Indexed OCR Text

Pages 61-80

قُولُوا: شَهْرُ رَمَضَانَ))، فإذا كان كذلك، فما حال الاشتقاق، وكيف
جواز الحذف؟
قلت: هذا الحديث من رواية أبي معشر نجيح السنديِّ، عن
المقبريِّ، عن أبي هريرة، وقد نص القوم على ضَعْفِهِ، خاصة في
المقبري، وعلى تقدير الصحة: لا اشتقاق له حينئذ، أو راجع إلى
معنى الغافر؛ أي: يمحو الذنوب ويمحقها.
وأما النهي، فمحمول على محل يحصل الالتباس من الحذف،
جمعاً بينه وبين الأحاديث الكثيرة الصحيحة الواردة فيها (رمضان)
بدون الشهر، مثل ذكر هذا الحديث، وغيره.
* قوله: (وَتَحُجَّ الْبَيْتَ إِنِ اسْتَطَعْتَ إِلَيْهِ سَبِيلاً)، والحج لغة:
القصد، قال:
عَلَى خَرْقَاءَ وَاضِعَةِ اللَّثَام
تَمَامُ الْحَجِّ أَنْ تَقِفَ المَطَايَا
وفي الشرع: القصد إلى بيت الله المعظم لفعل عباده مقصودة.
والاستطاعة: القوة على الشيء، والتمكن منه، وسيجيء ما هو
المقصود منها في (الحج)، والاختلاف فيها في (كتاب المناسك) - إن
شاء الله تعالى -.
* قوله: (وَالإِحْسَانُ أَنْ تَعْبُدَ الله)، الإحسان في اللغة: الإتقان،
واستُعمل في إيصال النفع، وعلى الأول يُعدَّى بنفسه، وعلى الثاني
بحرف الجر، والمراد هاهنا: الأول؛ إذ مرجعه إلى إتقان عبادة الله
تعالى، ومراقبة حقوقه، وينطوي تحته جميع قواعد الدين.
٦١

قال القرطبي: والتعريف فيه للعهد، والمراد: ما ورد في القرآن من
قوله تعالى: ﴿ هَلْ جَزَآءُ الْإِحْسَنِ إِلَّا الْإِحْسَنُ﴾ [الرحمن: ٦٠]، ونحوه؛
فإن القوم لما سمعوا ذلك، أراد جبريل تحقيق معناه؛ ليعلموا ما المراد
منه. هذا حاصل كلامه.
والأظهر: أن يجعل اللام عوضاً من المضاف إليه، والمعنى:
إحسان الإيمان والإسلام، قال النبي - عليه السلام -: ((إِنَّ اللهَ كَتَبَ
الإِحْسَانَ عَلَى كُلِّ شَيْ ... )) الحديث، فلما سأل جبريل عن الإيمان
والإسلام، وأجاب النبي - عليه السلام - بما أجاب، أراد أن يبيِّن
للسامعين بأنه لهذه الطاعات إحسان؛ أي: إتقان وكمال؛ ليحصل لهم
التشمير على الإتيان بها على جهة الكمال.
ولما كان مرجع الكل إلى المراقبة، قال - عليه الصلاة والسلام -:
((أَنْ تَعْبُدَ اللهَ كَأَنََّكَ تَرَاهُ» .
ولمّا كان أرباب القلوب في هذه المراقبة على حالتين:
إحداهما: ما يغلب عليه مشاهدة الحق.
والثانية: ما لا ينتهي إلى هذه الحال، لكن يغلب عليه أن الحق
- سبحانه وتعالى - مطلع عليه، ومشاهد له، أشار - عليه السلام -
في الجواب إلى الحالتين؛ حيث قال: ((أَنْ تَعْبُدَ اللهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ)»،
وهي الحالة الأولى، ((فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ، فَإِنَّهُ يَرَاكَ))، وهي الحالة
الثانية .
ولما كان السبب في حصول حالة من هاتين الحالتين هو الخشية
٦٢

منه، [أشار] إلى ذلك بقوله: ((أَنْ تَخْشَى الله)) على ما في رواية أبي
هريرة وغيره.
ثم الظاهر: أن سؤال جبريل عن الإسلام والإيمان إنما يكون عن
حقيقتهما؛ بدليل حديث أبي هريرة على ما في الكتاب، وحديث غيره
على ما مر؛ حيث إنه قال: ((مَا الإِحْسَانُ؟))؛ فإن السؤال بلفظه إنما
يكون عن شرح الاسم، أو عن ماهية المسمى، وشرح الاسم معلوم،
فيكون عن الماهية، ولما كان مفهومهما لغة - أيضاً - معلوماً، أورد
النبي - عليه السلام - في الجواب لفظة: (أَنْ تُؤْمِنَ)، وبيَّن متعلقات
الإيمان، والأشياء التي بها يحصل الانقياد المعتد به شرعاً، فقال: ((أَنْ
تَشْهَدَ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلَّ اللهُ ... )) إلى آخره.
وقد وقع في طرف هذا الحديث تفاوتٌ من تقديم الإسلام على
الإيمان، وعكسه، فعند من يقول بتقارب المفهوم، لا يحتاج إلى
شيء، وعند من يقول بتغايرهما، يقول: قدم الإسلام؛ نظراً إلى أن
إصلاح الظواهر مقدم على إصلاح البواطن، فبدأ بالتعليم بما هو
ظاهر، ثم انتقل إلى ما هو بعده.
وفي الثاني نظر إلى ما هو المقصود الكلي، وهو الإيمان، فقدم،
ولهذا حذف فيه بعض ما يكون مذكوراً في الأول، وهذا وأمثاله مبني
على أن سؤال جبريل عنه يكون مرتين وأكثر، والظاهر من سوق
الحديث، وأقوال أهله: أن السؤال مرة واحدة، فيكون التقديم والتأخير،
والزيادة والنقصان من حفظ الرواة وضبطهم.
٦٣

وعلى هذا: يكون خوضُ بعض الناس في بيان قول جبريل في
سؤال الإسلام والإيمان: (صَدَقْتَ)، دون الإحسان خوضٌ بغير حق؛
لوجوده في الأسئلة الثلاثة في رواية، وعدم وجوده في الجميع في
رواية، ووجوده في الأولين دون الثالث في رواية، وكذا تغاير الألفاظ
في الروايات؛ مثل: (اليوم الآخر) و(البعث الآخر)، و(كتبه)،
و(كتابه)، و(تعبد الله) و(تخشى الله)، ولا حاجة إلى القول لمناسبة
كل واحد إلى سباقه وسياقه، فإنه تكلّف بعيد.
نعم، لو قيل: معنى (البعث الآخر): البعث من القبور؛ لأن
الخروج من البطن بعث أول، أو أكد البعث بالآخر؛ ليعلم أن لا موت
بعده، أو اعتبر الإحياء في القبر للسؤال والثواب والعذاب بعثاً أولَ،
ومعنى الإيمان بـ (كتابه): التصديق بالقرآن؛ لأن التصديق به تصديق
بجمیع الكتب، فیکون في معنی (الإیمان بکتبه)، ونحو ذلك = لكان
مناسباً.
* قوله: (قَالَ: فَأَخْبِرْنِي عَنِ السَّاعَةِ) هي في أصل الوضع:
مقدارٌ ما من الزمان غيرُ معين، ولا محدود، قال الله تعالى: ﴿مَا لَبِثُوا
غَيْرَ سَاعَةٍ﴾ [الروم: ٥٥]، ثم غلب معرفاً باللام في لسان الشرع على
يوم القيامة، وليس المراد هاهنا: السؤال عن ماهيتها، وما يراد منها
في الشرع؛ كما في الأسئلة الثلاثة الأُول، بل عن وقت وقوعها، ويدل
عليه الجواب؛ فإن المخفي عن المخلوقات زمانُ وقوعها، وتدل
- أيضاً - عبارات الروايات الأخر؛ حيث قال في رواية: (يَا رَسُولَ اللهِ!
٦٤

مَتَى السَّاعَةُ؟)، وفي الرواية الأخرى: (مَتَى تَقُومُ السَّاعَةُ)، ولهذا قال
في الجواب: (مَا الْمَسْؤُولُ عَنْهَا بِأَعْلَمَ مِنَ السَّائِلِ)؛ لأن الله تعالى
استأثر بعلمها، لا يعلَمُها مَلَك مُقَرَّب، ولا نبيٌّ مرسَلٌ، ﴿قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا
عِندَ رَبِّ لَا يُجَلِيَهَا لِوَقِهَا إِلَّا هُوَ﴾ [الأعراف: ١٨٧].
وفيه: إرشاد للسامعين إلى ترك السؤال عنها، وقطع الطمع عن
معرفتها .
وأدبٌ حسنٌ للعالِم إذا سُئل عن مسألة، ولا يحضره جوابها أن
يقول: لا أدري، ولا يُقْدم على الجواب بغير علم؛ فإن الإقرار بعدم
العلم زيادةُ شرف له، ومزيةُ فضل، وغاية تقوى، وكثيراً ما وقع للسلف
الصالح أمثالُ ذلك اقتداءً برسول الله، وإقراراً على الفهم بالعجز.
قوله: (عَنْ أَمَارَاتِهَا) المراد: بعض علاماتها، لا كلها،
فلذلك أجاب النبي - عليه السلام - ببيان بعضها بحسب حال
السامعين، وهو بسط الدنيا عليهم، وكثرة الأموال فيهم، واشتغال
أسافلهم بتطاول البنيان، كدأب الأعالي في سابق الزمان.
وفيه: وعد بفتح البلاد، وحصول الفتوحات والغنائم، وبلوغ
مُلْكِ هذه الأمة مشارقَ الأرض ومغاربها، ورمز إلى أن الساعة لا تقوم
إلا على وقت اشتغالهم بالملاهي وأسباب الدنيا، ووعيد على تغير
حالهم، وتنافسهم في الدنيا واشتغالِهم بها، حتى ألهتهم عن القيام؛
كما صرح في قوله: ((وَاللهِ! مَا الْفَقْرَ أَخْشَى عَلَيْكُمْ، وَلَكِنْ أَخْشَى أَنْ
تُبْسَطَ الدُّنْيًا عَلَيْكُمْ كَمَا بُسِطَتْ عَلَى مَنْ قَبْلَكُمْ ... ))، الحديث.
٦٥

* قوله: (والأشراط): جمع شرط - بالفتح -، وهي العلامة،
فيكون مرادفاً للأَمَارات.
وقيل: الأشراط: أوائل العلامات، وأشراط الشيء، وهي:
أوائلها، ومنه: الشَّرَطان للنجمين في أول الحَمَل، وهما قَرْناه.
وقيل: صغار الأمارات الواقعة قبل قيام الساعة، من أشراط
النهر، وهو للسبيل الصغير الذي يجيء من قدر عشرة أذرع، وأشراط
المال: صغاره.
وسيجيء في الكتاب بيان بعضٍ آخر من الأشراط - إن شاء الله
تعالى -.
* قوله: (رَبَّتَهَا) التأنيث باعتبار النفس، أو النَّسَمة، أو للإشعار
بأن البنت المتولدة إذا صارت سيدتَها، فالابنُ أولى، أو الإيماء بكثرة
ولادة الإناث؛ كما صرح في موضع آخر، قال: ((حَتَّى يَكُونَ لِخَمْسِينَ
امْرَأَةَ قَيِّمٌ وَاحِدٌ))، والواقع في حديث أبي هريرة: (رَبَّهَا) في الروايتين
بالتذكير، وأما (بَعْلَهَا) في الرواية الأخرى، فقيل: المراد: السيِّدُ
- أيضاً -، قال ابن عباس في قوله تعالى: ﴿أَنَدْعُونَ بَعْلًا﴾ [الصافات:
١٢٥]؛ أي : ربّاً.
في ((الأساس)): يقال: من بَعْلُ هذه الدَّابة؟ أي: رَبُّهَا ومالكها،
وقيل: المراد: الزوج.
ومعنى ولادة الأمة سيدَها: كثرةُ السراري، حتى تلد الأمة ابنَ
سيد، أو بنته، فهي أُمّهُ وأَمَتَهُ؛ لأن مال الأب مالُ الابن، فتكون إشارة
٦٦

إلى حصول الغنى فيهم، وكثرة الفتوحات، ويؤيده: ما أخرجه ابن
ماجه عن وكيع في تفسير قوله: ((أَنْ تَلِدَ الأَمَةُ رَبَّتَهَا))، قال وكيع:
يعني: تلد العجم العرب.
وقيل: المراد: ولادة الإماءِ الملوكَ، فتكون الأم من جملة الرعية.
وقيل: إخبار عن فساد الزمان، وكثرة بيع أمهات الأولاد، حتى
يشتري الشخص أُقَّهُ وهو لا يعرف.
ويُؤَوَّل البعل بمعنى الزوج على هذا المعنى - أيضاً -، فتكون
إشارة إلى كثرة الجهل، ورفع التميز، وهذا على قول من يرى تحريم
بيع أمهات الأولاد، وهم الجمهور. ويصح أن يحمل ذلك على بيعهن
في حال الحمل، وهو محرَّم بالإجماع.
وقيل: إخبار باستيلاء المسلمين على الكفار، فيكون الولد
المتولد من سيدها بمنزلة سيدها، فيكون إشارة إلى كثرة الفتوحات.
وقيل: إن الأَمَةَ إذا أعتقت بولدها، وكأنه سيدها، فيكون إشارة
إلى كثرة المال، حتى يحصل الإعتاق بمثل ذلك.
وقيل: إشعار إلى كثرة العقوق، حتى يعامل الولد أُمَّهُ معاملة السيد
مع الأمة، ويشهد له: وقوع المرأة مكان الأمة في حديث أبي هريرة في
رواية جرير، ويؤيد هذا: قوله - عليه السلام -: ((لا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى
يَكُونَ الوَلَدُ غَيْظاً ... )) الحديث، إلى غير ذلك من الاحتمالات التي
قالها القوم.
وبالجملة الاستدلالُ بهذا على جواز بيع أمهات الأولاد بعيد
٦٧

جداً، وكذا على عدم جوازه؛ إذ وقوعُ الاشتراط لا يدل على جواز
الشيء، ولا على حرمته، وهذا - أيضاً - على تقدير [أن] المراد هو:
البيع .
وأما على الاحتمالات الأُخر، فلا دلالة عليها قطعاً، وقد استدل
على كل واحد منهما جماعة.
* قوله: (رِعَاءَ الشَّاءِ) - بكسر الراء والمد -: جمع راعٍ؛
كصَاحِبٍ وصِحَابٍ، وقد يجمع على رُعاة - بضم الراء والقصر وزيادة
الهاء -؛ كقاضٍ وقضاة، وفي ((صحيح البخاري)): ((رُعَاةَ الإِبِلِ الْبُهْم))
- بضم الباء -؛ أي: السود، كذا فسروه.
وفي ((الأساس)): البهم: كل لونٍ لاشِيَةَ فيه، وقد يستعمل في
السواد خاصة، ومنه: لَیَالٍ دُهْمٌ بُهْمٌ.
ويروى بالجر على أنه صفة الإبل، وفائدة الصفة: أن الأَسودَ
منها أشدُّ نفوراً، و- الرفع - على كونه صفة للرعاء؛ أي: سود؛
لمُقَامِهِم في البوادي، وعدم وجدانهم الظَلَّ والكِنَّ والثَّوبَ.
قال الخطابي: المراد: الرعاء المجهولون، جمع بهيم، وهو
المجهول، ومنه: أَبْهَمَ الأمر، وكون رعاء الشاء يتطاولون في البنيان
أشد طباقاً على تغير الزمان من رعاء الإبل؛ لأنهم دائماً على صفة
الفخر والخيلاء، وهو معنى التطاول - أيضاً -.
وما ورد في الرواية الأُخرى: ((رِعَاءَ الْبَهْمِ))، فهو بفتح الباء
وسكون الهاء، وهي الصغار من أولاد الغنم والمعز، وهذا أشد
٦٨

مناسبة، وأكثر مبالغة؛ لأن رعاة صغار الغنم في غاية الفاقة والحاجة،
ونهاية الهوان والمذلة.
وبالجملة في هذا الحديث إخبارٌ عن تبدل حال الناس، وتَغيُّرِ
شأنهم، واستيلاء أراذلهم وسِفْلَتهم على المُلك، واشتغالهم بتشييد
المباني، وعدم التفاتهم إلى أصحاب المعاني، وأن ذلك إذا وجد،
كان من أشراط الساعة، ودليلاً على قرب قيام القيامة، ويقرب بهذا
الحديث ما روي عن النبي وَ﴾: أنه قال: ((لاَ تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَكُونَ
أَسْعَدَ النَّاسِ بِالدُّنْيَا لُكَعُ بْنُ لُكَعَ))، وقد شوهد ذلك عياناً، فكان ذلك
على صدقِ رسول الله وَّة، وقربِ الساعة حجةً وبرهاناً، فكم رأينا في
زماننا هذا من رعاة الشاة والبعير، بل من حماة الكلب والخنزير،
مستولين على أشرف البلاد، ومشغولين بأقبح الأفعال، وأشد الفساد.
وفيه: دليل على كراهية تشييد البناء، والمبالغة في الارتفاع،
وقد صح عن النبي وٍَّ: أنه قال: ((يُؤْجَرُ ابْنُ آدَمَ فِي كُلِّ شَيْءٍ إِلاَّ
مَا يَضَعُهُ فِي هَذَا الْتُّرَابِ))، ومات رسول الله وَّه ولم يضع حجراً على
حجر، ولا لَبِنِة على لبنة؛ أي: لم يشيد بناء، ولا طَوَّله، ولا تأنَّق
فيه .
وما وقع في بعض ((شروح البخاري)) من أن رواية مسلم مثل
رواية البخاري، إلا أنه بحذف الإبل = خطأ؛ إذ في رواية البخاري:
(البُهْمِ) - بضم الباء -، وهي السود، صفة للإبل، أو الراعي، وفي
رواية مسلم: (البَهْمِ) - بالفتح -، وهو صغار الغنم والمعز، فلا
٦٩

مناسبة بين الروايتين، لا لفظاً ولا معنى، بل المناسبةَ بين روايتي مسلم
(رِعَاءَ الشَّاءِ)، و(رِعَاءَ الْبَهْمِ)، والذي أخطأ الأَصيليَّ فيه من جواز
الفتح في الباء في رواية البخاري، إنما وقع له من رؤيته رواية مسلم
بالفتح، وعدم التفرقة بینهما، فتدبر.
وهذا وأمثاله من تحقيق الرواية، والفحص عن معناها، بناء على
انفراد الرواية؛ لاحتمال أنها هي، أو هي لا على الاجتماع؛ لما أسلفنا
لك من أن الظاهر: أن السؤال مرة واحدة، وعلى هذا يحمل التفاوت
من الزيادة والنقصان على مقدار حفظ الراوي وضبطه .
وقد وقع في الرواية الثانية: (وَإِذَا كَانَتِ الْعُرَاةُ الْحُفَاةُ رُؤُوسَ
النَّاس)، وفي الثالثة: (مُلُوكَ الأَرْضِ، فَذَاكَ مِنْ أَشْرَاطِهَا، وَإِذَا رَأَيْتَ
رِعَاءَ الْبَهْمِ يَتَطَاوَلُونَ فِي الْبُنْيَانِ)، وجاء في سائر الأحاديث التفاوت
في هذه الألفاظ على ما مَرَّ، فَعُلِمَ أن في الرواية الأولى حذفاً، أو في
غيرها زيادة.
و(الْحُفَاةَ): جمع حافٍ، وهو الذي لا يلبس في رجليه شيئاً.
و(الْعُرَاةَ): جمع عارٍ، وهو الذي لا يلبس على جسده ثوباً.
و(الْعَالَةَ) - بالتخفيف -: جمع عائل، والعَيْلَةُ: الفقرُ، يقال:
عَالَ الرجل يَعِيلُ عَيْلَةً: إذا افتقرَ، وأَعَالَ يَعِيلُ: إذا كثر عِيَالُهُ، وهذه
الأوصاف غالبة على أهل البادية.
والغرض: بيان أن أسافل الناس إذا اشتغلوا بمعالي الأمور، كان
٧٠

ذلك من أشراط الساعة، ويَقْرُبُ إلى هذا قوله: ((إِذَا وُسِّدَ الأَمْرُ إِلَى
غَيْرِ أَهْلِهِ، فَانْتُظِرِ السَّاعَةَ ... )) الحديث.
* قوله: (فَلَبِئْتُ) في بعض النسخ بلا تاء؛ أي: لبث النبيُّ ◌ََّ،
وفي بعضها: بتاء التكلم؛ أي: لبثتُ أنا.
و(مَلِيّاً) - بتشديد الياء -؛ أي: وقتا طويلاً، وفي ((سنن أبي
داود))، و((الترمذي)): (فلبث) بلا تاء.
* (ثُمَّ قَالَ لِي: يَا عُمَرُ)، وفي ابن ماجه: (فَلَفِي رَسُولُ اللهِ وَله
بَعْدَ ثَلاثٍ)، وذكر بعضُ الشارحين أن هذا مخالف لما ورد في حديث
أبي هريرة من أن الرجل لمَّا أدبر، قال - عليه السلام -: (رُدُّوهُ، فَلَمْ
يَجِدُوهُ، فقال - عليه السلام -: هَذَا جِبْرِيلُ أَتَاكُمْ يُعَلِّمُكُمْ دِينَكُمْ)، وليس
الأمر على ما زعم هذا القائل، وإنما وجهُ الجمع: أن عمر قام من
المجلس بعد سماعه الحديث قبل إدبار السائل، فلما أدبر، قال النبي -
عليه السلام - للحاضرين: (فَإِنَّهُ جِبْرِيلُ)، وأخبر عمر بعد ثلاث ليال،
وهذا السؤال على تقدير اتحاد القضية، والتوجيه مبنيٌّ عليه - أيضاً -.
وإذا قيل باختلاف القضية، فلا يحتاج إلى الجمع - أيضاً -.
ولله درُّ مسلم؛ حيث أشار إلى ذلك بقوله في بعض روايات هذا
الحديث: إن فيها بعض زيادة، ونقصان أحرف، وفي بعضها بقوله:
وفيه شيء من زیادة، وقد نقص منه شيئاً.
* قوله: (أَتَدْرِي مَنِ السَّائِلُ؟، قُلْتُ: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ:
٧١

فَإِنَّهُ جِبْرِيلُ) ظاهر هذا الكلام: أن النبي ◌َّ في أول الأمر كان يعرف
أن السائل جبريل، وسؤاله لعمرَ (١) لأجل الامتحان؛ بأنه عرفه، أم لا؟
ولإرادة أن يعرفه.
وكذا قوله في الروايات الأُخر: ((رُدُّوا عَلَيَّ الرَّجُلَ ذلك)).
وقد روى الدارقطني في آخر هذا الحديث بعد قوله: (يُعَلِّمُكُمْ
دِينَكُمْ): ((فَخُذُوا عَنْهُ، فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ! مَا شُبِّهَ عَلَيَّ مُنْذُ أَثَانِي قَبْلَ
مَرَّتِي هَذِهِ، وَمَا عَرَفْتُهُ حَتَّى وَلَّى)).
وقد ورد في حديث أبي هريرة في ((صحيح البخاري)) بأنه - عليه
السلام - لم يعرفه إلا في آخر الأمر.
وفي حديث طلحة: ((وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ! مَا جَاءَتِي قَطُّ إِلَّ
وَأَنَا أَعْرِفُهُ، إِلاَّ أَنْ تَكُونَ هَذِهِ الْمَرَّةَ).
وفي حديث ابن عمر: ((مَا أَثَانِي(٢) فِي صُورَةٍ قَطُّ إِلا عَرَفْتُهُ، إِلا
هَذِهِ الصُّورَةَ)).
ووجه الجمع: أنه - عليه السلام - إنما عرفه بعدما ولَّى؛ بخلاف
سائر الأوقات؛ فإنه یعرفه من أول مجيئه.
· قوله: (يُعَلِّمُكُمْ دِینَكُمْ)؛ أي: قواعد الدين وكلياتها؛ مما
يصح سؤاله، والاعتناء بشأنه؛ من الإيمان، والإسلام، والإحسان،
(١) في الأصل: ((من عمر)).
(٢) في الأصل: ((ما جاءني)).
٧٢

ومما لا يصح سؤاله، بل يجب الاكتفاء بعلاماته؛ كأمر الساعة.
والغرض: تعليم المراسم العبودية، وتذكيراً أمر الآخرة.
وقد يستدل بذلك على أن الدين مشتمل على الإسلام،
والإيمان، والإحسان.
وقد مَرَّ: أن الإسلام في لسان الشرع يطلق ويراد به: الدين، قال
الله تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللَّهِ الْإِسْلَمُ ﴾ [آل عمران: ١٩] الآية، والواقع
في الجواب ليس بيان الدين، بل بيان الطاعات، ولهذا قلنا بأن المضاف
محذوف، والتقدير: قواعد الدين، أو كليات الدين، وما أشبه ذلك،
وقد جاء مصرحاً في ((سنن ابن ماجه))، قال: ((ذَاكَ جِبْرِيلُ أَتَاكُمْ يُعَلِّمُكُمْ
مَعَالِمَ دِينِكُمْ)).
* قوله: (أَنْ تَعْبُدَ اللهَ وَلاَ تُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً) العبادة: أقصى غاية
الخضوع والتذلل، ومنه: ثوب ذو عبدة: إذا كان محكمَ النسج،
ولذلك لم يستعمل إلا في الخضوع لله تعالى، ثم المراد هاهنا: معرفة
الله والإقرار، وهو التوحيد؛ بقرينة وقوعه في هذا الحديث موقعَ
قوله: ((أَنْ تَشْهَدَ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ ... )) إلى آخره، ولتأكيده بقوله:
(وَلاَ تُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً)، والاكتفاء بقوله: ((أَنْ لاَ تُشْرِكَ بِاللهِ شَيْئًا)) في
رواية أخرى؛ فإن عدم الإشراك مستلزمٌ للتوحيد.
وما قيل: من أن المراد به: جميع العبادات، وذكرُ الصلاة
والزكاة من باب ذكر الخاص بعد العام، بعيدٌ؛ لما عرفتَ من القرائن.
وأما ذكر الحج في حديث عمر، وعدم ذكره في حديث أبي
٧٣

هريرة، فَلِمَا قلنا من ضبط الراوي، ومقدار حفظه.
وإنما أكد العبادة بقوله: (وَلاَ تُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً) إيماء إلى أن مَلاك
العبادة التوحيد، ورداً لما يعتقده الكفار من عبادتهم اللهَ مع مشاركة
الأوثان، وادعائهم أنها شفعاؤهم.
ووصف الصلاة [بالمكتوبة]؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلَوةَ كَانَتْ عَلَى
اَلْمُؤْمِنِينَ كِتَبًا مَّوْقُوتًا﴾ [النساء: ١٠٣].
والزكاة بالمفروضة، قيل: احتراز عن المعجَّلة؛ لأنها غير
مفروضة قبلَ وجوبها .
وقيل: عن صدقة التطوع؛ لأنها زكاة لغةً، والفرض في الأصل:
القطع، ومنه: الفرض للنصيب، وكان يوصف الزكاة بالتي هي قطعة
من المال جعلت نصيباً للفقراء بها أنسبُ .
* قوله: (سَلَونِي) هذا لا يخالف النهي عن السؤال؛ فإن مورد
هذا السؤال فيما يحتاجونه، وهو مأمور غير منهي، قال الله: ﴿فَتْشَلُواْ
أَهْلَ الذِّكْرِ﴾ [النحل: ٤٣]، ومورد ذلك فيما لا حاجة لهم به، وهو
منهي، قال الله تعالى: ﴿لَا تَسْثَلُواْ عَنْ أَشْيَآءَ ﴾ [المائدة: ١٠١] الآية.
* قوله: (الصُّمَّ الْبُكْمَ)؛ يعني: الجَهَلَةَ الذين لا اعتناء لهم بِدَرَكِ
الحقائق، ولا اعتبار لهم عند الخالق والخلائق، وكأنهم - لعدم انتفاعهم
بما خلقوا من هذه الأعضاء - فاقِدون لها، غير موصوفين بها.
* قوله: (فِي خَمْسٍ) متعلق بمحذوف؛ أي: علمُ الساعة معدودٌ
في جملة خمس من الغيب استأثر اللهُ تعالى بعلمها، ولما قال في
٧٤

جواب سؤال الساعة: (مَا الْمَسْؤُولُ عَنْهَا بِأَعْلَمَ مِنَ السَّائِلِ)، اِسْتَشْعَرَ
سؤال سبب عدم علمه بها، فأشار - بعد بيان أشراطها - بأن سبب عدم
علمه: كونها في جملة خمس من الغيب لا يعلمها إلا الله.
ويجوز أن يتعلق بـ (سَأُحَدِّثُكَ)؛ أي: سأحدثك عن أشراطها،
وعن كونها في جملة خمس لا يعلمها إلا الله، وهذه الزيادة في هذا
السياق من سياق حديث عمر؛ لأن السائل ثمة بعد يأسه عن علم
الساعة، سأل عن أماراتها، فأجاب ببيانها، وهاهنا زاد المجيب بيان
الأشراط بلا سؤال السائل عنها، وكأنه أخرج بيان الأشراط جواباً له،
ونبَّ على أن نهاية علم البشر معرفة الأشراط والعلامات، وأما علم
قيام الساعة، فشيء استأثر الله بعلمها، وجعلها من جملة الأشياء التي
لا يعلمها إلا هو - تعالى وتقدس -، فلا يجوز الخوض فيها.
والغرض: قطعُ طمع السائلين عنها، فإنهم أكثروا السؤال عنها،
قال الله تعالى: ﴿ يَسْئَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ﴾ [الأعراف: ١٨٧] الآية.
وفي إيراد هذا الكلام، وتلاوة النبي - عليه السلام - هذه الآية في
هذا المقام: إرشادٌ إلى أن الأمور الخمسة المذكورة ليس للبشر معرفتها،
فمن اذَّعی شيئاً من ذلك، ويسنده إلى النبي - عليه السلام-، فهو كاذب،
ولا يعتبر قولُه، وإن لم يسنده، بل ادعى من نفسه بنفسه، فهو أقبح
حالاً، وأبينُ كذباً، وكذا ادعاء علم غير هذه الخمسة من الغيوب.
وأما ظن الغيب، والتكلم بوقوع شيء في المستقبل بأمارة،
كتكلم المُنَجِّم وغيره، فقيل: يجوز، وقيل: لا يجوز، وسيجيء لهذا
٧٥

زيادةُ بسط في موضعه - إن شاء الله -.
: قوله: (أَنْ تَعَلَّمُوا) روي بفتح التاء والعين وتشديد اللام،
أصله: تتعلموا، وروي بفتح التاء وإسكان العین، وكلاهما صحیح.
هذا ما يتعلق بالحدیث.
وأما بيان الترتيب :
فقد أسلفنا لك أن ما عليه الجمهور، والذي يفهم من سوق
الكلام: أن السؤال كان مرة واحدة، وأن السامعين من الصحابة لما
تَعجَّبوا برؤية شخص لا يعرفونه، وليس عليه أثر السفر، واشتغلوا
بالكشف عن حاله، والفحص عن مرجعه ومآله، فإذا سأل الأسئلة التي
هي أمهات مسائل الدين، ومعظمات مطالب أرباب اليقين، وأجابه
النبي ◌ََّ، وصدَّقَهُ هو كالعالم بالقضية، الممتحن للمسؤول عنه، وازداد
تعجبهم بحاله على ما جاء مصرحاً في الرواية الأولى؛ حيث قال:
(فَعَجِبْنَا لَهُ يَسْأَلُهُ وَيُصَدِّقُهُ) = وقع لهم نوعُ غفلة من تدبر ألفاظٍ صدرت
عن صدر الرسالة، مع إحاطتهم بالمعاني، فروى كلُّ إنسان ما فهم من
المعنى بألفاظ كان في ظنه سماعُها، فلهذا أخرج بعضُ الأئمة حديثاً
واحداً؛ إذ المقصود يحصل منه، وبعضهم أكثر؛ ليحصل التأكيد.
وقد آثر مسلم - رحمه الله - الترتيب الأنيق، والنظم السَّرِي؛
حيث قدم رواية ابن عمر عن أبيه؛ لكثرة اتفاق الرواة عليه، ونبََّ على
ذلك بإيراد أربع من الروايات الواصلة إليه، التي هي كالأركان الأربعة
للدين، ونبَّ - مع بيان الغرض في التقديم - [على] ما في بعض
٧٦

الروايات من اختلاف يسير مع اتحاد النظم والأسلوب، وهو في الثانية
والثالثة، وأومأ إلى أن ذلك في الثانية أكثر من الثالثة، حيث قال في
الثانية: (وَفِيهِ بَعْضُ زِيَادَةٍ، وَنُقْصَانُ أَحْرُفٍ)، وفي الثالثة: (وَفِيهِ شَيْءٌ
مِنْ زِيَادَةٍ، وَقَدْ نَقَصَ مِنْهُ شَيْئًا)، وصرَّح بأن الرابعة مثلُ الأولى سواء،
ولما كان ابتداء مَخَايل الثبوت تحصل من الأول ذا زيادةٍ، وإتمامه
بالرابع فيما يثبت بالشهود الأربعة = آثر ذلك؛ حيث أَخَّر ما هو مثل
الأول بلا زيادة ونقصان إلى الرابع.
ثم لمَّا كان مدار هذا الحديث من الطرق المذكورة في الكتاب،
بل في الكتب الستة على يحيى بن يعمَر، أخرج حديث أبي هريرة؛
ليكون مؤكِّداً؛ فإن مداره على أبي زرعة، فيتعدد الرواة من مسلم إلى
النبي ێ، ویکون لكل راوٍ مقارن.
هذا ما يتعلق بهذا الحديث إسناداً ومتناً وترتيباً بحسب
الاختصار، وأما بيان الأبحاث المتعلقة به، وما يستخرج منه من أبواب
الفقه فكثير، وسيجيء في كل موضع من أحاديث الكتاب طرف منها
- إن شاء الله تعالى -، والله أعلم.
٧٧

(٢)
بيان أن التمسك بشرائع
الإسلام يدخل الجنة
[ ٤ -باب
بَيَانِ الصَّلَوَاتِ الَّتِي هِيَ أَحَدُ أَرْكَانِ الإِسْلاَمِ ]
١٠٩ - (١١ / ٨) - حَدَّثَنَا قُتَنْيَةُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ جَمِيلِ بْنِ طَرِيفِ بْنِ
عَبْدِ اللهِ الثَّقَفِيُّ، عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ - فِيمَا قُرِئَ عَلَيْهِ -، عَنْ أَبِي
سُهَيْلٍ، عَنْ أَبِيِهِ: أَنَّهُ سَمِعَ طَلْحَةَ بْنَ عُبَيْدِ اللهِ يَقُولُ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى
رَسُولِ اللهِ وَ﴿ مِنْ أَهْلِ نَجْدٍ، ثَائِرُ الرَّأْسِ، نَسْمَعُ دَوِيَّ صَوْتِهِ،
وَلَاَ نَفْقَهُ مَا يَقُولُ، حَتَّى دَنَا مِنْ رَسُولِ اللهِ وَهَ، فَإِذَا هُوَ يَسْأَلُ عَنِ
الإِسْلاَمِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِنَّهِ: ((خَمْسُ صَلَوَاتٍ فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ»،
فَقَالَ: هَلْ عَلَيَّ غَيْرُهُنَّ؟ قَالَ: ((لاَ، إِلاَّ أَنْ تَطَّوَّعَ، وَصِيَامُ شَهْرِ
رَمَضَانَ))، فَقَالَ: هَلْ عَلَيَّ غَيْرُهُ؟ فَقَالَ: ((لاَ، إِلاَّ أَنْ تَطََّّعَ). وَذَكَرَ لَهُ
رَسُولُ اللهِ نَّهِ الزَّكَاةَ، فَقَالَ: هَلْ عَلَيَّ غَيْرُهَا؟ قَالَ: ((لاَ، إِلاَّ أَنْ
تَطَّوَّعَ»، قَالَ: فَأَدْبَرَ الرَّجُلُ وَهُوَ يَقُولُ: وَاللهِ! لاَ أَزِيدُ عَلَى هَذَا،
وَلاَ أَنْقُصُ مِنْهُ. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ: ((أَفْلَحَ إِنْ صَدَقَ)).
٧٩

أورد البخاري هذا الحديث في (باب: بيان كون الزكاة من
الإسلام)، وفي اختصاصها به بعد كونها مذكورةً بعد بيان الصلاة
والصوم ربما تناقش فيه، ولعلمه - رحمه الله - استنبط من قوله: (وذكرَ
له رسولُ الله ◌ِ﴿ الزكاةَ)؛ حيث غيّر الراوي الأسلوبَ الأول، أو عرف
من أقوال الرواة: أن سوقَ الكلام لبيان الزكاة، وإلا، ففي الظاهر أن
السؤال عن الإسلام، وفي الجواب: بيان الثلاثة أن الصلاة والصوم
والزكاة منه، وما ذكر التيمي: أن البخاري إنما أورد هذا الحديث في
(باب: الزكاة من الإيمان)؛ لأنه استغنى في غير هذا الباب بغير هذا
الحديث، ولم يجد في هذا شيئاً آخر = فيه نظر؛ فإنه - حينئذ -
لا اختصاص لهذا الحديث بذلك، بل كثير من الأحاديث؛ مثل:
سؤال جبريل، وحديث وفد عبد القيس، وغير ذلك، من هذا القبيل،
بل الوجه ما ذكرنا.
وأما ((قُتَنْيَةُ بْنُ سَعِيدٍ))، قيل: هو اسمه، وقيل: لقبه، واسمُه علي،
وقيل: يحيى، ونسبته إلى ثقيف؛ لأن جده جميلَ بنَ طريف مولى
الحجاج بن يوسف الثقفي، الجائر المشهور.
وفي هذا الباب خمسة أحاديث:
الأول: حديث طلحةَ بن عُبيدالله، وأخرجه البخاري في
(الإيمان)، و(الصوم)، و(الشهادات)، و(ترك الخيل). وأبو داود في
(الصلاة)، والنسائي في: (الصلاة)، و(الصوم)، و(الإيمان).
والثاني: حديث أنس، وقد أخرجه البخاري في: (العلم)، وأبو
٨٠