Indexed OCR Text
Pages 241-260
وأمّا (المُسَيَّبُ) فهو أبو العلاء المُسَيِّبُ بنُ رَافِع الأسدي، الكوفي، الضرير التابعي. عن جابر بن سَمُرَة، والبَرَاء بن عازب، وحارثة بن وهب، وجمع من التابعين. وعنه ابنه العلاء، ومنصور، والأعمش، وآخرون. وثّقه القوم، وأخرج له الستة. توفي سنة خمس ومئة. وأمّا شيخه فهو أبو إياس (عَامِرُ بنُ عَبَدَةَ) الكوفي. عن ابن مسعود، وغيره. وعنه المسيَّب، وغيره. ذكره ابن حِبَّان في ((الثقات))، ولم يخرج له من الستة إلا مسلمٌ هاهنا . فرجال هذا الإسناد كوفيون، وفيه ثلاثة من التابعين، إنْ كان عامر تابعیاً كما قاله البعض، وإلا ففيه صحابيان وتابعیان. قال ابن عبد البر: عامر بن عَبَدَة صحابي. وقال المِزِّي في ترجمة المسيَّب بن رافع: قال ابن مَعين: لم يسمع المسيَّب من أحد من الصحابة إلا من البراء بن عازب، وعامر بن عبدة . هذا لفظه، وهو صريح في کونه صحابياً، فتدبر . وأما مُحَمَّد في الإسناد الآخر فهو أبو عبدالله (مُحَمَّدُ بنُ رَافِع) ٢٤١ ابن أبي زيد سابُوْر القُشَيري مولاهم، النيسابوري، الزاهد، أحد الأئمة الأعلام، والراحلين في طلب الحديث في بلاد الإسلام. روى عن وكيع، وابن نُمير، وابن عيينة، وخلائق. وعنه أبو زُرعة، والذهبي، وابن خُزيمة، وآخرون. اتفق القوم على وثوقه وجلالة قدره، وأخرج له الستة إلا ابن ماجه . وأما شيخه فهو أبو بكر (عَبْدُ الرَّزَّاقِ) بن هَمَّام نافع الحِمْيَرِي مولاهم، الصنعاني، أحد الأئمة. عن أبيه، وعن ابن جُريج، والثوري، والأوزاعي، ومالك، وخلائق. وعنه معتمر بن سليمان، وابن عُبينة، وهما من شيوخه، وأحمد وإسحاق، وابن معین، وآخرون کثیرون. وثّقه القوم وأكثروا الرواية عنه، وأخرج له الستة، وإنما نقموا عليه التشيع، وقد عَمِي في آخر عمره، فربما تلقَّن شيئاً عن غير كتبه فيصدق، ولهذا توقف القوم في بعض أحاديثه المروّية في الفضائل وفیما أُخذ عنه بعد عماه، وأما فيما سوى ذلك فيحتجون بحديثه. توفي سنة إحدى عشرة ومئتین وأما شيخه فهو أبو عروة (مَعْمَر) بن راشد الأزدي مولاهم، البصري، أحد الأعلام. عن الزُّهري، وهمَّام بن منبِّه، وخلائق. ٢٤٢ وعنه أيوب، وعمرو بن دينار، وأبو إسحاق، ويحيى بن أبي کثیر، وهم من شيوخه، وسفيان، وشعبة، وآخرون. وثَّقه القوم وأثنوا عليه، وأخرج له الستة، وله أوهام معروفة احتملت في سَعة ما أَتَقن. توفي سنة ثلاث وخمسين ومئة. وأمّا شيخه فهو أبو عبدالله (بنُ طَاوُس) اليماني. عن أبيه، وعطاء، ووهب بن منبِّه، وجماعة. وعنه ابن جريج، ومعمر، والسفيانان، وحمَّاد بن زيد، وخلائق. وثقه القوم، وأخرج له الستة. وكان مشهوراً بالزهد والعبادة وأعلمَ الناس بالعربيّة، وأحسنهم خُلقاً. توفي سنة اثنتين وثلاثين ومئة. وأما أبوه فهو أبو عبد الرحمن (طاوس) بن كَيْسان اليماني، من علماء التابعين وثقاتهم. عن أبي هريرة، وعائشة، وابن عباس، وغيرهم. وعنه مجاهد، وعمرو بن شعیب، وعمرو بن دینار، وخلائق. ولا شك في علوّه وإتقانه، أخرج له الستة. توفي بمكة سنة ست ومئة، يوم التروية . وأما (عَبْدُاللهِ) فهو أبو محمد عَبْدُاللهِ بنُ عَمْرِو بنِ العَاصِ ٢٤٣ السَّهْمِي، الصحابيُّ ابن الصحابيِّ، كان بينه وبين أبيه في السن إحدى عشرة سنة، أسلم قبل أبيه، وله مناقب سيجيء في الكتاب طَرَف منها . روى عن رسول الله وَ﴿ سبع مئة حديث، اتفقا على سبعة عشر، وانفرد البخاري بثمانية، ومسلم بعشرين، وأخرج له الأربعة أيضاً. روى عنه سعيد بن المسيَّب، وأبو سَلَمَة بن عبد الرحمن، وعروة ابن الزبير، وخلائق. توفي بمكة، وقيل: بالطائف، وقيل: بمصر سنة خمس وستين. * قوله: (إِنَّ الشَّيْطَانَ لَيَتَمَثَّلُ فِي صُورَةِ الرَّجُلِ) فيه دليل على أن الشياطين يتشكلون بصورة الإنسان ويظهرون للإنس ويرونهم، وهو ردٌّ على المعتزلة في أن الشياطين لا يُرَون، وأن إظهارهم أنفسهم ليس في استطاعتهم، متمسِّكين بقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ يَرَكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا ثَوْنَهُمْ﴾ [الأعراف: ٢٧] الآية، مع أنه ليس في الآية دليل لهم، وأنها مُخَرَّجَةٌ مخرج الغالب، ووارِدة في التحذير منهم، والمعنى: أنه بمنزلة العدو المداحي يكيد لهم، وبغياً لكم من حيث لا تشعرون. والقول بأن المراد بالشيطان في هذا الأثر هو الإنسان الكاذب، وبالرجل المُحَدِّثِ، والمعنى أن الشخص الكاذب يجيء إلى القوم بصورة رجل محدث فيحدثهم، بَعيدٌ عن سياق الكلام. وأثر عبدالله بن عمرو صريحٌ في أنّ المراد الشيطانُ حقيقةً، وأن الشياطين مسجونة في البحر، وأنهم سيخرجون من السجن فيقرؤون ٢٤٤ على الناس شيئاً. وفيه دليل أيضاً على رؤية الناس إياهم. والقول بأن هذا الأثر وأثر ابن مسعود قول الصحابيّ، فلا ینتهض حُجةً في المختلف فيه، ممنوع، وعلى تقدير التسليم، فأمثال هذه الأمور مما لا يستقلُّ العقل بمعرفتها، فلا يكون للصحابي إلا من جهة السماع عن رسول الله (چ . * قوله: (يُوشِكُ) - بضم الياء وكسر الشين -: يَقْرُّب، وأنكر الأصمعي كسر الشين فيه، وهو مشهور، حكى(١) الجوهري الضم، وقال في القاموس: يوشك الأمر أن يكون، لا تُفتح شينه، أو لغة رديئة. وبالجملة: هو بمعنى الدنو والمقاربة، وتُستعمل ناقصة، ويَلزمها الخبر غالباً، وقد يُحذف، كما في قول الشاعر: فِي بَعْضِ غِرَّاتِهِ يُوَافِقُهَا يُوشِكُ مَنْ فَزَّ مِنْ مَنيَّتِهِ وتُستعمل تامة، ويُكتفى باسم واحد، وهو مع الاسم في تأويل المصدر، وهاهنا تامة. (والقرآن) في الأصل الجمع والضم، ومنه سمي الكتاب العزيز قرآناً؛ لِمَا جمع من المعاني الشريفة، أو لأنه مقدَّر، ويُستعمل مصدراً كما في قوله تعالى ﴿فَنَِّعْ قُرْءَانَهُ ﴾ [القيامة: ١٨]، والمراد به هاهنا؛ إِمَّا (١) في الأصل: ((حتى)). ٢٤٥ [ ... ](١) وموهونة على الجملة، أو المراد: الشيء المجموع من الأكاذيب والأباطيل، أو المراد: القراءة، أي: يقرؤون على الناس قراءة فيها ضلال وفتنة. وفي الحديث : التحذیر عن قبول حدیثٍ مَن لا يُعرف حاله. والإشارة إلى كثرة الأحاديث الباطلة في آخر الزمان. وإلى خروج الشياطين من السجن، وظهور الفتن، وقِلّة العلم، وكثرة الجهل، نعوذ بالله من ذلك. ١٩ - وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بنُ عَبَّادٍ وَسَعِيدُ بنُ عَمْرِو الأَشْعَنِيُّ جَمِيعاً، عَنِ ابنِ عُبَيْنَةَ، قَالَ سَعِيدٌ: أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ، عَن هِشَامِ بنِ حُجَيْرٍ، عَن طَاؤُس قَالَ: جَاءَ هَذَا إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ - يَعْنِي بُشَيْرَ بْنَ كَعْبٍ - فَجَعَلَ يُحَدَّثُهُ فَقَالَ لَهُ ابْنُ عَّاسِ: عُدْ لِحَدِيثٍ كَذَا وَكَذَا، فَعَادَ لَهُ، ثُمَّ حَدَّثَهُ فَقَالَ لَهُ: عُدْ لِحَدِيثٍ كَذَا وَكَذَا، فَعَادَ لَهُ، فَقَالَ لَهُ: مَا أَدْرِي أَعَرَفْتَ حَدِيثِي كُلَّهُ وَأَنْكَرْتَ هَذَا، أَمْ أَنّكَرْتَ حَدِيثِي كُلَّهُ وَعَرَفْتَ هَذَا؟ فَقَالَ لَهُ ابْنُ عَبَّاس: إِنَّا كُنَّا نُحَدِّثُ عَنْ رَسُولِ اللهِ وَفِي إِذْ لَمْ يَكُنْ يُكْذَبُ عَلَيْهِ، فَلَمَّا رَكِبَ النَّاسُ الصَّعْبَ وَالذَّلُولَ تَرَكْنَا الحَدِيثَ عَنْهُ. (١) كلمتان غير واضحتين في الأصل. ٢٤٦ ٢٠ - وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَاَ مَعْمَرٌ، عَنِ ابنِ طَاؤُسٍ، عَن أَبِهِ، عَنِّ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: إِنَّمَا كُنَّا نَحْفَظُ الحَدِيثَ، وَالحَدِيثُ يُحْفَظُ عَن رَسُولِ اللهِ نَّهِ، فَأَمَّا إِذْ رَكِبْتُمْ كُلَّ صَعْبٍ وَذَلُولٍ فَهَيْهَاتَ. * قوله: (حَدَّثَنِي مُحَمَّد) هو مُحَمَّدُ بنُ عَبَّاد بن بُرْقان المكي، نزیل بغداد . عن الدَّرَاوَرْدِي، وابن عيينة، وحاتم بن إسماعيل، وجماعة. وعنه أحمد بن سعيد الدارِمِي، وموسى بن هارون، والبخاري، ومسلم. وثَّقه أحمد. وقال ابن معین : لا بأس به. وبالجملة أخرج له الستة إلا أبا داود. توفي سنة خمس وثلاثین ومئتين . وأما (سَعِيد) فهو أبو عثمان سعيد بنُ عَمْرو بن سهل بن إسحاق ابن محمد بن الأشعث بن قيس الأَشْعَشِيُّ، الكندي. عن جعفر بن سليمان، وابن المبارك، وجماعة. وعنه بَقِيُّ بن مَخْلَد، وأبو زُرعة، وموسى بن هارون، وغيرهم. وثَّقه أبو زرعة، وأخرج له مسلم والنَّسائي. وأما شيخه فهو أبو محمد سفيان (بن عُيينة) بن أبي عمران ٢٤٧ الهلالي، أحد الأئمة. عن عمرو بن دينار، والزُّهري، وزيد بن أسلم، وخلائق. وعنه الأعمش، وشعبة، وابن جُريج، ومِسْعر، وهم من شيوخه، وابن المبارك، وجماعة من أقرانه، وأحمد وابن المَدِيني وابن مَعين وآخرون. وثَّقه القوم وأثنَوا عليه خيراً، وهو أجلُّ من أن يحتاج إلى شيء، فإنه من الأَثْبات خاصة في الزُّهري، فإنه أثّبتُ فيه من كثير من الأثبات، وأخرج له الستة. وما نُقُل عن يحيى بن سعيد أنه قال: سفيان اختلط سنة سبع وتسعین ومئة = ففيه نظر . توفي سنة ثمان وتسعين ومئة. وأما شيخه فهو (هِشَامُ بنُ حُجَيْرٍ) المكي. عن طاوس، ومالك بن أبي عامر، وغيرهما. وعنه ابن جُريج، وشِبل بن عبَّاد، وابن عُيينة، وغيرهم. ضعَّفه ابن مَعين والقَطَّان . وقال أحمد: ليس بالقوي. ووثَّقه العِجْلي، وابن شُبْرُمَة، وأخرج له الشيخان مقروناً بغيره، والنَّسائي. ٢٤٨ ٢١ - وَحَدَّثَنِي أَبُو أَيُّوبَ سُلَيْمَانُ بِنُ عُبَيْدِ اللهِ الغَيْلَانِيُّ: حَدَّثَنَا أَبُو عَامِرٍ - يَعْنِي العَقَدِيَّ - حَدَّثَنَا رَبَاحٌ، عَن قَيْسِ بنِ سَعْدٍ، عَن مُجَاهِدٍ قَالَ: جَاءَ بُشَيْرٌ العَدَوِيُّ إِلَى ابنِ عَبَّاسٍ فَجَعَلَ يُحَدِّثُ وَيَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ﴿ِ، قَالَ رَسُولُ اللهِ وَهِ، فَجَعَلَ ابْنُ عَبَّاس لاَ يَأْذَنُ لِحَدِيثِهِ، وَلاَ يَنْظُرُ إِلَيْهِ، فَقَالَ: يَا ابْنَ عَبَّاسٍ، مَا لِي لَ أَرَاكَ تَسْمَعُ لِحَدِيثِي، أُحَدِّثُكَ عَنْ رَسُولِ اللهِوَّهِ وَلاَ تَسْمَعُ؟ فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسِ: إِنَّ كُنَّ مَرَّةً إِذَا سَمِعْنَا رَجُلاً يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ، ابْتَدَرَتْهُ أَبْصَارُنَا وَأَصْغَيْنَا إِلَيْهِ بِذَاِنَا، فَلَمَّا رَكِبَ النَّاسُ الصَّعْبَ وَالذَّلُولَ، لَمْ نَأْخُذْ مِنَ النَّاسِ إِلَّ مَا نَعْرِفُ. وأما (أَبُو أَيُّوبَ) في الإسناد الآخر فهو سُلَيْمَانُ بنُ عُبَيْدِاللهِ بن عمرو [بن] جابر الغَيْلاَنِيُّ البصري. عن أبيه، وبَهْزِ بن أسد، وجَمْع. وعنه أبو بكر بن أبي عاصم، وعبدالله بن محمد، وجماعة. وثَّقه النَّسائي، وأخرج له مسلم والنَّسائي. توفي سنة ست وأربعين ومئتين. وأما شيخه فهو (أَبُو عَامِرٍ) عبد الملك بن عمرو العَقَدِي، البصري، الحافظ. عن أيمن [بن] نائل، وأفلح بن حُميد، وعِكْرمة بن عمار، وآخرین. ٢٤٩ وعنه أحمد، وابن راهَوَيْه، وابن المَديني، وابن مَعين، والدُّهْلي، وخلائق. وثَّقه القوم، وأخرج له الستة . توفي سنة أربع ومئتین. وأما شيخه فهو (رَبَاحٌ) بن أبي معروف بن أبي سارة. عن عطاء، ومجاهد، وقيس بن سعد، وجماعة. وعنه الثوري، وابن عامر، وأبو نعيم، وآخرون. ضعَّفه ابن مَعين، وعن النَّسائي تضعيفه أيضاً. ووثَّقه أبو علي الحنفي . وقال أبو زُرعة : لَيِّن. وقال أبو حاتم: صالح. وقال ابن عَدي: لم أجد له حديثاً منكراً. وبالجملة أخرج له مسلم والنَّسائي. وأما شيخه فهو أبو عبدالله (قَيْسُ بنُ سَعْدٍ) المكي، الحبشي، مولی نافع بن عقبة، وكان مفتياً بمكة. عن مجاهد، وطاوس، وعطاء، وجماعة. وعنه الحمَّادان، وجریر، وآخرون. وَّقه القوم، وتكلم فيه يحيى بن سعيد، وأخرج له البخاري تعليقاً، ومسلم وأبو داود والنَّسائي. ٢٥٠ توفي سنة تسع عشرة ومئة. وأمّا شيخه فهو أبو الحجاج (مُجَاهِدُ) بن جَبْر، المُقْرئ، الإمام. عن ابن عباس، وعائشة، وابن عمر، وجماعة من الصحابة والتابعين. وعنه عِكْرمة، وعطاء، وقتادة، وخلائق. وثَقه القوم، واتفقوا على جلالة قدره وعلو منزلته في العلم، وأخرج له الستة . فلا يُلتفت إلى إيراد ابن حِبَّان إياه في الضعف، نعم له مراسيل ربما تكلم الناس فيها . قال ابن معين: مراسيل مجاهد أحبُّ إليَّ من مراسيل عطاء بكثير. توفي سنة أربع ومئة. وأمّا (ابنُ عَبَّاسٍ) فهو أبو العباس عبدالله بن العبّاس بن عبد المطلب، الهاشمي، ابن عم رسول الله وَّيهر وصاحبه، وحَبْر الأمة، وبحر العلم، وتَرْجُمان القرآن، ومناقبه جمّة مشهورة، وسيجيء في الكتاب طَرَف منها . روي له عن رسول الله ﴾ ﴾ ألف حديث وست مئة وستون حديثاً، اتفقا على خمسة وتسعين، وانفرد البخاري بمئة وعشرين، ومسلم بتسعة وأربعين، وأخرج له الأربعة أيضاً. وهو أحد الستة المكثرين من الرواية عن رسول الله وقلقه . ٢٥١ روى عنه ابن عمر، وأنس، وأبو الطُّفَيل عامر بن واثلة، وخلائق من التابعين . وُلد في الشَّعب قبل الهجرة بثلاث سنين، وتوفي بالطائف سنة ثمان وستين، وله إحدى وسبعون سنة. وأمّا (بُشير) الذي تكلم فيه فهو أبو عامر بُشير بن كعب العدَوي العامري. عن أبي ذر، وأبي الدرداء، وأبي هريرة، وجماعة. وعنه ابن بريدة، وثابت، وقتادة، وخَلْق. وثَّقه النَّسائي. تُوفي في طاعون الجارف. ، قوله: (فَلَمَّا رَكِبَ النَّاسُ الصَّعْبَ وَالذَّلُولَ)، وأصلُ هذا في الإبل، فإن الصعب غير المنقاد، والذلول: المنقاد المنتفَع به، ومنه حديث جُبير بن مُطْعِم: ((مَن كان مُصْعِباً فليرجع))؛ أي: مَن كان إبله صعباً غير منقاد، ثم استُعمل في شدائد الأمور وسهولها. ومعنى ركوب الناس الصعبَ والذلول: تركُهم المبالاة بالأشياء والاحتراز في القول والعمل. وفي قول ابن عباس إشارةٌ إلى عدم تفرقة بعض الناس بين صحيح الحديث وسقيمه، وعدم تمييزهم، وقلة مبالاتهم، وإن الواجب الأخذ من الثقات، لا من كل أحد. ٢٥٢ وفيه تعريض بُيُشير بعدما وقع أولاً في طلبه إعادةُ الحديث منه إلى أنه لیس ممّن یؤخذ عنہ جمیعُ روایاته ويُصغی إلی جمیع مرویّاته، بل إلى ما يُعرف منها. قوله: (إِنَّا كُنَّا نُحَدثُ) الرواية المسموعة ضم النون وكسر الدال، وقال القرطبي: الصحيح فتح الدال، على ما لم يُسمَّ فاعله، ويؤيّد قولَه في الرواية الأخرى: (كُنَّا إِذَا سَمِعْنَا رَجُلاً يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَهِ ابْتَدَرَّتْهُ أَنْصَارُّنَا، وَأَصْغَيْنَا إِلَيْهِ بِآذَانِنَا) وقال: وجدته هكذا مقيَّداً في خطٍّ من يُعتمد على علمه، ووجدته في بعض النسخ بکسر الدال، وفيه بُعْدٌ، ولعله لا یصح. هذا كلامه، ولعمري لِمَ مَنَعَ هذه الرواية وحكم ببُعدها وعدم صحتها مع أن قوله: (تَرَكْنَا الحَدِيثَ عَنْهُ) يدل عليها . وغاية الأمر جواز الأمرين بالنظر إلى القرينتين، بل هذه أولى؛ نظراً إلى أن القرينة في هذه الرواية بعينها، وتلك في الرواية الأخرى. على أن المناسبَ نظراً إلى سياق الكلام البناءُ على الفاعل؛ لأن قول بُشير في هذه الرواية: (مَا أَدْرِي أَعَرَفْتَ حَدِيثِي كُلَّهُ وَأَنْكَرْتَ هَذَا، أَمْ أَنْكَرْتَ حَدِيثِي كُلَّهُ وَعَرَفْتَ هَذَا؟) استفهام عن معرفة ابن عباس، وإيماءٌ إلى أنه يعرف البعض دون البعض، فالمناسب أن يقول: كنا نعرف الأحاديث ونميز بين الصحيح والسقيم، وكنا مشتغلين بالتحدث بکل ما نعلم، فلمَّا اشتغل الناس بالتحدث عنه بكل شيء، وسلكوا فيه كل مسلك = تركْنا ذلك. ٢٥٣ وفي الرواية الأخرى لمّا كان إنكار بُشير على عدم استماع ابن عباس لحديثه والتفاته إليه ناسَبَ أن يجيب بذلك، هذا إذا حُملت الروايتان على تعدد القضية، كما هو الأصل في الروايات. أمَّا لو حملنا على الاتحاد ذهاباً إلى النقل بالمعنى، فالبناء على المفعول أولى، ويضم في قوله: (تَرَكْنَا الحَدِيثَ)، تركنا استماع الحدیث ونحوه. : قوله: (فَهَيْهَاتَ) بمعنى: بَعُد، وفي التاء الحركات الثلاث منوناً وغير منون، فهذه ست لغات، وتبدل الهاء همزة، وفيه الست أيضاً. وأيهاً بإبدال الهاء همزة وحذف التاء، وأَيْآتَ بإبدال الهاءين همزتين فهذه أربع عشر لغة، ويُستعمل بمعنى البعد والإبعاد. والمعنى هاهنا: ما أبعد استقامتكم، أو ما أبعد أن يُوثق بحدیثکم، ویعوَّل علی روایتکم. * قوله: (لاَ يَأْذَنُ)، أي: لا يستمع، ومنه قوله تعالى: ﴿وَأَذِنَتْ لِمَتِهَا وَحُقَّتْ﴾ [الانشقاق: ٢]؛ أي: استمعتْ. وفيه الأُذُنُ لأنها آلة الاستماع، ولمَّا كان للأذن أكثرُ مداخلة في سماع الحديث من البصر، أضاف الفعل إلى نفسه وأدخل الأداة عليها فقال: (وَأَصْغَيْنَا إِلَيْهِ بِآذَانِنَا) تأكيداً، فإن الإصغاء لا يكون إلا بالآذان، ومثله قوله تعالى وتقدس: ﴿ فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْثُبُونَ الْكِتَبَ بِأَيْدِبِهِمْ﴾ [البقرة: ٧٩] الآية. ٢٥٤ ٢٢ - حَدَّثَنَا دَاوُدُ بنُ عَمْرِو الضَّبِّيُّ، حَدَّثَنَا نَفِعُ بنُ عُمَرَ، عَنِ ابنِ أَبِي مُلَيْكَةَ قَالَ: كَتَبْتُ إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ أَسْأَلُهُ أَنْ يَكْتُبَ لِي كِتَاباً وَيُخْفِي عَنِّي، فَقَالَ: وَلَدٌ نَصِحُ، أَنَا أَخْتَارُ لَهُ الأُمُورَ اخْتِيَاراً وَأُخْفِى عَنْهُ. قَالَ: فَدَعَا بِقَضَاءِ عَلِيٍّ، فَجَعَلَ يَكْتُبُ مِنْهُ أَشْيَاءَ وَيَمُزُّ بِهِ الشَّيْءُ فَيَقُولُ: وَاللهِ مَا قَضَى بِهَذَا عَلِيٍّ، إِلَّ أَنْ يَكُونَ ضَلَّ. * قوله: (حَدَّثَنَا دَاوُدُ) هو أبو سليمان داود بن عمرو بن زهير بن عمرو بن حُميد الضَّبي، البغدادي. عن حَمَّاد بن زيد، وشريك، ومنصور بن أبي الأسود، وجماعة. وعنه الفضل بن سهل، وموسى بن هارون، وأحمد بن الحسن الصوفي، وخلق. قال ابن معین : ليس به بأس . وقال البَغَوِي: ثقة . وقال أبو زرعة وأبو حاتم: منكر الحديث. وكلام الناس فيه کثیر، له في مسلم حديثان. توفي سنة ثمان وعشرين ومئتین. وأمّا شيخه فهو (نَافِعُ بنُ عُمَرَ) بن عبدالله بن جَميل بن عامر الجُمَحِي، المكي، أحد الحفاظ. عن سعيد بن أبي هند، وبِشْر بن أبي هند، وبِشْر بن عاصم، وعمرو بن دينار، وجماعة. وعنه ابن المبارك، ويحيى القَطَّان، وابن المهدي، وخلائق. ٢٥٥ وثَّقه القوم، وأخرج له الستة . توفي بمكة سنة تسع وستين ومئة. وأمّا شيخه فهو أبو بكر عبدالله بن عبيدالله بن زهير، وهو أَبُو مُلَيْكَةَ بن عبدالله بن جُدْعان المكي، تولى القضاء والأذان لابن الزبير، وكان من العلماء. روى عن عائشة، وأسامة، وجماعة. وعنه عطاء بن أبي رَبَاح، وعمرو بن دينار، وابن جُريج، وخلائق. وثَّقه أبو زرعة، وأبو حاتم وغيرهما، وأخرج له الستة. توفي سنة عشرة ومئة. قوله: (وَيُخْفِي عَنِّي) اضطرب كلام القوم في رواية هذه الكلمة، وفي (أحفى عنه) أنه بالخاء المعجمة أو المهملة، وفي المراد منها، واختار القاضي عياض - نقلاً عن أكثر مشايخه - المهملة في الموضعين، وقال: معناه وينقصِر عني، من إحفاء الشارب: جَزِّها. والمعنى: كتبت إليه رسالته أن يكتب لي ما يَليق بحالي ويقتصر فيه على ما يكفيني، أو يكون مِن: أَحْفى في السؤال: إذا ألحَّ. و(عَنِّي) بمعنى عليَّ، وهذا على خلاف المعنى. ومعناه: كتبت إليه أن يكتب كتاباً مفصَّلاً مستقصِياً، ويكثُر فيه الحديث عليّ. ٢٥٦ وحكى صاحب ((المطالع)) قولَ القاضي عياض، ثم قال: وفيه نظر، وقال: وعندي أنه بمعنى المبالغة في التربية والنصيحة له، من قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ، كَانَ بِى حَفِيًّا﴾ [مريم: ٤٧]، والمعنى: طلب الإشفاق منه بكتابة الصحيح من الآثار. وحاصل نظرٍ صاحب ((المطالع)) أنيه] في توجيه القاضي لفظةً (عَنِّي) ليست في معناها، بل بمعنى عليّ، ثم اختار هو وجهاً تكون فيه (عن) أيضاً ليست بمعناها، بل بمعنى الباء. وقال أبو عمرو بن الصّلاح: الاختيارُ المعجمة، ومعناه: أن يكتب له ما يحتاج إليه في الإرشاد، ويُخفي عنه الأشياء التي فيها نوع كلام وغموض في لفظه أو معناه، وهو أنسب بقوله: (وَلَدٌ نَصِحٌ)، واختار النووي هذا أيضاً، ولم يتعرَّض القرطبي لهذا الكلام أصلاً. هذا ثم المشهور رواية الحاء المهملة، والأَوجَهُ أن يكون من الحَفْوِ وهو المنع؛ أي: يمنع عني ما لا يليق بحالي، ومنه قوله عليه السلام: ((حَفَوْتَ)) للذي عطس عنده فوق الثلاث، أي: منعتَ أن نشمِّتك، إذ لا تشميتَ بعد الثلاث. ويحتمل أن يكون بمعنى العَالِمِ، كما قيل: في قوله تعالى ﴿كَأَنَّكَ حَفِىٌّ عَنْهَا﴾ [الأعراف: ١٨٧]؛ أي: عالم بها، وأصله البليغ في السؤال؛ لأن من استكثر السؤال عن الشيء أحاط علمه به. والمعنى: سألته كتابة الصحيفة إِليَّ، والعلم بحالي. ٢٥٧ * وقوله: (وَلَدٌ نَاصِحٌ) أشدُّ مناسبةً له. * قوله: (وَيَمُرُّ بِهِ الشَّيْءُ) فيه إيماءٌ إلى أنَّ ذلك الشيء لقبحه كأنه يمرّ به، وهو لا يريد النظر إليه، ومناسِبةٌ للمِرّة والأمر، وهي الداهية. * قوله: (مَا قَضَى بِهَذَا عَلِيٍّ إِلاَّ أَنْ يَكُونَ ضَلَّ). فيه نفي قضاء عليٍّ على وَجْه برهاني، فإنَّ عدَمَ ضلال عليٍّ معلوم محقّق، ومن قضى بهذا فقد ضل، فلا يقضي عليٍّ بهذا. وفيه إشعار إلى أن ضلال هذا الشيء محقّق حيث يَضِلِ من قضى به، وإن كان من أقوم الناس قضاء، وزيادة (كان) يؤكد الغرض. وقال القاضي: يحتمل أن يكون الضلال هاهنا بمعنى الخطأ، كما في قوله تعالى ﴿فَعَلْنُهَآَ إِذَا وَأَنَاْ مِنَ الضَّآلِينَ﴾ [الشعراء: ٢٠]؛ أي: من المخطئين، وقيل: من الناسين، ولا يخفى لطف وجه القضاء الذي ذكرنا. ٢٣ - حَدَّثَنَا عَمْرٌو النَّاقِدُ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بنُ عُبَيْنَةَ، عَنِ هِشَامِ بنِ حُجَيْرٍ، عَنْ طَاوُس قَالَ: أُنِّيَ ابنُ عَاسٍ بِكِتَابٍ فِيهِ قَضَاءُ عَلِيٍّ فَمَحَاهُ إِلَّ قَدْرَ، وَأَشَارَ سُفْيَانُ بنُ عُبَيْنَةَ بِذِرَاعِهِ. قوله: (فَمَحَاهُ إِلَّ قَدْرَ) منصوبٌ غيرُ منون لأنه مضاف، والمضاف إليه منويٌّ مدلول عليه بقوله: ٢٥٨ (وَأَشَارَ سُفْيَانُ بنُ عُيَيْنَةَ بِذِرَاعِهِ) والتقدير: إلا قدْر ذراعه، والمعنى: أنه درج مستطيل ترك قدر الذراع منه، ومَحًا الباقي. وفيه إيماءٌ إلى أن الممحوَّ أكثرُ من المتروك؛ لأنه استثنى المتروك، ولو كان بالعكس لكان المناسب أن يقول: فمحا منه شيئاً أو أشیاء. وفي هذا الأثر زيادة المحو الذي ليس في الأوّل، فكذا آخره. ثم لمّا كان وجود ما فيه إضلال في صحيفة قضاء عليٍّ ه، ومحو ابن عباس ذلك مما يحرِّك رَوْع السامع لطلب سبب وقوعه = أزال ذلك بإیراد الأثرین بعد ذلك : ٢٤ - حَدَّثَنَا حَسَنُ بنُ عَلِيِّ الحُلْوَانِيُّ، حَدَّثَنَا يَحْبَى بنُ آدَمَ، حَدَّثَنَا ابْنُ إِدْرِيسَ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَن أَبِي إِسْحَاقَ قَالَ: لَمَّا أَحْدَثُوا تِلْكَ الأَشْيَاءَ بَعْدَ عَلِيٍّ ◌َ﴾ ◌َّهُ قَالَ رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابٍ عَلِيٍّ: قَاتَلُهُمُ اللهُ، أَّ عِلْمٍ أَفْسَدُوا. ٢٥ - حَذَّثَنَا عَلِيُّ بِنُ خَشْرَمِ، أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ - يَعْنِي ابْنَ عَيَّاشٍ - قَالَ: سَمِعْتُ المُغِيرَةَ يَقُولُ: لُّمْ يَكُنْ يَصْدُقُ عَلَى عَلِيٍّ ﴾ فِي الحَدِيثِ عَنْهُ إِلَّ مِنْ أَصْحَابِ عَبْدِ اللهِ بنِ مَسْعُودٍ. والمعنى: لمَّا أحدث الناس الأشياء المنكرة، وأظهروا المذاهب ٢٥٩ الباطلة، وجنح كلٌّ إلى ترويج مقالته، طَفِقِ قومٌ من الرافضة وكتبوا في صحيفة قضاء عليّ ﴿ه أشياء فاسدة من تلقاء أنفسهم تقويةً لمقالاتهم وتحسيناً لمذاهبهم، فخُلِط الحقُّ بالباطل، وعَسُر التمييز على الراسخ والفاضل. (قَالَ رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِ عَلِيٍّ) وهو ابن عباس عظُ: (قَاتَلَهُمُ الله)؛ أي: لعنهم وباعدهم من رحمته؛ يعني: استوجبوا أن يقال لهم ذلك؛ لأنهم أفسدوا علماً جليلاً وأيَّ علم؛ فإنَّ تسبُّبَ كتابة أشياء من أقاويلهم أذْهَبَ الوثوق من الصحيفة، ثم أكَّد تحريف القوم بالصحائف التي فيها الأحاديث وقضايا عليٍّ ◌َه، وأنهم غيّروا أشياء كثيرة عن مواردها، وحرفوا أموراً ظاهرة عن مواضعها، وكثر الافتراء منهم عليه، حتى إنه لم يُصَدَّق على عليٍّ ◌َّه في الحديث عنه إلا مَن كان من أصحاب عبدالله بن مسعود، لعدم ميلهم إلى الأهواء الكاسدة والمذاهب الفاسدة. ثم في هذه الآثار المذكورة في هذا الباب بيانُ أنه يجب الاحتياط في أَخْذ الحديث، ولا تُقْبل الرواية إلا عمّن عُلم صِدقُهُ، وتُمنع الرواية عن الضعفاء. وإشارة إلى أنله بعد ظهور المذاهب الفاسدة، وميل كل قوم إلى مذهبٍ حصَلَ الفحص عن حال الرواة لذهاب الوثوق بعد وجود ذلك، وأما قبل ظهور ذلك فلا حاجة فيه؛ لأنه قَرْن الصحابة، وكلهم أخیار عدول. ٢٦٠