Indexed OCR Text
Pages 221-240
وعن أحمد: أن هُشيماً لم يَسمع من يزيدَ بن أبي زياد، ولا من عاصم بن كُليب، ولا من الحسن بن عبدالله، ولا من أبي خَلْدَة، ولا من سيَّار، ولا من علي بن زيد، وقد حدَّث عنهم. توفي سنة ثلاث وثمانين. وأما شيخه فهو أبو المعتمِر (سليمان) بن طَرْخَان التيمي، البصري، أحد الأعلام، وكان من سادات التابعين علماً وعملاً. عن أنس بن مالك، ويزيد بن الشِّخِّيْرِ، والحسن، وطاوس، وخلائق. وعنه ابنه المعتمر، والسفيانان، وابن المبارك، وآخرون. قال شعبة: ما رأيت أحداً أصدق من سليمان. وقال الثوري: حُفّاظ البصرة ثلاثة؛ سليمان التيمي، وعامر الأحول، وداود بن [أبي] هند. وقال يحيى بن سعيد القَطَّان: ما جلست إلى رجل أخوفَ لله من سليمان التيمي. وبالجملة: ثناء الناس عليه كثير، ولا ريب في وثوقه وعلوِّ درجته، وأخرج له الستة. قیل : إنه کان یدلِّس عن الحسن. توفي بالبصرة سنة ثلاث وأربعين ومئة. وأما شيخه فهو (أبو عثمان) عبد الرحمن بن مُلِّ (النَّهْدي)، ٢٢١ سيجيء في آخر الديباجة. وأما (عُمَرُ) فهو أبو حفص عمر بن الخطاب بن نُفُيل بن عبد العزَّى بن رَبَاح بن عبدالله بن قُرْط بن رَزَاح بن علي بن کعب بن لؤي، العَدَوي، أول من سُمي أميرَ المؤمنين، وأول من نوَّر المساجد، وأُرَّخ التاريخ في الإسلام، ووضع الديوان، وثاني الشيخين والفجيعين، وأحد الثلاثة الشهداء من الخلفاء، وأحد الأربعة منهم، وأحد القضاة الخمسة من الصحابة، وأحد الستة من الصحابة من بني الخطاب منهم من بني نُقيل، وأحد الثمانية الذين اشتاقت إليهم الجنة، وأحد التسعة أهل اللواء من الصحابة، وأحد العشرة المشهود لهم بالجنة. ومناقبه كثيرة وسيجيء في الكتاب طَرَف منها . رُوي له عن رسول الله ◌َّ ر خمس مئة حديث وتسعة وثلاثون حديثاً، اتفقا على ستة وعشرين، وانفرد البخاري بأربعة وثلاثين، ومسلم بأحد وعشرين، وأخرج له الأربعة أيضاً. روى عنه نحو خمسين من الصحابة، وخلائق من التابعين، وليس في الصحابة عمر بن الخطاب غيره، ولد بعد الفيل بثلاث عشرة سنة، واستشهد سنة ثلاث وعشرين من الهجرة وعمره ثلاث وستون على الصحيح، وخلافته عشر سنين وخمسة أشهر على الأصح. ! قوله: (بِحَسْبِ المَرْءِ مِنَ الكَذِبِ)، يقال: حسبي كذا وبحسبي كذا، أي: كفاني، والمعنى: كفاية المرء من الكذب الحديثُ بكل ما سمع، وفي لفظِ (الحَسْبِ) إيماءٌ إلى وجوب الترك. ٢٢٢ وفيه مناسبة لتذكير الحساب وأنه يحاسب عليها . وإدخالُ الباء وتنكير الكذب في الحديث الأول، ولفظ الحسبة، وإدخالُ (مِن) التبعيضية في هذا الحديث = شواهدُ على أنه يكفي في التسمية بالكذَّاب، وفي الحساب عليه في دارِ العقاب الإتيانُ بكذبةٍ ما منطويةٍ تحت التحدث بكل ما سمع. ويفيد أن عدم علمه وعدم تعمُّده لا يخرجه عن ذلك، لِمَا مرَّ من أَنَّ في عدم الاحتراز عن التحدث بكل ما سمع شائبةَ التفريط ومقاربةً التعمّد . ١٠ - وَحَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ أحمد بنُ عَمْرِو بنِ عَبْدِ اللهِ بنِ عَمْرٍو ابنِ سَرْحٍ قَالَ: أَخْبَرَنَاَ ابنُ وَهْبٍ، قَالَ: قَالَ لِي مَالِكٌ: اعْلَمْ أَنَّهُ لَيْسَ يَسْلَمُ رَجُلٌ حَدَّثَ بِكُلِّ مَا سَمِعَ، وَلاَ يَكُونُ إِمَاماً أَبَداً وَهُوَ يُحَدِّثُ بِكُلِّ مَا سَمِعَ. ١١ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بنُ المُثَنَّى قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَاذُ، عَن أَبِي إِسْحَاقَ، عَن أَبِي الأَحْوَصِ، عَن عَبْدِ اللهِ قَالَ: بِحَسْبِ المَرْءِ مِنَ الكَذِبِ أَنْ يُحَدِّثَ بِكُلِّ مَا سَمِعَ. ، قوله: (حَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ) هو أحمد بنُ عَمْرِو بنِ عَبْدِاللهِ بنِ عَمْرِو بنِ سَرْح الأموي مولاهم، المصري. ٢٢٣ عن ليث، وابن وهب، والوليد بن مسلم، ووَكِيع، وجماعة. وعنه الستة سوى البخاري، والترمذي، والحسن بن سفيان، وزكريا السَّاجي، وآخرون. وثَّقه النَّسائي. وقال أبو حاتم: لا بأس به. توفي سنة ستین ومئتين . وأما شيخه فهو أبو محمد عبدالله (بن وهب) بن مسلم القرشي مولاهم، المصري، أحد الأئمة. و روى عن ابن جُريج، ويونس بن يزيد، وحيوة بن شَریح، ومالك، وخلائق. وعنه ليث بن سعد شيخه، وعبد الرحمن بن مهدي، وابن أبي مریم، وحَرْمَلَة، وآخرون. قال أحمد: له عقل ودين وصلاح، ما أصحَّ حديثه وأثبته. وقال ابن معين : ثقة. وقال أحمد بن صالح: حدّث بمئة ألف حديث، ما رأيت حجازياً ولا شامیاً ولا بصرياً أكثر حديثاً منه. وبالجملة وثَّقه القوم، وأخرج له الستة. ونقل ابن عَدِي عن جماعة، عن ابن مَعين أنه كان يقول: ابن وهب ليس بذاك في ابن جُريج، ثم قال ابن عَدي بعدما أورد نُبذاً من ٢٢٤ نحو هذا الكلام في حقه: لا أعلم له حديثاً منكراً. وقال يونس بن عبد الأعلى: عُرضَ على ابن وهب القضاء، فلزم بيته، فدخلتُ عليه فقلت: لم لا تخرج إلى الناس تقضي بينهم بكتاب الله وسنة رسوله؟! فقال: أما علمت أن العلماء يُحشرون مع الأنبياء، وأن القضاة يُحشرون مع السلاطين. توفي سنة سبع وتسعين ومئة، رحمه الله. وأما (أبو إسحاق) في الإسناد الآخر فهو عمرو بن عبدالله الهَمَذَاني، السَّبِيْعِي - بفتح السين نسبة إلى أحد أجداده - وهو السَّبِيعي بن صَعْب بن معاوية. كان أبو إسحاق من أعلام التابعين . روی عن جرير بن عبدالله البجلي، وعدي بن حاتم، وجابر بن سَمُرة، وزيد بن أرقم، والبَرَاء بن عازِب، وسليمان بن صُرَد، وابن مسعود، وابن عباس، وابن عمر، وجمع من الصحابة غيرهم، وخلائق من التابعين . وعنه ابنه يونس، وحفيده إسرائيل، وقتادة، وسليمان التَّيْمي، والأعمش، وشعبة، والسفيانان، وآخرون. وقال ابن المَدِيني: روى أبو إسحاق عن سبعين أو ثمانين لم يرو عنهم غيره، وله نحو ثلاث مئة شیخ. وقال العِجْلي: سمع من ثمانية وثلاثين صحابياً. ٢٢٥ وقال أحمد وابن معين: ثقة . وقال أبو حاتم: هو أَحفظُ مِن أبي إسحاق الشيباني، ويشْبِهُ الزُّهري في الكثرة. وثناء الناس عليه كثير، وأخرج له الستة. يقال: إنه كَبِرٍ واختلط في آخر أمره، وما أُخذ عنه أولاً لا كلام [فيه]، وإنما الكلام في الذي أُخذ عنه آخراً. قال ابن مَعين : أصحاب أبي إسحاق: شعبة، وسفيان الثوري. وقال حُمَيد الرَّواسِبِي: إنما سمع ابن عيينة من أبي إسحاق بعدما اختلط. توفي سنة سبع وعشرين ومئة، وبلغ تسعاً وتسعين سنة. وأما شيخه فهو (أبو الأحوص) عوف بن مالك بن نَضْلة بن خَدِيج بن جُشَم الجُشَمي، الكوفي، التابعي. سمع من أبيه، وله صحبة، وابنٍ مسعود وأبي هريرة وأبي موسى وأبي مسعود وجماعة. وعنه عبد الملك بن عُمير، وعلي بن الأرقم، والحسن البصري، وخلائق. وثّقه القوم، وأخرج له الستة إلا البخاري. قتلته الخوارج زمن الحجاج. وأما (عبدالله) فهو أبو عبد الرحمن عبدالله بن مسعود بن عامل ٢٢٦ ابن حبيب، الهُذَلي، الصحابي، أحد السابقين إلى الإسلام، وأحد أوعية العلم من الصحابة. ومناقبه كثيرة، وسيجيء في الكتاب طَرَف منها. روی عن رسول الله آل﴾ ثمان مئة حدیث وثمانية وأربعين حديثاً، اتفقا على أربعة وستين، وانفرد البخاري بأحد وعشرين، ومسلم بخمسة وثلاثين، وأخرج له الأربعة أيضاً. روى عنه ابن عمرو، وابن عباس، وأنس بن مالك، وجماعة من الصحابة، وخلائق من التابعين. توفي سنة اثنتين وثلاثين، وهو ابن بضع وستين سنة، وصلى عليه الزبير بوصايته، ودُفن بالبقيع، وقيل: توفي بالكوفة، والأول أصح. ١٣ - وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بِنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا عُمَرُ بنُ عَلِيٍّ بنِ مُقَدَّم، عَنْ سُفْيَانَ بنِ حُسَيْنٍ قَالَ: سَأَلَنِي إِيَاسُ بنُ مُعَاوِيَةَ فَقَالَ: إِنِّي أَرَاكَ قَّدْ كَلِفْتَ بِعِلْمِ القُرْآنِ فَاقْرَأْ عَلَيَّ سُورَةً وَفَسِّرْ حَتَّى أَنْظُرَ فِيمَا عَلِّمْتَ. قَالَ: فَفَعَلْتُ. فَقَالَ لِي: احْفَظْ عَلَيَّ مَا أَقُولُ لَكَ، إِيَّكَ وَالشَّنَاعَةَ فِي الحَدِيثِ، فَإِنَّهُ قَلَّمَا حَمَلَهَا أَحَدٌ إِلَّ ذَلَّ فِي نَفْسِهِ، وَكُذِّبَ فِي حَدِيثِهِ. * قوله: (أَخْبَرَنَاَ عُمَرُ) هو أبو حفص عُمَرُ بنُ عَلِيٍّ بنِ مُقَدَّمٍ المَهْري، البصري. ٢٢٧ روى عن يحيى بن سعيد الأنصاري، وهشام بن عروة، وخالد الحذَّاء، وجماعة. وعنه أحمد، ويُنْدَار، وقُتيبة، وخلق. قال ابن معين: ما کان به بأس . وقال ابن سعد: يدلُّس تدليساً شديداً، كان يقول: (سمعتُ) و(حدَّثَنا) ثم يسكت، ثم يقول: هشام بن عروة والأعمش. وقال أبو حاتم: محلَّه الصدق لولا تدليسه. وقال ابن عدي : أرجو أنه لا بأس به. وبالجملة كلام الناس فيه كثير، وأخرج له الستة. توفي سنة تسعين ومئة. وأما شيخه فهو أبو محمد (سفيان بن حسين) بن حسن الواسطي. عن ابن سيرين، والحكم بن عُتيبة، والزُّهري، وجماعة. وعنه شعبة، وعَبَّاد بن العَوَّامِ، وهُشیم، وخلق. قال ابن معين: في غير الزُّهري. وقال ابن سعد: ثقة، يخطىء كثيراً. وقال أبو حاتم: صالح الحديث، يُکتب حديثه ولا يُحتج به. وبالجملة أخرج له الأربعة، ومسلم هنا فقط. توفِّي بالرَّيِّ في حكومة المهدي. ٢٢٨ وأما (إِيَاسُ) فهو أبو وائلة إِيَاسُ بنُ مُعَاوِيَةَ بن قُرَّة بن إياس بن هلال، المُزَني، البصري، التابعي، أحد العلماء. عن أبيه، وأنس، وسعيد بن جُبير، وجماعة. وعنه الأعمش، وأيوب، والحمَّادان، وطائفة. قال ابن معين: ثقة . وقال النَّسائي: تكلَّمُوا فيه. وبالجملة أخرج له البخاري تعليقاً، ومسلم هنا فقط. وهو الذي يضرب به المثل في الذكاء والعقل، وله نوادر كثيرة رحمه الله . * قوله: (كَلِفْتَ) بفتح الكاف وكسر (١) اللام، والكَلَفُ الوُلُوع بالشيء مع مشقة، والمعنى: اشتغلتَ وحَصَل لك به شغف. وَ(الشَّنَاعَةِ) القُبْحُ، يقال: شَنُعَ الشيء - بضم النون -: قَبُحَ، وشَنِعْتُ بالشيء - بكسرها -: أنكرتُهُ، وشَنَّعْتُ على الرجل - مشدداً -: إذا ذكرت عنه قبيحاً. والغرض التحذير عن رواية المنكر من الحديث، فإن في روايته الذلّ والخسارة في العقبى، والاسمَ القبيح في الدنيا. (١) في الأصل: ((وتشدید)) بدل ((وکسر)). ٢٢٩ ١٤ - وَحَذَّثَنِي أَبَّو الطَّاهِرِ وَحَرْمَلَةُ بنُ يَحْتَى قَالاَ: أَخْبَرَنَا ابنُ وَهْبٍ قَالَ: أَخْبَرَتِي يُونُسُ، عَن ابنِ شِهَابٍ، عَن عُبَيْدِ اللهِ بنِ عَبْدِاللهِ ابنِ عُثْبَةَ: أَنَّ عَبْدَاللهِ بنَ مَسْعُودٍ قَالَ: مَا أَنْتَ بِمُحَدِّثٍ قَوْماً حَدِيثاً لاَ تَبْلُغُهُ عُقُولُهُمْ إِلَّ كَانَ لِبَعْضِهِمْ فِتْنَةً. * قوله: (حدَّثَنَا حَرْمَلَة) وهو أبو حفص حَرْمَلَةُ بنُ يَحْيَى بن عبدالله بن حَرْمَلَة بن عِمران التُّجِيْبِي - بضم المثناة الفوقانية وكسر الجيم - المصري، أحد الأئمة. عن ابن وهب، وبشر بن بكر، ومُؤمَّل بن إسماعيل، وطائفة. وعنه مسلم، وابن ماجه، وأحمد بن الهيثم الثّغري، وخلق. وثقه ابن مَعین . وقال محمد بن موسى: حديث ابن وهب كله عند حَرْمَلَة. وقال أبو حاتم: يُکتب حديثه ولا يُحتج به. وبالجملة كفاه ثناء ابن مَعين عليه، وهو أصغر من ابن مَعين، وأخرج له مسلم والنَّسائي وابن ماجه. توفي سنة ثلاث وأربعين ومئتين. وأما شيخه(١) فهو أبو يزيد (يونس) بن يزيد [بن أبي] النِّجَاد الأَّيْلِي القُرَشي. (١) هو شيخ ابن وهب لا حرملة، فتنبه. ٢٣٠ عن القاسم، ونافع، وعكرمة، وخلائق، وأكثرَ الروايةَ عن الزُّهري. وعنه الأوزاعي، والليث، وابن المبارك، وآخرون. وثَّقه القوم، واتفقوا على جلالته ومعرفته خصوصاً بأحاديث الزُّهري. وأخرج له الستة. وقد شذَّ ابن سعد في قوله: ليس بحجة. توفي سنة ستین ومئة. وأما شيخه فهو أبو بكر محمد بن مسلم بن عبيدالله بن عبدالله (ابن شهاب) بن عبدالله بن زُهرة بن كلاب بن مُرَّة بن كعب بن لؤي الزّهري، القرشي، المدني، أفضل الثقات، وأحد المحدِّثين الأثبات. روى عن ابن عمر، وسهل بن سعد، وأنس بن مالك، وجماعة من الصحابة والتابعين، وعن أبي هريرة، وجابر بن عبدالله، وأبي سعید الخُدرِي، ورافع بن خَدِیج مرسلاً. وعنه أيوب، وابن عُلَيَّة، ومالك، والليث، وخلائق. و جلالته ووثوقه أشهر من أن يذكر. أخرج له الستة . توفي سنة أربع وعشرين ومئة. وأما شيخه فهو أبو عبدالله (عُبَيْدِ اللهِ بنِ مسعود) الهُذَلي، المدني، أحد الفقهاء السبعة. ٢٣١ عن أبيه، وعائشة، وأبي هريرة، وزيد بن خالد وجماعة من الصحابة والتابعين. وعنه الزُّهري، وأبو زياد، وعِرَاك، وخلائق. اتفقوا على وثوقه وعلوِّ مرتبته. أخرج له الستة. توفي سنة ثمان وتسعين على الأصح. * قوله: (مَا أَنْتَ بِمُحَدِّثٍ قَوْماً حَدِيثاً لاَ تَبْلَغُهُ عُقُولُهُمْ)، أي: لا يبلُغ فهمُهم إلى معناه، ولا يعرفون حقيقته، فيصير سبباً لوقوعهم في الضلال. والمراد بالفتنة هاهنا: الضلال، وهي في الأصل الامتحان، فتنتَ الذهبَ بالنار: إذا امتحنتَه، ثم استُعمل في معانٍ كثيرة من الإثم، والكفر، والقتال، والإحراق، والإزالة، والصَّرْف عن الشيء، وغير ذلك على ما سيجيء في كل موضع بيانُ ما يناسبه من المعنى. وغرض ابن مسعود بيانُ أن المحدِّث ينبغي أن ينظر إلى حال مستمعيه، فيُحدِّثهم بقدر عقولهم، ولا يَروي عندهم ما يكون فيه غموض وإشكال، وإن كان ذلك الحديث صحيحاً محقّقاً؛ لئلا يكون ذلك سبباً لوقوعهم في الضلال. وغرض مسلم من إيراده هاهنا: أنه بمعنى النهي عن التحدث ٢٣٢ بكل ما سمع، وليُعلِمَ أن النهي لا يكون منحصراً فيما لا يتحقَّق صحةً ما رُوي، بل يجري في المحقّق أيضاً، إذا كان مما يُوقع المستمع في التحيُّر، ولا يهتدي إلى الصواب في معناه. ٢٣٣ . . (٣) النهي في التحدث عن المجهولين [٤ - باب النَّهْي عَنِ الرِّوَايَةِ عَنِ الضُّعَفَاءِ وَالاحْتِيَاطِ فِي تَحَمُّلِهَا ] ١٥ - (٦ / ٦) - وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بنُ عَبْدِاللهِ بنِ نُمَيْرٍ وَزُهَيْرُ بنُ حَرْبٍ قَالاَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بنُ يَزِيدَ قَالَ: حَدَّثَنِي سَعِيدُ بنُ أَبِي أَيُّوبَ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو هَانِئٍ، عَنْ أَبِي عُثْمَانَ مُسْلِمٍ بِنِ يَسَارٍ، عَن أَبِي هُرَيْرَةَ، عَن رَسُولِ اللهِلَّهِ: أَنَّهُ قَالَ: ((سَيَكُونُ فِي آخِرِ أُمَّتِي أُنَاسٌ يُحَدِّثُونَكُمْ مَا لَمْ تَسْمَعُوا أَنَُّمْ وَلاَ آبَاؤُكُمْ، فَإِيَّاكُمْ وَإِيَّاهُمْ). ١٦ - (٧ / ٧) - وَحَدَّثَنِي حَرْمَلَةُ بنُ يَحْتَى بنِ عَبْدِ اللهِ بنِ حَرْمَلَةَ ابنِ عِمْرَانَ التّجِيبِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبَو شُرَيْحٍ: أَنَّهُ سَمِعَ شَرَاحِيلَ بنَ يَزِيدَ يَقُولُ: أَخْبَرَتِي مُسْلِمُ بنُ يَسَارٍ: أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﴾: (( يَكُونُ فِى آخِرِ الزَّمَانِ دَجَّالُونَ كَذَّابُونَ، يَأْتُونَكُمْ مِنَ الأَحَادِيثِ بِمَا لَمْ تَسْمَعُوا أَنْتُمْ وَلاَ آبَاؤُكُمْ، فَإِيَّكُمْ وَإِيَّاهُمْ، لاَ يُضِلُّونَكُمْ وَلاَ يَفْتِنُونَكُمْ). ٢٣٥ (حَدَّثَنَا عَبْدُاللهِ) هو أبو عبد الرحمن عَبْدُاللهِ بنُ يَزِيدَ، المُقْرِي، روی عن عبد الرحمن بن زیاد، و گھمس، وحَيْوَة بن شریح، وُ القصير، مولى آل عمر بن الخطاب. وجماعة. وعنه البخاري، وأحمد، وابن راهَوَيْه، وابن المَدِيني، وخلائق. وثَّقه النَّسائي وغيره. وأخرج له الستة. توفي سنة ثلاث عشرة ومئتين. وأمّا شيخه فهو أبو يحيى (سعيد بن أبي أيّوب) مِقْلاَص الخُزاعي مولاهم، المدني. عن جعفر بن ربيعة، وكعب بن علقمة، ويزيد بن أبي حبيب، وخلق. وعنه ابن جُرَيج وهو أكبر منه، وابن المبارك، وابن وهب، وجماعة. قال ابن معين : ثقة. وقال أحمد: لا بأس به. وبالجملة أخرج له الستة. توفي سنة إحدى وستين ومئة، على الأصح. وأمّا شيخه فھو (آبُو هَانِئٍ) - بهمزة في آخره - حُمید بن هانیء الخَوْلاني، المصري. ٢٣٦ عن علي بن رَبَاح، ومسلم بن يَسَار، وعمر بن مالك، وغيرهم. وعنه حَيْوَة بن شُرَيح، وسعيد بن أبي أيوب، وجماعة. تكلم فيه قوم، وأخرج له الستة إلا البخاري. توفي سنة اثنتين وأربعين ومئة. وأمّا شيخه فهو (أبو عثمان مسلم بن يسار) الطُّنُدي، المصري، التابعي. عن أبي هريرة، وابن عمر، وخلق من التابعين. وعنه بكر بن عمر، وحُميد بن هانئء، وابن أنّعُم، وغيرهم. قال أكثر القوم: لم يبلُغ حديثه درجة الصحة، وذكره ابن حِبَّان في ((الثقات)). لم يخرج له البخاري، وأخرج له مسلم هاهنا فقط، وأخرج له الأربعة إلا النَّسائي. وأمّا (أَبَّو شُرَيْح) في الإسناد الآخر - وفي بعض النسخ: ابن شُريح، وكلاهما صحيحٌ - فإنه أَبُو شُرَيْحِ عبد الرحمن بن شُريح بن عُبيد الله المَعَافِرِي، العبد الصالح. روى عن أبي هانىء، وسهل بن أبي أمامة، وأبي الزبير، وخلائق. وعنه ابن المبارك، وابن وهب، وزيد بن الحُباب، وآخرون. وثَّقه القوم، وأخرج له الستة. وانفرد ابن سعيد بقوله: منگر الحدیث، فلا يُلتفت إليه. ٢٣٧ وأمّا شيخه (فهو شَرَاحِيلُ بن يَزِيدَ) المَعَافِرِي. عن أبي قِلاَبة، وأبي عبد الرحمن الحَبَلي، ومحمد بن هُدَيَّة الصَّدَفِي. وعنه حَيْوَة بن شُرَيح، وعبدالله بن لَهِيْعَة، وجَمْع . ذكره ابن حِبَّان في ((الثقات))، وأخرج له أبو داود، ومسلم هاهنا فقط . توفي بعد العشرين ومئة. وجميع رجال هذا الإسناد مصريّون إلا أبا هريرة. * قوله: (دَجَّالُونَ كَذَّابُونَ) الدَّجَّال: الكذَّاب المُمَوِّهُ، وأصل الدَّجَل(١) الخلط، ويُستعمل في التدليس والتمويه؛ لأن فيهما الخلط. ويقال للأعور الكذاب دجّال؛ إِمَّا لتمويهه وادعائه ما ليس له، وإِمَّا لضربه في الأرض وقطعه بسرعة، من دجل في الأرض - بالفتح والضم - إذا ضرب فيها، وجمع التكسير دَجَاجِلَة، ومنه قول مالك في أبي إسحاق: دجَّال من الدَّجاجلة، أخرجناه من المدينة. وهذا الحديث من أعلام النبوة، فإنه - عليه السلام - أخبر بأنه سیوجد بعدہ کذّابون يُضلون الناس بما يضعونه ویفترونه علیه، وكان كما أخبر، فإن الزنادقة والمبتدعة وضعُوا أحاديث كثيرةً ترويجاً لمذاهبهم الباطلة، وقد جمع أصحاب الحديث طَرَفاً منها تنبيهاً للناس عليها، وبياناً (١) في الأصل: ((الدلج)). ٢٣٨ لهم ليحترزوا عن العمل بها، ومع ذلك أكثرُ كتب التفاسير والفقه مشحونةٌ بالموضوعات، إلا مَن عصمه الله، وحصَل له الاطلاع على علم الحديث وأحوال رجاله، فإنه لم يورد في كتابه شيئاً منها . * قوله: (لاَ يُضِلُّونَكُمْ وَلاَ يَفْتِنُونَكُمْ) قال القرطبي: صحَّت الرواية بإثبات النون فيهما، والصواب حذفها؛ لأن ثبوتها يقتضي أن يكون إخبارٌ عن نفي وقوع الإضلال والفتنة، وهو خلاف المقصود، وعند حذفها يحتمل وجھین : أن يكون جواباً للأمر الذي تضمَّنه (إياكم)، كأنه قال: احذروا لا یضلوکم. وأن يكون نهياً، فيكون من باب: لا أَرينك هاهنا، والمعنى: لا تتعرضوا لفتنتهم ولا لإضلالهم. هذا كلامه وفيه نظر، فإن إثبات النون كما هو الرواية صوابٌ من باب إخراج النهي في صورة الخبر، وهو من صریح النهي، كأنه سورع إلى الانتهاء، فهو يخبر عنه، وعليه قوله تعالى: ﴿لَا تَعْبُدُونَ إِلَا اُللَّهَ ﴾ [البقرة: ٨٣] الآية، على وجه. ويحتمل أن يكون الأصل: (أنْ لا يضلوكم)، فلما حذف (أنْ) رفعَ، کقوله: أَا أَيُّهَذا الزَّاجِرِي أَحْضُرُ الوَغَى فعلم أن إثبات النون كما هو الرواية صحيح، جعل أمراً ونهياً، ٢٣٩ وإنما أَورد الرواية الثانية وأخَّرها؛ لأن فيها زيادةً ليست في الأولى لا يَحسُن فصلها عن جملة الحديث، فأورد الحديث جملة ثانياً. ١٧ - وَحَدَّثَنِي أَبُو سَعِيدِ الأَشَجُّ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ، عَنِ المُسَيَّبِ بنِ رَافِعٍ، عَن عَامِرِ بنِ عَبَدَةَ قَالَ: قَالَ عَبْدُاللهِ: إِنَّ الشَّيْطَانَ لَيَتَمَثَّلُ فِي صُورَةِ الرَّجُلِ فَيَأْتِي القَوْمَ فَيُحَدِّثُهُمْ بِالحَدِيثِ مِنَ الكَذِبِ فَيَّقُونَ، فَيَقُولُ الرَّجُلُ مِنْهُمْ: سَمِعْتُ رَجُلاً أَعْرِفُ وَجْهَهُ وَلاَ أَدْرِي مَا اسْمُهُ يُحَدِّثُ. ١٨ - وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَاَ مَعْمَرٌ، عَنِ ابْنِ طَاوُسٍ، عَنْ أَبِهِ، عَن عَبْدِاللهِبنِ عَمْرِو بنِ العَاصِ قَالَ: إِنَّ فِي البَحْرِ شَيَاطِينَ مَسْجُونَةً أَوْثَقَهَا سُلَيْمَانُ يُوشِكُ أَنْ تَخْرُجَ فَتَقْرَأَ عَلَى النَّاسِ قُرْآناً. : قوله: (حَدَّثَنِي أَبُو سَعِيدٍ) فهو عبدالله بن سعيد بن حُصين، الكندي، الكوفي، الحافظ، أحد الأئمة الأعلام. عن أبي خالد الأحمر، ووکیع، وهُشیم، وخلائق. وعنه الستة، وأبو زُرعة، وابن خُزيمة، وآخرون. اتفقوا على وثوقه، وأخرج له الستة. توفي سنة سبع وخمسين ومئتين. ٢٤٠