Indexed OCR Text

Pages 61-80

٦١
كتاب: الأطعمة
إِنْسَانٍ مِنَّا نَصِيبَهُ. وَنَرْفَعُ لِلنَّبِيِّ وَ نَصِيبَهُ. قَالَ: فَيَجِيءُ مِنَ اللَّيْلِ فَيُسَلِّمُ تَسْلِيماً لاَ يُوقِظُ
نَائِماً. وَيُسْمِعُ الْيَقْظَانَ. قَالَ ثُمَّ يَأْتِي الْمَسْجِدَ فَيُصَلِّي. ثُمَّ يَأْتِيَ شَرَابَهُ فَيَشْرَبُ. فَأَتَانِي
الشّيْطَانُ ذَاتَ لَيْلَةٍ، وَقَدْ شَرِبْتُ نَصِيبِي. فَقَالَ: مُحَمَّدْ يَأْتِي الأَنْصَارَ فَيُتْحِفُونَهُ، وَيُصِيبُ
عِنْدَهُمْ. مَا بِهِ حَاجَةٌ إِلَى هَذِهِ الْجُرْعَةِ. فَأَتَيْتُهَا فَشَرِبْتُهَا. فَلَمَّا أَنْ وَغَلَتْ فِي بَطْنِي، وَعَلِمْتُ
أَنَّهُ لَيْسَ إِلَيْهَا سَبِيلٌ. قَالَ نَدَّمَنِي الشَّيْطَانُ. فَقَالَ: وَيْحَكَ، مَا صَنَعْتَ؟ أَشَرِبْتَ شَرَابَ
مُحَمَّدٍ؟ فَيَجِيءُ فَلاَ يَجِدُهُ فَيَدْعُو عَلَيْكَ فَتَهْلِكُ. فَتَذْهَبُ دُنْيَاكَ وَآخِرَتُكَ. وَعَلَيَّ شَمْلَةٌ. إِذَا
وَضَعْتُهَا عَلَى قَدَمَيَّ خَرَجَ رَأْسِي، وَإِذَا وَضَعْتُهَا عَلَى رَأْسِي خَرَجَ قَدَمَايَ. وَجَعَلَ لاَ يَجِيتُنِي
النَّوْمُ. وَأَمَّا صَاحِبَايَ فَنَامَا وَلَمْ يَصْنَعَا مَا صَنَعْتُ. قَالَ: فَجَاءَ النَّبِيُّ ◌َرَ فَسَلَّمَ كَمَا كَانَ
يُسَلِّمُ. ثُمَّ أَتَى الْمَسْجِدَ فَصَلَّى. ثُمَّ أَتَى شَرَابَهُ فَكْشَفَ عَنْهُ فَلَمْ يَجِدْ فِيهِ شَيْئاً. فَرَفَعَ رَأْسَهُ
إِلَى السَّمَاءِ. فَقُلْتُ: الآنَ يَدْعُو عَلَيَّ فَأَهْلِكُ. فَقَالَ: ((اللَّهُمَّ أَطْعِمْ مَنْ أَطْعَمَنِي. وَأَسْقِ مَنْ
أَسْقَانِ)) قَالَ: فَعَمَدْتُ إِلَى الشَّمْلَةِ فَشَدَدْتُهَا عَلَيَّ. وَأَخَذْتُ الشَّفْرَةَ فَانْطَلَقْتُ إِلَى الأَعْنُزِ أَيُّهَا
أَسْمَنُ فَأَذْبَحُهَا لِرَسُولِ اللَّهِ وَ. فَإِذَا هِيَ حَافِلَةٌ. وَإِذَا هُنَّ حُفَّلٌ كُلُّهُنَّ. فَعَمَدْتُ إِلَى إِنَاءٍ
قوله: (لا يوقظ نائماً ويسمع اليقظان) هذا أدب السلام على الإيقاظ في موضع فيه رجل
نائم، لئلا يؤذيه .
قوله: (يأتي الأنصار فيتحفونه) يعني: أن النبي ◌َّ و ربما يتحفه الأنصار بشيء يسدّ جوعه،
فلو شربت نصيبه، أمكن له أن يعالج جوعه بما يتحفه الأنصار.
قوله: (وغلت في بطني) أي: دخلت وتمكنت منه، والمصدر وغول من باب وعد، بمعنى
الدخول.
قوله: (وعلمت أنه ليس إليها سبيل) هذا يحتمل معنيين: الأول: أني تنبهت بعد الشرب
أنه لم يكن لي سبيل في جواز شرب نصيب رسول الله ويؤ. والثاني: أنه لا سبيل الآن إلى إعادة
ما شربته إلى محله.
قوله: (وعليّ شملة) أي: رداءً.
قوله: (اللّهمَ اظْعِمْ من أطعمني إلخ) فيه ما جبل عليه رسول الله وَ ◌ّر من العفو والحلم
والصبر وإحسان القول، وترك الانتقام، فإنه لم يسأل عن اللبن، ولا ذكر من شربه بسوء.
قوله: (فإذا هي حافلة) أي: مملوء ضرعها باللبن، وجمعها حفّل، كما سيأتي وذلك ببركة
النبي ◌ّل. وأصل الحفل: الاجتماع، يقال: حفل الماء، أو اللبن: إذا اجتمع، والضرع
الحافل: ما اجتمع فيه اللبن.

٦٢
الجزء الرابع من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
لِلِ مُحَمَّدٍ وََّ مَا كَانُوا يَطْمَعُونَ أَنْ يَخْتَلِبُوا فِيهِ. قَالَ: فَحَلبْتُ فِيهِ حَتَّى عَلَتْهُ رُغْوَةٌ. فَجِثْتُ
إِلَىْ رَسُولِ اللَّهِ بَّهِ فَقَالَ: ((أَشَرِبْتُمْ شَرَابَكُمْ اللَّيْلَةَ؟)) قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، اشْرَبْ.
فَشَرِبَ ثُمَّ نَاوَلَنِي. فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، اشْرَبْ. فَشَرِبَ ثُمَّ نَاوَلَنِي. فَلَمَّا عَرَفْتُ أَنَّ
النَّبِيَّ ◌َِّ قَدْ رَوِيَ، وَأَصَبْتُ دَعْوَتَهُ، ضَحِكْتُ حَتَّى أُلْقِيتُ إِلَى الأَرْضِ. قَالَ فَقَالَ
النَّبِيُّ وََّ: ((إِحْدَى سَوْآَتِكَ يَا مِقْدَادُ» فقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، كَانَ مِنْ أَمْرِي كَذَا وَكَذَا.
وَفَعَلْتُ كَذَا. فَقَالَ النَّبِيُّ وَّهِ: ((مَا هَذِهِ إِلاَّ رَحْمَةٌ مِنَ اللَّهِ. أَفَلاَ كُنْتَ آذَنْتَنِي، فَتُوقِظَ صَاحِبَيْنَا
فَيُصِيبَانِ مِنْهَا)) قَالَ فَقُلْتُ: وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِ، مَا أُبَالِي إِذَا أَصَبْتَهَا وَأَصَبْتُهَا مَعَكَ، مَنْ
أَصَابَهَا مِنَ النَّاسِ.
٥٣٣١ - (٠٠٠) وحدّثنا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ. أَخْبَرَنَا النَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ. حَدَّثَنَا
سُلَيْمَانُ بْنُ الْمُغِيرَةِ، بِهِذَا الإِسْنَادِ.
٥٣٣٢ - (١٧٥) وحدّثنا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ الْعَنْبَرِيُّ وَحَامِدُ بْنُ عُمَرَ الْبَكْرَاوِيُّ
وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى. جَمِيعاً عَنِ الْمُعْتَمِرِ بْنِ سُلَيْمَانَ (وَاللَّفْظُ لابْنِ مُعَاذٍ). حَدَّثَنَا
الْمُعْتَمِرُ. حَدَّثَنَا أَبِي، عَنْ أَبِي عُثْمَانَ (وَحَدَّثَ أَيْضاً)، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمُنِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ .
قَالَ: كُنَّا مَعَ النَّبِّ وَِّ ثَلاَثِينَ وَمِائَّةً. فَقَالَ النَّبِيُّ وَّهِ: ((هَلْ مَعَ أَحَدٍ مِنْكُمْ طَعَامٌ؟)) فَإِذَا مَعَ
رَجُلٍ صَاعٌ مِنْ طَعَامِ أَوْ نَحْوُهُ. فَعُجِنَ. ثُمَّ جَاءَ رَجُلٌ، مُشْرِكٌ مُشْعَانٌ طَوِيلٌ، بِغَنَمِ يَسُوقُهَا .
قوله: (حتى علته رغوة) الرغوة، بتثليث الراء: زبد اللبن الذي يعلوه. ويقال له الرغاوة أو
الرغاية أيضاً.
قوله: (وأصبت دعوته) يعني قوله: (واسق من سقاني).
قوله: (ضحكت إلخ) وذلك لأنه كان عنده حزن شديد خوفاً من أن يدعو عليه النبي وَّر
لكونه أذهب نصيبه وتعرض لأذاه، فلما علم أن النبي وَل و قد روي، وكان قبل ذلك دعا لمن
أرواه بقوله ((اللهم أطعم من أطعمني واسق من سقاني)) تبين للمقداد أنه صار معرضاً لدعاء
النبي وَّ له لا عليه، ففرح بذلك وضحك لانقلاب ما كان يخافه إلى ما يسرّه، ولظهور معجزة
النبي گآلق بين يديه .
قوله: (إحدى سوآتك يا مقداد) يعني: ما هي فعلتك السيئة التي تضحكك الشكل؟
١٧٥ - (٢٠٥٦) - قوله: (عن عبد الرحمن بن أبي بكر) هذا الحديث أخرجه البخاري في
الهبة، باب قبول الهدية من المشركين، (٢٦١٨)، وفي الأطعمة، باب من أكل حتى شبع،
(٥٣٨٢)، وفي البيوع، باب الشراء والبيع مع المشركين وأهل الحرب (٢٢١٦).
قوله: (مشعانٌ) بضم الميم وإسكان الشين وتشديد النون، اسم فاعل من باب

٦٣
كتاب: الأطعمة
فَقَالَ النَّبِيُّ نَ: ((أَبَيِعْ أَمْ عَطِيَّةٌ - أَوْ قَالَ - أَمْ هِبَةٌ؟)) فَقَالَ: لاَ. بَلْ بَيْعٌ. فَاشْتَرَىُ مِنْهُ شَاةً .
فَصُنِعَتْ. وَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ وَ بِسَوَادِ الْبَطْنِ أَنْ يُشْوَىُ. قَالَ: وَانْمُ اللَّهِ، مَامِنَ الثَّلاَثِينَ
وَمِائَةٍ إِلَّ حَزَّ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ وَ لِّ حُزَّةٌ حُزَّةٌ مِنْ سَوَادٍ بَطْنِهَا. إِنْ كَانَ شَاهِداً، أَعْطَاهُ. وَإِنْ كَانَ
غَائِباً، خَبَأَ لَهُ.
قَالَ وَجَعَلَ قَصْعَتَيْنِ. فَأَكَلْنَا مِنْهُمَا أَجْمَعُونَ. وَشَبِعْنَا. وَفَضَلَ فِي الْقَصْعَتَيْنِ. فَحَمَلْتُهُ
عَلَى الْبَعِيرِ. أَوْ كَمَا قَالَ.
٥٣٣٣ - (١٧٦) حدّثنا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذِ الْعَنْبَرِيُّ وَحَامِدُ بْنُ عُمَرَ الْبَكْرَاوِيُّ
وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى الْقَيْسِيُّ. كُلُّهُمْ عَنِ الْمُعْتَمِرِ (وَاللَّفْظُ لابْنِ مُعَاذٍ) حَدَّثَنَا الْمُعْتَمِرُ بْنُ
سُلَيْمَانَ قَالَ: قَالَ أَبِي: حَدَّثَنَا أَبُو عُثْمَانَ؛ أَنَّهُ حَدَّثَهُ عَبْدُ الرَّحْمُنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ؛ أَنَّ
أَصْحَابَ الصُّفَّةِ كَانُوا نَاساً فُقَرَاءَ. وَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَّرِ قَالَ مَرَّةً: ((مَنْ كَانَ عِنْدَهُ طَعَامُ
الاخشيشان. وهو الطويل جدًّا فوق الطول. وقوله (طويل) تفسيره وقال القزاز: المشعانّ:
الجافي الثائر الرأس.
قوله: (أبيع أم عطيّة؟) استدل به البخاري على جواز قبول الهدية من المشرك، لأن الظاهر
من هذا السؤال أن الرجل إن جعله عطية قبلها النبي وَ لّ منه، وإلّا لما سأله عن كونه عطية.
قوله: (بسواد البطن) هو الكبد، أو كل ما في البطن من كبد وغيرها .
قوله: (إلا حزّ - حزّة) حزّ يحزّ، من باب ذبّ: قطع. والحزّة بضم الحاء: القطعة، وفيه
معجزة للنبي وَّر في تكثير الطعام.
قوله: (خبأ له) أصل (خبأ) بمعنى أخفى، والمراد عزل نصيبه والاحتفاظ به حتى يجيئ.
قوله: (فأكلنا منهما أجمعون) يحتمل أن يكونوا اجتمعوا على قصتين، فيكون فيه معجزة
أخرى لكونهما وسعتا أيدي القوم ويحتمل أن يريد أنهم أكلوا كلهم في الجملة، أعم من
الاجتماع والافتراق، كذا في فتح الباري (٥: ٢٣٢).
١٧٦ - (٢٠٥٧) - قوله: (حدثه عبد الرحمن بن أبي بكر) هذا الحديث أخرجه البخاري في
مواقيت الصلاة، باب السمر مع الضيف والأهل، (٦٠٢)، وفي المناقب، باب علامات النبوة
في الإسلام، (٣٥٨١)، وفي الأدب، باب ما يكره من الغضب والجزع عند الضيف، (٦١٤٠)
وباب قول الضيف لصاحبه: والله لا آكل حتى تأكل، (٦١٤١).
قوله: (أن أصحاب الصفّة) وإن الصّفة كانت مكاناً في مؤخر المسجد النبوي مظلّلا أعدّ
لنزول الغرباء فيه ممن لا مأوى له ولا أهل، وكانوا يكثرون فيه ويقلّون بحسب من يتزوج منهم
أو يموت أو يسافر. وقد سرد أسماءهم أبو نعيم في الحلية، فزادوا على المائة.

٦٤
الجزء الرابع من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
اثْنَيْنِ، فَلْيَذْهَبْ بِثَلاثَةٍ. وَمَنْ كَانَ عِنْدَهُ طَعَامُ أَرْبَعَةٍ، فَلْيَذْهَبْ بِخَامِسٍ، بِسَادِسٍ)). أَوْ كَمَا
قَالَ، وَإِنَّ أَبَا بَكْرٍ جَاءَ بِثَلاثَةٍ. وَانْطَلَقَ نَبِيُّ اللَّهِ وَهَ بِعَشَرَةٍ. وَأَبُو بَكْرِ بِثَلاثَةٍ. قَالُ: فَهُوَ وَأَنَا
وَأَبِي وَأَمْي - وَلاَّ أَذْرِي هَلْ قَالَ: وَامْرَأَتِي وَخَادِمْ بَيْنَ بَيْتِنَا وَبَيْتِ أَبِي بَكْرٍ . قَالَ: وَإِنَّ أَبَا بَكْرٍ
تَعَشَى عِنْدَ النَّبِّ وَ. ثُمَّ لَبِثَ حَتَّى صُلْيَتِ الْعِشَاءُ.
قوله: (فليذهب بثلاثة) كذا في جميع نسخ مسلم. ووقع في رواية البخاري: ((فليذهب
بثالث)) وغلّط القاضي عياض رواية مسلم، وقال: إن الصواب رواية البخاري لموافقتها لسياق
باقي الحديث. وقال القرطبي: إن حمل (أي ما رواه مسلم) على ظاهره فسد المعن، لأن الذي
عنده طعام اثنين، إذا ذهب معه بثلاثة لزم أن يأكله في خمسة، وحينئذ لا يكفيهم ولا يسدّ
رمقهم، بخلاف ما إذا ذهب بواحد، فإنه يأكله في ثلاثة. ويؤيده قوله في الحديث الآخر: ((طعام
الاثنين يكفي الأربعة)) أي القدر الذي يشبع الإثنين يسدّ رمق أربعة، ووجه النووي رواية مسلم
بأن التقدير: ((فليذهب بمن يتم من عنده ثلاثة، أو فليذهب بتمام ثلاثة)).
قوله: (فليذهب بخامس، بسادس) أي: فليذهب بخامس إن لم يكن عنده ما يقتضي أكثر
من ذلك، وإلا فليذهب بسادس مع الخامس، أو المراد أن من عنده طعام خمسة فليذهب
بسادس على طراز الثلاثة الأول. وإنما أمر النبي وهو بذلك ليتمرنوا على المواساة فيما بينهم،
ولم يزد كل رجل على واحد، لأن الناس كانوا في قلة المال، فلو أدخل معهم أكثر من واحد،
ربّما ضاق عليهم الأمر. وفيه أن الأمير يجوز له أن يفعل مثل ذلك لسد حاجة الجائعين. ولا
خلاف في أن إطعام الجائع فرض على كل من استطاع ذلك، فلو تطوع بذلك الأثرياء فيها
ونعمت، وإن لم يتطوعوا جاز للأمير أن يكرههم عليه.
قوله: (وانطلق نبيّ الله ◌َ في بعشرة) فيه بيان لما كان عليه النبي وَلقر من الأخذ بأفضل
الأمور والسبق إلى السخاء والجود، فإن عيال النبي وَ ر كانوا قريباً من عدد ضيفانه هذه الليلة،
وقد أخذ معه أضعاف من أخذه أصحابه من الأضياف.
قوله: (قال: فهو وأنا وأبي وأميّ) القائل عبد الرحمن بن أبي بكر، وقوله فهو أي الشأن،
وقوله (أنا إلخ) مبتدأ وخبره محذوف يدل عليه السياق، وتقديره: ((في الدار)).
قوله: (ولا أدري هل قال ... وخادم بين بيتنا) الشك من أبي عثمان النهدي الراوي عن
عبد الرحمن، وقوله (بين بيتنا) أي خدمتها مشتركة بين بيتنا وبيت أبي بكر ظ ◌ُه.
قوله: (قال: وإن أبا بكر تعشى) إلخ: وفي رواية سعيد الجريري عند البخاري في الأدب:
((إن أبا بكر تضيّف رهطاً، فقال لعبد الرحمن: دونك أضيافك، فإني منطلق إلى النبي ◌َّر، فافرغ
من قراهم قبل أن أجيئ. فانطلق عبد الرحمن فأتاهم بما عنده، فقال: اطعموا. فقالوا: أين ربّ
منزلنا؟ قال: اطعموا. قال: ما نحن بآكلين حتى يجيئ ربّ منزلنا. قال: اقبلوا عنّا قراكم، فإنه
إن جاء ولم تطعموا لنلقينّ منه، فعرفت أنه يجد عليّ)).

٦٥
كتاب: الأطعمة
ثُمَّ رَجَعَ فَلَبِثَ حَتَّى نَعَسَ رَسُولُ اللّهِ بِهِ. فَجَاءَ بَعْدَمَا مَضَى مِنَ اللَّيْلِ مَا شَاءَ اللَّهُ. قَالَتْ
لَهُ امْرَأَتُهُ: مَا حَبَسَكَ عَنْ أَضْيَافِكَ، أَوْ قَالَتْ: ضَيْفِكَ؟ قَالَ: أَوَ مَا عَشَّيْتِهِمْ؟ قَالَتْ: أَبَوْا
حَتَّى تَجِيءَ. قَدْ عَرَضُوا عَلَيْهِمْ فَغَلَبُوهُمْ. قَالَ: فَذَهَبْتُ أَنَا فَاخْتَبَأْتُ. وَقَالَ: يَا غُنْثَرُ،
فَجَدَّعَ وَسَبَّ. وَقَالَ: كُلُوا. لاَ هَنِيئاً. وَقَالَ: وَاللَّهِ، لاَ أَظْعَمُهُ أَبَداً. قَالَ: فَايْمُ اللَّهِ، مَا
قوله: (ثم رجع، فلبث حتى نعس رسول الله (صّ﴿) في كلامه هنا تكرار. فذكر أوّلاً أن أبا
بكر تعشى عند النبي ◌َّر، ثم لبث حتى صلى العشاء، ثم رجع أي إلى بيته. ثم ذكر نفس الواقعة
مرة ثانية لإيضاح مدة لبثه عند النبي ◌َّر، وأنه لبث إلى أن نعس رسول الله رَ﴿ ومضى من الليل
ما شاء الله. هذا هو الصحيح في تفسير هذا الكلام. ووقع في بعض الشروح اضطراب في
تفسيره، وراجع لتفصيله فتح الباري (٦ : ٥٩٦).
وقال النووي كثُّهُ: وفي هذا جواز ذهاب من عنده ضيفان إلى أشغاله ومصالحه إذا كان له
من يقوم بأمورهم ويسدّ مسدّه، كما كان لأبي بكر هنا عبد الرحمن . وفيه ما كان عليه أبو
بكر ه من الحب للنبي وَله والانقطاع إليه، وإيثاره في ليله ونهاره على الأهل والأولاد
والضيفان وغيرهم.
قوله: (قد عرضوا عليهم فغلبوهم) يعني: أن الخدم أو الأهل عرضوا عليهم الطعام، فأبوا
وغلبوا عليهم.
قوله: (قال: فذهبت أنا فاختبأت) أي: اختفيت خوفاً من أن يغضب عليه أبوه. وفي رواية
الجريري عند البخاري: ((فقال: يا عبد الرحمن! فسكت، ثم قال: يا عبد الرحمن: فسكت،
فقال: يا غنثر! أقسمت عليك إن كنت تسمع صوتي لَمّا جئت)) وسيجيئ بعضه في الرواية الآتية.
قوله: (يا غنثر) بفتح الغين وسكون النون وفتح الثاء على المشهور، وحكى ضم الثاء
أيضاً، وحكى عياض عن بعض شيوخه فتح الغين والثاء. ومعناه: الثقيل الوخم، وقيل:
الجاهل، وقيل: السفيه، وقيل: اللئيم، وقيل: هو ذباب أزرق، شبهه به لتحقيره. وهو مأخوذ
من الغثر، ونونه زائدة. ورواه الخطابي (عنتر) بالعين والتاء، وهو الذباب.
قوله: (فجدّع) أي: دعا بالجدع، وهو قطع الأنف وغيره من الأعضاء، وإنما فعل أبو بكر
هذا لما ظنّ أن عبد الرحمن فرّط في حق الأضياف. وفيه جواز سبّ الوالد للولد على وجه
التأديب والتمرين على أعمال الخير.
قوله: (كلوا لا هنيئاً) قيل: المخاطبون لهذا الكلام أهله، وقال ذلك لما زعم أنهم فرّطوا
في الأمر. وقيل: إنما خاطب به الضيفان لما في قلبه من الحرج والغيظ على تركهم العشاء.
وذلك لأنهم تحكموا على رب المنزل بالحضور معهم ولم يكتفوا بولده مع إذنه لهم في ذلك،
وقيل: لم يرد الدعاء، وإنما أخبر أنهم فاتهم الهناء به، إذ لم يأكلوه في وقته، هذا ملخص ما في
الفتح وغيره .

٦٦
الجزء الرابع من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
كُنَّا نَأْخُذُ مِنْ لُقْمَةٍ إِلَّ رَبَا مِنْ أَسْفَلِهَا أَكْثَرُ مِنْهَا. قَالَ: حَتَّى شَبِعْنَا وَصَارَتْ أَكْثَرَ مِمَّا كَانَتْ
قَبْلَ ذُلَكَ. فَنَظَرَ إِلَيْهَا أَبُو بَكْرٍ فَإِذَا هِيَ كَمَا هِيَ أَوْ أَكْثَرُ. قَالَ لإِمْرَأَتِهِ: يَا أُخْتَ بَنِي
فِرَاسٍ! مَا هُذَا؟ قَالَتْ: لاَ. وَقُرَّةٍ عَيْنِي، لَهِيَ الآنَ أَكْثَرُ مِنْهَا قَبْلَ ذُلِكَ بِثَلاَثِ مِرَارٍ. قَالَ:
فَأَكَلَّ مِنْهَا أَبُو بَكْرٍ وَقَالَ: إِنَّمَا كَانَ ذُلِكَ مِنَ الشَّيْطَانِ. يَعْنِي يَمِينَهُ. ثُمَّ أَكَلَ مِنْهَا لُقْمَةً. ثُمَّ
حَمَلَهَا إِلَى رَسُولِ اللّهِ وَّهِ فَأَصْبَحَتْ عِنْدَهُ. قَالَ: وَكَانَ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمٍ عَقْدٌ فَمَضَى
الأَجَلُ. فَعَرَّفْنَا
قوله: (إلا ربا من أسفل منها) أي: ازداد، وقوله (أكثر منها) يجوز فيه النصب على
الحالية، والرفع على كونه فاعلاً لقوله (ربا). وفيه كرامة للصديق وظُته، وأن كرامات الأولياء
حق .
قوله: (لا، وقرّة عيني) أما قولها (لا) فهي زائدة، أو نافية، وتقديرها: لا شيء غير ما
أقول. (وقرّة العين) يكنى بها عن المسرّة، وإنما حلفت بها لما حصل لها من السرور بالكرامة
التي حصلت لهم. وقيل: إنها أرادت بقرة العين رسول الله الصّ﴾.
قوله: (قال: فأكل منها أبو بكر) ظاهره أنه شرع في الأكل بعدما رأى في الطعام من
البركة. وظاهر ما سيأتي في رواية الجريري أنه لما حلف ألا يطعم الليلة حلف أضيافه أن لا
يطعموا حتى يطعم، وزاد سليمان التميمي عند البخاري في الأدب أن أم رومان أيضاً حلفت أن
لا تطعم حتى يطعم، فلما رأى ذلك أبو بكر قال: ((فما رأيت كالشرّ كالليلة قط)) وقال: ((أما
الأولى فمن الشيطان. هلمّوا قراكم)) فجيئ بالطعام فأكل وأكلوا. وظاهره أنه شرع في الأكل
بعدما شعر بما في الأيمان من الشرّ، ثمّ ظهرت البركة في الطعام. فجزم القاضي عياض بأن في
سياق رواية الباب خطأ، وتقديماً وتأخيراً. ورواية الجريريّ أصحّ. فكأن هذا التقديم والتأخير
وقع من المعتمر بن سليمان، فإن سليمان قد روى عنه ابن أبي عدي عند البخاري مثل رواية
الجريريّ في ترتيب الأكل.
ويمكن أن يجمع بين الروايتين بأن يكون أبو بكر قد أكل في البداية لأجل تحليل يمينهم
شيئاً، ثم لما رأى البركة الظاهرة عاد فأكل منها لتحصل له تلك البركة. هذا ملخص ما في فتح
الباري.
قوله: (فأصبحت عنده) أي: الجفنة عند النبي وَ ◌ّر. ولعلهم لم يأكلوها في الليل لكون
ذلك وقع بعد مضيّ مدة من الليل وفيه عرض الطعام الذي تظهر فيه البركة على الكبار وقبولهم
ذلك .
قوله: (فعرّفنا) هكذا وقع في أكثر النسخ (عرّفنا) أي اتخذنا عرفاء. والمراد أنه لما انقضى
أجل الهدنة تجهزوا لقتالهم فجعلوا اثني عشر رجلاً كالعرفاء. لتنظيم العسكر وضبطه، وكان مع

٦٧
كتاب: الأطعمة
اثْنَا عَشَرَ رَجُلاً. مَعَ كُلِّ رَجُلٍ مِنْهُمْ أُنَاسٌ. اللَّهُ أَعْلَمُ كَمْ مَعَ كُلِّ رَجُلٍ. إِلاَّ أَنَّهُ بَعَثَ مَعَهُمْ
فَأَكَلُوا مِنْهَا أَجْمِعُونَ. أَوْ كَمَاَ قَالَ.
٥٣٣٤ - (١٧٧) حدّثني مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى. حَدَّثَنَا سَالِمُ بْنُ نُوحِ الْعَظَارُ، عَنِ
الْجُرَيْرِيِّ، عَنْ أَبِي عُثْمَانَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمُنِ بْنٍ أَبِي بَكْرٍ. قَالَ: نَزَلَ عَلَيْنَا أَضْيَافٌ لَنَا.
قَالَ: وَكَانَ أَبِي يَتَحَدَّثُ إِلَىْ رَسُولِ اللَّهِ وَيهِ مِنَ اللَّيْلِ. قَالَ: فَانْطَلَقَ وَقَالَ:
يَا عَبْدَ الرَّحْمُن، افْرُغْ مِنْ أَضْيَافِكَ. قَالَ: فَلَمَّا أَمْسَيْتُ جِثْنَا بِقِرَاهُمْ. قَالَ: فَأَبَوْا.
فَقَالُوا: حَتَّى يَجِيءَ أَبُو مَنْزِلِنَا فَيَطْعَمَ مَعَنَا. قَالَ: فَقُلْتُ لَهُمْ: إِنَّهُ رَجُلٌ حَدِيدٌ. وَإِنَّكُمْ إِنْ لَمْ
تَفْعَلُوا خِفْتُ أَنْ يُصِيبَنِي مِنْهُ أَذَى. قَالَ: فَأَبَوْا. فَلَمَّا جَاءَ لَمْ يَبْدَأُ بِشَيْءٍ أَوَّلَ مِنْهُمْ. فَقَّالَ:
أَفَرَغْتُمْ مِنْ أَضْيَافِكُمْ؟ قَالَ قَالُوا: لاَ. وَاللَّهِ! مَا فَرَغْنَا. قَالَ: أَلَمْ آمُرْ عَبْدَ الرَّحْمُنِ! قَالَ:
وَتَنَخَيْتُ عَنْهُ. فَقَالَ: يَا عَبْدَ الرَّحْمُنِ. قَالَ: فَتَنَخَيْتُ. قَالَ: فَقَالَ: يَا غُنْثَرُ، أَقْسَمْتُ
عَلَيْكَ إِنْ كُنْتَ تَسْمَعُ صَوْتِي إِلاَّ جِئْتَ. قَالَ: فَجِئْتُ فَقُلْتُ: وَاللَّهِ، مَالِي ذَنْبٌ. هُؤُلاَءِ
أَضْيَافُكَ فَسَلْهُمْ. قَدْ أَتَيْتُهُمْ بِقِرَاهُمْ فَأَبَوْا أَنْ يَظْعَمُوا حَتَّى تَجِيءَ. قَالَ: فَقَالَ: مَالَكُمْ أَلاَ
تَقْبَلُوا عَنَّا قِرَاكُمْ. قَالَ: فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: فَوَاللَّهِ، لاَ أَظْعَمُهُ اللَّيْلَةَ. قَالَ: فَقَالُوا: فَوَ اللَّهِ، لاَ
كل عريف جماعة من الناس. ووقع في بعض النسخ (فرقنا) بدل (عرّفنا) وهو رواية البخاري في
المناقب، ومعناه واضح، أنّنا فرقنا العسكر على اثني عشر فريقاً برئاسة اثني عشر رجلاً .
قوله: (اثنا عشر رجلاً) كذا هو في أكثر النسخ، وذلك على مذهب من يقول إن إعراب
المثنى يكون بالألف دائماً في الحالات الثلاثة، الرفع والنصب والجرّ، ومنه قوله تعالى: ﴿إِنْ
هَذَنٍ لَسَحِرَنِ﴾ على قراءة من قرأه (إنّ) مثقلة. ووقع في بعض النسخ (اثني عشر)، وهو على
القياس النحوي المعروف.
قوله: (فأكلوا منها أجمعون) قال الحافظ: ((وظهر بذلك أن تمام البركة في الطعام المذكور
كانت عند النبي ◌ّير لأن الذي وقع فيها في بيت أبي بكر ظهور أوائل البركة فيها، وأما انتهاؤها
إلى أن تكفي الجيش كلهم، فما كان إلا بعد أن صارت عند النبي (وَّارِ)).
١٧٧ - (٠٠٠) - قوله: (أبو منزلنا) أي صاحبه.
قوله: (رجل حديد) أي: فيه قوة وصلابة، ويغضب لانتهاك الحرمات والتقصير في حق
الضيف ونحوه.
قوله: (مالكم ألا تقبلوا عنّا قراكم) أي: ما نضيفكم به. قال القاضي عياض: ((فعلوا ذلك
أدباً ورفقاً بأأبي بكر، لأنهم ظنوا أن لا يفضل له شيء من عشاء. والصواب للضيف أن لا يمتنع
مما أراده المضيف من تعجيل الطعام أو تكثيره وغير ذلك من أموره، إلا أن يعلم أنه تكلف،

٦٨
الجزء الرابع من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
نَطْعَمُهُ حَتَّى تَطْعَمَهُ. قَالَ: فَمَا رَأَيْتُ كَالشَّرِّ كَاللَّيْلَةِ قَظُ. وَيْلَكُمْ، مَالَكُمْ أَنْ لاَ تَقْبَلُوا عَنَّا
قِرَاكُمْ؟ قَالَ: ثُمَّ قَالَ: أَمَّا الأُولَى فَمِنَ الشَّيْطَانِ. هَلُمُّوا قِرَاكُمْ. قَالَ: فَجِيءَ بِالطَّعَامِ
فَسَمَّى فَأَكَلَ وَأَكَلُوا. قَالَ: فَلَمَّا أَصْبَحَ غَدَا عَلَى النَّبِيِّ بَّهِ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! بَرُّوَاَ
وَحَنِثْتُ. قَالَ: فَأَخْبَرَهُ فَقَالَ: ((بَلْ أَنْتَ أَبَرُّهُمْ وَأَخْيَرُهُمْ)).
قَالَ: وَلَمْ تَبْلُغْنِي كفَّارةٌ.
(٣٣) - باب: فضيلة المواساة في الطعام القليل،
وأن طعام الاثنين يكفي الثلاثة، ونحو ذلك
٥٣٣٥ - (١٧٨) حدّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى. قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكِ: عَنْ أَبِي الزِّنَادِ،
عَنِ الأَعْرَج، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ؛ أَنَّهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ وَهِ: ((طَعَامُ الإِثْنَيْنِ كَافِي الثَّلاثَةِ.
وَطَعَامُ الثَّلاَثَةِ كَافِي الأَرْبَعَةِ)).
فيمنعه برفق، ومتى شكّ لم يتعرض له، فقد يكون للمضيف عذر لا يمكنه إبداؤه، فتلحقه المشقة
لمخالفة الأضياف كما جرى في قضية أبي بكر هذه».
قوله: (بل أنت أبرّهم وأخيرهم) لأن حنثه ظُبه لم يكن إلا رعاية لحق الضيف، وقد مر
في الإيمان أن الرجل إذا حلف على يمين، ثم رأى غيرها خيراً منها فالذي ينبغي له أن يحنث
ويكفر عن يمينه. وفيه فضيلة ظاهرة للصديق
قوله: (قال: ولم تبلغني كفارة) قائله أحد الرواة، والمعنى: أنني لم أطلع على أن
الصديق ربه كفّر عن يمينه، ولا يلزم منه أنه ◌ُه لم يكفّر في نفس الأمر، فلا يصح الاستدلال
به على عدم الكفارة في يمين اللجاج والغضب، ولا ما ذكر بعضهم أن القصة وقعت قبل نزول
الكفارة. وراجع فتح الباري (٦: ٦٠٠).
(٣٣) - باب: فضيلة المواساة في الطعام القليل إلخ
١٧٨ - (٢٠٥٨) - قوله: (عن أبي هريرة) هذا الحديث أخرجه البخاري في الأطعمة، باب
طعام الواحد يكفي الاثنين، (٥٣٩٢)، والترمذي في الأطعمة، باب ما جاء في طعام الواحد
يكفي الاثنين، (١٨٢٠)، ومالك في الموطأ، في صفة النبي ◌َّر باب جامع ما جاء في الطعام
والشراب.
قوله: (طعام الاثنين كافي الثلاثة) وسيأتي في حديث جابر: ((طعام الاثنين يكفي الأربعة))
ومرجع الأول الثلث، ومرجع الثاني النصف. والجامع بينهما أن مطلق الطعام القليل يكفي
الكثير، لكن أقصاه الضّعف. وكونه يكفي مثله لا ينفي أن يكفي دونه. وقد وقع في حديث عمر
لابن ماجه بلفظ ((طعام الواحد يكفي الاثنين، وإن طعام الاثنين يكفي الثلاثة والأربعة، وإن
٦

٦٩
كتاب: الأطعمة
٤٣٣٦ - (١٧٩) حدّثنا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ. أَخْبَرَنَا رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ. ح وَحَدَّثَنِي
يَحْيَى بْنُ حَبِيبٍ. حَدَّثَنَا رَوٌْ. حَدَّثَنَا ابْنُ جُرَيْجِ. أَخْبَرَنِي أَبُو الزُّبَيْرِ؛ أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ
عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ وَلِهِ يَقُولُ: (َطَعَامُ الْوَاحِدِ يَكْفِي الإِثْنَيْنِ وَطَعَامُ الإِثْنَيْنِ
يَكْفِي الأَرْبَعَةَ. وَطَعَامُ الأَرْبَعَةِ يَكْفِي الثَّمَانِيَّةَ)).
وَفِي رِوَايَةِ إِسْحَاقَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَ﴾ِ. لَمْ يَذْكُرْ: سَمِعْتُ.
٥٣٣٧ - (٠٠٠) حدّثنا ابْنُ نُمَيْرٍ. حَدَّثَنَا أَبِي. حَدَّثَنَا سُفْيَانُ. ح وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ
الْمُثَتَّى. حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمُنِ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ، عَنِ النَّبِيِّ ◌ََّ، بِمِثْلٍ
حَدِيثِ ابْنِ ◌ُرَيْجٍ .
٥٣٣٨ - (١٨٠) حدّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَأَبُو كُرَيْبٍ
وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ (قَالَ أَبُو بَكْرٍ وَأَبُو كُرَيْبٍ: حَدَّثَنَا. وَقَالَ الآخَرَانِ: أَخْبَرَنَا) أَبُوَّ
مُعَاوِيَةَ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي سُفْيَانَ، عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ: ((طَعَامُ
الْوَاحِدِ يَكْفِي الإِثْتَيْنِ. وَطَعَامُ الإِثْنَيْنِ يَكْفِي الأَرْبَعَةَ)).
طعام الأربعة يكفي الخمسة والستة)). ونقل عن إسحاق بن راهويه عن جرير قال: ((معنى الحديث
أن الطعام الذي يشبع الواحد يكفي قوت الاثنين، والذي يشبع الاثنين قوت الأربعة)).
وقال المهلب: ((المراد بهذه الأحاديث الحض على المكارم والتقنع بالكفاية)) يعني: وليس
المراد الحصر في مقدار الكفاية، وإنما المراد المواساة، وأنه ينبغي للاثنين إدخال ثالث
لطعامهما، وإدخال رابع أيضاً بحسب من يحضر. وفي الحديث إشارة إلى أن المواساة إذا
حصلت حصلت معها البركة، فتعم الحاضرين. وفيه أنه لا ينبغي للمرء أن يستحقر ما عنده
فيمتنع من تقديمه، فإن القليل قد يحصل به الاكتفاء.
وقد وقع في حديث لابن عمر عند الطبراني ما قد يرشد إلى العلة في حكم حديث الباب،
وأوله: ((كلوا جميعاً ولا تفرقوا، فإن طعام الواحد يكفي الاثنين)) فيؤخذ منه أن الكفاية تنشأ عن
بركة الاجتماع.
وهذا كله ملخص من كلام الحافظ في فتح الباري (٩: ٥٣٥).
قوله: (سمع جابر بن عبد اللّه) هذا الحديث أخرجه أيضاً الترمذي في الأطعمة، باب ما
جاء في طعام الواحد يكفي الاثنين، (١٨٢٠)، وابن ماجه في الأطعمة، باب طعام الواحد يكفي
الاثنين، (٣٢٩٥).
١٨١ - (٠٠٠) - قوله: (عن أبي سفيان) اسمه طلحة بن نفع القرشي الواسطي، وتقدم
ترجمته في الجهاد، باب ثواب من حبسه الغزو إلخ وتقدم أنه تكلم فيه بعض المحدثين وأنه

٧٠
الجزء الرابع من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
٥٣٣٩ - (١٨١) حدّثْنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ وَعُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ قَالاَ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنِ
الأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي سُفْيَانَ، عَنْ جَابِرٍ، عَنِ النَّبِيِّ بَهِ. قَالَ: ((طَعَامُ الرَّجُلِ يَكْفِي رَجُلَيْنِ.
وَطَعَامُ رَجُلَيْنٍ يَكْفِي أَرْبَعَةً. وَطَعَامُ أَرْبَعَةٍ يَكْفِي ثَمَانِيَةً)) .
(٣٤) - باب: المؤمن يأكل في مِعَّى واحد، والكافر يأكل في سبعة أمعاء
٥٣٤٠ - (١٨٢) حدّثنا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى وَعُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ
قَالُوا: أَخْبَرَنَا يَحْيَى (وَهُوَ الْقَطَّانُ) عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ. أَخْبَرَنِي نَافِعٌ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنِ
النَّبِيِّ بَهِ. قَالَ: ((الْكَافِرُ يَأْكُلُ فِي سَبْعَةٍ أَمْعَاءِ. وَالمُؤْمِنُ يَأْكُلُ فِي مِعَى وَاحِدٍ».
يروى عن صحيفة جابر، ولذلك لم يخرج عنه البخاري إلا مقروناً، ولعل البخاري لم يخرج
حديثه هذا لأنه ما وجده من طريق غيره، والله أعلم.
(٣٤) - باب: المؤمن يأكل في معي واحد، والكافر يأكل في سبعة أمعاء
١٨٢ - (٢٠٦٠) - قوله: (عن ابن عمر) هذا الحديث أخرجه البخاري في الأطعمة، باب
المؤمن يأكل في معي واحد، (٥٣٩٣ إلى ٥٣٩٥)، والترمذي في الأطعمة، باب ما جاء أن
المؤمن يأكل في معي واحد، (١٨١٨)، وابن ماجه في الأطعمة، باب المؤمن يأكل في معي
واحد (٣٢٩٨).
قوله: (يأكل في سبعة أمعاء) وهي المصارين، واحدها مِعي بكسر الميم مقصوراً. وحكى
ابن سِيده في المحكم لغة بسكون العين وتحريك الياء. وحكى القاضي عياض عن أهل الطب
والتشريح أنهم زعموا أن أمعاء الإنسان سبعة: المعدة، ثم ثلاثة أمعاء بعدها متصلة بها :
البواب، والصائم، والرقيق، وهي كلها رقاق. ثم ثلاثة غلاظ: الأعور، والقولون والمستقيم،
وطرفه الدبر. وقيل: أسماء الأمعاء السّبعة: الإثنا عشري، والصائم، والقولون، واللافائفي،
والمستقيم، والأعور. فالمؤمن يكفيه ملئ أحدها، والكافر لا يكفيه إلّ ملئ كلها. كذا في عمدة
القاري (٩: ٦٦٧).
قوله: (والمؤمن يأكل في معي واحد) وسيأتي آخر الباب في حديث أبي هريرة أن النبي وَليّ
قال هذا في قصة رجل شرب حلاب لبن سبع شياه. واختلفوا في معنى الحديث على أقوال
تالية :
١ - ليس المراد في الحديث حقيقة الأمعاء ولا خصوص الأكل، وإنما المراد التقلل من
الدنيا والاستكثار منها، فكأنه عبر عن تناول الدنيا بالأكل، وعن أسباب ذلك بالأمعاء.
٢ - المعنى أن المؤمن يأكل الحلال، والكافر يأكل الحرام، والحلال أقلّ من الحرام في
الوجود. نقله ابن التين.

٧١
كتاب: الأطعمة
٥٣٤١ - (٠٠٠) وحدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ. حَدَّثَنَا أَبِي. ح وَحَدَّثَنَا أَبُو
بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ. حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ وَابْنُ نُمَيْرٍ. قَالَاَ: حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ. ح وَحَدَّثَنِي
مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّزَاقِ. قَالَ: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ أَيُّوبَ. كِلاَهُمَا
عَنْ نَافِعٍ. عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِّ ◌َِِّ، بِمِثْلِهِ.
٥٣٤٢ - (١٨٣) وحدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ خَلاَّدِ الْبَاهِلِيُّ. حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ. حَدَّثَنَا
شُعْبَةُ، عَنْ وَاقِدٍ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ زَيْدٍ؛ أَنَّهُ سَمِعَ نَافِعاً قَالَ: رَأَى ابْنُ عُمَرَ مِسْكِيناً. فَجَعَلَ
٣ - المراد منه كثرة أكل الكافر وقلة أكل المؤمن. وإنما قاله رسول الله صل في رجل
بعينه، ولم يرد بيان أصل كلي، فاللام في ((الكافر)) و((المؤمن)) للعهد.
٤ - إن الحديث خرج مخرج الغالب، وليست حقيقة العدد مرادة وتخصيص السبعة للمبالغة
في التكثير، والمعنى أن من شأن المؤمن التقلل من الأكل لاتشغاله بأسباب العبادة، ولخشيته
أيضاً من حساب ما زاد على ذلك. والكافر بخلاف ذلك كله، فإنه لا يقف مع مقصود الشرع،
بل هو تابع لنفسه مسترسل فيها، غير خائف من تبعات الحرام. فصار أكل المؤمن إذا نسب إلى
أكل الكافر كأنه بقدر السبع منه. ولا يلزم من هذا اطراده في حق كل مؤمن وكافر. فقد يكون
في المؤمنين من يأكل كثيراً إما بحسب العادة، أو لعارض يعرض له من مرض باطن أو لغير
ذلك، ويكون في الكفار من يأكل قليلاً، إما لمراعاة الصحة على رأي الأطبّاء، وإما للرياضة
على رأي الرهبان، وإما لعارض كضعف المعدة. قال الطيبي: ومحصل القول أن من شأن
المؤمن الحرص على الزهادة والاقتناع بالبلغة، بخلاف الكافر. فإذا وجد مؤمن أو كافر على
غيرها هذا الوصف لا يقدح في الحديث.
٥ - إن المراد إثبات البركة في طعام المؤمن ونفيها من طعام الكافر، وذلك لأن المؤمن
يسمّي الله عند أكله، فلا يشركه الشيطان. والكافر لا يسمي فيشركه الشيطان، فلا يكفيه القليل.
أو لأن المؤمن يقلّ حرصه على الطعام فيبارك له فيه وفي مأكله، فيشبع من القليل، والكافر
طامح البصر إلى المأكل كالأنعام، فلا يشبعه القليل.
٦ - قال القرطبي: شهوات الطعام سبع: شهوة الطبع، وشهوة النفس، وشهوة العين،
وشهوة الفم، وشهوة الأذن، وشهوة الأنف، وشهوة الجوع، وهي الضرورية التي يأكل بها
المؤمن. وأما الكافر فيأكل بالجميع. وبمثله ذكر ابن العربي أن الأمعاء السبعة كناية عن الحواس
الخمس، والشهوة، والحاجة. فالمؤمن يأكل للحاجة فقط، بخلاف الكافر.
هذه خلاصة التقطتها من كلام طويل للحافظ في فتح الباري (٩: ٥٣٨ إلى ٥٤٠) والوجه
الرابع عندي أولى الوجوه.
١٨٣ - (٠٠٠) - قوله: (رأى ابن عمر مسكيناً فجعل يضع بين يديه) أي: يضع بين يديه

٧٢
الجزء الرابع من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
يَضَعُ بَيْنَ يَدَيْهِ. وَيَضَعُ بَيْنَ يَدَيْهِ. قَالَ: فَجَعَلَ يَأْكُلُ أَكْلاً كَثِيراً. قَالَ: فَقَالَ: لاَ يُدْخَلَنَّ هُذَا
عَلَيَّ. فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ وَهِ يَقُولُ: ((إِنَّ الْكَافِرَ يَأْكُلُ فِي سَبْعَةِ أَمْعَاء)).
٥٣٤٣ - (١٨٤) حدّثني مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى. حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمُنِ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ
أَبِ الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ وَابْنٍ عُمَرَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ بِ قَالَ: ((الْمُؤْمِنُ يَأْكُلُ فِي مِعْی وَاحِدٍ.
وَالْكَافِرُ يَأْكُلُ فِي سَبْعَةٍ أَمْعَاءٍ)).
٥٣٤٤ - (٠٠٠) وحدّثنا ابْنُ نُمَيْرٍ. حَدَّثَنَا أَبِي. حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ
جَابِرٍ، عَنِ النَّبِيِّ وَّهِ، بِمِثْلِهِ. وَلَمْ يَذْكُرٍ: ابْنَ عُمَرَ.
٥٣٤٥ _ (١٨٥) حدّثنا أَبُو كُرَيْبٍ، مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلاَءِ. حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ. حَدَّثَنَا
بُرَيْدٌ، عَنْ جَدِّهِ، عَنْ أَبِي مُوسَى، عَنِ النَّبِيِّ نَِّ. قَالَ: ((الْمُؤْمِنُ يَأْكُلُ فِي مِعَى وَاحِدٍ.
وَالْكَافِرُ يَأْكُلُ فِي سَبْعَةِ أَمْعَاءٍ)).
٥٣٤٦ - (٠٠٠) حدّثنا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ. حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ (يَعْنِي ابْنَ مُحَمَّدٍ) عَنٍ
الْعَلاَءِ، عَنْ أَبِهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ◌ََّ، بِمِثْلٍ حَدِيثِهِمْ.
٥٣٤٧ - (١٨٦) وحدّثني مُحَمَّدُ بْنُ رَافِع. حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ عِيسَى. أَخْبَرَنَا
مَالِكٌ، عَنْ سُهَيْلِ بْنِ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنَّ أَبِي هُرَيْرَةَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللّهِ وَلَهِ ضَافَهُ
الطعام. وأخرج البخاري رواية عمرو بن دينار، وفيها: ((كان أبو نهيك رجلاً أكولاً، فقال له ابن
عمر إلخ)) ويحتمل أن يكون هو المراد في حديث الباب.
قوله: (لا يدخلنّ هذا عليّ) هذا يدل على أن ابن عمر حمل الحديث على ظاهره، ولعله
كره دخوله عليه لما رآه متصفاً بصفة وصف بها الكفار. وفي رواية نافع عند البخاري: ((كان ابن
عمر لا يأكل حتى يأتي بمسكين يأكل معه، فأدخلت رجلاً يأكل معه، فأكل كثيراً. فقال: يا
نافع! لا تدخل هذا عليّ)).
١٨٤ - (٢٠٦١) - قوله: (عن جابر) لم أجد حديثه إلا عند المصنف.
١٨٥ - (٢٠٦٢) - قوله: (عن أبي موسى) أخرجه أيضاً ابن ماجه في الأطعمة، باب
المؤمن يأكل في معي واحد، (٣٢٩٩).
(٠٠٠) - قوله: (عن أبي هريرة) هذا الحديث أخرجه البخاري في الأطعمة، باب المؤمن
يأكل في معي واحد، (٥٣٩٦)، والترمذي (١٨١٩)، وابن ماجه (٣٢٩٧) في نفس الباب،
ومالك في صفة النبي ◌َ ير، باب ما جاء في معي الكافر.
١٨٦ - (٢٠٦٣) - قوله: (أن رسول الله * ضافه ضيف) ويحتمل أن يكون أبا غزوان، لما

٧٣
كتاب: الأطعمة
ضَيْفٌ، وَهُوَ كَافِرٌ، فَأَمَرَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ بِشَاةٍ فَحُلِبَتْ. فَشَرِبَ حِلاَبَهَا. ثُمَّ أُخْرَى
فَشَرِبَهُ. ثُمَّ أُخْرَىْ فَشَرِبَهُ. حَتَّى شَرِبَ حِلاَبَ سَبْعِ شِيَاءٍ. ثُمَّ إِنَّهُ أَصْبَحَ فَأَسْلَمَ. فَأَمَرَ لَهُ
رَسُولُ اللَّهِ وَالْهِ بِشَاةٍ فَشَرِبَ حِلاَبَهَا. ثُمَّ أَمَرَ بِأَخْرَى فَلَمْ يَسْتَتِمَّهَا. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَلِ:
(الْمُؤْمِنُ يَشْرَبُ فِي مِعَى وَاحِدٍ. وَالْكَافِرُ يَشْرَبُ فِي سَبْعَةِ أَمْعَاءٍ)).
رواه الطبراني بسند جيد عن عبد الله بن عمرو قال: ((جاء إلى النبي وَ ل* سبعة رجال، فأخذ كل
رجل من الصحابة رجلاً، وأخذ النبي وَل# رجلاً، فقال له: ما اسمك؟ قال: أبو غزوان. قال:
فحلب له سبع شياه، فشرب لبنها كله، فقال له النبي ◌َّل9: هل لك يا أبا غزوان أن تسلم؟ قال:
نعم، فأسلم، فمسح رسول الله وَ ﴿ صدره، فلما أصبح حلب له شاة واحدة، فلم يتم لبنها .
فقال: مالك يا أبا غزوان؟ قال: والذي بعثك نبيًّا لقد رويت. قال: إنك أمس كانت لك سبعة
أمعاء، وليس لك اليوم إلا معي واحد)».
وأخرج ابن أبي شيبة وأبو يعلى والبزار والطبراني بسند فيه موسى بن عبيدة الضعيف عن
جهجاه الغفاري أنه قدم في نفر من قومه يريدون الإسلام، فحضروا مع رسول الله وَّر المغرب.
قال: ((فلمّا سلم قال: ليأخذ كل رجل بيد جليسه، فلم يبق غيري، فكنت رجلاً عظيماً طويلاً لا
يقدم عليّ أحد. فذهب بي رسول الله ﴿﴿ إلى منزله، فحلب لي عنزاً، فأتيت عليه، ثم حلب لي
آخر، حتى حلب لي سبعة أعنز، فأتيت عليها. ثم أتيت بصنيع برمة فأتيت عليها. فقالت أم
أيمن: أجاع الله من أجاع رسول الله وَله. فقال: مه يا أم أيمن! أكل رزقه، ورزقنا على الله.
فلما كانت الليلة الثانية وصلينا المغرب صنع ما صنع في التي قبلها، فحلب لي عنزاً ورويت
وشبعت. فقالت أم أيمن: أليس هذا ضيفنا! قال: إنه أكل في معي واحد الليلة وهو مؤمن،
وأكل قبل ذلك في سبعة أمعاء)).
ويحتمل أن يكون الجهجاه كنيته أبو غزوان، وذكر ابن إسحاق في السيرة من حديث أبي
هريرة في قصة ثمامة بن أثال أنه لما أسر ثم أسلم، وقعت له قصة تشبه قصة جهجاه، فيجوز
أيضاً أن يفسر به حديث الباب.
وهناك قصتان أخريان، أولهما قصة أبي بصرة الغفاري، أخرجها أحمد، وأخرى لنضلة بن
عمرو، أخرجها أحمد والبغوي في الصحابة وغيرهما، ولكن سياقهما مغاير لقصة الباب،
فحملهما على قصة الباب مشكل، وإن جنح النووي تبعاً لعياض أن المراض من الضيف في
حديث الباب نضلة بن عمرو. وراجع للتفصيل فتح الباري (٩: ٥٣٨).
قوله: (فلم يستتمّها) أي: لم يتمكن من شرب حلاب الثانية بتمامه، بل ترك فضلاً. وذلك
بیر کة إسلامه څڅته .

٧٤
الجزء الرابع من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
(٣٥) - باب: لا يعيب الطعام
٥٣٤٨ - (١٨٧) حدّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ (قَالَ
زُهَيْرٌ: حَدَّثَنَا. وَقَالَ الآخَرَانِ: أَخْبَرَنَا) جَرِيرٌ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ أَبِي
هُرَيْرَةَ. قَالَ: مَا عَابَ رَسُولُ اللّهِ وَ يهِ طَعَامَاً فَقُ. كَانَ إِذَا اشْتَهَى شَيْئاً أَكَلَهُ، وَإِنْ كَرِهَهُ
تَرَكَهُ.
(٣٥) - باب: لا يعيب الطعام
١٨٧ - (٢٠٦٤) - قوله: (عن أبي هريرة) هذا الحديث أخرجه البخاري في الأنبياء، باب
صفة النبي ◌َير (٣٥٦٣)، وفي الأطعمة، باب ما عاب النبي وَلّ طعاماً (٥٤٠٩)، وأبو داود في
الأطعمة، باب في كراهية ذم الطعام، (٣٧٦٤)، والترمذي في البر والصلة، باب ما جاء في ترك
العيب للنعمة (٢٠٣١)، وابن ماجه في الأطعمة، باب النهي أن يعاب الطعام، (٣٣٠٠
و ٣٣٠١).
قوله: (ما عاب رسول الله وَ ﴾ طعاماً) أي حلالاً. أما الحرام فكان يعببه ويذمه وينهى
عنه. قال النووي: ((من آداب الطعام المتأكدة أن لا يعاب)) وفضّل بعضهم في ذلك، فقال: إن
العيب إن كان من جهة الخلقة كره، وإن كان من جهة الصنعة لم يكره. لكن قال الحافظ في
الفتح (٩: ٥٤٨) ((والذي يظهر التعميم، فإن فيه كسر قلب الصانع)).
وقال شيخ مشايخنا السهار نفوري في بذل المجهود (١٦: ٩٢): ((أما إظهار الكراهة
الطبيعية، كما في الضب، فليس من العيب)) ويدل على ذلك ما مر من قوله وَّل في الثوم:
«ولكني أکرهه من أجل ریحه)).
قال العبد الضعيف عفا الله عنه: الذي يظهر أن عيب الطعام إن كان من أجل خلقته فهو
حرام لكونه عيباً لخلق الله سبحانه وتعالى، وإن كان من أجل سوء صنعته، فمكروه إن كان
المقصود منه تحقير الطعام، إو إكفار النعمة، أو تحقير الصانع. وأما إذا كان لأجل إصلاح
الصّانع، وليتنبّه على ما أخطأ في صنعته، فيتجنبَ عن الخطأ فيما يستقبل، فالظاهر أنه ليس من
العيب الممنوع إذا كان برفق لا يكسر به قلب الصانع من غير ضرورة، وكذلك إذا كان إخباراً
عن كراهية طبيعية في قلب الطاعم، كما مرّ.
وأخرج الترمذي في الشمائل حديثاً لهند بن أبي هالة بسند فيه ضعف، وصف فيه هند
رسول الله وَ الر وفيه: ((يعظّم النعمة وإن دقّت، غير أنه لم يكن يذمّ ذواقاً ولا يمدحه)). وقال
الشيخ علي القاري في جمع الوسائل (٢: ١٣): ((أمّا نفي الذّمّ فلكونه نعمة أيّ نعمة. وذمّ النعمة
كفران وشعار للمتكبرة والمتجبرة. وأما نفي مدحه فلكون المدح يشعر بالحرص والشره)) ولعلّ
المدح المنفي هنا هو ما كان منشؤه الحرص والشّره. أما إذا كان شكراً لله تعالى، أو تشجيعاً

٧٥
كتاب: الأطعمة
٥٣٤٩ - (٠٠٠) وحدّثنا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ. حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ. حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ الأَعْمَشُ،
بِهِذَا الإِسْنَادِ، مِثْلَهُ.
٥٣٥٠ - (٠٠٠) وحدّثنا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ. أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ وَعَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ عَمْرٍو
وَعُمَرُ بْنُ سَعْدٍ، أَبُو دَاوُدَ الْحَفَرِيُّ. كُلُّهُمْ عَنْ سُفْيَانَ، عَنِ الأَعْمَشِ، بِهِذَا الإِسْنَادِ، نَحْوَهُ.
٥٣٥١ _ (١٨٨) حدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْئَةً وَأَبُو كُرَيْبٍ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى وَعَمْرٌو
النَّاقِدُ (وَاللَّفْظُ لأَبِي كُرَيْبٍ) قَالُوا: أَخْبَرَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ. حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ عَنْ أَبِي يَحْيَى،
مَوْلَى آلٍ جَعْدَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ. قَالَ: مَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللّهِ وَلَّهِ عَابَ طَعَاماً قَطْ. كَانَ إِذَا
اشْتَهَاهُ أَكَلَهُ، وَإِنْ لَمْ يَشْتَهِهِ سَكَتَ.
٥٣٥٢ - (٠٠٠) وحدّثناه أَبُو كُرَيْبٍ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى. قَالاَ: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةً،
عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ◌َّه بِمِثْلِهِ.
الصانعه، وشكراً لحسن صنيعه، فالظاهر أنه ليس بمكروه. ويدل عليه ما أخرجه الترمذي في قصة
ضيافة أبي الهيثم بن تيّهان رعظته، من قول رسول الله وَّه: «لتسئلنّ عن هذا النّعيم يوم القيامة،
ظلّ بارد، ورطب طيّب، وماء بارد))، وقد مرت القصة في باب جواز استتباعه غيره إلى دار من
يثق برضاه إلخ.
١٨٨ - (٠٠٠) - قوله: (عن أبي يحيى مولى آل جعدة) هو مولى جعدة بن هبيرة المخزوميّ
المدنيّ، وليس له عند المصنف إلا هذا الحديث الواحد. وانتقد الدارقطني على مسلم من أجل
إخراج هذا الحديث بأن سائر تلامذة الأعمش يروونه عن الأعمش عن أبي حازم، وتفرد أبو
معاوية بروايته من طريق الأعمش عن أبي يحيى. وأجاب عنه القاضي عياض بأنه من الأحاديث
المعللة التي ذكر مسلم في مقدمته أنه يوردها ويبين علتها، وهنا بين العلة بذكر اختلاف الطرق.
لكن ذكر الحافظ كثّفُ في فتح الباري أن التحقيق أنه لا مطعن فيه على مسلم، لأن أبا معاوية
نفسه رواه من طريقين جميعاً: عن الأعمش، عن أبي حازم، وعن الأعمش، عن أبي يحيى.
ولو كان أبو معاوية اقتصر على روايته عن أبي يحيى، لكان للطعن وجه لكون روايته حينذاك
شاذة. أما بعد أن وافق أبو معاوية الجماعة في روايته عن أبي حازم، فيكون روايته عن أبي
يحيى زيادة محضة، حفظها أبو معاوية، أبو معاوية، دون بقية أصحاب الأعمش، وهو من
أحفظهم عنه، فيقبل. وحاصل كلام الحافظ أن الأعمش رواه عن كلا الرجلين، أبي حازم وأبي
يحيى، فلم يبق وجه للطعن في أيّ من الطريقين، والله أعلم.
قد وقع الفراغ من شرح كتاب الأشربة بتوفيق الله سبحانه للرابع عشر من شهر صفر الخير
سنة ١٤١٠ من الهجرة النبوية على صاحبها السلام. وأسأل الله تعالى أن يوفقني لإكمال باقي
الشرح كما يحبه ويرضاه. إنه تعالى على كل شيء قدير، وبالإجابة جدير.

٧٦
الجزء الرابع من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
بِسْمِ اللَّهِ الرََّنِ الرَّحِيمَةِ
٠٠٠/٣٧ - كتاب: اللباس والزينة
٣٧ - كتاب اللباس والزينة
إن أكبر ما يحتاج إليه الإنسان بعد الطعام والشّراب هو اللباس الذي يستر به عورته، ويدفع
عنه الحرّ والبرد، ويتجمل به في المجامع. وبما أن الإسلام دين تشمل أحكامه جميع شعب
الحياة، فإنه لم يدع باب اللباس هملاً، بل وضع له مبادئ وأحكاماً لا يجوز لمسلم أن يخالفها.
وقد يزعم الإنسان المعاصر أن اللباس والزينة من الأمور العاديّة البسيطة التي تخضع
للتقاليد الرائجة في كل عصر ومصر، ولا علاقة لها بأحكام الحلال والحرام، فإنها ليست من
الأمور الجذريّة التي تقوم على أساسها الحياة. ولكن هذا الزعم إنما نشأ من قلة التدبر وعوز
الاطلاع على ما يؤثر اللباس في حياة الإنسان. والواقع أن اللباس والزيّ، وإن كان أمراً يتعلق
بمظهر الإنسان دون مخبره، غير أن له أثراً عميقاً على سيرته وخلقه وأحواله النفسيّة. فإن من
اللباس ما يغرس في النفوس بذور الكبر والخيلاء، ومنه ما يربيّ فيها التواضع لله، ومنه ما ينشىء
فيها الأخلاق الحسنة، ومنه ما يمهد لها السبيل إلى الإسراف والأشر والبطر وغمط حقوق
الناس. فمن زعم أن اللباس ليس إلا مظهراً من المظاهر، ولا صلة له بالسير والأخلاق الكامنة
في الصدور، فقد جهل طبيعة الإنسان.
ولذلك لم يترك الإسلام أمر اللباس سدى، ولكن الإسلام لا يسلك في شأن من شؤون
الحياة إلا طريقاً يتفق مع الفطرة السليمة، ويتجاوب مع مقتضيات الطبيعة، وبما أن الإنسان جبل
على حبّ التنوع في أنواع اللباس والطعام، فإن الإسلام لم يقصره على نوع دون نوع، ولم يقرر
للإنسان نوعاً خاصًّا، أو هيئة خاصة من اللباس، ولا أسلوباً خاصاً للمعيشة، وإنما وضع
مجموعة من المبادئ والقواعد الأساسيّة يجب على المسلم أن يحتفظ بها في أمر لباسه، ثم تركه
حرًّا في اختيار ما يراه من أنواع الملابس، وليس هناك ما يمنع التطور في أنواع اللباس، ما دام
الإنسان يحتفظ بهذه المبادئ، ويفي بشروطها الواجبة.
فمن مقدمة هذه المبادئ أن اللباس يجب أن يكون ساتراً لعورة الإنسان، فالإسلام يلزم
الرجل أن يلبس ما يستر ما بين سرته وركبتيه، ويلزم المرأة أن تستر كل جسدها ما عدا وجهها

٧٧
كتاب: اللباس والزينة
وكفيها وقدميها. فستر العورة من أهمّ ما يقصد باللباس. قال الله سبحانه وتعالى: ﴿يا بني آدم
قد أنزلنا عليكم لباسا يواري سواتكم وريشا﴾ فبيّن الله سبحانه وتعالى أن مواراة السوءة، وهو
ستر العورة، من أعظم مقاصد اللباس، وإن اللباس الذي يخلّ بهذا المقصد يهمل ما خلق
اللباس لأجله، فيحرم على الإنسان استعماله فكل لباس ينكشف معه جزء من عورة الرجل
والمرأة، لا تقرّه الشريعة الإسلامية، مهما كان جميلاً، أو موافقاً لدور الأزياء. وكذلك اللباس
الرقيق أو اللاصق بالجسم الذي يحكي للناظر شكل حصة من الجسم الذي يجب ستره، فهو في
حكم ما سبق في الحرمة وعدم الجواز.
والمبدء الثاني: أن اللباس إنما يقصد به الستر والتجمّل. أما السّتر فلما سبق، وأما التجمّل
فلأن الله سبحانه وتعالى سمّاه زينة في قوله: ﴿خُذُواْ زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ وفي قوله تعالى: ﴿قُلّ
مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِىَ أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ، وَالَّيِّبَتِ مِنَ الرِّزْقِ﴾ وقد أخرج النسائي عن أبي الأحوص عن
أبيه، قال: ((دخلت على النبي ﴿ فرآني سيء الهيئة، فقال: ألك من شيء؟ قلت نعم، من كل
الماء قد آتاني الله تعالى. فقال: إذا كان لك مال فَلْيُرَ عليك)). وعن ابن عمر رضيًّا أن النبي ◌َّ-
قال: ((إن الله يحبّ أن يرى أثر نعمته على عبده)) أخرجه الترمذي (٥: ١٢٤) وحسّنه.
وأما ما يقصد به الخيلاء والكبر أو الأشر والبطر أو الرياء، فهو حرام. وعن ابن عباس أن
النبي و لو قال: ((كل ما شئت وألبس ما شئت، ما أخطأتك اثنتان: سرف ومخيلة)) ذكره البخاري
تعليقاً في أوائل اللباس.
والمبدء الثالث: أن اللباس الذي يتشبه به الإنسان بأقوام كفرة، لا يجوز لبسه لمسلم إذا
قصد بذلك التشبه بهم. قال ابن نجيم في مفسدات الصلاة من البحر الرائق (٢: ١١): ((ثم اعلم
أن التشبه بأهل الكتاب لا يكره في كل شيء، فإنا نأكل ونشرب كما يفعلون. إنما الحرام هو
التشبه فيما كان مذموماً وفيما يقصد به التشبه. كذا ذكره قاضي خان في شرح الجامع الصغير.
فعلى هذا لو لم يقصد التشبه لا يكره عندهما)). وقال هشام في نوادره: ((رأيت على أبي
يوسف تقلّثُ تعالى نعلين محفوفين بمسامير الحديد، فقلت له: أترى بهذا الحديد بأساً؟ فقال:
لا، فقلت له: إن سفيان وثور بن يزيد كرها ذلك، لأنه تشبه بالرهبان. فقال أبو يوسف تقذفُ
تعالى: كان رسول الله وَ﴿ يلبس النعال التي لها شعور، وإنها من لباس الرهبان)) فقد أشار إلى
أن صورة المشابهة فيما يتعلق به صلاح العباد لا تضر. وقد تعلق بهذا النوع من الإحكام صلاح
العباد، فإن من الأراضي ما لا يمكن قطع المسافة البعيدة فيها إلا بهذا النوع من الإحكام. كذا
في المحيط في المتفرقات. وراجع له الفتاوى الهندية (٥: ٣٣٣). الباب التاسع من الكراهية.
والمبدء الرابع: أن لبس الحرير حرام للرجال دون النساء. وكذلك إسبال الإزار إلى
الكعبين لا يجوز للرجال ويجوز للنساء.

٧٨
الجزء الرابع من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
(١) - باب: تحريم استعمال أواني الذهب والفضة
في الشرب وغيره، على الرجال والنساء
٥٣٥٣ - (١) حدّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى. قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكِ، عَنْ نَافِعِ، عَنْ
زَيْدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمُنِ بْنٍ أَبِي بَكْرِ الصِّدِّيقِ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةٌ، زَوْجِ
النَّبِيِّ نَِّ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ تَِّ قَالَ: ((الَّذِي يَشْرَبُ فِي آنِيَةِ الْفِضَّةِ، إِنَّمَا يُجَرْجِرُ فِي بَطْنِهِ نَازَّ
جَھَنَّمْ)).
وقال الإمام الشيخ ولي الله الدهلويّ تغلُّ في حجة الله البالغة (٢: ١٨٩): ((اعلم أن
النبي ◌َّ نظر إلى عادات العجم وتعمقاتهم في الاطمئنان بلذات الدنيا، فحرم رؤوسها وأصولها
وكره ما دون ذلك، لأنه علم أن ذلك مفض إلى نسيان الدار الآخرة، مسلتزم للإكثار من طلب
الدنيا. فمن تلك الرؤوس اللباس الفاخر، فإن ذلك أكبر همهم وأعظم فخرهم. والبحث عنه من
وجوه: منها الإسبال في القمص والسراويلات، فإنه لا يقصد بذلك الستر والتجمل اللذين هما
المقصودان في اللباس، وإنما يقصد به الفخر وإراءة الغنى ونحو ذلك. والتجمل ليس إلا في
القدر الذي يساوي البدن ... ومنها الجنس المستغرب الناعم من الثياب. قال ◌َير: ((من لبس
الحرير في الدنيا لم يلبسه يوم القيامة ... )) ومنها الثوب المصبوغ بلون مطرب يحصل به الفخر
والمراآة، فنهى رسول الله وَّر ((عن المعصفر والمزعفر ... ))، ولا اختلاف بين قوله وَليقول: ((إن
البذاذة من الإيمان ... ))، وبين قوله وتقطير: ((إن الله يحب أن يرى أثر نعمته على عبده ... )) لأن
هناك شيئين مختلفين في الحقيقة، قد يشتبهان بادي الرأي، أحدهما مطلوب والآخر مذموم.
فالمطلوب ترك الشحّ، ويختلف باختلاف طبقات الناس، فالذي هو في الملوك شحّ ربما يكون
إسرافاً في حق الفقير، وترك عادات البدو واللاحقين بالبهائم واختيار النظافة ومحاسن العادات.
والمذموم الإمعان في التكلف والمراآة والتفاخر بالثياب، وكسر قلوب الفقراء، ونحو ذلك، وفي
ألفاظ الحديث إشارات إلى هذه المعاني كما لا يخفى على المتأمّل)).
(١) - باب: تحريم استعمال أواني الذهب والفضة إلخ
١ - (٢٠٦٥) - قوله: (عن زيد بن عبد الله) هو ابن لعبد الله بن عمر بن الخطاب
وهو من تابعي أهل المدينة، روى عنه الشيخان والنسائي وابن ماجه. وهو يروي هنا عن ابن
عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي بكر، فحفيد عمر يرويه هنا عن حفيد أبي بكر الصديق رضيإثته.
قوله: (عن أمّ سلمة) هذا الحديث أخرجه البخاري في الأشربة، باب آنية الفضة، (رقم:
٥٦٣٤) ومالك في الموطأ، في صفة النبي وَّر، باب ما جاء في معي الكافر، وابن ماجه في
الأشربة، باب الشرب في آنية الفضة، (رقم: ٣٤٥٦).
قوله: (إنما يجرجر في بطنه) بكسر الجيم الثانية على البناء للمعروف، من الجرجرة، وهو

٧٩
كتاب: اللباس والزينة
٥٣٥٤ - (٠٠٠) وحدّثناه قُتَيْبَةُ وَمُحَمَّدُ بْنُ رُمْح، عَنِ الليْثِ بْنِ سَعْدٍ. ح وَحَدَّثَنِيهِ
عَلِيُّ بْنُ حُجْرِ السَّعْدِيُّ. حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ (يَعْنِي ابْنَ عُلِيَّةَ) عَنْ أَيُّوبَ. ح وَحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ.
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ. حِ وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى. حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ. ح وَحَدَّثَنَا أَبُو
بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةً وَالْوَلِيدُ بْنُ شُجَاعٍ. قالاَ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ. ح
وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرِ الْمُقَدَّمِيُّ. حَدَّثَنَا الْفُضَيْلُ بْنُ سُلَيْمَانَ. حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ عُقْبَةً.
ح وَحَدَّثَنَا شَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخَ. حَدَّثَنَا جَرِيرٌ (يَعْنِي ابْنَ حَازِمٍ) عَنْ عَبْدِ الرَّحْمُنِ السَّرَّاجِ كُلُّ
صوت يردده البعير في حنجرته إذا هاج، نحو صوت اللجام في فكّ الفرس، والمراد هنا: الصبّ
أو التجرع بصوت، ((ونار جهنّم)) منصوب على كونه مفعولاً للجرجرة، والفاعل: الشارب،
والمعنى: أنه يتجرع في بطنه نار جهنّم. هذا هو الراجح من تفسير الحديث. وذكر بعضهم أنه
(يجرجر)) بفتح الجيم الثانية بالبناء للمفعول، و((نار جهنّم)) مرفوع على كونه نائب الفاعل له.
ولكنه مرجوح كما يظهر من كلام الحافظ في فتح الباري (١٠ : ٩٧).
وفي هذه الأحاديث تحريم للأكل والشرب في آنية الذهب والفضة على كل مكلف، رجلاً
كان أو امرأة، ولا يلتحق ذلك بالحليّ للنساء، لأنه ليس من التزين الذي أبيح لهن. وذكر
القرطبي أنه يلتحق بالأكل والشرب في آنية الفضة ما في معناهما مثل التطيب والتكحل وسائر
وجوه الاستعمالات. وبهذا قال الجمهور. وأغربت طائفة شذت فأباحت ذلك مطلقاً، ومنهم من
قصر التحريم على الأكل والشرب، ومنهم من قصره على الشرب، لأنه لم يقف على الزيادة في
الأكل. واختلف في علة المنع، فقيل: إن ذلك يرجع إلى عينهما، وقيل: لكونهما الآثمان وقيم
المتلفات، فلو أبيح استعمالها لجاز اتخاذ الآلات منهما، فيفضي إلى قلتهما بأيدي الناس
فيجحف بهم. وقيل: علة التحريم السرف والخيلاء، أو كسر قلوب الفقراء، وقيل: العلة في
المنع التشبه بالأعاجم.
قال العبد الضعيف عفا الله عنه: ذكر الحافظ في الفتح (١٠: ٩٨) هذه العلل كلها،
واعترض على أكثرها، والظاهر أن جميع هذه المعاني تصلح أن تكون حكمة للحكم، ولا مانع
من تعدد الحكم، ومعلوم أن الحكم لا يدور مع حكمته. أما كونها علة بحيث ينتفي الحكم
بانتفائها، ففيه نظر. والعلة بهذا المعنى ليست إلا كون الآنية من الذهب أو من الفضة. والله
سبحانه أعلم.
(٠٠٠) - قوله: (عن عبد الرحمن السّرّاج) هو عبد الرحمن بن عبد الله السرّاج، بفتح
السين والراء المشدّدة، البصري، أخرج عنه مسلم والنسائي، وثقه أحمد وابن معين وأبو حاتم
والنساي، وقال معمر: حدثنا عبد الرحمن السرّاج، وكان قد وعى علماً. وذكره ابن المديني في
الطبقة السابقة من أصحاب نافع. وراجع تهذيب التهذيب(٦: ٢١٨).

٨٠
الجزء الرابع من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
هُؤُلاءِ عَنْ نَافِعِ بِمِثْلِ حَدِيثِ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ. بِإِسْنَادِهِ عَنْ نَافِعٍ. وَزَادَ فِي حَدِيثٍ عَلِيٍّ بْنِ
مُسْهِرٍ، عَنْ عُبَيِّدِ اللَّهِ: ((أَنَّ الَّذِي تَأْكُلُ أَوْ يَشْرَبُ فِي آتِيَةِ الْفِضَّةِ وَالذَّهَبِ)). وَلَيْسَ فِي حَدِيثٍ
أَحَدٍ مِنْهُمْ ذِكْرُ الأَكْلِ وَالذَّهَبِ. إِلاَّ فِي حَدِيثِ ابْنِ مُشْهِرٍ .
٥٣٥٥ - (٢) وحدّثني زَيْدُ بْنُ يَزِيدَ، أَبُو مَعْنِ الرَّقَّاشِيُّ. حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِم، عَنْ
عُثْمَانَ (يَعْنِي ابْنَ مُرَّةً) حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمُنِ، عَنْ خَالَتِهِ أُمِّ سَلَمَةَ. قَالَتْ:
قَالَ رَسُولُ اللّهِ بِ ◌ّهِ: ((مَنْ شَرِبَ فِي إِنَاءٍ مِنْ ذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ، فَإِنَّمَا يُجَرْجِرُ فِي بَطْنِهِ نَاراً
مِنْ جَهَنَّمَ)) .
(٢) - باب: تحريم استعمال إناء الذهب والفضة على الرجال والنساء،
وخاتم الذهب والحرير على الرجل، وإباحته للنساء.
وإباحة العلم ونحوه للرجل، ما لم يزد على أربع أصابع
٥٣٥٦ - (٣) حدّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى التَّمِيمِيُّ. أَخْبَرَنَا أَبُو خَيْئَمَةَ، عَنْ أَشْعَثَ بْنِ
أَبِي الشَّعْنَاءِ. ح وَحَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُونُسَ. حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ. حَدَّثَنَا أَشْعَثُ. حَدَّثَنِي
مُعَاوِيَةُ بْنُ سُوَيْدِ بْنِ مُقَرِّنٍ قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: أَمَرَنَا
رَسُولُ اللَّهِ ﴿﴿ بِسَبْعٍ. وَنَهَانَا عَنْ سَبْعٍ. أَمَرَنَا بِعِيَادَةِ الْمَرِيضِ، وَاتِّبَاعِ الْجَنَازَةِ، وَتَشْمِيتِ
(٢) - باب: تحريم استعمال إناء الذهب والفضة على الرجال والنساء إلخ
٣ - (٢٠٦٦) - قوله: (دخلت على البراء بن عازب) هذا الحديث أخرجه البخاري في
الاستئذان، باب إفشاء السلام، (رقم: ٦٢٣٥)، وفي الجنائز، باب الأمر باتباع الجنائز،
(١٢٣٩)، وفي المظالم، باب نصر المظلوم (٢٤٤٥)، وفي النكاح باب حق إجابة الوليمة،
(٥١٧٥)، وفي الأشربة، باب آنية الفضة، (٥٦٣٥)، وفي المرضى، باب وجوب عيادة
المرضى، (٥٦٥٠)، وفي اللباس، باب لبس القسّيّ، (٥٨٣٨)، وباب الميثرة الحمراء،
(٥٨٤٩)، وباب خواتيم الذهب، (٥٨٦٣)، وفي الأدب، باب تشميت العاطس إذا حمد الله
(٦٢٢٢)، وفي الأيمان، باب قول الله تعالى: ﴿واقسموا بالله جهد أيمانهم) (٦٦٥٤)، وأخرجه
الترمذي في الأدب، باب ما جاء في كراهية لبس المعصفر، (٢٨٩٨)، والنسائي في الزينة، باب
ذكر النهي عن الثياب القسّيّة، (٥٣٠٩)، وفي الإيمان والنذور، باب إبرار القسم، (٣٧٧٨)،
وابن ماجه في اللباس، باب كراهية لبس الحرير، (٣٦٣٤).
قوله: (أمرنا بعيادة المريض) إلخ: أما عيادة المريض، واتباع الجنازة، وتشميت العاطس،
وإجابة الداعي، وإفشاء السلام وإنشاد الضالّة فقد مضى تفصيل أحكام بعضها، وسيأتي ذكر
بعضها في مواضعها المناسبة. وأما إبرار القسم فهو أن يباشر المرء ما أقسم به، ويبرّ في يمينه.