Indexed OCR Text
Pages 141-160
في سؤال جبريل، وكذا حذف (الصوم) في بعض الروايات منهم. وأما ترك الحج في جميع الروايات، فلا يمكن الحملُ على ذلك، وربما يقال: إنه لم يفرض بعد، واعترض بأن وفودهم عام الفتح سنة ثمان، والحج فرض سنة خمس، أو ست، وأجيب بأن فرضيته سنة تسع بعد الفتح على الأظهر، كذا قاله القاضي عياض. وأما الجهاد، فقيل: فرض بعد الفتح عند نزول سورة التوبة، واعترض بأن الجهاد إذا لم يكن مفروضاً عليهم، كيف يؤمرون بأداء الخمس من المغنم؟ وأجيب: بأنهم لما ذكروا أعداءهم من مضر، وأن بينهم وبينهم وقائع، أمرهم بأداء الخمس، وهو لا يلزم وجوب الجهاد عليهم، والظاهر: أنهم مأمورون بخمس بعد الإيمان، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت، والجهاد، وأن هذا الحديث موافق لحديث جبريل، ولحديث: ((بني الإسلام على أربع»، بزيادة (الجهاد) بسبب تأخير الزمان، وإخبارهم بوقوع الوقائع بينهم وبين أعدائهم، وقدرتهم على المحاربة والغلبة، خصوصاً عند حصول فضيلة الإسلام لهم، وتأييد الله تعالى ونصرته، وإنما صرح بالأربع وطوى ذكر الخامسة وأومأ إلى السادسة؛ لأن هذه الأربع مقررة مفروضة عليهم جملة ووحداناً، وأن شرائطها موجودة فيهم. وأما الحج، فربما يسقط عنهم لعدم أمن الطريق والكفار، وإن كانوا يعظمون الأشهر الحرم، ولكن في قواعدهم الباطلة النسيء وغيره من الأمور، حتى إن الجماعة القليلة الضعيفة لا يقدرون الجواز ١٤١ من بينهم، خصوصاً إذا كانوا أعداء محاربين مع قومهم، بل لابد للجواز من جماعة معهم شيء من أدوات الحرب؛ بحيث لو أراد القاطع أخذ شيء منهم، كانوا في صد المقاتلة؛ لأنهم ما كانوا يحرمون أخذ الشيء من عدوهم في الأشهر الحرم، بل يحرِّمون القتال فیها، فإذا كان حالهم مع کفار مضر، كذلك، طوی ذکر الحج. وإنما أومأ إلى الجهاد؛ إِمَّا لأن أداء الخمس يدل عليه، وترك التصريح؛ لأنه بدون الإمام، وبغير إمرة المنصوبِ من قِبَلِهِ، وإنما تفاؤلاً وتشجعاً بأنهم غالبون على أعدائهم في جميع أوقاتهم، حتى تحصل لهم مغانم کثیرہ یکون خمسها لله، فالاعتداد بالخمس دلیل على عظم المغانم، وإدامة النصرة لهم. هذا هو القول الفصل، والمذهب الجزل، وبه يندفع السؤال المشهور من أن أمرهم بالأربع وذكر خمساً، وقد يجاب بأن ذكر الصوم زائد، والواجب حذفها، كما في بعض الروايات، وهو ضعيف لما عرفت من أن وفودهم عام الفتح، والصومُ فُرض قبله بمدة، وبأن ذكر الإيمان للتوطئة، لا للقصد، والغرض: بيان ما وراءه، وهذا مبني على أنهم كانوا في وقت الوفود مؤمنين، وما ثبت، وعلى تقدير الثبوت القول بكون الإيمان الذي هو أساس الكل غير مراد بالذكر، مع أن الروايات قاطبة صريحة في أنه مراد، وداخل في التعداد، بل فيها التصريح بأنه المقصود فقط، والباقي تفصيل له - بعيدٌ، وبأن قوله: (وَأَنْ تُؤَدُّوا) عطف على قوله: (أربع)، لا على ما بعده، والمعنى: ١٤٢ آمركم بأربع، وبأداء الخمس، وهو اختيار الشيخ أبي عمرو بن الصلاح، ولابد من بيان فائدة تخصيصه، وإخراجه من بين المأمورات، وبأنه لما أمرهم بأربع، نزل الوحي بالخامس، وفيه بُعدٌ؛ إذ لم يَرِد نزول الوحي في وقت الجواب، مع أنه أمر عظيم. وفيه منقبة ظاهرة للوفد، على أن هذا يقتضي أن تكون فرضية الجهاد في هذا الوقت، وقد ذكرنا أنها في نزول سورة التوبة، وبأن أداء الخمس من جنس الزكاة، وكأنهما شيء واحد، وهذا - مع اشتماله على المجاز - أقربُ من الوجوه التي قبله. والحق ما ذكرنا أولاً، ويحتمل أن تكون القضية مرتين : إحداهما: في كتابة النبي - عليه السلام - مع منقذ، وإرساله إلى قومه. والثانية: عند قدوم الوفود، ولعلهم عند وفودهم أظهروا هذا الكتاب، وقرؤوا ما فيه على رسول الله ربَّلتر، وفيه بعض الطاعات، وقد فُرض بعض آخر عند وفودهم، فأخبرهم النبي ◌َّ بما فرض أولاً وهو ما في الكتاب، وثانياً وهو ما فرض بعده، واختلاف الألفاظ والزيادة والنقصان الواقعة في الروايات يمكن حمله على هذا؛ فإن بعض الرواة روى ما في الكتاب، وبعضهم الزائد عليه - أيضاً -. * قوله: (وَأَنْ تُؤَدُّوا خُمُسَ مَا غَنِمْتُمْ) غَيَّرَ الأسلوب إيماءً إلى أن فرضية الخمس متجددة؛ لما في الفعل من معنى التجدد، وقيل: المراد من الكلام هو هذا الباقي توطئة، ولهذا غيَّر، والأول أوجه؛ ١٤٣ لأن قولهم: (نُخْبِرْ بِهِ مَنْ وَرَاءَنَا) ينافي هذا التوجيه. * قوله: (وَأَنْهَاكُمْ عَنِ أَرْبَعِ: الدَُّاءِ، وَالحَنْتُمِ، وَالنَّقِيرِ، وَالمُقَّرِ)، وفي الرواية: (المُزَفَّتِ) بدل (النَّغِيرِ)، وفي بعضها: (الحَنْتُمة) بدل (الحَنْتُم). فالدُّبَّاءُ - بضم الدال والمد -: القرع اليابس. والحَنْتُمُ - بفتح الحاء المهملة وسكون النون وفتح التاء المثناة الفوقانية -: جمع حَنْتُمَة، وهي جِرارٌ خُضر، كذا جاء في الكتاب مفسراً عن أبي هريرة في (باب الأشربة)، وقيل: خمر، وقيل: مقيرات الأجواف يُجلب بها الخمر من مصر، أو من الطائف، وقيل: معمول من طين ودم وشعر، وقيل: جِرارٌ أفواهها وأعناقها في جنوبها يجلب فيها الخمر . والنَّقِيرُ: جذع يُنْقَر وسطُه، كذا جاء مفسراً في الرواية الأخيرة. والمُقَيَّرُ: المُزَفَّت؛ أي: المطليُّ بالقار، وهو الزفت، وقيل: الزفتُ نوعٌ من القار. ومعنى النهي عنها: النهيُ عن الانتباذ فيها، وهو أن يُجعل في الماءُ حِباب من تمر أو زبيب أو نحوهما؛ ليحلو فيُشرب، وإنما نھی عن الانتباذ فيها؛ بخلاف الأسقية من الأدم؛ لأنها لغلظها وصلابتها يمنع ترشيح شيء منها، ونفوذ الهواء فيها، فيصير النبيذ فيها مُسكراً بسرعة، ولا يَعلم به صاحبها؛ بخلاف أسقية الأَدَم؛ فإنها لرقتها وترشحها، ونفوذ الهواء فيها ينضو ذلك، وربما يشقها المُسكر. ١٤٤ ثم الظاهر: أن النهي عن الانتباذ في هذه الأربعة نهي عن مجرد الانتباذ، لا عن شرب المسكر؛ لأنه لم ينسخ بحديث بريدة، وهو: و ((كنتُ نهيتُكم عن الانتباذِ إلَّ فِي الأَسْقِيَة، فانتبِذَوا في جميع الأَسقيةِ، ولا تشربوا مُسْكِراً)، وإنما نسخ الانتباذ. والدليل أن المنهي - هاهنا - الانتباذُ: ما جاء في بعض الروايات: (أَنْهاكُمْ عَمَّا يُنتبذُ في الدُّباء))، وكذا تفسير النقير بقذف التمر فيه، وإنما نهى في بدء الإسلام عن الانتباذ مطلقاً في هذه الأوعية؛ لأنهم كانوا لا يحترزون عن شرب المسكر، ولا يفرقون بين ما أسكر، وما لم يُسكر، فوضع الانتباذ في هذه الأوعية موضع شرب المسكر لخفاء صفة الإسكار زجراً لهم، ثم لمَّا حصل لهم الاعتياد بترك شرب المسكر، نُسخ ذلك، وبُني الحكم على الحقيقة؛ كما في غيره من الأمور. والحاصل: أن غرض الشارع الإرشاد لهم بالنهي عن مألوفهم إذا كان مخالفاً لقواعد الشرع، والأمر بما يوافق له، وإن لم يكن معهوداً. ثم لما كان ترك المعهود شاقاً على النفوس، وكذا فعل غير المألوف، ورد الشرع في الأمر والنهي على طريق الحكمة، فنهاهم عن مألوفاتهم بالكلية أولاً، ثم أباح لهم شيئاً بعد ذلك؛ كالنهي عن الفطر في الصوم نهاراً وليلاً بعد عشاء الأخيرة، وعن زيارة القبور، وعن ادخار لحوم الأضاحي فوق ثلاث، وعن الانتباذ في هذه الأوعية، ثم أباح لهم الفطر في الليل تماماً، وزيارة القبور من غير جلوس ومداومة، والادخار بعد ما عين للتصدق، والانتباذ في الجميع ١٤٥ دون شرب المسكر، وكذا الحال في غيرها من المناهي، وأمرهم في غير مألوفاتهم بالعكس، فأمر بعدم وجوب الغسل في الإكسال، وعدم فساد الصلاة بالكلام وغيرهما، ثم أمر بالوجوب والفساد بعد ذلك، وإنما الغرض كما قلنا: اتصافهم بهذه الصفات تدريجاً على سبيل الحكمة . وفي حكم هذه الأربعة جميعُ الأوعية التي في صفتها الاتحاد للعلة، ويدل عليه قوله في حديث بريدة: ((كنت نهيتكم عن الانتباذ إلا في الأسقية». وذهب مالك، وأحمد، وإسحاق إلى أن النهي باقٍ، وهو مروي عن عمر، وابن عباس رضيالله، ويدل عليه ما ورد في الرواية الثانية عن ابن عباس من أن امرأة سألته عن نبيذ الجَرِّ، فذكر هذا الحديث، فلعل حديث بريدة لم يَصِلْ إليه، أو رأى فيه ضعفاً، وقيل: أفتى بالكراهية لأن حديث بريدة نسخ التحريم، فبقيت الكراهية، ولم يثبت الناسخ، فبقي على ما كان، وهو مروي عن مالك، وأحمد - أيضاً -. وأما المناسبة بين هذا النهي والأمر في الحديث: أنه - عليه السلام - لما أمرهم بعبادة الله تعالى، وعلَّمهم ما يجب من الإيمان، نهاهم عمّا ينافي هذه الأشياء، ويصدهم عن الإقدام عليها، وعرَّض بأن غفلتهم فيما قبل هذا الوقت بسبب اشتغالهم بما يسلب عقولهم، فإذا فازوا بهذه السعادة العظمى، وجب عليهم ترك ما يسلب عقولهم، والإقدام على ما يزيدها. ١٤٦ وفيه: أن فساد شرب المسكر بمثابة [ ... ]، يجب النهي عن مقدماتها، وعن استعمال ما يسري إليها، كما قيل في قوله تعالى: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ﴾ [النور: ٣١]: إن النهي عن إبداء الزينة لأجل المبالغة؛ بأن إبداءها إذا كان منهياً، فكيف بإبداء مواضعها؟! وفي جعل الانتباذ في كل واحد من هذه الأربع نهي على حِدَة، مع أن المقصود واحد، ويمكن أداؤه بلفظ واحد إشعارٌ بأن امتثال كل واحد من الأوامر، كما يؤثر في الثواب والأجر، كذلك كل واحد من هذه المناهي في ترکها كذلك. والغرض: إعظام الأمر، وشدة تأثيره في الحال، وتخصيص هذه الأربع في الذكر؛ إما لأن الغالب عليهم شرب تلك الأشربة، أو ءُ الغالب في الظّروف الذي يحصل فيه الإسكار تلك، وإما لغرض آخر، هذا كله على ما في الكتاب من عطف النهي على الأمر بدون ذكر سبب في المتن. وأما في الرواية الأخيرة في حديث أبي سعيد التي ليس فيها ذكر الأوامر وفيها السؤال عن الأشربة، فظاهر، وكذا في بعض الروايات الواقعة في ((البخاري)) وغيره من سؤالهم عما يصلح لهم من الأشربة بعد استماعهم الأوامر. وفيه: إيماء إلى أنهم لما سمعوا الأوامر، عرفوا أن ما هم عليه من شرب ما يزيل عقولهم مانع للقيام بهذه الأوامر، فسألوا عمَّا يصلح لهم من الأشربة، كما ترك عمر به شرب المسكر قبل التحريم، ١٤٧ وعلل بأنها مُذْهبة للعقل، مُسْلِبة للمال، فينافي القيام بأمور الدين. وسيجيء الكلام في تحريم الانتباذ في هذه الأوعية نسخ ذلك في (كتاب الأشربة) - إن شاء الله تعالى -. * قوله: (زَادَ خَلَفٌ فِى رِوَايَتِهِ: شَهَادَةٍ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلَّ اللهُ، وَعَقَدَ وَاحِدَةً) الزيادة هي قوله: (وَعَقَدَ وَاحِدَةً)، وهذا - مع ظهوره - قد خفي على بعض الأذهان، فظن أن في رواية خلف زيادة وهي قوله: (وَعَقَدَ وَاحِدَةً)، ونقصان وهو الاكتفاء بالشهادة الواحدة، وليس الأمر كذلك؛ لأنه قد جاء مصرحاً في الكتب رواية خلف بالشهادتين، وإنما اكتفى بالواحدة هنا؛ لأن الغرض: بيان موضع عقد الواحدة، لا بيان الاكتفاء في روايته على الشهادة الواحدة. * قوله: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ) قد ذكر أن غُندراً لقبُ محمد بن جعفر، فإيراد مسلم ذلك دليل إتقانه، ونهاية تحفظه؛ لأن لما جاء في رواية مذكوراً بلقبه، وفي رواية باسمه، بيَّن ذلك، و- أيضاً - في الأولى: (غُنْدَرٌ عَنْ شُعْبَةَ)، وفي الأخرى: (مُحَمَّدُ بنُ جَعْفَرِ حَدَّثَنَا شُعْبَةٌ)، ففرَّق بينهما . * وقوله: (كُنْتُ أَتَرْجِمُ) الترجمة: التعبير عن لغة بلغة أخرى، قيل: إنه يترجم لابن عباس كلام من يتكلم بالفارسية بالعربية، ويترجم لهم قول ابن عباس بالفارسية. وعن أبي عمرو بن الصلاح: المراد بترجمته للناس: تبليغ ما يقوله ابن عباس إليهم؛ لأنهم لأجل الزحام لا يفهمون كلامه، ١٤٨ واستدل بعموم الناس، ولما منع تأويله خصوص الترجمة بالتعبير عن لغة بلغة أخرى، منع الاختصاص، واستدل بتراجم السور والأبواب، ورُدَّ بأنه مَجاز بمعنى العنوان؛ لاشتمال كل واحد منهما على تفهم المراد. وعلى تقدير صحته لا يفيده؛ لأنه ليس بمعنى السفير، والظاهر الأول؛ لأن الترجمة: تفسير اللغة بلسان آخر . قال في ((القاموس)): التُّرْجُمَانُ؛ كعُنْفُوانٍ، وزَعْفَرَانٍ، وَرَيْهُقانٍ: المُفَسِّرُ للسانِ. وبالجملة: في هذا دليل على جواز الترجمة بين يدي الحاكم، وقد ترجم عليه البخاري باباً، وجواز الاكتفاء في الترجمة بالواحد؛ لأنه مخبر، وقد اختلف العلماء فيه، فبعضهم قالوا بالجواز، وبعضهم قالوا: لابد من اثنين؛ لأنها شهادة. * وقوله: (بَيْنَ يَدَى ابْنِ عَبَّاسِ، وَبَيْنَ النَّاسِ) المراد: بين ابن عباس وبين الناس، ولكن أدرج اليد؛ إظهاراً لتعظيم ابن عباس، يقال: فلان بين يدي الملك، بمعنى: عنده. وأما قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَنْظُرُ الْمَرْءُمَا قَدَمَتْ يَدَاهُ ﴾ [النبأ: ٤٠]، فمجاز عن الجملة؛ لأن أكثر الأعمال تزاول باليدين، فعبر عنها بهما؛ إذ المراد: تعظيم ما قدم؛ أي: يعلم أيَّ شيء قدم، لا تعظيم المقدَّم، وقد جاء في البخاري بحذف لفظة (يَدَي)، وهو ظاهر، ولكن التعظيم إنما يفهم من الرواية المشتملة عليها . * وقوله: (فَأَتَتَّهُ امْرَأَةٌ) فيه جواز استفتاء المرأة عن الرجال ١٤٩ الأجانب، وسماعهم صوتها للحاجة، و(الجَرِّ): اسم للجرة، ويجمع - أيضاً - على جِرار، والجَرُّ قيل: هي القِلال من فَخَّر مَطْلِيَّة بالزجاج، فتكون هي الحَنْتَم، وفي ((سنن أبي داود)) عن سعيد بن جبير: قلت لابن عباس: مَا الجَرُّ؟ قَالَ: كُلُّ شَيْءٍ يُصْنَعُ مِنْ مَدَرٍ . * وقوله: (مَنِ الوَقْدُ، أَوْ: مَنِ القَوْمُ؟» شكٌّ من بعض الرواة. * (قَالُوا: رَبِيعَةُ) إنما انتسبوا إلى ربيعة، لا إلى عبد القيس؛ لأن الشهرة في الجد الأعلى أكثر من الجد الأول، و- أيضاً - ذكرُ ربيعة نوع تذكّر للنبي - عليه السلام - بالقرابة؛ لأنه ابن نزار المدني هو من أجداد النبي - عليه السلام -. * وقوله: (مَرْحَباً بِالقَوْمِ) هو من الرُّحب - بضم الراء -، وهو السَّعَة، والرَّحَب - بفتحهما -: الشيء الواسع، وانتصابه بفعل مضمر لا يستعمل إظهاره، والعرب تستعمل هذه اللفظة في البر وحسن اللقاء، والمعنى: صادفت رَحْباً وسَعَةً. وفيه جواز قول الرجل لصاحبه: مرحباً، وقد ترجم البخاري عليه . * وقوله: (غَيْرَ خَزَايَا وَلاَ النَّدَامَى) الرواية في (غَيْرَ) النصب على الحال، وحكى صاحب ((التحرير)) الجرَّ صفة للقوم، واستدل النووي على النصب بالرواية التي جاءت في ((البخاري)): ((مَرْحَباً بِالقَوْمِ الَّذِينَ جَاؤُوا غَیْرَ خَزَایَا وَلاَ ندَامی))، وهو مع كونه في رواية أخرى، ولا يصلح ١٥٠ لتصحيح رواية غيرها، لا ينتهض دليلاً بجواز الجر فيها - أيضاً -، وإن علل بالسماع، فلا وجه لإيراد تلك الرواية؛ لإمكان ذلك الادعاء في رواية الكتاب، و(خَزَايَا)، و(نَدَامَى) جاءا منكَّرين، ومعرَّفين في البخاري، وأما هنا، فـ (خَزَايَا) منكَّر، و(الندامی) معرّف. وَالخَزْيَان مثل سَكْران: المُسْتَحِ المُهَان، وقيل: الهاِك، وقيل: الواقِع في بَلِيَّة، وخَزَایا جمعه على حد سَكَارَى. وأَمَّا النَّدَامَى، فقيل: جمع نَدْمَان، لغة في نَادِمِ، حكاها الجوهريُّ، والقَزَّازُ، وغيرهما، فعلى هذا يكون على بابه، وقيل: الأصل: نادمين، فأتبع بخزايا، وهذا من فصيح الكلام، مثل قوله - عليه السلام -: ((إِرْجِعْنَ مَأْزُورَاتٍ غَيْرَ مَأْجُورَاتٍ))، وقول العرب: أَتَيْتُهُ بِالغَدَايَا وَالعَشَايَا، وأمثال ذلك کثیر. والمعنى: أنكم أصبتم الرحب والسعة، ولا يصيبكم خزيٌّ وهلاكٌ ووقوعٌ في البلية، وندامةٌ على مجيئكم وإطاعتكم، بل يصل إليكم أنواعُ المسَرَّاتِ والمَبَرَّاتِ، ولذلك كانوا بعد دخولهم في [ ... ]، وانشرحت صدورهم بالإيمان، وبردت بالإسلام، وما حصل لهم ندامة قط . ء * وقوله: (مِنْ شَقّةٍ) - بضم الشين -، وروي بالكسر، وهما لغتان، والضم أشهر، وهو السفر البعيد، فعلى هذا (بَعِيدَةٍ) صفة موضحة، أو مبالغة في بُعدها، وقيل: المسافة، وقيل: الغاية التي ١٥١ يخرج الإنسان إليها . * وقوله: (نُخْبِرُ بِهِ) الرواية بالرفع صفة لـ (أمر). وأما (نَدْخُلُ)، قال القرطبي: قيدناه بالرفع صفة للأمر، وبالجزم جواباً له . وفي ((البخاري)): (وَنَدْخُلُ) بالواو، والأظهر فيه الرفع؛ لأنه معطوف على (نُخْبِرُ)، وجوَّزَ القرطبيُّ الجزم، وقدر بالعطف على معطوف تقديره: إن أمرتنا بأمر واضح فَعَلْنا، ورجَوْنا دخول الجنة بذلك الفعل. * وقوله: (وَأَخْبِرُوا بِهِ مِنْ وَرَائِكُمْ) الرواية في الأولى بكسر الميم في (مِنْ)، وبفتحها في رواية أبي بكر، والمعنيان متقاربان. وقد يستدل بهذا الأمر على قبول خبر الواحد. * وقوله: (وَحَدَّثَنَا نَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ) زيادة الواو بمعنى الجمع، والمعنى: أن عبيدالله بن معاذ، ونصر بن علي حدثا مسلماً بأن أباهما حدثهما: أن قُرَّةُ بنَ خالد حدثهما عن أَبِي جَمْرَةَ، ففاعل (قالَ) مسلمٌ. ولو قدم الواو على القول، لكان يوهم أنه عطف على قول عبيدالله بن معاذ مكرر، وهو القائل. وفاعل (قالا) معاذْ وعلي الجهضمي، و(جميعاً) معناه: أن قرة قد حدث لهما في وقت إجماعهما، والتقدير: حدثنا قرة بن خالد حالَ اجتماعنا، ولابد في ذلك من أن يكون سماعهما منه في وقت واحد؛ بخلاف لفظة (كليهما)، فإن المراد منها التأكيد بأن الحديث لفظهما لا لفظ ١٥٢ أحدهما، ولهذا يستعمل مسلم - رحمه الله - في كل موضع يريد بيان اجتماع الروايين في السماع عن شيخهما لفظة: (جَمِيعاً)، وفي كل موضع يريد بيان أن المذكور حديثهما لا حديث أحدهما لفظ: (كليهما). واعلم أن بين قولنا: الرجال قالوا جميعاً، والرجلان قالا جميعاً، فرقاً، وهو أن في الأول المعنى: بيان صدور القول عن جميعهم؛ سواء قالوا في وقت واحدٍ؛ بأن كانوا مجتمعين حال التكلم به، أو في أوقات متفرقة؛ بأن تكلم كل واحد في وقت؛ لأن (جميعاً) يزيل وهم صدور القول عن بعضهم؛ إذ يصدق التركيب على كل ثلاثة حقيقة، ولهذا قالوا: إذا وقعت لفظة الجميع بعد الكل؛ كما في قوله تعالى: ﴿فَسَجَدَ الْمَلَئِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ﴾ [الحجر: ٣٠] = يفيد الاجتماع؛ إذ الوهم الأول زال بلفظ كل . وفي الثاني المعنى: أنهما تكلما به في وقت واحد؛ إذ لا فائدة له سوى ذلك؛ إذ لا وهم في التثنية حتى يرفعه، لايقال: المثنى جمعٌ أيضاً عند بعض؛ لأَنَّ نقول: كلامنا فيما يراد به الاثنان؛ كما هو المراد هنا، على أن ذلك في صيغة المثنى، لا في العلامة؛ مثل: قالا، ونحوه. ومن هذا عُلم أن قول النووي: معناه الاجتماع على التحدث؛ سواء كان في وقت واحد، أو في وقتين = ليس على ما ينبغي؛ لأن ذلك معنى (كِلا)، كما عرفت لا معنى (جميعاً). ١٥٣ وقوله: (ومن اعتقد أنه لابد وأن يكون ذلك في وقت واحد، فقد غلط غلطاً بيِّناً) - راجعٌ إليه لا إلى القائل. وَآَفَتُهُ مِنَ الطَّبْعِ السَّقِيمِ وَكَمْ مِنْ عَائِبٍ قَوْلاً صَحِیحاً وقوله: (إِنَّ فِيكَ خَصْلَتَيْنِ يُحِبُّهُمَا اللهُ: الحِلْمُ، وَالأَنَاةُ) وسبب ذلك على ما روي: أن وفد عبد القيس لمّا وصلوا المدينة، بادروا إلى النبي ◌ِّهِ، وأقام الأشجُّ، فجمع رحالهم، وعَقَل ناقته، ولبس ثياباً جُدُداً، ثم أقبل إلى النبي بََّ، فقرَّبَه، وأجلسه إلى جانبه، ثم قال لهم: ((تُبَايِعُونَ عَلَى أَنْفُسِكُمْ وَقَوْمِكُمْ؟))، فَقَالَ القَوْمُ: نَعَمْ، فَقَالَ الأَشَجُّ: يَا رَسُول الله! إِنَّكَ لَمْ تُزَاوِلِ الرَّجُلَ عَنْ شَيْءٍ أَشَدَّ عَلَيْهِ مِنْ دِينِهِ، نُّبِعُك عَلَى أَنْفُسِنَا، وَنُرْسِلُ مَنْ يَدْعُوهُمْ، فَمَنِ اتَّبَعَنَا كَانَ مِنَّا، وَمَنْ أَبَى قَاتَلْنَاهُ، قَالَ: ((صَدَقْتَ))، ثم قال: ((إِنَّ فِيك خَصْلَتَيْنِ: الحِلْمُ وَالأَنَاةُ» . فالحلم يمكن أن يكون إشارة إلى توقفه وتثبته، وعدم صدور العجلة منه کما صدر عن قومه. والأناة إلى قوله في المبايعة الدالة على صحة عقله، وجودة نظره في العواقب، ويحتمل العكس، والأظهر: أنه إخبار بثبوت هاتين الصفتين له خِلْقة، وأن الأمور التي تصدر منه أَثَرُ ذلك، ويدل عليه ما جاء في ((سنن أبي داود)) من حديث أُمِّ أَبَانَ بِنْتِ الوَازِعِ بْنِ زَارِعٍ عَنْ جَدِّهَا زَارِع: أن النبيَّ وَّ لما قال ذلك، قال الأشج: يَا رَسُولَ اللهِ! أَنَا ١٥٤ ٠ أَتَخَلَّقُ بِهِمَا، أَم اللهُ جَبَلَنِي عَلَيْهِمَا؟ قَالَ: (بَلِ اللّهُ جَبَلَكَ عَلَيْهِمَا))، قَالَ: الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي جَبَنِي عَلَى خَلَّتَيْنِ يُحِبُّهُمَا اللهُ وَرَسُولُهُ. وحديث الأشج العَصَري: أنه أتى النبي ◌ّ في رفقة من عبد القيس ليزوروه، فأقبلوا، فلما قدموا، رفع لهم النبي ◌َّ، فأناخوا ركابهم، وابتدروه، ولم يلبثوا الإتيان سفرهم، وأقام العصري، فعَقَل رِكاب أصحابه، وبعيرَه، ثم أخرج ثيابه من عنقه، ثم أقبل إلى النبي ◌َّر، فسلم عليه، فقال النبي - عليه السلام -: ((إن فيك لخصلتين يحبهما الله ورسوله))، قال: ما هما يا رسول الله؟ قال: ((الأناةُ والحلمُ))، قال: شيء جُبلت عليه، أو شيء أتخلَّقه؟ قال: ((بل جُبلت علیه))، قال: الحمد لله. رواه أبو يعلى. والحِلْمُ - بكسر الحاء -: العقل، يقال: حَلُمَ الرجلُ يَخْلُمُ - بضم اللام -: إذا صار حليماً، وتَحَلَّمَ: إذا تكلَّفَ ذلك. والأَنَاةُ بوزنٍ فَتاة - الاسم -: مَنْ يأتي بالأمر برفق وينظر، قال: فَتَأَنَّ فِي رِفْقٍ تُلاقِ نَجَاحًا الرِّفْقُ يُمْنُ والأَنَاةُ سَعادةٌ وفيه من الفقه: جواز مدح الرجل مشافهة بما فيه إذا أُمنت الفتنة، وإن كان الأصلُ تركَ المدح، على ما سيجيء - إن شاء الله تعالى -. * وقوله: (قَالَ سَعِيدٌ: وَذَكَرَ قَتَادَةُ أَبَا نَضْرَةَ) هذا وقع تفسيراً وإزالة للإبهام الواقع في قوله: (عَنْ قَتَادَةَ قَالَ: حَدَّثَنَا مَنْ لَقِيَ الوَفْدَ)؛ إذ ظاهره سماع قتادة من الصحابي الذي لقي الوفد، فبيَّن ثانياً أن قتادة ذكر سماعه ١٥٥ عن أبي نضرة، وهو عن أبي سعيد، وإنما لم يقل سعيد بن أبي عروبة أولاً: عن قتادة، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد؛ محافظة على كيفية سماعه من قتادة. وهذا يدل على أن أخذ ابْنِ عُلَيَّةَ هذا من سعيد بن أبي عروبة كان قبل اختلاطه؛ حيث يحافظ على هذه الدقائق. قال يحيى بن معين: سعيد بن أبي عروبة اختلط سنة اثنيتن وأربعين ومئة، فمن سمع منه بعد ذلك فليس بشيء. ويزيد بن هارون صحيح السماع منه، وأثبتُ الناس سماعاً منه عبدةُ بن سليمان. وقد ذكرنا أن الواقع في ((الصحيحين)) من رواية المختلطين هو الذي أُخذ عنهم قبل الاختلاط. وسعيد هذا أحدُ الأعلام. عن الحسن، وابن سيرين، وأبي التَّيَّاح، وخلائق. وعنه الأعمش، وشعبة، ويحيى القطان، وآخرون. وَثَّقَهُ القوم، وأخرج له الستة، وربما يُرمى بالقدر. وأما شيخه، فهو (أبو الخطاب قتادة بن دِعَامة السَّدوسيُّ) الأكمهُ، أحدُ الأعلام. عن أنس، وشقيق، وعبدالله بن سَرْجِس، وجماعة من الصحابة والتابعين. وعنه أيوب، والأوزاعي، وقُرَّة، وخلائق. وَثَّقَهُ القوم، وأثنوا على كثرة حفظه، وغزارة فضله، وأخرج له ١٥٦ الستة، وربما نقموا عليه بالقدر والتدليس. وأمّا شيخه، فهو (أبو نضرة المنذر بن مالك بن قطعة العَوْقِي) - بفتح العين المهملة وكسر القاف -، نسبة إلى عوقة، بطن من عبد القيس، البصريُّ، من جِلَّة التابعين. عن ابن عباس، وأبي هريرة، وأبي سعيد، وجماعة من الصحابة والتابعين، وعن علي، وأبي ذر، وغيرهما، مرسلاً. وعنه يحيى بن أبي كثير، وعبد العزيز بن صهيب، وسليمان التيمي، وخلائق. وَثَّقَهُ القوم، وأخرج له الخمسة، والبخاري تعليقاً. وأما (ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ) في الإسناد الآخر، فهو محمد بن إبراهيم ابن أبي عدي، السلميُّ، البصريُّ. عن حميد الطويل، وحسين المعلِّم، وخالد الحذَّاء، وخلق. وعنه أحمد، وابن معين، والفَلاَس، وجماعة. وَثَّقَهُ أبو حاتم، والنسائي، وغيرهما، وأخرج له الستة. مات سنة أربع وتسعين ومئة. * وقوله: (فَتَقْذِفُونَ) من القذف، وهو الرمي والإلقاء. وأما في رواية محمد بن المثنى: (وَتَدِیفُونَ) من داف - بالدال المهملة۔، ورُوي بالمعجمة - أيضاً -، ويروى: ((يُدیفون)) - بالياء - من أداف والدال مهملة ومعجمة، وكلا المعنيين متقاربان، وقد جاء في ١٥٧ اللغة: دَفَ، وأَدَافَ، ثلاثياً ورباعياً في الدال المهملة والمعجمة، فلا وجه لإنكار الرباعي، ولا لتخصيص الثلاثي بالمهملة. وأما التفاوت في المعنى فيما نحن فيه، فإن في الرواية الأولى معنّى زائداً، وهو أن سبب النهي، أو سبب الإسكار: هو إلقاء التمر والزبيب ونحوهما في الماء، وفيه: أنه - وإن قَلَّ - فلا يزول ذلك السبب؛ لأن الرمي يستعمل في القليل أيضاً. وفي الثانية: أن سبب ذلك: الاختلاط، وفيه نوع إلى أنه لو كان قليلاً، لا يضر ذلك، وفي الجميع معنى القذف، والاختلاط الذي هو السبب في الأصل للنهي بنوع رمي، والمراد: المناسبة المذكورة في سير الأدب بين أصل معنى الشيء، وبين ما يستعمل فيه بنوع خفي؛ فإن سبب النهي عن المسكر لمَّا كان حصول اختلاط العقل منه، ومن الاختلاط يحصل القذف، كما قيل: (من سَكِرِ هَذَى، ومن هذى قَذَف، ومن قذف وجب عليه الحد) كان استعمال لفظ الخلط والقذف في بيان ذلك مناسباً، فتأمّل. وذكرُ القُطَيْعَاءِ، وهو نوع من التمر الصغار أشدُّ مناسبة للرواية الأولى. * وقوله: (أَحَدِكُمْ - أَوْ: إِنَّ أَحَدَهُمْ -) شكّ من الراوي، والرجل الذي له جراحةٌ اسمه جَهْمُ بن قُثَمَ، وكانت الجراحة في ساقه، وهو غیر الأشجِّ المذكور سابقاً؛ لاختلاف الاسم، واختلاف موضع الشَّج، فإن شجة الأشج كانت في وجهه، ولهذا قيل له: الأشج؛ لأنها ظاهرة يراها ١٥٨ كلُّ راءٍ، والشِّجاج في الأصل لا تكون إلا في الرأس والوجه، وشجة هذا الرجل في ساقه، وهي مخفية، وليس في موضع تسمى بها. وتعریضُ النبي پڑ بذلك - بعد علمه بأن فيهم رجلاً كان سبب جرحه السُّكْرُ - من باب حسن خلقه؛ فإنه - عليه السلام - لا يواجه أحداً بما يكرهه، ومعرفته ذلك من أعلام النبوة وَلقر. * وقوله: (فِي أَسْقِيَةِ الأَدَم) - بفتح الهمزة والدال -، جمع أَدیم، وهو الجلد الذي تَمَّ دباغه . و(يُلاَثُ) - بضم الياء -، على التذكير في أكثر الأصول، وفي أصل أبي عَامِرِ العَبْدَرِيِّ بالتاء على التأنيث، وكلاهما صحيحان، يقال: لاَثَ العِمامةَ على رأسه: إذا لَفَّ، والمعنى: يلف الخيط على أفواهها، ويربط، أو يلف الخرقة على أفواهها. وما قيل في الوجه الثاني: إن المعنى: يلف الأسقية على أفواهها. ما لا حاجة إليه، بل فيه نوع حزازة؛ إذ المعنى: لفُّ شيء على أفواه الأسقية، لا لفُّ الأسقية على أفواهها، ويدل عليه وقوع لفظة: الموكى - بالقصر - في الرواية الأخرى، وأنه السقاء الذي يربط فمه بالوكاء، وهو الخيط . وقوله: (إِنَّ أَرْضَنَا كَثِيرَةُ الجِرْذَانِ) في أكثر الأصول: (كَثِيرَةُ) بالهاء، وهو ظاهر، وفي بعضها: (كثير) بغير هاء، فيقدَّران أيضاً: مكانٌ كثيرٌ الجرذان، وهي بكسر الجيم وسكون الراء وفتح الذال المعجمة، جمع جُرَذ على حد صُرَد وصِرْدَان، وهو نوع من الفأر، وقيل: الذكرُ منه. ١٥٩ ومرادهم بهذا الكلام: الاعتذار عن الشرب في الظروف المذكورة، وبيان عدم بقاء الأسقية في أرضهم بسبب كثرة الجرذان، وغرضهم: طلب الرخصة، فلم يعذرهم، وإن كانت الضرورات تبيح المحظورات؛ لأن هذا أمر يسهل الاحتراز منه بتعليق الأسقية، أو باتخاذ ما يُهلك الفئران. * وقوله: (وَلَمْ يَقُلْ: قَالَ سَعِيدٌ، أَوْ: قَالَ: مِنَ الثَّمْرِ)؛ يعني: أن في رواية ابن عُلَيَّةَ بعد قوله: (فَتَقْذِفُونَ فِيهِ مِنَ القُطَيْعَاءِ) قوله: (أَوْ قَالَ مِنَ الثَّمْرِ)، فيكون في روايته شك من سعيد بأن قتادة قال: (مِنَ القُطَيْعَاءِ)، أَوْ قَالَ: (مِنَ التَّمْرِ)، وفي هذه الرواية - يعني: رواية ابن عدي - ليس فيها هذا الشك من سعيد، بل الرواية: (مِنَ القُطَيْعَاءِ)، أَوِ (التَّمْرِ وَالمَاءِ)، فيكون في رواية ابن عدي: (تَذِيفُونَ) في رواية ابن علية، والجزم بأن قتادة قال: (مِنَ القُطَيْعَاءِ)، أَوِ (الثَّمْرِ وَالمَاءِ)، فكأن الشك في رواية ابن عُلَيَّة. وقوله: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكَّارٍ): هو أبو عبدالله محمد بن بكار ابن الريان، البغدادي. عن عبد الحميد، وقيس بن الربيع، وفلیح بن سليمان، وجماعة. وعنه أبو زرعة، وموسى بن هرون، وأبو يعلى، وغيرهم. وَثَقَهُ الدار قطني، وغيره، وأخرج له مسلم، وأبو داود. وقال ابن معين : لا بأس به. ١٦٠