Indexed OCR Text

Pages 501-520

٥٠١
كتاب: الأشربة
والسّكر من كلّ شراب)). وأعله النسائي بأن هشيماً مدلس وقد عنعنه، ولكنه رواه أيضاً من طريق
محمد بن عبد الله بن الحكم عن محمد بن جعفر، ومن طريق الحسين بن منصور، عن أحمد بن
حنبل، عن محمد بن جعفر، عن شعبة، عن مسعر، عن أبي عون، عن عبد الله بن شداد، عن
ابن عباس بلفظ: ((حرمت الخمر بعينها قليلها وكثيرها، والسّكر من كلّ شراب)» ولم يذكر ابن
الحكم قليلها وكثيرها))، وهذا الطريق ليس فيه هشيم، ولا ابن شبرمة، فهو خال عن العلة التي
ذكرها .
ثم رواه النسائي من طريق إبراهيم بن أبي العباس، عن شريك، عن عباس بن ذريح، عن
أبي عون، عن عبد الله بن شداد. عن ابن عباس بلفظ: ((حرّمت الخمر قليلها وكثيرها، وما
أسكر من كل شراب)) ثم قال النسائي: ((وهذا أولى بالصواب من حديث ابن شبرمة ... ورواية
أبي عون أشبه بما رواه الثقات عن ابن عباس)).
ولئن أخذنا هذا الطريق الذي صحّحه النسائي، فإنه يدل على شيئين، الأول: أن الأشربة
المسكرة جميعها لا تسمى خمراً، وإلا لما صح فصل الخمر عنها، كما فعله ابن عباس،
والثاني: أن المحرم لعينه الذي يحرم قليله وكثيره، هو الخمر، وأما الأشربة الأخرى فليست
بمحرمة لعينها، وإنما تحرم لعلة السكر.
وأخرجه البيهقي في سننه (٨: ٢٩٧) بلفظ: ((والسّكر من كل شراب)) ثمّ أخرجه من طريق
مسعر عن عون بلفظ: ((حرمت الخمر بعينها قليلها وكثيرها، والمسكر من كل شراب)). فكأنه
رجح هذا الطريق على الأول ولكنه لم يستطع أن يطعن في سند الأول بعلة من العلل، وإنما
قال: ((والمراد بالسكر المذكور فيه المسكر)).
ولكن أسلفنا أن ابن عباس طيها فصل الخمر عن المسكرات الأخرى، وذلك يدل على أنها
ليست داخلة في الخمر لغة، كما أنه جعل الخمر محرمة لعينها، قليلها وكثيرها، ثم أتى بحكم
المسكرات الأخرى منفصلاً عن حكم الخمر بما يدل على أنها ليست محرمة لعينها، وإنما تحرم
من أجل السكر.
٣ - أخرج محمد في كتاب الآثار (ص: ١١٩) من طريق أبي حنيفة، عن حماد، عن
إبراهيم: ((أن عمر أتي بأعرابي قد سكر، فطلب له عذراً، فلما أعياه لذهاب عقله، قال:
احبسوه. فإذا صحا فاجلدوه، ودعا بفضلة فضلت فى إداوته، فذاقها، فإذا نبيذ شديد ممتنع،
فدعا بماء فكسره، وكان عمر يحب الشراب الشديد، وسقى جلساءه، ثم قال: هكذا اكسروه
بالماء إذا غلبكم شيطانه)). وأخرج عبد الرزاق (٩: ٢٢٤، رقم: ١٧٠١٥) مثله عن ابن جريج،
عن إسماعيل.

٥٠٢
الجزء الثالث من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
قال شيخنا التهانوي في إعلاء السنن (١٨: ٣٠) ((قلت: هو مرسل، لأن إبراهيم لم يلق
عمر، ومراسيل إبراهيم صحاح، كما صرحوا به. وفيه دليل على أن النبيذ المسكر حلال ما دون
السكر، لأن عمر ذاق منه بعد ما علم سكر الأعرابي منه، ولو كان حراماً قليله وكثيره لما ذاق
منه: ويعلم منه أيضاً أنه لم يكن خمراً حقيقة، ولا في معناه من كل الوجوه، لأنه ذاق منه عمر،
ولا يجوز ذوق الخمر. ثم شربه بعد كسره بالماء، ولا يجوز ذلك في الخمر. وهذا الفعل من
عمر هو الذي ألجأ إبراهيم إلى تخطئة الناس في قولهم: ما أسكر كثيرة فقليله حرام على
الإطلاق)) (كما رواه محمد في كتاب الآثار)، لأن عمر - وهو أفضل الصحابة وأعلمهم في زمانه
- لا يجعل ما أسكر كثيره حراماً قليله على الإطلاق، ولا يجعل كل مسكر خمراً حقيقة، أو في
معناه من كل الوجوه، مع أنه روي: «كل مسكر حرام».
٤ - وقد أخرج الطحاوي في شرح معاني الآثار (٢: ٣٢٦) عدة آثار عن عمر رضي الله مثل ما
أخرجه محمد، كلها تدل على أن النبيذ الذي يسكر كثيره، يحل قليله. منها ما أخرجه عن
سعيد بن ذي حُدّان، قال: ((جاء رجل قد ظمأ إلى خازن عمر فاستسقاه فلم يسقه، فأتى بسطيحة
لعمر، فشرب منها فسكر، فأتى به عمر، فاعتذر إليه، وقال: إنما شربت من سطيحتك، فقال
عمر: إنما أضربك على السكر، فضربه عمر)).
وأخرج عبد الرزاق في مصنفه (٩: ٢٠٦) عن الزهري ((أن عمر بن الخطاب أتي وهو
بطريق الشام بسطيحتين فيهما نبيذ، فشرب من إحداهما، وعدل عن الأخرى. قال: فأمر
بالأخرى فرفعت، فجيء بها من الغد وقد اشتد ما فيها بعض الشدة. قال: فذاقه ثم قال: بخ
بخ، اکسروا بالماء)).
٥ - وأخرج الطحاوي أيضاً عن ابن عمر قال: ((شهدت رسول الله وَّر أتي بشراب، فأدناه
إلى فمه، فقطب فردّه، فقال رجل: يا رسول الله؟ أحرام هو فردّ الشراب، ثم دعا بماء فصبه
عليه، ذكر مرّتين أو ثلاثاً، ثم قال: إذا اغتلمت هذه الأسقية عليكم فاكسروا متونها بالماء)).
٦ - وأخرج الطحاوي (٢: ٣٢٧) عن أبي موسى الأشعريّ رَضُه، قال: ((بعثني
رسول الله * أنا ومعاذاً إلى اليمن، فقلنا: يا رسول الله! إن بها شرابين يصنعان من البرّ
والشّعير، أحدهما يقال له المزر، والآخر يقال له البتع، فما نشرب؟ فقال رسول الله صل و: اشربا
ولا تسکرا)).
قال الطحاوي: ((فلما قال رسول الله وَلتر لأبي موسى ومعاذ حين سألا عن البتع: اشربا
ولا تسكرا، ولا تشربا مسكراً، كان ذلك دليلاً أن حكم المقدار الذي يسكر من ذلك الشراب
خلاف حکم ما لا یسکر منه)).

٥٠٣
كتاب: الأشربة
٧ - وأخرج الطحاوي أيضاً عن قيس بن حبتر، قال: ((سألت ابن عباس عن الجرّ الأخضر
والجرّ الأحمر، فقال: إن أول من سأل النبيّ وَلايقل عن ذلك وفد عبد القيس، فقال: لا تشربوا في
الدبّاء ولا في المزفّت ولا في النقير، واشربوا في الأسقية، فقالوا: يا رسول الله! فإن اشتدّ في
الأسقية، قال: صبّوا عليه من الماء، وقال لهم في الثالثة أو الرابعة: فأهريقوه)) وحمل الطحاوي
الأمر بالإهراق في الأخير على أنه ويس لم يأمنهم على أن يسرعوا في شربه فيسكر. ثمّ أخرج
نفس الواقعة من طريق زيد بن علي، عن أحد الوفد الذين وفدوا إلى رسول الله وَلقره، وفيه: ((فإن
أعياكم فأهريقوه)» .
٨ - أخرج عبد الرزاق في مصنفه (٩: ٧٠١) قصة وفد عبد القيس عن أبي سعيد
الخدريّ ◌َظُبه في حديث طويل، وفي آخره أن النبيّ وَّر قال لهم: ((لا تنبذوا في الدبّاء، ولا في
النقير، ولا في الحنتم، وانتبذوا في هذه الأسقية التي يلاث على أفواهها، فإن رابكم فاکسروه
بالماء)).
٩ - وأخرج الطحاوي عن أبي هريرة ظه، قال: قال رسول الله وَلاير: ((إذا دخل أحدكم
على أخيه المسلم فأطعمه طعاماً، فليأكل من طعامه ولا يسأل عنه، فإن أسقاه شراباً فليشرب منه
ولا يسأل عنه، فإن خشي منه فليكسره بشيء)). وأخرجه عبد الرزاق موقوفاً على أبي هريرة
(٩: ٢٢٧، رقم ١٧٠٢٣).
قال الطحاوي: ((ففي هذا الحديث إباحة شرب النبيذ. فإن قال قائل: إنما أباحه بعد كسره
بالماء وذهاب شدّته، قيل له: هذا كلام فاسد، لأنه لو كان في حال شدّته حراماً لكان لا يحلّ
وإن ذهبت شدّته بصب الماء عليه. ألا ترى أن خمراً لو صبّ فيها ماء حتّى غلب الماء عليها أن
ذلك حرام. فلما كان قد أبيح في هذا الحديث الشراب الشديد إذا كسر الماء، ثبت بذلك أنه
قبل أن يكسر بالماء غير حرام (أي: قليله). فثبت بما روينا في هذا الباب إباحة ما لا يسكر من
النبيذ الشديد)).
١٠ - وأخرج الطحاوي عن أبي مسعود الأنصاريّ، قال: ((عطش النبيّ وَّر حول الكعبة
فاستسقى، فأتي بنبيذ من نبيذ السقاية، فشمّه فقطب، فصبّ عليه من ماء زمزم، ثمّ شرب، فقال
رجل: أحرام هو؟ قال: لا)). وأخرجه عبد الرزاق (٩: ٢٢٦، رقم: ١٧٠٢١) مرسلاً عن
مجاهد .
١١ - وأخرج الطحاوي عن شماس، قال: قال عبد الله (يعني ابن مسعود) رَظ ◌ُله: ((إن القوم
ليجلسون على الشراب وهو يحلّ لهم، فما يزالون حتى يحرم عليهم)).
وأخرج عنه من طريق إبراهيم عن علقمة عن ابن مسعود عن قول رسول الله وَلّ في
المسكر، قال: ((الشربة له الأخيرة)) وفي إسناده الحجاج بن أرطاة، وهو مدلس وقد عنعنه.

٥٠٤
الجزء الثالث من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
١٢ - وأخرج عبد الرزاق في مصنفه (٩: ٢٠٧) عن سعيد بن جبير مرسلاً عن النبيّ وَّ في
قصة رجل شرب نقيع الزبيب، قال: ((يا أهل الوادي! ألا إني أنهاكم عمّا في الجرّ الأحمر
والأخضر والأبيض والأسود منه، لينبذ أحدكم في سقائه، فإذا خشيه فليشججه بالماء».
١٣ - وأخرج عبد الرزاق في مصنفه (٩: ٢٢٣) عن الثوري، عن سعيد الجريري، عن
العلاء بن عبد الله بن الشخّير قال: ((نهى رسول الله وَّر عن أشربة، قال: فقيل له: إنه لا بد منها
أو نحو هذا، قال: فاشربوا ما لم يسفّه أحلامكم ولا يذهب أموالكم)). وأخرجه الطبراني من
حديث عبد الله بن الشخّير، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٥: ٦٦): ((رجاله رجال الصحيح
خلا الحسين بن مهدي، وهو ثقة)).
١٤ - وأخرج عبد الرزاق (٩: ٢٢٥) عن ابن جريج، قال: سمعت عبد الله بن أبي مليكة
يحدث، قال: حدثني وهب بن الأسود، قال: ((أخذنا زبيباً من زبيب المطاهر، فأكثرنا منه في
أداوانا، وأقللنا الماء، فلم يلق عمر حتى عدا طوره، فلما لقوا عمر قال: هل من شراب؟ قال:
قلنا: نعم يا أمير المؤمنين! فأخبروه هذه القصة وأن قد عدا طوره، قال: أرونيه، فذاقه فوجده
شديداً، فکسره بالماء ثم شرب)).
فهذه أدلة الإمام أبي حنيفة في جواز القدر القليل غير المسكر من غير الأشربة الأربعة.
وأما الجمهور، فقد استدلوا بأحاديث كثيرة نذكر منها جملة:
١ - أخرج البخاري ومسلم حديث عائشة، قالت: ((سُئِل رسول الله وَّر عن البتع، فقال:
كلّ شراب أسكر فهو حرام)).
وأسند أبو جعفر النحّاس عن يحيى بن معين أن حديث عائشة: ((كل شراب أسكر فهو
حرام)» أصحّ شيء في الباب، وفيه رد على من نقل عن ابن معين أنه لا أصل له، وقد ذكر
الزيلعي في نصب الراية أنه لم يثبت في شيء من كتب الحديث نقل هذا عن ابن معين. وقد ذكر
الإمام أحمد في كتاب الأشربة أن هذا المعنى مروي عن عشرين صحابيّاً، وقد ساق أحاديثهم
الحافظ في فتح الباري (١٠: ٤٤) باب الخمر من العسل.
٢ - أخرج البخاري وغيره عن عمر له أنه خطب على منبر رسول الله وَ لهو فقال: ((إنه قد
نزل تحريم الخمر وهي من خمسة أشياء: العنب، والتمر، والحنطة، والشعير، والعسل،
والخمر ما خامر العقل)).
٣ - أخرج أبو داود (رقم: ٣٦٧٦) عن النعمان بن بشير ظ ◌ُبه، قال: قال رسول الله وَل:
((إنّ من العنب خمراً، وإنّ من التّمر خمراً، وإنّ من العسل خمراً، وإنّ من البُرّ خمراً، وإن من
الشعير خمراً».

٥٠٥
كتاب: الأشربة
٤ - أخرج أصحاب السنن عن جابر بن عبد الله رضيًا، قال: قال رسول الله وَمليون: ((ما أسكر
كثيره فقليله حرام)).
٥ - أخرج أبو داود (رقم: ٣٦٨٧) عن عائشة رضيؤها قالت: ((سمعت رسول الله صل* يقول:
كل مسكر حرام، وما أسكر منه الفرق فملأ الكفّ منه حرام)).
٦ - عن ديلم الحميري، قال: ((سألت رسول الله وسلم فقلت: يا رسول الله! إنّا بأرض باردة
نعالج فيها عملاً شديداً، وإنّا نتخذ شراباً من هذا القمح نتقوّى به على أعمالنا وعلى برد بلادنا .
قال: هل يسكر؟ قلت: نعم، قال: فاجتنبوه، قال: قلت: فإن الناس غير تاركيه، قال: فإن لم
يتركوه فقاتلوهم)) أخرجه أبو داود في الأشربة (رقم: ٣٦٨٣).
٧ - عن عبد الله بن عمرو أن نبيّ الله وَل﴿ نهى عن الخمر والميسر والكُوبة والغيبراء،
وقال: كل مسكر حرام. أخرجه أبو داود (رقم: ٣٨٦٥) وقال: ((قال ابن سلام أبو عبيد:
الغُبيراء: السُكُركة تعمل من الذرة، شراب يعمله الحبشة)).
٨ - أخرج النسائي وابن حبان عن سعد بن أبي وقاص أنه عليه الصلاة والسلام نهى عن
قليل ما أسكر كثيره. ذكره ابن الهمام في فتح القدير (٥: ٨٠) وجعله أجود حديث في هذا
الباب.
٩ - أخرج البخاري (رقم: ٥٥٨٠) عن أنس ظ له، قال: ((حُرّمت علينا الخمر حين
حُرّمت، وما نجد - يعني بالمدينة - خمر الأعناب إلا قليلاً، وعامة خمرنا البُسر والتمر)).
١٠ - وأخرج البخاري (رقم: ٥٥٧٩) عن ابن عمر رضيًا قال: ((لقد حرّمت الخمر وما
بالمدينة منها شيء)) يريد أن الخمر اللغوي، وهو الذي يتخذ من ماء العنب النيء، لم يكن
موجوداً بالمدينة، مع أن التحريم الذي نزل به القرآن تناول ما كان موجوداً منه بالمدينة، وهو من
غير العنب.
قال العبد الضعيف عفا الله عنه: أما استدلال الجمهور بأن لفظ الخمر يتناول جميع
المسكرات فبعيد من حيث اللغة، وذلك لما أسلفنا من أقوال اللغويّين، ولحديث ابن عمر
الأخير الذي ذكرناه آنفاً: ((لقد حرّمت الخمر وما بالمدينة منها شيء)) فإنه صريح في أن لفظ
الخمر لا يطلق لغة إلا على النيء من ماء العنب. ومن أطلق هذا اللفظ على غيره فإنما فعل ذلك
توسعاً ومجازاً لجامع السكر أو الحرمة.
وأما استدلالهم بقوله عليه الصلاة والسلام: ((ما أسكر كثيره فقليله حرام)) و ((ما أسكر منه
الفرق فملأ الكفّ منه حرام)) فاستدلال قويّ جداً، وما تأول فيه الحنفية بحمله على ماء العنب
فقط، فهو بعيد جدّاً، لأن كلمة ((ما)) عامّة تشمل جميع الأشربة ولا يعارضه آثار عمر نظراته التي

٥٠٦
الجزء الثالث من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
ذكرناها في دليل الحنفية، فإنه تكلم على إسناد بعضها ابن الهمام في فتح القدير، وتأول في
بعضها الحافظ في الفتح بأنها محمولة على أنبذة شديدة لم تبلغ حدا الإسكار، ومن شرب منها
فأسكر، فإنما شربها بعد بلوغها حد الإسكار، على أنها آثار موقوفة، وحديث: ((ما أسكر كثيره
فقليله حرام)) مرفوع، ولكنه لا يدل على أن غير الخمر من الأشربة المسكرة تأخذ حكم الخمر
في جميع الأمور، وإنما يدل على أنها في حكم الخمر في حرمة التناول، سواء كانت قليله أو
كثيره، وأمّا كونها في حكم الخمر في حقه حق النجاسة، وحرمة البيع، ووجوب الحد، فلا
يثبت بهذه الأخبار، وليس للاستدلال على ذلك سبيل إلا القول بأن كلمة الخمر تعمّ جميعها،
وهذا، كما ذكرنا، قول ضعيف. ولذلك أفتى كثير من الحنفية بقول الجمهور في حقّ الحرمة،
وبقول أبي حنيفة كثُّ في جواز بيع غير الخمر وعدم وجوب الحدّ منه إلا إذا أسكر. وقد صرّج
ابن عابدين في الأشربة من رد المحتار (٥: ٣٢٣) بأن الفتوى على قول أبي حنيفة في جواز البيع
مع الكراهة. والظاهر أن هذه الكراهة إنما تثبت إذا تعاطاه الرجل لغرض غير مشروع، وأما إذا
تعاطاه لغرض مشروع، كالدواء والضماد وغيره فيما يجوز استعماله فيه، فالظاهر انتفاء الكراهة
حينئذ.
وأما النجاسة، فقد احتاط الإمام أبو حنيفة تَّهُ في أمرها، فذهب إلى نجاسة الطلاء ونقيع
التمر ونقيع الزبيب، لما ذكرنا أنها خمر عنده ظنّاً لا قطعاً، والاحتياط في الحكم بنجاستها، غير
أن هذه النجاسة خفيفة في رواية، وغليظة في أخرى، وذكر صاحب الهداية الروايتين ولم يرجح
إحداهما، وذكر السرخسي في المبسوط (٢٤: ١٤) ما يدلّ على خفة نجاستها، ولم يذكر رواية
النجاسة الغليظة، ولكن ذكر المتأخرون أن الراجح كونها نجاسة غليظة، قال في الدر المختار:
((ونجاسته أي: الطلاء ... كالخمر، به يفتى)) وقال ابن عابدين (٦: ٤٥١) تحت قوله ((به يفتى)):
((عزاه القهستاني إلى الكرماني وغيره)).
وأما غير الأشربة الأربعة، فليست نجسة عند الإمام أبي حنيفة تقذفُ تعالى.
وبهذا يتبين حكم الكحول المسكرة (AL COHALS) التي عمت بها البلوى اليوم، فإنها
تستعمل في كثير من الأدوية والعطور والمركبات الأخرى، فإنّها إن اتخذت من العنب أو التّمر
فلا سبيل إلى حلّتها أو طهارتها، وإن اتخذت من غيرهما فالأمر فيها سهل على مذهب أبي
حنيفة تَغُّْ تعالى، ولا يحرم استعمالها للتداوي أو لأغراض مباحة أخرى ما لم تبلغ حد
الإسكار، لأنها إنما تستعمل مركبة مع المواد الأخرى، ولا يحكم بنجاستها أخذاً بقول أبي
حنيفة ◌َّلهُ .
وإن معظم الكحول التي تستعمل اليوم في الأدوية والعطور وغيرها لا تتخذ من العنب أو
التمر، إنما تتخذ من الحبوب أو القشور أو البترول وغيره، كما ذكرنا في باب بيع الخمر من

٥٠٧
كتاب: الأشربة
٥١٠٣ - (٤) وحدّثنا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ. حَدَّثَنَا ابْنُ عُلَيَّةَ. أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ
صُهَيْبٍ. قَالَ: سَأَلُوا أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ عَنِ الْفَضِيخِ؟ فَقَالَ: مَا كَانَتْ لَنَا خَمْرٌ غَيْرَ فَضِيخِكُمْ
هُذَا الَّذِي تُسَمُّونَهُ الْفَضِيخَ. إِنِّي لَقَائِمٌ أَسْقِيهَا أَبَا طَلْحَةَ وَأَبَا أَيُّوبَ وَرِجَالاً مِنْ أَضْحَاب
رَسُولِ اللّهِ وَّهِ، فِي بَيْتِنَا. إِذْ جَاءَ رَجُلٌ فَقَالَ: هَلْ بَلَغَكُمُ الْخَبَرُ؟ قُلْنَا: لاَ. قَالَ: فَإِنَّ
الْخَمْرَ قَدْ حُرِّمَتْ. فَقَالَ: يَا أَنَسُ، أَرِقْ هُذِهِ الْقِلاَلَ. قَالَ: فَمَا رَاجَعُوهَا وَلاَ سَأَلُوا عَنْهَا،
بَعْدَ خَبَرِ الرَّجُلِ .
٥١٠٤ - (٥) وحدّثنا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ. حَدَّثَنَا ابْنُ عُلَيَّةَ. قَالَ: وَأَخْبَرَنَا سُلَيْمَانُ
التَّيْمِيُّ. حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ مَالِكِ قَالَ: إِنِّي لَقَائِمٌ عَلَى الْحَيِّ، عَلَى عُمُومَتِي، أَسْقِيهِمْ مِنْ
فَضِيخِ لَهُمْ. وَأَنَا أَصْغَرُهُمْ سِنَّا. فَجَاءَ رَجُلٌ فَقَالَ: إِنَّهَا قَدْ حُرِّمَتِ الْخَمْرُ. فَقَالُوا: اكْفِتْهَا
يَا أَنَسُِّ، فَكَفَأْتُهَا .
قَالَ: قُلْتُ لأَنَسٍ: مَا هُوَ؟ قَالَ: بُسْرٌ وَرُطَبٌ. قَالَ: فَقَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَنَسٍ: كَانَتْ
خَمْرَهُمْ يَوْمَئِذٍ.
قَالَ سُلَيْمَانُ: وَحَدَّثَنِي رَجُلٌ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّهُ قَالَ ذُلِكَ أَيْضاً.
٥١٠٥ - (٦) حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى. حَدَّثَنَا الْمُعْتَمِرُ، عَنْ أَبِيهِ. قَالَ: قَالَ
أَنَسٌ: كُنْتُ قَائِماً عَلَى الْحَيِّ أَسْقِيهِمْ. بِمِثْلِ حَدِيثِ ابْنِ عُلَيَّةَ. غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: فَقَالَ أَبُو
بَكْرِ بْنُ أَنَسٍ: كَانَ خَمْرَهُمْ يَوْمَئِذٍ. وَأَنَسٌ شَاهِدٌ. فَلَمْ يُنْكِرْ أَنَسُ ذَاكَ.
كتاب البيوع، وحينئذ هناك فسحة في الأخذ بقول أبي حنيفة عند عموم البلوى، والله سبحانه
أعلم.
٤ - ( ... ) - قوله: (أرق هذه القلال) بكسر القاف جمع قُلّة، وهي الجرّة.
قوله: (فما راجعوها ولا سألوا عنها) ضمير المؤنث هنا إما إلى القلال، أو إلى الخمر،
والمراد أنهم امتثلوا بأمر الله سبحانه وتعالى دون أن يعتريهم في ذلك شكّ، أو شوق إلى ما
ألفوه طول عمرهم. وبه يظهر ما كان عليه الصحابة من الاستسلام الكامل لأوامر الله ورسوله،
حيث تركوا عادتهم الأليفة في شرب الخمر في لحظة واحدة، ولم يمنعهم من ذلك حبّهم الشديد
لها، وولوعهم بها، مع ما كانت الخمر في مجتمع أهل العرب من عناصر حياتهم التي لا
يعيشون بدونها، فرضي الله تعالى عنهم وأرضاهم.
قوله: (بعد خبر الرجل) فيه وجوب العمل بخبر الواحد.
٥ - ( ... ) - قوله: (أَكفِئها) بفتح الهمزة وكسر الفاء، أمر من الإكفاء، وقوله: ((فكفأتها)»
من باب فتح، وكفأ وأكفأ بمعنى.

٥٠٨
الجزء الثالث من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الأَعْلَى: حَدَّثَنَا الْمُعْتَمِرُ، عَنْ أَبِيهِ. قَالَ: حَدَّثَنِي بَعْضُ مَنْ كَانَ مَعِي؛
أَنَّهُ سَمِعَ أَنَساً يَقُولُ: كَانَ خَمْرَهُمْ يَوْمَئِذٍ.
٥١٠٦ - (٧) وحدّثنا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ. حَدَّثَنَا ابْنُ عُلَيَّةَ. قَالَ: وَأَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ
أَبِي عَرُوبَةَ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكِ. قَالَ: كُنْتُ أَسْقِي أَبَا طَلْحَةَ وَأَبَا دُجَانَةَ
وَمُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ، فِي رَهْطٍ مِنَ الأَنْصَارِ. فَدَخَلَ عَلَيْنَا دَاخِلٌ فَقَالَ: حَدَثَ خَبَرٌ. نَزَلَ تَحْرِيمُ
الْخَمْرِ. فَكَفَأْنَاهَا يَوْمَئِذٍ. وَإِنَّهَا لَخَلِيطُ الْبُسْرِ وَالتَّمْرِ.
قَالَ قَتَادَةُ: وَقَالَ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ: لَقَدْ حُرِّمَتِ الْخَمْرُ. وَكَانَتْ عَامَّةُ خُمُورِهِمْ،
يَوْمَئِذٍ. خَلِيطَ الْبُسْرِ وَالثَّمْرِ.
٥١٠٧ - (٠٠٠) وحدّثنا أَبُو غَسَّانَ الْمِسْمَعِيُّ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى وَابْنُ بَشَّارٍ .
قَالُوا: أَخْبَرَنَا مُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ. حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكِ. قَالَ: إِنِّي
لِأَسْقِي أَبَا طَلْحَةَ وَأَبَا دُجَانَةً وَسُهَيْلَ بْنَ بَيْضَاءَ مِنْ مَزَادَةٍ، فِيهَا خَلِيطُ بُسْرٍ وَتَمْرٍ، بِنَحْوِ
حَدِيثِ سَعِيدٍ .
٥١٠٨ - (٨) وحدّثني أَبُو الطَّاهِرِ أَحْمَدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ سَرْح. أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ
وَهْبٍ. أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ؛ أَنَّ قَتَادَةَ بْنَ دِعَامَةً حَدَّثَّهُ؛ أَنَّهُ سَمِعَ أَنَسَ بْنَ مَالِكِ
يَقُولُّ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَهِ نَهَى أَنْ يُخْلَطَ التَّمْرُ وَالزَّهْوُ ثُمَّ يُشْرَبَ. وَإِنَّ ذُلِكَ كَانَ عَامَّةً
خُمُورِهِمْ، يَوْمَ حُرِّمَتِ الْخَمْرُ.
٥١٠٩ - (٩) وحدّثني أَبُو الطَّاهِرِ. أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ. أَخْبَرَنِي مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ، عَنْ
إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ؛ أَنَّهُ قَالَ: كُنْتُ أَسْقِي أَبَا
عُبَيْدَةَ بْنَ الْجَرَّاحِ وَأَبَا طَلْحَةَ وَأُبَيَّ بْنَ كَعْبٍ، شَرَاباً مِنْ فَضِيخِ وَتَمْرٍ. فَأَتَاهُمْ آتٍ فَقَالَ: إِنَّ
الْخَمْرَ قَدْ حُرِّمَتْ. فَقَالَ أَبُو طَلْحَةَ: يَا أُنَسُ! قُمْ إِلَى هَذِهِ الْجَرَّةِ فَاكْسِرْهَا. فَقُمْتُ إِلَى
مِهْرَاسٍ لَنَا
( ... ) - قوله: (من مزادة) بفتح الميم، وهي ظرف للزاد، قال في القاموس: ((المزاد
الراوية، ولا تكون إلا من جلدين تُقأم بثالث بينهما لتتّسع)).
٨ - (١٩٨١) - قوله: (أن يخلط التمر والزّهوُ) بفتح الزاء وسكون الهاء: البُسر الملوّن كما
في القاموس، والزّهو في أصل اللغة: المنظر الحسن، وسمّي به البسر إذا حسن منظره بالتلوّن،
وأما التّمر فهو اليابس، فكانوا يخلطون التّمر بالبسر، ويسمّونه الخليط أو الخليطين.
٩ - (١٩٨٠) - قوله: (فقمت إلى مهراس) بكسر الميم، حجر منقور يتوضّأ منه، والهرس:

٥٠٩
كتاب: الأشربة
فَضَرَبْتُهَا بِأَسْفَلِهِ. حَتَّى تَكَسَّرَتْ.
٥١١٠ - (١٠) حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى. حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ (يَعْنِي الْحَنَفِيَّ). حَدَّثَنَا
عَبْدُ الْحَمِيدِ بْنُ جَعْفَرٍ. حَدَّثَنِي أَبِي؛ أَنَّهُ سَمِعَ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ يَقُولُ: لَقَدْ أَنْزَلَ اللَّهُ الآيَةَ
الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ فِيهَا الْخَمْرَ، وَمَا بِالْمَدِينَةِ شَرَابٌ يُشْرَبُ إِلَّ مِنْ تَمْرٍ .
(٢) - باب: تحريم تخليل الخمر
٥١١١ - (١١) حدّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى. أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمُنِ بْنُ مَهْدِيٍّ. ح وَحَدَّثَنَا
زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ. حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمُنِ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنِ السُّدِّيِّ، عَنْ يَحْيَى بْنِ عَبَّادٍ،
الدقّ العنيف، ومنه الهريس والهريسة، والمهراس في الأصل: الهاون الذي يهرس به وفيه
الحبّ، وبما أنه يصنع من حجر منقور، فقد سمّي به كلّ حجر ضغم منقور لا يقلّه الرجال ولا
يحركونه لثقله، يسع ماء كثيراً، شبّه بمهراس الحبّ. كذا في تاج العروس.
قوله: (فضربتها بأسفله حتى تكسّرت) قال النووي: ((وهذا الكسر محمول على أنهم ظنوا
أنه يجب كسرها وإتلافها كما يجب الخمر، وإن لم يكن في نفس الأمر هذا واجباً، فلما ظنوه
كسروها، ولهذا لم ينكر عليهم النبيّ ◌َّر وعذرهم لعدم معرفتهم الحكم، وهو غسلها من غير
كسر. وهكذا الحكم اليوم في أواني الخمر وجميع ظروفه، سواء الفخار والزجاج والنحاس
والحديد والخشب والجلود، فكلها تطهر بالغسل ولا يجوز كسرها)».
(٢) - باب: تحريم تخليل الخمر
١١ - (١٩٨٣) - قوله: (عن السّدّيّ) هو إسماعيل بن عبد الرحمن بن أبي كريمة السدّي
الكوفي الأعور المفسّر، وهو السدّي الكبير، كان يقعد في سدّة باب الجامع بالكوفة، فسمّي
السدّي. رأى ابن عمرو الحسن بن علي وأبا هريرة وأبا سعيد ه. وقال عليّ عن القطّان: لا
بأس به، ما سمعت أحداً يذكره إلا بخير وما تركه أحد. وقال أبو طالب عن أحمد: ثقة. وقال
الدوري عن يحيى: في حديثه ضعف. وقال الجوزجاني: هو كذاب شتام. وقال أبو زرعة:
لين. وقال أبو حاتم: يكتب حديثه ولا يحتج به. وقال النسائي في الكنى: صالح، وقال في
موضع آخر: ليس به بأس، وقال ابن عدي: مستقيم الحديث صدوق لا بأس به. وقال العجلي :
ثقة عالم بالتفسير راوية له. وقال الحاكم في المدخل في باب الرواة الذين عيب على مسلم
إخراج حديثهم: تعديل عبد الرحمن بن مهدي أقوى عند مسلم ممن جرحه بجرح غير مفسّر. كذا
في التهذيب (١: ٣١٤). وقال المنبجي في رجال مسلم (١: ٦٠): ((مولى زينب بنت قيس بن
مخرمة من بني المطلب بن عبد مناف، يكنى أبا محمد، مات سنة سبع وعشرين ومائة.

٥١٠
الجزء الثالث من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
عَنْ أَنَسٍ؛ أَنَّ النَّبِيَّ وَِّهِ سُئِلَ عَنِ الْخَمْرِ تُّتَّخَذُ خَلاَ؟ فَقَالَ: ((لاَ)).
قوله: (عن أنس) هذا الحديث أخرجه أبو داود في الأشربة، باب ما جاء في الخمر
تخلل، (رقم: ٣٦٧٥).
قوله: (فقال: لا) استدل به الشافعي وأحمد رحمهما الله على أن تخليل الخمر حرام،
وتفصيل المسألة أن الخمر إذا صارت خلا بنفسها بدون فعل أحد، فإن ذلك الخلّ حلال طاهر
بالإجماع، إلا ما روي عن سحنون المالكي أنه يقول بحرمته أيضاً، ولكن قال النووي: ((فإن
صح عنه فهو محجوج بالإجماع».
وأما أن يخلّل الرجل الخمر بفعل منه، فقد اختلف فيه الفقهاء على أقوال:
١ - قال أبو حنيفة تَغَّهُ: يجوز تخليل الخمر، وإن الخلّ الحاصل بذلك حلال طاهر، وهو
قول الأوزاعيّ والليث، وهو رواية عن مالك.
٢ - قال الشافعيّ وأحمد ومالك في رواية: لا يجوز تخليل الخمر، وإن الخلّ الحاصل
بذلك حرام نجس. هذا إذا خلّلها بخبز أو بصل أو خميرة أو غير ذلك مما يلقى فيها. وأما وقع
التخليل بنقلها من الظل إلى الشّمس أو من الشّمس إلى الظّل، ففيه وجهان للشافعية، أصحهما
أنها تطهر.
٣ - قال مالك في المشهور عنه: يكره التخليل، فإن فعله أحد حلّ الخلّ الحاصل به
وطهر. كذا ذكره الأبي (٥: ٣١٣) عن المازريّ.
استدل من منع تخليل الخمر بحديث الباب، وأجاب عنه المجوزون، ومنهم الحنفية، بأن
المنع كان في مبدأ الأمر حين نزل التحريم، ثم أبيح ذلك، كما حرم في أول الأمر الانتباذ في
ظروف الخمر ثم استقر الأمر على إباحته.
أما كون هذا النهي في بداية التحريم فيدل عليه ما أخرجه الدارقطني في سننه (٤: ٢٦٥)
من طريق إسرائيل، عن السدّي، عن يحيى بن عباد، عن أنس: ((أن يتيماً كان في حجر أبي
طلحة، فاشترى له خمراً، فلما حرمت سئل النبيّ وَله: أيتخذ خلا؟ قال: لا)). فهذا صريح في
النهي في حديث الباب إنما وقع في ابتداء تحريم الخمر.
وأما كونه أبيح بعد ذلك، فالدليل عليه ما أخرجه البيهقي في المعرفة، كما حكى عنه
السخاوي في المقاصد الحسنة (ص: ٢٠٦، رقم: ٤٥٦)، من حديث المغيرة بن زياد عن أبي
الزبير، عن جابر مرفوعاً: ((خير خلكم خلّ خمركم))، وطعنه البيهقي بالمغيرة بن زياد، وأنه غير
قوي، ولكن قال البخاري: قال وكيع: كان ثقة، وعن يحيى بن معين: ليس به بأس، وروى
الدوري وابن أبي خيثمة عنه: ثقة ليس به بأس، وقال العجلي وابن عمار ويعقوب: ثقة، وقال
أبو حاتم: هو صالح صدوق ليس بذلك القوي، يحول اسمه من كتاب الضعفاء، وقال أبو داود:

٥١١
كتاب: الأشربة
صالح، وقال النسائي: ليس به بأس، كما في التهذيب (١٠: ٢٦٠) وذكره ابن عدي في الكامل
(٦: ٢٣٥٢)، فنقل توثيقه عن وكيع، ويحيى بن معين وغيرهما، وتضعيفه عن أحمد بن حنبل،
ثم قال في آخر ذلك: ((وعامة ما يرويه مغيرة بن زياد مستقيم، إلا أنه يقع في حديثه كما يقع هذا
في حديث من ليس به بأس من الغلط، وهو لا بأس به عندي)).
والظاهر أن ما حكم عليه ابن الجوزي والصنعاني بالوضع، كما حكى عنهما العجلوني في
كشف الخفاء (١: ٤٧٠)، فإنه تشدد منهما على عادتهما، والله سبحانه أعلم.
وهناك حديث آخر أخرجه الدارقطني في سننه (٤: ٢٦٦) عن أم سلمة ؤها قالت: ((كانت
لنا شاة فماتت، فقال النبيّ وَلقر: ما فعلت شاتكم؟ قلنا: ماتت، قال: أفلا انتفعتم بإهابها، قلنا:
إنها ميتة، قال: يحل دباغها كما يحلّ خلّ الخمر)) ولكن طعن فيه الدارقطني بأنه تفرد به فرج بن
فضالة عن يحيى، وهو ضعيف يروي عن يحيى بن سعيد أحاديث عدة لا يتابع عليها .
وروى أبو عبيد في كتاب الأموال (ص: ١١١، رقم: ٢٨٠): حدثنا عبد الرحمن بن
مهدي، عن المثنى بن سعيد، قال: ((كتب عمر بن عبد العزيز إلى عبد الحميد بن عبد الرحمن
- وهو عامله على الكوفة - أن لا تحمل الخمر من رستاق إلى رستاق، وما وجدت منها في
السفن فصيّره خلا، فكتب عبد الحميد إلى عامله بواسط محمد بن المنتشر بذلك، فأتى السفن،
فصبّ في كلّ راقود (وهو دنّ كبير يطلى داخله بالقار) ماء وملحاً، فصيّره خلا)) وتأول فيه أبو
عبيد بأنه إنما فعله بخمر أهل الذمة، ولا يجوز في خمر المسلمين من هذا شيء. ولكن رده
شيخنا في إعلاء السنن (١٨: ٤٢) بأنها دعوى مجردة لا دليل عليها، فإن أهل الذمة إنما
صولحوا على شربها، ولم يصالحوا على حملها والتجارة فيها علانية، فكان للإمام أن يأمر
بإهراق كل ما يحمل منها في السفن، كما له أن يريق خمر المسلمين، فلما أمر بتخليلها كان
تخليل خمر الذمي والمسلم سواء.
وروى أبو عبيد أيضاً (ص: ١١٥، رقم: ٢٩١) عن أم خداش قالت: ((رأيت
عليّاً رَُّه يصطبغ بخلّ الخمر)) وروي عن ابن سيرين (ص: ١١٦، رقم: ٢٩٢) أنه كان لا يسمّيه
خل الخمر ويسمّيه خلّ العنب، قال: وكان يأكله، وروي عن الحارث العُكليّ (رقم: ٢٩٣) في
رجل ورث خمراً، قال: يلقي فيها ملحاً، حتى تصير خلاً .
والذي يظهر لهذا العبد الضعيف عفا الله عنه: إن الذي كرهه السّلف إنما هو أن يكون عند
مسلم خمر حتى يحتاج إلى تخليلها. قال الترمذي تغذّهُ في باب النهي للمسلم أن يدفع إلى الذمّي
الخمر ويبيعها له: ((وإنما كره من ذلك، - والله أعلم - ، أن يكون المسلم في بيته خمر حتى
يصير خلاً)) أو أنهم كرهوا ذلك سدّاً للذريعة، وإلا فإن تخليل الخمر استهلاك لها، واستهلاكها
ليس بمحظور. والمحظور أن يسعى الرجل للحصول على الخمر بقصد تخليلها. أما إذا وجد

٥١٢
الجزء الثالث من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
(٣) - باب: تحريم التداوي بالخمر
٥١١٢ - (١٢) حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى وَمُحَمَّدُ بْنُ بَشَارٍ (وَاللَّفْظُ لابْنِ الْمُثَنَّى)
قَالاَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ. حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ سِمَاكِ بْنِ حَرْبٍ، عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ وَائِلٍ،
عَنْ أَبِيهِ وَائِلِ الْحَضْرَمِيِّ؛ أَنَّ طَارِقَ بْنَ سُوَيْدِ الْجُعْفِيَّ سَأَلَّ النَّبِيَّ نَّهِ عَنِ الْخَمْرِ؟ فَنَهَاهُ،
أَوْ كَرِهَ أَنْ يَضْنَعَهَا. فَقَالَ: إِنَّمَا أَصْنَعُهَا لِلدَّوَاءِ. فَقَال: ((إِنَّهُ لَيْسَ بِدَوَاءٍ. وَلْكِنَّهُ دَاءٌ)) .
(٤) - باب: بيان أن جميع ما ينبذ،
مما يتخذ من النخل والعنب، يسمى خمراً
٥١١٣ - (١٣) حدّثني زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ. حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ. أَخْبَرَنَا
الْحَجَّاجُ بْنُ أَبِي عُثْمَانَ. حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ؛ أَنَّ أَبَا كَثِيرٍ حَدَّثَهُ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ،
خمراً عن وراثة أو عن طريق آخر بغير إرادة منه بذلك، فأراد أن يطهرها بالتخليل فالظاهر أنه لا
يحل حينئذ للتشديد في ذلك، وإنما كان التشديد في أول الأمر للتنفير عن الخمر، كما وقع مثل
ذلك آنية الخمر، والله سبحانه أعلم.
(٣) - باب: تحريم التداوي بالخمر
١٢ - (١٩٨٤) - قوله: (عن أبيه وائل) يعني ابن حجر الحضرميّ رَظُه، والحديث أخرجه
أبو داود في الطب، باب في الأدوية المكروهة، (رقم: ٣٨٧٣)، والترمذي في الطبّ، باب ما
جاء في كراهية التداوي بالمسكر، (رقم: ٢١١٩ و٢١٢٠)، وابن ماجه في الطبّ، باب النهي
أن يتداوى بالخمر، (رقم: ٣٥٤٥)، والدارميّ في الأشربة (٢: ٣٨، رقم: ٢١٠٢).
قوله: (إنه ليس بدواء، ولكنّه داء) هذا يدل على تحريم التداوي بالخمر، وهو مذهب أكثر
الفقهاء، وقد أشبعنا القول فيه وفي حكم التداوي بالمحرمات الأخرى في كتاب القسامة، باب
حكم المحاربين والمرتدين، تحت حديث العرنیین.
(٤) - باب: بيان أن جميع ما ينبذ مما يتخذ من النخل إلخ
١٣ - (١٩٨٥) - قوله: (عن أبي هريرة) هذا الحديث أخرجه أبو داود في الأشربة، باب
الخمر مما هو؟ والترمذي في الأشربة، باب ما جاء في الحبوب التي يتخذ منها الخمر،
(رقم: ١٩٣٦)، والنسائي في الأشربة، باب تأويل قول الله تعالى: ﴿وَمِن ثَمَرَتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنَبِ
تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنَا﴾، (رقم: ٥٥٧٢ و٥٥٧٣)، وابن ماجه في الأشربة، باب ما
تكون منه الخمر، (رقم: ٣٤٢١).

٥١٣
كتاب: الأشربة
قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَله: ((الْخَمْرُ مِنْ هَاتَيْنِ الشَّجَرَتَيْنِ: النَّخْلَةِ وَالْعِنَةِ)).
٥١١٤ - (١٤) وحدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ. حَدَّثَنَا أَبِي. حَدَّثَنَا الأَوْزَاعِيُّ.
حَدَّثَنَا أَبُو كَثِيرِ. قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ وَلَهَ يَقُولُ: ((الْخَمْرُ مِنْ
هَاتَيْنِ الشَّجَرَتَّيْنِ: النَّخْلَةِ وَالْعِنْبَةِ)).
٥١١٥ - (١٥) وحدّثنا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ وَأَبُو كُرَيْبٍ. قَالاَ: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنِ
الأَوْزَاعِيِّ وَعِكْرِمَةَ بْنِ عَمَّارٍ وَعُقْبَةَ بْنِ التَّوْأَمِ، عَنْ أَبِي كَثِيْرٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ
رَسُولُ اللَّهِ بِهِ: ((الْخَمْرُ مِنْ هَاتَيْنِ الشَّجَرَتَيْنِ: الْكَرْمَةِ وَالنَّخْلَّةِ)).
وَفِي رِوَايَةٍ أَبِي كُرَيْبٍ: ((الْكَرْمِ وَالنَّخْلِ)).
(٥) - باب: كراهة انتباذ التمر والزبيب مخلوطين
٥١١٦ - (١٦) حدّثنا شَيْبَانُ بْنُ فَرُوخَ. حَدَّثَنَا جَرِيرُ بْنُ حَازِم. سَمِعْتُ عَطَاءَ بْنَ
أَبِي رَبَاح. حَدَّثَنَا جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الأَنْصَارِيُّ؛ أَنَّ النَّبِيَّ ◌َِّ نَهَىَّ أَنْ يُخْلَطَ الزِّبِيبُ
وَالتَّمْرُ، وَالْبُسْرُ وَالتَّمْرُ.
قوله: (الخمر من هاتين الشجرتين) ظاهره أن ما يتخذ من العنب والتمر يسمى خمراً،
ولذلك جعل أبو حنيفة الطلاء والسّكّرَ ونقيع الزبيب في حكم الخمر في حرمة قليلها وكثيرها،
إلا أن خمريتها إنما ثبتت بدلائل ظنية، فاحتاط في أمر الحدود، ولم يثبت بشربها الحدّ إلا إذا
حصل منها السّكر. وقد مر التفصيل في الباب الأول من كتاب الأشربة.
(٥) - باب: كراهة انتباذ التمر والزبيب مخلوطين
١٦ - (١٩٨٦) - قوله: (حدثنا جابر بن عبد الله الأنصاري) هذا الحديث أخرجه البخاري
في الأشربة، باب من رأى أن لا يخلط البسر والتمر إذا كان مسكراً، (رقم: ٥٦٠١)، وأبو داود
في الأشربة، باب في الخليطين، (رقم: ٣٧٠٣)، والنسائي في الأشربة، باب خليط البسر
والرطب، (رقم: ٥٥٥٤ و ٥٥٥٥)، وباب خليط البسر والتمر، (رقم: ٥٥٥٦)، والترمذي في
الأشربة، باب ما جاء في خليط البسر والتمر، (رقم: ١٩٣٧)، وابن ماجه في الأشربة، باب
النهي عن الخليطين، (رقم: ٢٤٣٧ و٢٤٣٨).
قوله: (نهى أن يخلط الزبيب والتمر) يعني: في الانتباذ والشرب ولو لم يسكر، وهذا
النهي من قبيل سدّ الذرائع، وذلك لأن الخليطين يسرع إليهما الشدة والإسكار. واستدل
بالحديث من منع ذلك، وفيه خلاف للفقهاء، وذكر العيني في ذلك خمسة أقوال:
١ - إنه يحرم، وروي ذلك عن أبي موسى الأنصاري، وأنس، وجابر، وأبي سعيد

٥١٤
الجزء الثالث من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
٥١١٧ - (١٧) حدّثنا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ. حَدَّثَنَا لَيْثُ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحِ، عَنْ
جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الأَنْصَارِيِّ، عَنْ رَسُولِ اللّهِ وَهِ؛ أَنَّهُ نَهَى أَنْ يُنْبَذَ الثَّمْرُ وَالزَّبِيبُ جَمِيعاً.
وَنَهَى أَنْ يُنْبَذَ الرُّطَبُ وَالْبُسْرُ جَمِيعاً.
ومن التابعين عطاء وطاوس، وبه قال مالك والشافعي وأحمد وإسحاق وأبو ثور.
٢ - يحرم خليط كل نوعين مما ينتبذ في الانتباذ، وبعد الانتباذ لا يخص شيء من شيء،
وهو قول بعض المالكية.
٣ - يحرم انتباذ النوعين مخلوطاً، ولا يحرم الخلط عند الشرب، فإذا انتبذ كل من التمر
والزبيب على حدة، ثم خلط النبيذان عند الشرب فلا بأس بذلك، وهو قول الليث بن سعد.
٤ - إن النهي محمول على التنزيه، وإنه ليس بحرام ما لم يصر مسكراً، وحكاه النووي عن
مذهب الشافعي وإنه قول جمهور العلماء.
٥ - إنه لا كراهة في شيء من ذلك ولا بأس به، وهو قول أبي حنيفة في رواية عن أبي
يوسف. قال النووي: ((أنكر عليه الجمهور، وقالوا: هذه منابذة لصاحب الشرع، فقد ثبتت
الأحاديث الصحيحة الصريحة في النهي عنه، فإن لم يكن حراماً كان مكروهاً)).
ولكن قال العيني في عمدة القاري (١٠: ١٠١): ((هذه جرأة شنيعة على إمام أجل من
ذلك، وأبو حنيفة لم يكن قال ذلك برأيه، وإنما مستنده في ذلك أحاديث)) ثم ذكر الثلاثة الأول
من الأحاديث الآتية:
١ - أخرج أبو داود في باب الخليطين من الأشربة (رقم: ٣٧٠٨) من طريق أبي بحر، ثنا
عتاب بن عبد العزيز الحماني، حدثتني صفية بنت عطية، قالت: دخلت مع نسوة من عبد القيس
على عائشة، فسألناها عن التمر والزبيب، فقالت: كنت آخذ قبضة من تمر وقبضة من زبيب،
فألقيه في إناء فأمرسه، ثم أسقيه النبيّ وَّ . .
واعترض عليه ابن حزم بأن في إسناده أبا بحر لا يدرى من هو؟ وأجاب عنه العيني بأن
ابن عدي قال: ((أبو بحر مشهور معروف، وله أحاديث غرائب عن شعبة وغيره من البصريين،
وهو ممن يكتب حديثه)) وذكر عن كتاب السامي: قول يحيى بن سعيد: هو صدوق صاحب
حديث، وهو عبد الرحمن بن عثمان بن أمية بن عبد الرحمن بن أبي بكرة البكراوي، وذكره ابن
شاهين وابن حبان في كتاب الثقات، وقال البخاري: لم يستبن لي طرحه. وقال أبو عمر
وأحمد بن صالح العجلي: هو ثقة بصري. وعتاب بن عبد العزيز روى عنه يزيد بن هارون
وأحمد بن سعيد الدارمي وآخرون، وذكره ابن حبان في الثقات.
٢ - وأخرج أبو داود أيضاً (رقم: ٣٧٠٧) عن عائشة رضيُّها أن رسول الله مَّ كان ينبذ له
زبيب فيلقي فيه تمر، أو تمر فيلقي فيه الزبيب. وفي إسناده امرأة من بني أسد مجهولة.

٥١٥
كتاب: الأشربة
٥١١٨ - (١٨) وحدّثني مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِم. حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنِ ابْنِ جُرَيْج.
ح وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ وَمُحَمَّدُ بْنُّ رَافِع (وَاللَّفْظُ لابْنِ رَافِع). قَالَ: حَدَّثْنَا
عَبْدُ الرَّزَّاقِ. أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجِ. قَالَ: قَالَ لِي عَظّاءٌ: سَمِعْتُ جَابِرَ بْنِّ عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ:
قَالَ رَسُولُ اللّهِ وَّهِ: ((لاَ تَجْمَعَّوا بَيْنَ الرُّطَبِ وَالْبُسْرِ، وَبَيْنَ الزَّبِيبِ وَالتَّمْرِ، نَبِيذاً)).
٥١١٩ - (١٩) وحدّثنا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ. حَدَّثَنَا لَيْثُ. ح وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رُمْحٍ.
أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ الْمَكْيِّ، مَوْلَى حَكِيمٍ بْنِ حِزَامٍ، عَنْ جَابِرِ بُنِ عَبْدِ اللَّهِ
الأَنْصَارِيِّ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ وَلِّ؛ أَنَّهُ نَهَى أَنْ يُنْبَذَ الزَّبِيبُ وَالثَّمْرُ جَمِيعاً. وَنَهَى أَنْ يُنْبَذَ
الْبُسْرُ وَالرُّطَبُ جَمِيعاً.
٥١٢٠ - (٢٠) حدّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى. أَخْبَرَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْع، عَنِ التَّيْمِيِّ، عَنْ أَبِي
نَضْرَةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ؛ أَنَّ النَّبِيَّ نَّهَ نَهَى عَنِ التَّمْرِ وَالزَّبِيبِ أَنْ يُخْلَطَ بَيْنَهُمَا. وَعَنِ التَّمْرِ
وَالْبُسْرِ أَنْ يُخْلَطَ بَيْنَهُمَا .
٣ - أخرج محمّد في كتاب الآثار (ص: ١٢٠) عن أبي حنفية، عن سليمان الشيباني، عن
ابن زياد: أنه أفطر عند عبد الله بن عمر، فسقاه شراباً له، فكأنه أخذ فيه، فلما أصبح، قال: ما
هذا الشراب؟ ما كنت أهتدي إلى منزلي، فقال عبد الله: ما زدناك على عجوة وزبيب.
٤ - وأخرج محمد أيضاً عن أبي حنيفة، عن نافع، عن ابن عمر أنه كان ينبذ له نبيذ
الزبيب، فلم يكن يستمرئه، فقال للجارية: اطرحي فيه تمرات.
وأما أحاديث الباب فحملها الطحاوي على النهي عن الإسراف في شدة العيش، كما نهى
عن القران بين التمرتين. (وما اعترض عليه الحافظ في الفتح (١٠ : ٦٧ و ٦٨) أجاب عنه شيخنا
في إعلاء السنن (١٨: ٣٧) وحملها غيره على النسخ، وقال: إن النهي كان عند أول تحريم
الخمر سدّاً للذريعة، ثم أبيح الخلط، كما وقع في ظروف الخمر.
قلت: إن القول بكراهة التنزيه، كما اختاره النووي، يجمع به بين الروايات جمعاً حسناً،
فما ورد في ذلك من إثبات الخلط محمول على الإباحة، وأحاديث الباب محمولة على كراهة
التنزيه، وذلك خوفاً من الإسراع إلى الإسكار. وإن المكروه تنزيهاً قسم من المباحات، والله
سبحانه أعلم.
٢٠ - (١٩٨٧) - قوله: (عن أبي سعيد) هذا الحديث أخرجه الترمذي في الأشربة، باب ما
جاء في خليط البسر والتمر، (رقم: ١٩٣٨)، والنسائي في الأشربة، باب خليط البلح والزهو،
(رقم: ٥٥٥٠) وباب خليط الزهو والبسر، رقم ٥٥٥٣، وباب الترخص في انتباذ التمر وحده،
(رقم : ٥٥٦٨ و ٥٥٦٩).

٥١٦
الجزء الثالث من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
٥١٢١ - (٢١) حدّثنا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ. حَدَّثَنَا ابْنُ عُلَيَّةَ. حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ يَزِيدَ، أَبُو
مَسْلَمَةَ، عَنْ أَبِي نَضْرَةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، قَالَ: نَهَانَا رَسُولُ اللَّهِ وَلَوَ أَنْ نَخْلِطَ بَيْنَ الزَّبِيبِ
وَالتَّمْرِ. وَأَنْ نَخْلِطَ الْبُسْرَ وَالتَّمْرَ.
٥١٢٢ - (٠٠٠) وحدّثنا نَصْرُ بْنُ عَلِيِّ الْجَهْضَمِيُّ. حَدَّثَنَا بِشْرٌ (يَعْنِي ابْنَ مُفَضَّلٍ)
عَنْ أَبِي مَسْلَمَةَ، بِهِذَا الإِسْنَادِ، مِثْلَهُ.
٥١٢٣ - (٢٢) وحدّثنا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ. حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ مُسْلِم
الْعَبْدِيِّ، عَنْ أَبِي الْمُتَوَكِّلِ النَّاجِيِّ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُذْرِيِّ. قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَّ:
((مَنْ شَرِبَ النَّبِيذَ مِنْكُمْ، فَلْيَشْرَبْهُ زَبِباً فَرْداً. أَوْ تَمْراً فَرْداً. أَوْ بُسْراً فَرْدًا)).
٥١٢٤٠٠٠ - (٢٣) وحَدَّثَنِيهِ أَبُو بَكْرِ بْنُ إِسْحَاقَ. حَدَّثَنَا رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ. حَدَّثَنَا
إِسْمَاعِيلُ بْنُ مُسْلِمِ الْعَبْدِيُّ، بِهِذَا الإِسْنَادِ. قَالَ: نَهَانَا رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ أَنْ نَخْلِطَ بُسْراً
بِتَمْرٍ. أَوْ زَبِيباً بِتَمْرٍ، أَوْ زَبِيباً بِبُسْرٍ. وَقَالَ: (مَنْ شَرِبَهُ مِنْكُمْ))، فَذَكَرَ بِمِثْلِ حَدِيثٍ وَكِيعٍ.
٥١٢٥ - (٢٤) حدّثنا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ. حَدَّثَنَا ابْنُ عُلَيَّةَ. أَخْبَرَنَا هِشَامُ الدَّسْتَوَائِيُّ،
عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي قَتَادَةَ، عَنْ أَبِيهِ. قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ◌ِّ:
((لاَ تَنْتَبِذُوا الزَّهْوَ وَالرُّطَبَ جَمِيعاً. وَلاَ تَنْتَبِذُوا الزَّبِيبَ وَالتَّمْرَ جَمِيعاً. وَانْتَبِذُوا كُلَّ وَاحِدٍ
مِنْهُمَا عَلَى حِدَتِهِ)).
٥١٢٦ - (٠٠٠) وحدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ. حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرِ الْعَبْدِيُّ، عَنْ
حَجَّاجِ بْنِ أَبِي عُثْمَانَ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، بِهِذَا الإِسْنَادِ، مِثْلَهُ.
٥١٢٧ - (٢٥) حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى. حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ عُمَرَ. أَخْبَرَنَا عَلِيٍّ (وَهُوَ
ابْنُ الْمُبَارَكِ) عَنْ يَحْيَى، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي قَتَادَةَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَ قَالَ: ((لاَ
تَنْتَبِذُوا الزَّهْوَ وَالرُّطَبَ جَمِيعاً. وَلاَ تَنْتَبِذُوا الرُّطَبَ وَالزَّبِيبَ جَمِيعاً. وَلَكِنِ انْتَبِذُوا كُلَّ
وَاحِدٍ عَلَى حِدَتِهِ)).
٢٤ - (١٩٨٨) - قوله: (عن عبد الله بن أبي قتادة، عن أبيه) يعني أبا قتادة نظّته، والحديث
أخرجه البخاري في الأشربة، باب من رأى أن لا يخلط البسر والتمر إذا كان مسكراً،
(رقم: ٥٦٠٣)، وأبو داود في الأشربة، باب في الخليطين، (رقم: ٣٧٠٤)، والنسائي في
الأشربة، باب خليط الزهو بالرطب، (رقم: ٥٥٥١)، وابن ماجه في الأشربة، باب النهي عن
الخليطين، (رقم: ٣٤٤٠).
٢٥ - ( ... ) - قوله: (لا تنبذوا الزهو) قد مر قبل ثلاثة أبواب أن الزهو: البسر المّون.

٥١٧
كتاب: الأشربة
وَزَعَمَ يَحْيَى أَنَّهُ لَقِيَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أَبِي قَتَادَةَ فَحَدَّثَهُ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ النَّبِّ وََّ، بِمِثْلٍ
هُذَا .
٥١٢٨ - (٠٠٠) وَحَدَّثَنِيهِ أَبُو بَكْرِ بْنُ إِسْحَاقَ. حَدَّثَنَا رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ. حَدَّثَنَا حُسَيْنٌ
الْمُعَلِّمُ. حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ، بِهُذَيْنِ الإِسْنَادَيْنِ. غَيْرِ أَنَّهُ قَالَ: «الرُّطَبَ وَالزَّهْوَ.
وَالتَّمْرَ وَالزَّبِيبَ)).
· ٥١٢٩ - (٢٦) وحدّثني أَبُو بَكْرِ بْنُ إِسْحَاقَ. حَدَّثَنَا عَفَّانُ بْنُ مُسْلِمٍ. حَدَّثَنَا أَبَانُ
الْعَظَّارُ. حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ. حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي قَتَادَةَ، عَنْ أَبِيهِ؛ أَنَّ
نَبِيَّ اللّهِ وَهَ نَهَى عَنْ خَلِيطِ الثَّمْرِ وَالْبُسْرِ. وَعَنْ خَلِيطِ الزَّبِيبِ وَالتَّمْرِ. وَعَنْ خَلِيطِ الزَّهْوِ
وَالرُّطَبِ. وَقَالَ: ((انْتَبِذُوا كُلَّ وَاحِدٍ عَلَى حِدَتِهِ)).
٥١٣٠ - (٠٠٠) وحدّثني أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمُنِ، عَنْ أَبِي فَتَادَةَ، عَنِ
النَّبِيِّ وَِّ، بِمِثْلٍ هُذَا الْحَدِيثِ.
٥١٣١ - (٢٦م) حدّثنا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ وَأَبُو كُرَيْبٍ (وَاللَّفْظُ لِزُهَيْرٍ) قَالاَ: حَدَّثَنَا
وَكِيعٌ، عَنْ عِكْرِمَةَ بْنِ عَمَّارٍ، عَنْ أَبِي كَثِيرِ الْحَنَفِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ. قَالَ: نَهَىُ
رَسُولُ اللَّهِ وَ لِهِ عَنِ الزَّبِيبِ وَالتَّمْرِ. وَالْبُسْرِ وَالتَّمْرِ. وَقَالَ: ((يُنْبِذُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى
حِدَتِهِ)).
٥١٣٢ - (٠٠٠) وَحَدَّثَنِيهِ زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ. حَدَّثَنَا هَاشِمُ بْنُ الْقَاسِم. حَدَّثَنَا
عِكْرِمَةُ بْنُ عَمَّارٍ. حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمُنِ بْنٍ أُذَيْنَةَ (وَهُوَ أَبُو كَثِيرِ الْغُبَرِيُّ). حَدَّثَنِي
أَبُو هُرَيْرَةَ. قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ، بِمِثْلِهِ.
قوله: (وزعم يحيى) والمراد منه يحيى بن أبي كثير، وحاصله أنه رواه أولاً من طريق أبي
سلمة عن أبي قتادة، ثم لقي عبد الله فرواه ذلك عن أبيه.
( ... ) - قوله: (وحدثني أبو سلمة بن عبد الرحمن) قائله يحيى بن أبي كثير، فإنه في هذه
الطريق رواه عن عبد الله بن أبي قتادة بلا واسطة، ثم ذكر أن أبا سلمة أيضاً حدثه بذلك عن أبي
قتادة. وليس هذا من قول مسلم، وليس رواية مستقلة، كما يتوهّم من النسخ التي بأيدينا، فإن
بين مسلم وبين أبي سلمة مفاوز لا تطوى، فليتنبه.
٢٦م - (١٩٨٩) - قوله: (عن أبي هريرة) هذا الحديث أخرجه النسائي في الأشربة، باب
انتباذ الزبيب وحده، (رقم: ٥٥٧٠)، وابن ماجه في الأشربة، باب النهي عن الخليطين،
(رقم: ٣٤٣٩).
( ... ) - قوله: (أبو كثير الغبري) بضم الغين وفتح الباء، نسبة إلى بني غبر، وهم بطن من

٥١٨
الجزء الثالث من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
٥١٣٣ - (٢٧) وحدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ. حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ، عَنِ الشَّيْبَانِيِّ،
عَنْ حَبِيبٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ. قَالَ: نَهَى النَّبِيُّ بَّهِ أَنْ يُخْلَطَ الشَّمْرُ
وَالزَّبِيبُ جَمِيعاً. وَأَنْ يُخْلَطَ الْبُسْرُ وَالثَّمْرُ جَمِيعاً. وَكَتَبَ إِلَى أَهْلِ جُرَشَ يَنْهَاهُمْ عَنْ خَلِيطِ
التَّمْرِ وَالَّبِيبِ.
وَحَدَّثَنِيهِ وَهْبُ بْنُ بَقِيَّةَ. أَخْبَرَنَا خَالِدٌ (يَعْنِي الطَّخَّانَ) عَنِ الشَّيْبَانِيِّ، بِهِذَا الإِسْنَادِ.
فِي التَّمْرِ وَالزَّبِيبِ. وَلَمْ يَذْكُرِ: الْيُسْرَ وَالتَّمْرَ.
٥١٣٤ - (٢٨) حدّثني مُحَمَّدُ بْنُ رَافِع. حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ. أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجِ.
أَخْبَرَنِي مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ، عَنْ نَافِعِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ؛ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: قَدْ نُهِيَ أَنْ يُنْبَذَ الْبُسِّرُ
وَالرُّطَبُ جَمِيعاً. وَالتَّمْرُ وَالزَّبِيبُ جَّمِيعاً .
٥١٣٥ - (٢٩) وحدّثني أَبُو بَكْرِ بْنُ إِسْحَاقَ. حَدَّثَنَا رَوْحٌ. حَدَّثَنَا ابْنُ جُرَيْجِ.
أَخْبَرَنِي مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ، عَنْ نَافِعِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ؛ أَنَّهُ قَالَ: قَدْ نُهِيَ أَنْ يُنْبَذَ الْبُسْرُ وَالرُّطّبُ
جَمِيعاً. وَالتَّمْرُ وَالزَّبِيبُ جَمِيعاً.
يشكر، كما في الأنساب (١٠: ١٤) وهو من التابعين، وكان أعمى، وثقه أبو حتم وأبو داود
والنسائي، وأخرج عنه البخاري في الأدب المفرد، والخمسة الباقون، وراجع التهذيب
(١٢ : ٢١١)، وينسب بالسحيمي أيضاً، وفي اسم أبيه خلاف، فقيل: عبد الله، وقيل:
عبد الرحمن، وكذلك في جده، فقيل: أذينة، وقيل: غضيلة.
٢٧ - (١٩٩٠) - قوله: (عن ابن عباس) هذا الحديث أخرجه النسائي في الأشربة، باب
خليط التمر والزبيب، (رقم: ٥٥٥٩).
قوله: (وكتب إلى أهل جرش) بضم الجيم وفتح الراء، بلد باليمن، وذكر الحموي أنها
مدينة عظيمة باليمن وولاية واسعة، من مخاليف اليمن من جهة مكة، وفتحت سنة عشر للهجرة
صلحاً، ونسب إليها بعض المحدثين. وأمّا جَرَش بفتح الجيم والراء فهي مدينة قديمة في
الأردن، وليست مرادة هنا. وراجع معجم البلدان (٥: ١٢٦).
٢٨ - (١٩٩١) - قوله: (عن ابن عمر) لم أجد هذا الحديث عند غير المصنف من الأئمة
الستة .

٥١٩
كتاب: الأشربة
(٦) - باب: النهي عن الانتباذ في المزفت والدباء والحنتم والنقير
وبيان أنه منسوخ وأنه اليوم حلال ما لم يصر مسكراً
٥١٣٦ - (٣٠) حدّثنا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ. حَدَّثَنَا لَيْثُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ
مَالِكٍ؛ أَنَّهُ أَخْبَرَهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَلَهَ نَهَى عَنِ الدُّبَّاءِ وَالْمُزَقَّتِ، أَنْ يُنْبَذَ فِيهِ.
٥١٣٧ - (٣١) وحدّثني عَمْرٌو النَّاقِدُ. حَدَّثَنَا سُفْيَان بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ
أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَهَ نَهَى عَنِ الدُّبَّاءِ وَالْمُزَقَّتِ أَنْ يُنْتَذَ فِيهِ.
(١٩٩٣) - (٠٠٠) - قَالَ: وَأَخْبَرَهُ أَبُو سَلَمَةَ؛ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةً يَقُولُ: قَالَ
(٦) - باب: النهي عن الانتباذ في المزفت والدبّاء والحنتم والنقير إلخ
٣٠ - (١٩٩٢) - قوله: (عن أنس بن مالك) هذا الحديث أخرجه البخاري في الأشربة،
باب الخمر من العسل، وهو البتع، (رقم: ٥٥٨٧)، والنسائي في الأشربة، باب النهي عن نبيذ
الدبّاء والمزفت، (رقم: ٥٦٢٩).
قوله: (عن الدبّاء) بضم الدال وتشديد الباء، وهو في الأصل اليقطين اليابس وليس المراد
النهي عن أكله، وإنما كان أهل العرب يستخدمون غلاف الدبّاء كظرف للخمر، وكذلك الظروف
الآتية من المزفّت والحنتم والنقير، وكانت هذه الظروف مختصة بالخمر فلمّا حرمت الخمر حرّم
النبيّ وَّ استعمال هذه الظروف، إمّا لأن في استعمالها تشبّهاً بشرب الخمر وتذكيراً له، وإمّا
لأنّ هذه الظروف كانت فيها أثر الخمر، فلمّا مضت مدة أباح النبيّ وَ﴿ استعمال هذه الظروف،
كما سيأتي في أحاديث الباب، فإن أثر الخمر زال عنها، أو لأن الشيء حينما يحرم فإن اللائق
حينذاك أن يبالغ في التحريم ويشدّد في الأمر، ليتركه الناس مرّة، فإذا تركه الناس واستقر الأمر
يزول التشديد بعد حصول المقصود.
(١٩٩٣) - قوله: (والمزفّت) وهو ما كان مطلي بالزفت، وهو القار، ويسمى المقيّر أيضاً،
وهو نوع من الجرار التي يخمر فيها الخمر.
قوله: (قال: وأخبره أبو سلمة) الظاهر أن قائله سفيان بن عيينة، وضمير الفاعل في ((قال))
وضمير المفعول في ((أخبره)) راجع إلى الزهريّ. والمراد أن الزهري رواه أولاً عن أنس، ثم رواه
عن أبي سلمة عن أبي هريرة.
قوله: (أنه سمع أبا هريرة) هذا الحديث أخرجه أبو داود في الأشربة، باب في الأوعية،
(رقم: ٣٦٩٣)، والنسائي في الأشربة، باب النهي عن نبيذ الدبّاء والمزفّت، (رقم: ٥٦٣٠)،
وباب النهي عن نبيذ الدبّاء والحنتم والمزفّت، (رقم: ٣٦٣٥)، وباب ذكر النهي عن نبيذ الدبّاء
والنقير والمقيّر والحنتم، (رقم: ٥٦٣٧)، وباب الإذن في الانتباذ في التي خصها بعض الروايات

٥٢٠
الجزء الثالث من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ: ((لاَ تَنْتَبِذُوا فِي الدُّبَّاءِ وَلاَ فِي الْمُزَقَّتِ)). ثُمَّ يَقُولُ أَبُو هُرَيْرَةَ: وَاجْتَنِبُوا
الْحَنَاتِمَ .
٥١٣٨ - (٣٢) حدّثني مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِم. حَدَّثَنَا بَهْزٌ. حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ، عَنْ سُهَيْلٍ، عَنْ
أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ وَِّ؛ أَنَّهُ نَهَىَّ عَنِ الْمُزَنَّتِ وَالْحَنْتَمِ وَالنَّقِيرِ.
قَالَ: قِيلَ لأَّبِي هُرَيْرَةَ: مَا الْحَنْتَمُ؟ قَالَ: الْجِرَارُ الْخُضْرُ.
٥١٣٩ _ (٣٣) حدّثنا نَصْرُ بْنُ عَلِيِّ الْجَهْضَمِيُّ. أَخْبَرَنَا نُوحُ بْنُ قَيْسٍ. حَدَّثَنَا ابْنُ
عَوْنٍ، عَنْ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ؛ أَنَّ النَّبِيَّ وَّرَ قَالَ لِوَفْدِ عَبْدِ الْقَيْسِ: ((أَنْهَاكُمْ عَنِ الدُّبَّاءِ
وَالْحَنْتَمِ وَالنَّقِيرِ وَالْمُقَيَّرِ - وَالْحَنْتُمُ الْمَزَادَةُ الْمَجْبُوبَةُ - وَلْكِنِ اشْرَبْ فِي سِقَائِكَ وَأَوْكِهِ)).
إلخ (رقم: ٥٦٤٦)، وابن ماجه في الأشربة، باب النهي عن نبيذ الأوعية، (رقم: ٣٤٤٤)،
وباب نبيذ الجرّ، (رقم: ٣٤٥١ و٣٤٥٢).
قوله: (واجتنبوا الحنائم) هو جمع حنتم، بفتح الحاء وسكون النون وفتح التاء: الجرّة
الخضراء. وهذا التفسير هو الأصح المروي عن أبي هريرة وعبد الله بن مغفل رِيثًا، وذكر النووي
في كتاب الإيمان من شرحه (١: ٣٤) أنه الذي عليه الأكثرون من أهل اللغة وغريب الحديث.
وقيل: إنها الجرار كلها، وقيل: جرار يؤتى بها من مصر مقيّرات الأجواف، وروي ذلك عن
أنس، ونحوه عن ابن أبي ليلى، وزاد أنها حمر. وعن عائشة أنها جرار حمر، أعناقها في
جنوبها، يجلب فيها الخمر من مصر. وعن ابن أبي ليلى أيضاً أنها جرار أفواهها في جنوبها،
يجلب فيها الخمر من الطائف. وعن عطاء أنها جرار كانت تعمل من طين وشعر وأدم، - والله
أعلم - .
٣٢ - ( ... ) - قوله: (والنّقير) وإنه جذع ينقر وسطه، فيصبح ظرفاً ينتبذ فيه.
٣٣ - ( ... ) - قوله: (لوفد عبد القيس) وقد مرت قصتهم في كتاب الإيمان، باب الأمر
بالإيمان بالله تعالى ورسوله مقتل إلخ.
قوله: (والمقيّر) قد مرّ أنه والمزفّت واحد، وقيل: إن المزفّت نوع مخصوص من القار،
فالمزفت أخص من المقيّر.
قوله: (والحنتم) ((المزادة المجبوبة)) هذا تفسير آخر للحنتم، والمجبوبة: أي: المقطوع
رأسها، والمزادة كما مرّ ظرف من الجلد، فإذا قطع رأسها صارت كالدنّ. قال النووي: ((وأصل
الجبّ القطع. وقيل: هي التي قطع رأسها وليست لها عزلاء من أسفلها يتنفس الشراب منها
فيصير شرابها مسكراً ولا يدرى به)). وذكر النووي أنه رواه بعضهم ((المخنوثة)) بدل ((المجبوبة))،
وليست هذه الرواية بشيء.
قوله: (ولكن اشرب في سقائك وأوكه) قال العلماء: معناه أن السقاء إذا أوكي أمنت