Indexed OCR Text

Pages 61-80

٦١
كتاب: التوبة
وَلَقَدْ ذَكَرُوا رَجُلاً مَا عَلِمْتُ عَلَيْهِ إِلَّ خَيْراً. وَمَا كَانَ يَدْخُلُ عَلَى أَهْلِي إِلَّ مَعِي)) فَقَامَ
سَعْدُ بْنُ مُعَاذِ الأَنْصَارِيُّ فَقَالَ: أَنَا أَعْذِرُكَ مِنْهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ،
أبَنُوا أهلي)) وهو بفتح الهمزة والباء المخففة بمعنى: عابوا واتهموا. ولفظ الحديث هذا دالٌ
صريحاً أن أزواجه بَّ داخلة في مضمون قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرَّحْسَ
أَهْلَ الْبَيْتِ﴾ [الأحزاب، آية: ٣٣] وحجة على الرافضة المنكرين لذلك.
قوله: (ولقد ذكروا رجلاً) المراد به صفوان بن معطل ربه، وزاد الطبري في روايته:
((صالحاً))، ووقع في رواية أبي أويس عند أبي عوانة والطبراني: ((وكان صفوان بن معطل قعد
لحسّان، فضربه ضربة بالسيف وهو يقول:
تلقّ ذباب السيف مني، فإنني
غلام إذا هوجيت، لست بشاعر
فصاح حسان، ففر صفوان، فاستوهب النبيّ وَّله من حسّان ضربة صفوان، فوهبها له)).
قوله: (فقام سعد بن معاذ) استشكل كون سعد بن معاذ حاضراً في قصة الإفك، لأنه مات
بعد الأحزاب متّصلاً عند غزوة بني قريظة، وكانت غزوة الخندق سنة أربع عند أكثر أصحاب
السّير، وسنة خمس عند الواقدي، وعلى كلا التقديرين كانت الأحزاب قبل غزوة المريسيع التي
وقع فيها قصة الإفك، فكيف يكون سعد بن معاذ حاضراً فيها؟ وأجاب العلماء عن هذا الإشكال
بطرق مختلفة :
١ - إن ذكر سعد بن معاذ في هذه الرواية وهم من أحد الرواة وإنما وقعت المكالمة ههنا
بين أسيد بن حضير وسعد بن عبادة، وبهذا جزم ابن حزم وابن عبد البر وابن العربي والقرطبي
والقاضي عياض رحمهم الله تعالى، كما في عمدة القاري (٦: ٣٦٦).
٢ - قال القطب الحلبي: إن الرواية الصحيحة (سعد) فقط، دون (ابن معاذ) وهو سعد آخر
غير ابن معاذ، وكان من بني عبد الأشهل كما في رواية صالح بن كيسان عند البخاري في
المغازي (قلت: ولكن صرح في نفس الرواية أنه سعد بن معاذ أخو بني عبد الأشهل) وفي بني
عبد الأشهل جماعة من الصحابة يسمى كل منهم سعداً، منهم سعد بن زيد الأشهلي.
٣ - ذكر الحافظ في الفتح عن بعض شيوخه أن البخاري حكى عن موسى بن عقبة أن
المريسيع وقعت سنة أربع، وكذلك الخندق كان سنة أربع، فيحتمل أن تكون المريسيع قبل
الأحزاب، لأن ابن إسحاق جزم بأن المريسيع كانت في شعبان وأن الخندق كانت في شوال،
فإن كانا من سنة واحدة استقام أن تكون المريسيع قبل الخندق، فلا يمتنع أن يشهدها سعد بن
معاذ.
٤ - ذكر البيهقي احتمالاً أن جرح سعد بن معاذ لم ينفجر عقب الفراغ من بني قريظة، بل
تأخر زماناً ثم انفجر بعد ذلك، وأن مراجعته في قصة الإفك وقعت في أثناء ذلك، فكانت

٦٢
الجزء السادس من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
إِنْ كَانَ مِنَ الأَوْسِ ضَرَبْنَا عُنُقَهُ. وَإِنْ كَانَ مِنْ إِخْوَانِنَا الْخَزْرَجِ أَمَرْتَنَا فَفَعَلْنَا أَمْرَكَ. قَالَتْ،
فَقَامَ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ، وَهُوَ سَيِّدُ الْخَزْرَجِ، وَكَانَ رَجُلاً صَالِحاً. وَلَكِنِ اجْتَهَلَتْهُ الْحَمِيَّةُ.
فَقَالَ لِسَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ: كَذَبْتَ. لَعَمْرُ اللَّهِ،َ لاَ تَقْتُلُهُ وَلاَ تَقْدِرُ عَلَى قَتْلِهِ.
المريسيع بعد الخندق، ولم يشهدها سعد لجرحه، ولكن كان حيّاً يومئذٍ. وهذا أبعد ما قيل في
هذا الموضوع.
٥ - ورجح الحافظ ابن حجر نفسه أن كلاً من غزوة المريسيع والخندق وقعت سنة خمس،
(وما ذكره البخاري عن موسى بن عقبة من أن المريسيع وقعت سنة أربع سبق قلم) فيمكن أن
تكون المريسيع وقعت قبل الأحزاب، وحينئذ، فلا إشكال في كون سعد بن معاذ حاضراً في
قصة الإفك. ثم ذكر فيه الحافظ إشكالاً آخر لم يتعرض له غيره، وهو أنّ ابن عمر كان معهم في
غزوة بني المصطلق، وهي المريسيع، كما ثبت من حديثه في المغازي من صحيح البخاري،
وثبت في الصحيحين أيضاً أنه عرض في يوم أحد فلم يجزه النبيّ وَّ، وعرض في الخندق
فأجازه. فإذا كان أول مشاهده الخندق، وقد ثبت أنه شهد المريسيع لزم أن تكون المريسيع بعد
الخندق، فيعود الإشكال. ثم أجاب عنه الحافظ بأنه لا يلزم من كون ابن عمر كان معهم في
غزوة المريسيع أن يكون أجيز له في القتال، فقد يكون صحب أباه ولم يباشر القتال، والله
سبحانه أعلم.
قوله: (إن كان من الأوس) وهي قبيلة سعد بن معاذ، وإنما قال ذلك لأنه سيدهم، وحكمه
فیهم نافذ.
قوله: (ضربنا عنقه) لأن إيذاء النبيّ وَل كفر وارتداد، وعقوبته القتل.
قوله: (أمرتنا، ففعلنا أمرك) أي: إن أمرتنا بقتله قتلناه، وإلا فلا .
قوله: (ولكن اجتهلته الحميّة) كذا وقع لمعظم رواة مسلم (اجتهلته) بالجيم والهاء، أي:
استخفته وأغضبته، وحملته على الجهل. وفي رواية ابن ماهان (احتملته) بالحاء والميم. وكذا
رواه مسلم بعد هذا من رواية يونس وصالح، وكذا رواه البخاري، ومعناه: أغضبته، فالروايتان
صحیحتان، كذا في شرح النووي.
قوله: (كذبتَ، لعَمر الله! لا تقتله) وليس المراد أنك لا تقدر على قتله، ولو أمرك
النبيّ وَّر بقتله، وحاشا سعد بن عبادة أن يقصد ذلك، وإنما المراد، كما نقله ابن التين عن
الداوديّ، أن النبيّ وَّله لا يجعل حكمه إليك، فلا تقدر على قتله. وأما قوله (كذبت) فالمراد منه
قوله (إن كان من الأوس ضربنا عنقه) فنسبه إلى الكذب في هذه الدعوى وأنه يقتله إن كان من
رهطه مطلقاً، وأنه إن كان من غير رهطه، إن أمر بقتله قتله وإلا فلا، فكأنه قال له: بل الذي
نعتقده على العكس مما نطقت به، وأنه لو كان من رهطك ما أحببت أن يقتل، ولكنه من غير
رهطك، فأنت تحبّ أن يقتل. فقد وقع في رواية ابن إسحاق: ((فقال سعد بن عبادة: ما قلت
٠١.٠

٦٣
كتاب: التوبة
فَقَامَ أُسَيْدُ بْنُ حُضَيْرٍ، وَهُوَ ابْنُ عَمِّ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ، فَقَالَ لِسَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ: كَذَبْتَ.
لَعَمْرُ اللَّهِ، لَنَقْتُلَنَّهُ. فَإِنَّكَ مُنَافِقٌ تُجَادِلُ عَنِ الْمُنَافِقِينَ. فَثَارَ الْحَيَّانِ الأَوْسُ وَالْخَزْرَجُ.
حَتَّى هَمُوا أَنْ يَقْتَتِلُوا. وَرَسُولُ اللَّهِ وَلَ قَائِمٌ عَلَى الْمِنْبَرِ. فَلَمْ يَزَلْ رَسُولُ اللّهِ وَهُ
يُخَفِّضُهُمْ حَتَّى سَكَنُوا وَسَكَتَ. قَالَتْ: وَبَكَيْتُ يَوْمِي ذَلِكَ. لاَ يَرْقَأُ لِي دَمْعٌ وَلاَ أَكْتَحِلُ
بِنَوْمٍ. ثُمَّ بَكَيْتُ لَيْلَتِيَ الْمُقْبِلَةَ. لاَ يَرْقَأُ لِي دَمْعٌ وَلاَ أَكْتَحِلُ بِنَوْمٍ. وَأَبَوَايَ يَظُنَّانِ أَنَّ
الْبُكّاءَ فَالِقٌ گِدِي.
هذه المقالة إلا أنك علمت أنه من الخزرج)) وفي رواية ابن حاطب عند الطبري والطبرانيّ: ((يا
ابن معاذ! والله ما بك نصرة رسول الله وَّر، ولكنها قد كانت بيننا ضغائن في الجاهلية وإحن لم
تحلل لنا من صدوركم. فقال ابن معاذ: الله أعلم بما أردت)).
والحاصل أن سعد بن عبادة قد فهم من كلام سعد بن معاذ ◌ًا أنه انتهز هذه الفرصة
للحمل على الخزرج، لأنه كان يعلم أن من ارتكب القذف يتعلق بالخزرج، فأشار على
رسول الله ◌َّ بقتله، وإنّما جاء بذكر الأوس توطئة لكلامه لئلا ينسب إليه أنه يشير بقتل أحد من
الخزرج، فردّ كلام سعد بن معاذ على أساس أن النبيّ وَّر لم يأمر بقتله بعدُ. وكان هذا الزعم
من سعد بن عبادة مبنياً على ما كان بينهم في الجاهلية من الضغائن، وإن الإسلام وإن كان
نجّاهم منها، ولكن كانت تظهر بعض آثارها في بعض المواضع على مقتضى البشريّة، والله
أعلم .
وليعلم أن سعد بن عبادة كانت أم حسّان بن ثابت بنت عمّه من فخذه، كما وقع في رواية
صالح بن كيسان عند البخاري في المغازي.
قوله: (فقام أسيد بن حضير) بضم الهمزة مصغراً، وكذلك اسم أبيه بضم الحاء مصغراً،
وكان من الأوس. أسلم على يد مصعب بن عمير بالمدينة بعد العقبة الأولى، واختلف في
شهوده بدراً، وشهد أحداً وما بعدها من المشاهد، وشهد مع عمر ظه فتح بيت المقدس،
ومات بالمدينة سنة عشرين في خلافة عمر، وصلى عليه عمر كذا في عمدة القاري.
قوله: (فإنك منافق) قال المأزريّ: إن ذلك وقع منه على جهة الغيظ والحنق والمبالغة في
زجر سعد بن عبادة عن المجادلة عن ابن أبيّ وغيره، ولم يرد النفاق الذي هو إظهار الإيمان
وإيطان الكفر. قال: ولعلّه وَّ إنما ترك الإنكار عليه لذلك.
قوله: (تجادل عن المنافقين) لم يثبت عن سعد بن عبادة ربه أنه دافع عن عبد الله بن أبيّ
ولا يتصور من مثله ذلك، وإنّما قال ما قال رداً على ما فهم من كلام سعد ابن معاذ من الحمل
على الخزرج، ومراد أسيد بن حضير أنّ نتيجة كلامه أنه ينفع المنافقين الذين تولّوا قذف
عائشة هنا .
قوله: (إن البكاء فالق كبدي) أي: أن كبدي ينشقّ بسبب حزني وبكائي.

٦٤
الجزء السادس من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
فَبَيْنَمَا هُمَا جَالِسَانِ عِنْدِي، وَأَنَا أَبْكِي، اسْتَأْذَنَتْ عَلَيَّ امْرَأَةٌ مِنَ الأَنْصَارِ فَأَذِنْتُ لَهَا.
فَجَلَسَتْ تَبْكِي. قَالَتْ: فَبَيْنَا نَحْنُ عَلَى ذُلِكَ دَخَلَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ. فَسَلَّمَ ثُمَّ جَلَسَ.
قَالَتْ، وَلَمْ يَجْلِسْ عِنْدِي مُنْذُ قِيلَ لِي مَا قِيلَ. وَقَدْ لَبِثَ شَهْراً لاَ يُوحَى إِلَيْهِ فِي شَأْنِي
بِشَيْءٍ. قَالَتْ: فَتَشَهَّدَ رَسُولُ اللَّهِ بَّهِ حِينَ جَلَسَ ثُمَّ قَالَ: ((أَمَّا بَعْدُ. يَا عَائِشَةُ، فَإِنَّهُ قَدْ
بَلَغَنِي عَنْكِ كَذَا وَكَذَا. فَإِنْ كُنْتِ بَرِيئَةً فَسَيُبَرَّتُكِ اللَّهُ. وَإِنْ كُنْتِ أَلْمَمْتِ بِذَنْبٍ. فَاسْتَغْفِرِي
اللَّهَ وَتُوبِي إِلَيْهِ. فَإِنَّ الْعَبْدَ إِذَا اعْتَرَفَ بِذَنْبِ ثُمَّ تَابَ، تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِ)) قَالَتْ: فَلَمَّا قَضَى
رَسُولُ اللَّهِ وَّيهِ مَقَالَتَهُ، قَلَصَ دَمْعِي حَتَّى مَا أُحِسُ مِنْهُ قَطْرَةٌ. فَقُلْتُ لأَبِي:
قوله: (فبينا هما جالسان عندي) وفي رواية البخاري (فأصبح أبواي عندي) قال الحافظ:
((أي: أنهما جاءا إلى المكان الذي هي به من بيته، لا أنها رجعت من عندهما إلى بيتها. ووقع
في رواية محمد بن ثور عن معمر عند الطبري: وأنا في بيت أبويّ)) قال العبد الضعيف عفا الله
عنه: هذا مخالف لما ثبت في رواية هشام بن عروة عند البخاري (رقم: ٤٧٥٧) وفيه أنها لما
جاءت إلى بيت أبويها، وسمعت من أم رومان ما وقع في قصة الإفك وبكت، قال لها أبو
بكر : ((أقسمت عليك أي بنية إلا رجعت إلى بيتك)) قالت عائشة: ((فرجعت)) وهذا صريح
في أنها رجعت من عندهما إلى بيتها، ولم يثبت أنها ذهبت إليهما مرة أخرى، فالظاهر أنهما
جاءا إلى بيتها .
قوله: (دخل علينا رسول الله (ص1) وفي رواية هشام المذكورة: ((دخل عليّ رسول الله وكل
وقد صلى العصر، وقد اكتنفني أبواي عن يميني وعن شمالي)) وفي رواية ابن حاطب عند الطبريّ
والطبرانيّ: ((وقد جاء رسول الله وَّل حتى جلس على سرير وجاهي)) وفي حديث أم رومان عند
البخاري في المغازي (رقم: ٤١٤٣): ((فجاء النبيّ وَلّ فقال: ما شأن هذه؟ قلت: يا رسول الله!
أخذتها الحمى بنافض. قال: فلعلّ في حديث تحدث به؟ قالت: نعم، فقعدت عائشة)).
قوله: (وإن كنت ألممت بذنب) أي: وقع منك على خلاف العادة، وهو حقيقة الإلمام.
قوله: (فإنّ العبد إذا اعترف بذنب) قال الداودي: ((أمرها بالاعتراف، ولم يندبها إلى
الكتمان للفرق بين أزواج النبيّ ◌َ﴿ وغيرهنّ، فيجب على أزواجه الاعتراف بما يقع منهنّ ولا
يكتمنه إيّاه، لأنه لا يحل لنبي إمساك من يقع منها ذلك، بخلاف نساء الناس، فإنهن ندبن إلى
الستر)).
قوله: (قلص دمعي) أي: استمسك نزوله فانقطع. ومنه: قلص الظلّ وتقلّص: إذا شمر.
ذكر القرطبي أن سبب انقطاع دموعها أن الحزن والوجدة قد انتهت نهايتهما وبلغت غايتهما،
ومهما انتهى الأمر إلى ذلك قلص الدمع لفرط حرارة المصيبة. ذكره العيني في العمدة. ويحتمل

٦٥
كتاب: التوبة
أَجِبْ عَنِّي رَسُولَ اللَّهِ وَ لّهِ فِيمَا قَالَ، فَقَالَ: وَاللَّهِ، مَا أَدْرِي مَا أَقُولُ لِرَسُولِ اللَّهِ وَهِ .
فَقُلْتُ لأُمِّي: أَجِيبِي عَنِّي رَسُولَ اللَّهِ وَِّ. فَقَالَتْ: وَاللَّهِ مَا أَدْرِي مَا أَقُولُ
لِرَسُولِ اللَّهِ وَلِهِ. فَقُلْتُ، وَأَنَا جَارِيَةٌ حَدِيثَةُ السِّنِّ، لاَ أَقْرَأُ كَثِيراً مِنَ الْقُرْآنِ: إِنِّي، وَاللَّهِ،
لَقَدْ عَرَفْتُ أَنَّكُمْ قَدْ سَمِعْتُمْ بِهَذَا حَتَّى اسْتَقَرَّ فِي نُفُوسِكُمْ وَصَدَّقْتُمْ بِهِ. فَإِنْ قُلتُ لَكُمْ إِنِّي
بَرِيئَةٌ، وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَنِّي بَرِيئَةُ، لاَ تُصَدِّقُونِي بِذُلِكَ. وَلَيْنِ اغْتَرَفْتُ لَكُمْ بِأَمْرٍ، وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَنِّي
بَرِيئَةٌ، لَتُصَدِّقُونَنِي. وَإِّي، وَاللَّهِ، مَا أَجِدُ لِي وَلَكُمْ مَثَلاً إِلَّ كَمَا قَالَ أَبُو يُوسُفَ: فَصَبْرٌ
جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ.
أيضاً أنها لمّا سمعت من النبيّ ◌َّ أنها إن كانت بريئة فسيبُرئها الله، قلّ حزنها وسكن جأشها
فانقطع الدمع .
قوله: (أجب عنّي رسول الله وَّه) قال الحافظ: ((قيل: إنما قالت عائشة لأبيها، مع أن
السؤال إنما وقع عما في باطن الأمر، وهو لا اطلاع له على ذلك، لكن قالته إشارة إلى أنها لم
يقع منها شيء في الباطن يخالف الظاهر الذي هو يطلع عليه، فكأنها قالت له: برئني بما شئت،
وأنت على ثقة من الصدق فيما تقول: وإنما أجابها أبو بكر بقوله: (لا أدري) لأنه كان كثير
الاتباع لرسول الله وهيلر، فأجاب بما يطابق السؤال في المعنى، ولأنه وإن كان يتحقق براءتها،
لكنه كره أن يزكي ولده، وكذا الجواب عن قول أمها: لا أدري)).
قوله: (لا أقرأ كثيراً من القرآن) إنما قالت ذلك توطئة لعذرها في أنّها نسيت اسم يعقوب
عليه السلام في كلامها الآتي. ووقع في رواية هشام بن عروة: ((فلمّا لم يجيباه؛ تشهدت
فحمدت الله وأثنيت عليه بما هو أهله ثم قلت: أما بعد)) وفي رواية ابن إسحاق: ((فلمّا استعجما
عليّ استعبرت فبكيت ثم قلت: والله لا أتوب مما ذكروا أبداً)).
قوله: (وصدّقتم به) قالت هذا وإن لم يكن على حقيقته، على سبيل المقابلة لما وقع من
المبالغة في التنقيب عن ذلك، وهي لما كانت تحققته من براءة نفسها ومنزلتها تعتقد أنه كان
ينبغي لكل من سمع عنها ذلك أن يقطع بكذبه، لكن العذر لهم في ذلك أنهم أرادوا إقامة الحجة
على من تكلم في ذلك، ولا يكفي فيها مجرد نفي ما قالوا والسكوت عليه، بل تعيّن التنقيب عليه
لقطع شبههم. ويحتمل أن يكون مرادها بقولها: (وصدقتم به) من صدق به من أصحاب الإفك،
لكن ضمت إليه من لم يكذبهم تغليباً .
قوله: (لا تصدقوني بذلك) أي: لا تقطعون بصدقي.
قوله: (لتصدّقونني) لأن المرء مؤاخذ بإقراره.
قوله: (كما قال أبو يوسف) تعني: يعقوب عليه السلام، وفي رواية ابن جريج عند أبي

٦٦
الجزء السادس من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
قَالَتْ: ثُمَّ تَحَوَّلْتُ فَاضْطَجَعْتُ عَلَى فِرَاشِي. قَالَتْ، وَأَنَا، وَاللَّهِ، حِينَئِذٍ أَعْلَمُ أَنِّي
بَرِيئَةٌ. وَأَنَّ اللَّهَ مُبَرِّئِي بِبَرَاءَتِي. وَلَّكِنْ، واللَّهِ، مَا كُنْتُ أَظُنُّ أَنْ يُنْزَلَ فِي شَأْنِي وَحْيٌ يُتْلَى.
وَلَّشَأْنِي كَانَ أَحْقَرَ فِي نَفْسِي مِنْ أَنْ يَتَكَلَّمَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فِيَّ بَأَمْرٍ يُتْلَى. وَلَكِنِّي كُنْتُ أَرْجُو
أَنْ يَرَىْ رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ فِي النَّوْمِ رُؤْيَا يُبَرِّئُنِي اللَّهُ بِهَا. قَالَتْ: فَوَاللَّهِ، مَا رَامَ
رَسُولُ اللَّهِ بَّهِ مَجْلِسَهُ، وَلاَ خَرَجَ مِنْ أَهْلِ الْبَيْتِ أَحَدٌ، حَتَّى أَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ عَلَى
نَبِّهِ وَلِّ. فَأَخَذَهُ مَا كَانَ يَأْخُذُهُ مِنَ الْبُرَحَاءِ عِنْدَ الْوَحْيِ، حَتَّى إِنَّهُ لَيَتَحَدَّرُ مِنْهُ مِثْلُ الْجُمَانِ
مِنَ الْعَرَقِ، فِي الْيَوْمِ الشَّاتِ، مِنْ ثِقَلِ الْقَوْلِ الَّذِي أُنْزِلَ عَلَيْهِ. قَالَتْ: فَلَمَّا سُرِّيَ عَنْ
رَسُولِ اللّهِ وَلِهِ، وَهُوَّ يَضْحَكُ، فَكَانَ أَوَّلَ كَلِمَةٍ تَكَلَّمَ بِهَا أَنْ قَالَ: «أَبْشِرِي. يَا عَائِشَةُ،
أَمَّا اللَّهُ فَقَدْ بَرَّأَكِ)) فَقَالَتْ لِي أُمِّي: قُومِي إِلَيْهِ. فَقُلْتُ: وَاللَّهِ، لاَ أَقُومُ إِلَيْهِ. وَلاَ أَحْمَدُ إِلاَّ
اللَّهَ. هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ بَرَاءَتِي.
عوانة والطبراني: ((واختلس مني اسمه)) وفي رواية هشام بن عروة عند البخاري: ((والتمست اسم
يعقوب فلم أقدر عليه)) وفي رواية أبي أويس: ((نسيت اسم يعقوب لما بي من البكاء واحتراق
الجوف)).
قوله: (فاضطجعت على فراشي) زاد ابن جريج: ((ووليت وجهي نحو الجدار)).
قوله: (ما رام رسول الله وَلِ﴾ أي: فارق، وهو من (رام يريم رَيْما) وأما (رام يروم رَوْماً)
فمعناه : قصد.
قوله: (ما كان يأخذه من البُرَحاء) بضم الباء وفتح الراء: هي شدة الحمى، أو شدة
الكرب، وقيل: شدة الحرّ.
قوله: (ليتحدّر منه مثل الجمان) أي: ينزل، والجُمان، بضم الميم: اللؤلؤ، فشبهت
قطرات عرقه ولو باللآلىء لمشابهتها في الصفاء والحسن.
قوله: (في اليوم الشّات) أصله: اليوم الشّاتي، أي: يوم بارد من الشتاء، وزاد ابن جريج:
((قال أبو بكر: فجعلت أنظر إلى رسول الله وسلم أخشى أن ينزل من السماء مالا مردّ له، وأنظر
إلى وجه عائشة فإذا هو منبق فيطمعني فيها)) وفي رواية ابن إسحاق من حديث عائشة: ((فأما أنا،
فوالله ما فزعت. قد عرفت أني بريئة، وأن الله غير ظالمي. وأمّا أبواي فما سرّي عن
رسول الله وَ﴿ حتى ظننت لتخرجن أنفسهما فرقاً من أن يأتي من الله تحقيق ما يقول الناس)).
قوله: (قومي إليه) أي: استبشاراً بما ظهر من الفرج، وحمداً له وَله.
قوله: (والله لا أقوم إليه ولا أحمد إلا الله) وزاد في رواية الأسود عن عائشة عند أبي

٦٧
كتاب: التوبة
قَالَتْ: فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَءُو بِلِفْكِ عُصْبَةُ مِّنْكُمْ﴾ [النور: ١١] عَشْرَ آيَاتٍ. فَأَنْزَلَ
اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ هَؤُلاَءِ الْآيَاتِ بَرَاءَتِي. قَالَتْ: فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ، وَكَانَ يُنْفِقُ عَلَى مِسْطَحِ لِقَرَابَتِهِ
مِنْهُ وَفَقْرِهِ: وَاللَّهِ، لاَ أُنْفِقُ عَلَيْهِ شَيْئاً أَبَداً بَعْدَ الَّذِي قَالَ لِعَائِشَةَ. فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزٍّ وَجَلَّ:
﴿وَلاَ يَأْتَلِ أُولُوا الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ
[النور: ٢٢] .
اللَّهُ لَكُمَُّ
عوانة والطبراني: ((وأخذ رسول الله وَّقو بيدي فانتزعت يدي منه، فنهرني أبو بكر)) قال ابن
الجوزي: ((إنما قالت ذلك إدلالاً، كما يُدلّ الحبيب على حبيبه))، وروى الطبري وأبو عوانة عن
مجاهد قال: ((قالت عائشة لما نزل عذرها فقبل أبو بكر رأسها: فقلت: ألا عذرتني؟ فقال: أيّ
سماء تظلّني وأيّ أرض تقُلني إذا قلت ما لا أعلم)).
قوله: (قالت: فأنزل الله عزّ وجلّ) إلخ: قال الزمخشري: ((لم يقع في القرآن من التغليظ
في معصية ما وقع في قصة الإفك بأوجز عبارة وأشبعها لاشتماله على الوعيد الشديد والعتاب
البليغ، والزجر العنيف، واستعظام القول في ذلك واستشناعه بطرق مختلفة وأساليب متقنة، كل
واحد منها كاف في بابه. بل ما وقع منها من وعيد عبدة الأوثان إلا بما هو دون ذلك، وما ذلك
إلا لإظهار علوّ منزلة رسول الله وَلفي، وتطهير من هو بسبيل)).
ثم إن عائشة رضيّا ذكرت ههنا أن الذي نزل في هذه القصّة عشر آيات. وهي إلى قوله
تعالى: ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ (٥)﴾ [النور، آية: ٢٠]. لكن وقع في
رواية عطاء الخراساني عن الزهريّ عند أبي عوانة في صحيحه والطبرانيّ: ((فأنزل الله تعالى:
﴿إِنَّ الَّذِينَ جَمُو﴾ - إلى قوله - ﴿أَنْ يَغْفِرَ اَللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [النور، الآيات: ١١ - ٢٢])) وعدد
الآيات إلى هذا الموضع اثنتا عشرة آية. وجمع بينهما الحافظ في الفتح بأن عائشة ألغت الكسر.
والذي يظهر لهذا العبد الضعيف - عفا الله عنه - أن الذي نزل تبرئة لعائشة أولاً عشر آيات كما
ذكرته عائشة في هذه الرواية. ثم إن أبا بكر حلف أن لا ينفق على مسطح، فنزلت الآيتان
بعدها. ففصلت عائشة في رواية الباب، ووقع في رواية عطاء الإجمال، فذكرت اثنتا عشرة آية
بالجملة. ووقع في رواية الحكم بن عتيبة مرسلاً عند الطبري أن الله تعالى أنزل خمس عشرة آية
من سورة النور حتى بلغ ﴿الْفَبِيشَتُ لِلْخَبِيثِنَ﴾ [النور، آية: ٢٦] فلعلّ ما بين قوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ
ءَامَنُواْ لَا تَتَّبِعُواْ خُطُوَتِ الشَّيْطَنِّ﴾ [النور، آية: ٢١] وقوله تعالى: ﴿الْخَبِشَتُ لِلْخَبِيِنَ﴾ نزل في المرة
الثانية عندما حلف أبو بكر أن لا ينفق على مسطح. والله سبحانه أعلم.
قوله: (والله لا أنفق عليه شيئاً أبداً) يؤخذ منه مشروعية ترك المؤاخذة بالذنب ما دام
احتمال عدمه موجوداً، لأن أبا بكر لم يقطع نفقة مسطح إلا بعد تحقق ذنبه فيما وقع منه.
قوله: (ولا يأتل) قال أبو عبيدة: معناه: لا يفتعل من آليت، أي: أقسمت. وله معنى آخر

٦٨
الجزء السادس من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
قَالَ حِبَّانُ بْنُ مُوسَى: قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ: هَذِهِ أَرْجَى آَيَّةٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ.
فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: وَاللَّهِ، إِنِّي لأُحِبُّ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لِي. فَرَجَعَ إِلَى مِسْطَحِ النَّفَقَةَ الَّتِي
كَانَ يُنْفِقُ عَلَيْهِ. وَقَالَ: لاَ أَنْزِعُهَا مِنْهُ أَبَداً .
قَالَتْ عَائِشَةُ: وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ وَلِهِ سَأَلَ زَيْنَبَ بِنْتَ جَحْشٍ، زَوْجَ النَّبِيِّ ◌َِّهِ عَنْ
أَمْرِي: ((مَا عَلِمْتِ؟ أَوْ مَا رَأَيْتِ؟)) فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَحْمِي سَمْعِي وَبَصَرِي. وَاللَّهِ،
مَا عَلِمْتُ إِلاَّ خَيْراً.
قَالَتْ عَائِشَةُ: وَهِيَ الَّتِي كَانَتْ تُسَامِينِي مِنْ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ بَّهِ. فَعَصَمَهَا اللَّهُ بِالْوَرَعِ.
وَطَفِقَتْ أُخْتُهَا حَمْنَةُ بِنْتُ جَحْشٍ تُحَارِبُ لَهَا. فَهَلَكَتْ فِيَمَنْ هَلَكَ.
قَالَ الزُّهْرِيُّ: فَهِذَا مَا انْتَهَى إِلَيْنَا مِنْ أَمْرِ هَؤُلاءِ الرَّهْطِ .
وَقَالَ فِي حَدِيثِ يُونُسَ : احْتَمَلَتْهُ الْحَمِيَّةُ.
من (ألوت) أي: قصّرت. وفسّره ابن عباس بقوله ((ولا يأتل يقول: لا أقسم)) أخرجه ابن أبي
حاتم، فالتفسير الأول أولى.
قوله: (هذه أرجى آية) لكونه يبشّر بالمغفرة من يعفو ويصفح عن خطأ غيره.
قوله: (فرجع إلى مسطح النفقة) وفي رواية للطبراني أنه صار يعطيه ضِعف ما كان يعطيه
قبل ذلك.
قوله: (أحمي سمعي وبصري) أي: أصونهما عن ذكر ما لم أسمع ولم أبصر.
قوله: (وهي التي كانت تُسَاميني) إلخ: أي: تبارزني وتُعاليني، من السموّ، وهو العلوّ
والارتفاع، أي: تطلب من العلوّ والرفعة والحظوة عند النبيّ وَلّ ما أطلب، أو تعتقد أن منزلتها
عند النبيّ ◌َّر مثل منزلتي عنده.
قوله: (وطفقت أختها حمنة) بفتح الحاء وسكون الميم، وكانت تحت طلحة بن عبيد الله.
قوله: (تحارب لها) أي: تجادل لأختها زينب، وتتعصب، وتحكي ما قال أهل الإفك
لتنخفض منزلة عائشة وتعلو مرتبة زينب.
قوله: (فهلكت فيمن هلك) أي: وقعت في القذف مع من وقع فيه.
ثم اختلف العلماء: هل أقام النبيّ ◌َ ر حدّ القذف على من ارتكبه في عائشة رضينا. وصحح
الحافظ في الفتح أنه وسير أقام الحدّ على الذين تكلموا بالإفك، وفيهم عبد الله بن أبي، كما ثبت
بحديث عائشة عند ابن إسحاق، وبحديث أبي هريرة عند البراز، وبرواية أبي أويس عند الحاكم
في الإكليل.

٦٩
كتاب: التوبة
٦٩٥٢ - (٥٧) وحدّثني أَبُو الرَّبِيع الْعَتَكِيُّ. حَدَّثَنَا فُلَيْحُ بْنُ سُلَيْمَانَ. ح وَحَدَّثَنَا
الْحَسَنُ بْنُ عَلِيِّ الْحُلْوَانِيُّ وعَبْدُ بْنُ حُمَّيْدٍ. قَالاَ: حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ .
حَدَّثَنَا أَبِي، عَنْ صَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ. كِلاَهُمَا عَنِ الزُّهْرِيِّ، بِمِثْلِ حَدِيثٍ يُونُسَ وَمَعْمَرٍ .
بِإِسْنَادِ هِمَا.
وَفِي حَدِيثِ فُلَيْحِ: اجْتَهَلَتْهُ الْحَمِيَّةُ. كَمَا قَالَ مَعْمَرٌ.
وَفِي حَدِيثِ صَالِحٍ: احْتَمَلَتْهُ الْحَمِيَّةُ كَقَوْلٍ يُونُسَ، وَزَادَ فِي حَدِيثٍ صَالِحٍ: قَالَ
عُرْوَةُ: كَانَتْ عَائِشَةُ تَكْرَةٌ أَنْ يُسَبَّ عِنْدَهَا حَسَّانُ. وَتَقُولُ: فَإِنَّهُ قَالَ:
فَإِنَّ أَبِي وَوَالِدَهُ وَعِرْضِي لِعِرْضِ مُحَمَّدٍ مِنْكُمْ وِقَاءُ
وَزَادَ أَيْضاً: قَالَ عُرْوَةُ: قَالَتْ عَائِشَةُ: وَاللَّهِ، إِنَّ الرَّجُلَ الَّذِي قِيلَ لَهُ مَا قِيلَ لَيَقُولُ:
سُبْحَانَ اللَّهِ، فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، مَا كَشَفْتُ عَنْ كَنَفِ أُنْثَى قَظُ. قَالَتْ: ثُمَّ قُتِلَ بَعْدَ ذَلِكَ
شَهِيداً فِي سَبِيلِ اللهِ.
وَفِي حَدِيثٍ يَعْقُوبَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ: مُوعِرِينَ فِي نَحْرِ الظَّهِيرَةِ.
وَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ: مُوغِرِينَ.
قَالَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ: قُلْتُ لِعَبْدِ الرَّزَّاقِ: مَا قَوْلُهُ مُوغِرِينَ؟ قَالَ: الْوَغْرَةُ شِدَّةُ الْحَرِّ.
٦٩٥٣ - (٥٨) حدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْعَلاَءِ. قَالاَ: حَدَّثَنَا أَبُو
أُسَامَةَ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: لَمَّا ذُكِرَ مِنْ شَأْنِي الَّذِي ذُكِرَ،
وَمَا عَلِمْتُ بِهِ، قَأَمَ رَسُولُ اللّهِ وَّهِ خَطِيباً فَتَشَهَّدَ. فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ. ثُمَّ
٥٧ - (٠٠٠) - قوله: (تكره أن يسبّ عندها حسّان) أي: ابن ثابت تطلبه، وذلك من كمال
حبّها لرسول الله وَّ، وكان حسّان يذبّ عن رسول الله وَ ﴿ بشعره. فكرهت أن يذكر بسوء،
وقدّمنا في باب مناقب حسان بن ثابت عن السّهيلي أنه لم يقع في القذف، والله سبحانه أعلم.
قوله: (إن الرّجل الذي قيل له ما قيل) تعني: صفوان بن معطّل
قوله: (ما كشفت عن كنف أنثى) الكنف هنا، بفتح الكاف والنون، الثوب الذي يستر
المرأة، وهو كناية عن كونه لم يقارب امرأة قطّ. وقد تقدم ما فيه في شرح قول عائشة في هذا
الحديث: (فاتلج فأصبح عند منزلي).
قوله: (وفي حديث يعقوب بن إبراهيم: موعرين) يعني: بالعين المهملة، وهو من قولهم:
أوعر به الطريق: أي: صار وعراً، ولكن هذه الرواية ضعفها النووي. والصحيح (مُوغِرِين)
بالغين المعجمة، وقد مرّ شرحه.

٧٠
الجزء السادس من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
قَالَ: (أَمَّا بَعْدُ. أَشِيرُوا عَلَيَّ فِي أُنَاسِ أَبَنُوا أَهْلِي. وَائِمُ اللَّهِ، مَا عَلِمْتُ عَلَى أَهْلِي مِنْ سُوءٍ
قَطُ. وَأَبَنُوهُمْ، بِمَنْ، وَاللَّهِ مَا عَلِمْتُ عَلَيْهِ مِنْ سُوءٍ قَطُ، وَلاَ دَخَلَ بَنِتِي قَطُ إِلاَّ وَأَنَا حَاضِرٌ.
وَلَاَ غِبْتُ فِي سَفَرٍ إِلَّ غَابَ مَعِي))، وَسَاقَ الْحَدِيثَ بِقِصَّتِهِ، وَفِيهِ: وَلَقَدْ دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ وَل
بَيْتِي فَسَأَلَ جَارِيَتِي. فَقَالَتْ: وَاللَّهِ، مَا عَلِمْتُ عَلَيْهَا عَيْباً، إِلاَّ أَنَّهَا كَانَتْ تَرْقُدُ حَتَّى تَدْخُلَ
الشّاةُ فَتَأْكُلَ عَجِينَهَا. أَوْ قَالَتْ: خَمِيرَهَا - (شَكَّ هِشَامٌ) - فَانْتَهَرَهَا بَعْضُ أَصْحَابِهِ فَقَالَ:
اصْدُقِي رَسُولَ اللَّهِ وَهِ. حَتَّى أَسْقَطُوا لَهَا بِهِ. فَقَالَتْ: سُبْحَانَ اللَّهِ، وَاللَّهِ، مَا عَلِمْتُ عَلَيْهَا
إِلَّ مَا يَعْلَمُ الصَّائِغُ عَلَىْ تِيْرِ الذَّهَبِ الأَخْمَرِ .
وَقَدْ بَلَغَ الأَمْرُ ذَلِكَ الرَّجُلَ الَّذَي قِيَلِ لَهُ، فَقَالَ: سُبْحَانَ اللَّهِ، وَاللَّهِ، مَا كَشَفْتُ عَنْ
كَنَفِ أُنْثَى قٌَ .
قَالَتْ عَائِشَةُ: وَقُتِلَ شَهِيداً فِي سَبِيلِ اللَّهِ.
وَفِيهِ أَيْضاً مِنَ الزِّيَادَةِ: وَكَانَ الَّذِينَ تَكَلَّمُوا بِهِ مِسْطَحْ وَحَمْنَةُ وَحَسَّانُ. وَأَمَّا الْمُنَافِقُ
عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيِّ فَهُوَ الَّذِي كَانَ يَسْتَوْشِيهِ وَيَجْمَعُهُ. وَهُوَ الَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ، وَحِمْنَهُ.
٥٨ - (٠٠٠) - قوله: (في أناس أبنوا أهلي) بفتح الهمزة والباء المخففة، أي: اتهموا
وعابوا، يقال: أبنه يأبنه بضم الباء في المضارع وكسرها: إذا اتهمه ورماه بخلّة سوء، فهو
مأبون.
قوله: (وأبنوهم بمن؟) استفهام للتعجب، يعني: من اتهموا أهلي به، يعني: صفوان رجل
لا يعلم منه إلا خيراً.
قوله: (حتى أسقطوا لها به) يعني: صرّحوا لها بالأمر، فالإسقاط بمعنى التصريح. وقيل:
معناه: أتوا بسقط من القول في سؤالها وانتهارها. يقال: أسقط وسقط في كلامه: إذا أتى فيه
بساقط. وقيل: إذا أخطأ فيه، ووقع في رواية ابن ماهان: ((أسقطوا لهاتها)) وظاهر معناه أنهم
ضربوها حتى سقطت لهاتها في الحلق، واللهاة: مضغة صغيرة من اللحم في حلق الإنسان.
وقيل: معناه أنهم أسكتوها، فإسقاط اللهاة كناية عن الإسكات. ولكن هذه الرواية ضعيفة.
والرواية الصحيحة: ((أسقطوا لها به)).
قوله: (كان يستوشيه) أي: يستخرجه بالبحث والمسألة، ثم يفشيه ويشيعه ويحركه ويشي
به .
ثم إن حديث عائشة رضيثها في قصة الإفك تضمن فوائد كثيرة سردها النووي في شرحه،
والحافظ في الفتح، ومن أهمها ما يلي:
١ - يجوز أن يخدم الأجانب المرأة من وراء الحجاب، لأن رجالاً كانوا يحملون هودج
عائشة رغثا وهي فيه .

٧١
كتاب: التوبة
٠٠٠
٢ - يجوز للمرأة أن تتحلى في السفر بالقلادة ونحوها، لأن عائشة لبست القلادة في السّفر
ولم ينكر عليها رسول الله وَله .
٣ - يستحسن من المرء أن يتفقّد ماله ويصونه من الضياع، وإن كان قليلاً، لأن قلادة
عائشة لم تكن من ذهب ولا من فضة، وإنما كانت من جزع، ولكنّها ذهبت مرة ثانية للتفتيش
عنها .
٤ - يجوز لبعض أصحاب الجيش أن يتأخروا عن عامة الجيش لحاجة تعرض لهم.
٥ - إن المرء، ولا سيّما المرأة، إن انفصلت عن أهلها، فعليها أن تلزم المكان الذي
تركها أهله فيها، ليتيسّر وجدانها في ذلك المكان عند التفقّد، بخلاف ما إذا خرجت إلى مكان
آخر، فقد لا يهتدي إليه الباحثون.
٦ - الأدب مع الأجنبيات أن لا يتكلم الرجل معهنّ بكلام كثير، كما فعل صفوان مع
.
عائشة رضى
٧ - إذا اضطر الرجل على السّير مع الأجنبية في خلوة، فإنه يتقدم عليها، لتأمن من كشف
شيء من جسمها أمامه.
٨ - تغطّي المرأة وجهها عن نظر الأجنبيّ، سواء كان صالحاً، كما فعلت عائشة مع
صفوان .
٩ - من مكارم الأخلاق إكرامُ ذوي القدر وإيثارهم بالركوب وتجشم المشقة لأجل ذلك.
١٠ - لا ينبغي لأهل المريض أن يُعلموه بما يؤذي باطنه، لئلا يزيد ذلك في مرضه، كما
فعل بعائشة أهل بيتها حيث لم يخبروها بما أشاع فيها أهل الإفك، حتى علمت ذلك من أم
مسطح.
١١ - يستحبّ ملاطفة الزوجة وحسن معاشرتها، والتقصير من ذلك عند إشاعة ما يقتضي
النقص وإن لم يتحقق. وفائدة ذلك أن تتفطن لتغيير الحال فتعتذر أو تعترف. وفيه إشارة إلى
مراتب الهجران بالكلام والملاطفة. فإذا كان السبب محقّقاً فيترك أصلاً، وإن كان مظنوناً
فيخفف، وإن كان مشكوكاً فيه أو محتملاً، فيحسن التقليل منه، لا للعمل بما قيل بل لئلا يظنّ
بصاحبه عدم المبالاة بما قيل في حقه، لأن ذلك من خوارم المروءة.
١٢ - وجوب التثبّت في أمر من أشيع عنه خبر قبيح، وأن لا يتّهم بسوء حتى يظهر ما يثبته
بطريق شرعي.
١٣ - إنّ أزواج النبيّ وَّ أولى بالدفاع من أولاد المرء، حيث سبّت أم مسطح ابنها لوقوعه
في الإفك.

٧٢
الجزء السادس من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
(١١) - باب: براءة حرم النبيّ ونَ﴾ من الريبة
٦٩٥٤ - (٥٩) حدّثني زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ. حَدَّثَنَا عَفَّانُ. حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ.
أَخْبَرَنَا ثَابِتٌ، عَنْ أَنَسٍ: أَنَّ رَجُلاً كَانَ يُتَّهَمُ بِأَمِّ وَلَدِ رَسُولِ اللَّهِ نَّهِ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَ
لِعَلِيٍّ: ((اذْهَبْ فَاضْرِبْ عُنُقَهُ)) فَأَتَاهُ عَلِيٍّ فَإِذَا هُوَ فِي رَكِيٍّ يَتَبَرَّدُ فِيهَا. فَقَالَ لَهُ عَلِيٍّ: اخْرُجْ.
١٤ - إن الراجح في أهل بدر أنه لا يمتنع منهم وقوع الذنب، ولكنه مقرون بالتوبة
والمغفرة .
١٥ - يتوقف خروج المرأة من بيتها على إذن زوجها، ولو كان الخروج إلى بيت أبويها .
١٦ - ربّما يذكر عيب يسير للمرء لدفع تهمة كبيرة عنه، ولا يُعدّ ذلك غيبة، فإن الجارية
ذكرت نوم عائشة عن عجين أهلها، لتستدل به على براءتها، لأن ذلك أكبر ما رأت فيها من
نقص. ولكن يستحسن في مثل ذلك أن يذكر العذر في ذلك، كما قالت الجارية: ((إنها جارية
حديثة السنّ)).
١٧ - إن إدلال المرأة على زوجها لا ينافي تعظيمه، فإن عائشة رضيّا قالت: ((والله لا أقوم
إلیه)).
(١١) - باب: براءة حرم النبيّ وَُّ من الريبة
٥٩ - (٢٧٧١) - قوله: (عن أنس) هذا الحديث لم يخرجه أحد من الأئمة الستة غير
المصنف رحمه الله تعالى، وأخرجه أحمد في مسنده: (٣: ٢٨١).
قوله: (أن رجلاً كان يُتّهم) ذكر القاضي عياض رحمه الله أنه كان قبطيّاً، وكان يتكلم مع
مارية القبطيّة رضيها لكونها من أهل وطنه، فاتهمه بعض الناس من أجل ذلك.
قوله: (فاضرب عنقه) هذا الأمر مشكل جداً، لأن مجرد التهمة لا تكفي للحكم بقتل
المتّهم، حتى يثبت ما يوجبه ببيّنة أو إقرار والظاهر أنه لم يكن هناك بينة ولا إقرار، لظهور أنه
كان مجبوباً. وذكر بعض العلماء أنّ النبيّ وَّر لم يأمر بقتله بسبب التهمة، بل يحتمل أن يكون قد
ارتكب فعلاً آخر يوجب القتل، أو كان من المنافقين، ولكن يعكر عليه بأن عليّاً ض ◌ُه قد أمسك
عن قتله بعد ما رآه مجبوباً، فلو كان السبب الموجب للقتل شيء آخر غير تهمته بالفاحشة، لما
أمسك عن ذلك.
وقيل: إن النبيّ وَّير علم بالوحي أنه مجبوب، وأن عليّاً سيرى منه ذلك، فإنما بعثه
لتنكشف حقيقته وترتفع تهمته. ذكره الأبيّ عن القاضي عياض رحمه الله.
والواقع أن هذه الرواية فيها إجمال شديد، وليس فيها ذكر ما أجاب به النبيّ وَّ عليّاً
مضىعنْه
بعد ما أخبره بكونه مجبوباً. ولا يمكن في هذه الحالة القطع في تفسير ما ذكر فيها. ويمكن على

٧٣
كتاب: التوبة
فَنَاوَلَهُ يَدَهُ فَأَخْرَجَهُ. فَإِذَا هُوَ مَجْبُوبٌ لَيْسَ لَهُ ذَكَرٌ. فَكَفَّ عَلِيٍّ عَنْهُ. ثُمَّ أَتَى النَّبِيَّ ◌َِهُ
فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّهُ لَمَجْبُوبٌ، مَا لَهُ ذَكَرٌ.
الاحتمال الأول أن يقال: إن عليّاً ظله لم يكفّ عن قتله للأبد، وإنّما أراد أن يخبر النبيّ وَل
بما يدلّ قطعاً أن من اتهمه بالفاحشة ليس مُصيباً، ولتثبت به براءة أم ولد لرسول الله وَّل بيقين،
بعد ما كانت مبنية قبل ذلك على حسن الظنّ ونفي ما يثبت خلاف ذلك. أمّا قتله فكان لسبب
آخر، فيمكن أن يكون قتله بعد ذلك ولم يُذكر في الحديث، لكون غرض الراوي مقتصراً على
بيان نفي التهمة عن أم ولد النبيّ وَّر، والله سبحانه وتعالى أعلم.
قد تمّ شرح كتاب التوبة بفضل الله تعالى وتوفيقه قبيل صلاة العصر، السابع والعشرين من
شهر محرم سنة: (١٤١٤ هـ)، وأسأل الله سبحانه أن يوفقني لإكمال باقي الشرح على ما يحبه
ويرضاه، إنه تعالى على كل شيء قدير، وصلى الله تعالى على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه
وبارك وسلم تسليماً .

٧٤
الجزء السادس من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَى الرَّحِيَةِ
٥٠ - كتاب: صفات المنافقين وأحكامهم
٦٩٥٥ - (١) حدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ. حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ مُوسَى. حَدَّثَنَا
زُهَيْرُ بْنُ مُعَاوِيَةَ. حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ؛ أَنَّهُ سَمِعَ زَيْدَ بْنَ أَرْقَمَ يَقُولُ: خَرَجْنَا مَعَ
رَسُولِ اللَّهِ وَهِ فِي سَفَرٍ، أَصَابَ النَّاسَ فِيهِ شِدَّةٌ. فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيِّ لأَصْحَابِهِ: لاَ
تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللّهِ نَّهِ حَتَّى يَنْفَضُوا مِنْ حَوْلِهِ.
قَالَ زُهَيْرٌ: وَهِيَ قِرَاءَةُ مَنْ خَفَضَ حَوْلَهُ.
كتاب: صفات المنافقين وأحكامهم
١ - (٢٧٧٢) - قوله: (سمع زيد بن أرقم) هذا الحديث أخرجه البخاري في تفسير سورة
(المنافقون) باب قوله تعالى: ﴿إِذَا جَءَكَ الْمُنَفِقُونَ قَالُواْ نَشْهَدُ﴾ (٤٩٠٠)، وباب ﴿أَتَّخَذُوَأْ أَيْمَنَهُمْ
جُنَّةُ﴾ (٤٩٠١)، وباب ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ ءَمَنُواْ ثُمَّ كَفَرُواْ﴾ (٤٩٠٢)، وباب ﴿وَإِذَا وَتَهُمْ تُعْجِبُكَ
أَجْسَامُهُمْ﴾ (٤٩٠٣)، وباب ﴿وَإِذَا قِيلَ لَُمْ تَعَالُواْ يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللَّهِ﴾ (٤٩٠٤)، وأخرجه
الترمذي في التفسير، باب من سورة المنافقين (٣٣٠٩ و٣٣١٠).
قوله: (في سفر) ووقع في رواية محمد بن كعب عن زيد بن أرقم عند النسائي أنه كان في
غزوة تبوك، وبمثله أخرج عبد بن حميد عن سعيد بن جبير مرسلاً. وذكر أهل المغازي أنه كان
في غزوة بني مصطلق، كما في فتح الباري (٨: ٦٤٤) وكونه في تبوك مشكل على قول أهل
المغازي أن عبد الله بن أبيّ تخلف عنها، ومات بعد منصرفهم منها وراجع عمدة القاري (٨:
٦٤٩).
قوله: (حتى ينفضّوا) أي: ينفردوا.
قوله: (وهي قراءة مَن خفض ((حَوْلِهِ)) لفظ ((مِنْ حَوْله))) ليس موجوداً في القرآن الكريم، ولم
يقصد الراوي تلاوة الآية، وإنما أراد حكاية كلام عبد الله بن أبيّ. وذكر بعض العلماء أن (من
حوله) موجود في قراءة عبد الله بن مسعود، وقرأه بعضهم بكسر الميم واللام (مِنْ حَوْلِه) وبعضهم
بفتحهما: (مَنْ حَوْلَه) وعلى الثاني يكون بدلاً من ضمير الفاعل في (ينفضّوا). وعلى كلّ، ليس هو
موجوداً في القراءات المتواترة اليوم، والظاهر أنها كانت زيادة تفسيرية من قبل عبد الله بن

٧٥
كتاب: صفات المنافقين وأحكامهم
وَقَالَ: لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لِيُخْرِجَنَّ الأَعَزُّ مِنْهَا الأَذَلَّ. قَالَ: فَأَتَيْتُ النَّبِيَّ رَهُ
فَأَخْبَرْتُهُ بِذَلِكَ. فَأَرْسَلَ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيِّ فَسَأَلَهُ فَاجْتَهَدَ يَمِينَهُ مَا فَعَلَ. فَقَالَ: كَذَبَ زَيْدٌ
رَسُولَ اللَّهِ وَلِ. قَالَ: فَوَقَعَ فِي نَفْسِي مِمَّا قَالُوهُ شِدَّةٌ. حَتَّى أَنْزَلَ اللَّهُ تَصْدِيقِي: ﴿إِذَا
جَاءَكَ الْمُنَفِقُونَ﴾ [المنافقون: ١].
قَالَ: ثُمَّ دَعَاهُمُ النَّبِيُّ وَ لِيَسْتَغْفِرَ لَهُمْ. قَالَ: فَلَوَّوْا رُؤُوسَهُمْ. وَقَوْلُهُ: ﴿كَهُمْ
خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ﴾ [المنافقون: ٤]. وَقَالَ: كَانُوا رِجَالاً أَجْمَلَ شَيْءٍ.
٦٩٥٦ - (٢) حدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ وَأَحْمَدُ بْنُ عَبْدَةَ
الضَّبِّيُّ - وَاللَّفْظُ لابْنِ أَبِي شَيْبَةَ - (قَالَ ابْنُ عَبْدَةَ: أَخْبَرَنَا. وَقَالَ الآخَرَانِ: حَدَّثَنَا)
سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ عَمْرٍو؛ أَنَّهُ سَمِعَ جَابِراً يَقُولُ: أَتَى النَّبِيُّ وَهَ قَبْرَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيِّ.
فَأَخْرَجَهُ مِنْ قَبْرِهِ فَوَضَعَهُ عَلَّى رُكْبَتَيْهِ. وَنَفَثَ عَلَيْهِ مِنْ رِيقِهِ. وَأَلْبَسَهُ قَمِيصَهُ. فَاللَّهُ أَعْلَّمُ.
مسعود، وقد ثبت أن مثل هذه الزيادات التفسيرية ربما سميت بالقراءات، والله أعلم.
قوله: (وقال: لئن رجعنا إلى المدينة) إلخ: وسبب قوله هذا ما مرّ في حديث جابر في
نصر الأخ ظالماً أو مظلوماً، من كتاب البر والصلة أن رجلاً من المهاجرين كسع رجلاً من
الأنصار، فقال: (يا للأنصار!) وقال المهاجريّ: (يا للمهاجرين!) فبلغ ذلك رسول اللهِ وَال
فقال: (دعوها، فإنها منتة) فسمعها عبد اللّه بن أبيّ، فقال: (لئن رجعنا إلخ).
قوله: (فأخبرته بذلك) وفي مرسل الحسن عند عبد الرزاق: ((فقال رسول الله وَله: لعلك
أخطأ سمعك، لعلك شُبه عليك)).
قوله: (كانوا رجالاً أجمل شيء) هذا تفسير لقوله تعالى: ﴿تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ﴾ [المنافقون،
آية: ٤] وخشب مسندة تمثيل لأجسامهم.
٢ - (٢٧٧٣) - قوله: (سمع جابراً) هذا الحديث أخرجه البخاري في الجنائز، باب الكفن
في القميص الذي يكف أو لا يكف (١٢٧٠)، وباب هل يخرج الميت من القبر واللحد
(١٣٥٠)، وفي الجهاد، باب الكسوة للأسارى (٣٠٠٨)، وفي اللباس، باب لبس القميص
(٥٧٩٥)، والنسائي في الجنائز، باب إخراج الميت من اللحد (٢٠١٩ و٢٠٢٠)، وباب
القميص في الكفن (١٩٠١)، وابن ماجه في الجنائز، باب في الصلاة على أهل القبلة (١٥٢٣).
قوله: (فأخرجه من قبره) وكان أهل عبد الله بن أبيّ خشوا على النبيّ ◌َّر المشقة في
حضوره، فبادروا إلى تجهيزه قبل وصول النبيّ وَّر. فلما وصل وجدهم قد دلّوه في حفرته، فأمر
بإخراجه إنجازاً لوعده في تكفينه في القميص والصلاة عليه. كذا في فتح الباري (٣: ١٣٩)
وإنما فعل به النبيّ ◌َّهِ هذا مع علمه بكونه منافقاً، تمشية له على ظاهر حاله، وإكراماً لابنه لأنه

٧٦
الجزء السادس من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
٦٩٥٧ - (٠٠٠) حدّثني أَحْمَدُ بْنُ يُوسُفَ الأَزْدِيُّ. حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا ابْنُ
جُرَيْجِ. أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ. قَالَ: سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ: جَاءَ النَّبِيُّ وَّهِ إِلَى
عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيِّ، بَعْدَمَا أُدْخِلَّ حُفْرَتَهُ، فَذَكَرَ بِمِثْلِ حَدِيثِ سُفْيَانَ.
٦٩٥٨ - (٣) حدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ. حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ. حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ
عُمَرَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: لَمَّا تُوُفِّيَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيِّ، ابْنُ سَلُوَلَ، جَاءَ ابْنُهُ،
عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّدِ اللَّهِ إِلَىَ رَسُولِ اللّهِ وَّهِ. فَسَأَلَهُ أَنْ يُعْطِيَهُ قَمِيصَهُ يُكَفِّنُ فِيهِ أَبَاهُ. فَأَغْطَاهُ.
ثُمَّ سَأَلَهُ أَنْ يُصَلِّيَ عَلَيْهِ. فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِوَ لِيُصَلِّيَ عَلَيْهِ. فَقَامَ عُمَرُ فَأَخَذَ بِثَوْبٍ
رَسُولِ اللَّهِ وَّهِ. فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَتُصَلِّي عَلَيْهِ وَقَدْ نَهَاكَ اللَّهُ أَنْ تُصَلِّيَ عَلَيْهِ؟ فَقَالَ
رَسُولُ اللَّهِ وَِّ: ((إِنَّمَا خَيَّرَنِي اللَّهُ فَقَالَ: ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أوْ لاَ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ. إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ
سَبْعِينَ مَرَّةً﴾. وَسَأَزِيدُهُ عَلَى سَبْعِينَ)) قَالَ: إِنَّهُ مُنَافِقٌ. فَصَلَّى عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ. فَأَنْزَلْ
اللّهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿وَلَا تُصَلّ عَّ أَحَدٍ مِّنْهُم ◌َاتَ أَبَدًا وَلَا نَقُمْ عَلَى قَبْرِهِةَ﴾ [التوبة: ٨٤].
٦٩٥٩ - (٤) حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى وَعُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ. قَالاَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى،
(وَهُوَ الْقَطَّانُ)، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، نَحْوَهُ، وَزَادَ: قَالَ: فَتَرَكَ الصَّلاَةَ عَلَيْهِمْ.
٦٩٦٠ - (٥) حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي عُمَرَ الْمَكِيُّ. حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ
مُجَاهِدٍ، عَنْ أَبِي مَعْمَرٍ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ. قَالَ: اجْتَمَعَ عِنْدَ الْبَيْتِ ثَلاثَةُ نَفَرٍ. قُرَشِيَّانِ
وَثَقَفِيٍّ. أَوْ تَقَفِيَّانِ وَقُرَشِيٍّ. قَلِيلٌ فِقْهُ قُلُوبِهِمْ. كَثِيرٌ شَحْمُ بُطُونِهِمْ. فَقَالَ أَحَدُهُمْ: أَتُرَوْنَ
كان مؤمناً صادقاً، وكان قبل نزول قوله تعالى: ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَىَ أَحَدٍ مِنْهُم ◌َّاتَ أَبَدًا﴾ [التوبة، آية: ٨٤].
٣ - (٢٧٧٤) - قوله: (عن ابن عمر) هذا الحديث أخرجه المصنف أيضاً في كتاب
الفضائل، باب فضائل عمر بظلاله، وتقدم تخريجه وشرحه هناك مبسوطاً، ولله الحمد.
٥ - (٢٧٧٥) - قوله: (عن ابن مسعود) هذا الحديث أخرجه البخاري في تفسير سورة حم
السجدة، باب ﴿وَمَا كُنتُمْ تَسْتَِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعَّكُمْ﴾ (٤٨١٦)، وباب ﴿وَذَلِكُمْ ظَتَكُمُ الَّذِى
ظَنَنْتُم بِرَيَّكُمْ﴾ (٤٨١٧)، وفي التوحيد، باب قول الله تعالى: ﴿وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ﴾ إلخ
(٧٥٢١)، وأخرجه الترمذي في تفسير حم السجدة (٣٢٤٥).
قوله: (ثلاثة نفر) وفي رواية روح بن القاسم عند البخاري: ((كان رجلان من قريش وختن
لهما من ثقيف)».
قوله: (أو ثقفيان وقرشيّ) وفي رواية رَوْح المذكورة: ((أو رجلان من ثقيف وختن لهما من
قريش)) وهذا الشكّ من أبي معمر تلميذ مجاهد. وأخرجه عبد الرزاق من طريق وهب بن ربيعة

٧٧
كتاب: صفات المنافقين وأحكامهم
اللَّهَ يَسْمَعُ مَا نَقُولُ؟ وَقَالَ الآخَرُ: يَسْمَعُ إِنْ جَهَرْنَا. وَلاَ يَسْمَعُ إِنْ أَخْفَيْنَا. وَقَالَ الآخَرُ:
إِنْ كَانَ يَسْمَعُ إِذَا جَهَرْنَا، فَهُوَ يَسْمَعُ إِذَا أَخْفَيْنَا. فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَئِرُونَ
أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعَّكُمْ وَلَ أَبْصَرَّكُمْ وَلَا جُلُودُكُمْ﴾ [فصلت: ٢٢] الآيَةَ.
٦٩٦١ - (٠٠٠) وحدّثني أَبُو بَكْرِ بْنُ خَلاَّدِ الْبَاهِلِيُّ. حَذَّثَنَا يَحْيَى، (يَعْنِي ابْنَ
سَعِيدٍ)، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ. حَدَّثَنِي سُلَيْمَانُ، عَنْ عُمَارَةَ بْنِ عُمَيْرٍ، عَنْ وَهْبِ بْنِ رَبِيعَةَ، عَنْ
عَبْدِ اللَّهِ. ح وَقَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى. حَدَّثَنَا سُفْيَانُ. حَدَّثَنِي مَنْصُورٌ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنْ أَبِي
مَعْمَرٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ. بِنَحْوِهِ .
٦٩٦٢ - (٦) حدّثنا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذِ الْعَنْبَرِيُّ. حَدَّثَنَا أَبِي. حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ
عَدِيٍّ، (وَهُوَ ابْنُ ثَابِتٍ)، قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ يَزِيدَ يُحَدِّثُ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ؛ أَنَّ
عن ابن مسعود، ولفظه: ((ثقفي وختناه قرشيان)) ولم يشكّ. وأخرجه المصنف في الرواية الآتية،
لكنه لم يسق لفظه. وذكر الثعلبي، وتبعه البغويّ، أن الثقفي عبد ياليل بن عمرو بن عمير،
والقرشيان صفوان وربيعة ابنا أمية بن خلف. وراجع فتح الباري (٨: ٥٦٢).
قوله: (كثير شحم بطونهم) إشارة إلى سمنهم، وإلى أن سمن الجسم ربما لا يجتمع مع
العقل والفهم الصحيح.
قوله: (يسمع إن جهرنا ولا يسمع إن أخفينا) وفي رواية رَوح المذكورة: (يسمع بعضه)).
قوله: (فأنزل الله عزّ وجلّ: ﴿وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَِرُونَ﴾) يعني: ما كان لكم أن تستتروا من أن
يشهد عليكم أعضاؤكم عند الله. والحاصل: أن الله تعالى يسمع ما تجهرون وما تخفون، ويشهد
على ذلك أعضاءكم وتمام الآية: ﴿وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَئِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُّكُمْ وَلَاَ أَبْصَرَّكُمْ وَلَا جُلُودُ كُمْ
وَذَلِكُمْ ظَتْكُمُ الَّذِىِ ظَنْتُم بِرَّكُمْ أَرْدَكُمْ فَأَصْبَحْتُم مِّنَ
وَلَكِن ◌َظَنَنْتُمْ أَنَّ اللَّهَ لَا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِمَّا تَعْمَلُونَ
(٢٣)﴾ [فصلت، الآيتان: ٢٢، ٢٣].
اْخَسِرِينَ
ثم إن إدراج هذا الحديث في كتاب صفات المنافقين لا يظهر له وجه، لأن الآية إنما
نزلت في المشركين المجاهرين لا في المنافقين. ولعلّ مسلماً رحمه الله أورده هنا من جهة أن ما
يضمر المنافقون في صدروهم من النفاق يدلّ على أنهم يعتقدون أن الله تعالى لا يعلم ما في
ضمائرهم، ولا يسمع ما يخفونه، كما زعم هؤلاء المشركون الذين نزلت فيهم الآية، والله
أعلم .
٦ - (٢٧٧٦) - قوله: (عن زيد بن ثابت) هذا الحديث أخرجه البخاري في فضائل المدينة،
باب المدينة تنفي الخبث (١٨٨٤)، وفي المغازي، باب غزوة أحد (٤٠٥٠)، وفي التفسير،
سورة النساء، باب (فمالكم في المنافقين فئتين) (٤٥٨٩). وأخرجه الترمذي في تفسير سورة
النساء (٣٠٣١).

٧٨
الجزء السادس من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
النَّبِيَّ وَّهِ خَرَجَ إِلَى أُحُدٍ. فَرَجَعَ نَاسٌ مِمَّنْ كَانَ مَعَهُ. فَكَانَ أَصْحَابُ النَّبِيِّ نَّهِ فِيهِمْ
فِرْقَتَيْنِ. قَالَ بَعْضُهُمْ: نَقْتُلُهُمْ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لاَ. فَنَزَلَتْ: ﴿فَمَا لَكُمْ فِىِ الْمُفِقِينَ فِئَتَيْنِ﴾
[النساء: ٨٨].
٦٩٦٣ - (٠٠٠) وحدّثني زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ. حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ. ح وَحَدَّثَنِي أَبُو
بَكْرِ بْنُ نَافِع. حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ. كِلاَهُمَا عَنْ شُعْبَةَ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، نَحْوَهُ.
٦٩٦٤ - (٧) حدّثنا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيِّ الْحُلْوَانِيُّ وَمُحَمَّدُ بْنُ سَهْلِ التَّمِيمِيُّ. قَالاً:
حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ. أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ أَخْبَرَنِي زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ،
عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُذْرِيِّ؛ أَن رِجَالاً مِنَ الْمُنَافِقِينَ، فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ وَلِهِ، كَانُوا إِذَا خَرَجَ
النَّبِيُّ وَّهِ إِلَى الْغَزْوِ تَخَلَّفُوا عَنْهُ. وَفَرِحُوا بِمَقْعَدِهِمْ خِلاَفَ رَسُولِ اللّهِ بَهِ. فَإِذَا قَدِمَ
النَّبِيُّ وَّهِ اعْتَذَرُوا إِلَيْهِ. وَحلَفُوا. وَأَحَبُّوا أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا. فَنَزَلَتْ: ﴿لَا تَحْسَبَنَّ
الَّذِينَ يَفْرَعُونَ بِمَآ أَنَواْ وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُواْ بِمَا لَمْ يَفْعَلُوْ فَلَا تَحْسَبَّهُم بِمَفَازَةٍ مِّنَ الْعَذَابِ﴾ [آل عمران:
١٨٨].
٦٩٦٥ - (٨) حدّثنا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ وَهَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، (وَاللَّفْظُ لِزُهَيْرٍ)، قَالاً:
قوله: (فرجع ناس ممن كان معه) أي: رجعوا من الطريق وأبوا أن يشاركوا في القتال،
وهم عبد اللّه بن أبيّ وأتباعه .
٧ - (٢٧٧٧) - قوله: (عن أبي سعيد الخدريّ) هذا الحديث أخرجه البخاري في تفسير
سورة آل عمران، باب ﴿لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَآ أَتَوَأْ﴾ (٤٥٦٧)، والترمذي في تفسير سورة
آل عمران (٣٠١٨).
قوله: (فنزلت: ﴿لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ﴾ [آل عمران، آية: ١٨٨] إلخ) هكذا ذكره أبو سعيد
الخدريّ رَُّه في سبب نزول الآية، وأن المراد من كان يعتذر عن التخلف من المنافقين. وفي
حديث ابن عباس الذي أخرجه المصنف بعد هذا أن المراد من أجاب من اليهود بغير ما سئل عنه
وكتموا ما عندهم من ذلك. ويمكن الجمع بأن تكون الآية نزلت في الفريقين معاً، وبهذا أجاب
القرطبي وغيره. وحكى الفراء أنها نزلت في قول اليهود! نحن أهل الكتاب الأول والصلاة
والطاعة، ومع ذلك لا يقرّون بمحمد بَّهِ، فنزلت: ﴿وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُواْ بِمَا لَمْ يَفْعَلُواْ﴾ [آل عمران،
آية: ١٨٨]. وروى ابن أبي حاتم من طرق أخرى عن جماعة من التابعين نحو ذلك، ورجحه
الطبري. ولا مانع من أن تكون نزلت في كل ذلك، أو نزلت في أشياء خاصة، وعمومها يتناول
كل من أتى بحسنة ففرح بها فرح إعجاب، وأحب أن يحمده الناس ويثنوا عليه بما ليس فيه،
والله أعلم. كذا في فتح الباري (٨: ٢٣٣).

٧٩
كتاب: صفات المنافقين وأحكامهم
حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ مُحَمَّدٍ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجِ. أَخْبَرَنِي ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ؛ أَنَّ حُمَيْدَ بْنَ
عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ أَخْبَرَهُ؛ أَنَّ مَرْوَانَ قَالَ: اذْهَبْ يَا رَافِعُ، (لِبَوَّابِهِ)، إِلَىِ ابْنِ عَبَّاسٍ
فَقُلْ: لَئِنْ كَانَ كُلُّ امْرِىءٍ مِنَّا فِرِحَ بِمَا أَتَى، وَأَحَبَّ أَنْ يُحْمَدَ بِمَا لَمْ يَفْعَلْ، مُعَذَّباً،َ لَنُعَذَّبِنَّ
أَجْمَعُونَ. فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: مَا لَّكُمْ وَلِهَذِهِ الآيَةِ؟ إِنَّمَا أُنْزِلَتْ هَذِهِ الآيَةُ فِي أَهْلِ الْكِتَابِ.
ثُمَّ تَلاَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اَللَّهُ مِثَقَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَبَ لَتُبِيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ﴾ [آل
عمران: ١٨٧] هَذِهِ الْآيَّةَ. وَثَلاَ ابْنُ عَبَّاسِ: ﴿لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَكُونَ بِمَا أَتَواْ وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُواْ
بِمَا لَمْ يَفْعَلُواْ﴾ [آل عمران: ١٨٨]. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسِ: سَأَلَهُمُ النَّبِيُّ وَّهَ عَنْ شَيْءٍ فَكَتَمُوهُ إِيَّاهُ.
وَأَخْبَرُوهُ بِغَيْرِهِ. فَخَرَجُوا قَدْ أَرَوْهُ أَنْ قَدْ أَخْبَرُّوهُ بِمَا سَأَلَهُمْ عَنْهُ. وَاسْتَحْمَدُوا بِذَلِكَ إِلَيْهِ.
وَفَرِحُوا بِمَا أَتَوْا، مِنْ كِثْمَانِهِمْ إِيَّاهُ، مَا سَأَلَهُمْ عَنْهُ.
٦٩٦٦ - (٩) حدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ. حَدَّثَنَا أَسْوَدُ بْنُ عَامِرٍ. حَدَّثَنَا شُعْبَةُ بْنُ
الْحَجَّاجِ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَبِي نَضْرَةَ، عَنْ قَيْسٍ قَالَ: قُلْتُ لِعَمَّارٍ: أَرَأَيْتُمْ صَنِيعَكُمْ هَذَا
٨ - (٢٧٧٨) - قوله: (أن مروان قال) ألخ: هذا الحديث أخرجه البخاري في تفسير سورة
آل عمران، باب ﴿لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَآ أَتَواْ﴾ (٤٥٦٨)، والترمذي في تفسير سورة آل عمران
(٣٠١٨).
قوله: (اذهب يا رافع) قال الحافظ ابن حجر: ((رافع هذا لم أر له ذكراً في كتاب الرواة
إلا بما جاء في هذا الحديث، والذي يظهر من سياق الحديث أنه توجه إلى ابن عباس فبلغه
الرسالة ورجع إلى مروان بالجواب، فلولا أنه معتمد عند مروان ما قنع برسالته)) ومن هنا ألزم
الإسماعيليّ البخاري بأنه كان ينبغي له أن يصحح حديث بسرة في مس الذكر على هذا الأساس،
لأن مروان أرسل فيه شرطيّاً يسأل بسرة عن حديث مس الذكر فأخبرته. ولعلّ الفرق أن الشرطيّ
هناك غير مسمى، فهو مجهول مطلقاً، بخلاف رافع هنا، فإنه مسمى، ولا يبعد أن يكون
البخاري ومسلم قد عرفا كونه ثقة، والله أعلم.
قوله: (معذّباً) هو خبر لقوله (لئن كان) وحاصل شبهته أن كلاً منا يفرح بما يعمل من الخير،
وربّما يحبّ أن يُحمد بما لم يفعل، وإنّ الله سبحانه وتعالى قد ذمّ هذا الصنيع وأخبر أنه موجب
للعذاب، ونتيجة ذلك أن يكون كلّ منّا معذبّاً. وحاصل جواب ابن عباس ها أن هذه الآية نزلت
في اليهود الذين كانوا يكتمون أشياء من النبيّ وَّر ويفرحون بكتمانهم، ويظهرون له خلاف الواقع،
ويحبّون أن يحمدهم رسول الله وَّيه والمسلمون على ما أظهروه من خلاف الواقع، فالموجب
للعذاب هو فرحهم بكتمان الحقيقة، وحبّهم للحمد على كذبهم. أمّا فرح المسلمين بما فعلوه من
حسنة فهو عاجل بشرى المؤمن، كما جاء في الحديث، إذا لم يكن على وجه العجب والكبر.
قوله: (عن قيس) هذا الحديث مما تفرد بإخراجه المصنف رحمه الله من بين الأئمة الستة.

٨٠
الجزء السادس من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
الَّذِي صَنَعْتُمْ فِي أَمْرٍ عَلِيٍّ، أَرَأْياً رَأَيْتُمُوهُ أَوْ شَيْئاً عَهِدَهُ إِلَيْكُمْ رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ؟ فَقَالَ:
مَا عَهِدَ إِلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ نَّهِ شَيْئاً لَمْ يَعْهَدْهُ إِلَى النَّاسِ كَافَّةٌ، وَلَكِنْ حُذَيْفَةُ أَخْبَرَنِي عَنِ
النَّبِّ وَِّ. قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ◌َّهِ: ((فِي أَصْحَابِي أَثْنَا عَشَرَ مُنَافِقاً فِيهِمْ ثَمَانِيَةٌ لاَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةً
حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ، ثَمَانِيَةٌ مِنْهُمْ تَكْفِيكَهُمُ الدُّبَيْلَةُ، وَأَرْبَعَةٌ)) لَمْ أَخْفَظُ مَا قَالَ
شُعْبَةُ فِيهِمْ.
قوله: (صنعتم في أمر عليّ) أي: من تأييده ومؤازرته والقتال معه.
قوله: (أو شيئاً عهده إليكم) أي: أوصاكم به رسول الله وَّل .
قوله: (في أصحابي اثنا عشر منافقاً) يعني: من جملة الذين ينسبون إلى صحبتي في
الظاهر، وإلا فالمنافق لا يسمّى صحابيّاً. ولذلك ورد هذا الحديث في الرواية الآتية بلفظ: ((وإنّ
في أمّتي اثنا عشر منافقاً)).
وأما تخصيص اثني عشر رجلاً في هذا الحديث، مع أن المنافقين كانوا أكثر من ذلك،
فلأن هذا الحديث يتعلق بقصة مخصوصة، أخرجها الطبراني في الأوسط عن حذيفة قال: ((كنت
آخذاً بزمام ناقة رسول الله وَ ر أقود، وعمار يسوق، أو عمار يقود وأنا أسوق به، إذ استقبلنا اثنا
عشر رجلاً متلثمين. قال: هؤلاء المنافقون إلى يوم القيامة. قلت: يا رسول الله! ألا تبعث إلى
كل رجل منهم فتقتله؟ فقال: أكره أن يتحدث الناس أن محمداً يقتل أصحابه، وعسى يكفينيهم
الدبيلة. قلنا: وما الدبيلة؟ قال: شهاب من نار يوضع على نياط قلب أحدهم فيقتله)) ذكره
الهيثمي في مجمع الزوائد (١: ١٠٩) وقال: وفيه عبد الله بن سلمة، وثقه جماعة، وقال
البخاري: لا يتابع على حديثه.
قوله: (يلج الجمل في سمّ الخياط) الخياط: الإبرة والسمّ، بفتح السين: ثقبها، وهو
تعليق بالمحال بمعنى النفي.
قوله: (تكفيكهم الدُّبيلة) بضم الدال، تصغير للدَّبْل، بفتح الدال بمعنى الطاعون، والدُّبيلة
أيضاً: الدامية وداء في الجوف، كما في القاموس. وقال ابن الأثير في النهاية (٢: ٩٩): ((هي
خُراج ودُمّل كبير تظهر في الجوف فتقتل صاحبها غالباً، وهي تصغير دُبلة. وكلّ شيء جُمع فقد
دُبِل)) ومثله في مجمع البحار.
والمعنى أن ثمانية من هؤلاء المنافقين يموتون بمرض الدُبيلة، فكأن الدُبيلة تكفي
المسلمين عن شرّهم. وحاصل جواب عمّار ◌َالله أن النبيّ وَّر أخبر بأن بعض المنافقين يبقون
بعدِه ◌َي﴿ فيثيرون الفتن فيما بين أصحاب النبيّ وََّ، فكأن عمّاراً ◌َبه أشار إلى أن من قام حرباً
على عليّ رَظُه، إنما فعل ذلك بتدسيس من هؤلاء المنافقين، وكان عليّ رَضُه على حقّ، فوجب
علينا مؤازرته. والله أعلم.