Indexed OCR Text
Pages 301-320
٣٠١ كتاب: الفتن وأشراط الساعة ((كَالْغَيْثِ اسْتَذْبَرَتْهُ الرِّيحُ. فَيَأْتِي عَلَى الْقَوْمِ فَيَدْعُوهُمْ، فَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَجِيبُونَ لَهُ. فَيَأْمُرُ السَّمَاءَ فَتُمْطِرُ، وَالأَرْضَ فَتُنْبِتُ، فَتَرُوحُ عَلَيْهِمُ سَارِحَتُهُمْ، أَطْوَلَ مَا كَانَتْ ذُراً، وَأَسْبَغَهُ ضُرُوعاً، وَأَمَدَّهُ خَوَاصِرَ. ثُمَّ يَأْتِي الْقَوْمَ. فَيَدْعُوهُمْ فَيَرُدُونَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ. فَيَنْصَرِفُ عَنْهُمْ. أما المناطق التي يوجد فيها الليل خلال أربع وعشرين ساعة، ولو لوقت قليل جداً، فإن لم يجدوا كان طول النّهار بقدر تحمّلهم للصوم، صاموا وأفطروا ليلهم ونهارهم، وإن كان طول النّهار فوق تحمّلهم للصّوم (مثل أن لا يجدوا من اللّيل وقتاً كافياً للأكل والشّرب، أو لا يكفيهم الأكل مرّة واحدة فقط في مدة أربع وعشرين ساعة) جاز لهم تقدير الأوقات أيضاً. وراجع أيضاً رد المحتار (١: ٣٦٥ و٣٦٦). قوله: (كالغيث استدبرته الريح) قال الأبيّ: ((والمراد بالغيث: الغيم، إطلاقاً للسبب على المسبّب، أي: يسرع في الأرض إسراع الغيم إذا استدبرته الريح)) وهو كناية من سرعة سيره في الأرض وقطع المسافات البعيدة في أقصر وقت. قوله: (فيأمر السّماء فتمطر، والأرض فتنبت) وظاهرٌ أن السّماء لا تمطر والأرض لا تنبت إلا بإذن الله تعالى، ولكن يظهر الله تعالى ذلك على يديه استدراجاً، وكذلك الأمور الّتي يجيء ذكرها من كون المؤمنين به في خصب ورفاهية، وكون المنكرين له في القحط والفقر، ومن إخراج الكنوز وإحياء الموتى. قال الخطابي رحمه الله تعالى في أعلام الحديث (٤: ٢٣٣١): ((وقد يُسأل عن هذا فيقال: كيف يجوز أن يُجري الله تعالى آياته على أيدي أعدائه؟ وإحياء الموتى آية عظيمة من آيات أنبيائه، فكيف مكّن منه الدجّال؟ وهو كذّاب مفتر على الله يدعي الربوبية لنفسه؟)). فالجواب: أن هذا جائز على سبيل الامتحان لعباده إذا كان منه ما يدلّ على أنه مبطل، غير مُحِقّ في دعواه، وهو أن الدجّال أعور عين اليمنى، مكتوب على جبهته كافر، يقرؤه كل مسلم، فدعواه داحضة مع وسم الكفر ونقص العور الشّاهدين بأنه لو كان ربّاً لقدر على رفع العور عن عينه ومحو السّمة عن وجهه. وآيات الأنبياء التي أعطوها الأنبياء بريئة عما يعار منها، (وعن) نقائضها، فلا يشتبهان بحمد الله)). قوله: (فتروح عليهم سارحتهم أطول ما كانت ذُراً) الرواحِ: رجوع الماشية في آخر النهار بعد الرعي. والسّارحة: الماشية تغدو بالغداة إلى المرعى، والذّرى، جمع الذروة، وهي أعلى كل شيء، وذروة الماشية سنامها. والمراد أن من يؤمن بالدجال يكون في خِصب، فترجع ماشيته بالمساء سمينة طويلة الأسنام. قوله: (أمدّه خواصر) وهي جمع الخاصرة، وامتداد الخاصرة كناية عن كثرة امتلائها بسبب الشَّبَعِ. ٣٠٢ الجزء السادس من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم فَيُصْبِحُونَ مُمْحِلِينَ لَيْسَ بِأَنْدِيهِمْ شَيْءٌ مِنْ أَمْوَالِهِمْ. وَيَمُرُّ بِالْخَرِبَةِ فَيَقُولُ لَهَا: أَخْرِجِي كُنُوزَكِ. فَتَتْبَعُهُ كُنُوزُهَا كَيَعَاسِيبِ النَّحْلِ. ثُمَّ يَدْعُو رَجُلاً مُمْتَلِئاً شَبَاباً، فَيَضْرِبُهُ بِالسَّيْفِ فَيَقْطَعُهُ جَزْلَتَيْنِ رَمْيَةَ الْغَرَضِ. ثُمَّ يَدْعُوهُ فَيُقْبِلُ وَيَتَهَلَّلُ وَجْهُهُ يَضْحَكُ. فَبَيْنَمَا هُوَ كَذَلِكَ إِذْ بَعَثَ اللَّهُ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ. فَيَنْزِلُ عِنْدَ الْمَنَارَةِ الَبَيْضَاءِ شَرْقِيَّ دِمَشْقَ. قوله: (فيصبحون مُمحلين) أي: أصابهم المحل، وهو القحط من قلة المطر ويبس الأرض. قوله: (ويمرّ بالخربة) بفتح الخاء وكسر الراء، وهي بمعنى المكان الخرب ليس به عمارة ولا زرع. قوله: (كيعاسيب النّحل) اليعاسيب جمع يعسوب. واليعسوب: أمير النحل الذي إذا طار تبعته جماعته، والمعنى أن كنوز الأرض تتبع الدجّال كما تتبع النّحل أميرها، فشبّه الدجال باليعسوب، والكنوز بالنّحل. وقيل: المراد باليعاسيب هنا: جماعة النحل، وقيل: ذكورها خاصّة. فشبّهت الكنوز بجماعة النّحل في كثرتها . قوله: (فيقطعه جزلتين) بفتح الجيم، بمعنى القطعتين، ورواه بعضهم بكسر الجيم، ورجح القرطبي والنووي الفتح. قوله: (رَمْيَة الغرض) الغرض: الهدف الذي يرمى إليه، والرّمية: مرّة من الرّمي. والمراد أنّه يفرّق جسمه في قطعتين بينهما مسافة بقدر رَمية الغرض. وهذا المعنى هو الذي رجّحه أكثر الشّرّاح، وذكر القاضي عياض أن في الكلام تقديماً وتأخيراً، وذكر تفسيراً لم يتضح لي وجهه. قوله: (فيقبل ويتهلّل وجهه يضحك) أي: يصير حيّاً بعد ما كان ميّتاً، وتقدم أنه على سبيل الاستدراج. قوله: (عند المنارة البيضاء شرقي دمشق) قال النووي: ((أما المنارة، فبفتح الميم. وهذه المنارة موجودة اليوم شرقيّ دمشق)) وظاهره أنه عليه السلام ينزل بدمشق، وهو الذي جزم به البرزنجي في الإشاعة (ص: ١٤٥) وقال السيوطي رحمه الله في مصباح الزجاجة (ص: ٢٩٧): ((قال الحافظ ابن كثير: هذا هو الأشهر في موضع نزوله، وقد جددت منارة في زماننا في سنة إحدى وأربعين وسبعمائة من حجارة بيض. ولعل هذا يكون من دلائل النبوة الظاهرة، حيث فرض الله بناء هذه المنارة لينزل عيسى بن مريم عليه السلام عليها ... ثم قال الحافظ ابن كثير: وقد ورد في بعض الأحاديث أن عيسى عليه السلام ينزل ببيت المقدس، وفي رواية: بالأردن، وفي رواية: بمعسكر المسلمين، فالله أعلم. قلت (قائله السيوطي): حديث نزوله ببيت المقدس عند المصنف (يعني: ابن ماجه) وهو عندي أرجح، ولا ينافي سائر الروايات، لأن بيت المقدس هو شرقيّ دمشق، وهو معسكر المسلمين إذ ذاك، والأردن اسم الكورة كما في الصحاح، وبيت ٣٠٣ كتاب: الفتن وأشراط الساعة بَيْنَ مَهْرُودَتَيْنِ. وَاضِعاً كَفَّيْهِ عَلَى أَجْنِحَةِ مَلَّكَيْنِ. المقدس داخل فيه، فاتفقت الروايات. فإن لم يكن في بيت المقدس الآن منارة بيضاء، فلا بدّ أن تحدث قبل نزوله)). وما رجّحه السيوطي رحمه الله من نزول عيسى عليه السلام ببيت المقدس، اختاره أيضاً شيخ مشايخنا الكنكوهي رحمه الله تعالى في الكوكب الدرّي (٣: ١٦٤)، ولكنّه تأوّل في حديث الباب بغير ما تأول به السيوطيّ، فقال: المراد في هذا الحديث أن نزوله في بيت المقدس إنما يكون في الجانب الشرقيّ. ولما كان هذا يحتمل مواضع كثيرة لما في الجانب الشّرقيّ من الاتساع، عيّن أحد المحتملات بإبدال دمشق من الشرقي أو ببيانه عنه، فكان المعنى أن نزوله يكون في الجانب الشرقيّ من بيت المقدس)) وحاصله أن قوله (دمشق) في الحديث بدل من قول (شرقي) أو هو عطف بيان له، والمراد من (الشّرقيّ) الجهة الشّرقيّة من بيت المقدس، لا من دمشق. ولكن حينما كانت الجهة الشّرقية في بيت المقدس متّسعة عيّن منها ناحية مخصوصة، وهي التي تقع مواجهة لدمشق. وإن تأويل الشيخ الكنكوهيّ رحمه الله إنما يقتضي أن يكون بيت المقدس في جهة الغرب من دمشق، وتأويل السيوطيّ يقتضي عكس ذلك. والظاهر أنّ تأويل الشيخ الكنكوهيّ هو الراجح، لأن بيت المقدس ليس في جهة الشرق من دمشق، وإنما هو في جهة الجنوب الغربيّ منها، وإنّ دمشق تقع في الشّمال الشّرقيّ منه، كما هو ظاهر من مراجعة خريطة هذه المناطق. وهذا ما يقوّي تأويل الشيخ الكنكوهيّ رحمه الله، إلا أن هذا التأويل لا ينطبق على لفظ حديث الباب إلا بتكلّف، لأنه لا ذِكرَ فيه لبيت المقدس حتى يفسّر لفظ (الشرقي) فيه بالجهة الشرقية من بيت المقدس . وإنما احتاج هؤلاء إلى التأويل في حديث الباب من أجل الحديث الذي زعموا أنه ذكر فيه نزول عيسى عليه السلام ببيت المقدس. ولم أجد ذلك صريحاً في حديث من أحاديث ابن ماجه. ولعلّهم قصدوا بذلك حديث أبي أمامة رول (رقم: ٤١٢٨) لكنه ليس صريحاً في ذلك، ولفظه: ((فقالت أم شريك بنت أبي العسكر: يا رسول الله! فأين الحرب يومئذ؟ قال: هم يومئذ قليل وجلّهم ببيت المقدس، وإمامهم رجل صالح، فبينما إمامهم قد تقدم يصلي بهم الصبح إذ نزل عليهم عيسى بن مريم)) الحديث. فالمذكور في هذا الحديث أن أكثر العرب يومئذ يكونون ببيت المقدس، ويكون إمامهم رجلاً صالحاً، ثم قد ذكر نزول عيسى بن مريم عليهما السلام بجملة مستأنفة لا ذكر فيها لموضع نزوله، فيحتمل أن يكون بيت المقدس، ويحتمل أن يكون غيره، فهذا الحديث لا ينافي حديث الباب حيث ذكر فيه أنه عليه السلام سوف ينزل في شرقيّ دمشق، فلا حاجة إلى التأويل فيه، والله سبحانه وتعالى أعلم. قوله: (بين مَهْرُوْدَتَيْن) بوزن مفعولتين بالدال المهملة، وروي بالذال المعجمة أيضاً، أي: ٣٠٤ الجزء السادس من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم إِذَا طَأْطَأَ رَأْسَهُ قَطَرَ. وَإِذَا رَفَعَهُ تَحَدَّرَ مِنْهُ جُمَانٌ كَاللُّؤْلُوِ. فَلاَ يَحِلُّ لِكَافِرٍ يَجِدُ رِيحَ نَفَسِهِ إِلَّ مَاتَ. وَنَفَسُهُ يَنْتَهِي حَيْثُ يَنْتَهِي طَرْفُهُ. فَيَظْلُبُهُ حَتَّى يُدْرِكَهُ بِبَابٍ لُدِّ. فَيَقْتُلُهُ. ثُمَّ يَأْتِي ثوبين مصبوغين بورس ثم بزعفران، كما في شرح النوويّ. وهذا كناية عن جمال ملبسه عليه السلام. قوله: (إذا طأطأ رأسه قطر) إلخ: أي: إذا خفض رأسه قطر منه الماء، وإذا رفعه تحدّر منه تحدُّراً، أي: نزل ببطء، وصفة ذلك الماء كالجُمان، وهو حبّات من الفضّة، تُشبه اللؤلؤ في صفائها وحسنها. وهذا كلّه كناية عن حسن سيّدنا عيسى وجمال خلقته الشريفة عليه الصلاة والسلام إلى جمال ثيابه الذي تقدّم ذكره. هذا ما ذكره العلماء في توجيه معنى هذه الجملة. وقال فضيلة شيخنا الشيخ عبد الفتاح أبو غذّة، حفظه الله تعالى في تعليقه على (التصريح بما تواتر في نزول المسيح) (ص: ١١٦): ((ولعلّ الأولى بتفسير هذه الجملة أن ذلك إشارة إلى حياته عليه السّلام، وأنه ينزل على الحال التي رُفع عليها إلى السماء، فقد روى الحافظ ابن كثير في تفسيره (١ : ٥٧٤) عن أبي حاتم بسنده إلى ابن عباس قال: لمّا أراد الله أن يرفع عيسى عليه السلام إلى السّماء خرج على أصحابه ورأسه يقطر ماء ... فيكون نزوله عليه السلام كالحال التي رفعه الله عليها)). قوله: (فلا يحلّ لكافر يجد ريح نَفَسه إلا مات) أي: لا يمكن ولا يقع لكافر يجد ريح نَفَس عيسى عليه السلام إلا مات. وقال القرطبي رحمه الله: ((ومعناه: أن الكفار لا يقربونه، وإنما يهلكون عند رؤيته، ووصول نفسه إليهم حفظ من الله سبحانه له، وإظهار لكرامته)). وقال العلامة علي القاري في المرقاة (١٠: ١٩٨): ((ويجوز كون الدجال مستثنى من هذا الحكم لحكمة إراءة دمه في الحربة، ليزداد كونه ساحراً في قلوب المؤمنين. ويجوز كون هذه الكرامة لعيسى أولاً حين نزوله، ثم تكون زائلة حين يرى الدجال، إذ دوام الكرامة ليس بلازم. وقيل: النفَس الذي يموت الكافر هو النّفَس المقصود به إهلاك الكافر، لا النّفَس المعتاد، فعدم موت الدجال لعدم النّفَس المراد. وقيل: المفهوم منه أن من وجد من نَفس عيسى من الكفار يموت، ولا يفهم منه أن يكون ذلك أول وصول نَفَسه. فيجوز أن يحصل ذلك بهم بعد أن يريهم عيسى عليه الصلاة والسلام دم الدجال في حربته للحكمة المذكورة)). ثم قال العلامة علي القاري: ((من الغريب أن نفَس عيسى عليه السّلام تعلق به الإحياء لبعض، والإماتة لبعض)) ومقصوده أن عيسى عليه السلام قد أوتي عند بعثته معجزة إحياء الموتى بنفسه، وفي آخر حياته يصير نفَسه سبباً لموت الكفّار)). قوله: (حيث ينتهي طرفُه) بسكون الراء، يعني: بصره. قوله: (حتى يدركه بباب لُدّ) بضم اللام وتشديد الدال، بلدة معروفة في فلسطين، قريبة من بيت المقدس، ولحكومة إسرائيل فيها مطار اليوم. ٣٠٥ كتاب: الفتن وأشراط الساعة عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ قَوْمٌ قَدْ عَصَمَهُمُ اللَّهُ مِنْهُ. فَيَمْسَحُ عَنْ وُجُوهِهِمْ وَيُحَدِّثُهُمْ بِدَرَجَاتِهِمْ فِي الْجَنَّةِ. فَبَيْنَمَا هُوَ كَذَلِكَ إِذْ أَوْحَى اللَّهُ إِلَى عِيسَى: إِنِّي قَدْ أَخْرَجْتُ عِبَادًاً لِي، لاَ يَدَانِ لِأَحَدٍ بِقِتَالِهِمْ. فَحَرِّزْ عِبَادِي إِلَى الطُّورِ، وَيَبْعَثُ اللَّهُ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ. وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ. فَيَمُرُّ أَوَائِلُهُمْ عَلَى بُخَيْرَةٍ طَبَرِيَّةَ. فَيَشْرَبُونَ مَا فِيهَا. وَيَمُرُّ آخِرُهُمْ فَيَقُولُونَ: لَقَّذْ كَانَ بِهَذِهِ، مَرَّةٌ، مَاءٌ. قوله: (قد عصمهم الله منه) أي: حفظهم من شرّ الدجّال. قوله: (فيمسح عن وجوههم) أي: يزيل عنها ما أصابها من غبار سفر الغزو مبالغة في إكرامهم، أو المعنى: يكشف ما نزل بهم من آثار الكآبة والحزن على وجوههم بما يسّرهم من خبره بقتل الدجال. قال القاضي عياض رحمه الله: ((هو على ظاهره للتبرك، والإشارة إلى إذهاب ما نزل بهم من الخوف)). قوله: (أخرجت عباداً لي) أي: أظهرت جماعة منقادة لقضائي وقدري، والمراد منهم يأجوج ومأجوج. والمعهود في الكتاب والسنّة عموماً أنه إذا قُصد بالعباد الكفّار والطّغاة أضيفوا إلى الله سبحانه بواسطة اللام، كما في قوله تعالى في سورة بني إسرائيل: ﴿يَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَّاً أُوْلِى بَأْسِ شَدِيدٍ﴾ [الإسراء: ٥]، وأما إذا أريد به المسلمون والصلحاء، أضيفوا إلى الله تعالى بلا واسطة. قوله: (لا يَدَانِ لأحد بقتالهم) أي: لا طاقة لأحد، واليدان كناية عن القوة، لأنهما مظهر القوة . قوله: (فَحرِّز عبَادِي إلى الطّور) أي: احفظهم وضُمَّهم. والمراد من العباد هنا المسلمون، فأضيفوا إلى الله تعالى بدون واسطة اللام. والطُّور جبل معروف. قوله: (من كلّ حدب ينسلون) الحَدَب، بفتحتين: المكان المرتفع من الأرض. و (يَنْسِلُوْنَ) بمعنى (يُسرعون). قوله: (فيمرّ أوائلهم على بحيرة طَبَريّة) البُحيرة تصغير للبحر، وبُحيرة الطّبريّة، بفتح الطاء والباء، بحيرة من أعمال الأردن في طرف الغور وفي طرف جبل، وجبل الطّور مُطِلّ عليها، وتُطل على هذه البحيرة مدينة طبَرِيّة، وهي التي ينسب إليها الإمام الطبرانيّ صاحب المعاجم الثّلاثة. أما النسبة إلى طَبَرِسْتَان فَطَبريّ، وراجع معجم البلدان لياقوت الحمويّ (٥: ١٧ و١٨). قوله: (لقد كان بهذه مرّةً ماء) يعني: أن أوائلهم يشربون ماء البحيرة كلّه، حتى لا يبقى للماء فيها إلا آثار، فيمرّ عليها أواخرهم، فيدركون بهذه الآثار أنها كان فيها ماء. ٣٠٦ الجزء السادس من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم وَيُحْصَرُ نَبِيُّ اللَّهِ عِيسَى وَأَضْحَابُهُ. حَتَّى يَكُونَ رَأْسُ الثَّوْرِ لأَحَدِهِمْ خَيْراً مِنْ مِئَةِ دِينَارٍ لِأَحَدِكُمُ الْيَوْمَ. فَيَرْغَبُ نَبِيُّ اللَّهِ عِيسَى وَأَضْحَابُهُ. فَيُرْسِلُ اللَّهُ عَلَيْهِمُ النَّغَفَ فِي رِقَابِهِمْ. فَيُصْبِحُونَ فَرْسَى كَمَوْتِ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ. ثُمَّ يَهِْطُ نَبِيُّ اللَّهِ عِيسَى وَأَصْحَابُهُ إِلَى الأَرْضِ. فَلاَ يَجِدُونَ فِي الأَرْضِ مَوْضِعَ شِبْرٍ إِلاَّ مَلأَهُ زَهَمُهُمْ وَنَنْتُهُمْ. فَيَرْغَبُ نَبِيُّ اللَّهِ عِيسَى وَأَضْحَابُهُ إِلَى اللَّهِ. فَيُرْسِلُ اللَّهُ طَيْراً كَأَغْنَاقِ الْبُخْتِ فَتَحْمِلُهُمْ فَتَظْرَحُهُمْ حَيْثُ شَاءَ اللَّهُ. قوله: (ويُحصَر نبيّ الله عيسى وأصحابه) أي: يبقون محصورين على جبل الطّور. قوله: (حتى يكون رأس الثّور لأحدهم خيراً من مائة دينار) يعني: أنه تبلغ بهم الفاقة إلى حدّ نَفَادٍ أغذيتهم وهم محاصرون بيأجوج ومأجوج، حتى لا يوجد رأس الثّور إلا بمائة دينار، وهذا مع كمال رُخص البقر في تلك الديار، ومع أن رأس الثّور لا يرغب فيه النّاس رغبتهم في لحم الأعضاء الأخرى من البقر. قوله: (فيرغب نبيّ الله عيسى وأصحابه) أي: يدعون الله تعالى، والرغبة ههنا بمعنى الدعاء، وزاد في بعض الروايات: ((إلى الله)). قوله: (فيرسل الله عليهم النغف) بفتح النون والغين المعجمة، دود يكون في أنوف الإبل والغنم، وواحدته: نغفة. وهذا استجابة لدعاء عيسى عليه السلام وأصحابه. قوله: (فيصبحون فرسى) كهلكى، وزناً ومعنى. وهو جمع فريس، كقتيل وقتلى، وهو مشتق من فَرَسَ الذئبُ الشّاة: إذا كسرها وقتلها، ومنه فريسة الأسد. قوله: (كموت نفس واحدة) يعني: يهلكون جميعاً دفعة واحدة. قال التوربشتي رحمه الله: ((يريد أن القهر الإلهي الغالب على كل شيء يفرسهم دفعة واحدة فيصبحون قتلى. وقد نبه بالكلمتين أعني: (النغف) و (فرسى) على أنه سبحانه يهلكهم في أدنى ساعة بأهون شيء، وهو النغف، فيفرسهم فرس السّبُع فريسته، بعد أن طارت نفرة البغي في رؤوسهم، فزعموا أنهم قاتلو من في السماء)) كذا في المرقاة. قوله: (ملأه زهمهم) بفتح الزاي والهاء، وهو النتن، والدسومة، يقال: زهمت يدي، بكسر الهاء، أي: دسمت. ثم استعيرت الكلمة للنتن، لأن الدسومة تنتن بعد قليل. وذكر التوربشتي أن الزهم بفتحتين معناه الدسومة، والزُّهْمُ بضم الزاي وسكون الهاء: الريح المنتنة. وذكر في القاموس أن الزُّهْمَة: ريح لحم سمين منتن. قوله: (طيراً كأعناق البخت) بضم الباء وسكون الخاء، نوع من الإبل طوال الأعناق. قوله: (فتطرحهم حيث شاء الله) يعني: أن هذه الطير تحمل جثث يأجوج ومأجوج وتطرحها في مكان بعيد. وذلك لتطهير الأرض المعمورة من جثثهم المنتنة. ٣٠٧ كتاب: الفتن وأشراط الساعة ثُمَّ يُرْسِلُ اللَّهُ مَطَراً لاَ يَكُنُّ مِنْهُ بَيْتُ مَدَرٍ وَلاَ وَبَرٍ. فَيَغْسِلُ الأَرْضَ حَتَّى يَتْرُكَهَا كَالزََّفَةِ. ثُمَّ يُقَالُ لِلأَرْضِ: أَنْبِي ثَمَرَتَكِ، وَرُدِّي بَرَكَتَكِ. فَيَوْمَئِذٍ تَأْكُلُ الْعِصَابَةُ مِنَ الرُّمَّانَةِ. وَيَسْتَظِلُونَ بِقِحْفِهَا. وَيُبَارَكُ فِي الرِّسْلِ، حَتَّى أَنَّ اللُّفْحَةَ مِنَ الإِلِ لَتَكْفِي الْفِقَامَ مِنَ النَّاسِ. وَاللَّقْحَةَ مِنَ الْبَقَرِ لَتَكْفِي الْقَبِلَةَ مِنَ النَّاسِ. وَاللَّقْحَةَ مِنَ الْغَنَمِ لَتَكْفِي الْفَخِذَ مِنَ النَّاسِ. قوله: (ثمّ يرسل الله مطراً) وزاد الترمذي قبله: ((ويستوقد المسلمون من قسيّهم ونشابهم وجعابهم سبع سنين، ثم يرسل الله مطراً)) والنشاب: السهام، والجعاب: طرف النشاب. قوله: (لا يكنّ منه بيت مدر ولا وبر) بضمّ الكاف وتشديد النون، وهو من كننت الشيء: أي: سترته وصنته عن الشمس، وهي من أكننت الشيء بهذا المعنى، والمفعول محذوف. والجملة صفة (مطراً) يعني: أن هذا المطر لا يستر منه شيئاً بيتُ مدر ولا وبر. والمراد أن هذا المطر يصيب كل شيء سواء كان ذلك الشيء تحت سقف البيت، لأن الماء يتقاطر من السقف أيضاً . قوله: (بيتُ مدر ولا وبر) برفع (بيتُ) على كونه فاعلاً لقوله (يكنّ)، والمدر بفتح الميم والدال: تراب وحجر، والوبر، بفتح الواو وسكون الباء، صوف الغنم وشعرها. والمراد من بيت مدر بيوت المدر، لأنها تبنى بالمدر غالباً، ومن بيوت الوبر: بيوت الريف لأنها كانت تبنى من صوف الغنم عموماً. فالمراد: بيت مدينة ولا قرية. قوله: (كالزّلفَة) بفتح الزاي واللام، أي: كالمرآة في صفائها ونقائها، وقيل: معناه: المصنع الذي يجتمع فيه الماء، وقيل: الإجّانة الخضراء، وقيل: الصحفة، وقيل: الرّوضة، ويروى (كالزّلقة) بالقاف مكان الفاء، ومعناهما واحد. قوله: (تأكل العصابة من الرّمّانة) العصابة: الجماعة، والمراد أن الرّمانة الواحدة تشبع جماعة من الناس لكبرها، وذلك من بركة الأرض. قوله: (ويستظلّون بقحفها) بكسر القاف وسكون الحاء، أي: بقشرها، والقحف في الأصل عظم مستدير فوق دماغ الآدميّ، واستعير هنا لما يلي رأس الرمانة من القشر. يعني: أن الرمانة تكون كبيرة بحيث يُستظلّ بقشرها . قوله: (ويبارك في الرِسْل) بكسر الراء وسكون السّين، أي: اللبن. قوله: (حتى أن اللقحة من الإبل لتكفي الفئام) اللقحة، بكسر اللام وفتحها، والكسر أشهر: الناقة الحلوبة، والفئام، بكسر الفاء بوزن (رجال): الجماعة، ولا واحد له من لفظه. والمراد أن لبن الناقة الواحدة يكفي لجماعة من الناس، والمراد من الفئام هنا جماعة أكثر من القبيلة. قوله: (لتكفي الفخذ من الناس) الفخذ هنا بسكون الخاء، وهي جماعة من الأقارب، وهم ٣٠٨ الجزء السادس من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم فَبَيْنَمَا هُمْ كَذَلِكَ إِذْ بَعَثَ اللَّهُ رِيحاً طَيِّبَةٌ. فَتَأْخُذُهُمْ تَحْتَ أَبَاطِهِمْ، فَتَقْبِضُ رُوحَ كُلِّ مُؤْمِنٍ وَكُلِّ مُسْلِمٍ. وَيَبْقَى شِرَارُ النَّاسِ. يَتَهَارَجُونَ فِيهَا تَهَارُجَ الْحُمُرٍ، فَعَلَيْهِمْ تَقُومُ السَّاعَةُ)). ٧٣٠٠ - (١١١) حدّثنا عَلِيُّ بْنُ حُجْرِ السَّعْدِيُّ. حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ بْنِ جَابِرٍ وَالْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ. قَالَ ابْنُ حُجْرٍ: دَخَلَ حَدِيثُ أَحَدِهِمَا فِي حَدِيثِ الآخَرِ - عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ بْنِ جَابِرٍ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، نَحْوَ مَا ذَكَرْنَا، وَزَادَ بَعْدَ قَوْلِهِ (( - لَقَدْ كَانَ بِهَذِهِ، مَرَّةً، مَاءٌ - ثُمَّ يَسِيرُونَ حَتَّى يَنْتَهُوا إِلَى جَبَلِ الْخَمَرِ. وَهُوَ جَبَلُ بَيْتِ الْمَقْدِسِ. فَيَقُولُّونَ: لَقَدْ قَتَلْنَا مَنْ فِي الأَرْضِ. هَلُمَّ فَلْنَقْتُلْ مَنَ فِي السَّمَاءِ، فَيَرْمُونَ بِنُشَّابِهِمْ إِلَى السَّمَاءِ، فَرُدُّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ نُشَّابَهُمْ مَخْضُوبَةً دَماً» . دون البطن، والبطن دون القبيلة. والفخذ، بكسر الخاء: العضو المعروف. أفاده القاضي عیاض. قوله: (فبينماهم كذلك) إن (ما) في (بينما) عوض عن المضاف إليه المقدر، وهو (الوقت) أو (الأوقات)، والتقدير: بين أوقات هم فيها كذلك يتنعمون في طيب العيش، إذ بعث الله إلخ، و (إذ) للمفاجأة. ووقع في رواية الترمذي (بيناهم) بغير الميم، والألف فيه عوض عن المضاف إليه . قوله: (يتهارجون فيها تهارج الحُمُر) بضمتين، جمع الحمار، والتّهارج: الاختلاط، والمراد هنا: المجامعة. قال النووي: ((أي: يجامع الرجال النساء بحضرة الناس كما يفعل الحمير، ولا يكترثون لذلك. والهَرْج، بإسكان الراء: الجماع. يقال: هرج زوجته، أي: جامعها، يهرجها، بفتح الراء وضمها وكسرها)). وفسّره بعضهم بأن المراد من التهارج هُنا: التخاصم، فإن الأصل في الهرج: القتل وسرعة عدو الفرس، وهرج في حديثه: أي: خلط. وراجع المرقاة (١٠: ٢٠٢). ١١١ - (٠٠٠) - قوله: (حتى ينتهوا إلى جبل الخمر) بفتح الخاء والميم، وهو الشجر الملتف الذي يستر من فيه، وقد فسره في الحديث بأنه جبل بيت المقدس لكثرة شجره. قوله: (لقد قتلنا من في الأرض) أي: من كان ظاهراً فيها، وقد مرّ أن عيسى عليه السلام وأصحابه يكونون محصورين مستورين. قوله: (فلنقتل من في السّماء) يعنون الله تعالى، والعياذ بالله، أو أصحاب الملأ الأعلى. قوله: (فيرمون بنُشَّابهم) بضم النون وتشديد الشين، ومفرده: نُشّابة، وهي السّهم. قوله: (مخضوبة دماً) استدراجاً لهم، مع احتمال إصابة سهامهم لبعض الطيور، فيكون فيه إشارة إلى إحاطة فسادهم بالسفليات والعلويات. كذا في المرقاة. ٣٠٩ كتاب: الفتن وأشراط الساعة وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ حُجْرِ: ((فَإِنِّي قَدْ أَنْزَلْتُ عِبَاداً لِي، لاَ يَدَيْ لِأَحَدٍ بِقِتَالِهِمْ)). (٢١) - باب: في صفة الدجال، وتحريم المدينة عليه، وقتله المؤمن وإحيائه ٧٣٠١ - (١١٢) حدّثني عَمْرٌو النَّاقِدُ وَالْحَسَنُ الْحُلْوَانِيُّ وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ. وَأَلْفَاظُهُمْ مُتَقَارِبَةٌ. وَالسِّيَاقُ لِعَبْدٍ. (قَالَ: حَدَّثَنِي. وَقَالَ الآخَرَانِ: حَدَّثَنَا) يَعْقُوبُ - وَهُوَ ابْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ - حَدَّثَنَا أَبِي، عَنْ صَالِحٍ، عَنِ ابْنٍ شِهَابٍ. أَخْبَرَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنَ عُتْبَةَ؛ أَنَّ أَبَا سَعِيدِ الْخُدْرِيَّ قَالَ: حَدَّثَنَا رَسُولُ اللَّهِ وَهِ يَوْماً حَدِيثاً طَوِيلاً عَنِ الدَّجَّالِ. فَكَانَ فِيمَا حَدَّثَنَا قَالَ: ((يَأْتِي، وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْهِ أَنْ يَدْخُلَ نِقَابَ الْمَدِينَةِ، فَيَنْتَهِي إِلَى بَعْضِ السِّبَاخِ الَّتِي تَلِي الْمَدِينَةَ. فَيَخْرُجُ إِلَيْهِ يَوْمَئِذٍ رَجُلٌ هُوَ خَيْرُ النَّاسِ، أَوْ مِنْ خَيْرِ قوله: (لا يَدَيْ لأحد بقتالهم) وإنما نصب (اليدين) من حيث كونها اسماً لكلمة نفي الجنس مع حذف النون وهو لغة. (٢١) - باب: في صفة الدجال وتحريم المدينة عليه إلخ ١١٢ - (٢٩٣٨) - قوله: (أن أبا سعيد الخدريّ قال) هذا الحديث أخرجه البخاري في فضائل المدينة، باب لا يدخل الدجال المدينة (١٨٨٢)، وفي الفتن، باب لا يدخل الدجال المدينة ٧١٣٢، وأخرجه أحمد في مسنده (٣: ٣٦) والبغوي في شرح السنة (١٥: ٥٩). قوله: (حديثاً طويلاً عن الدجّال) وقد ورد عن أبي سعيد عدة أحاديث في صفة الدجّال، يمكن أن تكون مأخوذة من هذا الحديث الطويل الذي لم يذكره هنا بطوله. فمنها ما مرّ في قصة ابن صيّاد أن الدجال يهوديّ وأنه لا يولد له. وورد عنه عند أبي يعلى والبزار: ((ومعه مثل الجنة والنار، وبين يديه رجلان ينذران أهل القرى، كلما خرجا من قرية دخل أوائله)) وهو عند أحمد بن منيع مطول، وسنده ضعيف. وفي رواية أبي الوداك عن أبي سعيد رفعه في صفة عين الدجال أيضاً، وفيه: ((معه من كل لسان، ومعه صورة الجنة خضراء يجري فيها الماء، وصورة النار سوداء تدخن)) كذا في فتح الباري (١٣: ١٠٢). قوله: (نقاب المدينة) بكسر النون، أي: طرقها، وهو جمع نقب، وهو الطريق بين جبلین . قوله: (إلى بعض السِّباخ) بكسر السين، جمع سَبَخَة بثلاث فتحات، وهي الأرض الرملة التي لا تنبت لملوحتها، وهذه الصفة لأرض خارج المدينة من غير جهة الحرة، يعني: أنه لا يمكّن من دخول المدينة، فينزل إلى هذه الأرض. قوله: (فيخرج إليه يومئذ رجل هو خير الناس) وفي رواية عطية عند أبي يعلى والبزار: ٣١٠ الجزء السادس من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم النَّاسِ. فَيَقُولُ لَهُ: أَشْهَدُ أَنَّكَ الدَّجَّلُ الَّذِي حَدَّثَنَا رَسُولُ اللَّهِ ◌ِِّ حَدِيثَهُ. فَقُولُ الدَّجَّالُ: أَرَأَنْتُمْ إِنْ قَتَلْتُ هَذَا ثُمَّ أَخْيَيْتُهُ، أَتَشُكُونَ فِي الأَمْرِ؟ فَيَقُولُونَ: لاَ. قَالَ: فَيَقْتُلُهُ ثُمَّ يُخِیهِ. فَيَقُولُ حِينَ يُحْبِيهِ: وَاللَّهِ، مَا كُنْتُ فِيكَ قَطُّ أَشَذَّ بَصِيرَةً مِنِّى الآنَ. قَالَ: فَيُرِيدُ الدَّجَّالُ أَنْ يَقْتُلَهُ فَلاَ يُسَلَّطُ عَلَيْهِ)) . قَالَ أَبُو إِسْحَاقَ: يُقَالُ إِنَّ هَذَا الرَّجُلَ هُوَ الْخَضِرُ عَلَيْهِ السَّلامُ. ((والمؤمنون متفرقون في الأرض، فيجمهم الله، فيقول رجل منهم: والله لأنطلقنّ فلأنظرنّ هذا الذي أنذرناه رسول الله وَالر، فيمنعه أصحابه خشية أن يفتتن به، فيأتي حتى إذا أتى أدنى مسلحة من مسالحه (أي: في معسكر الدجال) أخذوه فسألوه: ما شأنه؟ فيقول: أريد الدجال الكذاب، فيكتبون إليه بذلك فيقول: أرسلوا به إليّ، فلما رآه عرفه)) وعطية ضعيف وقد وثق. قوله: (فيقول الدجّال) إلخ: وزاد عطية في روايته المذكورة قبل ذلك: ((فيقول له الدجال: لتطيعني فيما آمرك به، أو لأشقنك شقتين، فينادي: يا أيها الناس هذا المسيح الكذاب، فيقول الدجال إلخ)). قوله: (فيقولون: لا) أي: لا نشك. ولعلهم قالوا ذلك خوفاً منه لا تصديقاً له، ويحتمل أنهم قصدوا: لا نشكّ في كذبك ودجلك، وخادعوه بهذه التورية. ويحتمل أن يكون القائلون هذا الكلام أتباعه من اليهود ممن قدّر الله شقاوتهم. قوله: (فلا يسلّط عليه) وسيأتي تفصيل ذلك في رواية أبي الودّاك الآتية. وهذا أدلّ دليل على أن ما فعله من قبلُ من إحياء الميت كان على سبيل الاستدراج. فمن كان قد اغترّ بفعلته الأولى ينكشف له دجله في آخر الأمر. قوله: (قال أبو إسحاق) المراد منه إبراهيم بن سفيان راوي هذا الكتاب عن الإمام مسلم كما صرح به النووي، وذكر القرطبي أن المراد به أبو إسحاق السّبعي، ولكن ردّه الحافظ في الفتح (١٣: ١٠٤)، لأنه لا يوجد له ذكر في إسناد هذا الحديث. فالظاهر أنه وهم منه رحمه الله. قوله: (هو الخضر عليه السّلام) ولعلّ مستنده ما قاله معمر في جامعه بعد ذكر هذا الحديث: ((بلغني أن الذي يقتل الدجّالُ: الخضر)) وكذا أخرجه ابن حبان من طريق عبد الرزاق عن معمر قال: ((كانوا يرون أنه الخضر)) وقال ابن العربي: («سمعت من يقول: إن الذي يقتله الدجال هو الخضر، وهذه دعوى لا برهان لها)) لكن قال الحافظ في الفتح: ((قلت: وقد تمسك من قاله بما أخرجه ابن حبان في صحيحه من حديث أبي عبيدة بن الجراح رفعه في ذكر الدجال: (لعله أن يدركه بعض من رآني أو سمع كلامي) الحديث)) ووجه الاستدلال بهذا الحديث أنه لم يبق أحد اليوم ممن رأى رسول الله وير أو سمع كلامه إلا الخضر عليه السلام على قول من يقول ٣١١ كتاب: الفتن وأشراط الساعة ٧٣٠٢ - (٠٠٠) وحدّثني عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الدَّارِمِيُّ. أَخْبَرَنَا أَبُو الْيَمَانِ. أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، فِي هَذَا الإِسْنَادِ، بِمِثْلِهِ. ٧٣٠٣ - (١١٣) حدّثني مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قُهْزَاذَ، مِنْ أَهْلِ مَرْوَ. حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُثْمَانَ، عَنْ أَبِي حَمْزَةَ، عَنْ قَيْسٍ بْنِ وَهْبٍ، عَنْ أَبِي الْوَدَّاكِ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُذْرِيِّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ وَّهِ: ((يَخْرُجُ الذَّجَّالُ فَيَتَوَجَّهُ قِبَلَهُ رَجُلٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ، فَتَلْقَاهُ الْمَسَالِحُ، مَسَالِحُ الذَّجَّالِ. فَيَقُولُونَ لَهُ: أَيْنَ تَعْمِدُ؟ فَيَقُولُ: أَعْمِدُ إِلَى هَذَا الَّذِي خَرَجَ. قَالَ: فَيَقُولُونَ لَهُ: أَوَ مَا تُؤْمِنُ بِرَبِّنَا؟ فَيَقُولُ: مَا بِرَبْنَا خَفَاءٌ. فَيَقُولُونَ: اقْتُلُوهُ. فَيَقُولُ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: أَلَيْسَ قَدْ نَهَاكُمْ رَبُّكُمْ أَنْ تَقْتُلُوا أَحَداً دُونَهُ. قَالَ: فَيَنْطَلِقُونَ بِهِ إِلَى الدَّجَّالِ. فَإِذَا رَآهُ الْمُؤْمِنُ قَالَ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ، هَذَا الدَّجَّالُ الَّذِي ذَكَرَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ. قَالَ: فَيَأْمُرُ الدَّجَّلُ بِهِ فَيُشَبَّحُ. فَيَقُولُ: خُذُوهُ وَشُجُوهُ. فَيُوسَعُ ظَهْرُهُ وَبَطْتُهُ ضَرْباً. قَالَ: فَيَقُولُ: أَوَ مَا بحياته، وقد بسطنا الكلام على ذلك في باب فضائل الخضر عليه السلام، وأن الأسلم في ذلك السكوت. وأما حديث أبي عبيدة الذي أشار إليه الحافظ فيمكن الإجابة عنه بعد ثبوته بأنه ليس فيه جزم ويقين، بخلاف الأحاديث التي ورد فيها أن عيسى عليه السلام هو الذي يقتله، والله أعلم. ١١٣ - (٠٠٠) - قوله: (فتلقاه المسالح) بفتح الميم وكسر اللام، ولا وجه لما قاله السنوسي من كونه بفتح اللام، وهو جمع مسلحة. وهم القوم ذوو السلاح يحفظون الثغور. وقال القاضي رحمه الله: ولعل المراد به ههنا مقدمة جيشه، وأصلها موضع السلاح، ثم استعمل للثغر فإنه يعد فيه الأسلحة، ثم للجند المترصدين، ثم لمقدمة الجيش، فإنهم من الجيش كأصحاب الثغور. كذا في المرقاة (١٠: ٢٠٣). قوله: (أو ما تأمن بربّنا؟) يعنون به الدجّال، فإنهم يزعمونه إلهاً. قوله: (ما بربّنا خفاء) يعني: أن صفاته ظاهرة لا تخفى على أحد حتى نحتاج إلى إله غيره . قوله: (أليس قد نهاكم ربكم أن تقتلوا أحداً دونه) يريدون بربهم الدجال، ومرادهم أن الدجال قد نهاكم عن قتل أحد دون أمره وإجازته. قوله: (فِيُشْبَحُ) بضم الياء وسكون الشين وفتح الباء الموحدة، أي: يُمدّ، والشَّبْحُ، من باب فتح: مدّك الشّيءَ بين أوتاد، أو الرّجلَ بين شيئين، والمضروب يُشبح إذا مُدّ للجلد، وشَبحه: مدّه كالمصلوب. كذا في لسان العرب (٧: ١٥) ومثله في تاج العروس (٢: ١٦٩). ويحتمل أن يكون بفتح الشين وتشديد الباء، وهو من التّشبيح، ومعناه: التّعريض. ورواه بعضهم: ((فُيُشّجُّ، فيقول: خذوه واشبحوهُ). ٣١٢ الجزء السادس من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم تُؤْمِنُ بِي؟ قَالَ: فَيَقُولُ: أَنْتَ الْمَسِيحُ الْكَذَّابُ. قَالَ: فَيُؤْمَرُ بِهِ فَيُؤْشَرُ بِالْمِثْشَارِ مِنْ مَفْرِقِهِ حَتَّى يُفَرَّقَ بَيْنَ رِجْلَيْهِ. قَالَ: ثُمَّ يَمْشِي الدَّجَّالُ بَيْنَ الْقِطعَتَيْنِ. ثُمَّ يَقُولُ لَهُ: قُمْ. فَيَسْتَوِي قَائِماً. قَالَ: ثُمَّ يَقُولُ لَهُ: أَتُؤْمِنُ بِي؟ فَيَقُولُ: مَا ازْدَدْتُ فِيكَ إِلاَّ بَصِيرَةً. قَالَ: ثُمَّ يَقُولُ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّهُ لاَ يَفْعَلُ بَعْدِي بِأَحَدٍ مِنَ النَّاسِ. قَالَ: فَيَأْخُذُهُ الدَّجَّالُ لِيَذْبَحَهُ. فَيُجْعَلَ مَا بَيْنَ رَقَبَتِهِ إِلَى تَرْقُوَتِهِ نُحَاساً، فَلاَ يَسْتَطِيعُ إِلَيْهِ سَبِيلاً. قَالَ: فَيَأْخُذُ بِيَدَيْهِ وَرِجْلَيْهِ فَيَقْذِفُ بِهِ . فَيَحْسِبُ النَّاسُ أَنَّمَا قَذَقَهُ إِلَى النَّارِ. وَإِنَّمَا أُلْقِيَ فِي الْجَنَّةِ)) . فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ بِهِ: ((هَذَا أَعْظَمُ النَّاسِ شَهَادَةً عِنْدَ رَبِّ الْعَالَمِينَ)). (٢٢) - باب: في الدجال وهو أهون على الله عَزَّ وَجَلَّ ٧٣٠٤ - (١١٤) حدّثنا شِهَابُ بْنُ عَبَّادِ الْعَبْدِيُّ. حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ حُمَيْدِ الرُّؤَاسِيُّ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ، عَنْ قَيْسِ بْنِ أَبِي حَازِمِ، عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ، قَالَ: مَا سَأَلَ أَحَدُ النَّبِيَّ ◌َ عَنِ الدَّجَّالِ أَكْثَرَ مِمَّا سَأَلْتُ. قَالَ: ((وَمَا يُنْصِبُكَ مِنْهُ؟ إِنَّهُ لاَ يَضُرُّكَ)) قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّهُمْ يَقُولُونَ: إِنَّ مَعَهُ الطَّعَامَ وَالأَنْهَارَ. قَالَ: ((هُوَ أَهْوَنُ عَلَى اللَّهِ مِنْ ذُلِكَ)). ٧٣٠٥ - (١١٥) حدّثنا سُرَيْجُ بْنُ يُونُسَ. حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ عن إسماعيل، عَنْ قَيْسٍ، عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ، قَالَ: مَا سَأَلَ أَحَدٌ النَّبِيَّ وَّهَ عَنِ الدَّجَّالِ أَكْثَرَ مِمَّا سَأَلْتُهُ. قَالَ: ((وَمَا قوله: (فيؤشر بالمنشار) بالهمز، يقال: أشرت الخشبة: إذا فرّقتها. ويروى: (وينشر بالمنشار) بالنون، وكلاهما بمعنى، والثاني أشهر لغة. قوله: (إلى تَرقُوَته) بفتح التاء وضم القاف، وهي العظم الذي بين ثغرة النحر والعاتق. قوله: (نحاساً) فسّره علي القاري في المرقاة بأن الله تعالى يجعل ما بين رقبته إلى ترقوته صلباً كالنحاس لا يعمل فيه السّيف، وهذا على أن ياء (يُجعل) مضمومة على البناء للمجهول، و (ما بين رقبته إلى ترقوته) نائب فاعل له، و (نحاساً) مفعول ثان. وقد رواه بعضهم بفتح الياء على البناء للمعروف، ففاعله مقدر، وهو الله، و (ما بين رقبته إلخ) ظرف له، و (نحاساً) مفعول . (٢٢) - باب: في الدجال وهو أهون على الله عزّ وجلّ ١١٤ - (٢٩٣٩) - قوله: (إبراهيم بن حميد الرُّواسيّ) بضم الراء وتخفيف الواو أو الهمزة، نسبة إلى بني رؤاس. قوله: (عن المغيرة بن شعبة) هذا الحديث أخرجه البخاري في الفتن، باب ذكر الدجال ٣١٣ كتاب: الفتن وأشراط الساعة سُؤَالُكَ؟)) قَالَ: قُلْتُ: إِنَّهُمْ يَقُولُونَ: مَعَهُ جِبَالٌ مِنْ خُبْزٍ وَلَحْمٍ، وَنَهَرٌ مِنْ مَاءِ. قَالَ: ((هُوَ أَهْوَنُ عَلَى اللَّهِ مِنْ ذُلِكَ)). ٧٣٠٦ - (٠٠٠) حدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَابْنُ نُمَيْرٍ. قَالاَ: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ. ح وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ. أَخْبَرَنَا جَرِيرٌ. ح وَحَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ. حَدَّثَنَا سُفْيَانٌ. ح وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ. حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ. ح وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ. حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ. كُلُّهُمْ عَنْ إِسْمَاعِيلَ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، نَحْوَ حَدِيثِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ حُمَيْدٍ، وَزَادَ فِي حَدِيثٍ يَزِيدَ: فَقَالَ لِي: ((أَيْ بُنَيّ)) . (٢٣) - باب: في خروج التّجّال ومكثه في الأرض، ونزول عيسى وقتله إياه وذهاب أهل الخير والإيمان، وبقاء شرار الناس وعبادتهم الأوثان، والنفخ في الصور، وبعث من في القبور ٧٣٠٧ - (١١٦) حدّثنا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذِ الْعَنْبَرِيُّ. حَدَّثَنَا أَبِي. حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ سَالِم، قَالَ: سَمِعْتُ يَعْقُوبَ بْنَ عَاصِم بْنِ عُرْوَةَ بْنِ مَسْعُودِ الثَّقَفِيَّ يَقُولُ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرٍو، وَجَاءَهُ رَجُلٌ، فَقَالَ: مَا هَذَا الْحَدِيثُ الَّذِي تُحَدِّثُ بِهِ؟ تَقُولُ: إِنَّ السَّاعَةَ تَقُومُ إِلَى كَذَا وَكَذَا. فَقَالَ: سُبْحَانَ اللَّهِ، أَوْ لاَ إِلَهَ إِلَّ اللَّهُ، أَوْ كَلِمَةً نَحْوَهُمَا . لَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ لاَ أُحَدِّثَ أَحَداً شَيْئاً أَبَداً. إِنَّمَا قُلْتُ: إِنَّكُمْ سَتَرَوْنَ بَعْدَ قَلِيلٍ أَمْراً عَظِيماً: (٧١٢٢)، وابن ماجه في الفتن، باب طلوع الشمس من مغربها (٤١٢٤)، وأحمد في مسنده (٤ : ٢٤٨) والبغوي في شرح السنة (١٥ : ٥٣). قوله: (ما ينصبك) بضم الياء. أي: ما يُتعبك من أمره، والنّصب: التعب. قوله: (هو أهون على الله من ذلك) أي: من أن يضلّ به المؤمنون المخلصون، وإنما يزدادون به إيماناً . (٢٣) - باب: في خروج الدجال ومكثه في الأرض، ونزول عيسى وقتله إياه إلخ ١١٦ - (٢٩٤٠) - قوله: (عن عبد الله بن عمرو) هذا الحديث أخرجه أبو داود في الملاحم، باب أمارات الساعة (٤٣١٠)، وابن ماجه في الفتن، باب طلوع الشّمس من مغربها (٤١٢٠)، وأحمد في مسنده (٢: ١٦٦) والحاكم في المستدرك (٤: ٥٤٣ و٥٥٠)، والبغوي في شرح السنة (١٥ : ٩٣). قوله: (لقد هممت أن لا أحدثّ أحداً شيئاً أبداً) وإنما قال ذلك لما رأى أن الرجل أخطأ ٣١٤ الجزء السادس من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم يُحَرَّقُ الْبَيْتُ، وَيَكُونُ، وَيَكُونُ. ثُمَّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ وَّهِ: ((يَخْرُجُ الدَّجَّالُ فِي أُمَّتِي فَيَمْكُثُ أَرْبَعِينَ - (لاَ أَدْرِي: أَرْبَعِينَ يَوْماً، أَوْ أَرْبَعِينَ شَهْرًا، أَوْ أَرْبَعِينَ عَاماً) - فَيَبْعَثُ اللَّهُ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ كَأَنَّهُ عُزْوَةُ بْنُ مَسْعُودٍ. فَيَطْلُبُهُ فَيُهْلِكُهُ. ثُمَّ يَمْكُثُ النَّاسُ سَبْعَ سِنِينَ. لَيْسَ بَيْنَ اثْنَيْنِ عَدَاوَةٌ. ثُمَّ يُرْسِلُ اللَّهُ رِيحاً بَارِدَةً مِنْ قِبَلِ الشَّأْمِ. فَلاَ يَبْقَى عَلَى وَجْهِ الأَرْضِ أَحَدٌ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنْ خَيْرٍ أَوْ إِيمَانٍ إِلَّ قَبَضَتْهُ. حَتَّى لَوْ أَنَّ أَحَدَكُمْ دَخَلَ فِي كَبِدٍ جَبَلٍ لَدَخَلَتْهُ عَلَيْهِ، حَتَّى تَقْبِضَهُ)). قَالَ: سَمِعْتُهَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ بَ. قَالَ: ((فَيَبْقَى شِرَارُ النَّاسِ في فهمه لكلامه. ولفظ الحاكم في المستدرك: ((قالوا: إنك قلت: لا تقوم الساعة إلى كذا وكذا. قال: إنما قلت: لا يكون كذا وكذا حتى يكون أمراً عظيماً، فقد كان ذلك، فقد حُرق البيت، وكان كذا إلخ)). قوله: (يحرّق البيت) لبلّ المراد منه بيت الله، وقد وقع تحريقه ورميه بالمنجنيق على يد جيش يزيد والحجاج. وكان عبد الله بن عمرو إذ ذاك حيّاً، وروي أنه توفيّ أيام تلك الفتنة، والله سبحانه أعلم. قوله: (ويكون ويكون) يعني: كنت ذكرت أشياء أخرى من الفتن الّتي ستقع قبل قيام الساعة . قوله: (فيبعث الله عيسى بن مريم) قال القاضي عياض رحمه الله: ((نزول عيسى عليه السلام وقتله الدجال حقّ وصحيح عند أهل السنّة، الأحاديث الصحيحة في ذلك. وليس في العقل ولا في الشرع ما يبطله، فوجب إثباته. وأنكر ذلك بعض المعتزلة والجهمية ومن وافقهم، وزعموا أن هذه الأحاديث مردودة بقوله تعالى: ﴿وَخَاتَمَ النَّبْنَّ﴾ [الأحزاب، آية: ٤٠] وبقوله وَيّ : ((لا نبيّ بعدي ... )) وهذا الاستدلال فاسد، لأنه ليس المراد بنزول عيسى عليه السلام أنه ينزل نبياً بشرع ينسخ شرعنا، ولا في هذه الأحاديث ولا في غيرها شيء من هذا. بل صحت هذه الأحاديث هنا وما سبق في كتاب الإيمان وغيرها أنه ينزل حكماً مقسطاً بحكم شرعنا)). قال العبد الضعيف عفا الله عنه: الأوضح في الجواب عن استدلالهم أن المراد من كونه ◌ّ خاتم النبيّين ومن كونه لا نبيّ بعده أنه لا يولد بعده نبيّ، لا أن جميعهم يموتون قبله. وليس مراد القاضي عياض رحمه الله أنه يمكن ولادة نبيّ بعده وَل بشرط أن لا يأتي بشرع جديد، كما ادعى ذلك بعض المتنبئين في عصرنا، وإنّما مراده أن عيسى عليه السلام، وإن كان نبياً، ولكنه يحكم بعد نزوله بشرع نبينا ◌َّر، فافهم. قوله: (كأنه عروة بن مسعود) يعني: أن عيسى عليه السلام يشابه عروة بن مسعود في صورته . قوله: (دخل في كبد جبل) أي: وسطه، وكبد كل شيء وسطه. ٣١٥ كتاب: الفتن وأشراط الساعة فِي خِفَّةِ الطَّيْرِ وَأَخْلاَمِ السِّبَاعِ. لاَ يَعْرِفُونَ مَعْرُوفاً وَلاَ يُتْكِرُونَ مُنْكَراً. فَيَتَمَثَّلُ لَهُمُ الشَّيْطَانُ فَيَقُولُ: أَلاَ تَسْتَجِيبُوَنَ؟ فَيَقُولُونَ: فَمَا تَأْمُرُنَا؟ فَيَأْمُرُهُمْ بِعِبَادَةِ الأَوْثَانِ. وَهُمْ فِي ذُلِكَ دَارٌ رِزْقُهُمْ، حَسَنْ عَيْشُهُمْ. ثُمَّ يُنْفَعُ فِي الصُّورِ. فَلاَ يَسْمَعُهُ أَحَدٌ إِلاَّ أَضْغَى لِيتَاً وَرَفَعَ لِيتاً. قَالَ: وَأَوَّلُ مَنْ يَسْمَعُهُ رَجُلٌ يَلُوطُ حَوْضَ إِلِهِ. قَالَ: فَيَصْعَقُ، وَيَصْعَقُ النَّاسُ. ثُمَّ يُرْسِلُ اللَّهُ - أَوْ قَالَ: يُنْزِلُ اللَّهُ - مَطَراً كَأَنَّهُ الطَّلُّ أَوِ الظُّلُّ، نُعْمَانُ الشَّاُّ، فَتَنْبُتُ مِنْهُ أَجْسَادُ النَّاسِ، ثُمَّ يُنْفَخُ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ. ثُمَّ يُقَالُ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ، هَلُمَّ إِلَى رَبْكُمْ. وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْؤُولُونَ. قَالَ: ثُمَّ يُقَالُ: أَخْرِجُوا بَعْثَ الثَّارِ. قوله: (في خفة الطير وأحلام السّباع) الأحلام جمع حُلم، بضم الحاء، بمعنى العقل، ومعناه: أنهم يكونون في سرعتهم إلى الشرور وقضاء الشهوات والفساد كطيران الطير، وفي العُدوان وظلم بعضهم بعضاً في أخلاق السباع العادية. كذا في شرح النووي. قوله: (دارٌّ رزقهم) بضم القاف على أنه فاعل لقوله دارّ) وهو اسم فاعل من درّ يَدِرّ. قوله: (أصغى ليتاً ورفع ليتاً) اللَّيْت، بكسر اللام: صفحة العنق، والإصغاء: الإمالة يعني: أنّ كل من يسمع نفخة الصُّور، فإنّه يُصْغي جانباً من عنقه ويرفع الجانب الآخر، وهو كناية عن سقوط رأسه إلى أحد الشقّين بسبب الصعقة التي تأخذه عند ذلك فلا تمهله. قوله: (يلوط حوض إبله) أي: يطيّن ويصلح، ولاطَ الحوض لَوْطاً وَلَيْطاً: أصلحه، وأصل اللّوط: اللصوق. وألاط الشيء بالشيء: ألصقه، وألاط الولد بأبيه: نسبه إليه. والملتلط: اللاحق بالقوم في النّسب. وهذا الحديث يدل على أن نفخة الصور يسمعها بعض قبل بعض. قوله: (فيصعق) أي: يموت. وأصل الصعقة: ذهاب الحواسّ. قوله: (كأنّه الطّلّ، أو الظل) شكّ الراوي، وذكر العلماء أن الأصحّ (الطلّ) بالطاء، وهو ما ينزل في وقت اللّيل من الرّطوبة. قوله: (ثم ينفخ فيه أخرى) وذكر الغزالي في نفخة البعث أنها نفخ حقيقةً. وقيل: إنها كلام يقوله صاحب الصّور، يقول: أيتها الأجسام البالية والعظام النخرة! إن الله يأمركنّ أن تجتمعن الفصل القضاء. كذا في شرح الأبّي. قوله: (أخرجوا بعث أهل النار) وقد مر في آخر كتاب الإيمان في حديث أبي سعيد أن هذا القول يخاطب به آدم عليه السلام، ولفظه: ((يقول الله عزّ وجلّ: يا آدم! فيقول: لبّيك وسعديك، والخير في يديك. قال: يقول: أخرج بعث النّار. قال: وما بعث النّار؟ قال: من كلّ ٣١٦ الجزء السادس من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم فَيُقَالُ: مِنْ كَمْ؟ فَيُقَالُ: مِنْ كُلِّ أَلْفٍ، تِسْعَمِئَةٍ وَتِسْعَةً وَتِسْعِينَ. قَالَ: فَذَاكَ يَوْمَ يَجْعَلُ الْوِلْدَانَ شِيباً. وَذُلِكَ يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ)). ٧٣٠٨ - (١١٧) وحدّثني مُحَمَّدُ بْنُ بَشَارٍ. حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفٍَ. حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ سَالِمٍ قَالَ: سَمِعْتُ يَعْقُوبَ بْنَ عَاصِمِ بْنِ عُرْوَةَ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: سَمِعْتُ رَجُلاً قَالَ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو: إِنَّكَ تَقُولُ: إِنَّ السَّاعَةَ تَقُومُ إِلَى كَذَا وَكَذَا. فَقَالَ: لَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ لاَ أُحَدِّثَكُمْ بِشَيْءٍ. إِنَّمَا قُلْتُ: إِنَّكُمْ تَرَوْنَ بَعْدَ قَلِيلٍ أَمْراً عَظِيماً. فَكَانَ حَرِيقَ الْبَيْتِ - (قَالَ شُعْبَةُ: هَذَا، أَوْ نَحْوَهُ) قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَلَّهِ: (يَخْرُجُ الدَّجَّالُ فِي أُمَّتِي))، وَسَاقَ الْحَدِيثَ بِمِثْلِ حَدِيثِ مُعَاذٍ، وَقَالَ فِي حَدِيثِهِ: ((فَلاَ يَبْقَى أَحَدٌ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنْ إِيمَانِ إِلَّ قَبَضَتْهُ)). قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ: حَدَّثَنِي شُعْبَةُ بِهَذَا الْحَدِيثِ مَرَّاتٍ، وَعَرَضْتُهُ عَلَيْهِ. ٧٣٠٩ _ (١١٨) حدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ. حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ، عَنْ أَبِي حَيَّنَ، عَنْ أَبِي زُرْعَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، قَالَ: حَفِظْتُ مِنْ رَسُولِ اللهِ وَ حَدِيثَاً لَمْ أَنْسَهُ بَعْدُ. سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ وَليهِ يَقُولُ: ((إِنَّ أَوَّلَ الْآيَاتِ خُرُوجاً، طُلُوعُ الشَّمْسِ مِنْ ألف تسعمائة وتسعة وتسعين. قال: فذاك حين يشيب الصغير وتضع كل ذات حمل حملها وترى النّاس سكارى وما هم بسكارى ولكن عذاب الله شديد)) الحديث. قوله: (فيقال: مِن كم؟) أي: يقول المخاطبون بالإخراج: بأية نسبة نُخرج أهل النّار من بین سائرهم؟ قوله: (وذلك يوم يكشف عن ساق) إشارة إلى الآية المعروفة. والكشف عن ساق كناية . عن شدة الأمر وصعوبة الخطب، واستعماله بهذا المعنى شائع عند العرب، يقال: كشفت الحرب عن ساقها: إذا اشتد أمرها. وأصله أن المجدّ في الأمر يشمر إزاره ويرفعه عن ساقه، والحاصل أنه عندما يظهر أن تسعمائة وتسعة وتسعين نفساً من كلّ ألف يصيرون إلى جهنم، يفزع الناس ويشتد الأمر. ١١٨ - (٢٩٤١) - قوله: (إن أول الآيات خروجاً: طلوع الشمس من مغربها) قال الطيبي في شرح المشكاة (١٠: ١٠٦): ((فإن قيل: طلوع الشمس ليس بأول الآيات، لأن الدخان والدجال قبله؟ أجيب: بأن الآيات إما أمارات دالة على قرب قيام السّاعة، وإما أمارات دالة على وجود قيام الساعة وحصولها، ومن الأول: الدخان وخروج الدجال ونحوهما. ومن الثّاني ما نحن فيه من طلوع الشمس من مغربها، والرجفة، وبسّ الجبال، وخروج النار وطردها إلى المحشر. وإنما سمّي أولاً، لأنه مبدأ القسم الثاني)). ٣١٧ كتاب: الفتن وأشراط الساعة مَغْرِبِهَا، وَخُرُوجُ الدَّابَّةِ عَلَى النَّاسِ ضُحَى. وَأَيُّهُمَا مَا كَانَتْ قَبْلَ صَاحِبَتِهَا، فَالأُخْرَىُ عَلَى ◌ِثْرِهَا قَرِيباً». ٧٣١٠ - (٠٠٠) وحدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ. حَدَّثَنَا أَبِي. حَدَّثَنَا أَبُو حَيَّانَ، عَنْ أَبِي زُرْعَةَ. قَالَ: جَلَسَ إِلَى مَرْوَانَ بْنِ الْحَكَم بِالْمَدِينَةِ ثَّلاَثَةُ نَفَرٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ. فَسَمِعُوهُ وَهُوَ يُحَدِّثُ عَنِ الآيَاتِ: أَنَّ أَوَّلَهَا خُرُوجَاً الدَّجَّالُ. فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرِو: لَمْ يَقُلْ مَرْوَانُ شَيْئاً. قَدْ حَفِظُتُ مِنْ رَسُولِ اللّهِ وَلِهِ حَدِيثاً لَمْ أَنْسَهُ بَعْدُ. سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ وَلِ يَقُولُ: فَذَكَرَ بِمِثْلِهِ. ٧٣١١ - (٠٠٠) وحدّثنا نَصْرُ بْنُ عَلِيِّ الْجَهْضَمِيُّ. حَدَّثَنَا أَبُو أَحْمَدَ. حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ أَبِي حَيَّانَ، عَنْ أَبِي زُرْعَةَ قَالَ: تَذَاكَرُوا السَّاعَةَ عِنْدَ مَرْوَانَ. فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو: سَمِعْتُ رَسُولَ اللّهِ وَهِ يَقُولُ: بِمِثْلِ حَدِيثِهِمَا. وَلَمْ يَذْكُرْ ضُحَّى. (٢٤) - باب: قصة الجساسة ٧٣١٢ - (١١٩) حدّثنا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ عَبْدِ الصَّمَدِ بْنِ عَبْدِ الْوَارِثِ، وَحَجَّاجُ بْنُ الشَّاعِرِ. كِلاَهُمَا عَنْ عَبْدِ الصَّمَدِ، (وَاللَّفْظُ لِعَبْدِ الْوَارِثِ بْنِ عَبْدِ الصَّمَدِ)، حَدَّثَنَا أَبِي، عَنْ جَدِّي، عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ ذَكْوَانَ. حَدَّثَنَا ابْنُ بُرَيْدَةَ. حَدَّثَنِي عَامِرُ بْنُ شَرَاحِيلَ الشَّعْبِيُّ، شَعْبُ هَمْدَانَ؛ أَنَّهُ (٠٠٠) - قوله: (لم يقل مروان شيئاً) يعني: أنه قد أخطأ في قوله إن خروج الدجال أول الآيات، وإنما أول الآيات طلوع الشمس من مغربها، ولعلّ سياق الكلام كان في القسم الثاني من الآيات التي هي جزء من حوادث السّاعة، وليست أمارات دالة على قربها فقط والله أعلم. (٢٤) - باب قصة الجسّاسة الجسّاسة، بفتح الجيم وتشديد السين، اسم الدابة عجيبة رآها تميم الداري نظرائه، كما سيأتي في متن الحديث. قيل: سميت بذلك لتجسسها الأخبار للدجّال، فكأنها كانت جاسوسة له. وجاء عن عبد الله بن عمرو أنها دابة الأرض. كذا في شرح النووي. ١١٩ - (٢٩٤٢) - قوله: (شعب همدان) بفتح الباء، على كونه منصوباً بفعل مقدّر، وهو (أعني) وهو تفسير لنسبة الشّعبيّ، يعني: أنه منسوب إلى شعب همدان، لأن شعباً بطن من همدان، كما في الأنساب للسمعاني (٨: ١٠٦)، وذكر ابن الأثير في جمهرة الأنساب (ص: ٤٠٦) أنه من حمير. ولا يبعد أن يكون هناك شعبان: شعبُ همدان، وشعبُ حمير، فأراد الراوي أن يبين أن عامر بن شراحيل الشّعبي من شعب همدان، لا من شعب حمير. ٣١٨ الجزء السادس من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم سَأَلَ فَاطِمَةَ بِنْتَ قَيْسٍ، أُخْتَ الضَّحَّاكِ بْنٍ قَيْسٍ. وَكَانَتْ مِنَ الْمُهَاجِرَاتِ الأُوَلِ. فَقَالَ: حَدِّثِيْنِ حَدِيثاً سَمِعْتِيهِ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ وََّ. لاَ تُسْنِدِيهِ إِلَى أَحَدٍ غَيْرِهِ. فَقَالَتْ: لَئِنْ شِئْتَ لأَفْعَلَنَّ. فَقَالَ لَهَا: أَجَلْ. حَدِّثِينِ. فَقَالَتْ: نَكَحْتُ ابْنَ الْمُغِيرَةِ. وَهُوَ مِنْ خِيَارِ شَبَابٍ قُرَيْشٍ يَوْمَئِذٍ. فَأُصِيبَ فِي أَوَّلِ الْجِهَادِ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ بَهَ. فَلَمَّا تَأَيَّمْتُ خَطَبَنِي قوله: (سأل فاطمة بنت قيس) هذا الحديث أخرجه أبو داود في الملاحم، باب في خبر الجسّاسة، (٤٣٢٥ إلى ٤٣٢٧)، والترمذي في الفتن، باب بعد باب ما جاء في النهي عن سبّ الرياح (٢٢٥٣)، وابن ماجه في الفتن، باب طلوع الشمس من مغربها (٤١٢٥)، وأحمد في مسنده (٦: ٣٧٣)، والبغوي في شرح السنّة (١٥: ٦٥). وقد مرّ ترجمة فاطمة بنت قيس في كتاب الطلاق، باب المطلقة البائن لا نفقة لها . قوله: (نكحت ابن المغيرة) اسمه عبد الحميد أبو عمرو بن حفص بن المغيرة، وهو ابن عم خالد بن الوليد، وقد مرّ ترجمته في الطلاق. قوله: (فأصيب في أول الجهاد) ظاهر هذا الكلام أنه استشهد في الجهاد مع رسول الله وَّل، وليس الأمر كذلك، فإنه لم يستشهد في غزوة غزاها مع رسول الله وَّر. فتأول فيه بعض العلماء بأن المراد من قولها (أصيب) أنه أصيب بجراحات، لا أنه مات في الجهاد. وإنما ذكرته فاطمة كبيان فضائله لا كسبب بينونتها منه. وذكر الحافظ في الفتح (٩: ٤٧٨) أنه كان رسول الله وَل بعثه مع عليّ إلى اليمن، وذكر جماعة أنه مات هناك، فيصدُق أنه أصيب في الجهاد مع رسول الله وَّر، أي: في طاعة رسول الله وَطير، ولا يلزم من هذا أن تكون بينونتها منه بالموت، بل بالطلاق السابق على الموت. ولكن هذا التأويل لا يلتئم مع قولها (في أول الجهاد) لأن ذهابه إلى اليمن لا يصدق عليه أنه أول الجهاد. ثم إنه مخالف لقولها (تأيّمت) فإن ظاهره أنّها تأيّمت بشهادة زوجها في الجهاد. وذكر جماعة من أهل السّير أنه لم يمت في اليمن، وإنما بقي إلى خلافة عمر ظبه، وهذا أيضاً لا ينطبق بما ذكره الحافظ. والظاهر - فيما يبدو لهذا العبد الضعيف عفا الله عنه - أنه وهم من أحد الرواة، وذلك لأنه روى هذا الحديث سيّار أبو الحكم عن الشّعبي - كما سيأتي في الرواية الآتية - فلم يذكر فيه إصابته في الجهاد، وإنما ذكر قول فاطمة: ((طلّقني بعلي ثلاثاً)) فلعلّها ذكرت بعض فضائل زوجها، ومن جملتها كونه أصيب بجهاد معه وَل ◌ّ فلعلّ أحد الرواة زعم أن تأيمها كان بسبب موت زوجها في الجهاد، فذكره بالسياق المذكور، وقد ذكر الحافظ في الفتح احتمال كونه وهماً . قوله: (فلما تأيّمت) تأوله النووي بأن المراد منه كونها أيماً، أي: غير ذات زوج، وذلك بالطلاق. ٣١٩ كتاب: الفتن وأشراط الساعة عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ، فِي نَفَرٍ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ وَّهِ. وَخَطَبَنِي رَسُولُ اللَّهِ وَهُ عَلَى مَوْلاَهُ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ. وَكُنْثُ قَدْ حُدِّثْتُ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَلِهِ قَالَ: ((مَنْ أَحَبَّنِي فَلْيُحِبَّ أُسَامَةَ)) فَلَمَّا كَلَّمَنِي رَسُولُ اللَّهِ وَيَ قُلْتُ: أَمْرِي بِيَدِكَ. فَأَنْكِخْنِي مَنْ شِئْتَ. فَقَالَ: ((انْتَقِي إِلَىْ أُمّ شَرِيكِ)) وَأُمُّ شَرِيكِ امْرَأَةٌ غَنِيَّةٌ، مِنَ الأَنْصَارِ. عَظِيمَةُ النَّفَقَّةِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ. يَنْزِلُ عَلَيْهَا الضّيفَانُ. فَقُلْتُ: سَأَفْعَلُ. فَقَالَ: ((لاَ تَفْعَلِي. إِنَّ أُمَّ شَرِيكِ امْرَأَةٌ كَثِيرَةُ الضّيفَانِ. فَإِنِّي أَكْرَهُ أَنْ يَسْقُطَ عَنْكِ خِمَارُكِ، أَوْ يَنْكَشِفَ الثَّوْبُ عَنْ سَاقَيْكِ، فَيَرَى الْقَوْمُ مِنْكِ بَعْضَ مَا تَكْرَهِينَ. وَلَكِنِ انْتَقِلِي إِلَى ابْنِ عَمْكِ، عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ أُمِّ مَكْتُوم)) - (وَهُوَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي فِهْرٍ، فِهْرِ قُرَيْشٍ وَهُوَ مِنَ الْبَطْنِ الَّذِي هِيَ مِنْهُ) - فَانْتَقَلْتُ إِلَيْهِ. فَلَمَّا انْقَضَتْ عِدَّتِي سَمِعْتُ نِدَاءَ الْمُنَادِي، مُنَادِي رَسُولِ اللَّهِ بَلَ، يُنَادِي: الصَّلاَةَ جَامِعَةٌ. فَخَرَجْتُ إِلَى قوله: (في نفر من أصحاب رسول الله وَّ﴿) وقد مرّ في الطلاق أنه خطبها أيضاً معاوية وأبو جهم ◌ًا، وقد مرّ هناك أيضاً أن هذه الخطبة كانت بعد انقضاء عدتها، لا قبله، كما يوهمه ظاهر رواية الباب، ففي هذه الرواية شيء من التقديم والتأخير. قوله: (امرأة غنية من الأنصار) قال النووي: ((هذا قد أنكره بعض العلماء وقال: إنما هي قرشية من بني عامر بن لؤي، واسمها غربة، وقيل: غربلة، وقال آخرون: هما ثنتان: قرشية وأنصارية)) وتقدم في الطلاق أن المراد هنا الأنصارية. قوله: (انتقلي إلى ابن عمّك) ذكر القاضي عياض أن ابن أم مكتوم لم يكن ابن عم لها، ولا من البطن الذي هي منه، بل من بني محارب بن فهر. وأجاب عنه النووي بأن المراد بالبطن هنا القبيلة، لا البطن الذي هو أخصّ منها، والمراد أنه ابن عمها مجازاً، لكونه من قبيلتها، فالرواية صحيحة . قوله: (عبد الله بن عمرو ابن أم مكتوم) بإثبات الهمزة في ابن قبل (أم مكتوم) لأن (ابن) هذا صفة لعبد اللّه، لا لعمرو، فعمرو والد لعبد الله، وأم مكتوم والدة لها، فنسب عبد الله إلى أبويه معاً، وهذا مثل عبد اللّه بن مالك ابنُ بحينه، وعبد الله بن أبيّ ابنُ سلول. قوله: (الصلاة جامعة) ذكر النووي أن كلا اللفظين منصوبان. أما (الصلاة) فللإغراء، وأما (جامعة) فعلى كونها حالاً. ولكن ذكر التوربشتي أن كليهما مرفوعان، أي: هذه الصلاة جامعة ويجوز أن تكون (الصلاة) مرفوعة على الوجه المذكور وجامعة منصوبة على الحالية، فالتركيب ثلاثي. وراجع مرقاة المفاتيح (١٠: ٢٠٨). ثم إن هذا الحديث يدلّ على جواز التثويب بعد الآذان، لأن قصة حديث الباب وقعت بعد مشروعية الأذان قطعاً، فلا معنى لهذا النداء إلا التثويب. ويمكن لمانعي التثويب أن يقولوا: إن ٣٢٠ الجزء السادس من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم الْمَسْجِدِ. فَصَلَّيْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ وَلِّ. فَكُنْتُ فِي صَفِّ النِّسَاءِ الَّتِي تَلِي ظُهُورَ الْقَوْمِ. فَلَمَّا قَضَى رَسُولُ اللَّهِّهِ صَلاَتَهُ، جَلَسَ عَلَى الْمِنْبَرِ وَهُوَ يَضْحَكُ. فَقَالَ: ((لِيَلْزَمْ كُلِّ إِنْسَانٍ مُصَلاَُّ)). ثُمَّ قَالَ: ((أَتَذْرُونَ لِمَ جَمَعْتُكُمْ؟)) قَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ: ((إِنِّي، وَاللَّهِ، مَا جَمَعْتُكُمْ لِرَغْبَةٍ وَلاَ لِرَهْبَةٍ. وَلَكِنْ جَمَعْتُكُمْ، لأَنَّ تَمِيماً الدَّارِيَّ، كَانَ رَجُلاَ نَصْرَانِيًّا، فَجَاءَ فَبَايَعَ وَأَسْلَمَ. وَحَدَّثَنِي حَدِيثاً وَافَقَ الَّذِي كُنْتُ أُحَدْثُكُمْ عَنْ مَسِيحِ الذَّجَّالِ. حَدَّثَنِي؛ أَنَّهُ رَكِبَ فِي سَفِيئَةٍ بَحْرِيَّةٍ، مَعَ ثَلاَثِينَ رَجُلاً مِنْ لَخْم وَجُذَامَ. فَلَعِبَّ بِهِمُ الْمَوْجُ شَهْراً فِي الْبَحْرِ. ثُمَّ أَرْفَؤُوا إِلَى جَزِيرَةٍ فِي الْبَحْرِ حَتَّى مَغْرِبِ الشَّمْسِ. فَجَلَسُوا فِي أَقْرُبِ السَّفِينَةِ. (الصلاة) منصوبة على كونها مفعولاً لقولها (ينادى) و (جامعة) حال منه، والمراد من هذا النداء هو الأذان، وليس كلمة (الصلاة جامعة) بخصوصها، والله سبحانه أعلم. قوله: (لرغبة ولا لرهبة) أي: لأمر مرغوب فيه من عطاء كغنيمة، ولا لخوف من عدو وغيره، كذا فسّره علي القاري في المرقاة (١٠: ٢٠٨). قوله: (لأنّ تميماً الدّاريّ) هو تميم بن أوس أبو رقيّة الدّاريّ. كان راهب أهل فلسطين، وعابد أهل فلسطين، أسلم سنة تسع، هو وأخوه نعيم ولهما صحبة، قدم المدينة وغزا مع النبيّ وَّ﴾. وهو أول من أسرج السراج في المسجد، رواه الطبراني من حديث أبي هريرة، وأول من قصّ، وذلك في عهد عمر، رواه إسحاق بن راهويه وابن أبي شيبة (قلت: وكذا رواه عمر بن شبة في تاريخ المدينة أنه كان يعظ الناس قبل صلاة الجمعة) انتقل إلى الشام بعد قتل عثمان وسكن فلسطين، وكان النبيّ وَل# أقطعه بها قرية عينون قبل أن تفتح، فأقره عمر ظُه وكان كثير التهجد، قام ليلة بآية حتى أصبح، وهي: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَهُواْ السَّيِّئَاتِ﴾ [الجاثية، آية: ٢١] إلخ رواه البغوي في الجعدیات بإسناد صحيح إلى مسروق. مات بالشام، وقبره ببيت حبرين من بلاد فلسطين. كذا في الإصابة (١: ١٨٦). وقد ألف القريزي في ترجمته جزءاً سماه: (ضوء السّاري في خبر تميم الداري). قوله: (وحدثني حديثاً) عُدّ من مناقب تميم الداري وحظُه أن النبيّ وَلّقو روى عنه حديثاً بقوله (حدّثني) وهو جواب اللغز: من هو الّذي حدّث عنه رسول الله وَّه؟ وفيه رواية الأفضل عن المفضول، وقبول خبر الواحد. قوله: (من لَخْم وجُذَام) لَخْم، بفتح اللام وسكون الخاء، قبيلة معروفة، وهو اسم منصرف وقد لا ينصرف، وكذلك ◌ُذَام، بضم الجيم قبيلة. قوله: (ارفؤوا إلى جزيرة) يعني: قرّبوا سفنهم، والمرفأ: الميناء الذي توقف عليه السفن. قوله: (في أقرب السفينة) بفتح الهمزة وضم الراء، جمع قارب، بكسر الراء، وفتحه أشهر وأكثر، وحكي ضمها، وهي سفينة صغيرة تكون مع الكبيرة كالجنبية، يتصرف فيها ركاب السفينة