Indexed OCR Text
Pages 261-280
٢٦١ كتاب البر والصلة والآداب تَقُولُ: حَسْبِيَ اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ. فَقَالَتْ أُمُّهُ: اللَّهُمَّ لاَ تَجْعَلِ ابْنِي مِثْلَهَا. فَتَرَكَ الرَّضَاعَ وَنَظَرَ إِلَيْهَا. فَقَالَ: اللَّهُمَّ اجْعَلْنِي مِثْلَهَا. فَهُنَاكَ تَرَاجَعَا الْحَدِيثَ. فَقَالَتْ: حَلْقَى، مَرَّ رَجُلٌ حَسَنُ الْهَيْئَةِ فَقُلْتُ: اللَّهُمَّ اجْعَلِ ابْنِي مِثْلَهُ فَقُلْتَ: اللَّهُمَّ لاَ تَجْعَلْنِي مِثْلَهُ. وَمَرُوا بِهَذِهِ الأَمَةِ وَهُمْ يَضْرِبُونَها وَيَقُولُونَ: زَنَيْتِ. سَرَقْتِ. فَقُلْتُ: اللَّهُمَّ لاَ تَجْعَلِ ابْنِي مِثْلَهَا. فَقُلْتَ: اللَّهُمَّ اجْعَلْنِي مِثْلَهَا». قَالَ: إِنَّ ذَاكَ الرَّجُلَ كَانَ جَبَّاراً. فَقُلْتُ: اللَّهُمَّ لاَ تَجْعَلْنِي مِثْلَهُ. وَإِنَّ هَذِهِ يَقُولُونَ لَهَا: زَنَيْتِ وَلَمْ تَزْنٍ، وَسَرَقْتِ، وَلَمْ تَسْرِقْ. فَقُلْتُ: اللَّهُمَّ اجْعَلْنِي مِثْلَهَا . (٣) - باب: رغم أنف من أدرك أبويه أو أحدهما عند الكبر، فلم يدخل الجنة ٦٤٥٧ - (٩) حدّثنا شَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخَ. حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ سُهَيْلٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ بَّرَ. قَالَ: ((رَغِمَ أَتْفُ، ثُمَّ رَغِمَ أَنْفُ، ثُمَّ رَغِمَ أَنْفُ)) قِيلَ: مَنْ قوله: (فهناك تراجعا الحديث) يعني: جعلت الأم وابنها يتراجعان الكلام فيما بينهما، فإن الأم كانت تزعم قبل ذلك أن الصبي ليس أهلاً للمخاطبة، ولئن صدرت منه كلمة أو كلمتان، فإنما كان ذلك على سبيل خرق العادة، ولكنه لما تكرر منه الكلام، عرفت أنه يمكن مخاطبته و مساءلته . قوله: (فقالت: حَلْقَى) بألف مقصورة، وهي كلمة جرت في كلامهم مجرى المثل، وأصله فيمن أصيب حلقه بوجع، فقولهم ((حلقى)) دعاء في الأصل بمعنى: ((جعلك الله حلقى)) وهي هنا للدعاء على نفسها، ولكنها من الكلمات التي جرت على ألسنتهم في معرض الدعاء غير المقصود، وكذلك كلمة ((عقرى)) وأكثر ما تستعمل الكلمتان معاً، فيقال: ((عقرى حلقى)) وقد مرت الكلمة في قصة حفصة # في الحج. (٣) - باب: رغم أنف من أدرك أبويه أو أحدهما إلخ ٩ - (٢٥٥١) - قوله: (عن أبي هريرة) هذا الحديث أخرجه الترمذي في الدعوات، باب قول رسول الله وَى: ((رغم أنف رجل)) (٣٥٤٥). قوله: (رغم أنف، ثم رغم أنف) إلخ قال أهل اللغة: معناه ((ذل))، وقيل: ((كره، وخزي) وهو بفتح الغين وكسرها، وهو الرغم بضم الراء وفتحها وكسرها، وأصله: لصق أنفه بالرغام، وهو تراب مختلط برمل. وقيل: الرغم: كل ما أصاب الأنف مما يؤذيه. كذا في شرح النووي. ثم يحتمل: أن يكون تكرار الدعاء برغم الأنف على هذا النوع من الناس فقط، ويحتمل أيضاً: أن يكون رسول الله * دعا في كل مرة على نوع مستقل، وهذا الثاني هو الظاهر مما ٢٦٢ الجزء الخامس من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: ((مَنْ أَدْرَكَ أَبَوَيْهِ عِنْدَ الْكِبَرِ، أَحَدَهُمَا أَوْ كِلَيْهِمَا فَلَمْ يَدْخُلِ الْجَنَّةَ)). ٦٤٥٨ - (١٠) حدّثنا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ. حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ سُهَيْلٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ. قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَلِهِ: ((رَغِمَ أَنْفُهُ، ثُمَّ رَغِمَ أَنْفُهُ، ثُمَّ رَغِمَ أَنْفُهُ)) قِيلَ: مَنْ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: مَنْ أَذْرَكَ وَالِدَيْهِ عِنْدَ الْكِبَرِ، أَحَدَهُمَا أَوْ كِلَيْهِمَا، ثُمَّ لَمْ يَدْخُلٍ الْجَنَّةَ)). ٦٤٥٩ - (٠٠٠) حدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ. حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ مَخْلَدٍ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ بِلاَلٍ. حَدَّثَنِي سُهَيْلٌ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ نَّهِ: ((رَغِمَ أَنْفُهُ)) ثَلاَثاً، ثُمَّ ذَكَرَ مِثْلَهُ. (٤) - باب: فضل صلة أصدقاء الأب والأم، ونحوهما ٦٤٦٠ - (١١) حدّثني أَبُو الطَّاهِرِ، أَحْمَدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ سَرْح. أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ. أَخْبَرَنِي سَعِيدُ بْنُ أَبِي أَيُّوبَ، عَنِ الْوَلِيدِ بْنِ أَبِي الْوَلِيْدِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ؛ أَنَّ رَجُلاً مِنَ الأَغْرَابِ لَقِيَهُ بِطَرِيقٍ مَكَّةَ. فَسَلَّمَ عَلَيْهِ عَبَّدُ اللَّهِ. وَحَمَلَهُ عَلَى حِمَارٍ كَانَ يَرْكَبُهُ. وَأَعْطَاهُ عِمَامَةً كَانَتْ عَلَّى رَأْسِهِ. فَقَالَ ابْنُ دِينَارٍ : فَقُلْنَا لَهُ: أخرجه الترمذي من طريق سعيد بن أبي سعيد عن أبي هريرة، ولفظه: ((رغم أنف رجل ذكرت عنده، فلم يصلّ عليّ، ورغم أنف رجل دخل عليه رمضان ثم انسلخ قبل أن يغفر له، ورغم أنف رجل أدرك عنده أبواه الکبر فلم يُدخلاه الجنة)). وقد أخرج الحاكم وابن حبان والطبراني عن كعب بن عجرة، قال: ((قال رسول الله وَلته : احضروا المنبر فحضرنا، فلما ارتقى درجة قال: آمين، فلما ارتقى الدرجة الثانية قال: آمين، فلما ارتقى الدرجة الثالثة قال: آمين. فلما نزل قلنا: يا رسول الله! لقد سمعنا منك اليوم شيئاً ما كنا نسمعه. قال: إن جبريل عرض لي، فقال: بعُد من أدرك رمضان فلم يغفر له، قلت: آمين. فلما رقيت الثانية قال: بعُد من ذكرتَ عنده فلم يصلّ عليك، قلت: آمين، فلما رقيت الثالثة قال: بعُد من أدرك أبويه الكبر أو أحدهما فلم يدخلاه الجنة، قلت: آمين)) ورجاله ثقات، وكأن حديث أبي هريرة اختصار لحديث كعب بن عجرة. قوله: (فلم يدخل الجنة) وإنما دعا عليه رسول الله وسل ◌ّر لأن دخول الجنة كان في غاية من السهولة لمن أدرك أبويه في الكبر، لأن اليسير من برّهما وخدمتهما يجلب له الأجر الجزيل. (٤) - باب: فضل صلة أصدقاء الأب والأم ١١ - (٢٥٥٢) - قوله: (عن عبد الله بن عمر) هذا الحديث أخرجه أبو داود في الأدب، ٢٦٣ كتاب البر والصلة والآداب أَضْلَحَكَ اللَّهُ، إِنَّهُمُ الأَغْرَابُ وَإِنَّهُمْ يَرْضَوْنَ بِالْيَسِيرِ. فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ: إِنَّ أَبَا هَذَا كَانَ وُدَّا لِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ. وَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ وَ يَقُولُ: ((إِنَّ أَبَرَّ الْبِرِّ صِلَةُ الْوَلَدِ أَهْلَ وُدُ ابِیهِ». ٦٤٦١ - (١٢) حدّثني أَبُو الطَّاهِرِ. أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ. أَخْبَرَنِي حَيْوَةُ بْنُ شُرَيْحٍ، عَنِ ابْنِ الْهَادِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ؛ أَنَّ النَّبِيَّ نَّهِ قَالَ: (أَبَرَّ أَلْبِرْ أَنْ يَصِلَ الرَّجُلُ وُدَّ أَبِيهِ». ٦٤٦٢ - (١٣) حدّثنا حَسَنُ بْنُ عَلِيِّ الْحُلْوَانِيُّ. حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ . حَدَّثَنَا أَبِي وَاللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ. جَمِيعاً عَنْ يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُسَامَةَ بْنِ الْهَادِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ؛ أَنَّهُ كَانَ إِذَا خَرَجَ إِلَى مَكَّةً كَانَ لَّهُ حِمَارٌ يَتَرَوَّحُ عَلَيْهِ، إِذَا مَلَّ رُكُوبَ الرَّاحِلَةِ. وَعِمَامَةٌ يَشُدُّ بِهَا رَأْسَهُ، فَبَيْنَا هُوَ يَوْماً عَلَى ذُلِكَ الْحِمَارِ، إِذْ مَرَّ بِهِ أَغْرَابِيٌّ، فَقَالَ: أَلَسْتَ ابْنَ فُلاَنِ بْنِ فُلاَنٍ؟ قَالَ: بَلَى، فَأَعْطَاهُ الْحِمَارَ وَقَالَ: أَرْكَبْ هُذَا، وَالْعِمَامَةَ قَالَ: أَشْدُدْ بِهَا رَأْسَكَ. فَقَالَ لَهُ بَعْضُ أَصْحَابِهِ: غَفَرَ اللَّهُ لَكَ أَعْطَيْتَ هَذَا الأَعْرَابِيَّ حِمَاراً كُنْتَ تَرَوَّحُ عَلَيْهِ، وَعِمَامَةً كُنْتَ تَشُدُّ بِهَا رَأْسَكَ، فَقَالَ: إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ وَلَهِ يَقُولُ: ((إِنَّ مِنْ أَبَرِّ الْبِرِّ صِلَةَ الرَّجُلِ أَهْلَ وُدْ أَبِيهِ، بَعْدَ أَنْ يُوَلِّيَ)) وَإِنَّ أَبَاهُ كَانَ صَدِيقاً لِعُمَرَ. باب في برّ الوالدين (٥١٤٣)، والترمذي في البر والصلة، باب ما جاء في إكرام صديق الوالد (١٩٠٣). قوله: (كان وُدَّا لعمر بن الخطاب) الود، بضم الواو وكسرها، يعني: صديقاً، والود في الأصل مصدر بمعنى المودة، ثم يستعار لصاحب المودة. قوله: (إن أبرّ البرّ صلة الولد أهل ود أبيه) فيه فضل صلة أصدقاء الأب والإحسان إليهم وإكرامهم، وهو متضمن لبر الأب وإكرامه، لكونه بسببه، وتلتحق به أصدقاء الأم والأجداد والمشايخ والزوج والزوجة، وقد سبقت الأحاديث في إكرامه ے خلائل خديجة پتا. وأخرج أبو داود في سننه (رقم: ٥١٤٢) عن أبي أسيد ر به قال: ((بينما نحن عند رسول الله وَ يقول إذ جاءه رجل من بني سلمة فقال: يا رسول الله! هل بقي من برّ أبويّ شيء أبرّهما به بعد موتهما؟ قال: نعم، الصلاة عليهما، والاستغفار لهما، وإنفاذ عهدهما من بعدهما)). ١٣ - ( ... ) - قوله: (حمار يتروح عليه) معناه: كان يستصحب في سفره حماراً، ليستريح عليه إذا ضجر من ركوب البعير . قوله: (بعد أن يولي) أي: بعد أن يغيب أبوه أو يموت. كذا في شرح الأبيّ. ٢٦٤ الجزء الخامس من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم (٥) - باب: تفسير البرّ والإِثم ٦٤٦٣ - (١٤) حدّثني مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِم بْنِ مَيْمُونٍ. حَدَّثَنَا ابْنُ مَهْدِيٍّ، عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ صَالِحٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ جُبَيْرٍ بْنَ نُفَيْرٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ النَّوَّاسِ بْنِ سَمْعَانَ الأَنْصَارِيٌّ. قَالَ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللّهِ وَلَّهَ عَنِ الْبِرِّ وَالإِثْمِ؟ فَقَال: (الْبِرْ حُسْنُ الْخُلُقِ، وَالإِثْمُ مَا حَاكَ في صَدْرِكَ وَ كَرِهْتَ أَنْ يَطَّلِعَ عَلَيْهِ النَّاسُ)). ٦٤٦٤ - (١٥) حَدَّثَنِي هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الأَيْلِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللّهِ بْنُ وَهْبٍ، حَدَّثَنِي (٥) - باب: تفسير البرّ والإثم ١٤ - (٢٥٥٣) - قوله: (عن النواس بن سمعان) الكلابي له ولأبيه صحبة، رضيّا قال ابن عبد البر: يقال: إن أباه وفد على النبيّ وَ * فدعا له، وتزوج أخته، فلما دخلت على النبيّ وَّه تعوذت منه، فتركها، وهي الكلابية. كذا في التهذيب (١٠: ٤٨١)، قلت: قد اختلف في اسم الكلابية على أقوال ذكرنا بعضها في قصة امرأة الجون. وحديثه هذا أخرجه أيضاً الترمذي في الزهد، باب ما جاء في البر والإثم (٢٣٩٠). قوله: (الأنصاري) هكذا وقع في نسخ صحيح مسلم، وقال أبو علي الجياني: هذا وهم، وصوابه ((الكلابي)) فإن النواس كلابي مشهور، وقال القاضي عياض: ((المشهور أنه كلابي، ولعله حليف للأنصار)». قوله: (البر حسن الخلق) قال العلماء: البر لفظ مشترك يكون بمعنى الصلة، وبمعنى اللطف والمبرة، وحسن الصحبة والعشرة، وبمعنى الطاعة، وهذه الأمور هي مجامع حسن الخلق. وأشار الأبي إلى تفسير الحديث بمعنى أن البر، بأي معنى كان، يستلزم حسن الخلق. وهذا تفسیر جید. قوله: (والإثم ما حاك في صدرك) أي: تحرك فيه وتردد ولم ينشرح له الصدر، وحصل في القلب منه الشك وخوف كونه ذنباً فأرشد النبيّ ◌َ ر في هذا الحديث إلى ترك كل ما فيه شبهة، وإلى أنه ينبغي للمؤمن المتقي أن يعتبره بمثابة الإثم فيتركه. وقال القرطبي: ((معنى: ((الإثم ما حاك في صدرك)) أي: أثار في نفسك نفرة وحزازة، من قولهم ((حاك الشيء: إذا رسخ فيه، ولم يحك في قلبي)): إذا لم يثبت ولم يستقر. وإنما أحاله في الجواب على هذا الإدراك القلبي لعلمه بجودة فهمه وتنوير قلبه، كما قال في الحديث الآخر: ((الإثم حزازة القلوب))، يعني: القلوب المنشرحة للإسلام، المستضيئة بنور العلم الذي قال فيها مالك: العلم نور يضعه الله حيث شاء. وهذا الجواب لا يحسن الغليظ الطبع البعيد الفهم. وإنما يحسن أن يجاب بأن يفسر له الأوامر والنواهي وأحكام الشرع)). قوله: (وكرهت أن يطلع عليه الناس) أي: المؤمنون الأتقياء. ٢٦٥ كتاب البر والصلة والآداب مُعَاوِيَةُ، (يَعْنِي ابْنَ صَالِح)، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمُنِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ نُفَيْرٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ نَوَّاسِ بْنِ سِمْعَانَ. قَالَ: أَقَمْتُ مَعَ رَسُولِ اللّهِ شَهِ بِالْمَدِينَةِ سَنَّةً. مَا يَمْنَعُنِي مِنَ الْهِجْرَةِ إِلاَّ الْمَسْأَلَةُ. كَانَ أَحَدُنَا إِذَا هَاجَرَ لَمْ يَسْأَلْ رَسُولَ اللَّهِ وَّهِ عَنْ شَيْءٍ. قَالَ: فَسَأَلْتُهُ عَنِ الْبِرِّ وَالإِثْم؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَلّهِ: ((الْبِرَّ حُسْنُ الْخُلُقِ. وَالإِثْمُ مَا حَاكَ فِي نَفْسِكَ، وَكَرِهْتَ أَنْ يَطْلَعَ عَلَيْهِ النَّاسُ)) . (٦) - باب: صلة الرحم، وتحريم قطيعتها ٦٤٦٥ - (١٦) حدّثنا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ بْنِ جَمِيلٍ بْنِ طَرِيفِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الثَّقَفِيُّ وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبَّادٍ. قَالاَ: حَدَّثَنَا حَاتِمٌ، (وَهُوَ ابْنُ إِسْمَاعِيلَ)، عَنْ مُعَاوِيَةً، (وَهُوَ ابْنُ أَبِي مُزَرِّدٍ، مَوْلَى بَنِي هَاشِم)، حَدَّثَنِي عَمِّ، أَبُو الْحُبَابِ، سَعِيدُ بْنُ يَسَارٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ وَلِهِ: (إِنَّ اللَّهَ خَلَقَ الْخَلْقَ. ١٥ - ( ... ) - قوله: (ما يمنعني من الهجرة إلا المسألة) يعني: أنه جاء إلى المدينة زائراً. لا مستوطناً لها، وآثر أن يبقى في المدينة كزائر. لا كمهاجر، لأن النبيّ وَّو كان ينبسط في الإجابة عن أسئلة الزوار والمسافرين، وأما المستوطنون بالمدينة، فكانوا يهابون السؤال. فآثر أن يقيم بالمدينة زائراً. لتاح له فرصة السؤال أكثر من المستوطنين. (٦) - باب: صلة الرحم، وتحريم قطيعتها ١٦ - (٢٥٥٤) - قوله: (عن معاوية، وهو ابن أبي مزرد) بضم الميم وفتح الزاي وكسر الراء المشددة، وهو مدني، وعمه ذكره ابن حبان في الثقات، وقال أبو زرعة وأبو حاتم: ليس به بأس، وأخرج عنه الشيخان والنسائي، كما في التهذيب، (١٠ : ٢١٧). قوله: (أبو الحُبَاب) بضم الحاء، كما في المغني، اسمه سعيد بن يسار، وهو مولى ميمونة، وقيل: مولى شقران أو مولى الحسن بن علي، ثقة كثير الحديث من التابعين لم يختلف في توثيقه، مات فيما بين سنة ١١٦ هـ و ١٢٠هـ، روى عنه الجماعة. كما في التهذيب (٤: ١٠٢). قوله: (عن أبي هريرة) هذا الحديث أخرجه البخاري في تفسير سورة محمد، باب وتقطعوا أرحامكم (٤٨٣٠ إلى ٤٨٣٢)، وفي الأدب، باب من وصل وصله الله (٥٩٨٧)، وفي التوحيد، باب قول الله تعالى: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُواْ كَمَ اَللَّهِ﴾ (٧٥٠٢). قوله: (إن الله خلق الخلق) قال ابن أبي جمرة: ((يحتمل أن يكون المراد بالخلق: جميع المخلوقات، ويحتمل أن يكون المراد به. المكلفين، وهذا القول يحتمل: أن يكون بعد خلق ٢٦٦ الجزء الخامس من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم حَتَّى إِذَا فَرَغَ مِنْهُمْ قَامَتِ الرَّحِمُ فَقَالَتْ: هَذَا مَقَامُ الْعَائِذِ مِنَ الْقَطِيعَةِ. قَالَ: نَعَمْ، أَمَا تَرْضَيْنَ أَنْ أَصِلَ مَنْ وَصَلَكِ وَأَقْطَعَ مَنْ قَطَعَكِ؟ قَالَتْ: بَلَى. قَالَ: فَذَاكِ لَكِ)). السماوات والأرض وإبرازها في الوجود، ويحتمل: أن يكون بعد خلقها كتبا في اللوح المحفوظ، ولم يبرز بعد إلا اللوح والقلم، ويحتمل: أن يكون بعد انتهاء خلق أرواح بني آدم عند قوله ((ألست بربكم)) كذا في الفتح (١٠ : ٤١٧). قوله: (قامت الرحم) قال الحافظ في الفتح (٨: ٥٨٠): ((يحتمل أن يكون على الحقيقة، والأعراض يجوز أن تتجسد وتتكلم بإذن الله، ويجوز أن يكون على حذف، أي: قام ملك فتكلم على لسانها، ويحتمل: أن يكون ذلك على طريق ضرب المثل والاستعارة، والمراد تعظيم شأنها وفضل واصلها وإثم قاطعها)). قوله: (فقالت) وزاد سليمان بن بلال عند البخاري قبله: ((فأخذت بحقو الرحمن، فقال له: مه، قالت إلخ)) والحقو معقد الإزار، وهو الموضع الذي يستجار به ويحتزم به على عادة العرب. وقال الطيبي: ((هذا القول مبني على الاستعارة التمثيلية، كأنه شبه حالة الرحم وما هي عليه من الافتقار إلى الصلة والذّب عنها بحال مستجير يأخذ بحقو المستجار ،، ثم أسند على سبيل الاستعارة التخييلية ما هو لازم للمشبه به من القيام، فيكون قرينة مانعة من إرادة الحقيقة، ثم رشحت الاستعارة بالقول والأخذ وبلفظ الحقو، فهو استعارة أخرى)). وقال ابن أبي جمرة: يحتمل أن يكون (أي: قول الرحم) بلسان الحال، ويحتمل: أن يكون بلسان القال، قولان مشهوران، والثاني أرجع». قوله: (هذا مقام العائذ من القطيعة) هذه الإشارة إلى المقام، أي: قيامي هذا في مقام العائذ بك. قوله: (أن أصل من وصلك وأقطع من قطعك) هذا هو محط القصة ومقصودها، وذلك أن الله تعالى يصل من يصل الرحم ويقطع من قطعها: والمراد من وصل الله: عظيم إحسانه، ومن قطعه : عذابه . ثم إن الرحم، كما قال القرطبي، عبارة عن قرابة الرجل من قبل طرفيه، آبائه وإن علوا، وأبنائه وإن سفلوا، وما يتصل بالطرفين من الأعمام والعمات، والأخوال والخالات، والإخوة والأخوات، وما يتصل بذلك من أولادهم. وقال القاضي عياض كثّفُ: ((الرحم والقرابة نسبة واتصال بين المنتسبين يجمعها رحم واحدة)). ثم قال القاضي عياض: ((ولا خلاف أن صلة الرحم واجبة على الجملة، وأن قطعها كبيرة، والصلة درجات بعضها فوق بعض، وأدناها ترك المهاجرة، والكلام، ولو بالسلام، ويختلف ذلك باختلاف القدرة عليها والحاجة إليها، فمن الصلة ما يجب، ومنها ما يستحبّ، ٢٦٧ كتاب البر والصلة والآداب ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَ لِ: ((اقْرَؤُوا إِنْ شِئْتُمْ: ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِن تَوَلَيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِ أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ أُوْلَيْكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَىَ أَبْضَرَهُمْ اُلْأَرْضِ وَتُقَطِّعُواْ أَزْحَامَكُمْ ﴾ [محمد: ٢٢ - ٢٤]. ٢٤ الْقُرْءَانَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَآَ ٦٤٦٦ - (١٧) حدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، (وَاللَّفْظُ لأَبِي بَكْرٍ)، قَالاَ: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنٍ أَبِي مُزَرِّدٍ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ رُومَانَ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ. قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ وَلِهِ: ((الرَّحِمُ مُعَلَّقَةٌ بِالْعَرْشِ تَقُولُ: مَنْ وَصَلَنِي وَصَلَهُ اللَّهُ. وَمَنْ قَطَعَنِي قَطَعَهُ اللَّهُ) . ٦٤٦٧ - (١٨) حدّثني زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ وَابْنُ أَبِي عُمَرَ. قَالاَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ ولا يسمّى من وصل بعض الصلة، ولم يبلغ أقصاها، قاطعاً، ولا من قصّر عما ينبغي، أو قصّر عما يقدر عليه قاطعاً)). وقال القرطبي: ((الرحم التي توصل عامة وخاصة. فالعامة رحم الدين، وتجب مواصلتها بالتوادد والتناصح والعدل والإنصاف، والقيام بالحقوق الواجبة والمستحبة. وأما الرحم الخاصة، فتزويد النفقة على القريب، وتفقد أحوالهم، ولتغافل عن زلاتهم وتتفاوت مراتب استحقاقهم في ذلك، كما في الحديث: الأقرب فالأقرب)). وقال ابن أبي جمرة: ((تكون صلة الرحم بالمال، وبالعون على الحاجة، وبدفع الضرر، وبطلاقة الوجه، وبالدعاء. والمعنى الجامع إيصال ما أمكن من الخير، ودفع ما أمكن من الشر بحسب الطاقة. وهذا إنما يستمر إذا كان أهل الرحم أهل استقامة، فإن كانوا كفاراً، أو فجاراً، فمقاطعتهم في الله هي صلتهم، بشرط بذل الجهد في وعظهم، ثم إعلامهم إذا أصرّوا، أن ذلك بسبب تخلفهم عن الحق، ولا يسقط مع ذلك صلتهم بالدعاء لهم بظهر الغيب أن يعودوا إلى الطريق المثلى)) كذا في فتح الباري (١٠ : ٤٦٨). وقال القاضي عياض: ((واختلفوا في حد الرحم التي تجب صلتها. فقيل: هو كل رحم محرم بحيث لو كان أحدهما ذكرا والآخر أنثى حرمت مناكحتهما، فعلى هذا لا يدخل أولاد الأعمام ولا أولاد الأخوال ... وقيل: هو عام في كل رحم من ذوي الأرحام في الميراث، يستوي المحرم وغيره، ويدل عليه قوله وَلير: ثم أدناك أدناك)) قال النووي: ((وهذا القول الثاني هو الصواب. ومما يدل عليه الحديث السابق في أهل مصر: ((فإن لهم ذمة ورحماً)) وحديث: (إن أبر البر أن يصل أهل ود أبيه))، مع أنه لا محرمية، - والله أعلم - )). ١٧ - (٢٥٥٥) - قوله: (عن عائشة) هذا الحديث أخرجه البخاري في الأدب، باب من وصلها وصله الله (٥٩٨٩). ٢٦٨ الجزء الخامس من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم الزُّهْرِيِّ، عَنْ مُحَمَّدٍ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ النَّبِيِّ وَ﴿ قَالَ: ((لاَ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ قَاطِعٌ)). قَالَ ابْنُ أَبِي عُمَرَ: قَالَ سُفْيَانُ: يَعْنِي فَاطِعَ رَحِمٍ . ٦٤٦٨ - (١٩) حدّثني عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَسْمَاءَ الضُّبَعِيُّ. حَدَّثَنَا جُوَيْرِيَةُ، عَنْ مَالِكِ، عَنِ الزُّهْرِيِّ؛ أَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ جُبَيْرِ بْنِ مُظْعِم أَخْبَرَهُ؛ أَنَّ أَبَاهُ أَخْبَرَهُ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَّهِ قَالَ: ((لاَ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ قَاطِعُ رَحِمٍ». ٦٤٦٩ - (٠٠٠) حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِع وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، مِثْلَهُ. وَقَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ وَهِ. ٦٤٧٠ - (٢٠) حدّثني حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى الُّجِيبِيُّ. أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ. أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَنَس بْنِ مَالِكِ. قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ وَهِ يَقُولُ: ((مَنْ سَرَّهُ أَنْ يُبْسَطَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ، أَوْ يُنْسَأَ فِي أَثْرِهِ، فَلْيَصِلْ رَحِمَهُ)). ١٨ - (٢٥٥٦) - قوله: (عن أبيه) يعني: جبير بن مطعم، وهذا الحديث أخرجه البخاري في الأدب، باب إثم القاطع (٥٩٨٤)، وأبو داود في الزكاة، باب صلة الرحم (١٦٩٦)، والترمذي في البر والصلة، باب ما جاء في صلة الرحم (١٩٠٩). قوله: (لا يدخل الجنة قاطع) أي: دخولاً أوّليّاً، بل يدخلها بعد معاناة العذاب الذي استحقه بقطع الرحم، أو المراد أنه لا يدخل الجنة مطلقاً من استحل قطع الرحم بلا شبهة مع العلم بتحريمها، فهذا كافر يخلد في النار. ٢٠ - (٢٥٥٧) - قوله: (عن أنس بن مالك) هذا الحديث أخرجه البخاري في البيوع، باب من أحب البسط في الرزق (٢٠٦٧)، وفي الأدب، باب من بسط له في الرزق بصلة الرحم (٥٩٨٦)، وأبو داود في الزكاة، باب صلة الرحم (١٦٩٦). قوله: (أن يبسط عليه رزقه) وفيه أن طلب بسط الرزق ليس ممنوعاً، وبسط الرزق: توسيعه و کثرته، وقيل: البركة فيه. قوله: (أو يُنْسَأَ في أثره) ((ينسأ)) مهموز، صيغة مجهول من الإنساء، وهو التأخير، والأثر: الأجل لأنه تابع للحياة في أثرها، والمراد منه طول العمر. وحاصله أن من يتعود صلة الرحم، فإنه يبسط له في الرزق ويزاد في عمره. أما استشكاله بأن الأرزاق والآجال مقدرة من الله تعالى لا تزيد ولا تنقص، فجوابه مشهور، بأن هذه الزيادة والنقصان بالنسبة للتقدير المعلق، أما التقدير المبرم، فقد جفّ القلم بما هو كائن، وأجاب بعض العلماء عن هذا الإشكال بأن مراد الحديث ليس هو الزيادة في عدد أيام العمر، وإنما المراد حصول البركة فيه، بحيث أنه يوفق فيه ٢٦٩ كتاب البر والصلة والآداب ٦٤٧١ - (٢١) وحدّثني عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ شُعَيْبٍ بْنِ اللَّيْثِ. حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ جَدِّي. حَدَّثَنِي عُقَيْلُ بْنُ خَالِدٍ. قَالَ: قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: أَخْبَرَنِي أَنَسُ بْنُ مَالِكِ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَهِ قَالَ: ((مَنْ أَحَبَّ أَنْ يُبْسَطَ لَهُ فِي رِزْقِهِ، وَيُنْسَأَ لَهُ فِي أَثَرِهِ، فَلْيَصِلْ رَحِمَهُ)) . ٦٤٧٢ - (٢٢) حدّثني مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى وَمُحَمَّدُ بْنُ بَشَارٍ، (وَاللَّفْظُ لابْنِ الْمُثَنَّى)، قَالاَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ. حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قَالَ: سَمِعْتُ الْعَلاَءَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ يُحَدِّثُ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ؛ أَنَّ رَجُلاً قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ لِي قَرَابَةٌ، أَصِلُهُمْ وَيَقْطَّعُونِي، وَأُحْسِنُ إِلَيْهِمْ وَيُسِيئُونَ إِلَيَّ. وَأَحْلُمُ عَنْهُمْ وَيَجْهَلُونَ عَلَيَّ. فَقَالَ: ((لَئِنْ كُنْتَ كَمَا قُلْتَ، فَكَأَنَّمَا تُسِفُهُمُ الْمَلَّ، وَلاَ يَزَالُ مَعَكَ مِنَ اللَّهِ ظَهِيرٌ عَلَيْهِمْ، مَا دُمْتَ عَلَى ذَلِكَ)). (٧) - باب: تحريم التحاسد والتباغض والتدابر ٦٤٧٣ - (٢٣) حدّثني يَحْيَى بْنُ يَحْيَى. قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكِ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكِ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَّرِ قَالَ: لكثير من الأعمال الصالحة التي تنفعه في الآخرة. والجواب الأول أولى وأرجح. ٢٢ - (٢٥٥٨) - قوله: (عن أبي هريرة) هذا الحديث مما تفرد المصنف بإخراجه من بين الأئمة الستة. قوله: (ويجهلون عليّ) أي: يسيئون إليّ، والجهل هنا: القبيح من القول، وربما يكون الجهل بمعنى المنازعة والمجادلة، ويصلح أن يكون مراداً ههنا. قوله: (فكأنما تُسِفِّهُمُ الملَّ) هو مأخوذ من ((أسفّ البعير)) إذا علفه اليبيس، كما في القاموس والمراد منه الإطعام، والملّ: الرماد الحارّ، يعني: فكأنما تطعمهم الرماد الحارّ لما يلحقهم من الإثم، قال التورشتي: ((أي: إحسانك إليهم إذا كانوا يقابلونه بالإساءة يعود وبالاً عليهم، حتى كأنك في إحسانك إليهم، مع إساءتهم إياك، أطعمتهم النار)) كذا في شرح السنوسي . قوله: (من الله ظهير) أي: معين ومدافع عنك. (٧) - باب: تحريم التحاسد والتباغض والتدابر ٢٣ - (٢٥٥٩) - قوله: (عن أنس بن مالك) هذا الحديث أخرجه البخاري في الأدب، باب ما ينهى عن التحاسد والتدابر (٦٠٦٥)، وباب الهجرة (٦٠٧٦)، وأبو داود في الأدب، باب فيمن يهجر أخاه المسلم (٤٩١٠)، والترمذي في البر والصلة، باب ما جاء في الحسد (١٩٣٦)، ومالك في حسن الخلق من الموطأ، باب ما جاء في المهاجرة. ٢٧٠ الجزء الخامس من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم ((لاَ تَبَاغَضُوا قوله: (لا تباغضوا) أي: لا يبغض بعضكم بعضاً، والبغض ضد الحب، والبغضة بالكسر، والبغضاء: شدته كما في القاموس. حقيقة البغض وآفاته وعلاجه: قال الغزالي في إحياء علوم الدين (٣: ١٨١): ((اعلم أن الغضب إذا لزم كظمه لعجز عن التشفي في الحال رجع إلى الباطن واحتقن فيه، فصار حقداً. ومعنى الحقد: أن يلزم قلبه استثقاله والبغضة له والنفار عنه، وأن يدوم ذلك ويبقى، وقد قال ويالفر: ((المؤمن ليس بحقود(١) فالحقد ثمرة الغضب». قال: ((والحقد يثمر ثمانية أمور (الأول) الحسد: وهو أن يحملك الحقد على أن تتمنى زوال النعمة عنه، فتغتم بنعمة إن أصابها، وتسرُّ بمصيبة إن نزلت به، وهذا من فعل المنافقين، وسيأتي ذمه إن شاء الله تعالى. (الثاني) أن تزيد على إضمار الحسد في الباطن، فتشمت بما أصابه من البلاء. (الثالث) أن تهجره وتصارمه وتنقطع عنه، وإن طلبك وأقبل عليك. (الرابع) وهو دونه، أن تعرض عنه استصغاراً له. (الخامس) أن تتكلم فيه بما لا يحلّ من كذب، وغيبة، وإفشاء سر، وهتك ستر وغيره. (السادس) أن تحاكيه استهزاء به وسخرية منه. (السابع) إيذاؤه بالضرب وما يؤلم بدنه. (الثامن) أن تمنعه حقه من قضاء دين أو صلة رحم أو ردّ مظلمة، وكل ذلك حرام)). ((وأقلّ درجات الحقد أن تحترز من الآفات الثمانية المذكورة، ولا تخرج بسبب الحقد إلى ما تعصي الله به، ولكن تستثقله في الباطن، ولا تنهى قلبك عن بغضه، حتى تمتنع عما كنت تطوع به من البشاشة والرفق والعناية والقيام بحاجاته، والمجالسة معه على ذكر الله تعالى، والمعاونة على المنفعة له، أو بترك الدعاء له والثناء عليه، أو التحريض على برّه ومواساته. فهذا كله مما ينقص درجتك في الدين، ويحول بينك وبين فضل عظيم وثواب جزيل، وإن كان لا يعرّضك لعقاب الله)). قال: ((والأولى أن يبقى على ما كان عليه، فإن أمكنه أن يزيد في الإحسان مجاهدة للنفس وإرغاماً للشيطان، فذلك مقام الصديقين، وهو من فضائل أعمال المقربين)). والحاصل: أنه إذا تجاوز الحقد إلى أن يؤثر في أعماله الظاهرة، كالهجر والغيبة أو السبّ، فهو الإثم، وكذلك إذا كان المرء ينشىء النفرة عنه في قلبه باختياره، ويخطّط في ذهنه طرق الإساءة إليه، فهو البغض المستحق للعقاب. أما إذا كان استثقالاً محضاً مضمراً في (١) قال العراقي في كتاب العلم من تخريج الإحياء ٤٦/١: ((لم أقف له على أصل)). ٢٧١ كتاب البر والصلة والآداب وَلاَ تَحَاسَدُوا الباطن، أو انقباضاً نشأ في القلب بدون اختيار منه، فإنه ليس بغضاً موجباً للعقاب، ولكنه يخشى منه أن يؤدي إلى البغض المذموم فينبغي أن يهتمّ المرء في مثل ذلك بالإشراف على نفسه، والمبادرة إلى معالجة البغض كلّما ظهر منه شيء. وأما علاج داء البغض، فهو استحضار محاسن المبغوض، واستحضار عقاب البغض، والعفو عن سيئات المبغوض، ولو بتكلف، والدعاء له بالصلاح، والدعاء لنفسه بزوال البغض. حقيقة الحسد ومراتبه: قوله: (ولا تحاسدوا) أي: لا يحسد بعضكم بعضاً. وحسده الشيء وعليه يحسِده (بكسر السين) ويحسُده (بضمها) حسَداً وحسوداً، وحسده (بتشديد السين): تمنّى أن تتحوّل إليه نعمته وفضيلته أو يسلبهما. كذا في القاموس. قال الإمام الغزالي كثّفُ تعالى: ((اعلم أن الحسد أيضاً من نتائج الحقد، والحقد من نتائج الغضب، فهو فرع فرعه، والغضب أصل أصله. ثم إن للحسد من الفروع الذميمة ما لا يكاد یحصی)). قال: ((وأما مراتبه فأربع: (الأولى): أن يحب زوال النعمة عنه، وإن كان ذلك لا ينتقل إليه، وهذا غاية الخبث. (الثانية): أن يحب زوال النعمة إليه لرغبته في تلك النعمة، مثل رغبته في دار حسنة، أو امرأة جميلة، أو ولاية نافذة، أو سعة نالها غيره، وهو يحبّ أن تكون له. ومطلوبه تلك النعمة، لا زوالها عنه، ومكروهه فقد النعمة، لا تنعم غيره بها. (الثالثة): أن لا يشتهي عينها لنفسه، بل يشتهي مثلها، فإن عجز عن مثلها أحبّ زوالها، كيلا يظهر التفاوت بينهما. (الرابعة): أن يشتهي لنفسه مثلها، فإن لم تحصل، فلا يحبّ زوالها عنه. وهذا الأخير هو المعفو عنه إن كان في الدنيا، والمندوب إليه إن كان في الدين. والثالثة فيها مذموم وغير مذموم، والثانية أخف من الثالثة، والأولى مذموم محض. وتسمية الرتبة حسداً فيه تجوز وتوسع، ولكنه مذموم لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَكَمَنَّوْاْ مَا فَضَّلَ اَللَّهُ بِهِ، بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍِ﴾ [سورة النساء، آية ٣٢]، فتمنيه لمثل ذلك غير مذموم، وأما تمنيه عين ذلك فهو مذموم)). ثم إن للحسد حالتين: (الأولى): أن يؤثر الحسد في الأعمال الظاهرة، ويعمل المرء بمقتضى الحسد في حياته العملية، مثل أن يغتاب المحسود أو يسبّه، أو يدعو لزوال نعمته، أو يسعى لذلك، أو يظهر الفرح بأقواله وأفعاله عند زوال نعمته. فهذا حرام قطعاً، لا خلاف في حرمته. (الثانية): أن الحاسد يحبّ زوال نعمة المحسود في باطنه، ولكنه لا يتأثر بهذه الحالة في ٢٧٢ الجزء الخامس من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم وَلاَ تَدَابَرُوا. وَكُونُوا عِبَادَ اللَّهِ، إِخْوَاناً. وَلاَ يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يَهْجُرَ أَخَاهُ فَوْقَ ثَلاَثٍ)). أعماله الظاهرة، فيبقى في ظاهر أعماله كما هو، ويكف نفسه عن تلويث أعماله بما ذكرنا من السعي في زوال نعمته وغير ذلك. فهذا موضع خلاف بين العلماء، فروي عن الحسن البصري وغيره أنه لا يأثم الإنسان بالحسد إلا إذا ظهر ذلك على جوارحه، وذهب الإمام الغزالي نظُّ تعالى إلى التفصيل في هذه الحالة، فقال في إحياء علوم الدين (٣: ١٩٩): ((وإن كففت ظاهرك بالكلية، إلا أنك بباطنك تحب زوال النعم، وليس في نفسك كراهة لهذه الحالة، فأنت أيضاً حسود عاص، لأن الحسد صفة القلب لا صفة الفعل ... أما الفعل فهو غيبة وكذب، وهو عمل صادر عن الحسد، وليس هو عين الحسد، بل محل الحسد القلب دون الجوارح. نعم! هذا الحسد ليس مظلمة يجب الاستحلال منها، بل هو معصية بينك وبين الله تعالى، وإنما يجب الاستحلال من الأسباب الظاهرة على الجوارح. فأما إذا كففت ظاهرك وألزمت مع ذلك قلبك كراهة ما يترشح منه بالطبع من حب زوال النعمة، حتى كأنك تمقت نفسك على ما في طبعها، فتكون تلك الكراهة من جهة العقل في مقابلة الميل من جهة الطبع، فقد أديت الواجب عليك، ولا يدخل تحت اختيارك في أغلب الأحوال أكثر من هذا». والحاصل: أن حبّ زوال النعمة إن تجاوز إلى ظاهر أعمال الجوارح في إماتة حق المحسود، فهو حرام قطعاً ولا ينفعه التوبة إلا بالاستحلال من المحسود. وأما إذا لم يتجاوز إلى أعمال الجوارح، وكان حب زوال النعمة باختيار المرء، وعلامته أنه لا يكره حالته هذه، فهو معصية بينه وبين ربه، وأما إذا كان ذلك الحب طبعياً خارجاً عن اختياره، وعلامته أنه يكره حالته هذه عقلاً، فهو معفو عنه ما لم يؤثر على أعمال الجوارح، ولكنه مع ذلك يحتاج إلى معالجة هذه الحالة بالدعاء للمحسود بالخير، وبمدحه أمام الناس ولو بتكلف، وبمعاشرته معاشرة حسنة، وبالإحسان إليه والإهداء له، وبالدعاء لنفسه بالوقاية عن محظورات الحسد. فبهذا يسلم إن شاء الله تعالى من غوائل هذا الداء العضال، وإلا فإن اطمأن الإنسان بكون الحسد خارجاً عن اختياره، ربما أدى ذلك إلى حالاته المذمومة المعاقب عليها، أعاذنا الله تعالى من ذلك. قوله: (ولا تدابروا) قال النووي تتخذثُ: ((التدابر: المعاداة، وقيل: المقاطعة، لأن كل واحد يولي صاحبه دبره)) وسيأتي الكلام على المهاجرة والمقاطعة في الباب اللاحق إن شاء الله تعالى. قوله: (وكونوا عباد الله إخواناً) يجوز أن يكون قوله ((عباد الله))، خبراً وقوله ((إخواناً)) خبراً بعد خبر، ويحتمل: أن يكون ((عباد الله)) منصوباً على الاختصاص بالنداء، وحرف النداء محذوف، تقديره: كونوا يا عباد الله إخواناً. وهذا الثاني رجحه الطيبي، كما نقل عنه السنوسي. ويبدو لهذا العبد الضعيف - عفا الله عنه - أن الوجه الأول أولى وأليق ببلاغة الكلام، كأن المتحاسدين والمتباغضين ينكرون بعملهم كونهم من عباد الله، فأمروا بأن يكونوا عباد الله، بأن يظهر ذلك من أفعالهم. ٢٧٣ كتاب البر والصلة والآداب ٦٤٧٤ - (٠٠٠) حدّثنا حَاجِبُ بْنُ الْوَلِيدِ. حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حَرْبٍ. حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْوَلِيدِ الزُّبَيْدِيُّ، عَنِ الزُّهْرِيِّ. أَخْبَرَنِي أَنَسُ بْنُ مَالِكِ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ نَّهِ قَالَ. ح وحدّثنيه حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى. أَخْبَرَنِي ابْنُ وَهْبٍ. أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَنَسٍ، عَنِ النَّبِيِّ ◌ََِّ، بِمِثْلِ حَدِيثِ مَالِكِ. ٦٤٧٥ - (٠٠٠) حدّثنا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ وَابْنُ أَبِي عُمَرَ وَعَمْرٌو النَّاقِدُ. جَمِيعاً عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، وَزَادَ ابْنُ عُبَيْنَةَ: ((وَلاَ تَقَاطَعُوا!)). ٦٤٧٦ - (٠٠٠) حدّثنا أَبُو كَامِلٍ. حَدَّثَنَا يَزِيدُ، (يَعْنِي ابْنَ زُرَيْعِ). ح وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ. كِلاَهُمَا عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ. جَمِيعاً عَنْ مَعْمَرٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، بِهَذَا الإِسْنَادِ. أَمَّا رِوَايَةُ يَزِيدَ عَنْهُ فَكَرِوَايَةٍ سُفْيَانَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ. يذْكُرُ الْخِصَالَ الأَرْبَعَ جَمِيعاً، وَأَمَّا حَدِيثُ عَبْدِ الرَّزَّاقِ: ((وَلاَّ تَحَاسَدُوا وَلاَ تَقَاطَّعُوا وَلاَ تَدَابَرُوا)) . ٦٤٧٧ - (٢٤) وحدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى. حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ. حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ؛ أَنَّ النَّبِيِّ نَ ﴿ قَالَ: ((لاَ تَحَاسَدُوا وَلاَ تَبَاغَضُوا وَلاَ تَقَاطَعُوا. وَكُونُوا، عِبَادَ اللّهِ، إِخْوَاناً». حدّثنيه عَلِيُّ بْنُ نَصْرِ الْجَهْضَمِيُّ. حَدَّثَنَا وَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ. حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، مِثْلَهُ، وَزَادَ: ((كَمَا أَمَرَكُمُ اللَّهُ)). (٨) - باب: تحريم الهجر فوق ثلاث، بلا عذر شرعيّ ٦٤٧٨ - (٢٥) حدّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكِ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَزِيدَ اللَّيْنِيِّ، عَنْ أَبِي أَيُّوبَ الأَنْصَارِيِّ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَهِ قَالَ: ((لاَ يَجِّلُ لِمُسْلِمِ أَنْ يَهْجُرَ أَخَاهُ (٨) - باب: تحريم الهجر فوق ثلاث، بلا عذر شرعي ٢٥ - (٢٥٦٠) - قوله: (عن أبي أيوب الأنصاري) هذا الحديث أخرجه البخاري في الاستئذان، باب السلام للمعرفة وغير المعرفة، (٦٢٣٧)، وفي الأدب باب الهجرة (٦٠٧٧)، وأخرجه أبو داود في الأدب، باب فيمن يهجر أخاه المسلم (٤٩١١)، والترمذي في البر والصلة، باب ما جاء في كراهية الهجر للمسلم (١٩٣٣) ومالك في حسن الخلق، باب ما جاء في المهاجرة. قوله: (لا يحلّ لمسلم أن يهجر) إلخ الهجر (بفتح الهاء)، والهجران (بكسر الهاء) في ٢٧٤ الجزء الخامس من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم فَوْقَ ثَلاَثِ لَيَالٍ. يَلْتَقِيَانِ فَيُعْرِضُ هَذَا وَيُعْرِضُ هَذَا. وَخَيْرُهُمَا الَّذِي يَبْدَأُ بِالسَّلام)). اللغة بمعنى الترك، وفي العرف بمعنى ترك الشخص مكالمة الآخر إذا تلاقيا، ثم اختلفوا في حد الهجران الممنوع بهذا الحديث، فقال أكثر العلماء هو ترك السلام فمن بدأ بالسلام خرج من إثم الهجران، كما دل عليه قوله فظلّل في آخر الحديث: ((وخيرهما الذي يبدأ بالسلام)) وهذا في الابتداء بالسلام. أما رد السلام، فهو واجب على كل حال، فمن تركه، ولو لليلة واحدة، كان آئماً. أما ترك الابتداء بالسلام بقصد الهجران فليس إثماً ما لم يدم ثلاثة أيام كما سيأتي. وقيل: لا يخرج عن إثم الهجران بمجرد السلام، حتى يعود على ما كان عليه، وهذا القول مروي عن الإمام أحمد بن حنبل، وابن القاسم والقاضي عياض كثّفُ تعالى، كما في فتح الباري (١٠ : ٤٩٦). والذي يظهر لهذا العبد الضعيف - عفا الله عنه -: أن الهجران الممنوع هو ترك السلام والكلام جميعاً، فلو سلم ثم اهتمّ بترك الكلام معه، حتى في مواضع الضرورة، أو لم يجبه حينما خاطبه بشيء، كان ذلك من الهجران الممنوع، ومجرد الاكتفاء بالسلام لا يخرجه من الهجران، لأن الاهتمام بترك الكلام بعد السلام مما يؤذي صاحبه، ومقصود الحديث التجنب عن إيذائه. أما قوله الظل: ((وخيرهما الذي يبدأ بالسلام)) فإنه ليس معناه الاقتصار على السلام، وإنما خرج الحديث مخرج العادة، فإن المسلمين يفتتحون مكالمتهم بالسلام، فالمقصود أن خيرهما من يبدأ بالكلام ويسلم على الآخر كفاتحة لكلامه معه، لا أنه يسلم عليه، ثم يعرض عنه لأنه حين ذلك يدخل في قوله عليه: ((يلتقيان، فيعرض هذا ويعرض هذا)). نعم! لا يلزم من ترك الهجران أن ينبسط له انبساطه للأصدقاء، فإن الانبساط من الأمور التي هي خارجة عن اختيار الإنسان، فلو كلمه عند الحاجة، ولو مع الانقباض، خرج من إثم الهجران إن شاء الله تعالى. قوله: (فوق ثلاث ليال) قال النووي: ((قال العلماء: في هذا الحديث تحريم الهجر بين المسلمين أكثر من ثلاث ليال، وإباحتها في الثلاث الأول بنص الحديث، والثاني بمفهومه)) وقال أكمل الدين من الحنفية: ((في الحديث دلالة على حرمة هجران الأخ المسلم فوق ثلاثة أيام. وأما جواز هجرانه في ثلاثة أيام فمفهوم منه لا منطوق، فمن قال بحجية المفهوم كالشافعية، جاز له أن يقول بإباحته، ومن لا فلا)». لكن تعقبه الشيخ علي القاري تقتُ في المرقاة (٩: ٢٦٢) فقال: ((فيه أن الأصل في الأشياء الإباحة، والشارع إنما حرم المهاجرة المقيدة لا المطلقة، مع أن في إطلاقها حرجاً عظيماً، حيث يلزم منه أن مطلق الغضب المؤدي إلى مطلق الهجران يكون حراماً)). وهذا كلام وجيه يتلخص منه أن الهجران لأقل من ثلاثة أيام جائز، عند من يقول بالمفهوم ومن لا يقول به جميعاً . ٢٧٥ كتاب البر والصلة والآداب ٦٤٧٩ - (٠٠٠) حدّثنا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةً وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ. قَالُوا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ. ح وَحَدَّثَنِي حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى. أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ. أَخْبَرَنِي يُونُسُ. ح وَحَدَّثَنَا حَاجِبُ بْنُ الْوَلِيدِ. حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حَرْبٍ، عَنِ الزُّبَيْدِيِّ. ح وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِيُّ وَمُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ. كُلُّهُمْ عَنِ الزُّهْرِيِّ. بِإِسْنَادِ مَالِكٍ، وَمِثْلِ خَدِيثِهِ. إِلَّ قَوْلَهُ: ((فَيُعْرِضُ هَذَا وَيُعْرِضُ هَذَ)) فَإِنَّهُمْ جَمِيعاً قَالُوا فِي حَدِيثِهِمْ، غَيْرَ مَالِكِ: ((فَيَصُدُّ هَذَا وَيَصُدُّ هَذَ)). ٦٤٨٠ _ (٢٦) حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِع. حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي فُدَيْكِ. أَخْبَرَنَا الضَّحَّاكُ (وَهُوَ ابْنُ عُثْمَانَ)، عَنْ نَافِعِ، عَنْ عَبِّدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَّهِ قَالَ: (لاَ يَجِلُّ لِلْمُؤْمِنِ أَنْ يَهْجُرَ أَخَاهُ فَوْقَ ثَلاثَةٍ أَيَّام)) . ٦٤٨١ - (٢٧) حدّثنا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ. حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ، (يَعْنِي ابْنَ مُحَمَّدٍ)، عَنِ وقال النووي: ((وإنما عفي عنها في الثلاث لأن الآدميّ مجبول على الغضب وسوء الخلق ونحو ذلك، فعفي عن الهجرة في الثلاثة ليذهب ذلك العارض)) وتذكّر ما ذكرناه من قبل من أن ترك رد السلام لا يجوز، ولو كان لأقل من ثلاثة أيام. ثم إن الهجران الممنوع إنما هو ما كان لسبب دنيوي. أما إذا كان بسبب فسق المرء وعصيانه، فأكثر العلماء على جوازه. قال الخطابي: ((رخص للمسلم أن يغضب على أخيه ثلاث ليال لقلته، ولا يجوز فوقها إلا إذا كان الهجران في حق من حقوق الله تعالى، فيجوز فوق ذلك» وفي حاشية السيوطي على الموطأ: ((قال ابن عبد البر: هذا مخصوص بحديث كعب بن مالك ورفيقيه، حيث أمر ◌َّهر أصحابه بهجرهم)) يعني: زيادة على ثلاث إلى أن بلغ خمسين يوماً. قال: ((وأجمع العلماء على أن من خاف من مكالمة أحد وصلته ما يفسد عليه دينه، أو يدخل مضرة في دنياه يجوز له مجانبته وبعده، وربّ صرم جميل خير من مخالطة تؤذيه)). نقل الشيخ علي القاري جميع هذه الأقوال في المرقاة، ثم قال: ((قلت: الأظهر أن يحمل نحو هذا الحديث على المتآخين، أو المتساويين، بخلاف الوالد مع الولد، والأستاذ مع تلميذه، وعليه يحمل ما وقع من السلف والخلف لبعض الخلف)). وحاصل ذلك: أن الهجران إنما يحرم إذا كان من جهة غضب نفساني. أما إذا كان على وجه التغليظ على المعصية والفسق، أو على وجه التأديب كما وقع مع کعب بن مالك وصاحبيه، أو كما وقع لرسول الله وَّلقر مع أزواجه، أو لعائشة مع ابن الزبير ﴿ه، فإنه ليس من الهجران الممنوع، والله سبحانه أعلم. ٢٦ - (٢٥٦١) - قوله: (عن عبد الله بن عمر) هذا الحديث مما تفرد المصنف بإخراجه من بين الأئمة الستة. ٢٧٦ الجزء الخامس من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم الْعَلاَءِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللّهِ وَلَ قَالَ: ((لاَ هِجْرَةَ بَعْدَ ثَلاَثٍ)). (٩) - باب: تحريم الظن والتجسس والتنافس والتناجش، ونحوها ٦٤٨٢ - (٢٨) حدّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى. قَالَ: قَرَأْتُ عَلَىْ مَالِكِ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللّهِ وَلِهِ قَالَ: ((إِيَّاكُمْ وَالظَّنَّ. فَإِنَّ الظَّنَّ أَكْذَبُ الْحَدِيثِ. ٢٧ - (٢٥٦٢) - قوله: (عن أبي هريرة) هذا الحديث أيضاً من أفراد مسلم. قوله: (لا هجرة بعد ثلاث) الهجرة، بكسر الجيم، اسم من الهجر والهجران. يعني: لا يجوز الهجران بعد ثلاثة أيام. (٩) - باب: تحريم الظن والتجسس والتنافس والتناجش ٢٨ - (٢٥٦٣) - قوله: (عن أبي هريرة) هذا الحديث أخرجه البخاري في النكاح، باب لا يخطب على خطبة أخيه حتى ينكح أو يدع، (٥١٤٣)، وفي الأدب، باب ما ينهى عن التحاسد والتدابر (٦٠٦٤)، وباب ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَجْتِبُواْ كَثِيرًا مِّنَ الَّلْنِ إِنَّ بَعْضَ اَلَّنِ إِنّْ وَلَا تَجْتَسُواْ﴾ (٦٠٦٦)، وفي الفرائض، باب تعليم الفرائض (٦٧٢٤)، وأخرجه أبو داود في الأدب، باب في الغيبة (٤٨٨٢)، وباب في الظن (٤٩١٧)، والترمذي في البر والصلة، باب ما جاء في شفقة المسلم على المسلم (١٩٢٨)، ومالك في حسن الخلق، باب ما جاء في المهاجرة. قوله: (إياكم والظنّ) قال الخطابي وغيره: ليس المراد ترك العمل بالظن الذي تناط به الأحكام غالباً، بل المراد ترك تحقيق الظن الذي يضر بالمظنون به، وكذا ما يقع في القلب بغير دليل. وذلك أن أوائل الظنون إنما هي خواطر لا يمكن دفعها، وما لا يقدر عليه لا يكلف به. ويؤيده حديث ((تجاوز الله للأمة عما حدثت به أنفسها)). وقال القرطبي: ((المراد بالظن هنا التهمة التي لا سبب لها، كمن يتهم رجلاً بالفاحشة من غير أن يظهر عليه ما يقتضيها، ولذلك عطف عليه قوله: ((ولا تجسّسوا)) وذلك أن الشخص يقع له خاطر التهمة، فيريد أن يتحقق فيتجسّس ويبحث ويستمع، فنهى عن ذلك. وهذا الحديث يوافق قوله تعالى: ﴿أَجْتِبُواْ كَثِيرًا مِنَ الَّنِ إِنَّ بَعْضَ الَِّنِّ إِثْهُ وَلَا تَسُواْ وَلَا يَغْتَبِ بَعْضُكُم بَعْضًا﴾ [سورة الحجرات، آية ١٢]. فدل سياق الآية على الأمر بصون عرض المسلم غاية الصيانة، لتقدم النهي عن الخوض فيه بالظن. فإن قال الظانّ: أبحث لأتحقق، قيل له: ولا تجسَّسوا، فإن قال: تحققت من غير تجسّس قيل له: ولا يغتب بعضكم بعضاً». قوله: (فإن الظّنّ أكذب الحديث) قال الحافظ في الفتح (١٠: ٤٨٢): ((أما وصف الظن بكونه أكذب الحديث، مع أن تعمد الكذب الذي لا يستند إلى ظن أصلاً أشد من الأمر الذي ٢٧٧ كتاب البر والصلة والآداب وَلاَ تَحَسَّسُوا، وَلاَ تَجَسَّسُوا، يستند إلى الظنّ، فللإشارة إلى أن الظن المنهي عنه هو الذي لا يستند إلى شيء يجوز الاعتماد عليه، فيكون الجازم به كاذباً، وإنما صار أشد من الكاذب لأن الكذب في أصله مستقبح مستغنى عن ذمه، بخلاف هذا، فإن صاحبه بزعمه مستند إلى شيء، فوصف بكونه أشد الكذب مبالغة في ذمه والتنفير منه، وإشارة إلى أن الاغترار به أكثر من الكذب المحض، لخفائه غالباً ووضوح الكذب المحض». قال العبد الضعيف - عفا الله - عنه: يحتمل أيضاً أن يكون المراد من ((الحديث)) حديث النفس، وهو الحديث الذي يدور في القلب، وهو على أقسام من الهاجس والخاطر وغيرهما، وما كان منه بدون اختيار الإنسان فهو معفوّ عنه، وإن كان كاذباً، أما الظن الممنوع فهو ما يجزم به المرء بدون تحقيق ويتهم به غيره، فهو أشد من حديث النفس الذي لا يجزم به، ومن هذه الجهة وصف بكونه أكذب الحديث. وهناك احتمال آخر، وهو أن المراد بالحديث هو الكلام، والمراد بالظن التهمة الملفوظة المبنيّة على الظن، فكأنه ◌َ﴿ قال: إنّ اتّهام رجل مسلم بدون تحقيق أشد من الكلام الكاذب الذي لا تهمة فيه على أحد، فإنه لا ضرر فيه لمسلم، بخلاف التهمة فإنها تجمع بين أمرين: الكذب وإضرار الرجل الآخر. والله سبحانه أعلم. حكم التجسس الممنوع وما يجوز منه للمحتسب قوله: (ولا تحسّسوا) هو بالحاء المهملة، وأصل هذه الكلمة من الحاسة إحدى الحواس الخمس، ومعناه: البحث والتتبع. أما ((لا تجسَّسوا)) فهو بالجيم، وأصله من الجسّ بمعنى اختبار الشيء باليد، وهي إحدى الحواسّ، فيكون التحسّس بالحاء أعم من التجسّس الذي هو بالجيم. وذكر في الحديث الكلمتان معاً، فقيل: هما بمعنى واحد، وإنما أتى بالثاني للتأكيد، والمراد: لا تبحثوا عن عيوب الناس ولا تتبّعوها. وروي عن يحيى بن أبي كثير أن المراد من التجسّس، بالجيم، البحث عن عوراتهم، وبالتحسّس، بالحاء، استماع حديث القوم. وقيل: بالجيم: البحث عن بواطن الأمور، وبالحاء: البحث عما يدرك بالحواس الظاهرة، ورجحه القرطبي: وقيل: بالجيم تتبّع الشخص لأجل غيره، وبالحاء تتبعه لنفسه، وهذا اختيار ثعلب. ثم قال الحافظ في الفتح: ((ويستثنى من النهي عن التجسس ما لو تعين طريقاً إلى إنقاذ نفس من الهلاك مثلاً، كأن يخبر ثقة بأن فلاناً خلا بشخص ليقتله ظلماً، أو بامرأة ليزني بها، فيشرع في هذه الصورة التجسس والبحث عن ذلك حذراً من فوات استدراكه، نقله النووي عن الأحكام السلطانية للماوردي واستجاده، وأن كلامه ليس للمحتسب أن يبحث عما لم يظهر من المحرمات، ولو غلب على الظن استسرار أهلها بها إلا هذه الصورة)). ٢٧٨ الجزء الخامس من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم وَلاَ تَنَافَسُوا، وَلاَ تَحَاسَدُوا، وَلاَ تَبَاغَضُوا، وَلاَ تَدَابَرُوا، وَكُونُوا، عِبَادَ اللَّهِ، إِخْوَاناً)). ٦٤٨٣ - (٢٩) حدّثنا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ. حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ، (يَعْنِي ابْنَ مُحَمَّدٍ)، عَنِ الْعَلاَءِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللّهِ :﴿ قَالَ: ((لاَ تَهَجَّرُوا، وَلاَ تَدَابَرُوا، وَلاَ قال العبد الضعيف - عفا الله عنه -: هذا موقف الماوردي كثّفُ، وخالفه في ذلك آخرون. فقال السنّامي في نصاب الاحتساب (ص: ٢٠٤، باب: ٥٣): ((قال بشر كَلَهُ: سمعت أبا يوسف في دار سمع فيها صوت مزامير ومعازف، قال: ادخل عليهم بغير إذنهم لارتكابهم المنكر، لأن المنع منه واجب. ولو لم يجز الدخول بغير إذنهم لم يمكن المنع، ولأنهم أسقطوا حرمتهم بفعل المنكر، فجاز هتكهم. وذكر في أدب القاضي من المحيط في الفصل الحادي عشر في العدوى وتسمير الباب: قال أصحابنا رحمهم الله: لا بأس بالهجوم على المفسدين والدخول في بيتهم من غير استئذان: إذا سمع فيه صوت فساد، للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وذكر فيه: قال صاحب الإيضاح تقلّلهُ: وسع في الهجوم بعض أصحابنا. قالوا: وأراد به أبا يوسف: وقد روي عنه أنه كان يفعل في زمن قضائه. وقد روى هشام عن محمد نَُّ مثل هذا أيضاً. وأصله ما روي عن عمر رُبه أنه هجم على بيت رجلين أحدهما قريشي والآخر ثقفي بلغه أن في بيتهما شراباً، فوجد في بيت أحدهما دون الآخر. وكذلك هجم على بيت نائحة بالمدينة وأخرجها وعلاها بالدرة حتى سقط الخمار عن رأسها)). والذي يظهر: أن المستسرّ بتعاطي محرّم من المحرمات إن كان لا يتعدى ضرره إلى غيره، فلا حاجة للمحتسب أن يتجسّس في أمره، وعليه يحمل قول الماوردي. أما إذا تعدى ضرره إلى أحد غيره، أو إلى المجتمع بصفة عامة فإنه يجوز للمحتسب، أو لموظف آخر منصوب من قبل الحكومة لهذا الغرض أن يهجم عليه. وعلى ذلك يحمل قول أبي يوسف تَُّ، ويحتمل أن يوفق بذلك فيما بين الوقائع المختلفة لسيدنا عمر ته. فالتجسّس الممنوع هو ما كان لمجرد الاطلاع على عورات الناس وهتك سترهم لإخزائهم. أما ما كان لغرض اجتماعي مقبول، مثل ما ذكرنا، فليس من التجسّس المحظور، والله سبحانه أعلم. قوله: (ولا تنافسوا) قال النووي: ((أما المنافسة والتنافس، فمعناهما الرغبة في الشيء، وفي الانفراد به. ونافسته منافسة: إذا رغبت فيما رغب فيه. وقيل: معنى الحديث التباري في الرغبة في الدنيا وأسبابها وحظوظها)) وقال القرطبي: ((أي: لا تتنافسوا حرصاً على الدنيا، إنما التنافس في الخير. قال تعالى: ﴿وَفِ ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُنْتَفِسُونَ﴾ [سورة المطففين، آية ٢٦]، وكان المنافسة هي الغبطة. وقد أبعد من فسرها بالحسد، لأنه عطف أحدهما على الآخر)) وإن التنافس إنما يذمّ لكونه مبنياً على حب الدنيا وحرص المال والجاه، ويعقبه الحسد والبغضاء عموماً. ٢٩ - ( ... ) - قوله: (لا تهجّروا) وفي بعض النسخ: ((لا تهاجروا)) وهما بمعنى، والمراد ٢٧٩ كتاب البر والصلة والآداب تَحَسَّسُوا، وَلاَ يَبَعْ بَعْضُكُمْ عَلَىْ بَيْعِ بَعْضٍ. وَكُونُوا، عِبَادَ اللَّهِ إِخْوَانًا)). ٦٤٨٤ - (٣٠) حدّثنا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ. أَخْبَرَنَا جَرِيرٌ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ. قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ: ((لاَ تَحَاسَدُوا، وَلاَ تَبَاغَضُوا، وَلاَ تَجَسَّسِّوا، وَلاَ تَحَسَّسُوا، وَلاَ تَنَاجَشُوا. وَكُونُوا، عِبَادَ اللَّهِ، إِخْوَانًا)». ٦٤٨٥٠ _ (٠٠٠) حدّثنا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيِّ الْحُلْوَانِيُّ وَعَلِيُّ بْنُ نَصْرِ الْجَهْضَمِيُّ. قَالاً: حَدَّثَنَا وَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ. حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنِ الأَعْمَشِ، بِهَذَا الإِسْنَادِ: ((لاَ تَقَاطَعُوا، ولا تَذَابَرُوا، وَلاَ تَبَاغَضُوا، وَلاَ تَحَاسَدُوا. وَكُونُوا إِخْوَاناً. كَمَا أَمَرَكُمُ اللَّهُ)). ٦٤٨٦ - (٣١) وحدّثني أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدِ الدَّارِمِيُّ. حَدَّثَنَا حَبَّنُ. حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ. حَدَّثَا سُهَيْلٌ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ بِ قَالَ: ((لاَ تَبَاغَضُوا، وَلاَ تَدَابَرُوا، وَلاَ تَنَافَسُوا. وَكُونُوا عِبَادَ اللَّهِ، إِخْوَانًا)). (١٠) - باب: تحريم ظلم المسلم وخذله واحتقاره ودمه وعرضه وماله ٦٤٨٧ - (٣٢) حدّثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ بْنِ قَعْنَبٍ. حَدَّثَنَا دَاوُدُ، (يَعْنِي ابْنَ قَيْسٍ)، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، مَوْلَى عَامِرِ بْنِ كُرَيْزِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ. قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَلّى : (لاَ تَحَاسَدُوا، وَلاَ تَنَاجَشُوا، وَلاَ تَبَاغَضُوا، وَلاَ تَدَابَرُوا، وَلاَ يَيغْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَيْعِ بَعْضٍ. وَكُونُوا، عِبَادَ اللَّهِ، إِخْوَاناً، الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ، لاَ يَظْلِمُهُ، وَلاَ يَخْذُلُهُ، النهي عن الهجرة ومقاطعة الكلام، وقيل: يجوز أن يكون مشتقاً من الهُجر، بضم الهاء، بمعنى: الفحش والإقذاع في الكلام. ٣٠ - ( ... ) - قوله: (ولا تناجشوا) هو نهي عن النجش في البيع، وقد مر بيانه في كتاب البيوع، وحاصله: أنه عرض زيادة في ثمن البيع، لا يقصد شراءه، بل يقصد ترويج المبيع على البائع. وقيل: النجش المراد ههنا هو التنفير، أي: لا يعامله من القول بما ينفره، بل يسكنه. ورجحه المازَرِي على المعنى الأول، وراجع شرح الأبي. (١٠) - باب: تحريم ظلم المسلم وخذله واحتقاره ودمه وعرضه وماله ٣٢ - (٢٥٦٤) - قوله: (عن أبي هريرة) هو نفس الحديث الذي سبق تخريجه في الباب الماضي، غير أن فيه بعض الزيادة، وأخرجه الترمذي أيضاً وأحمد في مسنده (٢: ٢٧٧ و ٣٦٠). قوله: (لا يخذله) أي: لا يترك نصره ومعونته إذا احتاج إليه في الحق. قاله القاضي ٢٨٠ الجزء الخامس من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم وَلاَ يَحْقِرُهُ. التَّقْوَىْ هُهُنَا)) وَيُشِيرُ إِلَى صَدْرِهِ ثَلاَثَ مَرَّاتٍ: ((بِحَسْبٍ امْرِئٍ مِنَ الشَّرْ أَنْ يَحْقِرَ أَخَاهُ الْمُسْلِمَ. كُلُّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ حَرَامٌ. دَمُهُ وَمَالُهُ وَعِرْضُهُ)). ٦٤٨٨ _ (٣٣) حدّثني أَبُو الطَّاهِرِ، أَحْمَدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ سَرْحٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، عَنْ أُسَامَةً، (وَهُوَ ابْنُ زَيْدٍ)؛ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا سَعِيدٍ، مَوْلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنٍّ عَامِرٍ بْنِ كُرَيْزِ يَقُولُ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ بِهِ فَذَكَرَ نَحْوَ حَدِيثٍ دَاوُدَ، وَزَادَ، وَنَقَصَ، وَمِمَّا عياض. وقال النووي: ((معناه إذا استعان به في دفع ظالم ونحوه لزمه إعانته إذا أمكنه ولم يكن له عذر شرعيّ)) ويؤيده: ما وقع في حديث ابن عمر عند البخاري في المظالم (٢٤٤٢): ((لا يظلمه ولا يُسلِمِه)) ويقال: أسلم فلان فلاناً إذا ألقاه إلى الهلكة، ولم يحمه من عدوه. قال الحافظ في الفتح (٥: ٩٧): ((أي: لا يتركه مع من يؤذيه، ولا فيما يؤذيه، بل ينصره ويدفع عنه، وهذا أخص من ترك الظلم. وقد يكون واجباً، وقد يكون مندوباً بحسب اختلاف الأحوال. وزاد الطبراني من طريق أخرى عن سالم: ((ولا يسلمه في مصيبة نزلت به)) ولعل وجوب النصرة إنما يتوجه إذا رأى مسلماً يشارف الهلاك أو يلحقه ضرر شديد، وهو قادر على دفعه بدون مضرة تلحقه. والنصرة في غيره من الأحوال مندوبة - والله أعلم - . قوله: (ولا يحقره) بكسر القاف، أي: لا يحتقره، فلا ينكر على أحواله الخارجة عن اختياره، كالدمامة وقلة المال ودناءة النسب، ولا يستصغر شخصيته ولا يستقلّها. ولو رأى منه منكراً أنكر على فعله، لا على شخصه. ورواه بعضهم: ((لا يخفره)) أي: لا يغدر بعهده، ولا ينقض أمانه. والصواب المعروف هو الأول. قوله: (التقوى ههنا) معناه: على ما فسّره النووي، أن الأعمال الظاهرة لا يحصل بها التقوى، وإنما تحصل بما يقع في القلب من عظمة الله تعالى وخشيته ومراقبته. وقال القرطبي: (التقوى مصدر ((اتّقى))، ((والمتّقى: هو الذي يجعل بينه وبين ما يخافه وقاية تقيه منه ... والمتّقي شرعاً: هو الذي يجعل بينه وبين عذاب الله تعالى وقاية من الطاعة. فإذن أصل التقوى الخوف، والخوف ينشأ عن المعرفة بجلال الله تعالى وعظيم سطوته وعقابه. والخوف والمعرفة محله الصدر، فلذلك أشار إلى صدره)) . وليس مراده، كما زعم بعض جهلة المتصوفة وبعض المتجددين، أن المقصود هو غرس التقوى وخشية الله تعالى في القلب، فمتى حصل ذلك استغنى المرء عن الأعمال الظاهرة، لأنه لو كان ذلك لما احتاج النبيّ وَل ـ وهو أتقى المتقين - أن يباشر الأعمال الظاهرة من الصلاة والصوم والجهاد وغيره. وإنما المقصود أن الأعمال الظاهرة لا تقبل عند الله تعالى إلا إذا كانت صادرة عن الإخلاص وحسن النية وتقوى الله سبحانه، فيجب الاهتمام بالإخلاص كما يجب تعاطي الأعمال الظاهرة.