Indexed OCR Text

Pages 241-260

٢٤١
كتاب: السلام
٥٦٤٤ - (٢٥) وَحَدَّثَنِيهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الدَّارِمِيُّ. أَخْبَرَنَا أَبُو الْيَمَانِ.
أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ. أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ حُسَيْنٍ؛ أَنَّ صَفِيَّةَ زَوْجَ النَّبِيِّ وَّرَ أَخْبَرَتْهُ؛ أَنَّهَا
جَاءَتْ إِلَى النَّبِيِّ وَِّ تَزُورُهُ، فِي اْتِكَافِهِ فِي الْمَسْجِدِ، فِي الْعَشْرِ الأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ.
فَتَحَدَّثَتْ عِنْدَهُ سَاعَةٌ. ثُمَّ قَامَتْ تَنْقَلِبُ. وَقَامَ النَّبِيُّ ◌َهِ يَقْلِبُهَا، ثُمَّ ذَكَرَ بِمَعْنَى حَدِيثٍ
مَعْمَرٍ. غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: فَقَالَ النَّبِيُّ وَِّ: ((إِنَّ الشَّيْطَانَ يَبْلُغُ مِنَ الإِنْسَانِ مَبْلَغَ الدَّمِ)) وَلَمْ يَقُلْ:
«يخرِي».
(١٠) - باب: من أتى مجلساً فوجد فرجة فجلس فيها، وإلا وراءهم
٥٦٤٥ - (٢٦) حدّثنا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ، فِيمَا قُرِىءَ عَلَيْهِ، عَنْ
إِسْحَاقَ بْن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ؛ أَنَّ أَبَا مُرَّةَ، مَوْلَى عَقِيلِ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، أَخْبَرَهُ عَنْ أَبِي
وَاقِدِ اللَّيْئِيِّ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَهَ بَيْنَمَا هُوَ جَالِسٌ فِي الْمَسْجِدِ وَالنَّاسُ مَعَهُ. إِذْ أَقْبَلَ نَفَرٌ
ثَلاَثَةٌ. فَأَقْبَلَ اثْنَانِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ وَهِ. وَذَهَبَ وَاحِدٌ. قَالَ: فَوَقَفَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ وَهُ.
فَأَمَّا أَحَدُهُمَا فَرَأَىْ فُرْجَةً فِي الْحَلْقَةِ فَجَلَسَ فِيهَا. وَأَمَّ الآخَرُ فَجَلَسَ خَلْفَهُمْ. وَأَمَّا الثَّالِثُ
فَأَذْبَرَ ذَاهِباً. فَلَمَّا فَرَغَ رَسُولُ اللّهِ وَ لَ قَالَ: ((أَلاَ أُخْبِرُكُمْ عَنِ النَّفَرِ الثَّلاثَةِ؟ أَمَّا أَحَدُهُمْ فَأَوَى
إِلَى اللَّهِ، فَآَوَاهُ اللَّهُ.
(١٠) - باب: من أتى مجلساً فوجد فرجة فجلس فيها، وإلا وراءهم
٢٦ - (٢١٧٦) - قوله: (مولى عقيل) كان أبو مرة في الواقع مولى لأم هانئ بنت أبي
طالب، وهي أخت عقيل، ولكن قيل له إنه مولى عقيل لأنه كان يلازمه. وراجع فتح الباري
(١ : ١٥٦).
قوله: (عن أبي واقد الليثي) هذا الحديث أخرجه البخاري في العلم، باب من قعد حيث
ينتهي به المجلس إلخ (رقم: ٦٦)، وفي المساجد، باب الحلق والجلوس في المسجد، (رقم:
٤٧٤). وأخرجه الترمذي في الاستئذان، باب (٢٩، رقم: ٢٧٢٤).
قوله: (فرأى فُرجة في الحلقة) الفُرجة بضم الفاء وفتحها: هي الخلل بين الشيئين.
والحلقة بإسكان اللام: كل شيء مستدير خالي الوسط، والجمع: حَلَق، بفتحتين، وحكى فتح
اللام في الواحد، وهو نادر. وفيه استحباب التحليق في مجالس الذكر والعلم، وفيه أن من سبق
إلی موضع کان أحق به.
قوله: (فأوى إلى الله، فآواه الله) قال القرطبي: الرواية الصحيحة بقصر الأول (يعني أوى)
ومد الثاني (يعني: آواه الله) وهو المشهور في اللغة، وفي القرآن الكريم: ﴿إذا أوى الفتية إلى
الكهف﴾ بالقصر، و﴿أويناهما إلى ربوة﴾ بالمدّ. ومعنى قوله ((أوى إلى الله)) أي: لجأ إليه.

٢٤٢
الجزء الرابع من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
وَأَمَّا الآخَرُ فَاسْتَحْيَا، فَاسْتَحْيَا اللَّهُ مِنْهُ. وَأَمَّا الآخَرُ فَأَعْرَضَ، فَأَعْرَضَ اللَّهُ عَنْهُ)).
٥٦٤٦ - (٠٠٠) وحدّثنا أَحْمَدُ بْنُ الْمُنْذِرِ. حَدَّثَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ، حَدَّثَنَا حَرْبٌ (وَهُوَ
ابْنُ شَدَّادٍ). ح وَحَدَّثَنِي إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ. أَخْبَرَنَا حَبَّانُ، حَدَّثَنَا أَبَانٌ. قَالاَ جَمِيعاً:
حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ؛ أَنَّ إِسْحَاقَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ حَدَّثَهُ فِي هَذَا الإِسْنَادِ،
بِمِثْلِهِ. فِي الْمَعْنَى.
(١١) - باب: تحريم إقامة الإنسان من موضعه المباح الذي سبق إليه
٥٦٤٧ - (٢٧) وحدّثنا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ. حَدَّثَنَا لَيْثٌ. ح وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ رُمْحِ بْنِ
الْمُهَاجِرِ. أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ، عَنْ نَافِعِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ نَّهِ قَالَ:
ومعنى ((فآواه الله)) أي جازاه بنظير فعله بأن ضمّه لى رحمته ورضوانه. وفيه استحباب الأدب في
مجالس العلم، وفضل سدّ خلل الحلقة، كما ورد الترغيب في سدّ خلل الصفوف في الصلاة،
وجواز التخطي لسدّ الخلل ما لم يؤذ. فإن خشي الإيذاء استحب الجلوس حيث ينتهي المجلس،
كما فعل الثاني. وفيه الثناء على من زاحم في طلب الخير. كذا في فتح الباري.
قوله: (وأمّا الآخر فاستحيا) أي: استحيا من مزاحمة الناس قاله القاضي عياض. وقد بين
أنس ◌َُّبه وجه استحياءه، فلفظه عند الحاكم: ((ومضى الثاني قليلاً، ثم جاء فجلس)) فالمعنى أنه
استحيا من الذهاب عن المجلس كما فعل رفيقه الثالث. قاله الحافظ في الفتح. ويمكن أن يفسر
ما قاله أنس بما قاله عياض، وذلك أنه مضى إلى المجلس قليلاً، ليجد فرجة فيجلس فيها، كما
فعل رفيقه الأول، ولكنه لم يجد فرجة، أو وجدها، ولكن خشي أن يؤذي الناس في الوصول
إليها، فاستحيا من ذلك، فرجع إلى حيث انتهى المجلس، والله أعلم.
قوله: (فاستحيا الله منه) أي: رحمه ولم يعاقبه، وفي استعمال لفظ الاستحياء مشاكلة.
قوله: (وأما الآخر فأعرض، فأعرض الله عنه) أي: سخط عليه، ولعلّ الرسول بَّر علم
بأنه إنما رجع من غير عذر، أو استكباراً من أن يجلس وراء الناس، ويمكن أن يكون من
المنافقين. وفيه جواز الإخبار عن أهل المعاصي وأحوالهم للزجر عنها، وأن ذلك لا يعدّ من
الغيبة. كذا في فتح الباري (١: ١٥٧).
(١١) - باب: تحريم إقامة الإنسان من موضعه المباح الذي سبق إليه
٢٧ - (٢١٧٧) - قوله: (عن ابن عمر) هذا الحديث أخرجه البخاري في الاستئذان. باب
لا يقيم الرجل الرجل من مجلسه، (٦٢٦٩)، وباب: ﴿إِذَا قِيلَ لَكُمْ نَفَسَحُواْ فِى الْمَجَلِ فَأَفْسَحُواْ﴾،
(٦٢٧٠)، وفي الجمعة، باب لا يقيم الرجل أخاه يوم الجمعة، (٩١١)، والترمذي في الأدب،

٢٤٣
كتاب: السلام
(لاَ يُقِيمَنَّ أَحَدُكُمُ الرَّجُلَ مِنْ مَجْلِسِهِ، ثُمَّ يَجْلِسُ فِيهِ)).
٥٦٤٨ - (٢٨) حدّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى. أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نُمَيْرٍ. ح وَحَدَّثَنَا ابْنُ
نُمَيْرٍ. حَدَّثَنَا أَبِي. ح وَحَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ. حَدَّثَنَا يَحْيَى، (وَهُوَ الْقَطَّانُّ). ح وَحَدَّثَنَا ابْنُ
الْمُثَنَّى. حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ، (يَعْنِي النَّقَفِيَّ)، كُلُّهُمْ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ. ح وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ
أَبِي شَيْبَةَ (وَاللَّفْظُ لَهُ)، خَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ وَأَبُو أُسَامَةَ وَابْنُ نُمَيْرٍ. قَالُوا: حَدَّثَنَا
باب ما جاء في كراهية أن يقام الرجل من مجلسه (٢٧٥٠، و٢٧٥١)، وأبو داود في الأدب،
باب في الرجل يقوم للرجل من مجلسه (٤٨٢٨).
قوله: (لا يقيمنّ أحدكم الرجل عن مجلسه) اتفق العلماء عملاً بهذا الحديث أن إقامة
الرجل من مجلسه ليجلس فيه المقيم حرام شرعاً، ولكن استثنى منه بعض الفقهاء بعض
الحالات. فقال النووي كثّفُ: ((إن أصحابنا استثنوا منه ما إذا ألف من المسجد موضعاً يفتى فيه،
أو يقرأ قرآناً أو غيره من العلوم الشرعية فهو أحق به. وإذا حضر لم يكن لغيره أن يقعد فيه. وفي
معناه من سبق إلى موضع من الشوارع ومقاعد الأسواق لمعاملة)).
ولكن هذا مذهب الشافعية أما الحنفية، فلا يستثنون هذه الصور من الحرمة، قال ابن نجيم
في البحر الرائق (٢: ٣٤): ((ولا يتعين مكان مخصوص لأحد، حتى لو كان للمدرس موضع من
المسجد يدرس فيه، فسبقه غيره إليه، ليس له إزعاجه وإقامته منه، فقد قال الإمام الزاهدي في
فتاويه المسماة بالقنية معزياً إلى فتاوى العصر: له في المسجد موضع معين يواظب عليه وقد
شغله غيره، قال الأوزاعي: له أن يزعجه، وليس له ذلك عندنا)). وبمثله صرح البيري في شرح
الأشباه والنظائر: (١١٨) من مخطوطته في مكتبة دار العلوم. ولا شكّ أن عموم حديث الباب
يؤيد الحنفية .
وقال السرخسي في شرح السير الكبير: ((وكذا كل ما يكون المسلمون فيه سواء، كالنزول
في الرباطات، والجلوس في المساجد للصلاة، والنزول بمنى أو عرفات للحج، حتى لو ضرب
فسطاطه في مكان كان ينزل فيه غيره فهو أحق، وليس للآخر أن يحوّله. فإن أخذ موضعاً فوق ما
يحتاجه فللغير أن يأخذ الزائد منه. فلو طلب ذلك منه رجلان فأراد إعطاء أحدهما دون الآخر
فله ذلك. ولو نزل فيه أحدهما فأراد الذي أخذه أولاً وهو غني عنه أن ينزل فيه آخر فلا، لأنه
اعترض على يده يد أخرى محقّة لاحتياجها، إلا إذا قال: إنما كنت أخذته لهذا الآخر بأمره، لا
لنفسي، فإذا حلف على ذلك له إخراجه)) حكاه ابن عابدين في رد المحتار (١ : ٦٦٢) قبيل باب
الوتر والنوافل، ثم نقل عن الخير الرملي: ((ومثل المسجد مقاعد الأسواق التي يتخذها
المحترفون، من سبق لها فهو الأحق بها، وليس لمتخذها أن يزعجه، إذ لا حق له فيها ما دام
فيها، فإذا قام عنها، استوى هو وغيره فيها، ومذهب الشافعية بخلافه)).

٢٤٤
الجزء الرابع من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
عُبَيْدُ اللَّهِ، عَنْ نَافِعِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ بَِّ قَالَ: ((لاَ يُقِيمُ الرَّجُلُ الرَّجُلَ مِنْ مَقْعَدِهِ
ثُمَّ يَجْلِسُ فِيهِ. وَلَكِنْ تَفَسَّحُوا وَتَوَسَّعُوا)).
٥٦٤٩ - (٠٠٠) وحدّثنا أَبُو الرَّبِيع وَأَبُو كَامِلٍ. قَالاَ: حَدَّثَنَا حَمَّادٌ. حَدَّثَنَا أَيُّوبُ ح
وَحَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ حَبِيبٍ. حَدَّثَنَا رَوْحٌ. ح وَحَدَّثَنِيَ مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ. حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ.
كِلاَهُمَا عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ. ح وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ. حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي فُدَيْكٍ. أَخْبَرَنَا
الضَّحَّاكُ، (يَعْنِيَ ابْنَ عُثِّمَانَ)، كُلُّهُمْ عَنْ نَافِعِ، عَنِ ابْنَّ عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ ◌َِّهُ. بِمِثْلِ حَدِيثٍ
اللَّيْثِ. وَلَمُ يَذْكَرُوا فِي الْحَدِيثِ ((وَلَكِنْ تَفَسِّحُوا وَتَوَسَّعُوا)). وَزَادَ فِي حَدِيثِ ابْنِ جُرَيْجٍ.
قُلْتُ: فِي يَوْمِ الْجُمُعَةِ؟ قَالَ: فِي يَوْمِ الْجُمُعَةِ وَغَيْرِهَا.
٥٦٥٠ - (٢٩) حدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ. حَدَّثَنَا عَبْدُ الأَعْلَى، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنٍ
الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَالِمٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ؛ أَنَّ النَّبِيَّ وَّرِ قَالَ: ((لاَ يُقِيمَنَّ أَحَدُكُمْ أَخَاهُ ثُمَّ يَجْلِسُ
فِي مَجْلِسِهِ)). وَكَانٌّ ابْنُ عُمَرَ، إِذَا قَامَ لَهُ رَجُلٌ عَنْ مَجْلِسِهِ، لَمْ يَجْلِسُ فِيهِ.
٥٦٥١ - (٠٠٠) وحدّثناه عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ. أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ. أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، بِهَذَا
الإِسْنَادِ، مِثْلَهُ.
٥٦٥٢ - (٣٠) وحدّثنا سَلَمَةُ بْنُ شَبِيبٍ. حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ أَعْيَنَ. حَدَّثَنَا مَعْقِلٌ،
٢٨ - (٠٠٠) - قوله: (ولكن تفسّحوا وتوسعوا) قال القرطبي: ((الأمر للوجوب، لأنه لما
نهاهم أن يقام واحد من مجلسه تعيّن على من وجد سعة من الجالسين أن يفسحوا له ...
ويحتمل أنه للندب، لأنه من المكارم ومحاسن الأدب)). وقال القاضي عياض: ((وقد اختلف في
قوله تعالى: ﴿إِذَا قِيلَ لَكُمْ نَفَسَحُواْ﴾ إلخ، فقيل: مجلس النبي وَّ خاصة، كانوا يتضايقون فيه
حرصاً على القرب منه. وقيل: مجلس الصف في القتال. وقيل: عام في كل مجلس جلس فيه
المسلمون لخير، وهذا أولى، لأن الألف واللام فيه للجنس)) كذا في شرح الأبيّ.
٢٩ - (٠٠٠) - قوله: (وكان ابن عمر إذا قام له رجل) إلخ): قال النووي: ((هذا ورع
منه رظراته، وليس قعوده فيه حراماً إذا قام برضاه، لكنه تورع عنه لوجهين: أحدهما أنه ربما
استحيا منه إنسان فقام له من مجلسه من غير طيب قلبه، فسدّ ابن عمر الباب ليسلم من هذا.
والثاني: أن الإيثار بالقرب مكروه أو خلاف الأولى)) يعني عند من لا يرى الإيثار بالقرب، وأما
عند من يراه فيقتصر على الوجه الأول فقط.
ثمّ إن النهي عن الجلوس في مجلس الغير إنما هو للقادم، أما الجالس قبله فيستحب له أن
يؤثر بمجلسه من كان أكبر منه سنًّا، أو أكثر منه علماً، أو أفضل منه من ناحية أخرى، والله
سبحانه أعلم.

٢٤٥
كتاب: السلام
(وَهُوَ ابْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ)، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ، عَنِ النَّبِيِّ وَّرْ قَالَ: ((لاَ يُقِيمَنَّ أَحَدُكُمْ
أَخَاهُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ. ثُمَّ لْيُخَالِفْ إِلَى مَقْعَدِهِ فَيَقْعُدَ فِيهِ. وَلَكِنْ يَقُولُ: افْسَحُوا)) .
(١٢) - باب: إذا قام من مجلسه ثم عاد، فهو أحق به
٥٦٥٣ - (٣١) وحدّثنا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ. أَخْبَرَنَا أَبُو عَوَانَةً. وَقَالَ قُتَيْبَةُ أَيْضاً: حَدَّثَنَا
عَبْدُ الْعَزِيزِ، (يَعْنِي ابْنَ مُحَمَّدٍ)، كِلاَهُمَا عَنْ سُهَيْلٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ؛ أَنَّ
رَسُولَ اللَّهِ ﴿ قَالَ: ((إِذَا قَامَ أَحَدُكُمْ)). وَفِي حَدِيثٍ أَبِي عَوَانَةً: ((مَنْ قَامَ مِنْ مَجْلِسِهِ ثُمَّ
رَجَعَ إِلَيْهِ، فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ)).
٣٠ - (٢١٧٨) - قوله: (يوم الجمعة) إنما خصّ بالذكر لكثرة وقوع مثل ذلك فيه، وإلا
فالحكم عامّ كما صرح به نافع في الرواية السابقة.
(١٢) - باب: إذا قام من مجلسه ثم عاد، فهو أحق به
٣١ - (٢١٧٩) - قوله: (عن أبي هريرة) هذا الحديث أخرجه أبو داود في الأدب، باب إذا
قام من مجلسه ثم رجع (٤٨٥٣)، وابن ماجه في الآداب، باب من قام عن مجلس فرجع فهو
أحق به .
قوله: (فهو أحق به) قال النووي: «قال أصحابنا: هذا الحديث فيمن جلس في موضع من
المسجد أو غيره لصلاة مثلاً، ثم فارقه ليعود، بأن فارقه ليتوضأ أو يقضي شغلاً يسيراً ثم يعود،
لم يبطل اختصاصه، بل إذا رجع فهو أحق به في تلك الصلاة، فإن كان قد قعد فيه غيره فله أن
يقيمه، وعلى القاعد أن يفارقه لهذا الحديث. هذا هو الصحيح عند أصحابنا، وأنه يجب على
من قعد فيه مفارقته إذا رجع الأول. قال أصحابنا: ولا فرق بين أن يقوم منه ويترك فيه سجادة
ونحوها أم لا، فهذا أحقّ به في الحالين. قال أصحابنا: وإنما يكون أحق به في تلك الصلاة
وحدها دون غيرها)).
ويبدو أن ما ذكره النووي من مذهب الشافعية ذهب إليه الحنفية أيضاً. قال ابن عابدين في
رد المحتار (١: ٦٦٢): ((وينبغي تقييده (أي: كون كل موضع من المسجد مباحاً لكل أحد) بما
إذا لم يقم عنه على نية العود بلا مهلة. كما لو قام للوضوء مثلاً، ولا سيما إذا وضع فيه ثوبه
لتحقق سبق يده)) .
وهذا كله إذا لم يطّل غيابه عن ذلك الموضع، فلا يدخل فيه ما يفعله بعض الناس من ترك
سجادتهم بعد صلاة المغرب ليحجزوا مكانهم لصلاة العشاء، فإن الحديث إنما يتعلق بمن قام
من مجلسه ليعود بعد قليل في تلك الصلاة، والله أعلم.

٢٤٦
الجزء الرابع من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
(١٣) - باب: منع المخنث
من الدخول على النساء الأجانب
٥٦٥٤ - (٣٢) حدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَأَبُو كُرَيْبٍ. قَالاَ: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ. ح
وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ. أَخْبَرَنَا جَرِيرٌ. حِ وَحَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ. حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ. كُلُّهُمْ
عَنْ هِشَامٍ. ح وَحَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبِ أَيْضاً. (وَاللَّفْظُ هَذَا)، حَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ. حَدَّثَنَا هِشَامٌ عَنْ
أَبِيهِ، عَنْ زَيْنَبَ بِنْتِ أُمِّ سَلَمَةَ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ؛ أَنَّ مُخَتَّئاً كَانَ عِنْدَهَا وَرَسُولُ اللَّهِ نَّ فِي
الْبَيْتِ. فَقَالَ لأَخِي أُمِّ سَلَمَةَ: يَا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أَبِي أُمَيَّةَ، إِنْ فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ الطَّائِفَ غَداً،
(١٣) - باب: منع المخنث من الدخول على النساء الأجانب
٣٢ - (٢١٨٠) - قوله: (عن أم سلمة) هذا الحديث أخرجه البخاري في المغازي، باب
غزوة الطائف (٤٣٢٤)، وفي النكاح، باب ما ينهي من دخول المتشبهين بالنساء على المرأة
(٥٢٣٥)، وفي اللباس، باب إخراج المتشبهين بالنساء من البيوت (٥٨٨٢). وأخرجه أبو داود
في الأدب، باب في الحكم في المخنثين (٤٩٢٩)، وابن ماجه في النكاح، باب المخنثين
(١٩٠٩)، وفي الحدود، باب المخنثون (٢٦٤٣).
قوله: (أن مختّئاً كان عندها) المخنّث، بكسر النون وفتحها، من يشبه خلقه النساء في
حركاته وكلامه وغير ذلك. فإن كان من أصل الخلقة لم يكن عليه لوم، وعليه أن يتكلف إزالة
ذلك. وإن كان بقصد منه وتكلف له فهو المذموم، ويطلق عليه اسم مخنث، سواء فعل الفاحشة
أو لم يفعل. قال ابن حبيب: المخنث هو المؤنث من الرجال وإن لم تعرف منه الفاحشة،
مأخوذ من التكسر في المشي وغيره. كذا في فتح الباري (٩: ٣٣٤ و٣٣٥).
وذكر ابن جريج في روايته عند البخاري في المغازي أن اسم هذا المخنث ((هيت)) بكسر
الهاء وسكون الياء. وضبطه بعضهم ((هنب)) بالنون والباء، ولكن الأصح الأول. وذكر ابن
إسحاق في المغازي أن اسمه ماتع، وجمع أبو موسى المديني بين الروايتين بأن أحدهما اسم له
والآخر لقب، وجزم الواقدي بأنهما اثنان، والله أعلم، وراجع فتح الباري للتفصيل.
وأما وجه كون هذا المخنّث عند الأزواج المطهرات، فما سيأتي من أنه كان يظنّ به أنه
من غير أولي الإربة.
قوله: (يا عبد الله بن أبي أميّة) هو أخ لأم سلمة ظه من أبيها، وأمه عاتكة بنت
عبد المطلب بن هاشم، وكان قبل إسلامه شديداً على المسلمين مخالفاً مبغضاً، وهو الذي قال:
(لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعاً إلخ)) وكان شديد العداوة لرسول الله وَظهر. ثم إنه
خرج مهاجراً إلى النبي ◌َّلتر فلقيه بالطريق بين السقيا والعرج، وهو يريد مكة عام الفتح، فتلقاه

٢٤٧
كتاب: السلام
فَإِنِّي أَدُلُّكَ عَلَى بِنْتِ غَيْلَانَ. فَإِنَّهَا تُقْبِلُ بَأَرْبَعِ وَتُذْبِرُ بِثَمَانٍ. قَالَ: فَسَمِعَهُ رَسُولُ اللَّهِ وَهُ
فَقَالَ: ((لاَ يَدْخُلْ هَؤُلاءٍ عَلَيْكُمْ)) .
٥٦٥٥ - (٣٣) وحدّثنا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ. أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمٍَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ،
فأعرض عنه رسول الله وَلر مرة بعد مرة، فدخل إلى أخته أم سلمة وسألها أن تشفع، فشفعت له
فشفّعها رسول الله وَّر فيه، وأسلم وحسن إسلامه، وشهد مع رسول الله ربَّلام فتح مكة مسلماً،
وشهد حنيناً والطائف، ورمي يوم الطائف بسهم فقتله، ومات يومئذ ربه. كذا في عمدة القاري
(٩ : ٥١٨).
ثم إن هذا الحديث صريح في أن المخنث إنما قال هذه الكلمة لعبد الله بن أبي أمية.
وأخرج المستغفري عن محمد بن المنكدر مرسلاً أنه قال ذلك لعبد الرحمن بن أبي بكر أخي
عائشة، وجمع بينهما الحافظ في الفتح بأنه قال ذلك لكل واحد منهما.
قوله: (فإنّي أدلك على بنت غيلان) اسمها بادية بنت غيلان، وأبوه غيلان بن سلمة، هو
الذي أسلم وتحته عشر نسوة، فأمره النبي * أن يختار منهن أربعاً، وكان من رؤساء ثقيف
وعاش إلى أواخر خلافة عمر. وبادية بنته هي التي تزوجها عبد الرحمن بن عوف، فقدر أنها
استحيضت وسألت النبي ◌َّ في المستحاضة.
قوله: (فإنّها تقبل بأربع وتدبر بثمان) أشار بذلك إلى سمنها، يعني أن لها أربع كن في
جوانب بطنها، ثنتان منهما في جانبها الأيمن، وثنتان في الجانب الأيسر، ثم إن كل عكنة من
هذه الأربعة تنقسم إلى طرفين عند منعطف ظهرها، فإذا أدبرت ظهر في خاصرتيها ثمان عكن،
أربعة في الخاصرة اليمنى، وأربعة في الخاصرة اليسرى.
وحاصله أنه وصفها بأنها مملوءة البدن بحيث تظهر لبطنها كن، وذلك لا يكون إلا
للسمينة من النساء، وكانت العرب ترغب في من تكون بتلك الصفة.
قوله: (لا يدخل هؤلاء عليكم) وسيأتي وجه هذا النهي في الرواية الآتية في كلام النبي ◌َّه
حيث قال: ((ألا أرى هذا يعرف ما ههنا))، وحاصله أن النبي ◌َّ ﴿ إنما أذن له في الدخول على
النساء لما كان يظنّ به من أنه من غير أولى الإربة، فلّما عرف بكلامه هذا أنه يعرف محاسن
النّساء ويصفها للأجانب، حرّم دخوله. وقد وقع هذا الوجه صريحاً فيما أخرجه المديني من
طريق يزيد بن رومان: ((فقال النبي ◌َ﴿ ما لك قاتلك الله، إن كنت لأحسبك من غير أولى الإربة
من الرجال)) وقد ثبت بعدة روايات أن النبي ◌َ﴿ أجلى هذا المخنث من المدينة المنورة، فورد في
بعضها أنه م أجلاء إلى الحمى، وفي بعضها: إلى حمراء الأسد، وفي بعضها: إلى خاخ. والله
سبحانه أعلم.

٢٤٨
الجزء الرابع من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ. قَالَتْ: كَانَ يَدْخُلُ عَلَىْ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ وَِّ مُخَنَّثٌ. فَكَانُوا يَعُدُّونَهُ
مِنْ غَيْرِ أُولِي الإِرْبَةِ. قَالَ: فَدَخَلَ النَّبِيُّ وَّهِ يَوْماً وَهُوَ عِنْدَ بَعْضٍ نِسَائِهِ. وَهُوَ يَنْعَتُ امْرَأَةً.
قَالَ: إِذَا أَقْبَلَتْ أَقْبَلَتْ بَأَرْبَعِ. وَإِذَا أَذْبَرَتْ أَدْبَرَتْ بِثَمَانٍ. فَقَالَ النَّبِيُّ وَِّ: ((أَلاَ أَرَى هَذَا
يَعْرِفُ مَا هُهُنَا. لاَ يَدْخُلَنَّ عَلَيْكُنَّ)) قَالَتْ: فَحَجَبُوهُ.
(١٤) - باب: جواز إرداف المرأة الأجنبية، إذا أعيت، في الطريق
٥٦٥٦ _ (٣٤) حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلاَءِ، أَبُو كُرَيْبِ الْهَمْدَانِيُّ. حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ،
عَنْ هِشَامٍ. أَخْبَرَنِي أَبِي، عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ. قَالَّتْ: تَزَوَّجَنِي الزُّبَيْرُ وَمَا لَهُ فِي
الأَرْضِ مِّنْ مَالٍ وَلاَ مَمْلُوٍ وَلاَ شَيْءٍ، غَيْرَ فَرَسِهِ. قَالَتْ: فَكُنْتُ أَعْلِفُ فَرَسَهُ. وَأَكْفِيهِ
مَؤُنَتَهُ، وَأَسُوسُهُ،
٣٣ - (٢١٨١) - قوله: (عن عائشة) هذا الحديث أخرجه أبو داود في اللباس، باب قوله
تعالى: ﴿غير أولى الإربة﴾ (٤١٠٧) إلى (٤١١٠).
قوله: (مِنْ غير أولي الإربة) بكسر الهمزة، وهي في اللغة: الحاجة. والمراد من غير أولي
الإربة الرجال الذين لا يحتاجون إلى النساء ولا يرغبون فيهنّ. وهم الذين أذن لهم القرآن الكريم
بدخولهم على الأجنبيات.
قوله: (قالت: فحجبوه) أي: من النساء، وزاد يونس في روايته عن الزهري عند أبي داود
(رقم: ٤١٠٩): ((وأخرجه فكان بالبيداء يدخل كل جمعة يستطعم)).
(١٤) - باب: جواز إرداف المرأة الأجنبيّة إذا أعيت في الطريق
٣٤ - (٢١٨٢) - قوله: (عن أسماء بنت أبي بكر) هذا الحديث أخرجه البخاري في
النكاح، باب الغيرة (٥٢٢٤)، وفي الجهاد، باب ما كان النبي ◌َّر يعطي المؤلفة قلوبهم وغيرهم
من الخمس ونحوه (٣١٥١).
قوله: (وماله في الأرض من مال ولا مملوك) المراد من المال النقود والإبل والأراضي
التي تزرع، والمراد بالمملوك الرقيق من العبيد والإماء، وقولها ((ولا شيء)): من قبيل عطف
العام على الخاص، والمراد شيء يذكر، فلا ينافي ما لا بد منه من مطعم ومسكن.
قوله: (قالت: فكنت أعلف فرسه) هذا كله بعد هجرتهما إلى المدينة، وتزوجهما كان
بمكة قبل الهجرة.
قوله: (وأكفيه مؤونته) تعني: أكفي زبيراً مؤونة الفرس والقيام بمصالحه. وقولها:
((أسوسه)) أي أقوده.

٢٤٩
كتاب: السلام
وَأَدُقُّ النَّوَىُ لِنَاضِحِهِ، وَأَعْلِفُهُ، وَأَسْتَقِي الْمَاءَ، وَأَخْرُزُ غَرْبَهُ، وَأَعْجِنُ. وَلَمْ أَكُنْ أُحْسِنُ
أَخْبِزُ. وَكَانَ يَخْبِزُ لِي جَارَاتٌ لِي مِنَ الأَنْصَارِ. وَكُنَّ نِسْوَةَ صِدْقٍ. قَالَتْ: وَكُنْتُ أَنْقُلُ
قوله: (وأدقّ النوّى لناضحه) أمّا النوى فهي جمع نواة من التّمر. وأما النّاضح فهو الجمل
الذي يستقى به.
قوله: (وأخرز غَرْبه) الغَرْب بفتح الغين: الدلو الكبير، وخرزه: أن تخيط ما اخترق منه.
هل تجب على المرأة خدمة البيت؟
قوله: (وأعجن) قال النووي: «هذا كله من المعروف والمروءات التي أطبق الناس عليها،
وهو أن المرأة تخدم زوجها بهذه الأمور المذكورة ونحوها من الخبز والطبخ وغسل الثياب وغير
ذلك. وكله تبرع من المرأة وإحسان منها إلى زوجها، وحسن معاشرة وفعل معروف معه، ولا
يجب عليها شيء من ذلك. بل لو امتنعت من جميع هذا لم تأثم، ويلزمه هو تحصيل هذه الأمور
لها، ولا يحلّ له إلزامها بشيء من هذا، وإنما تفعله المرأة تبرعاً. وهذه عادة جميلة استمر عليها
النساء من الزمن الأول إلى الآن. وإنما الواجب على المرأة شيئان: تمكينها زوجها من نفسها،
وملازمة بیته)) .
وهذا الذي ذكره الإمام النووي هو مذهب الشافعيّة، فإنهم لا يرون هذه الأعمال واجبة
على المرأة ديانة ولا قضاء. وأما المالكية والحنفية، فيختلف الحكم عندهم باختلاف الأعمال
واختلاف النّساء. فأمّا أعمال خارج البيت، مثل سياسة الفرس، وسقي المزارع، وحمل النوى،
فلا تجب على المرأة مطلقاً. وأما أعمال داخل البيت، كالخبز والطحن والطبخ، فإن المرأة إن
كانت من أناس لا يخدم نساؤهم أنفسهنّ وبيوتهنّ، لا تجب عليها هذه الأعمال، لا ديانة ولا
قضاء.
وأما إذا كانت المرأة من أسرة تتعارف نساؤها خدمة البيت، فإنّ مثل هذه الأعمال تجب
عليها ديانة، ولكن صرح الحنفية بأنها لا تجبر عليها في القضاء. جاء في الدر المختار: ((امتنعت
المرأة من الطحن والخبز، إن كانت ممن لا تخدم أو كان بها علة، فعليه أن يأتيها بطعام مهيّاً،
وإلّا، بأن كانت ممن تخدم نفسها وتقدر على ذلك، لا يجب عليه. ولا يجوز لها أخذ الأجرة
على ذلك، لوجوبه عليها ديانة ولو شريفة، لأنه عليه الصلاة والسلام قسم الأعمال بين علي
وفاطمة، فجعل أعمال الخارج على عليّ رَظُه، والداخل على فاطمة رضيّا، مع أنها سيدة نساء
العالمين)) وقال ابن عابدين: ((قوله لوجوبه عليها ديانة)) فتفتى به، ولكن لا تجبر عليه إن أبت.
بدائع)) راجع له رد المحتار (٣: ٥٧٩)، وراجع أيضاً البدائع (٤: ٢٤) والبحر الرائق (٤: ١٨٣
و١٨٤) في باب النفقة. وقد نقل الأبيّ في شرحه (٥: ٤٤٦) ههنا كلام القاضي عياض
والقرطبي وهو مما يدل على أن مذهب المالكية في هذا مثل مذهب الحنفية، والله أعلم.

٢٥٠
الجزء الرابع من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
النَّوَىُ، مِنْ أَرْضِ الزُّبَيْرِ الَّتِي أَقْطَعَهُ رَسُولُ اللَّهِ و ◌َهِ، عَلَى رَأْسِي. وَهِيَ عَلَى ثُلُثَّيْ فَرْسَخِ.
قَالَتْ: فَجِئْتُ يَوْماً وَالنَّوَى عَلَى رَأْسِي. فَلَقِيتُ رَسُولَ اللّهِ لَّهِ وَمَعَهُ نَفَرٌ مِنْ أَصْحَابِهِ.
فَدَعَانِي ثُمَّ قَالَ: ((إِخْ، إِخْ)) لِيَحْمِلَنِي خَلْفَهُ. قَالَتْ: فَاسْتَخْيَيْتُ وَعَرَفْتُ غَيْرَتَكَ. فَقَالَ:
وَاللَّهِ! لَحَمْلُكِ النَّوَىُ عَلَّى رَأْسِكِ أَشَدُّ مِنْ رُكُوبِكِ مَعَهُ. قَالَتْ: حَتَّى أَرْسَلَ إِلَيَّ أَبُو بَكْرٍ،
بَعْدَ ذُلِكَ، بِخَادِمٍ، فَكَفَتْنِي سِيَاسَةَ الْفَرَسِ. فَكَأَنَّمَا أَعْتَقَتْنِي.
٥٦٥٧ - (٣٥) حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدِ الْغُبَرِيُّ. حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ عَنْ أَيُّوبَ، عَنِ
قوله: (من أرض الزبير التي أقطعه رسول الله ( 18) وذكر البخاري في فرض الخمس تعليقاً
عن أبي ضمرة ((أن النبي ◌ّ﴿ أقطع الزبير أرضاً من أموال بني النضير)) وكان ذلك في أوائل قدومه
المدينة. فيحتمل أن تكون هذه القصة قبل نزول الحجاب، وهو الذي رجحه الحافظ في الفتح
(٩: ٣٢٤)، ويحتمل أن تكون أسماء ﴿نا تخرج مراعية لأحكام الحجاب. والله أعلم.
قوله: (ثم قال: إخ إخ) بكسر الهمزة وسكون الخاء، كلمة تقال للبعير لمن أراد أن ينيخه.
قوله: (ليحملني خلفه) وبهذا استدل مترجم هذا الباب والنووي على جواز ارتداف المرأة
الأجنبية إذا أعيت في الطريق، ولعله أراد ارتدافها على البعير فقط. لأن الراكب والرديف في
البعير لا يلتقي جسماهما. أما إذا كان الارتداف بالتقاء جسميهما فلا يجيزه أحد. ثم إن الحافظ
قال في الفتح تحت قولها ((ليحملني خلفه)): ((فهمت ذلك من قرينة الحال، وإلا فيحتمل أن
يكون * أراد أن يُركبها وما معها، ويَركب شيئاً آخر غير ذلك)).
وقال القاضي عياض: ((هذا خاص للنبي وَ لّ بخلاف غيره، فقد أمرنا بالمباعدة من أنفاس
الرجال والنّساء، وكانت عادته ◌َّيقومباعدتهن لتقتدي به أمته)) قال: ((وإنما كانت هذه خصوصية له
لكونها بنت أبي بكر وأخت عائشة وامرأة للزبير، فكانت كأحدى أهله ونسائه، مع ما خصّ به وَّ
أنه أملك لإربه. وأما إرداف المحارم فجائز بلا خلاف بكل حال)».
قوله: (وعرفت غيرتك) تقدير الكلام: أنّي ذكرت هذه القصّة للزبير، وقلت له: فاستحييت
وعرفت غيرتك.
قوله: (لَحمْلكِ النوى على رأسك أشدّ من ركوبك معه) قال الحافظ: ((ووجه المفاضلة
التي أشار إليها الزبير أن ركوبها مع النبي وَلقر لا ينشأ منه كبير أمر من الغيرة لأنها أخت امرأته،
فهي في تلك الحالة لا يحل له تزويجها إن لو كانت خلية من الزوج)).
قوله: (أرسل إليّ بخادم) أي: جارية تخدمني، يقال للذكر والأنثى: ((خادم)) بلا هاء. وفي
الرواية الآتية: ((جاء النبيَّ وَّ ر سبى فأعطاها خادماً. قالت: فكفتني سياسة الفرس)) والجمع بين
الروايتين أن النبي لو أعطى الجارية أبا بكر له ليرسلها إلى ابنته أسماء، فصدق أن النبي ◌َّ
أعطاها، وصدق أيضاً أن أبا بكر أرسلها إليها .

٢٥١
كتاب: السلام
ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ؛ أَنَّ أَسْمَاءَ قَالَتْ: كُنْتُ أَخْدُمُ الزُّبَيْرَ خِدْمَةَ الْبَيْتِ. وَكَانَ لَهُ فَرَسٌ. وَكُنْتُ
أَسُوسُهُ. فَلَمْ يَكُنْ مِنَ الْخِدْمَةِ شَيْءٌ أَشَدَّ عَلَيَّ مِنْ سِيَاسَةِ الْفَرَسِ. كُنْتُ أَحْتَشُّ لَهُ وَأَقُومُ
عَلَيْهِ وَأَسُوسُهُ. قَالَ: ثُمَّ إِنَّهَا أَصَابَتْ خَادِماً. جَاءَ النَّبِيَّ نَّهِ سَبْيٌّ فَأَعْطَاهَا خَادِماً. قَالَتْ:
كَفَّتْنِي سِيَاسَةَ الْفَرَسِ. فَأَلْقَتْ عَنِّي مَؤُنَتَهُ.
فَجَاءَنِي رَجُلٌ فَقَالَ: يَا أُمَّ عَبْدِ اللَّهِ! إِنِّي رَجُلٌ فَقِيرٌ، أَرَدْتُ أَنْ أَبِيعَ فِي ظِلِّ دَارِكِ.
قَالَتْ: إِنِّي إِنْ رَخَّصْتُ لَكَ أَبَى ذَاكَ الزُّبَيْرُ. فَتَعَالَ فَاطْلُبْ إِلَيَّ، وَالزُّبَيْرُ شَاهِدٌ فَجَاءَ فَقَالَ:
يَا أُمَّ عَبْدِ اللَّهِ! إِنِّي رَجُلٌ فَقِيرٌ، أَرَدْتُ أَنْ أَبِيعَ فِي ظِلِّ دَارِكٍ. فَقَالَتْ: مَالَكَ بِالْمَدِينَةِ إِلاَّ
دَارِي؟ فَقَالَ لَهَا الزُّبَيْرُ: مَالَكِ أَنْ تَمْنَعِي رَجُلاً فَقِيراً يَبِيعُ؟ فَكَانَ يَبِيعُ إِلَى أَنْ كَسَبَ. فَبِعْتُه
الْجَارِيَةَ. فَدَخَلَ عَلَيَّ الزُّبَيْرُ وَثَمَنُهَا فِي حَجْرِي. فَقَالَ: هَبِيهَا لِي. قَالَتْ: إِنِّي قَدْ تَصَدَّقْتُ
پِهَا .
(١٥) - باب: تحريم مناجاة الاثنين دون الثالث، بغير رضاه
٥٦٥٨ - (٣٦) حدّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى. قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكِ، عَنْ نَافِعِ، عَنِ ابْنِ
عُمَرَ ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَ لِ قَالَ: ((إِذَا كَانَ ثَلاثَةٌ، فَلاَ يَتَنَاجَى اثْنَانِ دُونَ وَاحِدٍ)) .
٣٥ - (٠٠٠) - قوله: (مالك بالمدينة إلا داري؟) تكلمت أسماء بما يدل على كراهتها لأن
يجلس الرجل في ظلّ دارها، لئلا تقع في قلب الزبير أية شبهة، فيجيز الرجل هو بنفسه، ووقع
كما قدّرت، وكان ذلك حيلة لاسترضاء الزبير ولمصلحة الرجل.
قوله: (فبعته الجارية) يعني: الجارية التي أعطاها رسول الله وص له وأرسلها أبو بكر نظالله،
ولعلّها باعتها وتصدقت بثمنها لأنها استغنت عنها بغيرها، والله أعلم.
(١٥) - باب: تحريم مناجاة الاثنين دون الثالث بغير رضاه
٣٦ - (٢١٨٣) - قوله: (عن ابن عمر) هذا الحديث أخرجه البخاري في الاستئذان، باب
لا يتناجى اثنان دون ثالث (٦٢٨٨)، وأبو داود في الأدب، باب في التناجي (٤٨٥٢)، وابن
ماجه في الأدب، باب لا يتناجى اثنان دون الثالث (٣٨٢٨).
قوله: (إذا كان ثلاثة) بالرفع على أنه فاعل ((كان)) وهي تامّة. ووقع في رواية البخاري:
(إذا كانوا ثلاثةً)) بالنصب على أنه خبر كان الناقصة.
قوله: (فلا يتناجى اثنان) خبر بمعنى النهي، ووجه النهي مصرّح فيما سيأتي من حديث ابن
مسعود ◌َُّه: ((فإنّ ذلك يحزنه)) يعني أن ذلك يحزن الرجل الثالث لكونه منفرداً عن المتناجيين،
ولأنه قد يتوهم أن نجواهما إنما هي لسوء رأيهما فيه، أو لدسيسةٍ غائلةٍ له. وهذا من حسن

٢٥٢
الجزء الرابع من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
٥٦٥٩ - (٠٠٠) وحدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةً. حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ وَابْنُ نُمَيْرٍ. ح
وَحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ. حَدَّثَنَا أَبِي. ح وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَتَّى وَعُبَيْدُ اللَّهُ بْنُ سَعِيدٍ. قَالاً:
حَدَّثَنَا يَحْيِى، (وَهُوَ ابْنُ سَعِيدٍ)، كُلُّهُمْ عَنْ عُبَيْدِ اللّهِ. ح وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ وَابْنُ رُمْحِ عَنِ
اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ. ح وَحَدَّثَنَا أَبُو الرَّبِيعِ وَأَبُو كَامِلٍ. قَالاَ: حَدَّثَنَا حَمَّادٌ عَنْ أَيُّوبَّ. ح
وَحَدَّثَنَا ابْنُ الْمُثَنَّى. حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَغَّفَرٍ. حَدَّثَنَا شُعْبَةُ. قَالَ: سَمِعْتُ أَيُّوبَ بْنَ مُوسَى.
كُلُّ هَؤُلاَءٍ عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِّ ◌ِهَ، بِمَعْنَى حَدِيثِ مَالِكٍ.
٥٦٦٠ _ (٣٧) حدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَهَنَّادُ بْنُ السَّرِيِّ. قَالاَ: حَدَّثَنَا أَبُو
الأَخْوَصِ، عَنْ مَنْصُورٍ. ح وَحَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ وَعُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَإِسْحَاقُ بْنُ
إِبْرَاهِيمَ - وَاللَّفْظُ لِزُهَيْرٍ - (قَالَ إِسْحَاقُ: أَخْبَرَنَا. وَقَالَ الآخَرَانِ: حَدَّثَنَا)، جَرِيرٌ عَنْ
مَنْصُورٍ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ. قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ: ((إِذَا كُنْتُمْ ثَلَاثَةً فَلاَ
يَتْتَاجَى اثْنَانِ دُونَ الآخَرِ، حَتَّى تَخْتَلِطُوا بِالنَّاسِ. مِنْ أَجْلِ أَنْ يُخْزِئَهُ)).
الأدب لئلا يتباغضوا ويتقاطعوا. ويدخل في هذا الحكم ما إذا تناجت جماعة وتركت رجلاً
واحداً منفرداً. وبهذا يظهر مدى مراعاة الإسلام لحقّ الإنسان، فإنه لم يرض بأن ينكسر قلب
رجل بهذا العمل الذي ربما يبدو بسيطاً، وقد أخرج سفيان بن عيينة في جامعه أن ابن عمر وظ
قال في زمن الفتنة: ((ألا ترون القتل شيئاً، ورسول الله وسلم يقول: فذكر الحديث وزاد: («تعظيماً
لحرمة المسلم)). نعم! يستثنى من هذا الحكم ما إذا أذن الرجل الواحد بذلك، لأنه صاحب
الحقّ.
ثم هذا الحكم إنما هو إذا كان الثلاثة جالسين معاً، فتنحى الاثنان للمناجاة وتركوا
واحداً. فأما إذا كان رجلان يسارّ أحدهما الآخر ابتداء، والثالث بعيد عنهم بحيث لا يسمع
كلامهم لو تكلما جهراً، فأتى هذا الثالث ليستمع عليهما، فلا يجوز للثالث وقد أخرج البخاري
في الأدب المفرد عن سعيد المقبري قال: ((مررت على ابن عمر ومعه رجل يتحدث، فقمت
إليهما فلطم صدري وقال: إذا وجدت اثنين يتحدثان فلا تقم معهما حتى تستأذنهما)) وزاد أحمد
في روايته من وجه آخر عن سعيد: ((وقال: أما سمعت أن النبي ◌َّ قال: إذا تناجى اثنان فلا
يدخل معهما غيرهما حتى يستأذنهما)). هذا ملخص ما في فتح الباري.
٣٧ - (٢١٨٤) - قوله: (عن عبد الله) يعني: ابن مسعود ظُله، وهذا الحديث أخرجه
البخاري في الاستئذان، باب إذا كانوا أكثر من ثلاثة فلا بأس بالمسارّة والمناجاة، (٦٢٩٠)،
وأبو داود في الأدب، باب في التناجي (٤٨٥١) والترمذي في الأدب، باب ما جاء لا يتناجى
اثنان دون ثالث (٢٨٢٧)، وابن ماجه في الآداب، باب لا يتناجى اثنان دون الثالث (٣٨٢٠).
قوله: (حتى تختلطوا بالنّاس) أي: يختلط الثلاثة بغيرهم، فيكونوا أربعة أو أكثر. ويؤخذ

٢٥٣
كتاب: السلام
٥٦٦١ - (٣٨) وحدّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةً وَابْنُ نُمَيْرٍ وَأَبُو
كُرَيْبٍ - وَاللَّفْظُ لِيَحْيِى - (قَالَ يَحْيَى: أَخْبَرَنَا. وَقَالَ الآخَرُونَ: حَدَّثَنَا)، أَبُو مُعَاوِيَّةً عَنٍ
الأَعْمَشِ، عَنْ شَقِيقٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ. قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَ لِ: ((إِذَا كُنْتُمْ ثَلاثَةً فَلاَ يَتْنَاجَى
اثْنَانِ دُونَ صَاحِبِهِمَا. فَإِنَّ ذُلِكَ يُخزِنُهُ)).
٥٦٦٢ - (٠٠٠) وحدّثناه إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ. أَخْبَرَنَا عَيِسَى بْنُ يُونُسَ. ح وَحَدَّثَنَا
ابْنُ أَبِي عُمَرَ. حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، كِلاَهُمَا عَنِ الأَعْمَشِ، بِهَذَا الإِسْنَادِ.
منه أنهم إذا كانوا أربعة لم يمتنع تناجي اثنين، لإمكان أن يتناجى الإثنان الآخران. وقد ورد
ذلك صريحاً فيما أخرجه أبو داود والبخاري في الأدب المفرد وابن حبان، وصححه، عن ابن
عمر مرفوعاً: ((قلت: فإن كانوا أربعة؟ قال: لا يضره)) وفي رواية مالك عن عبد الله بن دينار:
((كان ابن عمر إذا أراد أن يسارّ رجلاً وكانوا ثلاثة، دعا رابعاً، ثم قال للاثنين: استريحا شيئاً،
فإني سمعت)) فذكر الحديث. كذا في فتح الباري (١١: ٨٣).
وحاصل الحكم أن التناجي إنما يمتنع إذا بقي في المجلس رجل منفرداً عن المتناجين. أما
إذا كان معه رجل آخر، فلا بأس بتناجي الباقين، لأنه يمكن له أن يستأنس بصاحبه.
وظاهر إطلاق الحديث أنه لا فرق في ذلك بين الحضر والسفر، وهو قول الجمهور.
وحكى الخطابي عن أبي عبيد ابن حربويه أنه قال: هو يختص بالسفر في الموضع الذي لا يأمن
فيه الرجل على نفسه. فأما في الحضر وفي العمارة فلا بأس. وحكى القاضي عياض نحوه،
واستدل هؤلاء بما أخرجه أحمد عن عبد الله بن عمرو أن النبي بَ لتر قال: ((ولا يحل لثلاثة نفر
يكونون بأرض فلاة أن يتناجى اثنان دون صاحبهما)) وفي إسناده ابن لهيعة. وعلى تقدير ثبوته،
فتقييده بأرض الفلاة يتعلق بإحدى علتي النهي. وحكى القاضي عياض عن بعض العلماء أن هذا
النهي كان في أول الإسلام، فلما انتشر الإسلام وأمن الناس سقط هذا الحكم. وتعقبه القرطبي
بأن هذا تحكم وتخصيص لا دليل عليه. فالصحيح أن الحكم عام، والله أعلم.
قد وقع الفراغ من شرح كتاب السلام بتوفيق الله تعالى ليلة الثلاثة الثامن والعشرين من
شهر ربيع الأول سنة ١٤١١ هـ وأسأل الله سبحانه وتعالى أن يوفقني لإكمال باقي الأبواب على ما
يحبه ويرضاه، وما ذلك على الله بعزيز.

٢٥٤
الجزء الرابع من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
بِسْمِ اللَّهِ الرََّى الرَّـ
كتاب الطب
.
[كتاب الطب]
قال الحافظ في فتح الباري (١٠: ١٣٤): ((الطبّ بكسر المهملة، وحكى ابن السيد
تثليثها. والطبيب هو الحاذق بالطبّ ويقال له أيضاً: طَب، بالفتح والكسر، ومستطبّ، وامرأة
طَبّ بالفتح. يقال: استطبّ: تعانى الطبّ، واستطبّ، استوصفه، ونقل أهل اللغة أن الطِّبّ
بالكسر يقال بالاشتراك للمداوي وللتداوي وللداء أيضاً، فهو من الأضداد ويقال أيضاً للرفق
والسّحر، ويقال للشّهوة، ولطرائق ترى في شعاع الشمس، وللحذق بالشيء، والطبيب: الحاذق
في كل شيء، وخصّ به المعالج عرفاً. والجمع في القلّة أطبّة، وفي الكثرة أطبّاء)).
وبما أن أهل العرب ربما يعتقدون أن الأمراض سببها السّحر، وكثيراً ما يداوونه بالسّحر،
فاستعيرت كلمة ((الطبّ)) لمعنى السّحر أيضاً، ومن هنا ذكر في الحديث: ((رجل مطبوب)) أي:
مسحور.
وأما تعريف علم الطبّ اصطلاحاً، فهو ما ذكره ابن سينا في القانون (١: ٣): ((إن الطب
علم يتعرف منه أحوال بدن الإنسان من جهة ما يصح ويزول عن الصحة، ليحفظ الصحة
حاصلة، ويستردّها زائلة)).
ولم يزل علم الطبّ، منذ الأزمان السالفة، يعدّ شرفاً، ولم يزل للطبيب مكانة كبيرة في
أعين الناس، حتى في عهد الجاهلية، وكان أهل الجاهلية يرجعون إلى الكهّان والسحرة لمعالجة
أمراضهم، وكان فيهم عدد قليل ممّن تعلّم الطبّ بطرق علميّة. وإن رسول الله وَّر منع المسلمين
من إتيان الكاهن. ولكنّه أمر سعد بن أبي وقاص رَظُه، حين مرض، أن يأتي الحارث بن كلدة،
طبيب العرب. أخرجه أبو داود من طريق ابن أبي نجيح، وذكره الحافظ في الإصابة (١: ٢٨٨)
من طريق ابن منده أيضاً. والحارث بن كلدة هذا كان من أهل الطائف، وذكر ابن أبي حاتم أنه
لا يصح إسلامه، فدل الحديث بجواز الاستعانة بأهل الذمة في الطبّ.
وقد روي عن النبي وَّ ر عدة معالجات لمختلف الأمراض، وهي التي يذكرها المحدثون
في أبواب الطبّ من كتبهم. قال ابن القيم في زاد المعاد (٣: ٧٠): ((وكان علاجه ◌َّ للمرض

٢٥٥
كتاب: الطب
ثلاثة أنواع: أحدها بالأدوية الطبيعية، والثاني بالأدوية الإلهية، والثالث بالمركب من
الأمرين ... وهذا إنما يشير إليه إشارة، فإن رسول الله و ﴿ إنما بعث هادياً وداعياً إلى الله وإلى
جنّته، ومعرفاً بالله ومبيّناً للأمة مواقع رضاه وآمراً لهم بها، ومواقع سخطه وناهياً لهم عنها،
ومخبراً الأنبياء والرسل. وأحوالهم مع أممهم، وأخبار تخليق العالم، وأمر المبدأ والمعاد،
وكيفية شقاوة النفوس وسعادتها وأسباب ذلك. وأما طبّ الأبدان، فجاء من تكميل شريعته
ومقصوداً لغيره، بحيث إنما يستعمل عند الحاجة إليه، فإذا قدر الاستغناء عنه كان صرف الهمم
والقوى إلى علاج القلوب والأرواح وحفظ صحتها ودفع أسقامها وحميتها مما يفسدها هو
المقصود بالقصد الأول، وإصلاح البدن بدون إصلاح القلب لا ينفع، وفساد البدن مع إصلاح
القلب مضرته يسيرة جدًّا، وهي مضرّة زائلة تعقبها المنفعة الدائمة التامّة)).
مكانة الطبّ النبويّ في الشريعة
ذكر بعض العلماء إلى أن ما ذكره رسول الله وَ طير من المعالجات ومن الحقائق الطبيّة، ليس
جزء للشريعة التي أمرنا بالإيمان والعمل بها. قال ابن خلدون في مقدمته (١: ٤٩٣) كتاب ١،
باب ٦، فصل (١٩): ((وللبادية من أهل العمران طبّ يبنونه في غالب الأمر على تجربة قاصرة
على بعض الأشخاص، متوارثاً عن مشايخ الحيّ وعجائزه، وربّما يصحّ منه البعض، إلّا أنّه ليس
على قانون طبيعيّ ولا على موافقة المزاج. وكان عند العرب من هذا الطبّ كثير. وكان فيهم
أطبّاء معروفون كالحارث بن كلدة وغيره. والطب المنقول في الشّرعيّات من هذا القبيل، وليس
من الوحي في شيء، وإنّما هو أمر كان عاديًّا للعرب، ووقع في ذكر أحوال النبي ◌َّ من نوع
ذكر أحواله التي هي عادة وجبلّة، لا من جهة أن ذلك مشروع على ذلك النّحو من العمل،
فإنه وَ ل﴿ إنما بعث ليعلّمنا الشرائع، ولم يبعث لتعريف الطبّ وغيره من العاديات. وقد وقع له في
شأن تلقيح النّخل ما وقع، فقال: أنتم أعلم بأمور دنياكم، فلا ينبغي أن يحمل شيء من الطبّ
الذي وقع في الأحاديث المنقولة على أنّه مشروع، فليس هناك ما يدلّ عليه. اللهمّ إلّا إذا
استُعِمِل على جهة التبرّك وصدق العقد الإيمانيّ، فيكون له أثر عظيم في النّفع، وليس ذلك في
الطبّ المزاجيّ، وإنما هو من آثار الكلمة الإيمانيّة، كما وقع في مداواة المبطون بالعسل، والله
الهادي إلى الصواب)).
قال العبد الضعيف عفا الله عنه: إن كان ابن خلدون كثّثه، أراد بهذه العبارة أن المعالجات
المروية عن رسول الله وَ﴿ مبنيّة على تجارب محلّية قاصرة على بعض الأشخاص، فيمكن أن
يكون بعضها غير موافقة للحقائق العلمية الثابتة، فهذا كلام في غاية الخطورة. وكذلك ما جزم به
ابن خلدون تقُّ، من أنها ليست من الوحي في شيء، لا يمكن تأسيسه على نصّ من النصوص
أو على دليل قطعيّ آخر، وما هو المانع من أن يكون رسول الله وَّ علم بعض المعالجات

٢٥٦
الجزء الرابع من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
(١٦) - باب: الطب والمرض والرقى
٥٦٦٣ - (٣٩) حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي عُمَرَ الْمَكِّيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ الدَّرَاوَرْدِيُّ،
عَنْ يَزِيدَ - (وَهُوَ: ابْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُسَامَةَ بْنِ الْهَادِ) عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ أَبِي
سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ عَائِشَةَ، زَوْجِ النَّبِيِّ بَّهِ: أَنَّهَا قَالَتْ: كَانَ إِذَا اشْتَكَىْ رَسُولُ
بالوحي؟ والصّحيح أنه لا سبيل إلى الجزم بأحد الاحتمالين في هذا، فيمكن أن تكون بعض
المعالجات وحياً، ويمكن أن تكون بعضها مبنية على التجربة، بأنها ليست من الوحي في شيء.
ولكن الذي نقطع به: أنه لا يمكن أن يكون شيء من الأخبار والتعاليم الطبية التي جزم بها
رسول الله وَ﴿ وثبتت عنه بطرق صحيحة مخالفة للواقع الحقيقيّ، سواء وصل إليه علم البشر أو
لم يصل إليه بعد، لأن من المحال أن يخبر رسول الله وَ﴾ خبراً جازماً لا يوافق الواقع. فإن كان
ذلك الخبر مبنياً على الوحي فكونه موافقاً للواقع ظاهر. وأما إذا لم يكن مبنياً على الوحي،
فلأنه وَ ل﴿ لا يُقَرُ على خلاف الواقع. وأما قصة تأبير النّخل التي استدل بها ابن خلدون، فلم
يجزم رسول الله وَ﴿ فيها بشيء، وإنّما ظنّ ظنّاً، ولذلك قال وَّ في تلك القصّة: ((فإنّي إنما
ظننت ظنًّا، ولا تؤاخذوني بالظنّ)) وسيأتي تفصيله في محله إن شاء الله فلا يقاس عليها أخباره
الجازمة.
نعم، هناك مجال للقول بأن المعالجات المروية عن رسول الله ولو ليست من قبيل تبليغ
الرسالة، وليست جزء للشريعة بمعنى أن يجب اتباعها لكل أحد في كل مكان وزمان. يقول
الشيخ وليّ الله الدهلوي في ((حجة الله البالغة)) (١: ١٢٨): ((اعلم أن ما روى عن النبي وَل
ودوّن في كتب الحديث على قسمين: أحدهما ما سبيله سبيل تبليغ الرسالة، وفيه قوله تعالى:
﴿وَمَآ ءَانَكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَنَّكُمْ عَنْهُ فَانتَهُواْ﴾، منه: علوم المعاد وعجائب الملكوت، وهذا
كله مستند إلى الوحي، ومنه شرائع وضبط للعبادات والارتفاقات بوجوه الضبط المذكورة فيما
سبق وهذه بعضها مستند إلى الوحي، وبعضها مستند إلى الاجتهاد. واجتهاده وَطهو بمنزلة الوحي،
لأن الله تعالى عصمه من أن يتقرر رأيه على خطأ ... وثانيهما: ما ليس من باب تبليغ الرسالة.
وفيه قوله وَله: ((إنما أنا بشر، إذا أمرتكم بشيء من دينكم فخذوا به، وإذا أمرتكم بشيء من رأيي
فإنما أنا بشر)). وقوله بَله في قصة تأبير النخل: ((فإنّي إنّما ظننت ظنًّا، ولا تؤاخذوني بالظنّ،
ولكن إذا حدثتكم عن الله شيئاً فخذوا به، فإني لم أكذب على الله)). فمنه الطبّ، ومنه باب
قوله وَلجر: ((عليكم بالأدهم الأقرح)). ومستنده التجربة. ومنه ما فعله النبي وير على سبيل العادة
دون العبادة))، والله سبحانه وتعالى أعلم.
(١٦) - باب: الطب والمرض والرقى
٣٩ - (٢١٨٥) - قوله: (عن عائشة) هذا الحديث لم يخرجه من الأئمة الستة إلا
المصنف ڵثُ .

٢٥٧
كتاب: الطب
اللَّهِ وَلِّ رَقَاهُ جِبْرِيلُ. قَالَ: بِاسْم اللَّهِ يُبْرِيكَ، وَمِنْ كُلِّ دَاءٍ يَشْفِيكَ، وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا
حَسَدَ، وَشَرِّ كُلِّ ذِي غَيْنٍ .
٥٦٦٤ - (٤٠) حدّثنا بِشْرُ بْنُ هِلَاَلِ الصَّوَّافُ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ، حَدَّثَنَا عَبْدُ
الْعَزِيزِ بْنُ صُهَيْبٍ، عَنْ أَبِي نَضْرَةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ: أَنَّ جِبْرِيْلَ أَتَى النَّبِيِّ وَهِ فَقَالَ: يَا
مُحَمَّدُ! اشْتَكَيْتَ؟ فَقَالَ: (نَعَمْ)) قَالَ: بِاسْمِ اللَّهِ أَرْقِيكَ، مِنْ كُلِّ شَيْءٍ يُؤْذِيكَ، مِنْ شَرِّ كُلِّ
نَفْسٍ، أَوْ عَيْنِ حَاسِدٍ اللَّه يَشْفِيكَ، بِاسْمِ اللَّهِ أَزْقِيكَ.
قوله: (رقاه جبريل) فيه جواز الرُقية، وهي بضم الراء. يقال: رقى بالفتح في الماضي،
يرقي بالكسر في المستقبل، ورقيت فلاناً بكسر القاف أرقيه: وهو بمعنى التعويذ. والاسترقاء
طلب الرقية .
قال الحافظ في الفتح (١٠: ١٩٥): ((أجمع العلماء على جواز الرقي عند اجتماع ثلاثة
شروط: أن يكون بكلام الله تعالى أو بأسمائه وصفاته، وباللسان العربي، أو بما يعرف معناه من
غيره، وأن يعتقد أن الرقية لا تؤثر بذاتها، بل بذات الله تعالى)) ولعله أراد بالشرط الأول أن لا
يكون فيه استمداد بغير الله، وإلّا فالظاهر أن ذكر اسم الله ليس بشرط. وسيأتي عند المصنف
حديث عوف بن مالك، قال: ((كنا نرقي في الجاهلية، فقلنا: يا رسول الله! كيف ترى في ذلك؟
فقال: اعرضوا عليّ رقاكم، لا بأس بالرقى ما لم يكن فيه شرك)) وهذا هو الأصل في الباب.
وأمّا الأحاديث التي ورد فيها النهي عن الرقى، أو الأحاديث التي أثنى فيها على الذين لا
يسترقون، فإنها محمولة على رقى الكفار التي تشتمل على كلمات الشرك أو الاستمداد بغير الله
تعالى، أو الرقى التي لا يفهم معناها، فإنها لا يؤمن أن تؤدي إلى الشرك، فمنع منها احتياطاً،
والله سبحانه أعلم.
قوله: (يبريك) بضم الياء، أي: يعافيك من المرض، وأصله الإبراء بالهمزة، وربما تخفف
فتبدل یاء.
٤٠ - (٢١٨٦) - (قوله: (عن أبي سعيد) هذا الحديث أخرجه الترمذي في الجنائز، باب ما
جاء في التعوذ للمريض ٩٧٢، وابن ماجه في الطبّ، باب ما عوّذ به النبي ◌ُّر وما عوّذ به
(٣٥٦٨).
قوله: (باسم الله أرقيك) قال النووي: ((هذا تصريح بالرقى بأسماء الله تعالى، وفيه توكيد
الرقية والدعاء وتكريره وقوله: ((من شر كل نفس)) قيل: يحتمل أن المراد بالنفس نفس الآدمي،
وقيل: يحتمل أن المراد بها العين، فإن النفس تطلق على العين. ويقال: رجل نفوس، إذا كان
يصيب الناس بعينه، كما قال في الرواية الأخرى من شرّ كل ذي عين ويكون قوله: ((أو عين
حاسد)) من باب التوكيد بلفظ مختلف، أو شكّا من الراوي في لفظه، والله أعلم.

٢٥٨
الجزء الرابع من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
٥٦٦٥ - (٤١) حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِع، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ
هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهِ، قَالَ: هَذَا مَا حَدَّثَنَا أَبُو هُرَيْرَةً، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ وَلِّ، فَذَكَرَ أَحَادِيثَ مِنْهَا:
وَقَالَ رَسُولُ اللّهِ وَّهِ: (الْعَيْنُ حَقٌّ)).
٤١ - (٢١٨٧) - قوله: (حدثنا أبو هريرة) هذا الحديث أخرجه البخاري في الطب، باب
العين حقّ (٥٧٤٠)، وفي اللباس، باب الواشمة (٥٩٤٤)، وأبو داود في الطب، باب ما جاء
في العين (٣٨٧٩)، وابن ماجه في الطبّ، باب العين (٣٥٥٢).
قوله: (العين حقّ) أي: الإصابة بالعين شيء ثابت موجود، والإصابة بالعين: أن ينظر
المرء إلى شخص فيعجبه ذلك، فيحدث ضرر بالمنظور إليه بسبب نظره إليه وإعجابه به، ويسمى
الناظر بعد إصابة العين عائناً، والمنظور إليه معيوناً.
قال المازري: ((أخذ الجمهور بظاهر الحديث (وقالوا: إن إصابة العين حق) وأنكره
طوائف المبتدعة لغير معنى، لأن كل شيء ليس محالاً في نفسه، ولا يؤدي إلى قلب حقيقة ولا
إفساد دليل، فهو من متجاوزات العقول، فإذا أخبر الشرع بوقوعه لم يكن لإنكاره معنى. وهل
من فرق بين إنكارهم هذا وإنكار ما يخبر به من أمور الآخرة)) حكاه الحافظ في الفتح
(١٠ : ٢٠٣).
وأما حقيقة إصابة العين، فقد تكلم فيها العلماء كثيراً، فقال الخطابي كثُّ تعالى:
((قال المازري: زعم بعض الطبائعيين أن العائن ينبعث من عينه قوة سمية تتصل بالمعين
فيهلك أو يفسد، وهو كإصابة السمّ من نظر الأفاعي. وأشار إلى منع الحصر في ذلك مع
تجويزه، وأن الذي يتمشى على طريق أهل السنّة أن العين إنما تضرّ عند نظر العائن بعادة أجراها
الله تعالى أن يحدث الضرر عند مقابلة شخص لآخر. وهل ثَمّ جواهر خفية أو لا؟ هو أمر
محتمل لا يقطع بإثباته ولا نفيه، ومن قال ممن ينتمي إلى الإسلام من أصحاب الطبائع بالقطع
بأن جواهر لطيفة غير مرئية تنبعث من العائن، فتتصل المعيون، وتتخلل مسامَّ جسمه، فيخلق
البارئ الهلاك عندها كما يخلق الهلاك عند شرب السموم، فقد أخطأ بدعوى القطع. ولكن جائز
أن يكون عادة ليست ضرورة ولا طبيعة)).
وذكر ابن العربي عن الفلاسفة أن الإصابة بالعين صادرة عن تأثير النّفس بقوتها فيه، فأول
ما تؤثر في نفسها ثم تؤثر في غيرها، ثم ردّه بأنه لو كان كذلك لما تخلّفت الإصابة في كل
حال، والواقع خلافه. ثم ذكر عن بعض العلماء كلاماً مثل ما نقل الخطابي عن المأزري، ورده
أيضاً بما لا يصح ردًّا، ثم قال: والحقّ أنّ الله يخلق عند نظر العائن إليه وإعجابه به إذا شاء ما
شاء، من ألم أو هلكة، وقد يصرفه قبل وقوعه إمّا بالاستعاذة أو بغيرها. وقد يصرفه بعد وقوعه
بالرقية أو الاغتسال أو بغير ذلك)).

٢٥٩
كتاب: الطب
٥٦٦٦ - (٤٢) وحدّثنا عَبْدُ اللَّه بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الدَّارِمِيُّ، وَحَجَّاجُ بْنُ الشَّاعِرِ،
وأَحْمَدُ بْنُ خِرَاشٍ، - (قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: أَخْبَرَنَا، وَقَالَ الآخَرَانِ: حَدَّثَنَا) - مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ،
قَالَ: حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ، عَنِ ابْنِ طَاوُسٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنِ النَّبِّ وَّرِ قَالَ: ((الْعَيْنُ
حَقٌّ، وَلَوْ كَانَ شَيْءٌ سَابَقَ الْقَدَرَ سَبَقَتْهُ الْعَيْنُ. وَإِذَا اسْتُغِسْتُمْ فَاغْسِلُوا)).
وحكى الحافظ في الفتح (١٠: ٢٠٠) هذه الأقوال ثم قال: «وقد أجرى الله العادة بوجود
كثير من القوى والخواص في الأجسام والأرواح، كما يحدث لمن ينظر إليه من يحتشمه من
الخجل، فيرى في وجهه حمرة شديدة لم تكن قبل ذلك. وكذا الاصفرار عند رؤية من يخافه.
وكثير من الناس يسقم بمجرد النظر إليه وتضعف قواه. وكل ذلك بواسطة ما خلق الله تعالى في
الأرواح من التأثيرات، ولشدة ارتباطها بالعين نسب الفعل إلى العين، وليست هي المؤثرة،
وإنّما التأثير للروح، والأرواح مختلفة في طبائعها وقواها وكيفياتها وخواصّها. فمنها ما يؤثر في
البدن بمجرد الرؤية من غير اتصال به لشدة خبث تلك الروح وكيفيتها الخبيثة. والحاصل أن
التأثير بإرادة الله تعالى وخلقه ليس مقصوراً على الاتصال الجسماني، بل يكون تارة به، وتارة
بالمقابلة، وأخرى بمجرد الرؤية، وأخرى بتوجه الروح، كالذي يحدث من الأدعية والرقى
والالتجاء إلى الله، وتارة يقع ذلك بالتوهم والتخيلّ. فالذي يخرج من عين العائن سهم معنوي
إن صادف البدن لا وقاية له، أثر فيه، وإلا لم ينفذ السهم، بل ربما ردّ على صاحبه كالسهم
الحسّي سواء)».
وهذا كلام متين جدًّا ومن هنا قال ابن بطال أن من ذلك أن الصحيح قد ينظر إلى العين
الرمداء فيرمد، ويتثاءب واحد بحضرته فيتثاؤب هو. وقد نقل عن بعض من كان معياناً أنه قال:
إذا رأيت شيئاً يعجبني وجدت حرارة تخرج من عيني. ويقرب ذلك بالمرأة الحائض، تضع يدها
في إناء اللبن فيفسد، ولو وضعتها بعد طهرها لم يفسد. وكذا تدخل البستان فتضر بكثير من
الغروس من غير أن تمسّها يدها. والله سبحانه أعلم.
٤٢ - (٢١٨٨) - قوله: (عن ابن عباس) هذا الحديث أخرجه الترمذي في الطبّ، باب ما
جاء أن العين حق، (رقم: ٢٠٦٣).
قوله: (لو كان شيء سابق القدر سبقته العين) مراده أن العين من الأسباب الظاهرة القويّة
في إحداث ضرر، ولكنها لا تسبق القدر كما لا تسبقه الأسباب الظّاهرة الأخرى. فمن كتب الله
تعالى له الصحّة لا تضرّه العين على الرغم من كونها سبباً قويًّا للضرر، كما أنّ السّمّ سبب قويّ
للهلاك، ولكنه لا يضرّ من كتب الله له الحياة. وحاصله أنه لو فرض أن شيئاً له قوة يسبق بها
القدر، لكان العين لقوة تأثيرها، لكنها لا تسبق، فكيف بغيرها؟
قوله: (وإذا استُغسِلتم فاغسلوا) إشارة إلى علاج إصابة العين، وقد أخرج أبو داود (رقم:

٢٦٠
الجزء الرابع من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
٣٨٨٠) عن عائشة رضيّا قالت: ((كان يؤمر العائن فيتوضأ، ثم يغتسل منه المعين)). فالمراد من
حديث الباب أنكم إذا طلب منكم الغسل أو الوضوء لعلاج العائن فاغسلوا. وصفة الاغتسال
مشروحة في حديث أبي أمامة بن سهل بن حنيف، وقد أخرجه ابن ماجه في الطبّ (٣٥٥٤)
وأحمد في مسنده (٣: ٣٨٦): ولفظه: ((أن رسول الله ◌َ ﴾ خرج وساروا معه نحو مكة، حتى إذا
كانوا بشعب الخرار من الجحفة اغتسل سهل بن حنيف، وكان رجلاً أبيض حسن الجسم
والجلد، فنظر إليه عامر بن ربيعة أخو بني عدي بن كعب وهو يغتسل، فقال: ما رأيت كاليوم
ولا جلد مخبّأة (أي عذراء مستورة)، فلُبِط (أي صُرع) سهل، فأتي رسول الله وَّل، فقيل له:
يا رسول الله! هل لك في سهل؟ والله ما يرفع رأسه وما يفيق! قال: هل تتّهمون فيه من أحد؟
قالوا: نظر إليه عامر بن ربيعة، فدعا رسول الله ◌َ طر عامراً، فتغيظ عليه وقال: علام يقتل أحدكم
أخاه؟ هلاّ إذا رأيت ما يعجبك برّكت؟ ثم قال له: اغتسل له، فغسل وجهه ويديه ومرفقيه وركبتيه
وأطراف رجليه وداخلة إزاره في قدح، ثمّ صبّ ذلك الماء عليه، يصبه رجل على رأسه وظهره
من خلفه، ثم يكفئ القدح وراءه. ففعل به ذلك، فراح سهل مع الناس ليس به بأس))، والحديث
أخرجه مالك في الموطأ أيضاً (الطبّ ص: ٧١٩) ولكنه اقتصر على قوله: ((فتوضأ له عامر،
فراح سهل مع رسول الله (َ﴿ ليس به بأس)) ولم يذكر كيفية الاغتسال.
وذكر النووي تفصيل الوضوء والغسل، فقال: ((وصفة وضوء العائن عند العلماء أن يؤتى
بقدح ماء، ولا يوضع القدح في الأرض، فيأخذ منه غرفة فيتمضمض بها ثم يمجّها في القدح،
ثم يأخذ منه ماء يغسل وجهه، ثم يأخذ بشماله ماء يغسل به كفه اليمنى، ثم بيمينه ماء يغسل به
مرفقه الأيسر، ولا يغسل ما بين المرفقين والكعبين، ثم يغسل قدمه اليمنى، ثم اليسرى على
الصفة المتقدمة، وكل ذلك في القدح، ثم داخلة إزاره، وهو الطرف المتدلّي الذي يلي حقوه
الأيمن وقد ظن بعضهم أن داخلة الإزار كناية عن الفرج، وجمهور العلماء على ما قدمناه، فإذا
استكمل هذا صبه من خلفه على رأسه)) أي على رأس المعيون.
قال المأزري: ((هذا المعنى مما لا يمكن تعليله ومعرفة وجهه من جهة العقل، فلا يردّ
لكونه لا يعقل معناه)). وقال ابن العربي: ((إن توقف فيه متشرع قلنا له: قل: الله ورسوله أعلم،
وقد عضدته التجربة وصدّقته المعاينة، أو متفلسف، فالردّ عليه أظهر، لأن عنده أن الأدوية تفعل
بقواها، وقد تفعل بمعنى لا يدرك، ويسمون ما هذا سبيله الخواصّ)).
وقال ابن القيّم ◌َلَهُ: ((هذه الكيفية لا ينتفع بها من أنكرها، ولا من سخر منها، ولا من
شكّ فيها أو فعلها مجرّباً غير معتقد. وإذا كان في الطبيعة خواصّ لا يعرف الأطباء عللها، بل
هي عندهم خارجة عن القياس، وإنما تفعل بالخاصية، فما الذي تنكر جهلتهم من الخواص
الشرعية؟ هذا مع أن في المعالجة بالاغتسال مناسبة لا تأباها العقول الصحيحة. فهذا ترياق سمّ