Indexed OCR Text

Pages 381-400

٣٨١
كتاب: الزهد والرقائق
٧٤١٣ - (٥٤) حدّثني زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ، (وَاللَّفْظُ
لِزُهَيْرِ)، قَالاَ: حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ بْنُ مَالِكِ، عَنْ عَاصِمِ بْنِ كُلَيْبٍ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ، قَالَ: دَخَلْتُ
عَلَى أَبِي مُوسَى، وَهُوَ فِي بَيْتٍ بِنْتِ الْفَضْلِ بْنِ عَبَّاسٍ. فَعَطَسْتُ فَلَمُ يُشَمِّتْنِي. وَعَطَسَتْ
فَشَمَّتَهَا. فَرَجَعْتُ إِلَى أُمِّي فَأَخْبَرْتُهَا. فَلَمَّا جَاءَهَا قَالَّتْ: عَطَسَ عِنْدَكَ ابْنِي فَلَمْ تُشَمِّتْهُ،
وَعَطَسَتْ فَشَمَّتَّهَا. فَقَالَ: إِنَّ ابْنَكِ عَطَسَ، فَلَمْ يَحْمَدِ اللَّهَ، فَلَمْ أُشَمِّتْهُ. وَعَطَسَتْ،
فَحَمِدَتِ اللَّهَ، فَشَمَّتُهَا. سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ◌ِ﴿ يَقُولُ: (إِذَا عَطَسَ أَحَدُكُمْ فَحَمِدَ اللَّهَ
فَشَمِّتُوهُ، فَإِنْ لَمْ يَحْمَدِ اللَّهَ، فَلاَ تُشَمِّتُوهُ)).
٧٤١٤ - (٥٥) حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ. حَدَّثَنَا وَكِيعٌ. حَدَّثَنَا عِكْرِمَةُ بْنُ
عَمَّارٍ، عَنْ إِيَاسِ بْنِ سَلَمَةَ بْنِ الأَْوَعِ، عَنْ أَبِهِ. حَ وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، (وَاللَّفْظُ
لَهُ)، حَدَّثَنَا أَبُوَ النَّضْرِ هَاشِمُ بْنُ الْقَّاسِم. حَدَّثَنَا عِكْرِمَةُ بْنُ عَمَّارٍ. حَدَّثَنِي إِيَاسُ بْنُ
سَلَمَةَ بْنِ الأَكْوَعِ؛ أَنَّ أَبَاهُ حَدَّثَهُ؛ أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ وََّ، وَعَطَسَ رَجُلٌ عِنْدَهُ فَقَالَ لَهُ:
(يَرْحَمُكَ اللَّهُ)) ثُمَّ عَطَسَ أُخْرَىُ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ وَرَ: «الرَّجُلُ مَزْكُوْمٌ)).
٧٤١٥ - (٥٦) حدّثنا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ وَقُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ وَعَلِيُّ بْنُ حُجْرِ السَّعْدِيُّ.
٥٤ - (٢٩٩٢) - قوله: (دخلت على أبي موسى) هذا الحديث أخرجه المصنف فقط من
بين الأئمة الستة، وأخرجه أحمد في مسنده (٤: ٤١٢)، والحاكم في المستدرك (٤: ٢٦٥)،
والبغوي في شرح السنة (١٢ :٣١٢).
قوله: (في بيت بنت الفضل بن عباس) هي أم كلثوم بنت الفضل بن عباس امرأة أبي
موسى الأشعري، تزوجها بعد فراق الحسن بن عليّ لها، وولدت لأبي موسى ومات عنها،
فتزوجها بعده عمران بن طلحة ففارقها، وماتت بالكوفة ودفنت بظاهرها، كذا في شرح النووي.
قوله: (فرجعت إلى أمّي) وهي ضرّة لبنت الفضل بن عبّاس، وكأنها غارت على ابنها.
٥٥ _ (٢٩٩٣) - قوله: (أن أباه حدثه) يعني: سلمة بن الأكوع ظلُله، وهذا الحديث
أخرجه أبو داود في الأدب، باب كم مرة يشمّت العاطس (٥٠٣٧)، والترمذي في الأدب، باب
ما جاء كم يشمّت العاطس (٢٧٤٣)، وابن ماجه في الأدب، باب تشميت العاطس (٣٧٥٨)،
وأحمد في مسنده (٤: ٤٦ و ٥٠)، وابن حبان عند ابن بلبان (١ : ٤٠٣).
قوله: (الرجل مزكوم) إنما قال ذلك في المرة الثانية لما علم أنه مزكوم، وإلا فقد ورد في
الأحاديث الأخرى أنه ينبغي التشميت إلى ثلاث مرّات. وقد بسطنا الكلام على ذلك في كتاب
السلام.

٣٨٢
الجزء السادس من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
قَالُوا: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، (يَعْنُونَ ابْنَ جَعْفَرٍ)، عَنِ الْعَلَاءِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ؛ أَن
رَسُولَ اللهِ وَيِّ قَالَ: ((التَّنَاؤُبُ مِنَ الشَّيْطَانِ. فَإِذَا تَشَاءَبَ أَحَدُكُمْ فَلْيَكْظِمْ مَا اسْتَطَاعَ)).
٧٤١٦ - (٥٧) حدّثني أَبُو غَسَّانَ الْمِسْمَعِيُّ، مَالِكُ بْنُ عَبْدِ الْوَاحِدٍ. حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ
٥٦ - (٢٩٩٤) - قوله: (عن أبي هريرة) هذا الحديث أخرجه البخاري في بدء الخلق، باب
صفة إبليس وجنوده (٣٢٨٩)، وفي الأدب، باب ما يستحب من العطاس وما يكره من التثاؤب
(٦٢٢٣)، وباب إذا تثاءب فليضع يده على فيه (٦٢٢٦)، وأخرجه أبو داود في الأدب، باب ما
جاء في التثاؤب (٥٠٢٨)، والترمذي في الصلاة، باب ما جاء في كراهية التثاؤب في الصلاة
(٣٧٠)، وفي الأدب، باب ما جاء أن الله يحبّ العطاس ويكره التثاؤب (٢٧٤٦ و٢٧٤٧)،
وأحمد في مسنده (٢: ٤٢٨)، وابن خزيمة في صحيحه (٢: ٦١)، وابن حبان في صحيحه كما
في ترتيبه (١: ٤٠١ و٤: ٤٤)، والبغوي في شرح السنّة (١٢ : ٣٠٦).
قوله: (التثاؤب من الشيطان) التثاؤب مهموز، وثُئِب الرجل، بالبناء للمجهول، وتثاءب :
إذا أصابه كسل وفترة، كما في القاموس، ثم استعير للفعل المخصوص الذي يفتح فيه المرء فمه
لإدخال الهواء أو إخراجه. والاسم منه ثوباء. قال ابن بطال: ((إضافة التثاؤب إلى الشيطان
بمعنى إضافة للرضا والإدارة، أي: أن الشيطان يحب أن يرى الإنسان متثائباً، لأنها حالة تتغير
فيها صورته فيضحك منه، لا أن المراد أن الشيطان فعل التثاؤب)).
وقال ابن العربي: ((قد بينا أن كل فعل مكروه نسبه الشرع إلى الشيطان لأنه واستطه، وأن
كل فعل حسن نسبه الشرع إلى الملك لأنه واسطته ... والتثاؤب من الامتلاء وينشأ عنه
التكاسل، وذلك بواسطة الشيطان)) كذا في فتح الباري (١٠ : ٦١٢).
وقال النووي: ((وفي البخاري أن النبيّ وَّم قال: إن الله تعالى يحب العطاس ويكره
التثاؤب. قالوا: لأن العطاس يدل على النشاط وخفة البدن، والتثاؤب بخلافه، لأنه يكون غالباً
مع ثقل البدن وامتلائه واسترخائه وميله إلى الكسل. وإضافته إلى الشيطان لأنه الذي يدعو إلى
الشهوات، والمراد التحذير من السبب الذي يتولد منه ذلك، وهو التوسع في المأكل وإكثار
الأكل)).
قوله: (إذا تثاءب أحدكم) أي: إذا أراد أن يتثاءب، أو كاد أن يتثاءب. وقد وقع في بعض
النسخ (تثاوب) بالواو، وذكر أكثر أهل اللغة أنه خطأ لغة، ومنهم من صححه من جهة أن الهمز
قد تبدل واواً. وكذلك يقال في الروايات الآتية التي وردت بالواو.
قوله: (فليكظم ما استطاع) أي: فليأخذ في أسباب ردّه، مثل أن يمسك شفته السفلى
بثناياه، أو بطريق آخر. والتجربة أن عدم الالتفات إلى التثاؤب والاشتغال بعمل ينافي الكسل
يفيد في كظم التثاؤب. ومن أقوى طرق ردّ التثاؤب أن يستحضر هذا الحديث.

٣٨٣
كتاب: الزهد والرقائق
الْمُفَضَّلِ. حَدَّثَنَا سُهَيْلُ بْنُ أَبِي صَالِحِ، قَالَ: سَمِعْتُ ابْناً لأَبِي سَعِيدٍ الْخُذْرِيِّ يُحَدِّثُ أَبِي،
عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَِّ: ((إِذَا تَكَاوَبَ أَحَدُكُمْ، فَلْيُمْسِكْ بِيَدِهِ عَلَى فِيهِ. فَإِنَّ
الشَّيْطَانَ يَدْخُلُ» .
٥٧ - (٢٩٩٥) - قوله: (سمعت ابناً لأبي سعيد) هو عبد الرحمن بن أبي سعيد، كما صرّح
به عبد العزيز بن محمد، عن سهيل في الرواية الآتية.
قوله: (عن أبيه) يعني: عن أبي سعيد الخدريّ رُه. وهذا الحديث أخرجه أيضاً أبو داود
في الأدب، باب ما جاء في التثاؤب (٥٠٢٦ و٥٠٢٧)، والدارمي في الصلاة من سننه، باب
التثاؤب في الصلاة (١٣٨٩)، وأحمد في مسنده (٣: ٣٧ و٩٣ و٩٦). وابن خزيمة في
صحيحه (٢: ٦٠) والبغوي في شرح السنّة (١٢ : ٣١٥).
قوله: (فليمسك بيده على فيه) قال الحافظ: ((يتناول ما إذا انفتح بالتثاؤب فيغطى بالكف
ونحوه، وما إذا كان منطبقاً، حفظاً له عن الانفتاح بسبب ذلك. وفي معنى وضع اليد على الفم
وضع الثوب ونحوه مما يحصل ذلك المقصود)) ثم ذكر أن المصلي يفعل ذلك أيضاً، وأنه يستثنى
عن النهي من أن يغطي الرجل فاه في الصلاة. وهذا النهي مروي عند ابن ماجه (رقم: ٩٥٣) في
باب ما يكره في الصلاة.
قوله: (فإنّ الشيطان يدخل) قال الحافظ في الفتح: (١٠: ٦١٢): ((يحتمل أن يراد به
الدخول حقيقة، وهو وإن كان يجري من الإنسان مجرى الدم، لكنه لا يتمكن منه ما دام ذاكراً لله
تعالى، والمتثائب في تلك الحالة غير ذاكر، فيتمكن الشيطان من الدخول فيه حقيقة. ويحتمل أن
يكون أطلق الدخول وأراد التمكن منه)) يعني بالوسوسة.
وقد ورد عند البخاري في حديث أبي هريرة (رقم: ٦٢٢٦): ((فإن أحدكم إذا تثاءب،
ضحك منه الشيطان)» وذلك لأنه يفرح بما يورث الكسل، ويشوّه صورة الإنسان. وورد عند ابن
ماجه (في باب ما يكره في الصلاة) في حديث أبي هريرة: «فليضع يده على فيه، ولا يعوي، فإن
الشيطان يضحك منه)) وهو نهي عن إخراج الصوت عند التثاؤب، شبهه بعُواء الكلب تنفيراً عنه
واستقباحاً له، فإن الكلب يرفع رأسه ويفتح فاه ويعوي. والمتثائب إذا أفرط في التاؤب شابهه.
ثم إن أحاديث هذا الباب مطلقة في الأمر بكظم التثاؤب، سواء كان في حالة الصلاة أو
في غيرها، وقد وردت بعض الأحاديث مقيدة بالصلاة. كما أخرج الترمذي حديث أبي هريرة
بلفظ: ((التثاؤب في الصلاة من الشيطان، فإذا تثاءب أحدكم فليكظم ما استطاع)) وكذا أخرجه
النسائي. فحمل بعض العلماء الشافعية المطلق على المقيّد، فزعم أن النهي منحصر في حالة
الصلاة، ولكن ذهب أكثرهم إلى أن أصل الأمر مطلق، ولكنه يتأكد في حالة الصلاة أكثر منه في
غيرها .

٣٨٤
الجزء السادس من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
٧٤١٧ - (٥٨) حدّثنا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ. حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ، عَنْ سُهَيْلٍ، عَنْ
عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ، عَنْ أَبِيهِ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَلَ قَالَ: ((إِذَا تَثَاوَبَ أَحْدُكُمْ،
فَلْيُمْسِكْ بِيَدِهِ. فَإِنَّ الشَّيْطَانَ يَدْخُلُ» .
٧٤١٨ - (٥٩) حدّثني أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ. حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ
سُهَيْلٍ بْنِ أَبِي صَالِحٍ، عَنِ ابْنِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَّ:
((إِذَا تَتَاوَبَ أَحَدُكُمْ فِي الصَّلاَةِ، فَلْيَكْظِمْ مَا اسْتَطَاعَ. فَإِنَّ الشَّيْطَانَ يَدْخُلُ)) .
٧٤١٩ - (٠٠٠) حدّثناه عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ. حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ سُهَيْلٍ، عَنْ أَبِيهِ،
وَعَنِ ابْنِ أَبِي سَعِيدٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَّهَ: بِمِثْلٍ حَدِيثٍ بِشْرٍ
وَعَبْدِ الْعَزِيزِ.
(١٠) - باب: في أحاديث متفرقة
٧٤٢٠ - (٦٠) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِع وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ. (قَالَ عَبْدٌ: أَخْبَرَنَا. وَقَالَ
ابْنُ رَافِعٍ: حَدَّثَنَا) عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَغَّمَرٌ؛ عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ.
قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ بَلّهِ: ((خُلِقَتِ الْمَلائِكَةُ مِنْ نُورٍ، وَخُلِقَ الْجَانُّ مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ،
وقال الحافظ في الفتح: ((ومما يؤمر به المتثائب إذا كان في الصلاة أن يمسك عن القراءة،
حتى يذهب عنه لئلا يتغير نظم قراءته. وأسند ابن أبي شيبة نحو ذلك عن مجاهد وعكرمة
والتابعين المشهورين. ومن الخصائص النبوية ما أخرجه ابن أبي شيبة والبخاري في التاريخ من
مرسل يزيد بن الأصمّ قال: ما تثاءب النبيّ وَلل قط. وأخرج الخطّابي من طريق مسلمة بن
عبد الملك بن مروان قال: ما تثاءب نبيّ قطّ، ومسلمة أدرك بعض الصحابة وهو صدوق. ويؤيد
ذلك ما ثبت أن التثاؤب من الشيطان. ووقع في الشفاء لابن سبع أنه و لو كان لا يتمطى، لأنه
من الشيطان، والله أعلم)).
(١٠) - باب: في أحاديث متفرقة
٦٠ - (٢٩٩٦) - قوله: (عن عائشة) هذا الحديث مما تفرد به المصنف من بين الأئمة
الستة، وأخرجه أحمد في مسنده (٦: ١٥٣ و١٦٨)، وابن حبان في صحيحه، كما في الإحسان
(٨: ٩).
قوله: (خلق الجانّ) قيل: المراد به إبليس، وقيل: جنس الجنّ، وقيل: الجانّ اسم لأبي
الجنّ كما أن آدم عليه السّلام أب لنوع الإنسان.
قوله: (من مارج) وهو اللهب المختلط بسواد دخان النار.

٣٨٥
كتاب: الزهد والرقائق
وَخُلِقَ آدَمُ مِمَّا وُصِفَ لَكُمْ)) .
(١١) - باب: في الفأر وأنه مسخ
٧٤٢١ - (٦١) حدّثنا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى الْعَنَزِيُّ وَمُحَمَّدُ بْنُ
عَبْدِ اللَّهِ الرُّزِيُّ. جَمِيعاً عَنِ الثَّقَفِيِّ، (وَاللَّفْظُ لإِبْنِ الْمُثَنَّى)، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ. حَدَّثَنَا
خَالِدٌ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ وَهُ: ((فُقِدَتْ أُمَّةٌ مِنْ
بَنِي إِسْرَائِيلَ، لاَ يُذْرَى مَا فَعَلَتْ. وَلاَ أُرَاهَا إِلاَّ الْفَأْرَ. أَلاَ تَرَوْنَهَا إِذَا وُضِعَ لَهَا أَلْبَانُ الإِلِ لَمْ
تَشْرَبْهُ. وَإِذَا وُضِعَ لَهَا أَلْبَانُ الشَّاءِ شَرِبَتْهُ؟)).
قوله: (مما وُصف لكم) أي: مما وصفه الله سبحانه بقوله: ﴿خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ﴾ [آل عمران،
آية: ٥٩] وبقوله ﴿خَلَقَ الْإِنسَنَ مِن صَلْصَلِ كَالْفَخَّارِ
[الرحمن، آية: ١٤] وبقوله: ﴿إِنّ خَلِقٌ
بَشَرًا مِّنِ طِينٍ﴾ [صَّ، آية: ٧١].
(١١) - باب: في الفأر وأنه مسخ
٦١ - (٢٩٩٧) - قوله: (عن أبي هريرة) هذا الحديث أخرجه البخاري في بدء الخلق، باب
خير مال المسلم غنم يتبع بها شعف الجبال (٣٣٠٥)، وأحمد في مسنده (٢: ٢٣٤ و ٥٠٧)،
والبغوي في شرح السنّة (١٢ : ٢٠٠).
قوله: (لا يُدرى ما فعلت) أي: لا يدري أحد أين ذهبت.
قوله: (ولا أراها إلا الفأر) بضم الهمزة في (أراها) بمعنى (لا أظنّها) وهذا اللفظ صريح
أنه كان ظنّاً منه وَّهُ ولم يُقرّ عليه كما سيأتي.
قوله: (إذا وضع لها ألبان الإبل لم تشربه) أي: لم تشرب شيئاً منها، وإلا فالقياس أن
يرجع إلى (الألبان) ضمير المؤنث. وعدم شرب الفأر ألبان الإبل جُعل علامة على كونها أمة
ممسوخة من بني إسرائيل، لأن بني إسرائيل كان قد حرّم عليهم لحوم الإبل وألبانها، فاحتمل أن
تكون الفأر تجتنب من شرب ألبانها لكونها أمة من بني إسرائيل مسخت.
وذكر الحافظ في الفتح (٦: ٣٥٣) أن ذلك كان ظنّاً من النبيّ وَّ قبل أن يعلم بالوحي أن
الممسوخ لا نسل له ولا عقب، كما ورد في حديث ابن مسعود رضيبه: ((وذكرت عنده (أي: عند
النبيّ وََّ) القرِدة. (قال مسعر: وأراه قال: والخنازير) من مسخ، فقال: إنّ الله لم يجعل لمسخ
نسلاً ولا عقباً، وقد كانت القردة والخنازير قبل ذلك)) وقد مرّ هذا الحديث عند المصنف في
كتاب القدر، باب بيان أن الآجال والأرزاق وغيرها لا تزيد ولا تنقص عما سبق به القدر، فلمّا
علم ذلك بالوحي علم أن الفأر ليست من الأمم الممسوخة، والله سبحانه أعلم.

٣٨٦
الجزء السادس من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: فَحَدَّثْتُ هَذَا الْحَدِيثَ كَعْباً فَقَالَ: أَنْتَ سَمِعْتَهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ إِ؟
قُلْتُ: نَعَمْ. قَالَ ذُلِكَ مِرَاراً. قُلْتُ: أَأَقْرَأُ التَّوْرَاةَ؟
قَالَ إِسْحَاقُ فِي رِوَايَتِهِ: ((لاَ تَدْرِي مَا فَعَلَتْ)).
٧٤٢٢ - (٦٢) وحدّثني أَبُو كُرَيْبٍ، مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلاَءِ. حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ
هِشَامٍ، عَنْ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: ((الْفَأْرَةُ مَسْخٌ. وَآيَةُ ذُلِكَ أَنَّهُ يُوضَعُ بَيْنَ يَدَيْهَا لَبَنُ
الْغَثَمَ فَتَشْرَبُهُ. وَيُوضَعُ بَيْنَ يَدَيْهَا لَبَنُ الإِبِلِ فَلاَ تَذُوقُهُ))، فَقَالَ لَهُ كَعْبٌ: أَسَمِعْتَ هُذَا مِنْ
رَسُولِ اللَّهِ بَيْهِ؟ قَالَ: أَفَأَنْزِلَتْ عَلَيَّ الثَّوْرَاةُ؟
(١٢) - باب: لا يلدغ المؤمن من جحر مرتين
٧٤٢٣ - (٦٣) حدّثنا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ. حَدَّثَنَا لَيْثُ، عَنْ عُقَيْلٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنِ
ابْنِ الْمُسَيَّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ نََّ، قَالَ: ((لاَ يُلْدَغُ الْمُؤْمِنُ، مِنْ جُحْرٍ وَاحِدٍ،
قوله: (فحدّثت هذا الحديث كعباً) يعني: كعب بن ماتع الحميريّ المعروف بكعب
الأحبار. أدرك الجاهلية وأسلم أيام أبي بكر، كان على دين يهود فأسلم وقدم المدينة ثم خرج
إلى الشام فسكن حمص حتى توفي بها (سنة ٣٢هـ) في خلافة عثمان رَؤُه وقد بلغ مائة وأربع
سنين، وقد أخرج ابن سعد قصة إسلامه، راجع لها الإصابة (٣: ٢٩٨) وكان عالماً لكتب بني
إسرائيل .
قوله: (أأقرأ التّوراة؟) وفي الرواية الآتية: ((أفأنزلت عليّ التوراة)) وهذا الاستفهام للإنكار.
والمقصود أنّي لا أقرأ التّوراة ولا أنزلت عليّ حتى أحدّثكم منها، إنّما أحدثكم ما سمعته من
رسول الله وَلچر. واستدل به الحافظ في الفتح على أن الصحابيّ إن ذكر خبراً لا يدرك بالقياس
والعقل فهو في حكم المرفوع. وقد وقع في مسند أحمد (٢: ٥٠٧) أن أبا هريرة تظ له ذكر أن
الفأر مما مسخ ولم ينسبه إلى رسول الله وَّر، ونسبه إليه وَّر بعد سؤال كعب.
(١٢) - باب: لا يُلدغ المؤمن من جحر مرتين
٦٣ - (٢٩٩٨) - قوله: (عن أبي هريرة) هذا الحديث أخرجه البخاري في الأدب، باب لا
يلدغ المؤمن من جحر مرتين (٦١٣٣)، وأبو داود في الأدب، باب في الحذر من الناس
(٤٨٦٢)، وابن ماجه في الفتن، باب العزلة (٤٠٣٠)، وأحمد في مسنده (٢: ١١٥ و٣٧٩)،
والدارميّ في الرقاق، باب لا يلدغ المؤمن إلخ (٢٧٨٤)، والبغوي في شرح السنّة (١٣: ٨٧)،
وابن حبان في صحيحه، كما في الإحسان (٢: ٢٩).
قوله: (لا يُلدغُ) بضم الغين على أكثر الروايات، فهو خبر، وإن كان يستنبط منه النهي

٣٨٧
كتاب: الزهد والرقائق
مَرَّتَیْنِ)) .
٧٤٢٤ - (٠٠٠) وَحَدَّثَنِيهِ أَبُو الطَّاهِرِ وَحَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى. قَالاَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ،
عَنْ يُونُسَ. ح وَحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ وَمُحَمَّدُ بْنُ حَاتِم. قَالاَ: حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ
إِبْرَاهِيمَ. حَدَّثَنَا ابْنُ أَخِي ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عَمِّهِ، عَنِ ابْنِ الْمُسَيَّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ
النَِّّي ◌َِّ، بِمِثْلِهِ.
أيضاً. ورواه بعضهم بكسر الغين على أنه نهي، والأول أكثر وأصح وأوفق بما سيأتي من سبب
هذا الحديث. واللدغ إنما يكون من ذوات السّموم كالحية والعقرب، واللذع بالنار.
قوله: (مرّتين) وسبب هذا الحديث ما ذكره ابن إسحاق في المغازي وابن هشام في تهذيب
سيرته أن أبا عزّة الجمحي الشاعر كان قد أسر يوم بدر، فمنّ عليه رسول الله وَّلقول بغير فداء لكونه
محتاجاً ذات بنات، وأخذ عليه ألا يظاهر عليه أحداً. ثم أسر مرة أخرى بأحد، فقال:
يا رسول الله! أقلني، فقال رسول الله وَلقول: واللهِ لا تمسح عارضيك بمكة بعدها وتقول: خدعت
محمداً مرتين، اضرب عنقه يا زبير. قال ابن هشام: ((وبلغني عن سعيد بن المسيب أنه قال: قال
رسول الله وَّر: إن المؤمن لا يلدغ من جحر مرتين. اضرب عنقه يا عاصم بن ثابت، فضرب
عنقه)) راجع الروض الأنف للسّهيلي (٣: ١٧٥).
وذكر ابن بطال أن أول من قال هذه الكلمة رسول الله وَله، وقال ابن التين: إنه مثل قديم.
وعليه يدل صنيع أبي عبيد في كتاب الأمثال، كما في فتح الباري (١٠ : ٥٣٠).
قال الخطابي: ((هذا لفظه خبر، ومعناه أمر، أي: ليكن المؤمن حازماً حذراً لا يؤتى من
ناحية الغفلة، فيخدع مرة بعد أخرى. وقد يكون ذلك في أمر الدين كما يكون في أمر الدنيا،
وهو أولاهما بالحذر)) وقال أبو عبيد: ((معناه: ولا ينبغي للمؤمن إذا نكب من وجه أن يعود إليه))
وهذا تفسير للحديث هو الذي اختاره أكثر العلماء. ولكن أخرج أبو داود الطيالسيّ هذا الحديث
في مسنده (ص: ٢٥٠، رقم: ١٨١٣) عن ابن عمر ◌ًا، ثم قال: ((لا يعاقب على ذنبه في
الدنيا، فيعاقبه في الآخرة)) فإن أراد رحمه الله تعالى، أن عموم الخبر يتناول هذا المعنى فممكن،
وإلا فهو مناف لما قدمناه من سبب هذا الحديث. وقد فهم منه الزهريّ راوي هذا الحديث عين
ما ذكره الخطّابي وأبو عبيد والجمهور. فقد أخرج ابن حبان في صحيحه عن سعيد بن
عبد العزيز: ((أن هشام بن عبد الملك أدّى عن الزهريّ سبعة آلاف دينار ديناً كان عليه، ثم قال
للزهريّ: لا تعودنّ تدان. فقال الزهريّ: كيف يا أمير المؤمنين! وقد حدثني سعيد بن المسيب
عن أبي هريرة أن رسول الله (وَ ل﴿ قال: لا يُلدغ المؤمن من جُحر واحد مرتين)) راجع الإحسان
بترتيب صحيح ابن حبان لابن بلبان (٢: ٢٩).

٣٨٨
الجزء السادس من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
(١٣) - باب: المؤمن أمره كله خير
٧٤٢٥ - (٦٤) حدّثنا هَدَّابُ بْنُ خَالِدِ الأَزْدِيُّ وَشَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخَ. جَمِيعاً عَنْ
سُلَيْمَانَ بْنِ الْمُغِيرَةِ (وَاللَّفْظُ لِشَيْبَانَ)، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ. حَدَّثَنَا ثَابِتُ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ
أَبِي لَيْلَى، عَنْ صُهَيْبٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَلِهِ: ((عَجَباً لِأَمْرِ الْمُؤْمِنِ. إِنَّ أَمْرَهُ كُلَّهُ خَيْرٌ.
وَلَيْسَ ذَاكَ لأَحَدٍ إِلاَّ لِلْمُؤْمِنِ. إِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ. فَكَانَ خَيْراً لَهُ. وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ
صَبَرَ، فَكَانَ خَيْراً لَّهُ)) .
(١٣) - باب: المؤمن أمره كله خير
٦٤ - (٢٩٩٩) - قوله: (عن صهيب) يعني: ابن سنان المعروف بالرّوميّ ◌َظُه، ولم يكن
روميّ الأصل، وإنما كان من العرب، لكن أباه أو عمه كان عاملاً لكسرى على أيلة، وكانت
منازلهم على دجلة من جهة الموصل، فسباه أهل الروم صغيراً، فنشأ فيهم، فكان لا يحسن
التلفظ بالعربية. ثم اشتراه رجل من كلب فباعه بمكة فاشتراه عبد الله بن جدعان التميميّ فأعتقه.
ويقال: بل هرب من الروم، فقدم مكة وحالف ابن جدعان. وهو من السّابقين الأوّلين إلى
الإسلام، ومّمن عُذّب من قبل المشركين. هاجر إلى المدينة مع عليّ رَظُه وشهد المشاهد كلّها.
وروى الحميدي والطبرانيّ عنه قال: ((لم يشهد رسول الله وَّر إلا كنت حاضره، ولم يبايع بيعة
قطّ إلا كنت حاضرها، ولم يُسْرِ سريّة قطّ إلا كنت حاضرها ولا غزى غزاة إلا كنت فيها عن
يمينه أو شماله، وما خافوا أمامهم قط إلا كنت أمامهم، ولا ما وراءهم قطّ إلا كنت وراءهم،
وما جعلت رسول الله وَله بيني وبين العدوّ قطّ)) - ولما مات عمر أوصى أن يصلّي عليه صهيب
وأن يصلّي بالناس إلى أن يجتمع المسلمون على إمام. رواه البخاري في تاريخه. توفي بالمدينة
سنة: ٣٨هـ أو ٣٩هـ وهو ابن ٧٣ سنة. ويقال: فيه نزلت ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْرِى نَفْسَهُ أَبْتِغَآءَ
مَرْضَاتِ اَللَّهُ﴾ الآية. وراجع التهذيب (٤: ٤٣٨) والإصابة (٢: ١٨٨).
وحديثه هذا أخرجه المصنف فقط فيما بين الأئمة الستة. وأخرجه أحمد في مسنده (٤:
٣٣٢)، والدارمي في الرقاق، باب المؤمن يؤجر في كل شيء (٢٧٨٠)، وابن حبان في
صحيحه، كما في الإحسان (٤: ٢٤٣).
قوله: (عجباً لأمر المؤمن) زاد حماد بن سلمة قبله عند الدارمي في سننه (٢: ٢٢٦):
((بينما رسول الله بَّر جالس وضحك، فقال: ألا تسألوني مما أضحك؟ فقالوا: ممّ تضحك
قال: عجباً : إلخ: وفي إسناده روح بن أسلم، قال البخاري: يتكلمون فيه، ووثقه ابن حبان.
قوله: (فكان خيراً له) فيه فضيلة الشكر والصبر، ولا ينبغي للمؤمن أن تخلو أوقاته من
أحد منهما ..

٣٨٩
كتاب: الزهد والرقائق
(١٤) - باب: النهي عن المدح إذا كان فيه إفراط،
وخيف منه فتنة على الممدوح
٧٤٢٦ - (٦٥) حدّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى. حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْع، عَنْ خَالِدِ الْحَذَّاءِ،
عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرَةَ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: مَدَحَ رَجُلٌ رَجُلاً،َ عِنْدَ النَّبِيِّ وَ قَالَ:
فَقَالَ: ((وَيْحَكَ، قَطَعْتَ عُنُقَ صَاحِبِكَ. قَطَعْتَ عُنُقَ صَاحِبِكَ)) مِرَاراً ((إِذَا كَانَ أَحَدُكُمْ مَادِحاً
(١٤) - باب: النهي عن المدح إذا كان فيه إفراط إلخ
٦٥ - (٣٠٠٠) - قوله: (عن أبيه) يعني: أبا بكرة رَضُه، واسمه نفيع بن الحارث،
والمشهور أن الحارث بن كلدة الطبيب استلحقه من سميّة، فكان أخا زياد لأمه، وكانت سمية
أمة للحارث بن كلدة. وإنما قيل له أبو بكرة لأنه تدلّى من حصن الطائف إلى النبيّ وَطُقو ببكرة،
فسمّي أبا بكرة، فأعتقه النبيّ وَل9، ولذلك كان يقول: أنا مولى النبيّ وَطّ. وكان من خيار
الصحابة، جلده عمر رضيته للقذف في قصة المغيرة بن شعبة المشهورة، ولم يقبل شهادته، لكن
عدم قبول الشهادة إنما كان لأمر فنّي كما لا يخفى على من يعلم القصّة، فلا يقدح ذلك في
روايته للحديث، لأن الصحابة كلهم عدول، لا سيّما في رواية الحديث. وراجع لترجمته
التهذيب (٣: ٤٦٩)، والإصابة (٣: ٥٤٢).
وحديثه هذا أخرجه البخاري في الشهادات، باب إذا زكّى رجل رجلاً كفاه (٢٦٦٢)، وفي
الأدب، باب ما يكره من التمادح (٦٠٦١)، وباب ما جاء في قول الرجل (ويلك) (٦١٦٢)،
وأخرجه أبو داود في الأدب، باب في كراهية التمادح (٤٨٠٥)، وابن ماجه في الأدب، باب
المدح (٣٧٨٩)، وأحمد في مسنده (٥: ٤١ و٥١)، والبغوي في شرح السنّة (١٣: ١٤٩)،
وابن حبان في صحيحه كما في الإحسان (٧: ٥٠٩).
قوله: (قطعت عنق صاحبك) أي: أهلكته، لأن مثل هذا المدح ربما يورث في الممدوح
إعجاباً بنفسه، والعجب مهلكة له في دينه وربما يكون إهلاكاً له في دنياه أيضاً لأنه يحمله على
التكبر والتّعاظم، فيصيبه بذلك ضرر. قال عياض: ((قال العلماء: وهذا فيما يتغالى من المدح
ووصف الإنسان بما ليس فيه، أو فيمن يُخاف عليه الإعجاب والفساد، وإلا فقد مُدح وَّرَه
ومُدح بحضرته فلم ينكر. بل حضّ كعب بن زهير على بعض هذا. وأما مع القصد فلا)) كذا في
شرح الأبيّ.
قال العبد الضعيف عفا الله عنه: يظهر من الرواية الآتية أن النبيّ وَلّو إنما قال هذا الكلام
لمن ادعى لممدوحه أنه أفضل الناس بعد رسول الله وَلير، وقد أطلق هذا القول دون أيّ شرط أو
قيد، مع أن الفضيلة عند الله لا تُعرف إلا بالنقل، ولذلك أمره النبيّ وَّر بأن لا يذكر ذلك إلا بعد
التصريح بأنه ظنّ منه وليس يقيناً، فلا يتأنى هذا النهيّ فيمن مدح آخر على فعل حسن يتيقن

٣٩٠
الجزء السادس من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
صَاحِبَهُ لاَ مَحَالَةَ، فَلْيَقُلْ: أَحْسِبُ فُلاَنَاً. وَاللَّهُ حَسِيبُهُ. وَلاَ أُزَكِّي عَلَى اللَّهِ أَحَداً. أَحْسِبُهُ،
إِنْ كَانَ يَعْلَمُ ذَاكَ، كَذَا وَكَذَا)).
٧٤٢٧ - (٦٦) وحدّثني مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ عَبَّادِ بْنِ جَبَلَةَ بْنِ أَبِي رَوَّادٍ. حَدَّثَنَا
مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ. ح وَحَدَّثَنِي أَبُو بَكْرِ بْنُ نَافِع. أَخْبَرَنَا غُنْدَرٌ. قَالَ: شُعْبَةُ حَدَّثَنَا، عَنْ
خَالِدِ الْحَذَّاءِ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرَةً، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ النَّبِيِّ وَّرِ؛ أَنَّهُ ذُكِرَ عِنْدَهُ
رَجُلٌ. فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا مِنْ رَجُلٍ، بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ بَلَّهَ، أَفْضَلُ مِنْهُ فِي كَذَا
وَكَذَا. فَقَالَ النَّبِيُّ ◌َِّ: ((وَنِحَكَ، قَطَعْتَ غُنُقَ صَاحِبِكَ)) مِرَاراً يَقُولُ ذُلِكَ. ثُمَّ قَالَ
رَسُولُ اللَّهِ وَله: ((إِنْ كَانَ أَحَدُكُمْ مَادِحاً أَخَاهُ، لاَ مَحَالَةَ، فَلْيَقُلْ: أَحْسِبُ فُلاَنَاً، إِنْ كَانَ
يُرَىْ أَنَّهُ كَذَلِكَ. وَلاَّ أُزَكِّي عَلَى اللَّهِ أَحَدا)).
٧٤٢٨ - (٠٠٠) وَحَدَّثَنِيهِ عَمْرٌو النَّاتِدُ. حَدَّثَنَا هَاشِمُ بْنُ الْقَاسِم. ح وَحَدَّثَنَاهُ أَبُو
بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ. حَدَّثَنَا شَبَابَةُ بْنُ سَوَّارٍ. كِلاَهُمَا عَنْ شُعْبَةَ، بِهَذَا الإِسَّنَادِ، نَحْوَ حَدِيثٍ
يَزِيدَ بْنِ زُرَيْعٍ. وَلَيْسَ فِي حَدِيثِهِمَا: فَقَالَ رَجُلٌ: مَا مِنْ رَجُلٍ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ وَلَهِ أَفْضَلُ
مِنْهُ.
٧٤٢٩ - (٦٧) حدّثني أَبُو جَعْفَرٍ، مُحَمَّدُ بْنُ الصَّبَّاحِ. حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ زَكَرِيَّاءَ،
عَنْ بُرَيْدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ أَبِي مُوسَى، قَالَ: سَمِعَ النَّبِيُّ وَّهِ رَجُلاً يُثْنِي عَلَى
بكونه حسناً، دون أن يتعرض لكونه مثاباً عند الله. ولذلك أجاز النبيّ وَّ ر فيما بعد أن يقول
المرء في آخر: ((أحسب أن فلاناً كذا)).
قوله: (لا محالة) بفتح الميم، أي: لا حيلة له في ترك ذلك، وهي بمعنى (لا بد) والميم
زائدة، ويحتمل أن يكون من الحول، أي: القوة والحركة.
قوله: (أحسب فلاناً، والله حسيبه) أي: أحسب أن فلاناً كذا، والله حَسِيْبه، أي: كافيه،
وهو من الحسب (بفتح الحاء وسكون السين) بمعنى الكفاية. ويحتمل أن يكون بمعنى
المحاسب، وهو حينئذ فعيل بمعنى الفاعل، وَحَسَب (من باب نصر) بمعنى المحاسبة، والجملة
معترضة معناها أن الله محاسبه على عمله.
قوله: (ولا أزكي على الله أحداً) أي: لا أقطع على عاقبة أحد، ولا أجزم بحكم الله فيه،
لأن الله تعالى هو العالم بما في ضميره وسريرته. والتزكية بمعنى تصديق كونه زكيّ السيرة.
قوله: (إن كان يعلم ذاك) شرط معترض، والتقدير: فليقل: أحسبه كذا وكذا، أي:
صالحاً، وإنما يقول ذلك إن كان يعلم أن هذا الوصف صحيح فيه.
٦٧ - (٣٠٠١) - قوله: (عن أبي موسى) هذا الحديث أخرجه البخاري في الشهادات، باب

٣٩١
كتاب: الزهد والرقائق
رَجُلٍ، وَيُظْرِيهِ فِي الْمِدْحَةِ. فَقَالَ: ((لَقَدْ أَهْلَكْتُمْ، أَوْ قَطَعْتُمْ، ظَهْرَ الرَّجُلِ)).
٧٤٣٠ - (٦٨) حدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى. جَمِيعاً عَنِ ابْنٍ
مَهْدِيٍّ، (وَاللَّفْظُ لإِبْنِ الْمُثَنَّى)، قَالاَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ. عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ حَبِيبٍ، عَنْ
مُجَاهِدٍ، عَنْ أَبِي مَعْمَرٍ، قَالَ: قَامَ رَجُلٌ يُثْنِي عَلَى أَمِيرٍ مِنَ الأُمَرَاءِ. فَجَعَلَ الْمِقْدَادُ يَحْثِي
عَلَيْهِ التُّرَابَ، وَقَالَ: أَمَّرَنَا رَسُولُ اللَّهِ وَهُ
ما يكره من الإطناب في المدح (٢٦٦٣)، وفي الأدب، باب ما يكره من التمادح (٦٠٦٠)،
وأحمد في مسنده (٤: ٤١٢).
قوله: (رجلاً يثني على رجل) قال الحافظ في الفتح (١٠: ٤٧٦): ((لم أقف على اسمهما
صريحاً، ولكن أخرج أحمد والبخاري في الأدب المفرد من حديث محجن بن الأدرع الأسلميّ
قال: أخذ رسول الله وَ﴿ل بيدي، فذكر حديثاً قال فيه: ((فدخل المسجد فإذا رجل يصلّي، فقال
لي: من هذا؟ فأثنيت عليه خيراً، فقال: اسكت، لا تُسمعه فتُهلكه)) وفي رواية له: فقلت:
يا رسول الله! هذا فلان وهذا وهذا» وفي أخرى له: «هذا فلان، وهو من أحسن أهل المدينة
صلاة، أو من أكثر أهل المدينة)) الحديث. والذي أثنى عليه محجن يشبه أن يكون هو عبد الله
ذو النجادين المزني، فقد ذكرت في ترجمته في الصحابة ما يقرب ذلك)).
قوله: (ويُطريه في المِدحة) الإطراء: المبالغة في المدح والمدحة بكسر الميم، اسم من
المدح.
٦٨ - (٣٠٠٢) - قوله: (عن أبي معمر) هذا حديث مقداد بن عمرو به، أخرجه أيضاً أبو
داود في الأدب، باب ما يكره من التمادح (٤٨٠٤)، والترمذي في الزهد، باب ما جاء في
كراهية المدحة والمدّاحين (٢٣٩٣)، وابن ماجه في الأدب، باب المدح (٣٧٨٧)، وأحمد في
مسنده (٦: ٥)، والبغوي في شرح السنّة (١٣ : ١٥٠).
قوله: (يثني على أمير من الأمراء) وهو عثمان بن عفان ظه كما سيأتي في الرواية
اللاحقة .
قوله: (فجعل المقداد) يعني: ابن عمرو رَظُته، المعروف بالمقداد بن الأسود، أبوه عمرو،
ولكن تبنّاه حليفه الأسود بن عبد يغوث فنسب إليه. أسلم قديماً وشهد بدراً والمشاهد كلها،
وكان هو الفارس الوحيد يوم بدر، آخى رسول الله وَله بينه وبين عبد الله بن رواحة. وذكر ابن
مسعود ربه أن أول من أظهر إسلامه سبعة، ومنهم المقداد، وروي أن النبيّ وَّل أمر بريدة بحب
أربعة: عليّ والمقداد وأبو ذر وسلمان. مات رَّ لُه (سنة: ٣٣هـ) بالجرف، على ثلاثة أميال من
المدينة، فحمل إلى المدينة ودفن بها، وهو ابن سبعين سنة. كذا في التهذيب (١٠: ٢٨٥).

٣٩٢
الجزء السادس من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
أَنْ نَحْثِيَ فِي وُجُوهِ الْمَدَّاحِينَ التُّرَابَ.
قوله: (أن نحثي في وجوه المدّاحين التراب) قد فسّر العلماء هذا الحديث على وجوه:
الأول: أنه محمول على حقيقته، فينبغي أن يُحثى التراب على وجه المادح حقيقة، وهو الذي
استعمله المقداد رائه راوي الحديث. وقد ورد مثل ذلك عن بعض السّلف، وقد حكى الأبيّ في
ذلك قصة للشيخ أبي إسحاق الجبيناني.
الثاني: أن حثي التراب كناية عن تخييبه، والمراد من المدّاحين من يتملّق لأخذ المال
والصّلة وتخييبه أن لا يعطى، أو من يريد الفتنة بإلقاء العُجب في نفس الممدوح، فتخييبه أن لا
يُعجب الإنسان بنفسه.
الثالث: المراد أن يقول الممدوح للمادح: (بفيك التراب) والعرب تستعمل ذلك لمن تكره
قوله .
الرابع: أن المقصود أن يأخذ الممدوح تراباً، فيبذره بين يديه ليتذكر أصله وأن مصيره إليه
فلا يطغى بالمدح الذي سمعه. وعلى هذا، فقوله (في وجوه المدّاحين) معناه: بين أيديهم وفي
مواجهتهم .
الخامس: أن المراد بحثو التراب في وجه المادح إعطاؤه ما طلب، لأن كل ما فوق
التراب تراب. وبهذا جزم البيضاوي وقال: شبه الإعطاء بالحثي على سبيل الترشيح والمبالغة في
التقليل والاستهانة كذا في الفتح.
السادس: معنى الحديث أنه ينبغي للممدوح أن يقوم عن مجلس المادح ويثير بقيامه التراب
عليه. ذكره الأبيّ، وقال: إنه أبعد التأويلات.
ويبدو أن أولى التأويلات هو الثاني، والمقصود الحثّ على منعه من المدح، وعدم
تشجيعه على ذلك. وهو الذي اختاره أكثر السّلف.
قال الخطابي: ((المدّاحون هم الذين اتخذوا مدح الناس عادة، وجعلوه بضاعة يستأكلون
به الممدوح. فأما من مدح الرجل على الفعل الحسن والأمر المحمود يكون منه ترغيباً له في
أمثاله، وتحريضاً للناس على الاقتداء به في أشباهه، فليس بمدّاح. وقد استعمل المقداد
الحديث على ظاهره في تناول عين التراب، وحثيه في وجه المادح. وقد يُتأول أيضاً على وجه
آخر، وهو أن يكون معناه: الخيبة والحرمان، أي: من تعرض لكم بالثناء والمدح، فلا تعطوه
واحرموه. كنى بالتراب عن الحرمان، كقولهم: ما في يده غير التراب، وكقوله وَله: ((إذا جاءك
يطلب ثمن الكلب، فاملأ كفه تراباً)) (١) .
(١) هذا الحديث أخرجه أبو داود في البيوع، باب في أثمان الكلاب ٣٤٨٢ وأحمد في مسند ٢٧٨:١.

٣٩٣
كتاب: الزهد والرقائق
٧٤٣١ - (٦٩) وحدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى وَمُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، (وَاللَّفْظُ لإِبْنِ الْمُثَنَّى)،
قَالاَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ. حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ هَمَّامِ بْنِ
الْحَارِثِ؛ أَنَّ رَجُلاً جَعَلَ يَمْدَحُ عُثْمَانَ. فَعَمِدَ الْمِقْدَادُ. فَجَثَا عَلَى رُكْبَتَيْهِ. وَكَانَ رَجُلاً
ضَخْماً. فَجَعَلَ يَحْثُو فِي وَجْهِهِ الْحَصْبَاءَ. فَقَالَ لَهُ عُثْمَانُ: مَا شَأُنُكَ؟ فَقَالَ: إِنَّ
رَسُولَ اللَّهِ وَلِ قَالَ: ((إِذَا رَأَنْتُمُ الْمَذَّاحِينَ، فَاحْتُوا فِي وُجُوهِهِمُ التُّرَابَ)).
٧٤٣٢ - (٠٠٠) وحدّثناه مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى وَابْنُ بَشَارٍ. قَالاَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ،
عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ مَنْصُورٍ. ح وَحَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ. حَدَّثَنَا الأَشْجَعِيُّ، عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ
عُبَيْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ، عَنِ الأَعْمَشِ وَمَنْصُورٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ هَمَّامٍ، عَنِ
الْمِقْدَادِ، عَنِ النَِّّ ◌َِّ، بِمِثْلِهِ.
(١٥) - باب: مناولة الأكبر
٧٤٣٣ - (٧٠) حدّثنا نَصْرُ بْنُ عَلِيِّ الْجَهْضَمِيُّ. حَدَّثَنِي أَبِيِ، حَدَّثَنَا صَخْرٌ، (يَعْنِي
ابْنَ جُوَيْرِيَةَ)، عَنْ نَافِع؛ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ حَدَّثَهُ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَ﴿ قَالَ: ((أرَانِي فِي
نقله البغوي في شرح السنّة (١٣: ١٥١)، ثم قال: ((وفي الجملة المدح والثناء على الرجل
مكروه، لأنه قلّما يسلم المادح عن كذب يقوله في مدحه، وقلّما يسلم الممدوح من عُجب
يدخله. وروي أن رجلاً أثنى على رجل عند عمر، فقال عمر: عقرت الرجل، عقرك الله)).
والحاصل؛ أن المدح بغرض تشجيع الممدوح على أفعال الخير جائز، كما ذكره
الخطّابي، لأن ذلك ثابت من النبيّ وَّ* بمناسبات كثيرة. والمدح المكروه هو ما خيف فيه أن
يفتتن الممدوح بالعجب، أو ما قصد به التملّق وأكل الأموال بالباطل. وبما أن الفرق بينهما
دقيق ربّما لا يدركه المرء، فالأحوط ما ذكره البغويّ رحمه الله تعالى من الاجتناب عنه في كل
موضع مشتبه، والله سبحانه وتعالى أعلم.
٦٩ - (٠٠٠) - قوله: (وكان رجلاً فخماً) يعني: سميناً عظيم الجسم، ولعلّ الراوي ذكر
ذلك لبيان أنه مع كونه جسيماً، تكبّد مشقة الجثو على ركبتيه، اهتماماً بما زعمه من الامتثال بأمر
النبيّ وَهُ.
(١٥) - باب: منازلة الأكبر
٧٠ - (٣٠٠٣) - قوله: (أن عبد الله بن عمر حدثه) تقدم هذا الحديث مع تخريجه وشرحه
في كتاب الرؤيا، باب رؤيا النبيّ ◌َّر، (رقم: ٥٨٨٦)، وهو في المجلد الرابع من هذه التكملة.

٣٩٤
الجزء السادس من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
الْمَنَامِ أَتَسَوَّكُ بِسِوَاكِ. فَجَذَبَنِي رَجُلاَنٍ. أَحَدُهُمَا أَكْبَرُ مِنَ الآخَرِ. فَنَاوَلْتُ السِّوَاكَ الأَصْغَرَ
مِنْهُمَاَ. فَقِيلَ لِي: كَبِرْ. فَدَفَعْتُهُ إِلَى الأَكْبَرِ)) .
(١٦) - باب: التثبت في الحديث، وحكم كتابة العلم
٧٤٣٤ - (٧١) حدّثنا هَارُونُ بْنُ مَعْرُوفٍ. حَدَّثَنَا بِهِ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ هِشَام،
عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: كَانَ أَبُو هُرَيْرَةَ يُحَدِّثُ وَيَقُولُ: اسْمَعِي يَا رَبَّةَ الْحُجْرَةِ، اسْمَعِي يَا رَبَّةً
الْحُجْرَةِ، وَعَائِشَةُ تُصَلِّي. فَلَمَّا قَضَتْ صَلاَتَهَا قَالَتْ لِعُرْوَةَ: أَلاَ تَسْمَعُ إِلَى هَذَا وَمَقَالَتِهِ
آنِفاً؟ إِنَّمَا كَانَ النَّبِيُّ بِّهِ يُحَدِّثُ حَدِيثاً، لَوْ عَدَّهُ الْعَادُّ لِأَحْصَاهُ.
٧٤٣٥ - (٧٢) حدّثنا هَذَّابُ بْنُ خَالِدِ الأَزْدِيُّ. حَدَّثَنَا هَمَّامٌ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ،
عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُذْرِيِّ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَلَ قَالَ: ((لاَ تَكْتُبُوا عَنِّي.
(١٦) - باب: التثبت في الحديث وحكم كتابة العلم
٧١ - (٢٤٩٣) - قوله: (عن أبيه) يعني: عروة بن الزبير، وحديثه هذا قد مرّ طرف منه في
كتاب الفضائل، باب من فضائل أبي هريرة ربه، وأخرجه البخاري في المناقب، باب صفة
النبيّ ◌َّر (٣٥٦٧ و٣٥٦٨)، وأبو داود في العلم، باب في سرد الحديث (٣٦٥٤ و ٣٦٥٥)،
والترمذي في المناقب، باب في كلام النبيّ وَلّ (٣٦٣٩).
قوله: (يا ربّة الحجرة) أي: مالكة هذه الحجرة، يعني: به عائشة رضيًُّا. وإنما كان يناديها
لتُقرّه على الحديث الذي يرويه، فيتقوى به روايته.
قوله: (ألا تسمع إلى هذا ومقالته؟) كأنها أنكرت أن يناديها أبو هريرة وهي تصلّي. ولعلّ
العذر لأبي هريرة أنه لم يعرف أنها في الصلاة لكونها محتجبة في بيتها .
قوله: (لو عدّه العادّ لأحصاه) يعني: أن النبيّ وَّ لا يكثر من الحديث في مجلس واحد،
وإنما كان يحدّث بأحاديث معدودة ليفهمها الناس ويحفظوها. فلم تنكر عائشة على أبي هريرة
نفس التحديث، وإنما أنكرت الإكثار منه في مجلس واحد. وقد استوفينا الكلام على عذر أبي
هريرة في الإكثار، في كتاب الفضائل، باب فضائل أبي هريرة ظُبه، وقد ذكرنا هناك ما يرد به
طعن بعض الملاحدة عليه فى ذلك.
٧٢ - (٣٠٠٤) - قوله: (عن أبي سعيد الخدريّ) هذا الحديث لم يخرجه من الستة أحد
غير المصنف رحمه الله. وأخرجه الدارميّ في العلم، باب من لم ير كتابة الحديث (٤٥٦)،
وأحمد في مسنده (١: ٩٨)، والحاكم في المستدرك (١: ١٢٧)، وابن حبان في صحيحه كما
في الإحسان (١ : ١٤٢)، والبغويّ (١: ٢٩٤).
قوله: (لا تكتبوا عنّي) ومثل هذا الحديث في النهي عن كتابة الحديث ما أخرجه أحمد في

٣٩٥
كتاب: الزهد والرقائق
وَمَنْ كَتَبَ عَنِّي غَيْرَ الْقُرْآنِ فَلْيَمْحُهُ. وَحَدِّثُوا عَنِّي، وَلاَ حَرَجَ، وَمَنْ كَذَبَ عَلَيَّ - قَالَ هَمَّاٌ
أَحْسِبُهُ قَالَ: مُتَعَمِّداً - فَلْيَتَبَوَّأْ مَفْعَدَهُ مِنَ النَّارِ)).
(١٧) - باب: قصة أصحاب الأخدود والساحر والراهب والغلام
٧٤٣٦ - (٧٣) حدّثنا هَذَّابُ بْنُ خَالِدٍ. حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ. حَدَّثَنَا ثَابِتٌ، عَنْ
عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى، عَنْ صُهَيْبٍ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَلِّ قَالَ:
مسنده (٥: ١٨٢) عن زيد بن ثابت رهته قال: ((إن رسول الله وَاللّ نهى أن نكتب شيئاً من حديثه))
ومن أجل هذا الحديث امتنع جمع من الصحابة من كتابة الحديث في الصدر الأول، ولكن سبب
ذلك ما ذكره الخطيب البغدادي رحمه الله في كتابه (تقييد العلم) (ص: ٥٧) بقوله: ((فقد ثبت أن
كراهة من كره الكتاب من الصدر الأول، إنما هي لئلا يضاهى بكتاب الله غيره، أو يُشْتَغَلَ عن
القرآن بسواه ونهى عن الكتب القديمة أن تُتّخذ، لأنه لا يعرف حقها من باطلها، وصحيحها من
فاسدها، مع أن القرآن كفى منها، وصار مهيمناً عليها. ونهى عن كتابة العلم في صدر الإسلام
وجدّته لقلة الفقهاء في ذلك الوقت، والمميزين بين الوحي وغيره، لأن أكثر الأعراب لم يكونوا
فقهوا في الدين، ولا جالسوا العلماء العارفين، فلم يؤمن أن يلحقوا ما يجدون من الصحف
بالقرآن، ويعتقدوا أن ما اشتملت عليه كلام الرحمن. وأمر الناس بحفظ السنن، إذ الإسناد
قريب، والعهد غير بعيد، ونهى عن الاتكال على الكتاب، لأن ذلك يؤدي إلى اضطراب الحفظ
حتى يكاد يبطل. وإذا عدم الكتاب، قوي لذلك الحفظ الذي يصحب الإنسان في كل مكان)).
وهذا ظاهر في البيئة التي نزل فيها القرآن الكريم، حيث لم يكن مكتوباً بصورة كتاب
مدوّن، وإنّما كان يكتب على العظام وجريد النخل والحجارة ونحوها، فلو كتبت الأحاديث معها
الوقع التباس القرآن بغيره. فنهى عن ذلك في أول الأمر حيث يخشى الالتباس. أما في حالة
الأمن منه، فقد أجاز رسول الله وَ﴿ الكتابة بنفسه لعدّة من الصحابة مثل عليّ، وعبد الله بن
عمرو، وأبي هريرة، ورافع بن خديج، وأبي شاه، وغيرهم رضيه. وقد كتبت أحاديث كثيرة في
عهد رسول الله وَلر، كما ثبت في روايات كثيرة تجدها مجموعة في كتاب (تقييد العلم) للخطيب
رحمه الله. ولفضيلة شقيقي الأكبر مولانا الشيخ محمد رفيع العثماني بحث قيّم في الموضوع، قد
طبع باللغة الأردية باسم (كتابت حديث). وقد ألّفت في الموضوع كتب كثيرة باللغة العربية
وغيرها، ومن أحسنها كتاب (السنّة قبل التدوين) للدكتور محمد عجاج الخطيب. وليس هذا
موضع البسط في هذا الموضوع.
(١٧) - باب: قصة أصحاب الأخدود والساحر والراهب إلخ
٧٣ - (٣٠٠٥) - قوله: (عن صهيب) هذا الحديث أخرجه الترمذي في تفسير سورة البروج
(٣٣٤٠)، والنسائي في سننه الكبرى (٦: ٥١٠) وأحمد في مسنده (٦: ١٧)، وابن حبان في

٣٩٦
الجزء السادس من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
(كَانَ مَلِكٌ فِيمَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ. وَكَانَ لَهُ سَاحِرٌ. فَلَمَّا كَبِرَ قَالَ لِلْمَلِكِ: إِنِّي قَدْ كَبِرْتُ. فَابْعَثْ
إِلَيَّ غُلاَمَاً أُعَلِّمْهُ السِّخِرَ. فَبَعَثَ إِلَيْهِ غُلاَمَاً يُعَلِّمُهُ. فَكَانَ فِي طَرِيقِهِ، إِذَا سَلَكَ، رَاهِبٌ. فَقَعَدَ
إِلَيْهِ وَسَمِعَ كَلاَمَهُ. فَأَعْجَبَهُ. فَكَانَ إِذَا أَتَى السَّاحِرَ مَرَّ بِالرَّاهِبِ وَقَعَدَ إِلَيْهِ. فَإِذَا أَتَى السَّاحِرَ
ضَرَبَهُ. فَشَكَا ذُلِكَ إِلَى الرَّاهِبِ. فَقَالَ: ((إِذَا خَشِيتَ السَّاحِرَ فَقُلْ: حَبَسَنِي أَهْلِي. وَإِذَا
خَشِيتَ أَهْلَكَ فَقُلْ: حَبَسَنِي السَّاحِرُ. فَبَيْتَمَا هُوَ كَذَلِكَ إِذْ أَتَى عَلَى دَابَّةٍ عَظِيمَةٍ قَدْ حَبَسَتٍ
النَّاسَ. فَقَالَ: الْيَوْمَ أَعْلَمُ السَّاحِرُ أَفْضَلُ أَم الرَّاهِبُ أَفْضَلُ؟ فَأَخَذَ حَجَراً فَقَالَ: ((اللَّهُمَّ إِنْ
كَانَ أَمْرُ الرَّاهِبِ أَحَبَّ إِلَيْكَ مِنْ أَمْرِ السَّاحِرِ فَاقْتُلْ هَذِهِ الدَّابَّةَ. حَتَّى يَمْضِيَ النَّاسُ. فَرَمَاهَا
فَقَتَلَهَا. وَمَضَى النَّاسُ. فَأَتَى الرَّاهِبَ فَأَخْبَرَهُ. فَقَالَ لَهُ الرَّاهِبُ: أَنْ بُنَيَّ، أَنْتَ، الْيَوْمَ، أَفْضَلُ
مِنِّ. قَدْ بَلَغَ مِنْ أَمْرِكَ مَا أَرَىْ. وَإِنَّكَ سَتُبْتَلَى. فَإِنِ ابْتُلِيتَ فَلاَ تَدُلُّ عَلَيَّ. وَكَانَ الْغُلامُ
يُبْرِىءُ الأَكْمَةَ وَالأَبْرَصَ وَيُدَاوِي النَّاسَ مِنْ سَائِرِ الأَذْوَاءِ. فَسَمِعَ جَلِيسٌ لِلْمَلِكِ كَانَ قَدْ عَمِيَ
فَأَتَاهُ بِهَدَايَا كَثِيرَةٍ. فَقَالَ: مَا هُهُنَا لَكَ أَجْمَعُ، إِنْ أَنْتَ شَفَيْتَنِي. فَقَالَ: إِنِّي لاَ أَشْفِي أَحَداً.
صحيحه كما في الإحسان (٢: ١١٦ و١١٧).
قوله: (كان ملك فيمن كان قبلكم) لم أقف على اسمه وتعيين مكانه، غير أن الظاهر أنه
كان في زمن الفترة، ما بين عيسى ونبيّنا عليهما الصلاة والسلام.
قوله: (فإذا أتى السّاحر ضربه) أي: الإتيانه إليه مؤخراً.
قوله: (فقل: حبسني أهل) قال القاضي عياض ((فيه جواز الكذب للضرورة، لا سيّما في
الله تعالى والدفع عن الإيمان)) وقال القرطبي: ((وجه الدليل منه كونه وَّل ذكره في معرض الثناء
على الراهب والغلام واستحسان فعلهما، إذ لو كان غير جائز لبيّنه)) وذكر الأبيّ أنه يحتمل أن
يكون تورية، لأنّ أهل الرجل في الحقيقة إنما هم المرشدون إلى السّعادة، فأراد بهذا اللفظ
الرّاهب. وكذلك قوله لأهله (حبسني السّاحر) يمكن تأويله على التورية بأنه لا يصل إلى أهله إلا
بعد المكث عند السّاحر والراهب جميعاً، فيصدق قوله (حبسني السّاحر) لأنه كان أحد
الحابسين .
قوله: (قد حبست الناس) أي: تعرضت في الطريق فمنعت الناس من المرور، ووقع في
رواية الترمذي قول بعض الرواة أن الدابة كانت أسداً.
قوله: (اليوم أعلم) إلخ: قال الأبيّ: ((ليس شكّاً منه، وإنما هو استثبات واطمئنان منه)).
قوله: (ما ههنا لك أجمع) بضم العين، تأكيد لقوله (ما ههنا) وهو مبتدأ خبره (لك) يعني :
إن أنت شفيتني، فإن هذا المال الذي هو موجود هنا، سأعطيكه أجمع.

٣٩٧
كتاب: الزهد والرقائق
إِنَّمَا يَشْفِي اللَّهُ. فَإِنْ أَنْتَ آمَنْتَ بِاللَّهِ دَعَوْتُ اللَّهَ فَشَفَاكَ. فَآمَنَ بِاللَّهِ. فَشَفَاهُ اللَّهُ. فَتَيْ
الْمَلِكَ فَجَلَسَ إِلَيْهِ كَمَا كَانَ يَجْلِسُ. فَقَالَ لَهُ الْمَلِكُ: مَنْ رَدَّ عَلَيْكَ بَصَرَكَ؟ قَالَ: رَبِّي.
قَالَ: وَلَكَ رَبِّ غَيْرِي؟ قَالَ: رَبِّي وَرَبُّكَ اللَّهُ. فَأَخَذَهُ فَلَمْ يَزَلْ يُعَذِّبُهُ حَتَّى دَلَّ عَلَى الْغُلاَم.
فَجِيءَ بِالْغُلاَمِ. فَقَالَ لَهُ الْمَلِكُ: أَيْ بُنَيَّ، قَدْ بَلَغَ مِنْ سِحْرِكَ مَا تُبْرِىءُ الأَكْمَهَ وَالأَبْرَضُ
وَتَفْعَلُ وَتَفْعَلُ. فَقَالَ: إِنِّي لاَ أَشْفِي أَحَداً. إِنَّمَا يَشْفِي اللَّهُ. فَأَخَذَهُ فَلَمْ يَزَلْ يُعَذِّبُهُ حَتَّى دَلَّ
عَلَى الرَّاهِبِ. فَجِيءَ بِالرَّاهِبِ. فَقِيلَ لَهُ: ارْجِعْ عَنْ دِينِكَ. فَأَبَى. فَدَعَا بِالْمِثْشَارِ. فَوَضَعَ
الْمِثْشَارَ فِي مَفْرِقٍ رَأْسِهِ. فَشَقَّهُ حَتَّى وَقَعَ شِقَّهُ. ثُمَّ جِيءَ بِجَلِيسِ الْمَلِكِ فَقِيلَ لَهُ: ارْجِعْ عَنْ
دِينِكَ. فَأَبَى. فَوَضَعَ الْمِثْشَارَ فِي مَغْرِقٍ رَأْسِهِ. فَشَقَّهُ بِهِ حَتَّى وَقَعَ شِقَّهُ. ثُمَّ جِيءَ بِالْغُلام
فَقِيلَ لَهُ: ارْجِعْ عَنْ دِينِكَ. فَأَبَى. فَدَقَعَهُ إِلَى نَفَرِ مِنْ أَصْحَابِهِ فَقَالَ: اذْهَبُوا بِهِ إِلَى جَبَلٍ كَذَاَ
وَكَذَا. فَاضْعَدُوا بِهِ الْجَبَلَ. فَإِذَا بَلَغْتُمْ ذُرْوَتَهُ، فَإِنْ رَجَعَ عَنْ دِينِهِ، وَإِلَّ فَاطْرَحُوهُ. فَذَهَبُوا بِهِ
فَصَعِدُوا بِهِ الْجَبَلَّ. فَقَالَ: اللَّهُمَّ اكْفِنِيهِمْ بِمَا شِئْتَ. فَرَجَفَ بِهِمُ الْجَبَلُ فَسَقَطُوا. وَجَاءَ
يَمْشِي إِلَى الْمَلِكِ. فَقَالَ لَهُ الْمَلِكُ: مَا فَعَلَ أَضْحَابُكَ؟ قَالَ: كَفَّانِيهِمُ اللَّهُ. فَدَفَعَهُ إِلَى نَفَرِ
مِنْ أَصْحَابِهِ فَقَالَ: اذْهَبُوا بِهِ فَاخْمِلُوهُ فِي قُزْقُورٍ، فَتَوَسَّطُوا بِهِ الْبَحْرَ فَإِنْ رَجَعَ عَنْ دِينِهِ وَإِلاّ
فَاقْذِفُوهُ. فَذَهَبُوا بِهِ. فَقَالَ: اللَّهُمَّ اكْفِيهِمْ بِمَا شِئْتَ. فَانْكَفَأَتْ بِهِمُ السَّفِينَةُ فَغَرِقُوا.
....
قوله: (ولك ربّ غيري) فيه دليل على أنه كان يدّعي الألوهية، ففيه رد على من زعم أن
هذا الملك كان يهوديّاً .
قوله: (حتى دلّ على الراهب) قال القرطبيّ: ((إن قيل: كيف دلّ عليه بالقتل؟ أجيب بأنه
غير بالغ. ولو سلّم أنه بالغ، فلم يعلم أن الراهب يُقتل)).
قوله: (فدعا بالمنشار) هو مهموز في رواية الأكثرين ويجوز تخفيف الهمزة بقلبها ياء.
وروي (المنشار) بالنون، وهما لغتان سبق بيانهما. وهي آلة يقطع بها الخشب.
قوله: (فرجف بهم الجبل) أي: تحرك واضطرب اضطراباً شديداً، وأصابتهم زلزلة .
قوله: (فاحملوه في قرقور) بضم القاف، أي: في سفينة، وذكر بعض العلماء أن القرقور
سفينة عظيمة، وذكر بعضهم أنها سفينة صغيرة. والراجح في سياق الحديث هو الثاني، لأن في
مثل هذه المواقع إنما تستعمل سفينة صغيرة.
قوله: (فتوسّطوا به البحر) أي: اذهبوا به إلى وسط البحر.
قوله: (فانكفأت بهم السفينة) أي: انقلبت، يقال: كفأه. كمنعه، وأكفأه: إذا قلبه وكبّه،
فانكفأ .

٣٩٨
الجزء السادس من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
وَجَاءَ يَمْشِي إِلَى الْمَلِكِ. فَقَالَ لَهُ الْمَلِكُ: مَا فَعَلَ أَصْحَابُكَ؟ قَالَ: كَفَانِيهِمُ اللَّهُ. فَقَالَ
لِلْمَلِكِ: إِنَّكَ لَسْتَ بِقَاتِي حَتَّى تَفْعَلَ مَا آمُرُكَ بِهِ. قَالَ: وَمَا هُوَ؟ قَالَ: تَجْمَعُ النَّاسَ فِي
صَعِيدٍ وَاحِدٍ. وَتَضْلُبُنِي عَلَى جِذْعٍ. ثُمَّ ◌ُخُذْ سَهْماً مِنْ كِنَانَتِي. ثُمَّ ضَعِ السَّهْمَ فِي حَبِدٍ
الْقَوْسِ ثُمَّ قُلْ: بِاسْمِ اللَّهِ، رَبِّ الْغُلاَمِ. ثُمَّ ارْمِنِي. فَإِنَّكَ إِذَا فَعَلْتَ ذُلِكَّ قَتَلْتَنِي. فَجَمَعَ
النَّاسَ فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ. وَصَلَبَهُ عَلَى جِذْعٍ. ثُمَّ أَخَذَ سَهْماً مِنْ كِنَانَتِهِ. ثُمَّ وَضَعَ السَّهْمَ فِي
كَبِدِ الْقَوْسِ ثُمَّ قَالَ: بِاسْمِ اللَّهِ، رَبِّ الْغُلََّمِ. ثُمَّ رَمَاهُ فَوَقَعَ السَّهْمُ فِي صُدْغِهِ. فَوَضَعَ يَدَهُ
فِي صُدْغِهِ فِي مَوْضِعِ السَّهْمِ. فَمَاتَ. فَقَالَّ النَّاسُ: آمَنَّا بِرَبِّ الْغُلاَمِ. آمَنَّا بِرَبِّ الْغُلاَمِ.
آمَنَّا بِرَبِّ الْغُلَامِ. فَأَتِيَ الْمَّلِكُ فَقِيلَ لَهُ: أَرَأَيْتَ مَا كُنْتَ تَحْذَرُ؟ قَّدْ، وَاللَّهِ، نَزَلَ بَِكَ
حَذَرُكَ. قَدْ آمَنَ النَّاسُ فَأَمَرَ بِالأُخْدُودِ فِي أَفْوَاءِ السِّكَكِ فَخُدَّتْ وَأَضْرَمَ النِّيرَانَ. وَقَالَ:
مَنْ لَمْ يَرْجِعْ عَنْ دِينِهِ فَأَحْمُوهُ فِيهَا. أَوْ قِيلَ لَهُ: اقْتَحِمْ. فَفَعَلُوا. حَتَّى جَاءَتِ امْرَأَةٌ وَمَعَهَا
صَبِيٍّ لَهَا. فَتَقَاعَسَتْ أَنْ تَقَعَ فِيهَا.
قوله: (وجاء يمشي إلى الملك) وإنه نجا بعد انقلاب السفينة بالسّباحة، أو بما يشاء الله.
قوله: (في صعيد واحد) الصعيد: وجه الأرض. والمراد أن تجمعهم في أرض بارزة.
قوله: (كبد القوس) كبد القوس: مقبضها عند الرمي.
قوله: (فمات) فإن قيل: كيف أمر الغلام ذلك الملك بقتل نفسه وهو حرام؟ فالجواب: أنه
قد علم أنه لا بد أن يُقتل، وإنما نجا حتى الآن بطريق الكرامة لإحقاق الحقّ، فأمره بما يتضح به
الحقّ على جميع الناس فيؤمنوا، فيكون سبباً لهدايتهم. وهذا كالمجاهد يقحم نفسه في معركة
القتال لإعلاء كلمة الله.
قوله: (نزل بك حذرك) أي: وقع ما كنت تحذر منه وتخاف، وهو إيمان الناس.
قوله: (فأمر بالأخدود) هو الشقّ العظيم في الأرض كالخندق، وجمعه أخاديد، وقوله
(خُدّت) بضم الخاء فعل منه، أي: شُقّت وحُفرت.
قوله: (في أفواه السّكك) بكسر السين، جمع سكّة، وهي الطريق، وأفواهها: أبوابها
ومداخلها، وإنّما شقّ الأخدود في مداخل الطريق، لئلا يتمكن الناس من الهروب.
قوله: (وأضرم النِيران) أي: أشعلها .
قوله: (فأحموه فيها) بفتح الهمزة، أي: ارموه فيها، يقال: حميت الحديدة ونحوها: إذا
أدخلتها النار لتحمى، أي: لتصير حارّة. ووقع في بعض الروايات: (أقحموه) أي: أدخلوه.
وبهذا اللفظ رواه النسائي.
قوله: (فتقاعست) أي: توقفت ولزمت موضعها وكرهت الدخول في النار.

٣٩٩
كتاب: الزهد والرقائق
فَقَالَ لَهَا الْغُلَامُ: يَا أُمَّهِ، اصْبِرِي. فَإِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ)).
(١٨) - باب: حديث جابر الطويل، وقصة أبي اليَسَر
٧٤٣٧ _ (٧٤) حدّثنا هَارُونُ بْنُ مَعْرُوفٍ وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبَّادٍ، (وَتَقَارَبَا فِي لَفْظِ
الْحَدِيثِ)، وَالسِّيَاقُ لِهَارُونَ. قَالاَ: حَدَّثَنَا حَاتِمُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، عَنْ يَعْقُوبَ بْنِ مُجَاهِدٍ،
أَبِي حَزْرَةَ، عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الْوَلِيدِ بْنِ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ، قَالَ: خَرَجْتُ أَنَا وَأَبِي نَظْلُبُ
الْعِلْمَ فِي هَذَا الْحَيِّ مِنَ الْأَنْصَارِ ، قَبَّلَ أَنْ يَهْلِكُوا. فَكَانَ أَوَّلُ مَنْ لَقِينَا أَبَا الْيَسَرِ، صَاحِبَ
قوله: (فقال لها الغلام) إلخ: قيل: إن هذا الغلام أحد السّتة الذين تكلموا في المهد، كما
في شرح الأبيّ. وكونه في المهد ليس صريحاً في رواية المصنف، ولكن وقع عند النسائي في
السنن الكبرى: ((فجاءت امرأة بابن لها ترضعه)) وهو صريح في كون الصبيّ رضيعاً.
وزاد الترمذي بعد هذه القصة: ((قال: يقول الله تعالى: ﴿قُثِلَ أَضْحَبُّ الْأُخْدُودِ ﴿٣ النَّارِ ذَاتِ
الْوَقُودِ @ - حتى بلغ - الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾ قال: فأما الغلام فإنه دفن، فيذكر أنه أخرج في زمن
عمر بن الخطّاب وأصبعه على صُدغه كما وضعها حين قتل)).
وبرواية الترمذي استدل بعض المفسّرين أن المراد من أصحاب الأخدود في سورة البروج
هؤلاء الذين آمنوا بالله بعد شهادة الغلام، ولكن رواية الترمذي ليست صريحة في ذلك، أمّا أوّلاً،
فلأن تلاوة آيات من سورة البروج مدرجة من أحد الرواة، وليست جزءاً من حديث مرفوع. وأما
ثانياً، فلأن مجرد تلاوة هذه الآيات لا يقتضي أن تكون نزلت في هذه القصة، وربّما يتلو بعض
الروايات الآيات لكونها مناسبة بالقصة أو منطبقة عليها، كما تقرر في أصول التفسير. وقد ذكر ابن
إسحاق قصة لأهل نجران تشابه هذه القصّة، وذكر أنها هي القصة المقصودة في القرآن الكريم،
وراجع لها تفسير ابن كثير (٤: ٤٩٤). ولمولانا الشيخ حفظ الرحمن رحمه الله تعالى كلام طويل
مستوعب في تعيين أصحاب الأخدود، راجع له قصص القرآن (٣: ٣١٧).
(١٨) - باب: حديث جابر الطويل وقصة أبي اليسر
هذا حديث يجمع أحاديث سمعها عبادة بن الوليد (حفيد عبادة بن الصامت رعيته) من أبي
اليسر وجابر ◌ًا، رواها في سياق واحد، ونذكر تخريج كل حديث على حدة إن شاء الله تعالى،
فإنه لم يخرجه أحد بهذا السياق الطويل مجموعاً إلا المصنف رحمه الله تعالى.
قوله: (أبي حَزْرَة) بفتح الحاء وسكون الزاي، يقال: كنيته أبو يوسف، وأبو حزرة لقب،
وهو يعقوب بن مجاهد القرشي المدني القاصّ مولى بني مخزوم، وثقه النسائي وابن حبان،
وقال أبو زرعة: لا بأس به. وعن ابن معين قال: صويلح الحديث، وقال ابن سعد: كان قليل
الحديث مات بالإسكندرية (سنة: ١٤٩ هـ أو ١٥٠هـ). كذا في التهذيب (١١: ٣٩٤).
قوله: (فكأن أول من لقينا أبا اليسر) بفتح الياء والسّين. وهو كعب بن عمرو رضيْنه،

٤٠٠
الجزء السادس من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
رَسُولِ اللّهِ بِهِ. وَمَعَهُ غُلاَمٌ لَهُ. مَعَهُ ضِمَامَةٌ مِنْ صُحُفٍ. وَعَلَىْ أَبِي الْيَسَرِ بُرْدَةٌ وَمَعَافِرِيٌّ.
وَعَلَى غُلاَمِهِ بُرْدَةٌ وَمَعَافِرِيٌّ. فَقَالَ لَهُ أَبِي: يَا عَمِّ، إِنِّي أَرَى فِي وَجْهِكَ سُفْعَةٌ مِنْ غَضَبٍ.
قَالَ: أَجَلْ، كَانَ لِي عَلَى فُلاَنِ بْنِ فُلاَنٍ الْحَرَامِيِّ مَالٌ. فَأَتَيْتُ أَهْلَهُ فَسَلَّمْتُ. فَقُلْتُ: ثَمَّ
....
هُوَ؟ قَالُوا: لاَ. فَخَرَجَ عَلَيَّ ابْنٌ لَهُ جَفْرٌ. فَقُلْتُ لَهُ: أَيْنَ أَبُوكَ؟ قَالَ: سَمِعَ صَوْتَكَ .
مشهور بكنيته واسمه، شهد العقبة وبدراً، وله فيها آثار كثيرة، وهو الذي أسر العباس تظ له وقال
المدايني: كان قصيراً دحداحاً عظيم البطن، مات بالمدينة سنة خمس وخمسين، وقال ابن
إسحاق: كان من آخر من مات من الصحابة، كأنه يعني أهل بدر. كذا في الإصابة (٤: ٢١٧).
قوله: (معه ضمامة من صحف) الضّمامة، بكسر الضاد المعجمة: الرزمة، ومجموعة
الشيء، لأنها يضمّ بعضها إلى بعض. وقد وقع في بعض النسخ (إضمامة) بزيادة الهمزة
المكسورة في أولها، وهو المشهور في اللغة بهذا المعنى. والحاصل أنه كان عنده مجموعة من
الصحف.
قوله: (وعلى أبي اليسر بردة ومعافريّ) البُردة: شملة مخططة، وقيل: كساء مربع فيه صغر
يلبسه الأعراب وجمعه البُرد، والمعافريّ: بفتح الميم، نوع من الثياب يصنع بقرية تسمى معافر.
وذكر القاضي عياض أن أصل هذه التسمية أنها لقبيل من اليمن، سمّوا بذلك وأراهم نزلوها، أو
أصل ما سمّوا به جبل ببلادهم يقال له معافر. كذا في شرح الأبيّ.
والمقصود من هذا الكلام التنبيه على أن أبا اليسر ◌ُبه كان يلبس ما يلبسه غلامه. وإن كان
من الممكن أن يلبس معافريّين، ويُلبس غلامه بردين، أو على العكس ليصير لكل واحد منهما حلّة
متوافقة، ولكنه فعل ذلك عملاً بقوله ◌َ له: ((ألبسوهم ممّا تلبسون)) كما سيأتي في كلامه.
قوله: (سفعة) بضم السّين وسكون الفاء، وذكر النووي أنه يجوز فتح السين أيضاً، أي:
تغيّراً. والسفعة في أصل اللغة: السّواد والشّحوب. وقيل: نوع من السّواد ليس بالكثير. قال ابن
منظور في اللسان (٦: ٢٨١): ((ومنه حديث أبي اليسر: ((أرى في وجهك سُفعةً من غضب)) أي:
تغيّراً إلى السواد)).
قوله: (على فلان بن فلان الحراميّ) هذه نسبة إلى بني حرام بفتح الحاء والراء. ورواه
الطبري وغيره: (الحِزاميّ) بالزاي المعجمة مع كسر الحاء. ورواه ابن ماهان: (الجُذَاميّ) بجيم
مضمومة وذال معجمة.
قوله: (ثُمَّ هُو؟) هو استفهام بتقدير الهمزة، يعني: أهو ثمّة؟ و (ثمة) معناه: في ذلك
المكان.
قوله: (ابن له جفر) قال النووي: ((الجفر هو الذي قارب البلوغ، وقيل: هو الذي قوي
على الأكل وقيل: ابن خمس سنين)) وهو في أصل اللغة ولد المعز الذي بلغ أربعة أشهر وجفر