وعنه عروة، وزيد بن أسلم، ومحمد بن المنكدر، وجماعة. تكلم فيه القوم، ومع ذلك أخرج له الستة. وقال ابن سعید: کان کثیر الحدیث، لم أرهم يحتجون بحديثه. وأما (مُحَمَّدُ) فهو أبو عبدالله محمدُ بنُ أبي بكر علي بن عطاء بن مقدم المقدميُّ، البصريُّ. عن حماد بن زيد، وأبي عوانة، وابن زُريع، وخلائق. وعنه أبو زرعة، وأبو حاتم، وأبو يعلى، وآخرون. وَثَّقَهُ القوم، وأخرج له الشيخان، والنسائي. وأمّا شيخه، فهو (أبو إسماعيل بشر بن المفضل) بن لاحق الرَّقَاشيُّ، البصريُّ، أحدُ الحفاظ. عن حميد، وابن عون، ويحيى بن سعيد الأنصاري، وخلائق. وعنه أحمد، وإسحاق، ومُسَدَّد، وآخرون. اتفق القوم على توثيقه وجلالة قدره، وأخرج له الستة. توفي سنة سبع وثمانين ومئة. وأمّا (عثمان)، فهو أبو عمرو عثمانُ بنُ عفانَ بنِ أبي العاصِ بنِ أميةَ بنِ عبدِ شمسٍ، الأمويُّ، ذو النورَيْن، أميرُ المؤمنين، وأول من جمعَ الناسَ على القرآن، وثاني من بنى مسجد النبي - عليه السلام -، وأحدُ الخلفاء الثلاثة من الخلفاء، وأحدُ الأربعة منهم، وأحدُ الخمسة ٢٥١ الذين أسلموا على يد أبي بكر، وأحدُ الستة أصحاب الشورى، وأحد السبعة، وأحد الثمانية، وأحد التسعة (١)، وأحد العشرة المشهود لهم بالجنة، ومناقبه كثيرة، وسيجيء في الكتاب طرفٌ منها. روي له عن رسول الله وَ له مئة حديث، وستة وأربعون حديثاً، اتفقا منها على ثلاثة، وانفرد البخاري بثمانية، ومسلم بخمسة، وأخرج له الأربعة. روى عنه جماعات من الصحابة والتابعين. استُشهد يوم الدار، يوم الجمعة سنة خمس وثلاثين، وخلافته إحدى عشرة سنة، وعمره اثنان وثمانون. * قوله: (مَنْ مَاتَ وَهُوَ بَعْلَمُ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلَّ اللهُ، دَخَلَ الجَنَّةَ) ربما تمسّكت المرجئة بظاهره على أنّ الإيمان المجرد يكفي في دخول الجنة، ويجاب: بأن المراد: الدخول بعد أن غفر الله ذنوبه، أو جازاه بقدر معاصيه، فالمعنى: دخلها بعد مجازاته؛ جمعاً بينه وبين الأحاديث الواردة في عذاب العُصاة. وقيل: يندرج تحت هذا العلم جميع الطاعات؛ لأنه إذا علم الوحدانية، وأنه لا إله غيره، وأنه هو الخالق، الرازق، الباعث، الشهيد، المالك ليوم الحساب، فيكون علمه هذا ينطوي على جميع ما يجب عليه من الأوامر والنواهي؛ لأن العلم بالله إذا حصل، فثمرته (١) كذا في الأصل. ٢٥٢ الخشية منه، ويندرج فيه الانقياد بجميع الشرائع، قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ اَلْعُلَمَوُاْ﴾ [فاطر: ٢٨]. وعن الشعبي: العالم من خشي الله. ولمَّا لم يعمل أهل الكتاب بعلمهم، نفى العلمَ عنهم، فعُلِم أن من مات وهو يعلم أن لا إله إلا الله، كان خاشعاً لله، مُنیباً إليه، فهو لا محالة يدخل الجنة، وهذا اختيارُ جمع من المحققين. ثم اعلم أنّ مذهب أهل السُّنَّة: أنه لابد من الشهادتين مع التصديق، إلا أن لا يقدر على التلفظ بهما؛ لآفة في لسانه، أو اخترمته المنية قبل التلفظ بهما. وأن العُصاة من أهل التوحيد لا يخلّدون في النار، بل إِمَّا يدخلون الجنة أول وهلة، أو بَعْدَ المجازاة بقدر معصیتهم. فعلى هذا، فمعنى الأحاديث الواردة في أن مات على التوحيد أو عليه، ونفي الشرك، أو القائل بالشهادتين، أو من كان آخر كلامه كلمة الشهادة = ظاهر؛ لأنه من كان حاله كذلك، يدخلها لا محالة. وفيه ردّ على المعتزلة والخوارج القائلين بعدم دخوله، وبخلوده في النار، وليس فيه حجة للمرجئة؛ إذ ليس في الحديث دلالة على أنه يدخلها من غير دخول النار أوّلَ وهلة. ومعنى حرمته على النار: أنه لا يمسها دائماً، ولا يكون هو فيها مخلداً. وبالجملة: القول بدخول من مات على هذه الصفة الجنة، ٢٥٣ مذهب أهل الحق، وهو الظاهر من هذه الأحاديث، وليس فيها دلالة على أنه لا يدخل النار البتة، بل إنه يدخل الجنة البتة، ولا يخلد في النار. والنزاع مع المرجئة في الدخول أول وهلة من غير دخول النار من مات على الإيمان مع المعصية، فإنهم يقولون: يكفيه الإيمان، ولا تضره المعصية، وهو ناج، ولا يدخل النارَ قطعاً، وليس في الأحاديث دليلٌ لهم، بل إن قالوا: بأن مجرد الإيمان يفيد صاحبه في دخول الجنة، وتركوا التقييد بأوّل الوهلة، وأسندوا الأمر إلى مشيئة الله تعالى بأن يدخلها البتة؛ إِمَّا أولاً بفضله وغفرانه، وإِمَّا آخراً بحكمه وعدله = يرفع الخلاف، ويصير مذهبهم في هذه المسألة مذهب أهل الحق والإنصاف. وحاصل الكلام: أن هذا الحديث وما في معناه صريح في أنّ العلم بالوحدانية عند الموت، أو التلفظ بالشهادتين مع التصديق، موجبٌ لدخول الجنة، والقواعد الشرعية في المذهب الحق تقتضي أن لا يكون ذلك بدون الأعمال موجباً للنجاة الكلي على سبيل القطع، بل يقتضي أن ذلك إنما يكون مع مقارنة العمل؛ أَمَّا عند عدمه، فلا يحكم إلا بالخلاص آخراً، وأما أولاً، فعلى المشيئة. فإذا كان كذلك، اختلف القوم في(١) جمع هذا الحديث وما في (١) في الأصل: ((إلى)). ٢٥٤ معناه مع الأحاديث التي تقتضي مقارنة العمل به. فقال بعضهم: المراد: دخول الجنة مطلقاً من غير دخول النار؛ إذ معنى العلم: الانكشاف التام، وهو يقتضي النجاة. وقال بعضهم: المراد: الدخول في الجنة، وعدم الخلود في النار، لا أنه لا يدخلها قطعاً. ولما كان الدخول في الحديث مطلقاً، احتاجوا إلى التأويل، قالوا: بأن أداء الفرائض مضمر، والتقدير: من قال: الكلمة وأدى فرائضها، أو بأنه مخصوص بوقت الندم والتوبة، أو بأنه محمول على تقصير الراوي في الحفظ والضبط، أو يكون اختصاراً من رسول الله وَيرٍ؛ لأنه في خطاب عبده، فقال ذلك؛ ليدخلوا في الإيمان، ثم يبني عليه سائر الطاعات، ومن لم يجد وقتاً لعمل الطاعات(١)، يكون القول بالكلمة كافياً له، أو بأنه قبل فرضية الفرائض. وفي كل هذه الوجوه بُعْدٌ؛ لأن الإضمار، والتخصيص، والقول بتقصير الراوي، والاختصار من الشارع، وكون ذلك قبل فرضية الفرائض = عدولٌ عن الظاهر؛ خاصة القول بأن هذا قبل فرضية العبادات، فإن الراوي أبو هريرة، وهو متأخر الإسلام عن وقت فرضية الفرائض؛ لأنه أسلم عام خيبر سنة سبع، وكانت الفرائض في وقت إسلامه ثابتة مقدرة. (١) في الأصل: ((ومن لم يجد وقت عمل الطاعات)). ٢٥٥ والقول بأنه من مراسيله، وأنه سمع من صحابي آخر مقدم الإسلام، أيضاً صرفٌ عن الظاهر، فالوجه: أن المراد: أنه تحصل له النجاة، وأمره في مشيئة الله تعالى. وإيراد مسلم هذا الحديث وما [في] معناه في هذا المقام بعد ذكر الأحاديث الدالة على دخول الأعمال في الإيمان = إيماء إلى ما ذكرنا في جبريل من أن الإيمان يطلق على ما يدخل صاحبه الجنة في الجملة، وهو التصديق والإقرار، وعلى ما يدخله البتة، وهو التصديق بالجَنان، والإقرار باللسان، والعمل بالأركان، وأن مطلق الاسم - عند أهل الحديث، وكثير من المتكلمين - للثاني، فإنه الكامل، والمطلق ینصرف إليه، فتأمل . * قوله: (حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ) أبو عبد الرحمن عبيدالله بن عبد الرحمن الأشجعي. عن هشام بن عروة، وشعبة، وسفيان، وجماعة. وعنه أحمد، وأبو كريب، وأبو خيثمة، وجمع. وَثَّقَهُ القوم، وأثنوا على كثرة حفظه، وأخرج له الستة إلا أبا داود. توفي سنة اثنتين وثمانين ومئة. وأما شيخه، فهو (مالك بن مِغْوَل) - بكسر الميم وإسكان الغين المعجمة وفتح الواو، البَجَليُّ الكوفيُّ، أبو عبدالله، أحدُ علماء الكوفة. ٢٥٦ عن الشعبي، وعطاء، والحكم، وخلائق. وعنه شعبة، والسفيانان، وابن المبارك، وآخرون. وَثَقَهُ القوم، وأثنوا عليه، وأخرج له [الجماعة]. قال الخطيب: حدّثنا عنه أبو إسحاق السَّبيعيُّ، والربیعُ بن یحیی الأشناني، وبين وفاتهما بضع وتسعون سنة. وأما شيخه فهو (أبو محمد طلحة بن مُصَرِّف) بن عمرو بن کعب الياميُّ الكوفيُّ. عن عبدالله بن أبي أوفى، وأنس، ومرة الهمذاني، وجماعة. وعنه ابنه محمد، ومنصور، والأعمش، وخلائق. وَثَّقَهُ ابن معين، وأبو حاتم، وأخرج له الستة. توفي سنة اثنتي عشرة ومئة. وقد استدرك الدارقطني هذا الإسناد، وقال: إن جماعة مثل أبي أسامة وغيره تركوا عبيدالله الأشجعي، ورووا الحديث عن مالك بن مِغْوَل، عن طلحة، عن أبي صالح، مرسلاً؛ لزيادة في روايته. وأجيب: بأنه ثقة، وزيادة الثقة مقبولة، وأمّا إرسالهم، فكذلك مقبول، إذ قد مرّ أنّ إرسال البعض واتصال البعض مقبول. وقد استدرك على الإسناد الذي يليه - أيضاً -، وقال: شك الأعمش. ٢٥٧ وأجيب: بأن الشك في تعيين الصحابي لا يضر؛ لأن كلهم عدول. والظاهر: أن استدراكه الأوّل ليس على إرسال القوم الحديث، بل على أن جماعة من أهل الثقة إذا تركوا الرواية عن رَاوٍ، مع أنه ليس لهم واسطة في البين غيره، دليل على عدم قبولهم روايته في هذا الحديث، خصوصاً إذا تركوا زيادته، ولهذا ذكر الشيخ أبو عمرو بن الصّلاح أن هذا استدراك في الإسناد، وهو غير خارج للمتن عن الصحة؛ لأن له أصلاً ثابتاً برواية العدول؛ مثل: يزيد بن أبي عبيد، وإياس بن سلمة بن الأكوع، عن سلمة. واستدراكه الثاني - أيضاً - ليس على أن الشك في الصحابي قادح، بل على أنّ الأعمش يُرمى بالتدليس، كما مرّ، وبينه وبين الصحابي واسطة، فشكُّه نوعُ ضعف، لا أن الشك في الصحابي قادح على ما قالوا. * قوله: (حَمَائِلَهُمْ) روي بالحاء المهملة: جمع حَمولَة، وهي الإبل التي يحمل [عليها]، وبالجيم: جمع جمل، على حد حَجَر وحِجارة، ويرحج الأولى بالتعميم؛ إذ الحَمولة تتناول الذكر والأنثى، والثانية بالعادة؛ إذ أكثر ما يصاحب في الحروب هو الجمل، ولذا أكثر ما ينحر، وذِكْرُ النواضح في الرواية الأخرى يؤيد رواية الحاء؛ فإن الإبل التي تسقي الماء نواضح، وهي جمع ناضح، فيتناول الصّنفين، كما أن الحمائل يتناولهما. * قوله: (حَتَّى هَمَّ)؛ يعني: النبي ◌َِّ، وهذا لا ينافي ما جاء في ٢٥٨ الراوية الثانية من أن ذلك بطلب القوم؛ لأن القوم طلبوا ذلك، والنبي - عليه السلام - أذن لهم في ذلك، فذكر في رواية على وجه الترتيب، وفي رواية حاصل الكلام؛ فإن أذن النبي - عليه السلام - لهم بذلك همّه به، وهذا من النبي - عليه السلام - بالاجتهاد تعليماً للأهم، ودفعاً للضرر الكثير بالقليل، لا بالوحي، فلما ظهر بكلام عمر مصلحة أخرى أوجز من الأولى، عمل بها، وترك الأولى. ففيه دليل على العمل بالمصالح، وعلى سماع رأي أهل العقل والتجارب، وعلى أن الأزواد إذا نفدت، أو قَلَّت، للإمام جمعُ ما بقي، وتفريقه على القوم بقدر المصلحة. وغرض عمر ربه من باب عرض المفضول ما يخطر بباله على الفاضل ليرى المصلحة فيه، فإن وافق رأيه قُبِلَ، وإن خالف تُرك. وفي هذا منقبة جليلة لعمر ؛ حيث قَبِلَ النبيُّ رأيه، وصار هذا سبباً لظهور معجزة جليلة، وليس هذا أول بركات رأيه، فكثيراً ما وقع له مثلُ هذا، وتقبل الله منه، ونزل فيه آيات - على ما سيجيء إن شاء الله تعالى -. * قوله: (قَالَ: وَقَالَ مُجَاهِدٌ) ذكر الحافظ عبد الغني بن سعيد المصري أن القائل طلحةُ بن مصرف، يعني: قال طلحة: إن مجاهداً قال ذلك؛ لأن قائل الأقوال السّابقة واللاحقة هو أبو هريرة، ولا يصلح أن يكون قائل هذا الكلام هو، فلا بد من قائل، فقال: هو طلحة، فلعله قد اطلع على رواية مصرِّحة، أو استنبط من أنّ طلحة ٢٥٩ راوي مجاهد، فالرواية عنه قرينة أنه القائل. وقيل: القائل أبو صالح، والمعنى: أن صالحاً سمع من أبي هريرة الحديث، إلا هذا القدر؛ فإنه سمعه من مجاهد، والله أعلم. والرواية المشهورة: (وَذُو النَّوَاةِ) بالتاء، وفي بعضها: (وذو النوى) بحذفها مناسباً لقوله: ذو البر، وذو التمر. وذكر الشيخ أبو عمرو بن الصلاح: أن الواقع في كتاب مسلم: (ذُو النَّوَاةِ) بالتاء، وهو من إطلاق البعض على الكل، كما يقال للمقدمة: بدرة، وللقصيدة: كلمة، ومنه: الكلمة [ ... ] بدرة، وعليه قراءة من قرأ: ﴿فأخرج به من الثمرة رزقاً لكم﴾ على التوحيد، أو تكون النواة مما استعمل في الواحد والجمع، والغرض: بيان أنّ لهذه الرواية - أيضاً - محملاً صحيحاً، لا أنه سهو، ورواية: (وذو النوى) ظاهر، ولا يحتاج إلى هذا التأويل، لكن في رواية الكتاب رمز ليس في رواية: (ذي النوى)، وهو أن يجعل النوى في عدم الاعتداد، وتقويتها بالنسبة إلى البر والتمر بمنزلة نواة واحدة، كما قيل في قراءة (الثمرة): إنها أبلغ؛ نظراً إلى بيان كمال القدرة؛ حيث يخرج رزق الجمع الكثير من الثمرة الواحدة، وهو المعنى - أيضاً - في القراءة المشهورة في اختيار جمع القلة على الكثرة، فتدبر. وترك أبو هريرة ذكرها - أيضاً -؛ لعدم الاعتداد بذكرها، وكذا سؤال السائل عن مجاهد، ولأجل عدم عدة النوى في الأزواد، وذكر مجاهد النواة، وبيان كيفية كونها قوتاً لهم؛ لأجل بيان غاية العسرة، ٢٦٠