Indexed OCR Text

Pages 121-140

١٢١
كتاب فضائل الصحابة
كُنْتُ أَسْمَعُ أَنَّهُ لَنْ يَمُوتَ نَبِيِّ حَتَّى يُخَيَّرَ بَيْنَ الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ. قَالَتْ: فَسَمِعْتُ النَّبِيَّ وََّ،
فِي مَرَضِهِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ، وَأَخَذَتْهُ بُخَةٌ، يَقُولُ: ﴿مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيْنَ
وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَآءِ وَالصَّذِينَّ وَحَسُنَ أُوْلَئِكَ رَفِيقًا﴾ [النساء: ٦٩].
قَالَتْ: فَظَنَنْتُهُ خُيِّرَ حِينَئِذٍ.
٦٢٤٦ - (٠٠٠) حدّثناه أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ. حَدَّثَنَا وَكِيعٌ. ح وَحَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ
بْنُ مُعَاذٍ. حَدَّثَنَا أَبِي. قَالاَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ سَعْدٍ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، مِثْلَهُ . .
٦٢٤٧ - (٨٧) حدّثني عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ شُعَيْبٍ بْنِ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ. حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ
جَدِّي. حَدَّثَنِي عُقَيْلُ بْنُ خَالِدٍ. قَالَ: قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: أَخْبَرَنِي سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ
وَعُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ، فِي رِجَالٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْم؛ أَنَّ عَائِشَّةَ، زَوْجَ النَّبِيِّ وَ لِ قَالَتْ: كَانَ
رَسُولُ اللهِ وَهِ يَقُولُ وَهُوَ صَحِيحٌ: ((إِنَّهُ لَمْ يُقْبَّض نَبِيِّ قَطْ، حَتَّى يَرَى مَقْعَدَهُ فِي الْجَنَّةِ، ثُمَّ
يُخَيَّرَ)) قَالَتْ عَائِشَةُ: فَلَمَّا نَزَلَ بِرَسُولِ اللَّهِ وَ، وَرَأْسُهُ عَلَى فَخِذِي، غُشِيَ عَلَيْهِ سَاعَةً ثُمّ
أَفَاقَ، فَأَشْخَصَ بَصَرَهُ إِلَى السَّقْفِ، ثُمَّ قَالَ: ((اللَّهُمَّ الرَّفِيقَ الأَعْلَى)).
قَالَتْ عَائِشَةُ: قُلْتُ: إِذاً لاَ يَخْتَارَنَا .
قَالَتْ عَائِشَةُ: وَعَرَفْتُ الْحَدِيثَ الَّذِي كَانَ يُحَدِّثُنَا بِهِ وَهُوَ صَحِيحٌ فِي قَوْلِهِ: ((إِنَّهُ لَمْ
يُقْبَضْ نَبِيٍّ قَطْ حَتَّى يَرَى مَقْعَدَهُ مِنَ الْجَنَّةِ. ثُمَّ يُخَيَّرَ)).
قَالَتْ عَائِشَةُ: فَكَانَتْ تِلْكَ آخِرُ كَلِمَةٍ تَكَلَّمَ بِهَا رَسُولُ اللَّهِ بِهِ قَوْلَهُ: ((اللَّهُمَّ الرَّفِيقَ
الأغلى».
٦٢٤٨ - (٨٨) حدّثنا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِيُّ. وَحَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ .
كِلَاَهُمَا عَنْ أَبِي نُعَيْمِ. قَالَ عَبْدٌ: حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْم. حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَيْمَنَ. حَدَّثَنِي ابْنُ
قوله: (وأخذته بحة) بضم الياء، شيء يعرض في الحلق فيتغير له الصوت فيغلظ، يقال:
بححت ـ بكسر الحاء - بحاً: إذا كان ذلك فيه خلقة.
قوله: (مع الذين أنعم الله عليهم إلخ) وفي رواية أبي بردة عن أبي موسى عند النسائي،
وصححه ابن حبان: ((فقال: أسأل الله الرفيق الأعلى الأسعد، مع جبريل وميكائيل وإسرافيل»
وظاهره أن الرفيق المكان الذي يحصل فيه المرافقة مع المذكورين.
قوله: (وحسن أولئك رفيقا) قال السهيلي: ونكتة الإتيان بهذه الكلمة بالإفراد الإشارة إلى .
أن أهل الجنة يدخلونها على قلب رجل واحد. كذا في فتح الباري (٨: ١٣٧).

١٢٢
الجزء الخامس من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
أَبِي مُلَيْكَةَ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ عَائِشَةَ. قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ وَرَ، إِذَا خَرَجَ،
أَقْرَعَ بَيْنَ نِسَائِهِ. فَطَارَتِ الْقُرْعَةُ عَلَىْ عَائِشَةَ وَحَفْصَةَ، فَخَرَجَتَا مَعَهُ جَمِيعاً، وَكَانَ
رَسُولُ اللَّهِ وََّ، إِذَا كَانَ بِاللَّيْلِ، سَارَ مَعَ عَائِشَةَ، يَتَحَدَّثُ مَعَهَا. فَقَالَتْ حَفْصَةُ لِعَائِشَةَ:
أَلاَ تَرْكَبِينَ اللَّيْلَةَ بَعِيرِي وَأَرْكَبُ بَعِيرَكِ، فَتَنْظُرِينَ وَأَنْظُرُ؟ قَالَتْ: بَلَى، فَرَكِبَتْ عَائِشَةُ عَلَى
بَعِيرِ حَفْصَةَ، وَرَكِبَتْ حَفْصَةُ عَلَى بَعِيرِ عَائِشَةَ، فَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِ وَه إِلَى جَمَلٍ عَائِشَةَ،
وَعَلَيْهِ حَفْصَةُ، فَسَلَّمَ ثُمَّ سَارَ مَعَهَا، حَتَّى نَزَلُوا، فَافْتَقَدَتْهُ عَائِشَةُ فَغَارَتْ، فَلَمَّا نَزَلُوا جَعَلَتْ
تَجْعَلُ رِجْلَهَا بَيْنَ الإِذْخِرِ وَتَقُولُ: يَا رَبِّ، سَلِّظْ عَلَيَّ عَقْرَباً، أَوْ حَيَّةً تَلْدَغُنِ، رَسُولُكَ وَلاَ
أَسْتَطِيعُ أَنْ أَقُولَ لَهُ شَيْئاً.
٦٢٤٩ - (٨٩) حدّثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ بْنِ قَعْنَبٍ. حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ، (يَعْنِي ابْنَ
٨٨ - (٢٤٤٥) - قوله: (عن عائشة) هذا الحديث أخرجه البخاري في النكاح، باب القرعة
بين النساء إذا أراد سفراً (٥٢١١).
قوله: (إذا خرج أقرع بين نسائه) فيه دليل على أن مدة السفر خارجة عن القسم بين
الزوجات، وللزوج أن يختار من شاء منهن لمرافقته في السفر، ولكن كان رسول الله وَالو يقرع
بين نسائه تأليفاً لقلوبهن. وفيه جواز القرعة في مثل ذلك، ولا تجوز القرعة عند الحنفية لإثبات
الحقوق. وإنما تجوز لتعيين أحد المحتملات المباحة، وقد أشبعنا القول في ذلك في كتاب
الأيمان، باب من أعتق شركاً له في العبد.
قوله: (فتنظرين وأنظر؟) فيه دليل على أنهما كانتا في جهتين مختلفتين، فكانت إحداهما لا
ترى من المناظر ما تراه الأخرى، فاقترحت حفصة علينا تغيير الجهة لتتمتع كل واحدة منهما
بمناظر الجهة الأخرى. ويحتمل أن يكون مرادها أن تجرب كل واحدة منهما بعير الأخرى.
وهذا في الظاهر. وكانت في الأصل تحب أن تتمتع بالتحديث مع رسول الله وَّر كما تمتعت به
عائشة، ولم تتنبه عائشة رؤيا لذلك، فرضيت باقتراح حفصة.
وأما سير رسول الله بِّر مع عائشة بالليل، فلزيادة حبه لها، وقد تقدم أن أحكام القَسْم لا
تتأتى في السفر، وخصوصاً في حالة المسيرة.
قوله: (تجعل رجلها بين الإذخر) وهي نبات معروف، وإنَّما فعلت ذلك تندماً على فعلها،
بأن رضيت بتغيير البعير.
قوله: (رسولك ولا أستطيع أن أقول له شيئاً) تعني: هذا رسولك، ولا أستطيع أن أتحدث
معه، أو المراد أن ما حدث به إنما حدث بفعل يدي، فلا أستطيع أن أقول له وَلّ في ذلك شيئاً،
أما دعاؤها على نفسها بلدغ الحية أو العقرب، فقد حملها على ذلك شدة غيرتها، وقد غلبت
عليها هذه الحالة فجعلتها معذورة في ذلك، وإلا، فإن مثل هذا الدعاء لا يجوز.

١٢٣
كتاب فضائل الصحابة
بِلاَلٍ)، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ. قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ إِلَّهُ
يَقُولُ: ((فَضْلُ عَائِشَةَ عَلَى النِّسَاءِ كَفَضْلِ الثِّيدِ عَلَّى سَائِرِ الطَّعَامِ».
٦٢٥٠ - (٠٠٠) حدّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى وَقُتَيْبَةُ وَابْنُ حُجْرٍ. قَالُوا: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ،
(يَعْنُونَ ابْنَ جَعْفَرٍ). ح وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ. حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ، (يَعْنِي ابْنَ مُحَمَّدٍ)، كِلاَهُمَا عَنْ
عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَنَسٍ، عَنِ النَّبِيِّ بَّهِ. بِمِثْلِهِ. وَلَيْسَ فِي حَدِيثِهِمَا: سَمِعْتُ
رَسُولَ اللَّهِ،وَهُ. وَفِي حَدِيثِ إِسْمَاعِيلَ: أَنَّهُ سَمِعَ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ.
٦٢٥١ - (٩٠) وحدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ. حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحِيمِ بْنُ سُلَيْمَانَ
وَيَعْلَى بْنُ عُبَيْدٍ، عَنْ زَكَرِيَّاءَ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ عَائِشَةَ؛ أَنَّهَا حَدَّثَتْهُ؛ أَنَّ
النَّبِيَّي ◌َِّ قَالَ لَهَا: ((إِنَّ جِبْرِيلَ يَقْرَأْ عَلَيْكِ السَّلاَمَ)) قَالَتْ: فَقُلْتُ: وَعَلَيْهِ السَّلاَمُ وَرَحْمَةُ اللَّهِ.
٨٩ - (٢٤٤٦) - قوله: (عن أنس بن مالك) هذا الحديث أخرجه البخاري في فضائل
الصحابة، باب فضل عائشة فيها (٣٧٧٠)، وفي الأطعمة، باب الثريد (٥٤١٩)، وباب ذكر
الطعام (٥٤٢٨)، وأخرجه الترمذي في المناقب، باب مناقب عائشة رضيعينًا (٣٨٨١)، وابن ماجه
في الأطعمة، باب فضل الثريد على الطعام (٣٣٢٤).
قوله: (فضل عائشة على النساء) تقدم الكلام عليه في باب فضل خديجة غيّا .
٩٠ - (٢٤٤٧) - قوله: (عن عائشة) هذا الحديث أخرجه البخاري في فضائل الصحابة،
باب فضل عائشة رفيقًا (٣٧٦٨)، وفي بدء الخلق، باب ذكر الملائكة (٣٢١٧)، وفي الأدب،
باب من دعا صاحبه فنقص من اسمه حرفاً (٦٢٠١)، وفي الاستئذان، باب تسليم الرجال على
النساء والنساء على الرجال (٦٢٤٩)، وباب إذا قال: فلان يقرئك السلام (٥٢٣٢)، وأخرجه أبو
داود في الأدب، باب في الرجل يقول: فلان يقرئك السلام (٥٢٣٢)، والترمذي في المناقب،
باب مناقب عائشة رضيا (٣٨٧٦)، والنسائي في عشرة النساء، باب حب الرجل بعض نسائه أكثر
من بعض (٣٩٥٣).
سلام الرجال على النساء وبالعكس:
قوله: (إن جبريل يقرأ عليك السلام) استدل به البخاري على أن الرجل يجوز له أن يسلم
على امرأة أجنبية، ووجه الاستدلال أن جبريل إنما كان يأتي في صورة رجل، واستدل أيضاً بما
أخرجه عن سهل بن سعد أنهم كانوا يذهبون يوم الجمعة إلى عجوز تصنع لهم طعاماً من سلق
وشعير، فيسلمون عليها. وقد أخرج الترمذي حديث أسماء بنت يزيد وحسنه: ((مرّ علينا النبيّ وَّل
في نسوة فسلم علينا)) وثبت في صحيح مسلم حديث أم هانىء: ((أتيت النبيّ وَّ وهو يغتسل
فسلمت عليه)).

١٢٤
الجزء الخامس من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
٦٢٥٢ - (٠٠٠) حدّثناه إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا الْمُلاَئِيُّ، حَدَّثَنَا زَكَرِيَّاءُ بْنُ أَبِي
زَائِدَةَ. قَالَ: سَمِعْتُ عَامِراً يَقُولُ: حَدَّثَنِي أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، أَنَّ عَائِشَةَ حَدَّثَتْهُ؛
أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَ لِ قَالَ لَهَا: بِمِثْلِ حَدِيثِهِمَا .
٦٢٥٣ - (٠٠٠) وحدّثناه إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا أَسْبَاطُ بْنُ مُحَمَّدٍ، عَنْ
زَكَرِيَّاءَ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، مِثْلَهُ.
٦٢٥٤ - (٩١) حدّثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الدَّارِمِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو الْيَمَانِ، أَخْبَرَنَا
شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، حَدَّثَنِي أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ؛ أَنَّ عَائِشَةَ، زَوْجَ النَّبِيِّ ◌َِ،
قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَلِهِ: ((يَا عَائِشُ، هَذَا جِبْرِيلُ يَقْرَأُ عَلَيْكِ السَّلاَمَ)) قَالَتْ: فَقُلْتُ:
وَعَلَيْهِ السَّلاَمُ وَرَحْمَةُ اللَّهِ.
قَالَتْ: وَهُوَ يَرَىُ مَا لاَ أَرَىُ.
(١٤) - باب: ذكر حديث أم زرع
٦٢٥٥ - (٩٢) حدّثنا عَلِيُّ بْنُ حُجْرِ السَّعْدِيُّ وَأَحْمَدُ بْنُ جَنَابِ. كِلاَهُمَا عَنْ
عِيسَى، (وَاللَّفْظُ لإِبْنِ حُجْرٍ)، حَدَّثَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ. حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ، عَنْ أَخِيهِ،
عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ؛ أَنَّهَا قَالَتْ: جَلَسَ إِحْدَى عَشَرَةَ امْرَأَةً.
وقال ابن بطال عن المهلب: ((سلام الرجال على النساء والنساء على الرجال جائز إذا
أمنت الفتنة)) وفرق المالكية بين الشابة والعجوز سداً للذريعة، ومنع منه ربيعة مطلقاً. وقال
الكوفيون: لا يشرع للنساء ابتداء السلام على الرجال، لأنهن منعن من الأذان والإقامة والجهر
بالقراءة. قالوا: ويستثنى المحرم فيجوز لها السلام على محرمها. وفرق بعضهم بين الجميلة
وغير الجميلة، فيكره السلام على الأولى، ولا يكره على الثانية. ولم أقف بعد على حديث يدل
على منع السلام، ومن كرهه إنما كرهه مخافة الفتنة، فينبغي أن تكون الكراهة مقيدة بخوف
الفتنة، وإلا فظاهر الأحاديث يدل على الجواز، والله سبحانه أعلم.
(١٤) - باب: ذكر حديث أم زرع
٩٢ - (٢٤٤٨) - قوله: (عن عائشة) هذا الحديث أخرجه البخاري في النكاح، باب حسن
المعاشرة مع الأهل (٥١٨٩)، وأخرجه الترمذي في كتاب الشمائل، باب ما جاء في كلام
رسول الله ◌َ في السمر.
قوله: (قالت: جلس إحدى عشرة امرأة) ظاهره أن القصة كلها من كلام عائشة رضيثًا، إلا
قول رسول الله وَ﴿ في آخر الحديث: ((كنت لك كأبي زرع لأم زرع)) وبمثله أخرجه البخاري،

١٢٥
كتاب فضائل الصحابة
فَتَعَاهَدْنَ وَتَعَاقَدْنَ أَنْ لاَ يَكْتُمْنَ مِنْ أَخْبَارِ أَزْوَاجِهِنَّ شَيْئاً .
قَالَتِ الأُولَى: زَوْجِي لَحْمُ جَمَلٍ غَتٌّ. عَلَى رَأْسِ جَبَلٍ وَغْرٍ .
ولكن أخرجه النسائي من طريق عباد بن منصور بما يدل قطعاً على أن القصة كلها مرفوعة،
ولفظه: ((قال لي رسول الله وس *: كنت لك كأبي زرع لأم زرع، قالت عائشة: بأبي وأمي
يا رسول الله! ومن كان أبو زرع؟ قال: اجتمع نساء)» فساق الحديث كله. وقد رواه عدة من
المحدثين مثله مرفوعاً. قال الحافظ في الفتح (٩: ٣٥٧): ((ويقوي رفع جميعه أن التشبيه المتفق
على رفعه يقتضي أن يكون النبيّ وَّير سمع القصة وعرفها فأقرها، فيكون كله مرفوعاً من هذه
الحيثية)» قلت: قد ذكر الحافظ نفسه أن الروايات التي صرحت بكون القصة كلها مرفوعة صحيحة
من جهة الإسناد، وقد تقرر في موضعه أن الرفع زيادة، وهي من الثقة مقبولة، فلا مانع من أن
تكون القصة كلها مرفوعة، والله أعلم.
ثم قد وقع عند النسائي سبب لهذا الحديث، قالت عائشة: ((فخرت بمال أبي في الجاهلية
وكان ألف ألف أوقية - وفيه - فقال النبيّ وَّر: اسكتي يا عائشة، فإني كنت لك كأبي زرع لأم
زرع)).
وأما تذكير فعل (جلس) مع أن القياس أن يكون مؤنثاً لكونه مسنداً إلى المؤنث الحقيقي
بلا فاصل، فوجهه أنه على حد قولهم (قال فلانة) كما حكاه سيبويه عن بعض العرب استغناء
بظهور تأنيثه عن علامته، وقيل: إنه روعي فيه معنى الجمع لا الجماعة. كذا في جمع الوسائل
لعلي القاري (٢: ٤٨).
وقد ذكر الزبير بن بكار أن هذه النسوة كن باليمن، وخرج أزواجهن، فتذاکرن فیما بینهن،
ووقع في بعض الروايات أنهن من مكة، وفي بعضها أنهن من خثعم، وقد وقعت تسميتهنَّ في
بعض الروايات بما لا يوثق به، وقد ذكره الخطيب في المبهمات وحكى عنه النووي.
قوله: (زوجي لحم جمل غث) الغث: المهزول الذي يستغثّ من هزاله، أي: يستترك
ويستكره، مأخوذ من قولهم: غثّ الجرح غثاً وغشيئاً: إذا سال منه القيح واستغثه صاحبه.
و(غث) يجوز فيه الرفع على أنه صفة لقوله: (لحم) ويجوز فيه الخفض على كونه صفة لجمل،
وهذا الثاني أشهر في الرواية.
وإن لحم الجمل من أخبث اللحوم، خصوصاً إذا كان هزيلاً، فهو تشبيه بليغ في كون
زوجها غير منتفع به .
قوله: (على رأس جبل وعر) الوعر: كثير الضجر شديد الغلظة يصعب الرقيّ إليه. والطريق
الوعر: الذي يصعب فيه المشي. ووقع في رواية الزبير بن بكار: (وعث) وهو أوفق بالسجع،
ومعناه بمثل بمعنى الأول.

١٢٦
الجزء الخامس من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
لاَ سَهْلٌ فَيُرْتَقَى. وَلاَ سَمِينٌ فَيُنْتَقَلَ.
قَالَتِ الثَّانِيَةُ: زَوْجِي لاَ أَبُثُّ خَبَرَهُ. إِنِّي أَخَافُ أَنْ لاَ أَذَرَهُ. إِنْ أَذْكُرْهُ أَذْكُرْ عُجَرَهُ
وَبُجَرَهُ.
قوله: (لا سهل) يجوز فيه الجر، على أنه صفة لجبل، ويجوز الرفع على أنه خبر مبتدأ
محذوف، أي: (لا هو سهل). والسهل ضد الوعر.
قوله: (فيرتقى) بضم الياء بالبناء للمجهول تعني: إن كان الجبل سهلاً، قد يميل الإنسان
إلى ارتقائه، وإن كان الشيء المودع فيه تافهاً ولكنه ليس بسهل، لا يرغب فيه الرجل، ويرتقي
إليه لحصوله.
قوله: (ولا سمين فينتقل) أي: فينتقل من الجبل الوعر، وفي رواية: (فينتقي) أي:
فيستخرج نقيه، أي: مخه. وحاصل قولها أن زوجها قليل النفع، صعب الحصول، فإن كان قليل
النفع سهل الحصول، احتمل أن يرغب فيه الإنسان لسهولة الحصول عليه، وإن كان كثير النفع
صعب الحصول، أمكن أن يتحمل المرء مشقة الحصول عليه لكثرة نفعه، ولكنه عديم الوصفين.
وقال الخطابي: إن تشبيهها بالجبل الوعر إشارة إلى سوء خلقه، وأنه يترفع ويتكبر ويسمو بنفسه
فوق موضعها، فيجمع البخل وسوء الخلق.
قوله: (لا أبث خبره) أي: لا أريد أن أنشر أخباره، وفي رواية: (أنّ): بالنون، ومعناه:
إشاعة الخبر السوء.
قوله: (إني أخاف أن لا أذره) أي: أخاف أن لا أترك من خبره شيئاً، فالضمير للخبر،
تعني أنه لطوله وكثرته إن بدأته لم أقدر على تكميله. وقال بعضهم: إن الضمير في قولها (لا
أذره) للزوج، والمعنى أني أخاف إن ذكرت معايبه أنه سيطلقني وأضطرّ إلى أن أتركه، مع أني لا
أقدر على ذلك لعلاقتي به وأولادي منه. وقيل: إن (لا) زائدة، والمعنى أني أخاف أن أذره،
أي: أتركه لتطليقه إياي.
قوله: (أذكر عُجَره وبُجَره) قال ابن الأعرابي: العجرة نفخة في الظهر، والبجرة نفخة في
السرة. وقال ابن أبي أويس: العجر: العقد التي تكون في البطن واللسان، والبجر: العيوب.
وقال النووي: ((وأصل العجر أن يتعقد العصب أو العروق حتى تراها ناتئة من الجسد. والبجر
نحوها إلا أنها في البطن خاصة، واحدتها بجرة)) وهذا أصلهما، ثم استعملا في الهموم
والأحزان، ومنه قول علي يوم الجمل: ((أشكو إلى الله عجري وبجري)) وقال الأصمعي:
استعملا في المعايب، وقال أبو عبيد وابن السكيت: استعملا فيما يكتمه المرء ويخفيه عن
غيره، وبه جزم المبرد. قال الخطابي: أرادت عيوبه الظاهرة وأسراره الكامنة.
وبالجملة، فإنها أشارت إلى عيوب زوجها وفاء بما التزمت مع صواحبها، ولكنها سكتت
عن تفصيل ذلك للمعنى الذي اعتذرت به.

١٢٧
كتاب فضائل الصحابة
قَالَتِ الثَّالِثَةُ: زَوْجِي الْعَشَنَّقُ. إِنْ أَنْطِقْ أُطَلَّقْ. وَإِنْ أَسْكُتْ أُعَلَّقْ.
قَالَتِ الرَّابِعَةُ: زَوْجِي كَلَيْلٍ ◌ِهَامَةً. لاَ حَرٍّ وَلاَ قُرٍّ .
قوله: (زوجي العشّق) فسره الأكثرون بالمفرط في الطول الذي يستكره طوله، والمراد أنه
ليس فيه وصف يذكر إلا أنه طويل لا نفع في طوله. وفسره بعضهم بالمقدام الجريء، وقال أبو
سعيد الضرير: إنّ العشنق الطويل النجيب الذي يملك أمر نفسه، ولا تحكم النساء فيه، بل
يحكم فيهن بما شاء، فزوجته تهابه أن تنطق بحضرته، فهي تسكت على مضض.
قوله: (إن أنطق أطلق، وإن أسكت أعلق) قال الحافظ في الفتح (٩: ٢٦١): ((إنها أرادت
وصف سوء حالها عنده، فأشارت إلى سوء خلقه وعدم احتماله لکلامها إن شکت له حالها،
وأنها تعلم أنها متى ذكرت له شيئاً من ذلك بادر إلى طلاقها، وهي لا تؤثر تطليقه لمحبتها فيه،
ثم عبرَّت بالجملة الثانية إشارة إلى أنها إن سكتت صابرة على تلك الحال كانت عنده كالمعلقة
التي لا ذات زوج ولا أيم)) وهذا أولى ما فسر به كلامها، وفي غيره من التفسيرات نظر
واعتراض.
قوله: (زوجي كليل تهامة) بكسر التاء، قال علي القاري: ((هي مكة وما حولها من
الأغوار. وقيل: كل ما نزل عن نجد من بلاد الحجاز، وأما المدينة، فلا تهامية ولا نجدية،
لأنها فوق الغور دون النجد)) وقال الحموي في معجم البلدان (٥: ٦٣): ((قال أبو المنذر: تهامة
تساير البحر، منها مكة، قال: والحجاز ما حجز بين تهامة والعروض. وقال الأصمعي: إذا
خلفت عمان مصعداً، فقد أنجدت، فلا تزال منجداً حتى تنزل في ثنايا ذات عرق، فإذا فعلت
ذلك فقد أتهمت إلى البحر. وإذا عرضت لك الحرار وأنت منجد فتلك الحجاز، وإذا تصويت
من ثنايا العرج واستقبلك الأراك والمرخ فقد أتهمت، وإنما سمي الحجاز حجازاً لأنه حجز بين
تهامة ونجد .... وسميت تهامة لشدة حرها وركود ريحها، وهو من التهم، وهو شدة الحر
وركود الريح. يقال: تهم الحر: إذا اشتد، ويقال: سميت بذلك لتغير هوائها، يقال: تهم
الدهن: إذا تغير ريحه. وحكى الزيادي عن الأصمعي قال: التهمة: الأرض المتصوبة إلى
البحر)).
وقال الحافظ في الفتح: «قد ضربوا المثل بليل تهامة في الطيب، لأنها بلاد حارة في
غالب الزمان، وليس فيها رياح باردة، فإذا كان الليل كان وهج الحر ساكناً، فيطيب الليل لأهلها
بالنسبة لما كانوا فيه من أذى حر النهار، فوصفت زوجها بجميل العشرة واعتدال الحال وسلامة
الباطن)).
قوله: (لا حر ولا قر) يجوز فيه الفتح بغير تنوين مبنية على الفتح، كما في قوله تعالى:
﴿فَلَا رَفَّثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِى الْحَيْ﴾ [سورة البقرة، آية ١٩٧] ويجوز الرفع مع التنوين، كما في
قوله تعالى: ﴿لَّا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خُلَّةٌ وَلَا شَفَعَةٌ﴾ [سورة البقرة، آية ٢٥٤] ووقعت الرواية بكلا الطريقين.

١٢٨
الجزء الخامس من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
وَلاَ مَخَافَةً وَلاَ سَآَمَةً.
قَالَتِ الْخَامِسَةُ: زَوْجِي إِنْ دَخَلَ فَهِدَ. وَإِنْ خَرَجَ أَسِدَ. وَلاَ يَسْأَلُ عَمَّا عَهِدَ.
قَالَتِ السَّادِسَةُ: زَوْجِي إِنْ أَكَلَ لَفَّ. وَإِنْ شَرِبَ اشْتَفَّ.
والقَرُّ: بفتح القاف وبضمها، بمعنى البرد الشديد، وفتح القاف لههنا أنسب لحسن
الازدواج. والمراد: أن ليل تهامة معتدل بين الحر والبرد، وكذلك زوجي معتدل في أحواله
وخلقه .
قوله: (ولا مخافة ولا سآمة) أما نفي المخافة، فلكون تهامة محصونة بالجبال، وأما نفي
السآمة، فلكون ليلها لذيذ الطقس، فكأنها وصفت زوجها بأنه لا أذى عنده ولا مكروه، وأنا آمنة
منه فلا أخاف من شره، ولا ملل عنده فأسأم من عشرته، فأنا لذيذة العيش معه كلذة أهل تهامة
بليلهم المعتدل.
قوله: (إن دخل فهد) بكسر الهاء، أي: صار كالفهد، شبهت زوجها بالفهد في لينه
وغفلته، لأن الفهد كثير النوم، فالمراد أنه حينما يدخل البيت ينام غافلاً عما جرى في البيت،
وآمن من تفحصه لأحوال البيت، فمدحته بكونه قد ترك البيت وما فيه بيد زوجته تفعل ما تريد.
وقال ابن أبي أويس: معناه إن دخل البيت وثب عليّ وثوب الفهد، فعلى هذا يحتمل قولها
المدح والذم. أما المدح، فكأنها تشير إلى كثرة جماعه لها إذا دخل، فينطوي تحت ذلك
تمدحها بأنها محبوبة لديه بحيث لا يصبر عنها إذا رآها. وأما الذم، فأما من جهة أنه غليظ الطبع
ليست عنده مداعبة ولا ملاعبة قبل الوقاع، بل يثب وثوباً كالوحش، أو من جهة أنه سيء الخلق
يبطش بها ويضربها .
قوله: (وإن خرج أسد) بكسر السين، أي: صار كالأسد في الجرأة والإقدام على أعدائه،
وفي مهابته في عشيرته .
قوله: (ولا يسأل عما عهد) بكسر الهاء، يقال: عهد بالشيء: أي: عرفه قديماً، والمراد
أنه لا يسأل عن أحوال البيت وما فيه. وهذا يحتمل المدح والذم أيضاً. فالمدح بمعنى أنه شديد
الكرم كثير التغاضي، لا يتفقد ما ذهب من ماله، ولا يلتفت إلى ما يرى في البيت من المغايب،
بل يسامح ويغضي. ويحتمل الذم بمعنى أنه غير مبال بحالها، حتى لو عرف أنها مريضة أو
معوزة، وغاب ثم جاء، لا يسأل عن شيء من ذلك ولا يتفقد أحوال أهله وبيته. ولكن احتمال
المدح هنا أولى.
قوله: (إن أكل لفّ، وإن شرب اشتف) والمراد من اللف الإكثار من الطعام واستقصاؤه
حتى لا يترك منه شيئاً. وقال أبو عبيد: الإكثار مع التخليط، فأرادت أنه يخلط صنوف الطعام من
نهمته وشرهه، ثم لا يبقى منه شيئاً. ووقع في بعض الروايات: (اقتف) بدل قولها (لفّ).

١٢٩
كتاب فضائل الصحابة
وَإِنْ اضْطَجَعَ الْتَفَّ. وَلاَ يُولِجُ الْكَفَّ. لِيَعْلَمَ الْبَثَّ.
قَالَتِ السَّابِعَةُ: زَوْجِي غَيَايَاءُ أَوْ عَيَايَاءُ طَبَاقَاءُ. كُلُّ دَاءٍ لَهُ دَاءٌ.
والاقتفاف: التجميع. وأما الاشتفاف في الشرب، فهو استقصاء ما في الإناء. مأخوذ من
الشفافة بالضم، وهي البقية تبقى في الإناء، فإذا شربها الشارب، قيل: اشتفّ الإناء، أي: لم
يدع فيه شفافة .
قوله: (وإن اضطجع التفّ) أي: رقد ناحية وتلفف بكسائه وحده وانقبض عن أهله
إعراضاً.
قوله: (ولا يولج الكفّ ليعلم البثّ) البث: الحزن أو الشكوى والمرض. والمراد أنه لا
يمد يديه إليّ ليتفقد حالي من المرض ونحوه. وقيل: المراد أنه لا يباشرها، فإيلاج الكف كناية
عن المقاربة.
قوله: (زوجي عياياء أو غياياء) شك من الراوي، وهو عيسى بن يونس، كما في عمدة
القاري (٩: ٤٦٨). وقد صرح به أبو يعلى في روايته عن أحمد بن خباب عنه، كما في فتح
الباري (٩: ٢٦٣)، وقال الكرماني: هو تنويع من الزوجة القائلة، والأكثرون لم يشكوا،
وروايتهم بالعين المهملة.
فأما العياياء، فهو صفة من العي، وهو الذي عيّ بالأمر والمنطق، وجمع عياياء: إذا لم
يهتد الضراب. وحكى النووي عن بعض العلماء أنه العنين الذي تعييه مباضعة النساء ويعجز
عنها .
وأما الغياياء؛ فحكى النووي عن القاضي عياض أنه مأخوذ من الغياية، وهي الظلمة، وكل
ما أظل الشخص، ومعناه: لا يهتدي إلى مسلك، أو أنها وصفته بثقل الروح، وأنه كالظل
المتكاثف المظلم الذي لا إشراق فيه، أو أنها أرادت أنه غطيت عليه أموره، أو يكون غياياء من
الغيّ، وهو الانهماك في الشر، أو من الغي الذي هو الخيبة. قال الله تعالى: ﴿فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ
غَيًّا﴾ [سورة مريم، آية ٥٩].
قوله: (طباقاء) قال ابن الأعرابي: الطباقاء: المطبق عليه حمقاً. وقال ابن دريد: الذي
تنطبق عليه أموره. وعن الجاحظ أنه الثقيل الصدر عند الجماع، ينطبق صدره على صدر المرأة
فيرتفع سفله عنها. وقد ذمت امرأة امرأ القيس فقالت له: ثقيل الصدر، خفيف العجز، سريع
الإراقة بطيئي الإفاقة.
وقال عياض: ولا منافاة بين وصفها له بالعجز عند الجماع وبين وصفها بثقل الصدر فيه،
لاحتمال تنزيله على حالتين كل منهما مذموم.
قوله: (كل داء له داء) أي: كل شيء تفرق في الناس من المغايب موجود فيه.

١٣٠
الجزء الخامس من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
شَجَّكِ أَوْ فَلَّكِ. أَوْ جَمَعَ كُلالَكِ.
قَالَتِ الثَّامِنَةُ: زَوْجِي، الرِّيحُ رِيحُ زَرْنَبٍ، وَالْمَسُّ مَسُّ أَرْنَبٍ.
قَالَتِ التَّاسِعَةُ: زَوْجِي رَفِيعُ الْعِمَادِ. طَوِيلُ النِّجَادِ. عَظِيمُ الرَّمَادِ. قَرِيبُ الْبَيْتِ مِنَ
النَّادِي.
قوله: (شجّك أو فلّك) الشج: الجرح في الرأس، والفلّ: الجرح في الجسد. ومعناه على
ما قال النووي: أنها معه بين شج رأس وضرب وكسر عضو أو جمع بينهما، وقيل: المراد بالفل
هنا، الخصومة. ويحتمل أن يكون المراد: نزع منك كل ما عندك، أو كسرك بسلاطة لسانه
وشدة خصومته. وزاد ابن السكيت في روايته: (أو بجّك) والبج: شق القرحة، وقيل: هو
الطعنة .
قوله: (أو جمع كلا لك) أي: جمع بين الشج والفل. ووقع في رواية الزبير بن بكار: ((إن
حدثته سبك، وإن مازحته فلّك، وإلا جمع كلا لك)) قال عياض: وصفته بالحمق والتناهي في
سوء العشرة وجمع النقائص، بأن يعجز عن قضاء وطرها مع الأذى، فإذا حدثته سبها، وإذا
مازحته شجها، وإذا أغضبته كسر عضواً من أعضائها أو شق جلدها، أو أغار على مالها، أو
جمع کل ذلك.
قوله: (الريح ريح زرنب) إلخ الزرنب نبت طيب الريح. وقيل: هو شجرة عظيمة بالشام
بجبل لبنان لا تثمر، لها ورق بين الخضرة والصفرة. وقيل: هو الزعفران، وليس بشيء.
والأرنب: حيوان معروف لين المس ناعم الوبر جداً. واللام في الريح والمس نائبة عن الضمير،
تعني: ريحه ومسحه. ويحتمل أن تكون كنَّتْ بذلك عن حسن خلقه ولين عريكته بأنه طيب العرق
لكثرة نظافته واستعماله الطيب ويحتمل أن تكون كَنَّتْ بذلك عن طيب حديثه أو طيب الثناء عليه
لجميل معاشرته.
وزاد الزبير بن بكار في روايته، ((وأنا أغلبه والناس يغلب)) تعني: غلبته بمحبتي له وبمحبته
لي، ولكنه يغلب الناس الآخرين بشجاعته، فوصفته بكثرة محبته لها وبالشجاعة، وبالكرم، لما
قيل في النساء: ((يغلبن الكرام ويغلبهن اللئلام)).
قوله: (رفيع العماد طويل النجاد) إلخ تعني: عماد بيته رفيع لارتفاع بيته، وارتفاع باب
البيت يدل على شرف أهله وكرامتهم، أو على طول قامتهم، وكانت العرب تتمادح بالطول وتذم
القصر. وأما النجاد، بكسر النون، فهو حمائل السيف، وطوله يدل على طول قامة صاحبه.
وقولها: (عظيم الرماد) كناية عن جوده وسخائه. لأن السبب في كثرة الرماد هو كثرة إيقاد النار
لطبخ الطعام، ولا يحتاج إلى ذلك إلا من يكثر عنده الضيوف.
قوله: (قريب البيت من النادي) النادي والناد والندى والمنتدى: مجلس القوم. وصفته

١٣١
كتاب فضائل الصحابة
قَالَتِ العَاشِرَةُ: زَوْجِي مَالِكٌ. وَمَا مَالِكٌ؟ مَالِكٌ خَيْرٌ مِنْ ذُلِكِ. لَهُ إِلٌ كَثِيرَاتُ
الْمَبَارِكِ. قَلِيَلاَتُ الْمَسَارِحِ. إِذَا سَمِعْنَ صَوْتَ الْمِزْهَرِ أَيْقَنَّ أَنَّهُنَّ هَوَالِكُ.
قَالَتِ الْحَادِيَةُ عَشْرَةَ: زَوْجِي أَبُو زَرْعٍ. فَمَا أَبُو زَرْعٍ؟ أَنَاسَ مِنْ حُلِيٍّ أُذُنَيَّ. وَمَلأَ مِنْ
شَحْمٍ عَضُدَيَّ. وَبَجَّحَنِي فَبَجِحَتْ إِلَيَّ نَفْسِيّ. وَجَدَنِي فِيَ أَهْلِ غُنَيْمَةٍ بِشِقٌ.
بالكرم والسؤدد، لأنه لا يقرب البيت من النادي إلا من هذه صفته، لأن الضيفان يقصدون
النادي. واللئام يبتعدون من النادي.
قوله: (مالك خير من ذلك) إشارة إلى ما ذكرته النسوة الأخر في الثناء على أزواجهن،
فتقول: زوجي خير من زوج كل من أثنت على زوجها منكن. ويحتمل أن يكون (ذلك) إشارة
إلى ما في اعتقاد أحد أو تصور أحد من أوصاف مالك، وتريد أنه فوق ما يعتقد فيه الإنسان أن
يتصوره.
قوله: (له إيل كثيرات المبارك، قليلات المسارح) قال النووي: ((معناه أن له إبلاً كثيراً
فهي باركة بفنائه، لا يوجهها تسرح إلا قليلاً قدر الضرورة، ومعظم أوقاتها تكون باركة بفنائه،
فإذا نزل به الضيفان كانت الإبل حاضرة، فيقريهم من ألبانها ولحومها)).
قوله: (إذا سمعن صوت المزهر) بكسر الميم وفتح الهاء، هو العود الذي يضرب به.
والمراد أن من عادة زوجها أنه كلما نزل به الأضياف أتاهم بالعيدان والمعازف، ونحر لهم
الإبل، فكلما سمعت الإبل صوت المزهر، علمن أنه قد حان وقت نحرهن لقرى الأضياف. وقد
ضبط بعضهم (المزهر) بضم الميم وكسر الهاء، وهو موقد النار للأضياف. ومعناه: أن الإبل
كلما سمعت صوت إيقاد النار علمن أنهن هوالك.
قوله: (فما أبوزرع؟) وزاد الطبراني في روايته: ((صاحب نعم وزرع)).
قوله: (أناس من حليّ أذنيّ) (أناس) بفتح الهمزة وتخفيف النون، بمعنى (حرّك). وقال
ابن السكيت: ((أناس: أي: أثقل حتى تدلى واضطرب. والنوس حركة كل شيء متدلّ)) ووقع في
رواية ابن السكيت: ((أذنيّ وفرعيّ)) ومعنى الفرعين اليدان. تعني: أنه حلى أذنيها ومعصميها.
قوله: (وملأ من شحم عضدي) معناه: أسمنني وملأ بدني شحماً، ولم ترد اختصاص
العضدين، لكن إذا سمنت العضدان سمن غيرهما من الأعضاء.
قوله: (وبجحني فبجحت إليّ نفسي) هو بتقديم الجيم على الحاء، وتشديد الجيم في
الأول وبكسرها أو فتحها في الثاني. والتبجيح: التفريح، أي: أنه سرني، فصارت نفسي
مسرورة. وقيل: معناه التعظيم، والمراد أنه عظمني فافتخرت نفسي.
قوله: (وجدني في أهل غنيمة بشق) (غنيمة) بضم الغين تصغير للغنم، والشق إما هو اسم
موضع، أو المراد منه المشقة والجهد. تقول: إن زوجي وجدني في أهل غنم قليل في عيش

١٣٢
الجزء الخامس من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
فَجَعَلَنِي فِي أَهْلِ صَهِيلٍ وَأَطِيطِ، وَدَائِسٍ وَمُنَقٌّ. فَعِنْدَهُ أَقُولُ فَلاَ أُقَبَّحُ. وَأَرْقُدُ فَأَتَصَبَّحُ.
وَأَشْرَبُ فَأَتَقَنَّحُ.
أُمُّ أَبِي زَرْعٍ. فَمَا أُمُ أَبِي زَرْعِ؟ عُكُومُهَا رَدَاحٌ. وَبَيْتُهَا فَسَاحٌ.
ضيق. وإن العرب لا تعتد بأهل الغنم وإنما يعتدون بأصحاب الخيل والإبل. ومرادها أن أهلي
كانوا مقلين في المال والثروة.
قوله: (فجعلني في أهل صهيل وأطيط ودائس ومنقٌ) الصهيل: صوت الخيل، والأطيط:
أصوات الإبل وحنينها، والدائس: هو الذي يدوس الزرع في بيدره، والمنقي، اسم فاعل من
التنقية وهو الذي ينقي الطعام، أي: يخرجه من قشوره. والمراد أن أسرة زوجي كانت غنية كثيرة
الخيل والإبل يسمع عندهم أصوات الخيل والإبل، ويوجد عندهم الزروع والثمار موفورة. وقد
ضبط بعضهم (مُنِق) بكسر النون، على أنه اسم فاعل من الإنفاق، يقال: أنقّ، إذا صار ذا نقيق،
وهو أصوات المواشي. والأكثرون على الأول.
قوله: (أقول فلا أقبح) تعني: لا أحد يعيب على ما أقول، وقولها: (أرقد فأتصبّح) معناه
أنها تنام بعد الصباح لأنها مكفيّة بمن يخدمها فتنام.
قوله: (وأشرب فأتقنح) كذا وقع في الصحيحين بالنون، ووقع عند غيرهما (أتقمح) بالميم
بدل النون. وهو الأظهر من حيث اللغة، فإن التقمح هو الشرب حتى لا يحب المرأ الشرب فوق
ذلك. ومنه قمح البعير: إذا رفع رأسه من الماء بعد الري. وأما التقنح بالنون، فمنهم من لم
يعرف معناه، ومنهم من فسره بالشرب بعد الري، ومنهم من فسره بالشرب على مهل، ومنهم من
ذكر أنه مرادف للتقمح. والحاصل أنها ذكرت أنها تشرب من الماء أو اللبن أو المشروبات
الأخرى حتى تروى منها، وإنما ذكرته لأن الماء كان عزيزاً في العرب، فوفور الماء دليل على
كونها ذات رفاهية وترف.
قوله: (أم أبي زرع فما أم أبي زرع؟) أعقبت مدح زوجها بالثناء على أمه وابنه وابنته، لأنه
من تمام الثناء عليه .
قوله: (عكومها رداح) العكوم، بضم العين: الأعدال والأوعية التي فيها الطعام والأمتعة.
واحدها عكم بكسر العين. وقيل: هي نمط تجعل المرأة فيها ذخيرتها، حكاه الزمخشري في
الفائق. و(رداح) بكسر الراء وبفتحها: بمعنى العظيم الكبير، والمراد أن أوعيتها كبيرة متسعة،
ولا يكون ذلك إلا لمن كثر متاعه، فهو كناية عن كثرة مالها. و(رداح) مفردة، وإنما وصفت بها
العكوم وهي الجمع لأنها أرادت أن كل عكم لها فهو رداح، ويحتمل أن يكون (رداح) مصدراً
كالذهاب، وأطلق المصدر على العكوم على سبيل المبالغة.
قوله: (وبيتها فساح) هو بمعنى الفسيح، ووسعة البيت دالة أيضاً على رغد عيشها
وتنعمها .

١٣٣
كتاب فضائل الصحابة
ابْنُ أَبِي زَرْعٍ. فَمَا ابْنُ أَبِي زَرْعٍ؟ مَضْجَعُهُ كَمَسَلٌ شَطْبَةٍ. وَيُشْبِعُهُ ذِرَاعُ الْجَفْرَةِ.
بِنْتُ أَبِي زَرْعٍ. فَمَا بِنْتُ أَبِي زَرْعِ؟ ◌َوْعُ أَبِهَا وَطَوْعُ أُمِّهَا. وَمِلْءُ كِسَائِهَا
......
قوله: (مضجعه كمسلّ شطبة) قال أبو عبيد: أصل الشطبة ما شطب من الجريد وهو
سعفه، فيشق منه قضبان رقاق تنسج منه الحصر. وقال ابن السكيت: الشطبة من سدي الحصير.
وأما المسل، بفتح الميم والسين وتشديد اللام، فهو اسم مكان من السلول، تعني: أن مضجعه
كموضع سُل عنه الشطبة، فيبقى مكانه فارغاً، وهو كناية عن خفة جسمه، أي: أنه يضطجع في
مثل هذا المكان القليل لخفة بدنه، وقال ابن الأعرابي: أرادت بمسل الشطبة سيفاً سُل من
غمده، فمضجعه الذي ينام فيه في الصغر كقدر مسل شطبة واحدة. وقال أبو سعيد الضرير:
شبهته بسيف مسلول ذي شطب، وسيوف اليمن كلها ذات شطب. وقد شبهت العرب الرجال
بالسيوف إما لخشونة الجانب وشدة المهابة، وإما لجمال الرونق وكمال اللألأ، وإما لكمال
صورتها في اعتدالها واستوائها. وعلى هذا التفسير يكون (المسلّ) مصدراً ميمياً بمعنى المفعول،
أي: الشطبة المسلولة، والشطبة أريد بها السيف، والله أعلم.
قوله: (ويشبعه ذراع الجفرة) بفتح الجيم وسكون الفاء، أنثى ولد المعز. وقيل: الضأن إذا
بلغت أربعة أشهر وفصلت عن أمها، والذكر جفر. وذراع الجفرة قدر قليل من اللحم، فأرادت
أنه ليس بكثير الأكل بل يقتنع بالقدر القليل. وزاد ابن الأنباري في روايته: ((وترويه فيقة البعرة،
ويميس في حلق النترة)). واليعرة: العناق، والفيقة والفُواق، ما يجتمع في الضرع بين الحلبتين،
وقولها: (يميس) أي: يتبختر، والنترة: الدرع اللطيفة أو القصيرة. تعني: أنه يُروى بالقدر القليل
من لبن العناق، ويختال عند الحرب وهو لابس درعاً لطيفة. والحاصل أنها وصفته بهيف القدّ،
وأنه ليس ببطين ولا جاف، قليل الأكل والشرب، ملازم لآلة الحرب يختال في موضع القتال،
وكل ذلك مما تتمادح به العرب.
قال الحافظ في الفتح (٩: ٢٧٠): ((ويظهر لي أنها وصفته بأنه خفيف الوطأة عليها، لأن
زوج الأب غالباً تستثقل ولده من غيرها، فكان هذا يخفف عنها، فإذا دخل بيتها فاتفق أنه قال
فيه مثلاً، لم يضطجع إلا قدر ما يسلّ السيف من غمده، ثم يستيقظ مبالغة في التخفيف عنها))،
وكذا قولها: (يشبعه ذراع الجفرة) أنه لا يحتاج ما عندها بالأكل فضلاً عن الأخذ.
قوله: (طوع أبيها وطوع أمها) أي: أنها بارّة بهما. وزاد في رواية الزبير بن بكار: ((وزين
أهلها ونسائها)) أي: يتجملون بها، وفي رواية للنسائي: ((زين أمها وزين أبيها)) وفي رواية
للطبراني: ((وقرة عين لأمها وأبيها، وزين لأهلها)).
قوله: (وملأ كساءها) أي: أنها تملأ كساءها لضخامتها وسمنها وامتلاء جسمها وكثرة
لحمها وشحمها، وهو مطلوب في النساء عند العرب، أو هو كناية عن المبالغة في خبائها بحيث

١٣٤
الجزء الخامس من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
وَغَيُْ جَارَتِهَا .
جَارِيَةُ أَبِي زَرْعٍ. فَمَا جَارِيَةُ أَبِي زَرْعٍ؟ لاَ تَبْثُّ حَدِيثَنَا تَبْثِيْئاً. وَلاَ تُنَقِّثُ مِيرَتَنَا تَنْقِيثاً.
وَلاَ تَمْلأُ بَيْتَنَا تَعْشِيشاً .
قَالَتْ: خَرَجَ أَبُو زَرْعِ وَالأَوْطَابُ تُمْخَضُ. فَلَقِيَ امْرَأَةً مَعَهَا وَلَدَانٍ لَهَا كَالْفَهْدَيْنِ.
يَلْعَبَانِ مِنْ تَحْتِ خَصْرِهَا بِرُمَّانَتَيْنٍ. فَطَلَّقَنِي وَنَكَحَهَا .
لا يسعها غير ثوبها. وفي الرواية الآتية ((صفر ردائها)) والصفر، بكسر الصاد، هو الخالي. قال
القاضي: والمراد امتلاء منكبيها وقيام نهديها بحيث يرفعان الرداء من أعلى جسدها، فلا يمسه
فيصير خالياً، بخلاف ما في أسفلها من الكساء، فإنه ممتلىء بجسمها .
قوله: (وغيظ جارتها) الجارة: الضرّة، وليس هو تأنيث الجار، والمعنى أنها محسودة
لجارتها لجمالها ولحسن سيرتها .
قوله: (لا تبثّ حديثنا تبثيئاً) أي: لا تنشر أخبارنا في الأجانب، والتبثيث مصدر من غير
بابه أتي به للتأكید.
قوله: (ولا تنقث ميرتنا تنقيئاً) الميرة، بكسر الميم: الطعام، و(لا تنقث) معناه: لا تُخرج
ولا تُذهب، وصفتها بالأمانة في الطعام، وبأنها لا تخرجه من البيت بغير إذننا، والتنقيث مصدر
من غير بابه .
قوله: (ولا تملأ بيتنا تعشيشاً) روي بالعين المهملة، وهو من عشّ الطير، والتعشيش كناية
عن ترك القمامة والكناسة في البيت. والمراد أنها تهتم بتنظيف البيت وإزالة الكناسة منه، ولا
تملؤه بالقمامة كأنها أعشاش الطير. وروي بالغين المعجمة أيضاً، وعليه فهو مأخوذ من الغش،
بمعنى التلبيس والخيانة، وهو كناية عن عفتها .
قوله: (والأوطاب تمخض) الأوطاب جمع وطب، بفتح الواو وسكون الطاء، وهو وعاء
اللبن، والمخض ما يفعل لاستخراج الزبدة من اللبن، وكان يفعل ذلك عادة في الصباح الباكر،
فكأنها ذكرت أن أبا زرع خرج مبكراً، ويحتمل أن يكون مخض الأوطاب كناية عن زمن
الخصب وطيب الربيع، يعني: أنه خرج في زمن الخصب.
وذكر بعضهم أن جمع الوطب على الأوطاب مخالف للقياس، لأن فَعْل إنما يجمع على
فعال، فالجمع الصحيح (وطاب). وردّ بأن الفرد يجمع على الأفراد، وقد ذكر بعض أهل اللغة
أن الرطب جمعه وطاب وأوطاب.
قوله: (يلعبان من تحت خصرها برمانتين) قال أبو عبيد: معناه أنها ذات كفل عظيم، فإذا
استلقت على قفاها نتأ الكفل بها من الأرض حتى تصير تحتها فجوة يجري فيها الرمان. فكأن

١٣٥
كتاب فضائل الصحابة
فَنَكَحْتُ بَعْدَهُ رَجُلاً سَرِيًّا. رَكِبَ شَرِيًّا. وَأَخَذَ خَطِيًّا. وَأَرَاحَ عَلَيَّ نَعَماً ثَرِيًّا. وَأَعْطَانِي مِنْ
كُلِّ رَائِحَةٍ زَوْجاً. قَالَ: كُلِي أُمَّ زَرْعٍ وَمِيرِي أَهْلَكِ، فَلَوْ جَمَعْتُ كُلَّ شَيْءٍ أَعْطَاني مَا بَلَغَ
أَصْغَرَ آنِيَةٍ أَبِي زَرْعٍ.
قَالَتْ عَائِشَةُ: قَالَ لِي رَسُولُ اللّهِ وَلّهِ: ((كُنْتُ لَكِ كَأَبِي زَرْعٍ لأمّ زَرْعٍ)).
٦٢٥٦ - (٠٠٠) وَحَدَّثَنِيهِ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيِّ الْحُلْوَانِيُّ. حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ.
حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، بِهَذَا الإِسْنَادِ. غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: عَيَايَاءُ طَبَاقَاءُ.
الولدين كانا يلعبان برمانتين حقيقتين فيرمي بهما أحدهما من جانب وتخرجان من جانب آخر.
وقال القاضي: قال بعضهم: المراد بالزمانتين هنا ثديا المرأة، ومعناه أن لها نهدين حسنين
صغيرين كالرمانتين. قال القاضي: وهذا أرجح، لا سيما وقد روي (من تحت صدرها) و(من
تحت درعها)، ولأن العادة لم تجر برمي الصبيان الرمان تحت ظهور أمهاتهم، ولا جرت العادة
أيضاً باستلقاء النساء كذلك حتى يشاهده منهن الرجال.
قوله: (فنكحت بعده رجلاً سرياً ركب شرياً) أما السري بالسين المهملة، فالسيد الشريف،
وجمعه سراة. وأما الشري بالشين المعجمة، فهو الفرس الذي يستشري في سيره، أي: يلخّ
ويمضي بلا فتور وانكسار.
قوله: (وأخذ خطياً) بفتح الخاء وكسرها، وهو رمح منسوب إلى الخط، قرية من سيف
البحر، أي: ساحله عند عُمَان والبحرين. قال أبو الفتح: قيل لها الخط لأنها على ساحل
البحر، والساحل يقال له الخط، لأنه فاصل بين الماء والتراب، وسميت الرماح خطية لأنها
تحمل إلى هذا الموضع وتثقف فيه.
قوله: (وأراح عليَّ نعماً ثرياً) أي: أتى بها إلى مراحها بضم الميم، وهو موضع مبيتها .
والنعم: الإبل والبقر والغنم، وذكر بعضهم أن المراد هنا الإبل فقط، والثري: الكثير من المال.
قوله: (وأعطاني من كل رائحة زوجاً) والمراد من الرائحة هنا ما يروح من الإبل والبقر
والغنم والعبيد، تعني: أنه أعطاني اثنين من كل صنف.
قوله: (ميري أهلك) أي: أعطيهم الميرة وصليهم بها .
قوله: (كنت لك كأبي زرع لأم زرع) زاد في رواية الهيثم بن عدي: ((في الألفة والوفاء لا
في الفرقة والجلاء)) وزاد الزبير في آخره: ((إلا أنه طلقها وإني لا أطلقك)) وزاد النسائي في رواية
له والطبراني: ((قالت عائشة: يا رسول الله بل أنت خير من أبي زرع)) وفي أول رواية الزبير:
((بأبي وأمي، لأنت خير لي من أبي زرع لأم زرع)).

١٣٦
الجزء الخامس من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
وَلَمْ يَشُكَّ. وَقَالَ: قَلِيلاَتُ الْمَسَارِحِ. وَقَالَ: وَصِفْرُ رِدَائِهَا. وَخَيْرُ نِسَائِهَا. وَعَقْرُ جَارَتِهَا .
وَقَالَ: وَلاَ تَنْقُثُ مِيرَتَنَا تَنْقِيْئاً. وَقَالَ: وَأَعْطَانِ مِنْ كُلِّ ذَابِحَةٍ زَوْجاً.
(١٥) - باب: فضائل فاطمة، بنت النبيّ، عليها الصلاة والسلام
٦٢٥٧ - (٩٣) حدّثنا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُونُسَ وَقُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ. كِلَهُمَا عَنِ
اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ. قَالَ ابْنُ يُونُسَ: حَدَّثَنَا لَيْثٌ. حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي مُلَيْكَةً
الْقُرَشِيُّ التَّيْمِيُّ؛ أَنَّ الْمِسْوَرَ بْنَ مَخْرَمَةَ حَدَّثَهُ؛ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهَِ عَلَى الْمِنْبَرِ، وَهُوَ
يَقُولُ: ((إِنَّ بَنِي هِشَامِ بْنِ الْمُغِيرَةِ اسْتَأْذَنُونِي أَنْ يُنكِحُوا ابْتَتَهُمْ، عَلِيَّ بْن أَبِي طَالِبٍ.
قوله: (وعقر جارتها) بفتح العين وسكون القاف، أي: تغيّظها فتصير كمعقور، وقيل:
تدهشها وقد ضبطه بعضهم (عبر جارتها) بالباء في محل القاف وبضم العين، والمراد أن جارتها
تعتبر بها في حسنها وعفتها وعقلها. وذكر بعضهم أنه من العَبرة بمعنى البكاء، أي: ترى منها ما
يبكيها حسداً وغزة.
قوله: (ولا تنقث) إلخ روي هذا من باب نقض ومن باب التنقيص، فلعل الرواية الأولى
كانت من باب التفعيل، وهذه الرواية من باب نصر، والله أعلم.
قوله: (من كل ذابحة زوجاً) الذابحة هنا بمعنى الحيوان الذي يجوز ذبحه كالإبل والبقر
والغنم.
(١٥) - باب: فضل فاطمة بنت النبيّ
٩٣ - (٢٤٤٩) - قوله: (أن المِسْوَر بن مَخْرَمَةً حدثه) إلخ هذا الحديث أخرجه البخاري في
الجمعة، باب من قال في الخطبة بعد الثناء: أما بعد (٩٢٦)، وفي الجهاد، باب ما ذكر من درع
النبيّ وَّر (٣١١٠)، وفي فضائل الصحابة، باب أصهار النبيّ وَلّ (٣٧٢٩)، وباب مناقب قرابة
النبيّ وَّو (٣٧١٤)، وباب مناقب فاطمة (٣٧٦٧)، وفي النكاح، باب ذب الرجل عن ابنته في
الغيرة والإنصاف (٥٢٣٠)، وفي الطلاق، باب الشقاق (٥٢٧٨)، وأخرجه أبو داود في النكاح،
باب ما يكره أن يجمع بينهن من النساء (٢٠٦٩ إلى ٢٠٧١)، والترمذي في المناقب، باب مناقب
فاطمة ضمنا (٣٨٦٦).
قوله: (إن بني هشام بن المغيرة استأذنوني) هشام بن المغيرة جد مخطوبة علي، ووالد أبي
جهل، وبنوه أعمام المخطوبة.
قوله: (أن ينكحوا ابنتهم علي بن أبي طالب) هكذا وقع في رواية ابن أبي مليكة أن سبب
الخطبة استئذان بني هشام بن المغيرة، ووقع عند الحاكم من طريق إسماعيل بن أبي خالد عن
أبي حنظلة: ((أن علياً خطب بنت أبي جهل، فقال له أهلها: لا نزوجك على فاطمة)) فكأن ذلك

١٣٧
كتاب فضائل الصحابة
فَلاَ آذَنُ لَهُمْ. ثُمَّ لاَ آذَنُ لَهُمْ. ثُمَّ لاَ آذَنُ لَهُمْ. إِلاَّ أَنْ يُحِبَّ ابْنُ أَبِي طَالِبٍ أَنْ يُطَلِّقَ ابْنَتِي
وَيَنْكِحَ ابْنَهُمْ.
سبب استئذانهم. ووقع في رواية عبيد الله بن أبي زياد عند ابن حبان في صحيحه: ((أن علياً
خطب بنت أبي جهل على فاطمة، فبلغ ذلك فاطمة فقالت: إن الناس يزعمون أنك لا تغضب
لبناتك، وهذا عليٍّ ناكح بنت أبي جهل)) وجاء أيضاً أن علياً ظبه استأذن بنفسه، فأخرج الحاكم
بإسناد صحيح إلى سويد بن غفلة، وهو أحد المخضرمين، قال: ((خطب علي بنت أبي جهل إلى
عمها الحارث بن هشام، فاستشار النبيّ وَ ل فقال: أعن حسبها تسألني؟ فقال: لا ولكن أتأمرني
بها! قال: لا، فاطمة مضغة مني، ولا أحسب إلا أنها تحزن أو تجزع، فقال علي: لا آتي شيئاً
تکرهه».
قال الحافظ في الفتح (٩: ٣٢٨) بعد نقل ما ذكر: ((ولعل هذا الاستئذان وقع بعد خطبة
النبيّ وَّله بما خطب ولم يحضر عليٍّ الخطبة المذكورة فاستشار، فلما قال له: لا، لم يتعرض
بعد ذلك لطلبها، ولهذا جاء آخر حديث شعيب عن الزهري (فترك الخطبة) ووقع عند ابن أبي
داود من طريق معمر عن الزهري عن عروة: (فسكت علي عن ذلك النكاح)).
قوله: (فلا آذن لهم، ثم لا آذن لهم ثم لا آذن لهم) قال الحافظ: ((كرر ذلك تأكيداً، وفيه
إشارة إلى تأبيد مدة منع الإذن، وكأنه أراد رفع المجاز لاحتمال أن يحمل النفي على مدة بعينها،
فقال: ثم لا آذن، أي: ولو مضت المدة المفروضة تقديراً لا آذن بعدها، ثم كذلك أبداً.
قوله: (إلا أن يحب ابن أبي طالب أن يطلق ابنتي وينكح ابنتهم) وفي رواية علي بن
الحسين الآتية: ((وإني لست أحرم حلالاً، ولا أحل حراماً، ولكن والله: لا تجتمع بنت
رسول الله ◌َ* وبنت عدو الله مكاناً واحداً أبداً)).
قال ابن التين: ((أصح ما تحمل عليه هذه القصة أن النبيّ وَّر حرم على عليٍّ أن يجمع بين
ابنته وبين ابنة أبي جهل، لأنه علل بأن ذلك يؤذيه، وأذيته حرام بالاتفاق، ومعنى قوله: (لا
أحرم حلالاً)، أي: هي له حلال لو لم تكن عنده فاطمة)) وقال الحافظ في الفتح (٩: ٣٢٩):
((والذي يظهر لي: أنه لا يبعد أن يعد في خصائص النبيّ وَّر أن لا يتزوج على بناته، ويحتمل أن
يكون ذلك خاصاً بفاطمة عليلا)).
قال العبد الضعيف عفا الله عنه: ما ذكره ابن التين أو الحافظ ابن حجر بعيد بالنظر إلى
سياق كلام رسول الله ﴿. أما أولاً: فلأن قوله وَّر: (لا أحرم حلالاً) يدل بظاهره على أن
التزوج على فاطمة ليس حراماً شرعاً، ولكنه وَله إنما نهى عنه لمصلحة. وأما ثانياً: فلأنه لو كان
التزوج على فاطمة حراماً على الإطلاق، لما احتاج النبيّ وَّ إلى تعليل النهي يكون المخطوبة
بنت أبي جهل، وسيأتي في رواية علي بن الحسين أنه وسلم قال: ((وإني لست أحرم حلالاً، ولا

١٣٨
الجزء الخامس من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
فَإِنَّمَا ابْنَتِي بَضْعَةٌ مِنِّي. يَرِيبُنِي مَا رَابَهَا. وَيُؤْذِينِي مَا آَذَاهَا.
٦٢٥٨ - (٩٤) حدّثني أَبُو مَعْمَرٍ، إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْهُذَلِيُّ. حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ
أحل حراماً، ولكن والله لا تجتمع بنت رسول الله وبنت عدو الله مكاناً واحداً أبداً)) وهذا السياق
كاد أن يكون صريحاً في أن التزوج على فاطمة ليس حراماً في نفسه، ولكن علة المنع إنما هي
كون المخطوبة بنت أبي جهل، وإنها وإن كانت مسلمة عند الخطبة، ولكن لا يخفى أن عداوة
أبيها للإسلام والمسلمين ربما تبدو آثارها في مثل هذه المعاشرة القريبة التي تكون بين الضرتين،
فتكون سبباً لأذى فاطمة رضيَّا، ولأذى رسول الله وَّله. فإنما منعه رسول الله وَل من تزوجها على
فاطمة من هذه الجهة، لا من جهة أن التزوج عليها كان حراماً شرعاً. والله سبحانه أعلم.
قوله: (فإنما ابنتي بضعة مني) بفتح الباء وسكون الضاد، بمعنى القطعة، وقد وقع في رواية
علي بن الحسين الآتية قريباً: ((مضغة مني)).
قوله: (يريبني ما رابها) بفتح الباء وكسر الراء في صيغة المضارع، وهو رواية مسلم، ووقع
في رواية البخاري (يريبني ما أرابها) بضم الياء من باب الإفعال. وذكر الفراء أنهما بمعنى. وقال
إبراهيم الحربي: الريب ما رابك من شيء خفت عقباه. وقال أبو زيد: رابني الأمر: تيقنت منه
الريبة، وأرابني: شكلني وأوهمني.
قوله: (ويؤذيني ما آذاها) ذكر الحافظ في الفتح أن فاطمة هنا كانت أصيبت بأمها، ثم
بأخواتها واحدة بعد واحدة، فلم يبق لها من تستأنس به مممن يخفف عليها الأمر ممن تفضي إليه
سرها إذا حصلت لها الغيرة.
وفيه حجة لمن يقول بسد الذريعة، لأن تزويج ما زاد على الواحدة حلالٌ للرجال ما لم
يجاوز الأربع، ومع ذلك فقد منع من ذلك في الحال، لما يترتب عليه من الضرر في المآل. وفيه
أن الغيراء إذا خشي عليها أن تفتن في دينها، كان لوليها أن يسعى في إزالة ذلك إذا لم يكن
عندها من تتسلى به ويخفف عنها الهم.
ومن هنا يؤخذ جواب من استشكل اختصاص فاطمة بذلك، مع أن الغيرة على النبيّ وَل
أقرب إلى خشية الافتتان في الدين، ومع ذلك فكان والله يستكثر من الزوجات وتوجد منهن
الغيرة، ومع ذلك ما راعى ذلك بّهه في حقهن كما راعاه في حق فاطمة. ومحصل الجواب أن
فاطمة كانت إذ ذاك فاقدة من تركن إليه ممن يؤنسها ويزيل وحشتها من أم أو أخت، بخلاف
أمهات المؤمنين فإن كل واحدة منهن كانت ترجع إلى من يحصل لها معه ذلك وزيادة عليه وهو
زوجهن ◌َ# لما كان عنده من الملاطفة وتطبيب القلوب وجبر الخواطر بحيث أن كل واحدة منهن
ترضى منه لحسن خلقه وجميل خلقه بجميع ما يصدر منه بحيث لو وجد ما يخشى وجوده من
الغيرة لزال عن قرب. هذا ملخص ما في فتح الباري.

١٣٩
كتاب فضائل الصحابة
عَمْرٍو، عَنِ ابْنٍ أَبِي مُلَيْكَةَ، عَنِ الْمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ. قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَلِّ: ((إِنَّمَا
فَاطِمَةُ بَضْعَةٌ مِنِّي. يُؤْذِينِي مَا آَذَاهَا)).
٦٢٥٩ - (٩٥) حدّثني أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ. أَخْبَرَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ. حَدَّثَنَا أَبِي، عَنِ
الْوَلِيدِ بْنِ كَثِيرٍ. حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ حَلْحَلَةَ الدُّؤَلِيُّ؛ أَنَّ ابْنَ شِهَابٍ حَدَّثَهُ؛ أَنَّ
عَلِيَّ بْنَ الْحُسَيْنِ حَدَّثَهُ؛ أَنَّهُمْ حِينَ قَدِمُوا الْمَدِينَةَ، مِنْ عِنْدِ يَزِيدَ بْنِ مُعَاوِيَةً، مَقْتَلَ
الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، لَقِيَّهُ الْمِسْوَرُ بْنُ مَخْرَمَةَ. فَقَالَ لَهُ: هَلْ لَكَ إِلَيَّ مِنْ
حَاجَةٍ تَأْمُرُنِي بِهَا؟ قَالَ: فَقُلْتُ لَهُ: لاَ. قَالَ لَهُ: هَلْ أَنْتَ مُعْطِيَّ سَيْفَ رَسُولِ اللَّهِ بِّ؟
فَإِنِّي أَخَافُ أَنْ يَغْلِبَكَ الْقَوْمُ عَلَيْهِ. وَايْمُ اللَّهِ، لَئِنْ أَعْطَيْتَنِهِ لاَ يُخْلَصُ إِلَيْهِ أَبَداً، حَتَّى تَبْلُغَ
نَفْسِي. إِنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ خَطَبَ بِنْتَ أَبِي جَهْلٍ عَلَى فَاطِمَةَ. فَسَمِعْتُ رَسُولَ اللّهِ وَُّ
٩٥ - ( ... ) - قوله: (هل أنت معطيّ سيف رسول الله وَّير؟) قال الحافظ في جهاد
الفتح (٦: ٢١٤)، ((وأراد المسور بذلك صيانة سيف النبيّ وَ﴿ لئلا يأخذه من لا يعرف قدره،
والذي يظهر: أن المراد بالسيف المذكور ذو الفقار الذي تنفله يوم بدر ورأى فيه الرؤيا يوم أحد»
وفيه جواز التبرك بآثار النبيّ وَّه والاحتفاظ بها، وقد بسطنا الكلام على هذه المسألة في كتاب
الجهاد .
قوله: (لا يخلص إليه أبداً حتى تبلغ نفسي) يعني: أنني سوف أحتفظ بهذا السيف ولا
أسلمه إلى أئمة بني أمية - وهم المراد من قوله: (إني أخاف أن يغلبك القوم عليه) - ولو
اضطررت لحفظه إلى بذل نفسي - وقال الحافظ في نكاح الفتح (٩: ٣٢٧)، ((ولا أزال أتعجب
من المسور كيف بالغ في تعصبه لعلي بن الحسين حتى قال: إنه لو أودع عنده السيف لا يمكن
أحداً منه حتى تزهق روحه، رعاية لكونه ابن ابن فاطمة محتجاً بحديث الباب، ولم يراع خاطره
في أن ظاهر سياق الحديث المذكور غضاضة على علي بن الحسين لما فيه من إيهام غضّ من
جده علي بن أبي طالب، حيث أقدم على خطبة بنت أبي جهل على فاطمة، حتى اقتضى أن يقع
من النبيّ وَّر من الإنكار ما وقع. بل أتعجب من المسور تعجباً آخر أبلغ من ذلك، وهو أن يبذل
نفسه دون السيف رعاية لخاطر ولد ابن فاطمة، وما بذل نفسه دون ابن فاطمة نفسه أعني الحسين
والد علي، الذي وقعت له معه القصة حتى قتل بأيدي ظلمة الولاة. لكن يحتمل أن الحسين لما
خرج إلى العراق، ما كان المسور وغيره من أهل الحجاز يظنون أن أمره يؤول إلى ما آل إليه».
قوله: (إن علي بن أبي طالب خطب إلخ) قال الكرماني: ((مناسبة ذكر المسور لقصة خطبة
بنت أبي جهل عند طلبه للسيف من جهة أن رسول الله ◌َ و كان يحترز عما يوجب وقوع التكدير
بين الأقرباء، أي: فكذلك ينبغي أن تعطيني السيف حتى لا يحصل بينك وبين أقربائك كدورة
بسببه ... أو كما أن رسول الله* يحب رفاهية خاطر فاطمة فيها، فأنا أيضاً أحب رفاهية

١٤٠
الجزء الخامس من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
وَهُوَ يَخْطُبُ النَّاسَ فِي ذُلِكَ، عَلَى مِنْبَرِهِ هَذَا، وَأَنَا يَوْمَئِذٍ مُحْتَلِمٌ، فَقَالَ: ((إِنَّ فَاطِمَةَ مِنِّي.
وَإِنِّي أَتَخَوَّفُ أَنْ تُفْتَنَ فِي دِينِهَا)).
قَالَ: ثُمَّ ذَكَرَ صِهْراً لَهُ مِنْ بَنِي عَبْدٍ شَمْسٍ. فَأَثْنَى عَلَيْهِ فِي مُصَاهَرَتِهِ إِيَّاهُ فَأَحْسَنَ.
قَالَ: ((حَدَّثَنِي فَصَدَقَنِي. وَوَعَدَنِي فَأَوْفَى لِي. وَإِنِّي لَسْتُ أُحَرَّمُ حَلاَلاً وَلاَ أُحِلُّ حَرَاماً.
وَلَكِنْ، وَاللَّهِ لاَ تَجْتَمِعُ بِنْتُ رَسُولِ اللَّهِ وَلَهُ وَبِنْتُ عَدُوَ اللَّهِ مَكَاناً وَاحِداً أَبَدا)).
٦٢٦٠ - (٩٦) حدّثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الدَّارِمِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو الْيَمَانِ. أَخْبَرَنَا
شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ. أَخْبَرَنِي عَلِيُّ بْنُ حُسَيْنٍ؛ أَنَّ الْمِسْوَرَ بْنَ مَخْرَمَةَ أَخْبَرَهُ؛ أَنَّ عَلِيَّ بْنَ
أَبِي طَالِبٍ خَطَبَ بِنْتَ أَبِي جَهْلٍ. وَعِنْدَهُ فَاطِمَةُ بِنْتُ رَسُولِ اللَّهِ وَلِهِ. فَلَمَّا سَمِعَتْ بِذَلِكَ
فَاطِمَةُ أَتَّتِ النَّبِيَّ وَّهِ فَقَالَتْ لَهُ: إِنَّ قَوْمَكَ يَتَحَدَّثُونَ أَنَّكَ لاَ تَغْضَبُ لِبَنَاتِكَ. وَهَذَا عَلِيٍّ،
نَاكِحاً ابْنَةَ أَبِي جَهْلٍ .
قَالَ الْمِسْوَرُ: فَقَامَ النَّبِيُّ بِّهِ فَسَمِعْتُهُ حِينَ تَشَهَّدَ. ثُمَّ قَالَ: ((أَمَّا بَعْدُ. فَإِنِّي أَنْكَحْتُ
أَبَا الْعَاصِ بْنَ الرَّبِيعِ. فَحَدَّثَنِي فَصَدَقَنِي. وَإِنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ مُحَمَّدٍ مُضْغَةٌ مِنِّي. وَإِنَّمَا أَكْرَهُ أَنْ
يِفْتِنُوهَا. وَإِنَّهَا، وَاللَّهِ، لاَ تَجْتَمِعُ بِنْتُ رَسُولَ اللَّهِ وَبِنْتُ عَدُوِّ اللَّهِ عِنْدَ رَجُلٍ وَاحِدٍ أَبَدا)) قَالَ:
فَتَرَكَ عَلِيُّ الْخِطْبَةَ .
٦٢٦١ - (٠٠٠) وَحَدَّثَنِيهِ أَبُو مَعْنِ الرَّقَاشِيُّ. حَدَّثَنَا وَهْبٌ، (يَعْنِي ابْنَ جَرِيرٍ)، عَنْ
أَبِهِ. قَالَ: سَمِعْتُ النُّعْمَانَ، (يَعْنِي ابْنَ رَاشِدٍ)، يُحَدِّثُ عَنِ الزُّهْرِيِّ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، نَحْوَهُ.
٦٢٦٢ - (٩٧) حدّثنا مَنْصُورُ بْنُ أَبِي مُزَاحِم. حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ، (يَعْنِي ابْنَ سَعْدٍ)،
عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ. حِ وَحَدَّثَنِي زُهَّيْرُ بْنُ حَرْبٍ، (وَاللَّفْظُ لَهُ)، حَدَّثَنَا
يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ. حَدَّثَنَا أَبِي، عَنْ أَبِهِ؛ أَنَّ عُرْوَةَ بْنَ الزُّبَيْرِ حَدُّثَهُ؛ أَنَّ عَائِشَةَ حَدَّثَتْهُ؛ أَنَّ
خاطرك، لكونك ابن ابنها، فأعطني السيف حتى أحفظه لك)) وهذا الأخير هو المعتمد، والأول
فيه تكلف ظاهر.
قوله: (ثم ذكر صهراً له من بني عبد شمس) يعني: زوجاً لبنته، والمراد منه أبو العاص بن
الربيع، كما سيأتي، وكان زوجاً لزينب بنت رسول الله وَله.
قوله: (ووعدني فأوفى لي) لعله إشارة إلى أن أبا العاص ابن الربيع لما أسر يوم بدر،
أطلقه رسول الله وَّ# على أن يرسل زوجته زينب إلى رسول الله وَل، فوفى بذلك وأرسلها.
٩٧ - (٢٤٥٠) - قوله: (أن عائشة حدثته) هذا الحديث أخرجه البخاري في الأنبياء، باب
علامات النبوة في الإسلام (٣٦٢٣ إلى ٣٦٢٦)، وفي فضائل الصحابة، باب مناقب قرابة