Indexed OCR Text

Pages 41-60

٤١
كتاب: التوبة
فَبَيْنَا أَنَا أَمْشِي فِي سُوقِ الْمَدِينَةِ، إِذَا نَبَطِيٍّ مِنْ نَبَطِ أَهْلِ الشَّامِ، مِمَّنْ قَدِمَ بِالطَّعَامِ
يَبِيعُهُ بِالْمَدِينَةِ. يَقُولُ: مَنْ يَدُلُّ عَلَى كَعْبٍ بْنِ مَالِكِ. قَالَ: فَطَفِقَ النَّاسُ يُشِيرُونَ لَهُ إِلَيَّ .
حَتَّى جَاءَنِي فَدَفَعَ إِلَيَّ كِتَاباً مِنْ مَلِكِ غَسَّانَ. وَكُنْتُ كَاتِباً. فَقَرَأْتُهُ فَإِذَا فِيهِ: أَمَّا بَعْدُ. فَإِنَّهُ
قَدْ بَلَغَنَا أَنَّ صَاحِبَكَ قَدْ جَفَاكَ. وَلَمْ يَجْعَلْكَ اللَّهُ بِدَارِ هَوَانٍ وَلاَ مَضْيَعَةٍ فَالْحَقْ بِنَا
نُوَاسِكَ، قَالَ: فَقُلْتُ، حِينَ قَرَأْتُهَا: وَهَذِهِ أَيضاً مِنَ الْبَلاَءِ. فَتَامَمْتُ بِهَا التَّنُّورَ فَسَجَرْتُهَا
بِهَا. حَتَّى إِذَا مَضَتْ أَرْبَعُونَ مِنَ الْخَمْسِينَ، وَاسْتَلْبَثَ الْوَحْيُ، إِذَا رَسُولُ رَسُولِ اللّهِ ◌ُِّ
مخاطبة كعب روايته، أو لأنّه حمل النهي على كلام مفيد، لا على ما يفيد البعد والمنافرة.
قوله: (إذا نبطيّ من أنباط أهل الشام) النبّي، بفتح النون والباء، نسبة إلى النبط، وهو
مشتق من استنباط الماء واستخراجه، وهؤلاء كانوا في ذلك الوقت أهل الفلاحة. وهذا النبطي
الشاميّ كان نصرانياً كما وقع في رواية معمر عند أحمد: ((إذا نصرانيّ جاء بطعام له يبيعه)».
قوله: (كتاباً من ملك غسّان) قيل: هو جبلة بن أيهم، وقيل: هو الحارث بن أبي شمر،
وكان ملكاً لنصارى العرب له عهد وصداقة مع نصارى الروم.
قوله: (بدار هوان ولا مَضْيعَةٍ) بسكون الضاد وفتح الياء، أو بكسر الضاد وسكون الياء،
اسم ظرف من (ضاع) أي: لم يجعلك حيث يضيع حقك. وفي رواية لابن عائذ: ((فإن لك
متحولاً)) أي: مكاناً تتحول إليه.
قوله: (وهذه أيضاً من البلاء) وفي رواية لابن أبي شيبة: ((فقلت: إنا لله، قد طمع فيّ أهل
الكفر)).
قوله: (فتياممت) أي: قصدت بها التنّور، وهي لغة في تيمّمت فجرتها، أي: أوقدت
التنّور بها، والضمير المؤنث للصحيفة أو الرسالة المفهومة من لفظ الكتاب. قال الحافظ في
الفتح: ((دل صنيع كعب هذا على قوة إيمانه ومحبته لله ولرسوله، وإلا فمن صارفي مثل حاله من
الهجر والإعراض قد يضعف عن احتمال ذلك، وتحمله الرغبة في الجاه والمال على هجران من
هجره، ولا سيّما مع أمنه من الملك الفري استدعاه إليه أنه لا يكرهه على فراق دينه، لكن لما
احتمل عنده أنه لا يأمن من الافتتان، حسم المادة وأحرق الكتاب ومنع الجواب. هذا مع كونه
من الشعراء الذين طبعت نفوسهم على الرغبة، ولا سيما بعد الاستدعاء والحث على الوصول
إلى المقصود من الجاه والمال، ولا سيما والذي استدعاه قريبه ونسيبه، ومع ذلك فغلب عليه
دينه وقوي عنده يقينه، ورجح ما هو فيه من النكد والتعذيب على ما دُعي إليه من الراحة والنعيم
حبّاً لله ولرسوله)).
قوله: (واستلبث الوحي) أي: أبطأ .
قوله: (أن تعتزل امرأتك) وهي عميرة بنت جبير بن صخر بن أمية الأنصاري رؤيا، وهي أم

٤٢
الجزء السادس من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
يَأْتِينِي. فَقَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللّهِ وَلَهِ يَأْمُرُكَ أَنْ تَعْتَزِلَ امْرَأَتَكَ. قَالَ: فَقُلْتُ: أُطَلِّقُهَا أَمْ مَاذَا
أَفْعَلُ؟ قَالَ: لاَ. بَلِ اعْتَزِلْهَا. فَلاَ تَقْرَبَنَّهَا. قَالَ: فَأَرْسَلَ إِلَى صَاحِبَيَّ بِمِثْلٍ ذُلِكَ. قَالَ:
فَقُلْتُ لإِمْرَأَتِي: الْحَقِي بِأَهْلِكِ فَكُونِي عِنْدَهُمْ حَتَّى يَقْضِيَ اللَّهُ فِي هَذَا الأَمْرِ. قَالَ: فَجَاءَتِ
امْرَأَةُ هِلَاَلِ بْنِ أُمَيَّةَ رَسُولَ اللَّهِ وَّهِ. فَقَالَتْ لَهُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ هِلاَلَ بْنَ أُمَيَّةَ شَيْخٌ
ضَائِعٌ لَيْسَ لَهُ خَادِمٌ. فَهَلْ تَكْرَهُ أَنْ أَخْدُمَهُ؟ قَالَ: ((لا. وَلَكِنْ لاَ يَقْرَبَنَّكِ)) فَقَالَتْ: إِنَّهُ،
وَاللَّهِ، مَا بِهِ حَرَكَةٌ إِلَى شَيْءٍ. وَوَاللَّهِ مَا زَالَ يَبْكِي مُنْذُ كَانَ مِنْ أَمْرِهِ مَا كَانَ. إِلَى يَوْمِهِ هَذَا.
قَالَ: فَقَالَ لِي بَعْضُ أَهْلِي: لَوِ اسْتَأْذَنْتَ رَسُولَ اللّهِ وَيهِ فِي امْرَأَتِكَ؟ فَقَدْ أَذِنَ
لإِمْرَأَةِ هِلاَلٍ بْنِ أُمَيَّةَ أَنْ تَخْدُمَهُ. قَالَ: فَقُلْتُ: لاَ أَسْتَأُذِنُ فِيهَا رَسُولَ اللَّهِ وَهِ. وَمَا
يُدْرِينِي مَاذَا يَقُولُ رَسُولُ اللّهِ بَّهِ، إِذَا اسْتَأَذَنْتُهُ فِيهَا، وَأَنَا رَجُلٌ شَابٌّ. قَالَ: فَلَبِثْتُ بِذَلِكَ
عَشْرَ لَيَالٍ. فَكَمُلَ لَنَا خَمْسُونَ لَيْلَةً مِنْ حِينَ نُهِيَ عَنْ كَلاَمِنَا. قَالَ: ثُمَّ صَلَّيْتُ صَلاَةَ الْفَجْرِ
صَبَاحَ خَمْسِينَ لَيْلَةً، عَلَى ظَهْرِ بَيْتٍ مِنْ بُيُوتِنَا. فَبَيْنَا أَنَا جَالِسٌ عَلَى الْحَالِ الَّتِي ذَكَرَ اللَّهُ عَزَّ
وَجَلَّ مِنَّا. قَدْ ضَاقَتْ عَلَيَّ نَفْسِي وَضَاقَتْ عَلَيَّ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ، سَمِعْتُ صَوْتَ صَارِخِ
أَوْفَى عَلَى سَلْع يَقُولُ، بِأَعْلَى صَوْتِهِ: يَا كَعْبَ بْنَ مَالِكِ، أَبْشِرْ. قَالَ: فَخَرَرْتُ سَاجِداً.
وَعَرَفْتُ أَنْ قَدْ جَاءَ فَرَجٌ.
أولاده الثلاثة عبد الله وعبيد اللّه ومعبد. ويقال: اسم امرأته التي كانت يومئذ عنده: خَيْرة، والله
أعلم.
قوله: (الحقي بأهلك) هذا الحديث دليل على أن هذه الكلمة ليست صريحة في الطلاق،
بل هي كناية لا يقع بها الطلاق إلا إذا نوى بها المتكلم ذلك، فإن سياق الكلام هنا صريح في
أنه لم يرد بها الطلاق وإنما أمرها أن تلحق بأهلها لمدة إلى أن يأتي الله تعالى له بالفَرَج.
قوله: (فجاءت امرأة هلال بن أمية) اسمها خولة بنت عاصم، كما صرح به الحافظ في
الفتح.
قوله: (فقال لي بعض أهلي) ربّما يقع إشكال بأنه كيف كلّمه أهله مع نهي النبيّ ◌َّ عن
الكلام معه؟ ويجاب بأنه لعله بعض ولده أو من النساء، ولم يقع النهي عن كلام الثلاثة للنساء
اللاتي في بيوتهم، أو الذي كلمه كان منافقاً، أو كان ممن يخدمه ولم يدخل النهي.
قوله: (وأنا رجل شاب) أي: أقدر على خدمة نفسي، أو أخاف على نفسي من أن أصيب
امرأتي.
قوله: (أوفى على سَلْع) أي: طلع على جبل سلع بفتح السين وسكون اللام وزاد ابن
مردويه: ((وكنت ابتنيت خيمة في ظهر سلع فكنت أكون فيها)).

٤٣
كتاب: التوبة
قَالَ: فَأَذَنَ رَسُولُ اللَّهِ نَّهِ النَّاسَ بِتَوْبَةِ اللَّهِ عَلَيْنَا، حِينَ صَلَّى صَلاَةَ الْفَجْرِ. فَذَهَبَ
النَّاسُ يُبَشِّرُونَنَا. فَذَهَبَ قِبَلَ صَاحِبَيَّ مُبَشِّرُونَ. وَرَكَضَ رَجُلٌ إِلَيَّ فَرَساً. وَسَعَى سَاعِ مِنْ
أَسْلَمَ قِبَلِي. وَأَوْفَى الْجَبَلَ. فَكَانَ الصَّوْتُ أَسْرَعَ مِنَ الْفَرَسِ. فَلَمَّا جَاءَنِي الَّذِي سَمِّعْتُ
صَوْتَهُ يُبَشِّرُنِي. فَتَزَعْتُ لَهُ ثَوْبَيَّ فَكَسَوْتُهُمَا إِيَّاهُ بِشَارَتِهِ. وَاللَّهِ، مَا أَمْلِكُ غَيْرَهُمَا يَوْمَئِذٍ.
وَاسْتَعَرْتُ ثَوْبَيْنِ فَلَبِسْتُهُمَا. فَانْطَلَقْتُ أَتَأَمَّمُ رَسُولَ اللَّهِ وَلِهِ. يَتَلَقَّانِي النَّاسُ فَوْجاً فَوْجاً،
يُهَنِّئُونِي بِالثَّوْبَةِ وَيَقُولُونَ: لِتَهْنِئْكَ تَوْبَةُ اللَّهِ عَلَيْكَ. حَتَّى دَخَلْتُ الْمَسْجِدَ، فَإِذَا
رَسُولُ اللهِ وَلِ جَالِسٌ فِي الْمَسْجِدِ، وَحَوْلَهُ النَّاسُ. فَقَامَ طَلْحَةُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ يُهَرْوِلُ حَتَّى
صَافَحَنِي وَهَنَّأَنِي. وَاللَّهِ، مَا قَامَ رَجُلٌ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ غَيْرُهُ.
قَالَ: فَكَانَ كَعْبٌ لاَ يَنْسَاهَا لِطَلْحَةً.
قَالَ كَعْبٌ: فَلَمَّا سَلَّمْتُ عَلَى رَسُولِ اللّهِ وَ لِ قَالَ، وَهُوَ يَبْرُقُ وَجْهُهُ مِنَ السُّرُورِ
قوله: (فآذن رسول الله وَ (*) أي: أعلن. ووقع في رواية إسحاق بن راشد ومعمر (عند
أحمد): ((فأنزل الله توبتنا على نبيه حين بقي الثلث الأخير من الليل، ورسول الله وَلهم عند أم
سلمة، وكانت أم سلمة محسنة في شأني معتنية بأمري، فقال: يا أم سلمة! تيب على كعب،
قالت: أفلا أرسل إليه فأبشّره؟ قال: إذاً يحطمكم الناس فيمنعوكم النوم سائر الليلة، حتى إذا
صلى الفجر آذن بتوبة الله علينا)).
قوله: (وسعى ساع من أسلم قبلي) يعني: أن رجلاً ركض إليّ فرساً، وآخر جعل يسعى
على قدميه، كل واحد منهما يريد أن يبشرّني، وذكر الواقديّ أن الذي ركض فرساً هو الزبير بن
العوّام، والذي سعى على قدميه هو حمزة بن عمرو الأسلميّ. قال الواقديّ: وكان الذي بشّر
هلال بن أمية بتوبته سعيد بن زيد. قال سعيد: فما ظننته يرفع رأسه حتى تخرج نفسه، يعني: لما
كان فيه من الجهد، فقد قيل: إنه امتنع من الطعام حتى كان يواصل الأيّام صائماً، ولا يفتر من
البكاء. وكان الذي بشّر مرارة بتوبته سلكان بن سلامة، أو سلمة بن سلامة بن وقش.
قوله: (ما أملك غيرهما يومئذ) أي: من الثياب، وإلا فقد تقدم أنه كانت له راحلتان
ومملوكات أخرى كما سيأتي.
قوله: (واستعرت ثوبين) وقد صرح الواقدي في روايته بأنه استعار من أبي قتادة
قوله: (لتهنئك) بكسر النون، وزعم ابن التين والسفاقسي بأنه بفتحها، والمعروف الأول.
قوله: (لا ينساها لطلحة) قالوا: سبب ذلك أن النبيّ ◌َ لّ كان آخى بينه وبين طلحة، والذي
ذكره أهل المغازي أنه كان أخا الزبير، لكن كان الزبير أخا طلحة في أخوة المهاجرين، فهو أخو
أخيه. كذا في الفتح.

٤٤
الجزء السادس من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
وَيَقُولُ: (أَبْشِرْ بِخَيْرٍ يَوْمٍ مَرَّ عَلَيْكَ مُنْذُ وَلَدَتْكَ أُمُّكَ)) قَالَ: فَقُلْتُ: أَمِنْ عِنْدِكَ
يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ أَمْ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ؟ فَقَالَ: ((لاَ. بَلْ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ)) وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ،وَهَ إِذَا سُرَّ
اسْتَنَارَ وَجْهُهُ، كَأَنَّ وَجْهَهُ قِطْعَةُ قَمَرٍ. قَالَ: وَكُنَّا نَعْرِفُ ذُلِكَ.
قَالَ: فَلَمَّا جَلَسْتُ بَيْنَ يَدَيْهِ قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ مِنْ تَوْبَتِي أَنْ أَنْخَلِعَ مِنْ مَالِي
صَدَقَةً إِلَى اللَّهِ وَإِلَى رَسُولِهِ نَّهِ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَِّ: ((أَمْسِكْ بَعْضَ مَالِكَ. فَهُوَ خَيْرٌ
لَكَ)) قَالَ: فَقُلْتُ: فَإِنِّي أُمْسِكُ سَهْمِيَ الَّذِي بِخَيْبَرَ. قَالَ: وَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ اللَّهَ
إِنَّمَا أَنْجَانِي بِالصِّدْقِ. وَإِنَّ مِنْ تَوْبَتِي أَنْ لاَ أُحَدِّثَ إِلاَّ صِدْقاً مَا بَقِيتُ. قَالَ: فَوَاللَّهِ، مَا
عَلِمْتُ أَنَّ أَحَدَأَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ أَبْلاَهُ اللَّهُ فِي صِدْقِ الْحَدِيثِ، مُنْذُ ذَكَرْتُ ذُلِكَ
لِرَسُولِ اللَّهِ وَّهِ إِلَى يَوْمِي هَذَا، أَحْسَنَ مِمَّا أَبْلَانِي اللَّهُ بِهِ. وَاللَّهِ، مَا تَعَمَّدْتُ كَذِبَةً مُنْذُ قُلْتُ
ذُلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ وَلَه إِلَى يَوْمِي هَذَا. وَإِنِّي لأَرْجُو أَنْ يَخْفَظَنِيَ اللَّهُ فِيمَا بَقِيَ.
قَالَ: فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿لَّقَدِ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَِينَ وَالْأَنْصَارِ الَّذِينَ أَثَّبَعُوهُ
فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمَّ إِنَّهُ بِهِمْ
وَعَلَى الثَّلَثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُواْ حََّ إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ
رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ
قوله: (أبشر بخير يوم مرّ عليك) قال النووي: ((معناه سوى يوم إسلامك، وإنما لم يستثنه،
لأنه معلوم لا بد منه)) وقال الحافظ: ((إن يوم توبته مكمل ليوم إسلامه، وإن كان يوم إسلامه
خيرها، فيوم توبته المضاف إلى إسلامه خير من يوم إسلامه المجرد عنها)). والذي يظهر لهذا
العبد الضعيف عفا الله عنه: أن خيرية هذا اليوم كانت من جهة مخصوصة، وهي أن الله تعالى
خصّه بالذكر وأنزل على رسوله توبته باسمه، وإن هذه الخصوصية لم تحصل له من قبل، ولا
يستلزم أن يكون ذلك اليوم خيراً من يوم إسلامه من کلّ وجه.
وبهذا يظهر أن المرء إذا صدق في توبته واستغفاره، وإنه ربّما يرتقي بها إلى منزلة لم تكن
حاصلة له من قبل .
قوله: (أن أنخلع من مالي صدقة) أي: أتنازل عن جميع مالي وأجعله صدقة في سبيل
الله .
قوله: (أمسك بعض مالك) ولابن مردويه من طريق ابن عيينة عن الزهري: ((فقال
النبيّ وَّ: يجزىء عنك من ذلك الثلث)) ذكره الحافظ. وفيه دليل على أنه يستحب للمرء أن يبقي
من ماله ما يكفي لعياله. وأن لا يتصدق بماله كلّه حتى يبقى عياله بدون شيء.
قوله: (أبلاه الله) أي: أنعم عليه .
قوله: (وعلى الثلاثة الذين خلّقُوا) أي: أخّروا في أمر توبتهم، وليس المراد هنا أنهم

٤٥
كتاب: التوبة
عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ﴾ [التوبة: ١١٧ -١١٨] حَتَّى بَلَغَ: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَتَّقُواْ اللَّهَ وَّكُونُواْ مَعَ
[التوبة: ١١٩].
١١٩)
الصَّدِقِينَ
قَالَ كَعْبٌ: وَاللَّهِ، مَا أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ مِنْ نِعْمَةٍ قَطْ، بَعْدَ إِذْ هَدَانِي اللَّهُ لِلإِسْلاَمِ،
أَعْظَمَ فِي نَفْسِي، مِنْ صِدْقِي رَسُولَ اللَّهِ وَِّ. أَنْ لاَ أَكُونَ كَذَبْتُهُ فَأَهْلِكَ كَمَا هَلَكَّ الَّذِينَ
كَذَبُوا. إِنَّ اللَّهَ قَالَ لِلَّذِينَ كَذَبُوا، حِينَ أَنْزَلَ الْوَحْيَ، شَرَّ مَا قَالَ لِأَحَدٍ. وَقَالَ اللَّهُ:
﴿سَيَحْلِفُونَ بِلَهِ لَكُمْ إِذَا أَنْقَبْتُمْ إِلَيْهِمْ لِتُعْرِضُواْ عَنْهُمْ فَأَعْرِضُواْ عَنْهُمْ إِنَّهُمْ رِجْمٌُ وَمَأْوَنَهُمْ جَهَنَّهُ
يَحْلِفُونَ لَكُمْ لِتَرْضَوْ عَنْهُمِّ فَإِنِ تَرْضَوْاْ عَنْهُمْ فَإِنَ اللَّهَ لَ
٩٥
جَزَآءٌ بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ
[التوبة: ٩٥ _ ٩٦].
٩٦٦
يَرْضَى عَنِ الْقَوْمِ الْفَسِقِينَ
قَالَ كَعْبٌ: كُنَّا خُلِّفْنَا، أَيُّهَا الثَّلاَثَةُ، عَنْ أَمْرٍ أُولَئِكَ الَّذِينَ قَبِلَ مِنْهُمْ رَسُولُ اللّهِ وَهُ
حِينَ حَلَفُوا لَهُ. فَبَايَعَهُمْ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمْ. وَأَرْجَأَ رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ أَمْرَنَا حَتَّى قَضَى اللَّهُ فِيهِ.
فَبِذْلِكَ قَالَ اللَّهُ عَزَ وَجَلَّ: ﴿وَعَلَى الََّثَةِ الَّذِينَ خُلِقُواْ﴾. وَلَيْسَ الَّذِي ذَكَرَ اللَّهُ مِمَّا خُلِّفْنَا،
تَخَلْفَنَا عَنِ الْغَزْوِ. وَإِنَّمَا هُوَ تَخْلِيفُهُ إِيَّانَا، وَإِرْجَاؤُهُ أَمْرَنَا، عَمَّنْ حَلَفَ لَهُ وَاغْتَذَرَ إِلَيْهِ فَقَبِلَ
مِنْهَ .
٦٩٤٨ - (٠٠٠) وَحَدَّثَنِيهِ مُحَمَّدُ بْنُ رَافِع. حَدَّثَنَا حُجَيْنُ بْنُ الْمُثَنَّى. حَدَّثَنَا اللَّيْثُ،
عَنْ عُقَيْلٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، بِسْنَادِ يُونُسَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ. سَوَاءٌ .
٦٩٤٩ - (٥٤) وحدّثني عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ. حَدَّثَنِي يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ. حَدَّثَنَا
مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُسْلِم، ابْنُ أَخِي الزُّهْرِيِّ عَنْ عَمِّهِ، مُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِمِ الزُّهْرِيِّ.
أَخْبَرَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَعْبٍ بْنِ مَالِكٍ؛ أَنَّ عُبَيْدَ اللَّهِ بْنَ كَعْبٍ بْنِ مَالِكِ،
وَكَانَ قَائِدَ كَعْبٍ حِينَ عَمِيَ، قَالَ: سَمِعْتُ كَعْبَ بْنَ مَالِكٍ يُحَدِّثُ حَدِيثَهُ، حِينَ تَخَلَّفَ عَنْ
رَسُولِ اللَّهِ وَ﴿ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ، وَسَاقَ الْحَدِيثَ، وَزَادَ فِيهِ، عَلَى يُونُسَ: فَكَانَ
رَسُولُ اللَّهِ وَ لهَ قَلَمَّا يُرِيدُ غَزْوَةً إِلَّ وَرَّى بِغَيْرِهَا، حَتَّى كَانَتْ تِلْكَ الْغَزْوَةُ.
خُلفوا عن الغزو فمعنى الكلام: لقد تاب الله على الذين أخرت توبتهم، وهو التفسير الذي أشار
إليه كعب نفسه في قوله الآتي: ((كنّا خُلّفنا، أيّها الثلاثة، عن أمر أولئك الذين قبل منهم
رسول الله وَل﴿ حين حلفوا، فبايعهم واستغفر لهم. وأرجأ رسول الله وَل أمرنا حتى قضى الله
فيه. فبذلك قال الله عزّ وجلّ: ﴿وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّقُواْ﴾ [التوبة، آية: ١١٨]. وليس الذي ذكر الله
((مما خُلِّفْنَاه تَخَلُّفَنَا عن الغزو، وإنّما هو تخليفه إيّانا وإرجاؤه أمرنا عمّن حلف له واعتذر إليه
فقبل منه)) .
٥٤ - (٠٠٠) - قوله: (إلا ورّى بغيرها) أي: أوهم غيرها، وأصله من الوراء، كأنه جعل

٤٦
الجزء السادس من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
وَلَمْ يَذْكُرْ، فِي حَدِيثِ ابْنِ أَخِي الزُّهْرِيِّ، أَبَا خَيْئَمَةَ وَلُحُوقَهُ بِالنَّبِيِّ نَ.
٦٩٥٠ - (٥٥) وحدّثني سَلَمَةُ بْنُ شَبِيبٍ. حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ أَعْيَنَ. حَدَّثَنَا مَعْقِلٌ
(وَهُوَ ابْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ)، عَنِ الزُّهْرِيِّ. أَخْبَرَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَعْبٍ بْنِ مَالِكِ،
عَنْ عَمِّهِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ كَعْبٍ. وَكَانَ قَائِدَ كَعْبٍ حِينَ أُصِيبَ بَصَرُهُ. وَكَانَ أَعْلَمَ قَوْمِهِ
وَأَوْعَاهُمْ لأَحَادِيثِ أَصْحَابٍ رَسُولِ اللّهِ وَهِ. قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي، كَعْبَ بْنَ مَالِكِ، وَهُوَ
البيان وراء ظهره، قاله النووي. والمراد هنا: التورية الفعليّة، فكان بفعله يوهم أعداءه أنه يخرج
لجهة أخرى.
٥٥ - (٠٠٠) - قوله: (وأوعاهم لأحاديث أصحاب رسول الله ( *) أي: كان عبيد الله
ابن كعب أحفظ قومه للأحاديث.
فوائد من حديث كعب بن مالك رضيڅئه :
وقد دل حديث كعب ريبه هذا على فوائد كثيرة ذكرها النووي والحافظ في الفتح، ومن
أهمها ما يأتي :
١ - فضيلة أهل العقبة، لأنّ كعباً رَّبه لم يؤثر عليها فضيلة حضوره في بدر.
٢ - جواز الحلف من غير استحلاف في غير الدعوى عند القاضي، لقول كعب عند
رسول الله وَّر: والله ما كان لي عذر، والله ما كنت قط أقوى ولا أيسر منّي حين تخلّفت عنك.
٣ - إنه ينبغي لأمير الجيش إذا أراد غزوة أن يخفي أمره الذي في ظهوره على الأعداء فتنة.
٤ - جواز التأسف على ما فات من الخير، وتمني المتأسف أنه كان فعله، لقول كعب: فيا
ليتني فعلت ! .
٥ - ردّ غيبة المسلم، لقول معاذ لمن ذكر كعباً بالسوء: بئس ما قلت.
٦ - فضيلة الصدق والثبات عليه وإن كان فيه مشقة، فإن عاقبته خير.
٧ - استحباب صلاة القادم من سفر ركعتين في مسجد محلته أول قدومه قبل كل شيء.
٨ - أنه يستحب للقادم من سفر إذا كان مشهوراً يقصده الناس لسلام عليه أن يقعد لهم في
مجلس بأنه ھیّن الوصول إليه.
٩ - الحكم بظاهر أحوال الناس، والله يتولى السرائر، وقبول معاذير المنافقين ونحوهم ما
لم يترتب عليه مفسدة .
١٠ - جواز هجران من ارتكب معصية ومقاطعته زجراً له، وقد تقدم الكلام على ذلك في
البر والصلة .
١١ - استحباب البكاء على نفسه إذا صدرت منه معصية.

٤٧
كتاب: التوبة
أَحَدُ الثَّلاثَةِ الَّذِينَ تِيبَ عَلَيْهِمْ، يُحَدِّثُ؛ أَنَّهُ لَمْ يَتَخَلَّفْ عَنْ رَسُولِ اللهِ وَهفِي غَزْوَةٍ غَزَاهَا
قَظُ. غَيْرَ غَزْوَتَيْنِ. وَسَاقَ الْحَدِيثَ وَقَالَ فِيهِ: وَغَزَا رَسُولُ اللَّهِ وَهَ بِنَاسِ كَثِيرٍ يَزِيدُونَ عَلَى
عَشْرَةِ آلافٍ. وَلاَ يَجْمَعُهُمْ دِيوَانُ حَافِظٍ.
(١٠) - باب: في حديث الإفك وقبول توبة القاذف
٦٩٥١ - (٥٦) حدّثنا حِبَّانُ بْنُ مُوسَى. أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ. أَخْبَرَنَا
يُونُسُ بْنُ يَزِيدَ الأَيْلِيُّ. ح وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِيُّ وَمُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ وَعَبْدُ بْنُ
١٢ - أن مسارقة النظر في الصلاة والالتفات لا يبطلها.
١٣ - جواز إحراق الورق الذي فيه ذكر الله لمصلحة، لأن كعباً أحرق رسالة الغسّاني
وفيها: (لم يجعلك الله بدار هوان).
١٤ - الورع والاحتياط بمجانبة ما يخاف منه الوقوع في منهي عنه، لأن كعباً لم يستأذن في
خدمة امرأته له خشية الوقوع في محظور.
١٥ - استحباب سجود الشكر عند الاطلاع على ما يسّر الإنسان، واستحباب تهنئة من رزقه
الله خيراً أو نعمة.
١٦ - استحباب إكرام المبشر بجائزة أو خلعة ونحوها .
١٧ - يجوز تخصيص الألفاظ العامّة في اليمين بما أراده الحالف لقوله: (والله لا أملك
غيرهما) وأراد تخصيصه بالثياب.
١٨ - استحباب سرور الإمام وكبير القوم بما يسرّ أصحابه وأتباعه.
١٩ - استحباب التصدق ممن حصلت له نعمة ظاهرة أو اندفعت عنه كربة ظاهرة.
٢٠ - يستحب لمن رأى من يريد أن يتصدق بكل ماله ويخاف عليه أن لا يصبر على الضيق
الذي يحصل بعده أن ينهاه عن ذلك ويشير عليه بإمساك بعض المال.
٢١ - يستحب لمن حصلت له نعمة بعمل صالح أن يحافظ على ذلك العمل، كما فعل
كعب حيث أنجاه الصدق، فحافظ عليه .
٢٢ - إن القويّ في الدين يؤاخذ بأشد مما يؤاخذ به الضعيف في الدين.
٢٣ - إن الجهاد كان فرض عين على الأنصار، أو على جميع الصحابة في عهده وَّر، أو
إذا كان النفير عاماً على اختلاف أقوال العلماء، ولذلك وقعت هذه المعاتبة الشديدة على
التخلف، والله سبحانه أعلم.
(١٠) - باب: في حديث الإفك، وقبول توبة القاذف

٤٨
الجزء السادس من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
حُمَيْدٍ. (قَالَ ابْنُ رَافِعٍ: حَدَّثَنَا. وَقَالَ الآخَرَانِ: أَخْبَرَنَا) عَبْدُ الرَّزَّاقِ. أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ.
وَالسِّيَاقُ حَدِيثُ مَعْمَرٍ مِنْ رِوَايَةِ عَبْدٍ وَابْنِ رَافِعٍ. قَالَ يُونُسُ وَمَعْمَرٌ. جَمِيعاً عَنِ الزُّهْرِيِّ:
أَخْبَرَنِي سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ وَعُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ وَعَلْقَمَةُ بْنُ وَقَّاصٍ وَعُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ
عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ، عَنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ، زَوْجِ النَّبِيِّ نَّهِ. حِينَ قَّالَ لَهَا أَهْلُ الإِفْكِ مَا قَالُوا .
فَبَرَّأَهَا اللَّهُ مِمَّا قَالُوا، وَكُلُّهُمْ حَدَّثَنِي طَائِفَةً مِنْ حَدِيثِهَا. وَبَعْضُهُمْ كَانَ أَوْعَى لِحَدِيثِهَا مِنْ
٥٦ - (٢٧٧٠) - قوله: (عن حديث عائشة) هذا الحديث أخرجه البخاري في الهبة، باب
هبة المرأة لغير زوجها (٢٥٩٣)، وفي الشهادات، باب إذا عدّل رجل رجلاً (٢٦٣٧)، وباب
تعديل النساء بعضهن بعضاً (٢٦٦١)، وباب القرعة في المشكلات (٢٦٨٨)، وفي الجهاد، باب
حمل الرجل امرأته في الغزو دون بعض نسائه (٢٨٧٩)، وفي المغازي، باب شهود الملائكة
بدراً، (٤٠٢٥)، وباب حديث الإفك (٤١٤١)، وفي تفسير سورة يوسف، باب ﴿قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ
لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْرًا﴾، (٤٦٩٠)، وفي تفسير سورة النور، باب ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُو بِلْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِّنْكٌ﴾
(٤٧٤٩)، وباب ﴿وَلَوْلَآ إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُم مَّا يَكُونُ لَنْآَ أَنْ تَتَّمَ بِهَذَا﴾ (٤٧٥٠)، وباب ﴿إِنَّ الَّذِينَ
يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ﴾ (٤٧٥٧)، وفي النكاح، باب المرأة تهب يومها من زوجها لضرّتها
(٥٢١٢)، وفي الأيمان والنذور، باب قول الرجل: لعمر الله (٦٦٦٢)، وباب اليمين فيما لا
يملك (٦٦٧٩)، وفي الاعتصام بالكتاب والسنّة، باب قول الله تعالى: ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾
(٧٣٦٩ و٧٣٧٠)، وفي التوحيد، باب قول الله تعالى: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يَُدِّلُوْ كَلَمَ اللَّهِ﴾،
(٧٥٠٠)، وباب قول النبيّ وَّر: الماهر بالقرآن مع الصفوة الكرام البررة (٧٥٤٥)، وأخرجه
الترمذي في تفسير سورة النساء (٢١٧٩)، والنسائي في الطهارة، باب بدء التيمم (٣١٠).
قوله: (وكلهم حدثني طائفة من حديثها) أي: بعضه، وهو قول الزهري، كما صرح به
فليح بن سليمان عند البخاري في الشهادات، ولفظه: ((كلهم حدثني طائفة من حديثها - وبعضهم
أوعى من بعض وأثبت له اقتصاصاً - وقد وعيت عن كلّ واحد منهم الحديث الذي حدثني عن
عائشة، وبعض حديثهم يصدّق بعضاً. زعموا أن عائشة قالت إلخ: وحاصله أن الزهريّ سمع
حديث الإفك عن أربعة من التابعين: سعيد بن المسيّب، وعروة بن الزبير، وعلقمة بن وقاص،
وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة، كل واحد منهم يروي طرفاً من القصّة عن عائشة رضي﴿إنا، فجمع
الزهريّ رواياتهم وجعلها حديثاً واحداً. وذكر القاضي عياض اعتراض العلماء على صنيع
الزهري هذا، حيث لفّق بين الروايات، وكان عليه أن يفرد حديث كل واحد منهم عن الآخر،
ولكن ذلك لا يقدح في صحة الحديث، قال النووي: ((هذا الذي ذكره الزهري من جمعه
الحديث عنهم جائز لا منع منه ولا كراهة فيه، لأنه قد بين أن بعض الحديث عن بعضهم،
وبعضه عن بعضهم. وهؤلاء الأربعة أئمة حفاظ ثقات من أجلّ التابعين، فإذا ترددت اللفظة من
هذا الحديث بين كونها عن هذا أو ذاك لم يضرّ، وجاز الاحتجاج بها، لأنهما ثقتان، وقد اتفق

٤٩
كتاب: التوبة
بَعْضِ. وَأَثْبَتَ اقْتِصَاصاً. وَقَدْ وَعَيْتُ عَنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمُ الْحَدِيثَ الَّذِي حَدَّثَنِي. وَبَعْضُ
حَدِيثِهِمْ يُصَدِّقُ بَعْضاً. ذَكَرُوا: أَنَّ عَائِشَةَ، زَوْجَ النَّبِيِّ نََّ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ وَهَ إِذَا
أَرَادَ أَنْ يَخْرُجَ سَفَراً، أَقْرَعَ بَيْنَ نِسَائِهِ. فَأَيَّتُهُنَّ خَرَجَ سَهْمُهَا، خَرَجَ بِهَا رَسُولُ اللَّهِ وَهُ
مَعَهُ .
قَالَتْ عَائِشَةُ: فَأَقْرَعَ بَيْنَنَا فِي غَزْوَةٍ غَزَاهَا. فَخَرَجَ فِيهَا سَهْمِي. فَخَرَجْتُ مَعَ
العلماء على أنه لو قال: حدثني زيد أو عمرو، وهما ثقتان معروفان بالثقة عند المخاطب جاز
الاحتجاج به)).
ثم إن قصة الإفك مروية بعدة طرق، وقد تتبعها الحافظ في الفتح (٨: ١٥٦ و١٥٧) وذكر
أن جميع من رواها من الصحابة غير عائشة ستة، وهم: عبد الله بن الزبير، وأم رومان، وابن
عباس، وابن عمر، وأبو هريرة، وأبو اليسر. ورواها عن عائشة عشرة من التابعين فيهم هؤلاء
الأربعة الذين روى عنهم الزهري، وقد رواها عن الزهري جماعة كبيرة من تلامذته .
قوله: (أن يخرج سفراً) أي: إلى سفر، فهو منصوب بنزع خافض، أو فيه تضمين لمعنى
الإنشاء.
قوله: (أقرع بين نسائه) أي: ساهم بينهنّ تطييباً لقلوبهن. قال العيني في العمدة (٦:
٣٦١): ((وكيفية القرعة بالخواتيم: يؤخذ خاتم هذا وخاتم هذا ويُدفعان إلى رجل، فيخرج منهما
واحداً. وعن الشافعي: يجعل رقاعاً صغاراً يكتب في كل واحد اسم ذي السهم، ثم يجعل
بنادق طين، ويغطّى عليها ثوب، ثم يدخل رجل يده، فيخرج بندقة، وينظر من صاحبها؟ فيدفعها
إليه. وقال أبو عبيد بن سلام: عمل بالقرعة ثلاثة من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، نبينا،
ويونس، وزكريا عليهم السلام)).
وقد ذكر النووي ههنا أن أبا حنيفة رحمه الله لا يقول بالقرعة. والصحيح من مذهبه أنه لا
يعتبر القرعة حجة في إثبات الحقوق والإلزام، ولكنه يجيز القرعة في تعيين أحد المباحات
المحتملة، كما في القسمة. فيجوز عنده أن يقع تعيين الليالي بين الزوجات بالقرعة. وكذلك
السّفر خارج عن القمسة، فيجوز للزوج أن يأخذ معه من شاء من أزواجه، ولكن القرعة أولى
لتطييب قلوبهنّ .
قوله: (في غزوة غزاها) هي غزوة بني المصطلق، كما ذكره البخاري في المغازي معلقاً
عن الزهري وصرح به محمد بن إسحاق في روايته، وكذا أفلح بن عبد اللّه عند الطبراني،
وكانت سنة ست فيما جزم به ابن التين، وقيل: في شعبان سنة خمس، وروي عن موسى بن
عقبة: سنة أربع. والصحيح الذي عليه المحققون أنها وقعت سنة خمس وسيأتي. وكان سببها أن
النبيّ ◌َّل بلغه أن بني المُضْطلِق (بكسر اللام وهم بطن من بني خزاعة) يجمعون له، وقائدهم

٥٠
الجزء السادس من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
رَسُولِ اللَّهِ وَلهَ. وَذُلِكَ بَعْدَمَا أُنْزِلَ الْحِجَابُ. فَأَنَا أُحْمَلُ فِي هَوْدَجِي، وَأُنْزَلُ فِيهِ،
مَسِيرَنَا. حَتَّى إِذَا فَرَغَ رَسُولُ اللّهِ وَلَهَ مِنْ غَزْوِهِ، وَقَفَلَ، وَدَنَوْنَا مِنَ الْمَدِينَةِ، آذَنَ لَيْلَةً
بِالرَّحِيلِ، فَقُمْتُ حِينَ آذَنُوا بِالرَّحِيلِ. فَمَشَيْتُ حَتَّى جَاوَزْتُ الْجَيْشَ. فَلَمَّا قَضَيْتُ مِنْ
شَأْنِي أَقْبَلْتُ إِلَى الرَّحْلِ. فَلَمَسْتُ صَدْرِي فَإِذَا عِقْدِي مِنْ جَزْعِ ظَفَارٍ قَدِ انْقَطَعَ. فَرَجَعْتُ
الحارث بن أبي ضرار، وأرسل عيناً يأتيه بخبر المسلمين، فخرج النبيّ وَّر إليهم حتى لقيهم على
ماء من مياههم يقال له المريسيع قريباً من الساحل (ولذلك تسمى هذه الغزوة غزوة المريسيع
أيضاً) فزاحف الناس واقتتلوا، فهزمهم الله تعالى وقتل منهم، ونفّل رسول الله وَّو نساءهم
وأبناءهم وأموالهم. كذا ذكر ابن إسحاق بأسانيد مرسلة.
قوله: (بعد ما أنزل الحجاب) أي: بعد ما نزل حكم الحجاب للنساء، وإنما قالته توطئة
للسبب في كونها مستترة في الهودج حتى أفضى ذلك إلى تحميله وهي ليست فيه وهم يظنون أنها
فيه، بخلاف ما كان قبل الحجاب، فلعلّ النساء حينئذ كنّ يركبن ظهور الرواحل بغير هوادج، أو
يركبن الهوادج غير مستترات.
قوله: (فأنا أحمل في هودجي) الهودج، بفتح الهاء وسكون الواو وفتح الدال: محمل له
قبة تستر بالثياب ونحوها، يوضع عن ظهر البعير يركب عليه النساء ليكون أستر لهنّ. وفي رواية
ابن إسحق: ((فكنت إذا رحّلوا بعيري جلست في هودجي، ثم يأخذون بأسفل الهودج، فيضعونه
على ظهر البعير)) وهو معنى قولها (أحمل في هودجي) وكذلك معنى قولها (أنزل) أي: كانوا
يُنزلون الهودج عن ظهر البعير إلى الأرض، وهي فيه.
قوله: (مسيرَنا) بنصب الراء، تعني: وقع ذلك في سائر مسيرنا، أي: سفرنا، فهو منصوب
بنزع الخافض.
قوله: (آذن ليلة بالرحيل) وفي رواية ابن إسحاق: ((فنزل منزلاً فبات فيه بعض الليل، ثم
آذن بالرحيل)» أي: أعلن بالسفر من ذلك الموضع.
قوله: (فلما قضيت من شأني) أي: حاجتي التي ذهبت من أجلها، ولم تذكرها لاستقباح
ذكرها .
قوله: (فإذا عِقدي من جزع ظفار قد انقطع) العقد، بكسر العين: قلادة تعلّق في العنق
للزينة والجزع بفتح الجيم وسكون الزاي، خرز معروف في سواده بياض، كان يجلب من اليمن
والصين وغيرهما ويقال: ليس في الحجارة أصلب من الجزع، وكانوا لا يتيمنون به، فيزعمون
أن من تقلد به كثرت همومه ورأى أحلاماً رديئة، حتى قيل: إن وجه تسميته بالجزع أنه يورث
الجزع.
وأما (ظفار) فهي بفتح الظاء والفاء وراؤها مبنية على الكسر، وهي قرية باليمن، وقيل:

٥١
كتاب: التوبة
فَالْتَمَسْتُ عِقْدِي فَحَبَسَنِي ابْتِغَاؤُهُ. وَأَقْبَلَ الرَّهْطُ الَّذِينَ كَانُوا يَرْحَلُونَ لِي فَحَمَلُوا هَوْدَجِي.
فَرَحَلُوهُ عَلَى بَعِيرِي الَّذِي كُنْتُ أَرْكَبُ. وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنِّي فِيهِ.
قَالَتْ: وَكَانَتِ النِّسَاءُ إِذْ ذَاكَ خِفَافاً، لَمْ يُهَبَّلْنَ وَلَمْ يَغْشَهُنَّ اللَّحْمُ. إِنَّمَا يَأْكُلْنَ الْعُلْقَةَ
مِنَ الطَّعَامِ. فَلَمْ يَسْتَمْكِرِ الْقَوْمُ ثِقَلَ الْهَوْدَجِ حِينَ رَحَلُوهُ وَرَفَعُوهُ. وَكُنْتُ جَارِيَةً حَدِيثَةً
السِّنِّ. فَبَعَثُوا الْجَمَلَ وَسَارُوا. وَوَجَدْتُ عِقَّدِي بَعْدَمَا اسْتَمَرَّ الْجَيْشُ. فَجِئْتُ مَنَازِلَهُمْ
جبل، وكان أهلها من حمير، تنسب إليها القلائد الثمينة. ووقع في رواية الواقدي: ((فكان في
عنقي عقد من جزع ظفار كانت أمي أدخلتني به على رسول الله (وَّةٍ)).
واتفقت نسخ مسلم على أن الكلمة ههنا (ظفار) بدون الهمزة في أوله. ووقع في رواية
البخاري في التفسير وفي الشهادات (جزع أظفار) بالهمزة المفتوحة في أوله، وهو جمع ظُفر وهو
أحد أنواع القسط، وهو طيب الرائحة يتبخّر به، فإن ثبتت هذه الرواية فلعلّ الظفر عُمل مثل
الخرز فأطلقت عليه جزءاً تشبيهاً به، ونظمته قلادة، إما لحسن لونه أو لطيب ريحه. وقد حكى
ابن التين أن قيمته كانت اثني عشر درهماً. وهذا يؤيد أنه ليس جزءاً ظفارياً، إذ لو كان كذلك
لكانت قيمته أكثر من ذلك. كذا في فتح الباري (٨: ٤٥٩).
قوله: (فحبسني ابتغاؤه) أي: أبطأت في طلبه، وفي رواية الواقديّ: ((وكنت أظنّ أن القوم
لو لبثوا شهراً لم يبعثوا بعيري حتى أكون في هودجي».
قوله: (الذين كانوا يرحلون لي) بفتح الياء والحاء بدون تشديد، والراء بينهما ساكنة، أي:
يجعلون الرحل على البعير، وذكر الحافظ عن الواقدي أن أحدهم كان أبو موهوبة مولى
رسول الله وَله، وهو أبو مويهبة الذي روى عنه عبد الله بن عمرو بن العاص حديثاً في مرض
رسول الله * ووفاته، أخرجه أحمد وغيره. وقال البلاذري: شهد أبو موهبة غزوة المريسيع،
وكان يخدم بعير عائشة .
قوله: (لم يُهَبَّلن) بضم الياء وفتح الهاء والباء المشدّدة، أي: يثقلن، يقال: هبّله اللحم
وأهبله إذا أثقله وكثر لحمه وشحمه، فيجوز فيه ضم الياء وسكون الهاء وتخفيف الباء من باب
الإكرام. ويحتمل أن يكون بفتح الياء وسكون الهاء وضم الباء (يَهْبُلْنَ).
قوله: (وإنّما يأكلن العُلْقَة) بضم العين وسكون اللام، أي: القليل. قال القرطبي: كأن
المراد الشيء القليل الذي يسكن الرمق، ويقال له (البلغة) أيضاً. والحاصل أن النساء يومئذ كنّ
لا يأكلن الكثير من الطعام فكنّ خفيفة الوزن، فكانت عائشة رضيّا كذلك، فلمّا حمل الهودج
أصحابه لم يشعروا بأنها ليست جالسة فيه، وزعموا أنّها فيه، فرحلوا .
قوله: (وكنت جارية حديثة السنّ) وإنما بلغت حينذاك خمس عشرة سنة، ولعلّها أشارت

٥٢
الجزء السادس من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
وَلَيْسَ بِهَا دَاعٍ وَلاَ مُجِيبٌ. فَتَيَمَّمْتُ مَنْزِلِي الَّذِي كُنْتُ فِيهِ. وَظَنَنْتُ أَنَّ الْقَوْمَ سَيَفْقِدُونِي
فَيَرْجِعُونَ إِلَيَّ. فَبَيْنَا أَنَا جَالِسَةٌ فِي مَنْزِي غَلَبَتْنِي عَيْنِي فَنِمْتُ. وَكَانَ صَفْوَانُ بْنُ الْمُعَظَّلِ
السُّلَمِيُّ، ثُمَّ الذَّكْوَانِيُّ، قَدْ عَرَّسَ مِنْ وَرَاءِ الْجَيْشِ فَاذَلَجَ. فَأَصْبَحَ عِنْدَ مَنْزِلِي.
بذلك إلى خفّة وزنها، أو إلى بيان عذرها فيما فعلته من الحرص على العقد، ومن استقلالها
بطلبه في تلك الحال وترك إعلام أهلها بذلك.
قوله: (فتيممت منزلي الذي كنت فيه) أي: قصدته، ولزمت ذلك المكان. وهذا من كمال
عقلها رُِّنَا، وإلا فإنّ النّساء في مثل هذه الحالة يغلب عليهنّ الفزع ويبعثهنّ على الاضطراب من
مكان إلى مكان، ولكنّها رفعتنا علمت أن رسول الله وَ لو لا يطلبه أوّلاً إلا في نفس المكان الذي
ترکھا فیه فلزمته .
قوله: (غلبتني عيني فنمت) وهذا من كمال طمأنينتها وثقتها بالله تعالى، وإلا فالفزع [في]
مثل هذه الحالة ربما يمنع من النوم، أو أن الله تعالى لطف بها فألقى عليها النوم لتستريح من
وحشة الانفراد في البرية بالليل.
قوله: (صفوان بن معظّل السُّلمي) بتشديد الطاء، والسُّلمي بضم السين وتخفيف اللام
المفتوحة، والذكوانيّ نسبة إلى ذكوان بن ثعلبة بن بُهْثَة بن سليم، وهو بطن من بني سُليم، وكان
صحابياً فاضلاً شجاعاً خيّراً شاعراً، أول مشاهده عند الواقديّ الخندق، وعند ابن الكلبي
المريسيع، وسيأتي ما يدل على تقدم إسلامه، وقد ذكر ابن إسحاق أنه استشهد في غزاة أرمينية
في خلافة عمر سنة تسع عشرة. وقيل: بل عاش إلى سنة أربع وخمسين فاستشهد بأرض الروم
تمّا
في خلافة معاوية رضـ
قوله: (قد عرّس من وراء الجيش) التعريس: النزول في السفر آخر الليل للراحة. ووقع في
حديث ابن عمر عند الطبراني وابن مردويه بيان سبب تأخر صفوان، ولفظه: ((سأل النبيّ وَ يّ أن
يجعله على الساقة فكان إذا رحل الناس قام يصلّي ثم اتبعهم، فمن سقط له شيء أتاه به. وفي
حديث أبي هريرة عند البزار: ((وكان صفوان يتخلف عن الناس، فيصيب القدح والجراب
والإداوة)) وفي مرسل مقاتل بن حيان عند الحاكم في الإكليل: ((فيحمله فيقدم به فيعرّفه في
أصحابه)).
قوله: (فاتلج فأصبح عند منزلي) هو هنا بتشديد الدال، والادّلاج بتشديد الدال هو السير
في آخر الليل، أما قولهم (أدلج) من باب الإكرام وبتخفيف الدال، فهو السّير في أول الليل،
والمراد هنا السير في آخر الليل فضُبط بتشديد الدال. وكأنه تأخر في مكانه حتى قرب الصبح
فركب ليظهر له ما يسقط من الجيش مما يخفيه الليل. ويحتمل أن يكون سبب تأخيره ما جرت به
عادته من غلبة النوم عليه، ففي سنن أبي داود ومسند أحمد والبزار وابن سعد وصحيح ابن حبان

٥٣
كتاب: التوبة
فَرَأَىُ سَوَادَ إِنْسَانٍ نَائِمٍ. فَأَتَانِي فَعَرَفَنِي حِينَ رَآنِي. وَقَدْ كَانَ يَرَانِي قَبْلَ أَنْ يُضْرَبَ الْحِجَابُ
عَلَيَّ. فَاسْتَيْقَظْتُ بِاسَّتِرْجَاعِهِ حِينَ عَرَفَنِي. فَخَمَّرْتُ وَجْهِي بِجِلْبَابِي. وَوَاللَّهِ، مَا يُكَلِّمُنِي
كَلِمَةً وَلاَ سَمِعْتُ مِنْهُ كَلِمَةٌ غَيْرَ اسْتِرْجَاعِهِ. حَتَّى أَنَاخَ رَاحِلَتَهُ.
والحاكم من طريق الأعمش عن أبي صالح عن أبي سعيد: ((أن امرأة صفوان بن المعطل جاءت
إلى رسول الله وسير فقالت: يا رسول الله! إن زوجي يضربني إذا صلّيت، ويفطّرني إذا صمت،
ولا يصلي صلاة الفجر حتى تطلع الشمس. قال: وصفوان عنده، قال: فسأله عما قالت فقال:
أما قولها يضربني إذا صليت فإنها تقرأ بسورتين وقد نهيتها، قال: فقال: لو كانت سورة واحدة
لكفت الناس. وأما قولها يفطرني، فإنها تنطلق فتصوم، وأنا رجل شاب فلا أصبر، فقال
رسول الله 8* يومئذ: لا تصوم امرأة إلا بإذن زوجها، وأما قولها: إني لا أصلّي حتى تطلع
الشمس، فإنا أهل بيت قد عرف لنا ذاك، لانكاد نستيقظ حتى تطلع الشمس، قال: فإذا
استيقظت فصلّ)) وهذا لفظ أبي داود في كتاب الصوم من سننه (رقم: ٢٤٥٩) ولفظ أحمد من
رواية أبي بكر عن الأعمش في مسنده (٣: ٨٥): ((وأما قولها إنّي لا أصلّ حتى تطلع الشمس
فإنّ ثقيل الرأس، وأنا من أهل بيت يعرفون بذاك، بثقل الرؤوس. قال: فإذا قمت فصلّ)).
واستنكر بعض العلماء، كالبزار، متن هذا الحديث وزعمه مخالفاً لما ثبت عن صفوان بن
معطل في قصة الإفك أنه قال: ((والله ما كشفت كنف أنثى قطّ)) أخرجه البخاري في تفسير سورة
النور وفي رواية سعيد بن أبي هلال عن هشام بن عروة عند أبي عوانة: ((والله ما أصبت امرأة قطّ
حلالاً ولا حراماً))، وهذا يدل على أنه لم تكن له امرأة، فزعم البزّار أن الأعمش دلّس عن أبي
صالح حديث أبي سعيد، وردّه الحافظ في الفتح (٨: ٤٦٢) بأن رجاله رجال الصحيح، وقد قال
أبو داود بعد روايته: ((رواه حماد بن سلمة عن حميد عن ثابت عن أبي المتوكل)) وهذه متابعة
جيّدة، وإن ابن سعد صرح في روايته بالتحديث بين الأعمش وأبي صالح. وأما قوله في قصة
الإفك إنه لم يصب امرأة حلالاً ولا حراماً، فيجوز أن يكون عزباً يومئذ، ثم تزوج بعد ذلك،
فوقع له ما ذكر في حديث أبي سعيد عند أبي داود وغيره.
قوله: (فرأى سواد إنسان نائم) السّواد: الشّخص، فكأنها قالت: رأى شخص آدميّ، لكن
لا يظهر أهو رجل أو امرأة.
قوله: (كان يراني قبل أن يضرب الحجاب عليّ) وهذا يدل على قدم إسلام صفوان بن
معطّل، فإن الحجاب نزل سنة ثلاث أو أربع في الأصح.
قوله: (فاستيقظت باسترجاعه) أي: بقوله: (إنا لله وإنّا إليه راجعون) والمراد أن
صفوان رضيبه لما وجدها نائمة وحدها، تفطّن أنها تخلفت عن الجيش، فاسترجع على ذلك.
قوله: (ما يكلمني كلمة) إلخ: فهم أكثر الشّراح من هذه العبارة أن صفوان ظُبه لم

٥٤
الجزء السادس من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
فَوَطِىءَ عَلَى يَدِهَا فَرَكِبْتُهَا. فَانْطَلَقَ يَقُودُ بِي الرَّاحِلَةَ. حَتَّى أَتَيْنَا الْجَيْشَ. بَعْدَمَا نَزَلُوا
مُوغِرِينَ فِي نَحْرِ الظَّهِيرَةِ. فَهَلَكَ مَنْ هَلَكَ فِي شَأْنِي. وَكَانَ الَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ
يخاطبها بكلام غير أنه استرجع فقط، فقالوا: استعمل معها الصمت اكتفاء بقرائن الحال مبالغة
منه في الأدب، وإعظاماً لها وإجلالاً. ولكن دلت بعض الروايات الأخرى على أنه خاطبها
بكلام يتوقع في مثله. فقد وقع في رواية ابن إسحاق أنه قال لها: ما خلفك؟ وأنه قال لها:
اركبي، واستأخر. وفي رواية أبي أويس عند أبي عوانة والطبراني: ((فاسترجع وأعظم مكاني -
أي: حين رآني وحدي - وقد كان يعرفني قبل أن يضرب علينا الحجاب، فسألني عن أمري،
فسترت وجهي عنه بجلبابي وأخبرته بأمري، فقرّب بعيره فوطىء على ذراعه فولاني قفاه فركبت))
ومن أجل هذا الروايات رجح الحافظ في الفتح (٨: ٤٦٣) أنّ مرادها في حديث الباب نفي
الكلام غير الاسترجاع إلى أن ينيخ راحلته لأن لفظها: ((ولا سمعت منه كلمة غير استرجاعه حتى
أناخ راحلته)) تعني أنه لم يكلمها بشيء إلى أن أناخ راحلته. فأمّا بعد أن أناخها، فقد كلّمها بما
وقع في الروايات الأخرى.
قوله: (فوطىء على يدها) أي: على يد الناقة، ليكون أسهل لركوبها، ولا يحتاج إلى مسّها
عند رکوبها .
قوله: (بعد ما نزلوا مُؤْغِرين في نحر الظّهيرة) بضم الميم وكسر الغين، أي: نازلين في
وقت الْوَغْرَة (بفتح الواو وسكون الغين) وهي شدّة الحرّ لما تكون الشمس في كبد السماء، ومنه
أخذ (وغر الصدر) وهو توقده من الغيظ بالحقد، وأوغر فلان: إذا دخل في ذلك الوقت كأصبح
وأمسى. وقولها (في نحر الظهيرة) تأكيد لقولها (موغرين)، فإن نحر الظهيرة أولها، وهو وقت
شدة الحرّ، ونحر كل شيء أوله، كأن الشمس بلغت غايتها في الارتفاع، كأنها وصلت إلى
النحر الذي هو أعلى الصدر. ووقع في رواية ابن إسحاق: ((فوالله ما أدركنا الناس ولا افتقدت
حتى نزلوا واطمأنّوا، طلع الرجل يقودني)).
قوله: (فهلك من هلك في شأني) أي: قذفها مع صفوان بن معطل رضًّا بما هي عنه بريئة،
وأشارت بذلك إلى من تكلموا بالإفك وخاضوا في ذلك. ووقع في الروايات أنهم عبد الله بن
أبيّ، ومسطح بن أثاثة، وحسّان بن ثابت، وحمنة بنت جحش، وزاد بعضهم عبد اللّه وأبا أحمد
ابني جحش. وقد سبق منّا في فضائل حسّان بن ثابت رضيُله أن بعض العلماء، كالسهيلي رحمه
الله، أنكر أن حسّان بن ثابت كان من جملة القاذفين، فإنه أنكر ذلك صراحة .
قوله: (وكان الذي تولّى كِبره) بكسر القاف وسكون الباء، وكِبْر الشيء: معظمه، والمراد
أن عبد الله بن أبيّ هو المرجع والمسؤول في أكثر ما قيل في الإفك، لأنه اخترع هذه التهمة
الشنيعة، ومعروف أنه كان رأس المنافقين.

٥٥
كتاب: التوبة
أُبَيِّ ابْنُ سَلُولَ. فَقَدِمْنَا الْمَدِينَةَ. فَاشْتَكَيْتُ، حِينَ قَدِمْنَا الْمَدِينَةَ، شَهْراً. وَالنَّاسُ يُفِيضُونَ
فِي قَوْلِ أَهْلِ الإِفْكِ. وَلاَ أَشْعُرُ بِشَيْءٍ مِنْ ذُلِكَ. وَهُوَ يُرِيبُنِي فِي وَجَعِي أَنِّي لاَ أَعْرِفُ مِنْ
رَسُولِ اللَّهِ وَّهِ اللَّطْفَ الَّذِي كُنْتُ أَرَىْ مِنْهُ حِينَ أَشْتَكِي. إِنَّمَا يَدْخُلُ رَسُولُ اللّهِ وَهُ
فَيُسَلِّمُ ثُمَّ يَقُولُ: ((كَيْفَ تِيكُمْ؟)) فَذَاكَ يَرِيبُنِي. وَلاَ أَشْعُرُ بِالشَّرِّ. حَتَّى خَرَجْتُ بَعْدَمَا نَقَهْتُ
وَخَرَجَتْ مَعِي أُمُّ مِسْطَحِ قِبَلَ الْمَنَاصِعِ. وَهُوَ مُتَبَرَّزُنَا. وَلاَ نَخْرُجُ إِلاَّ لَيْلاً إِلَى لَيْلٍ. وَذْلِكَ
قَبْلَ أَنْ نَتَّخِذَ الْكُنُفَ قَرِيبًا مِنْ بُيُوتِنَا. وَأَمْرُنَا أَمْرُ الْعَرَبِ الأُوَلِ
قوله: (والنّاس يُفيضون في قول أهل الإفك) أي: يخوضون، ويقال: أفاض في قول: إذا
أكثر منه. ووقع في حديث ابن عمر عند الطبراني وابن مردويه: ((فشاع ذلك في العسكر، فبلغ
النبيّ ◌َّر، فلما قدموا المدينة أشاع عبد اللّه بن أبيّ ذلك في الناس، فاشتدّ على رسول الله وَلات)).
قوله: (وهو يريبني في وجعي) (هو) ههنا زائدة، ويريبني بضم الياء وفتحها، من رابه الأمر
وأرابه، إذا أوقعه في شكّ ويخاف عاقبته.
قوله: (كيف تِيكم؟) وفي رواية ابن إسحق: ((فكان إذا دخل قال لأمي وهي تمرّضني:
كيف تيكم؟ و (تيكم) اسم إشارة للمؤنث مثل (ذاكم) للمذكر. ووقع في رواية أبي أويس: ((إلا
أنه يقول وهو مارّ: كيف تيكم؟ ولا يدخل عندي ولا يعودني، ويسأل عنّي أهل البيت)) وفي
حديث ابن عمر: ((كنت أرى منه جفوة ولا أدري من أيّ شيء)).
قوله: (بعدما نقهت) بفتح القاف وكسرها، والفتح أشهر، والنّاقه: الذي أفاق من مرضه
ولم تتكامل صحته، وإن الإنسان في هذه الحالة يغلب عليه الضّعف.
قوله: (وخرجت معي أمّ مسطح قبل المناصع) وفي رواية أبي أويس: ((فقلت: يا أمّ
مسطح! خذي الإدارة فاملئيها ماء، فاذهبي بنا إلى المناصع)) والمناصع: مواضع خارج المدينة
كانوا يتبرزون فيها، والواحد منصع وقال الأزهري: أراه موضعاً بعينه خارج المدينة، وهو في
الحديث صعيد أفيح خارج المدينة. وقال ابن السّكيت: المناصع في اللغة: المجالس. كذا في
عمدة القاري (٦: ٣٦٤).
قوله: (وهو متبرَّزنا) بفتح الراء، اسم ظرف من التبرّز، وهو الخروج إلى البراز لقضاء
الحاجة .
قوله: (قبل أن نتّخذ الكُثُف) جمع (كنيف) وهو الموضع الذي أعدّ لقضاء الحاجة. وهو
في أصل اللغة: الساتر.
قوله: (أمر العرب الأول) بضم الهمزة وتخفيف الواو، جمع الأوّل، فهو مجرور على أنه
صفة للعرب، وضبطه بعضهم (الأوّل) بفتح الهمزة وتشديد الواو، وحينئذ هو مرفوع على أنه

٥٦
الجزء السادس من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
فِي التَّنُزُّهِ. وَكُنَّا نَتَأَذَّى بِالْكُنُفِ أَنْ نَتَّخِذَهَا عِنْدَ بُيوتِنَا. فَانْطَلَقْتُ أَنَا وَأُمُّ مِسْطَحِ، وَهِيَ بِنْتُ
أَبِي رُهْمِ بْنِ الْمُطَلِبِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ. وَأُمُّهَا ابْنَهُ صَخْرِ بْنِ عَامِرٍ، خَالَةُ أَبِي بَكْرِ الصِّدِّيقِ.
وَابْنُهَا مِسْطَحُ بْنُ أُثَاثَةَ بْنِ عَبَّادِ بْنِ الْمُطَلِبٍ. فَأَقْبَلْتُ أَنَا وَبِنْتُ أَبِي رُهْمٍ قِبَلَ بَيْتِي. حِينَ
فَرَغْنَا مِنْ شَأْنِتَا. فَعَثَرَتْ أُمُّ مِسْطَحِ فِي مِرْطِهَا. فَقَالَتْ:
صفة للأمر. والمراد أن العرب كانوا يخرجون إلى الفضاء لقضاء حوائجهم، ولم يكونوا تخلّقوا
بأخلاق العجم باتخاذ الكنف في البيوت.
قوله: (في التنزه) أي: في طلب النزاهة بالخروج إلى الصحراء، فكانوا يتنزهون عن أن
يكون في بيوتهم موضع فيه نجاسة.
قوله: (وأمّ مسطح) اسمها سلمى، وهي أم لمسطح بن أثاثة، أحد الذين وقعوا فريسة
الإفك.
قوله: (وأمها ابنة صخر) اسمها رائطة، فكانت أم مسطح بنت خالة أبي بكر الصديق نظيُله.
قوله: (مِسطح بن أثاثة) بضم الهمزة، والمسطح بكسر الميم: عود من أعواد الخباء، وهو
لقب واسمه عوف، وقيل: عامر، وذكر الحافظ أن المعتمد هو الأول. وكان هو وأمه من
المهاجرين الأولين، وكان أبوه مات وهو صغير، فكفله أبو بكر لقرابة أم مسطح منه. وتوفي
مسطح سنة ( ٣٤ هـ، وقيل: ٣٧هـ: بعد أن شهد صفين مع عليّ قُه.
قوله: (في مِرطها) بكسر الميم وسكون الطاء، وهو كساء من صوف. وقال ابن فارس:
ملحفة يؤتزر بها وقال الهروي: المروط الأكسية. وضبطه ابن التين المَرْط بفتح الميم. كذا في
عمدة القاري.
ثم ظاهر هذا الحديث أن أم مسطح إنما عثرت بعد أن قضت عائشة حاجتها، ولكن وقع
في رواية هشام بن عروة عند البخاري (رقم ٤٧٥٧): ((خرجت لبعض حاجتي ومعي أم مسطح،
فعثرت وقالت: تعس مسطح، فقلت لها: أي أمّ! تسبين ابنك؟ وسكتت. ثمّ عثرت الثانية،
فقالت: تعس مسطح، فقلت لها: تسبين ابنك؟ ثم عثرت الثالثة، فقالت: تعس مسطح،
فانتهرتها، فقالت: والله ما أسبّه إلا فيك. فقلت: في أي شأني؟ قالت: فنقرت لي الحديث.
فقلت: وقد كان هذا؟ قالت: نعم والله، فرجعت إلى بيتي كأنّ الذي خرجت له لا أجد منه قليلاً
ولا كثيراً)) وكذلك وقع في رواية ابن إسحق: ((فوالله ما قدرت أن أقضي حاجتي)) وفي رواية ابن
أبي أويس: ((فذهب عني ما كنت أجد من الغائط، ورجعت عودي على بدئي)).
فهذه الروايات تدل على أن أم مسطح عثرت في طريقهما إلى المناصع، فرجعت عائشة
دون أن تقضي حاجتها، وجمع بينهما الحافظ بأن المراد من قولها في حديث الباب (وقد فرغنا
من شأننا) أي: من شأن المسير، لاقضاء الحاجة. وهو جمع مستبعد، لأن لفظ حديث الباب

٥٧
كتاب: التوبة
تَعِسَ مِسْطَحْ. فَقُلْتُ لَهَا: بِئْسَ مَا قُلْتِ. أَتَسُبِّينَ رَجُلاً قَدْ شَهِدَ بَدْراً. قَالَتْ: أَيْ هَنْتَاهُ،
أَوَ لَمْ تَسْمَعِي مَا قَالَ؟ قُلْتُ: وَمَاذَا قَالَ؟ قَالَتْ، فَأَخْبَرَتْنِي بِقَوْلٍ أَهْلِ الإِفْكِ. فَازْدَدْتُ
مَرَضاً إِلَى مَرَضِي. فَلَمَّا رَجَعْتُ إِلَى بَيْتِي، فَدَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ بَهِ. فَسَلَّمَ ثُمَّ قَالَ:
(كَيْفَ تِيكُمْ؟)) قُلْتُ: أَتَأْذَنُ لِي أَنْ آتِيَ أَبَوَيَّ؟ قَالَتْ، وَأَنَا حِينَئِذٍ أُرِيدُ أَنْ أَتَيَقِّنَ الْخَبَرَ مِنْ
قِبَلِهِمَا. فَأَذِنَ لِي رَسُولُ اللَّهِ وََّ. فَجِئْتُ أَبَوَيَّ فَقُلْتُ لِأُمِّي: يَا أُمَّتَاهُ، مَا يَتَحَدَّثُ النَّاسُ؟
صريح أنهما حين عثرت أم مسطح كانتا راجعتين إلى البيت. فالتعارض بين هذه الرواية
والروايات الأخرى واضح، ولم أقف على طريق الجمع بينهما، إلا أن يقال: إن أحد الرواة في
حديث الباب وهم في تفصيل القصة، والله سبحانه أعلم.
قوله: (تعس مسطح) تعس، بكسر العين وبفتحها، لغتان مشهورتان، ومعناه: عثر، وقيل:
هلك، وقيل: كبّ لوجهه، وقيل: لزمه الشرّ، وقيل: بعد، وقيل: التعس أن لا ينتعش من
عثرته، وقد تعس تعساً وأتعسه الله. وقال ابن التين: المحدثون يقرؤونه بكسر العين، وهو عند
أهل اللغة بفتحها، كذا في عمدة القاري.
قوله: (أي: هنتاه) بفتح الهاء وسكون النون وفتحها، والسكون أشهر، وبضم الهاء
الأخيرة، وتسكن، وذكر القرطبيّ تشديد النون أيضاً، وأنكره الأزهريّ. قالوا: وهذه اللفظة
تختص بالنداء، ومعناها: يا هذه! وقيل: يا امرأة. وقيل: يا بلهى، كأنها نسبت إلى قلة المعرفة
بمكايد الناس وشرورهم ثمّ صيغة النداء هذه تختصّ بنداء البعيد، وتستعمل للقريب حيث ينزل
منزلة البعيد. وهذا ملخص ما في العمدة والفتح.
وقال ابن أبي جمرة: يحتمل أن يكون قول أم مسطح (تعس مسطح) عمداً لتتوصل إلى
إخبار عائشة بما قيل فيها، وهي غافلة، ويحتمل أن يكون اتفاقاً أجراه الله على لسانها لتستيقظ
عائشة من غفلتها عما قيل فيها .
قوله: (فأخبرتني بقول أهل الإفك) وفي رواية ابن أبي أويس عند أبي عوانة والطبراني:
((إن مسطحاً وفلاناً وفلاناً يجتمعون في بيت عبد الله بن أبيّ يتحدثون عنك وعن صفوان يرمونك
به)) .
قوله: (فازددت مرضاً إلى مرضي) وفي رواية هشام عند البخاري أنّها وعكت، أي:
أصابها الحمّى. وعند الطبراني بإسناد صحيح عن أيوب، عن ابن أبي مليكة، عن عائشة قالت:
((لما بلغني ما تكلموا به هممت أن آتي قليباً فأطرح نفسي فيه)).
قوله: (فجئت أبويّ) وفي رواية هشام عند البخاري: ((فقلت: أرسلني إلى بيت أبي،
فأرسل معي الغلام)).

٥٨
الجزء السادس من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
فَقَالَتْ: يَا بُنَّةُ، هَوْنِي عَلَيْكِ. فَوَاللَّهِ، لَقَلَّمَا كَانَتِ امْرَأَةٌ قَطْ وَضِيئَةٌ عِنْدَ رَجُلِ يُحِبُّهَا، وَلَهَا
ضَرَائِرُ، إِلَّ كَثَّرْنَ عَلَيْهَا، قَالَتْ: قُلْتُ: سُبْحَانَ اللَّهِ، وَقَدْ تَحَدَّثَ النَّاسُ بِهَذَا؟ قَالَتْ،
فَبَكَيْتُ تِلْكَ اللَّيْلَةَ حَتَّى أَصْبَحْتُ لاَ يَرْقَأْ لِي دَمْعْ وَلاَ أَكْتَحِلُ بِنَوْمِ. ثُمَّ أَصْبَحْتُ أَبْكِي. وَدَعَا
قوله: (يا بنيّة! هوني عليك) وفي رواية هشام: ((خفّفي عليك الشأن)).
قوله: (وضيئة) أي: جميلة، وهو من الوضاءة بمعنى الجمال، وفي نسخة لمسلم (حظية)
أي: ذات منزلة ووجاهة.
قوله: (إلا كثّرن عليها) أي: أكثرن القول في عيبها. قال الحافظ في الفتح: ((وفي هذا
الكلام من فطنة أمها وحسن تأتّها في تربيتها ما لا مزيد عليه، فإنها علمت أن ذلك يعظم عليها،
فهونت عليها الأمر بإعلامها بأنها لم تنفرد بذلك، لأن المرء يتأسى بغيره فيما يقع له، وأدمجت
في ذلك ما تطيب به خاطرها من أنها فائقة في الجمال والحظوة، وذلك مما يعجب المرأة أن
توصف به، مع ما فيه من الإشارة إلى ما وقع من حمنة بنت جحش، وأن الحامل لها على ذلك
كون عائشة ضرّة أختها زينب بنت جحش ... وأما ضرائرها هي، فإنهن وإن كنّ لم يصدر منهن
في حقها شيء مما يصدر من الضرائر، لكن لم يعدم ذلك ممن هو منهن بسبيل، كما وقع من
حمنة، لأن ورع أختها منعها من القول في عائشة كما منع بقية أمهات المؤمنين. وإنما اختصت
زينب بالذكر لأنها التي كانت تضاهي عائشة في المنزلة)).
قوله: (وقد تحدّث الناس بهذا؟) زاد الطبري من طريق معمر عن الزهريّ: ((وبلغ
رسول الله وَيّ قالت: نعم)) وفي رواية هشام: ((فقلت: وقد علم به أبي؟ قالت: نعم، قلت:
ورسول الله؟ قالت: نعم)) وفي رواية ابن إسحاق: ((فقلت لأمي: غفر الله لك، يتحدث الناس
بهذا ولا تذكرين لي)) وفي رواية هشام بن عروة عند البخاري: ((فاستعبرت فبكيت، فسمع أبو
بكر صوتي وهو فوق البيت يقرأ، فقال لأمّي: ما شأنها؟ فقالت: بلغها الذي ذكر من شأنها،
ففاضت عيناه فقال: أقسمت عليك يا بنيّة إلا رجعت إلى بيتك، فرجعت)).
قوله: (لا يرقأ لي دمع) أي: لا ينقطع، يقال: رقأ الدمع: إذا انقطع.
قوله: (ولا أكتحل بنوم) أي: لا أنام قطعاً، وهي استعارة جيّدة، كأنها قالت: لم يأتني
النوم حتى بمقدار ما يكون الكحل في عين المكتحل.
ثم إن طرق حديث الإفك مجتمعة على أن عائشة بلغها الخبر من أم مسطح، ولكن وقع في
حديث أم رومان عند البخاري في المغازي ما قد يخالف ذلك، ولفظه: ((بينا أنا قاعدة أنا
وعائشة إذ ولجت علينا امرأة من الأنصار، فقالت: فعل الله بفلان وفعل، فقلت: ما ذاك؟
قالت: ابني ومن حدث الحديث، قالت: وما ذلك؟ قالت: كذا وكذا)) هذا لفظ البخاري في
المغازي، ولفظه في قصة يوسف: ((قالت: إنه نمى الحديث، فقالت عائشة: أي: حديث؟

٥٩
كتاب: التوبة
رَسُولُ اللَّهِ وَّهَ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ وَأُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ حِينَ اسْتَلْيَثَ الْوَحْيُ. يَسْتَشِيرُهُمَا فِي
فِرَاقٍ أَهْلِهِ. قَالَتْ: فَأَمَّا أُسَامَةُ بْنٌّ زَيْدٍ فَأَشَارَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ رَ بِالَّذِي يَعْلَمُ مِنْ بَرَاءَةٍ
أَهْلِهِ، وَبِالَّذِي يَعْلَمُ فِي نَفْسِهِ لَهُمْ مِنَ الْوُدِّ. فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هُمْ أَهْلُكَ وَلاَ نَعْلَمُ إِلَّ
خَيْراً. وَأَمَّا عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ فَقَالَ: لَمْ يُضَيِّقِ اللَّهُ عَلَيْكَ. وَالنِّسَاءُ سِوَاهَا كَثِيرٌ. وَإِنْ تَسْأَلِ
الْجَارِيَةَ تَصْدُفْكَ. قَالَتْ: فَدَعًا رَسُولُ اللَّهِ وَلَهَ بَرِيرَةَ فَقَالَ: ((أَيْ بَرِيرَةُ، هَلْ رَأَيْتِ مِنْ شَيْءٍ
فأخبرتها، قالت: فسمعه أبو بكر؟ قالت: نعم، قالت: ورسول الله وَله؟ قالت: نعم. فخرّت
مغشياً عليها)) وطريق الجمع بين الروايات، على ما ذكره الحافظ، أنها سمعت أولاً من أم
مسطح، ثم ذهبت لبيت أمها لتستيقن الخبر منها، فأخبرتها أمها بالأمر مجملاً كما مضى من
قولها (هوني عليك) ثم دخلت عليها الأنصارية فأخبرتها بمثل ذلك بحضرة أمها، فقوي عندها
القطع بوقوع ذلك، فسألت هل سمعه أبوها وزوجها، ترجياً منها أن لا يكونا سمعا ذلك ليكون
أسهل عليها، فلما قالت لها إنهما سمعاه غشي عليها .
قوله: (حين استلبث الوحي) أي: تأخر.
قوله: (هم أهلك) أي: أن عائشة رؤيّا عفيفة لائقة بأن تكون أهلك. ووقع في بعض
الروايات (أهلك) بالنصب، بدون (هم)، أي: أمسك أهلك ولا تسمع فيها أحداً .
قوله: (والنّساء سواها كثير) قال النووي: ((هذا الذي قاله عليّ رَُّله هو الصواب في حقه،
لأنه رآه مصلحة ونصيحة للنبيّ وَّر في اعتقاده، ولم يكن ذلك في نفس الأمر، لأنه رأى انزعاج
النبيّ ◌َّ﴿ بهذا الأمر وتقلقه، فأراد إراحة خاطره، وكان ذلك أهم من غيره))، وقال الحافظ في
الفتح: ((كان رسول الله وَّر شديد الغيرة، فرأى عليّ أنه إذا فارقها سكن ما عنده من القلق بسببها
إلى أن يتحقق براءتها، فيمكن رجعتها))، وقال ابن أبي جمرة: ((لم يجزم عليّ بالإشارة بفراقها،
لأنه عقب ذلك بقوله (وسل الجارية تصدقك) ففوض الأمر في ذلك إلى نظر النبيّ وَلّ، فكأنه
قال: إن أردت تعجيل الراحة ففارقها، وإن أردت خلاف ذلك فابحث عن حقيقة الأمر إلى أن
تطلع على براءتها، لأنه كان يتحقق أن بريرة لا تخبره إلا بما علمته، وهي لم تعلم من عائشة إلا
البراءة المحضة .
قوله: (فدعا رسول الله وَ * بريرة) استشكل ذكر بريرة في هذه القصة بأن عائشة ضعيها إنما
اشترت بريرة وأعتقتها بعد فتح مكّة، فكيف تكون بريرة عند عائشة في قصة الإفك التي وقعت
قبل فتح مكة بكثير؟ ولذلك ذكر بعض العلماء أن بعض الرواة وهم في تسمية الجارية، فإنه لما
روى قول عليّ: (وإنْ تسأل الجارية تصدقك؟) زعم أن الجارية بريرة، فسمّاها. وذكر بعض
العلماء احتمالاً أن بريرة هذه غير بريرة التي كانت زوجة مغيث فأعتقتها عائشة، ويؤيده أن من
ألف في الصحابة ذكر جارية أخرى باسم (بريرة) وذكر أنها كانت مولاة لرسول الله وَ له. وقد

٦٠
الجزء السادس من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
يَرِيبُكِ مِنْ عَائِشَةَ؟)) قَالَتْ لَهُ بَرِيرَةُ: وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ، إِنْ رَأَيْتُ عَلَيْهَا أَمْراً قَطُ أَغْمِصُهُ
عَلَيْهَا، أَكْثَرَ مِنْ أَنَّهَا جَارِيَةٌ حَدِيثَةُ السِّنِّ، تَنَامُ عَنْ عَجِينٍ أَهْلِهَا، فَتَأْتِي الدَّاجِنُ فَتَأْكُلُهُ.
قَالَتْ، فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ وَهَ عَلَى الْمِنْبَرِ. فَاسْتَعْذَرَ مِنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبَيِّ ابْنِ سَلُولَ. قَالَتْ،
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَّيهِ وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ: ((يَا مَعْشَرَ الْمُسْلِمِينَ، مَنْ يَعْذِرُنِي مِنْ رَجُلٍ قَدْ بَلَغَ
أَذَاهُ فِي أَهْلِ بَيْتِي. فَوَالَّهِ، مَا عَلِمْتُ عَلَى أَهْلِي إِلاَّ خَيْراً.
أخرج ابن أبي شيبة عن عبد الله بن بريرة قال: كان رسول الله وَّه إذا استيقظ من الليل دعا
جارية له يقال لها بريرة بالسواك. ذكره الحافظ في الإصابة (٤: ٢٤٥) ويحتمل أن تكون غير
بريرة المعروفة ويحتمل أن تكون هي مولاة عائشة ونسبت إلى رسول الله وَ ل﴿ مجازاً. وذكر
الحافظ احتمالاً آخر، وهو أن بريرة كانت تخدم عائشة بأجرة وهي عند مواليها قبل أن تشتريها
عائشة، فكانت في بيت عائشة في قصة الإفك كأجيرة، لا كرقيقة لها أو معتقة والكلّ محتمل.
والله سبحانه أعلم.
قوله: (إن رأيت عليها أمراً قطّ أغمصه عليها) إن ههنا نافية، و (أغمصه) معناه: أعيبه.
وفي رواية هشام بن عروة عند البخاري: ((ما علمت منها إلا ما يعلم الصائغ على الذهب
الأحمر)) أي: كما لا يعلم الصائغ من الذهب الأحمر إلا الخلوص من العيب، فكذلك أنا لا
أعلم منها إلا الخلوص من العيب. وكأنها أشارت بذكر الصائغ إلى أنه إن كان في عائشة شيء
يشينها لعلمته مهما كان خفيّاً، كما أن الصائغ يعرف عيب الذهب وإن كان خفيّاً، وهذا تأكيد
منها ومبالغة في تبرئة عائشة رضيها. ووقع في رواية ابن حاطب عند الطبري والطبراني: ((والله!
لعائشة أطيب من الذهب، ولئن كانت صنعت ما قال النّاس ليخبرنك الله. قالت: فعجب الناس
من فقهها)).
قوله: (تنام عن عجين أهلها) العجين: الدقيق المعجون بالماء. ولفظ رواية مقسم عن
عائشة عند أبي عوانة والطبراني: ((ما رأيت منها مذ كنت عندها إلا أني عجنت عجيناً لي،
فقلت: احفظي هذه العجينة حتى أقتبس ناراً لأخبزها، فغفلت، فجاءت الشاة فأكلتها)).
قوله: (فتأتي الداجن) وهي الشاة التي تألف البيت ولا تخرج إلى المرعى. وقيل: هي كل
ما يألف البيوت مطلقاً، شاة أو طيراً. وقال ابن المنير: «هذا من الاستثناء البديع الذي يراد به
المبالغة في نفي العيب، فغفلتها من عجينها أبعد لها من مثل الذي رُميت به، وأقرب إلى أن
تكون من الغافلات المؤمنات» .
قوله: (فاستعذر من عبد الله بن أبيّ) أي: طلب من يعذُره منه، أي: ينصفه، أو يقوم
بعذره إذا كافأه على قبيح أفعاله ولا يلومه. وقيل: معناه: ينصره، والعذير: الناصر.
قوله: (قد بلغ أذاه في أهل بيتي) وفي رواية هشام عند البخاري: ((أشيروا عليّ في أناس