Indexed OCR Text
Pages 401-420
٤٠١ كتاب: الصيد والذبائح وَذَكَرْتَ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ، فَكُلْ)) قلْتُ: وَإِنْ قَتَلْنَ؟ قَالَ: ((وَإِنْ قَتَلْنَ . محمد في كتاب الآثار عن أبي حنيفة، عن حماد، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، وهو سند متصل صحيح. مبحث اشتراط التسمية في حلة الحيوان: قوله: (وذكرت اسم الله عليه) هذا دليل الجمهور في اشترط التسمية عند الذبح أو الصيد. وفيه مذاهب: فالحنفية والمالكية على أن ذكر اسم الله تعالى شرط لصحة الذكاة في حالة العمد، دون حالة النسيان، فلا يحل متروك التسمية عمداً، ويحل نسياناً، ولا فرق عندهم في هذا بين الذبيحة والصيد. وأما أحمد بن حنبل ففرق بين الذبيحة والصيد، فقال بمثل قولهم في الذبيحة من حلّها إذا ترك الذابح التسمية نسياناً. وأما في الصّيد فاشترط التسمية في حالتي العمد والنسيان سواء، فلا يحلّ عنده صيد لم يذكر اسم الله عليه، سواء تركه الصائد عمداً، أو نسياناً. وعنه أنه فرّق بين إرسال السّهم وإرسال الكلب، فأجاز النسيان في السّهم كالذبيحة، وحرّمه في الكلب، لأن السهم ليس له اختيار فهو بمنزلة السكين، بخلاف الحيوان فإنه يفعل باختياره. كذا في المغني لابن قدامة (١١ : ٥). وقال الشافعيّ تَّثُهُ: إن التسمية على الذبيحة أو الصيد مسنونة، وليست واجبة، وتركها مكروه، ولكن لا يحرم به الصّيد ولا الذبيحة، سواء تركها عمداً أو نسياناً. احتجّ الجمهور بقوله تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُواْ مِنَّا لَ يُذْكَرِ أَسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ [سورة الأنعام، آية: ١٢١]، وبالأحاديث الآتية: ١ - حديث الباب حديث عديّ بن حاتم نظُته، حيث اشترط النبيّ ◌َّو التسمية عند إرسال الكلب، وليس هذا استدلالاً بالمفهوم المخالف، وإنّما هو عمل في المسكوت عنه بالأصل وهو التحريم، لأن الأصل في اللحم هو الحرمة. ٢ - حديث أبي ثعلبة الخشني ته، قال: قال رسول الله وَل و: ((ما صدت بقوسك فاذكر اسم الله وكل، وما صدت بكلبك فاذكر اسم الله وكل)) أخرجه البخاري، وسيأتي عند المصنف أيضاً . ٣ - حديث جندب بن سفيان، قال: قال رسول الله وَ لير: ((من ذبح قبل الصلاة فليذبح مكانها أخرى، ومن كان لم يذبح حتى صلينا فليذبح على اسم الله)) أخرجه البخاري. ٤ - حديث رافع بن خديج ظه، قال: قال رسول الله وَلجر: ((ما أنهر الدم وذكر اسم الله عليه فكل، ليس السنّ والظّفر)) أخرجه البخاري. ٤٠٢ الجزء الثالث من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم ٥ - حديث عديّ بن حاتم، وفيه كما سيأتي: («قلت: فإن وجدت مع كلبي كلباً آخر فلا أدري أيّهما أخذه، قال: فلا تأكل، فإنّما سمّيت على كلبك، ولم تسمّ على غيره)). ودلالة هذه الأحاديث على اشتراط التسمية واضحة لا تحتاج إلى شرح وإطناب. وأمّا الشافعيّ تَُّ فاستدلّ بقوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ ﴾﴾ إلى قوله: ﴿إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ﴾ [سورة المائدة، آية: ٣] فأباح التذكية من غير اشتراط التسمية ولا وجوبها. قال النووي: ((فإن قيل: التذكية لا تكون إلا بالتسمية، قلنا: هي في اللغة: الشق والفتح)). وأجاب عنه شيخنا في إعلاء السنن (١٧: ٥٧) بقوله: ((والجواب عنه أنه لو أريد من التذكية في قوله: ((إلا ما ذكيتم)) معناه اللغوي - أعني الشقّ والفتح - لزم أن يكون ما أكله السبع ومات، ثم شقه المسلم حلالاً، وكذلك المتردّيّة والمنخنقة والموقوذة، وهم لا يقولون به: فقد علم أنه ليس المراد معناها اللغوي، بل معناها الشرعيّ، والتسمية مأخوذ فيه فلا يتمّ الاستدلال)). وكذلك استدل الشافعيّ كَثُ تعالى بحديث عائشة رضيُّها: ((أن قوماً قالوا للنبيِّ نَّهِ: إن قوماً يأتوننا بلحم لا ندري أذكر اسم الله عليه أم لا؟ فقال: سموا عليه أنتم وكلوه. قالت: وكانوا حديثي عهد بالكفر)) أخرجه البخاري في باب ذبيحة الأعراب، (رقم: ٥٥٠٧). ولكن هذا الحديث لا يتمّ به استدلال الشافعية، لأن غاية هذا الحديث حمل فعل المسلم على الوجه الصحيح، ومفاده أن المسلم إن قدّم لحماً أو طعاماً فالظاهر أنه حلال مذبوح بطريقة مشروعة، فيحمل على الظاهر، ونحن مأمورون بإحسان الظنّ بكل مسلم، فلا يجب البحث عن طريقة ذبحه، ما لم يتبين أنه ذبحه بطريقة غير مشروعة. وإنّ هذا القوم كانوا مسلمين، وإن كانوا حديثي عهد بالكفر، فأمر رسول الله وَلير بحمل فعلهم على الظاهر، وهو أنهم ذكروا اسم الله عليه، ولا يلزم منه حل الذبيحة إذا تيقن الرجل بأن ذابحها ترك التسمية عليها متعمداً . وأما حل الذبيحة في حالة النسيان، فتدل عليه روايات آتية: ١ - أخرج الدارقطني والبيهقي عن ابن عباس أن النبيّ بَّر قال: ((المسلم يكفيه اسمه، فإن نسي أن يسمّي حين يذبح فليسمّ، وليذكر اسم الله، ثم ليأكل» وأخرجه الحاكم في المستدرك (٤: ٢٣٣) موقوفاً على ابن عباس، وذكره البخاري تعليقاً، ومالك بلاغاً. وصحّح شيخنا في إعلاء السنن (١٧: ٦٧ و٦٨) كلا الحديثين. ٢ - أخرج الدارقطني عن أبي هريرة، قال: ((سأل رجل النبيّ وَّ: الرجل منا يذبح وينسى أن يسمّي الله؟ قال: اسم الله على كلّ مسلم)) وفي رواية: ((في فم كل مسلم)) وقال الدار قطني: ٤٠٣ كتاب: الصيد والذبائح ٠٠ مروان بن سالم ضعيف، وقال شيخنا في الإعلاء: ((وكذا ضعفه أحمد والنسائي وغيرهما، ولم أر من وثّقه، إلاّ أن له شواهد)). ٣ - أخرج عبد بن حميد عن راشد بن سعد مرسلاً أن النبيّ وَّم قال: ((ذبيحة المسلم حلال، سمى أو لم يسمّ، ما لم يتعمد، والصيد كذلك)). ذكره السيوطي في الدر المنثور (٣: ٤٢) . ٤ - وأخرج أبو داود في مراسيله عن الصلت السدوسي مرسلاً أن رسول الله وَلاو قال: ((ذبيحة المسلم حلال، ذكر اسم الله أو لم يذكر، إن ذكر لم يذكر إلا اسم الله)). والصلت ذكره ابن حبان في الثقات، وقال ابن حزم: مجهول، وقال ابن القطان: فيه مع الإرسال أن الصلت السدوسي لا يعرف له حال، ولا يعرف بغير هذا، ولا روى عنه غير ثور بن يزيد. ولم يعِلّه ابن الجوزي وصاحب التنقيح بغير الإرسال. كذا في نصب الراية. وقال الحافظ في الفتح (٦٣٦:٩): ((هو مرسل جيد)). واستدلّ الجصّاص ◌َثُ على حل متروك التسمية نسياناً بقوله تعالى: ﴿مَِّّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ [سورة الأنعام، آية: ١٢١] فإنه خطاب للعامد دون الناسي، ويدلّ عليه قوله تعالى في نسق التلاوة: ﴿وَإِنَّهُ لَفِسَقٌ﴾ [سورة الأنعام، آية: ١٢١]، وليس ذلك صفة للناسي وإلى هذا الاستدلال أشار البخاري في صحيحه بقوله: ((والناسي لا يسمّى فاسقاً)). ثم قال الجصاص في أحكام القرآن (٣: ٤): ((ولأن الناسي في حال نسيانه غير مكلف للتسمية. وروى الأوزاعي عن عطاء بن رباح، عن عبيد بن عمير، عن عبد الله بن عباس، قال: قال رسول الله صلى: ((تجاوز الله عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه)) وإذا لم يكن مكلفاً للتسمية فقد أوقع الذكاة على الوجه المأمور به، فلا يفسده، وغير جائز إلزامه ذكاة أخرى لفوات ذلك منه، وليس ذلك مثل نسيان تكبيرة الصلاة أو نسيان الطهارة ونحوها، لأن الذي يلزمه بعد الذكر هو فرض آخر، ولا يجوز أن يلزمه فرض آخر في الذكاة لفوات محلها)). وبالجملة، فهذه الدلائل بمجموعها تدل على أن نسيان التسمية غير مفسد للذكاة بخلاف التعمد. وتمسك بها بعض الشافعية في التعمد أيضاً، وذلك لأن حل الذبيحة قد علّل في الآثار المارّة بكون اسم الله في كل مسلم، وهذه العّة تعمّ حالة التعمد أيضاً. ولكن أجاب عنه شيخنا في إعلاء السنن (١٧: ٥٩) بقوله: ((لا بد في القياس من مساواة الفرع للأصل، وههنا ليس كذلك، لأن النسيان عذر، والناسي معذور، فقيام الذكر الحكمي مقام الذكر الحقيقي فيه للضرورة لا يدل على قيامه مقامه فيمن ليس مثله في كونه معذوراً، أعني العامد)). وَأمّا ما تأول به بعض الشافعية في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُواْ مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ [سورة الأنعام، آية: ١٢١] من أنه محمول على ما ذبح باسم غير الله من الأنصاب وغيرها، بدليل ما روي ٤٠٤ الجزء الثالث من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم مَا لَمْ يَشْرَكْهَا كَلْبٌّ لَيْسَ مَعَهَا)) قُلْتُ لَهُ: فَإِنِّي أَرْمِي بِالْمِعْرَاضِ الصَّيْدَ، فَأُصِيبُ. فَقَالَ: ((إِذَا رَمَيْتَ بِالْمِعْرَاضِ فَخَزَقَ. فَكُلْهُ. وَإِنْ أَصَابَهُ بِعَرْضِهِ، فَلاَ تَأْكُلُهُ)). في سبب نزوله، فالحقّ. أنه تأويل غير ناهض، لأن العبرة لعموم اللفظ لا لخصوص السبب، والله سبحانه وتعالى أعلم بالصواب. قوله: (ما لم يشركها كلب ليس معها) بفتح الراء، أي: ما لم يشاركها. وفيه تصريح بأنه لا يحلّ أكله إذا شاركه كلب آخر، والمراد كلب آخر استرسل بنفسه، أو أرسله من ليس هو من أهل الذكاة، أو شككنا في ذلك، فلا يحل أكله في كل هذه الصور، فإن تحققنا أنه إنما شاركه كلب أرسله من هو من أهل الذكاة على ذلك الصيد حلّ. كذا في شرح النووي. ومنه استنبط الفقهاء القاعدة المهمّة من أنه إذا حصل الشكّ في الذكاة المبيحة للحيوان لم يحلّ، لأن الأصل تحريمه، وهذا لا خلاف فيه. قوله: (فإنّ أرمي بالمعراض) بكسر الميم وسكون العين. قال الخليل وتبعه جماعة: سهم لا ريش له ولا نصل. وقال ابن دريد وتبعه ابن سيده: سهم طويل له أربع قذذ رقاق، فإذا رمی به اعترض. وقال الخطابي: المعراض نصل عريض له ثقل ورزانة. وقيل: عود رقيق الطرفين غليظ الوسط، وهو المسمّى بالحذافة. وقيل: خشبة ثقيلة آخرها عصا محدّد رأسها، وقد لا يحدّد. وهذا الأخير صححه النووي والقاضي. وقال القرطبي: إنه المشهور، وقال ابن التين: المعراض عصا في طرفها حديدة يرمي الصائد بها الصيد. هذا ملخص ما في فتح الباري (٩ : ٦٠٠). وقال ابن منظور في لسان العرب (٩: ٤٢): ((والمعراض بالكسر سهم يرمى به بلا ريش ولا نصل، يمضي عرضاً فيصيب بعرض الود، لا بحدّه)). وقال الزبيدي في تاج العروس (٥: ٥٠): ((والمعراض كمحراب سهم يرمى به بلا ريش ولا نصل، قاله الأصمعي، وقال غيره: هو من العيدان، دقيق الطرفين غليظ الوسط، كهيئة العود الذي يحلج به القُطن، فإذا رمى به الرامي ذهب مستوياً، ويصيب بعرضه دون حدّه. وربما كانت إصابته بوسطه الغليظ، فكسر ما أصابه وهشمه، فكان كالموقوذة، وإن قرب الصيد منه أصابه بموضع النصل منه فجرحه، ومنه حدیث عدي بن حاتم)). قوله: (فخزق) الخزق: الطعن، وخزق السّهم وخسق: إذا أصاب الرّميّة ونفذ فيها، ومنه قول الحسن: لا تأكل من صيد المعراض إلاّ أن يخزق، معناه: ينفذ ويسيل الدم، لأنه ربما قتل بعرضه، ولا يجوز. كذا في لسان العرب وتاج العروس. قوله: (وإن أصابه بعرضه فلا تأكله) قال الموفق ابن قدامة في المغنى (١١: ٢٥): ((قال أحمد: المعراض يشبه السهم يحذف به الصيد، فربما أصاب الصيد بحده فخرق وقتل، فيباح. ٤٠٥ كتاب: الصيد والذبائح ٤٩٥٠ - (٢) حدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ. حَدَّثَنَا ابْنُ فُضَيْلٍ، عَنْ بَيَانِ، عَنِ وربما أصاب بعرضه فقتل بثقله فيكون موقوذاً فلا يباح. وهذا قول علي وعثمان وعمار وابن عباس، وبه قال النخعي والحكم ومالك والثوري والشافعي وأبو حنيفة وإسحاق وأبو ثور. وقال الأوزاعي وأهل الشام: يباح ما قتله بحده وعرضه. وقال ابن عمر: ما رمي من الصيد بجلاهق أو معراض فهو من الموقوذة، وبه قال الحسن)). واستدلّ ابن قدامة على قول الجمهور بحديث الباب، وبأن ما قتله بحدّه بمنزلة ما طعنه برمحه أو رماه بسهمه، ولأنه محدد خرق وقتل بحده، وما قتل بعرضه إنما يقتله بثقله فهو موقوذ کالذي رماه بحجر أو ببندقة. حكم الصيد بالبندقة والجلاهق: وعلى هذا الأصل ذهب أكثر الفقهاء إلى أن ما صيد بالبندقة لا يحل إلا بالتذكية. والبندقة والجلاهق جلدة مشدودة بين خشبتين يرمى بها الحجر إلى الهدف، ويسمّى بالأردية ((غليل)). قال ابن قدامة في المغني (١١: ٣٧): ((ولا يؤكل ما قتل بالبندقة أو الحجر، لأنه موقوذ، يعني: الحجر الذي لا حدّ له، فأما المحدد كالصوان، فهو كالمعراض، إن قتل بحده أبيح، وإن قتل بعرضه أو ثقله فهو وقيذ لا يباح. وهذا قول عامة الفقهاء. وقال ابن عمر في المقتولة بالبندق: تلك الموقوذة. وكره ذلك سالم والقاسم ومجاهد وعطاء والحسن وإبراهيم ومالك والثوري والشافعي وأبو ثور. ورخص فيما قتل بها ابن المسيب، وروي أيضاً عن عمار وعبد الرحمن بن أبي ليلى)). ولنا قول الله تعالى: ﴿وَالْمَوْقُوذَةُ﴾ [سورة المائدة، آية: ٣]. وروى سعيد بإسناده عن إبراهيم، عن عديّ، قال: قال رسول الله وَلقول: ((ولا تأكل من البندقة إلا ما ذكيت)). وقال في المعراض: ((إذا أصيب بعرضه فقتل فإنه وقيذ)). وقال عمر: ((ليتق أحدكم أن يحذف الأرنب بالعصا والحجر)). ثم قال: ((وليذكَ لكم الأسل الرماح والنبل)). إذا ثبت هذا، فسواء شدخه أو لم يشدخه. حتى لو رماه ببندقة فقطعت حلقوم طائر ومريئه، أو أطارت رأسه لم يحلّ. وكذلك إن فعل ذلك بحجر غير محدّد)). وقال الأبّي: ((واختلف فيما قتل بعرضه، فمنع أكله الجمهور، وأجازه مكحول والأوزاعي وفقهاء الشام، ونصّ السنّة يردّ عليهم. وكذلك أجازوا أكل ما صيد بالبندقة، ووافقهم على ذلك ابن أبي ليلى وابن المسيّب، وخالفهم فيه فقهاء الأمصار وأئمة الفتوى، وحديث المعراض أصل في ذلك کله، لأن ذلك كله رض ووقذ)). ثم قال الأبّي: «ومن نوع المعراض الآلة المسمّاة بالملطم، وهي عصا طويلة بطرفها لوح، كالآلة التي يرمى بها الخبز في بيت النار، ويجعل في ذلك اللوح مسامير بين آحادها بعض بُعْد، ٤٠٦ الجزء الثالث من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم الشَّعْبِيِّ، عَنْ عَدِيٍّ بْنِ حَاتِم. قَالَ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ وَّهِ. قُلْتُ: إِنَّا قَوْمٌ نَصِيدُ بِهَذِهِ ويصاد بها الطير المسمّى بالنرد بمشاعيل وتوقد، فإذا رأى الصائد النرد على الشجرة مدّ إليه الملطم، فيضربه وهو نائم، فيسقط إلى الأرض، فيبادره بالذبح، فما أدركه الذبح هو مجتمع الحياة أكل، وكذلك ما أصابته المسامير فجرحته، وما قتله العود الذي بين المسامير لا يؤكل)). راجع إكمال إكمال المعلم (٥: ٢٧١ و ٢٧٢). حكم الصّيد ببندقة الرصاص: أمّا الصّيد ببندقة الرصاص، فاختلفت فيه أنظار الفقهاء. فقال ابن عابدين في رد المحتار (٦: ٤٧١): ((ولا يخفى أن الجرح بالرصاص إنما هو بالإحراق والثقل بواسطة اندفاعه العنيف، إذ ليس له حدّ، فلا يحلّ، وبه أفتى ابن نجیم)). وقال الرافعي في التحرير المختار (ص: ٣١٥): ((نقل الخادمي في حواشي الدرر عن فتاوى علي أفندي الحلّ معللاً بأن النار تعمل عمل الذكاة في الحيوان حتى لو قذف النار في المذبح. فاحترقت العروق يؤكل، لكن ينبغي أن يحمل على ما إذا سال الدم، حتى إذا انجمد ولم يسل لا يحل)) ولكن رده شيخ مشايخنا الكنكوهي تخلّفُ بأن الرصاص غير محرق. وذلك لما جرب هو بنفسه بإطلاق الرصاص على مجموعة من القطن، فنفذ الرصاص ولم يحترق القطن، فثبت أنه وقذ وليس إحراقاً. كذا في تذكرة الرشيد (١ : ١٣٩). ثم قال الرافعي: ((وسيأتي للمحشي (يعني: ابن عابدين) في الجنايات أن القتل بالبندقة الرصاص عمد، لأنها من جنس الحديد وتجرح فيقتصّ به، لكن إذا لم تجرح لا يقتص به على رواية الطحاوي، انتهى. ومقتضاه حل الصيد بها تأمل وما ذكره السندي هنا مؤيد للحل وأنه لا شبهة فيه. لكن ما ذكره في الهداية وغيرها أن الموت إذا كان مضافاً إلى الجرح بيقين كان الصيد حلالاً. وإذا كان مضافاً إلى الثقل بيقين، كان حراماً، وإن وقع الشك ولا يدري مات بالجرح أو الثقل، كان حراماً اهـ، يقتضي الحرمة هنا، تأمل)). وأفتى جمع من علماء المالكية بجواز الصيد ببندقة الرصاص، نظراً إلى أنه مما يخزق أكثر مما يخزق الحديد، فقال العلامة الدردير في الشرح الكبير تحت قول المصنف ((بسلاح محدّد)) ما نصّه: ((واحترز به عن نحو العصا والبندق، أي: البرام الذي يرمى بالقوس. وأما الرصاص فيؤكل به، لأنه أقوى من السلاح، كذا اعتمده بعضهم)). وقال الدسوقي تحته: ((الحاصل أن الصيد ببندقة الرصاص لم يوجد فيه نصّ للمتقدمین، لحدوث الرمي به بحدوث البارود في وسط المائة الثامنة. واختلف فيه المتأخرون، فمنهم من قال بالمنع قياساً على بندق الطين، ومنهم من قال بالجواز، كأبي عبد الله القوري، وابن غازي، والشيخ المنجور، وسيدي عبد الرحمن الفاسي، والشيخ عبد القادر الفاسي، لما فيه من الإنهار ٤٠٧ كتاب: الصيد والذبائح الْكِلاَبِ. فَقَالَ: ((إِذَا أَرْسَلْتَ كِلاَبَكَ الْمُعَلَّمَةَ وَذَكَرْتَ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا، فَكُلْ مِمَّا أَمْسَكْنَ والإجهاز بسرعة، الذي شرعت الذكاة لأجله. وقياسه على بندق الطين فاسد، لوجود الفارق، وهو وجود الخرق والنفوذ في الرصاص تحقيقاً، وعدم ذلك في بندق الطين، وإنما شأنه الرضّ والكسر. وما كان هذا شأنه لا يستعمل، لأنه من الوقذ المحرم بنص القرآن)) راجع له حاشية الدسوقي على الشرح الكبير للدردير (٢: ١٠٣ و١٠٤). وكذلك ذكر الجواز الشيخ محمد البناني تثُّ في حاشيته على شرح الزرقاني لمختصر خليل (٢: ١٠)، فقال ((وأفتى فيه بجواز الأكل الشيخ أبو عبد الله القوري، وابن غازي، وسيدي علي بن هارون، والشيخ المنجور، والعارف بالله تعالى سيدي عبد الرحمن الفاسي وهو الذي اختاره شيخ الشيوخ سيدي عبد القادر الفاسي، لما فيه من الإنهار والإجهاز بسرعة، الذي شرعت الذكاة من أجله. قال: بل الإنهار به أبلغ وأسهل من كل آلة يقع بها الجرح. وكون الجرح المراد به الشق كما قيل: وصف طرديّ غير مناسب لإناطة الحكم به، إذ المراد مطلق الجرح، سواء كان شقّاً أو حرقاً، كما في محدد المقراض إلخ)) وكذلك اختاره الصاوي في حاشيته على الشرح الصغير للدردير (٢: ١٦٢). وممن قال بإباحة المصيد بالرصاص الشوكاني، فقال في فتح القدير له (٢: ٩): ((وأما البنادق المعروفة الآن، وهي بنادق الحديد التي يجعل فيها البارود والرصاص ويرمى بها، فلم يتكلم عليها أهل العلم لتأخر حدوثها، فإنه لم تصل إلى الديار اليمنية إلا في المائة العاشرة من الهجرة ... والذي يظهر لي أنه حلال، لأنها تخزق وتدخل في الغالب من جانب منه ويخرج من الجانب الآخر، وقد قال ◌َّير في الحديث الصحيح السابق: ((إذا رميت بالمعراض فخزق فكله)) فاعتبر الخزق في تحليل الصيد)). وقال النواب صديق حسن خان في فتح البيان (٢: ٤٣٥): والحاصل حمله ما يحل الصيد به من الآلات هذه البنادق الجديدة التي يرمى بها بالبارود والرصاص، فإن الرصاصة يحصل بها خزق رائد على خزق السهم والرمح والسيف ولها في ذلك عمل يفوق كل له ويظهر لك ذلك بأنك لو وضعت ريشاً أو نحوه فوق رماد دقيق أو تراب دقيق، وغرز فيه شيئاً يسيراً من أصلها، ثم ضربتها بالسيف المحدّد أو نحو ذلك من الآلات لم يقطعها وهي على هذه الحالة، ولو رميتها بهذه البنادق لقطعتها. فلا وجه لجعلها قاتلة بالصدم، لا من عقل ولا من نقل، من النهي عن أكل ما رمي بالبندقة، كما في رواية من حديث عدي بن حاتم عند أحمد بلفظ: ((ولا تأكل من البندقة إلّ ما ذكيت))، فالمراد بالبندقة هنا هي التي تتخذ من طين، فيرمى بها بعد أن يبس)). وكذلك حكى فتوى الجواز عن بعض علماء الحنفية مثل العلامة السندي، كما نقل عنه الرافعيّ، والشيخ بيرم التونسي، كما حكى عنه الشيخ محمد رشيد رضا في فتاواه. وذكر بعض المعاصرين أن ابن عابدين ألف رسالة في جواز الاصطياد ببندقة الرصاص (راجع الذبائح في ٤٠٨ الجزء الثالث من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم عَلَيْكَ، وَإِنْ قَتَلْنَ. إِلَّ أَنْ يَأْكُلَ الْكَلْبُ. فَإِنْ أَكَلَ فَلاَ تَأْكُلْ. فَإِنِّي أَخَافُ أَنْ يَكُونَ إِنَّمَا أَمْسَكَ عَلَى نَفْسِهِ. وَإِنْ خَالَظَهَا كِلاَبٌ مِنْ غَيْرِهَا، فَلاَ تَأْكُلْ)). ٤٩٥١ - (٣) وحدّثنا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ الْعَنْبَرِيُّ. حَدَّثَنَا أَبِي. حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي السَّفَرِ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِم. قَالَ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ وَه عَنِ الْمِعْرَاضِ؟ فَقَالَ: ((إِذَا أَصَابَ بِحَدِّهِ فَكُلْ. وَإِذَا أَصَابِّ بِعَرْضِهِ فَقَتَلَ، فَإِنَّهُ وَقِيذٌ، فَلاَ تَأْثَّلْ)). وَسَأَلَّتُ رَسُولَ اللَّهِ وَ عَنِ الْكَلْبِ؟ فَقَالَ: ((إِذَا أَرْسَلْتَ كَلْبَكَ وَذَكَرْتَ اسْمَ اللَّهِ فَكُلْ. فَإِنْ أَكَلَ مِنْهُ فَلاَ تَأْكُلْ. فَإِنَّهُ إِنَّمَا أَمْسَكَ عَلَى نَفْسِهِ)) قُلْتُ: فَإِنْ وَجَدْتُ مَعَ كَلْبِي كُلْباً الشريعة الإسلامية، للدكتور عبد الله عبد الرحيم العبادي (ص: ١٢٣) طبع بيروت) ولكني لم أجد هذه الرسالة، وقد رأيت أنه جزم في رد المحتار بعدم الجواز. وأما الحنفية فالجمهور منهم في ديارنا على عدم حل المصيد بالرصاص ما لم يدرك حيّاً فيذبح بطريق مشروع، وحجتهم ما مرّ عن ابن عابدين من أن الرمي بالرصاص رضّ ووقذ، وليس جرحاً، وما ذكره الرافعيّ من أنه إن وقع الشكّ لا يدري. مات بالجرح أو الثقل، كان حراماً، وما ذكره بعضهم من أن الجرح بمجرده لا يحل الصيد حتى تكون آلة الجرح محدّدة وعلى كلِّ، فالمسألة مجتهد فيها، وما ذكروه احتجاجاً على الحرمة فيه مجال كلام، والله سبحانه أعلم. قوله: (فإن أكل فلا تأكل) تمسك به الحنفية والشافعية والحنابلة، في أن من شروط حل الصيد أن لا يأكل منه الكلب، فإن أكل منه لم يحلّ. ويروى ذلك عن ابن عباس وأبي هريرة، وبه قال عطاء وطاووس، وعبيد بن عمير، والشعبي، والنخعي، وسويد بن غفلة، وأبو بردة، وسعيد بن جبير، وعكرمة والضحاك، وقتادة، وإسحاق، وأبو ثور. وقال مالك تَُّ: يحلّ وإن أكل منه الكلب، وروي ذلك عن سعد بن أبي وقاص، وسلمان وأبي هريرة، وابن عمر، وهو رواية مرجوحة عن الشافعي وأحمد، كما في المغنى لابن قدامة (١١: ٨). واحتجوا بعموم قوله تعالى: ﴿فَكُلُواْ مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾ ، وبحديث أبي ثعلبة عند أبي داود وأحمد: ((إذا أرسلت كلبك المعلّم وذكرت اسم الله عليه فكل وإن أكل)). ودليل الجمهور حديث الباب. أما قوله تعالى: ﴿فَكُلُواْ مِمَآ أَمْسَكْنَ عَلَّكُمْ﴾ [سورة المائدة، آية: ٤] فهو على مذهب الجمهور أدل منه على مذهب مالك، لأنه إذا لم يشترط في الحل عدم أكل الكلب لاكتفى الله سبحانه بقوله: ﴿أَمْسَكْنَ﴾ ولم يزيد ﴿عَلَيْكُمْ﴾ وإن هذه الزيادة تشير إلى أن المقصود إمساكه للصائد لا لنفسه، وبيّنه حديث الباب. وأما حديث أبي ثعلبة فقد سبق أن في إسناده داود بن عمر، ضعفه أحمد وغيره، فلا يقاوم حديث الباب، ولو ثبت إسناده فقد تأول فيه بعضهم على ما إذا أكل منه بعد قتله وخلاّه وفارقه، ثم عاد فأكل منه، فهذا لا يضر. كذا ذكره النووي . ٤٠٩ كتاب: الصيد والذبائح آخَرَ، فَلاَ أَدْرِي أَيُّهُمَا أَخَذَهُ؟ قَالَ: ((فَلاَ تَأْكُلْ. فَإِنَّمَا سَمَّيْتَ عَلَى كَلْبِكَ. وَلَمْ تُسَمِّ عَلَى غَيْرِهِ)). ٤٩٥٢ - (٠٠٠) وحدّثنا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ. حَدَّثَنَا ابْنُ عُلَيَّةَ. قَالَ: وَأَخْبَرَنِي شُعْبَةُ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي السَّفَرِ. قَالَ: سَمِعْتُ الشَّعْبِيَّ يَقُولُ: سَمِعْتُ عَدِيَّ بْنَ حَاتِمِ يَقُولُ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ وَلِهِ عَنِ الْمِعْرَاضِ، فَذَكَرَ مِثْلَهُ. ٤٩٥٣ - (٠٠٠) وحدّثني أَبُو بَكْرِ بْنُ نَافِعِ الْعَبْدِيُّ. حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ. حَدَّثَنَا شُعْبَةُ. حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي السَّفَرِ. وَعَنْ نَاسٍ ذَكَرَ شُغَّبَةُ عَنِ الشَّعْبِيِّ. قَالَ: سَمِعْتُ عَدِيَّ بْنَ حَاتِمٍ قَالَ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ وَلِهِ عَنِ الْمِعْرَاضِ، بِمِثْلِ ذُلِكَ. ٤٩٥٤ - (٤) وحدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ. حَدَّثَنَا أَبِي. حَدَّثَنَا زَكَرِيَّاءُ، عَنْ عَامِرٍ، عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِم. قَالَ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ وَهِ عَنْ صَيْدِ الْمِعْرَاضِ؟ فَقَالَ: ((مَا أَصَابَ بِحَدِّهِ فَكُلْهُ. وَمَا أَصَابَ بِعَرْضِهِ فَهُوَ وَقِيذٌ)). وَسَأَلْتُهُ عَنْ صَيْدِ الْكَلْبَ؟ فَقَالَ: ((مَا أَمْسَكَ عَلَيْكَ وَلَمْ يَأْكُلْ مِنْهُ فَكُلْهُ. فَإِنَّ ذَكَاتَهُ أَخْذُهُ. فَإِنْ وَجَدْتَ عِنْدَهُ كَلْباً آخَرَ، فَخَشِيتَ أَنْ يَكُونَ أَخَذَهُ مَعَهُ، وَقَدْ قَتَلَهُ، فَلاَ تَأْكُلْ. إِنَّمَا ذَكَرْتَ اسْمَ اللَّهِ عَلَى كَلْبِكَ. وَلَمْ تَذْكُرْهُ عَلَى غَیْرِهِ». ٤٩٥٥ - (٠٠٠) وحدّثنا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ. أَخْبَرَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ. حَدَّثَنَا زَكَرِيَّاءُ بْنُ أَبِي زَائِدَةَ، بِهُذَا الإِسْنَادِ. ٤٩٥٦ - (٥) وحدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ الْوَلِيدِ بْنِ عَبْدِ الْحَمِيدِ. حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ. حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ مَسْرُوقٍ. حَدَّثَنَا الشَّعْبِيُّ. قَالَ: سَمِعْتُ عَدِيَّ بْنَ حَاتِم (وَكَانَ لَنَا جَاراً وَدَخِيلاً وَرَبِيطاً بِالنَّهْرَيْنِ) أَنَّهُ سَأَلَ النَّبِيَّ وَِّ قَالَ: أُرْسِلُ كَلْبِي فَأَجِدُ مَعَ كَلِّبِي كَلْباً ( ... ) - قوله: (وعن ناس ذكر شعبة) لعل المراد أن شعبة رواه عن عبد الله بن أبي السفر وعن ناس آخرين غيره ذكرهم شعبة، كلهم يرويه عن الشعبيّ، - والله أعلم - . ٤ - ( ... ) - قوله: (فإن ذكاته أخذه) معناه: أن أخذ الكلب الصيد وقتله في حكم الذكاة الشرعية بمنزلة ذبح الحيوان الإنسيّ، وهذا مجمع عليه. ولو لم يقتله الكلب لكن تركه ولم تبق فيه حياة مستقرة، أو بقيت ولم يبق زمان يمكن صاحبه لحاقه وذبحه فمات، حلّ لهذا الحديث فإن ذکاته أخذه، كذا في شرح النووي. ٥ - ( ... ) - قوله: (وكان لنا جاراً ودخيلاً وربيطاً) قال النووي: ((قال أهل اللغة: الدخيل: الذي يداخل الإنسان ويخالطه في أموره، والربيط هنا بمعنى المرابط، وهو الملازم. ٤١٠ الجزء الثالث من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم قَدْ أَخَذَ. لاَ أَدْرِي أَيُّهُمَا أَخَذَ. قَالَ: ((فَلاَ تَأْكُلْ. فَإِنَّمَا سَمَّيْتَ عَلَى كَلْبِكَ، وَلَمْ تُسَمِّ عَلَىُ غَیْرِهِ)). ٤٩٥٧ - (٠٠٠) وحدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ الْوَلِيدِ. حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ. حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنِ الْحَكَمِ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ، عَنِ النَّبِّ وَّهِ، مِثْلَ ذُلِكَ. ٤٩٥٨ - (٦) حدّثني الْوَلِيدُ بْنُ شُجَاعِ السَّكُونِيُّ. حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ، عَنْ عَاصِم، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِم. قَّالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ وَلّهِ: ((إِذَا أَرْسَلْتَ كَلْبَكَ فَاذْكُرٍ اسْمَ اللَّهِ. فَإِنْ أَمْسَكَ عَلَيْكٌ فَأَدْرَكْتَهُ حَيَّا فَاذْبَحْهُ. وَإِنْ أَدْرَكْتَهُ قَدْ قَتَلَ وَلَمْ يَأْكُلْ مِنْهُ فَكُلُهُ. وَإِنْ وَجَدْتَ مَعَ كَلْبِكَ كَلْباً غَيْرِهُ وَقَدْ قَتَلَ فَلاَ تَأْكُلْ. فَإِنَّكَ لاَ تَدْرِي أَيُّهُمَا قَتَّلَهُ. وَإِنْ رَمَيْتَ سَهْمَكَ فَاذْكُرِ اسْمَ اللَّهِ. فَإِنْ غَابَ عَنْكَ يَوْماً فَلَمْ تَجِدْ فِيهِ إِلاَّ أَثَرَ سَهْمِكَ، فَكُلْ إِنْ شِئْتَ. وَإِنْ وَجَدْتَهُ غَرِيقاً فِي الْمَاءِ، فَلاَ تَأْكُلْ)). ٤٩٥٩ - (٧) حدّثنا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ. حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ. أَخْبَرَنَا عَاصِمٌ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِم. قَالَ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ وَلهَ عَنِ الصَّيْدِ؟ قَالَ: ((إِذَا والرباط: الملازمة. قالوا: والمراد هنا ربط نفسه على العبادة وعن الدنيا)) وأما قوله: ((بالنهرين)) فبيان للموضع. ٦ - ( ... ) - قوله: (فأدركته حيّا فاذبحه) قال النووي: ((هذا تصريح بأنه إذا أدرك ذكاته وجب ذبحه ولم يحلّ إلا بالذكاة، وهو مجمع عليه. وما نقل عن الحسن والنخعي خلافه فباطل لا أظنه يصح عنهما. وأما إذا أدركه ولم تبق فيه حياة مستقرة بأن قطع حلقومه أو مريّه أو أجافه أو خرق أمعاءه أو أخرج حشوته فيحل من غير ذكاة بالإجماع. قال أصحابنا وغيرهم: ويستحبّ إمرار السكين على حلقه ليريحه)). قوله: (فلم تجد فيه إلّ أثر سهمك) هذا دليل لمن يقول: إذا أثر جرحه فغاب عنه فوجده ميتاً وليس فيه أثر غير سهمه حلّ، وهو المشهور في مذهب أحمد، ورواية عن مالك، كما في المغني لابن قدامة (١١: ١٩ و٢٠)، ورجحه النووي، والأصحّ عند الشافعية أنه لا يحل. وقال أبو حنيفة تغذفه: إذا لم يزل الصائد في طلبه حلّ له أكله، وإن قعد عن طلبه ثم أصابه ميّتاً لم يحلّ، كما في الهداية. وروي عن مالك أنه لا يحلّ إن بات ليلة، وإن لم يبت حلّ، كما في شرح الأبّي. قوله: (وإن وجدته غريقاً في الماء) إلخ: عّله النبيّ ◌َّ في الرواية الآتية بقوله: «فإنك لا تدري: الماء قتله أو سهمك)). ويؤخذ منه أن ما تردد موته بين سببين أحدهما مبيح والآخر محرّم، فالحكم للمحرّم منهما . ٤١١ كتاب: الصيد والذبائح رَمَيْتَ سَهْمَكَ فَاذْكُرِ اسْمَ اللَّهِ. فَإِنْ وَجَدْتَهُ قَدْ قَتَلَ فَكُلْ. إِلَّ أَنْ تَجِدَهُ قَدْ وَقَعَ فِي مَاءٍ، فَإِنَّكَ لاَ تَدْرِي، الْمَاءُ قَتَلَهُ أَوْ سَهْمُكَ)). ٤٩٦٠ - (٨) حدّثنا هَنَّادُ بْنُ السَّرِيِّ. حَدَّثَنَا ابْنُ الْمُبَارَكِ، عَنْ حَيْوَةَ بْنِ شُرَيْح. قَالَ: سَمِعْتُ رَبِيعَةَ بْنَ يَزِيدَ الدِّمشْقِيَّ يَقُولُ: أَخْبَرَنِي أَبُو إِذْرِيسَ، عَائِذُ اللَّهِ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا ثَعْلَبَةَ الْخُشَنِيَّ يَقُولُ: أَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ وَلِهِ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّا بِأَرْضٍ قَوْمٍ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ. نَأُكُلُ فِي آنِيَتِهِمْ. وَأَرْضِ صَيْدٍ أَصِيدُ بِقَوْسِي، وَأَصِيدُ بِكَلْبِيَ الْمُعَلَّمَ. أَوْ بِكَلِيَ الَّذِيَ لَيْسَ بِمُعَلَّم. فَأَخْبِرْنِي مَا الَّذِي يَحِلُّ لَنَا مِنْ ذُلِكَ؟ قَالَ: ((أَمَّا مَا ذَكَرْتَ أَنَّكُمْ بِأَرْضٍ قَوْمٍ مِنْ أَهْلِ الْكِتَّابِ، تَأْكُلُونَ فِي آَنِيَتِهِمْ. ٨ - (١٩٣٠) - قوله: (سمعت أبا ثعلبة الخشنيّ) صحابي مشهور بكنيته، واختلفوا في اسمه اختلافاً شديداً، وهو منسوب إلى بني خُشين، كان ممن بايع تحت الشجرة، أرسله النبيّ وَّ إِلى قومه فأسلموا. وسكن الشام ونزل بداريا. وقبره معروف بها، قد زرته أثناء زيارتي للشام والحمد لله . روي عنه أنه كان يقول: إني لأرجو الله أن لا يخنقني كما أراكم تخنقون عند الموت، فبينما هو يصلّي في جوف الليل قبض وهو ساجد، فرأت ابنته في النوم أن أباها قد مات، فاستيقظت فزعة فنادت أين أبي؟ فقيل: في مصلاه، فنادته فلم يجبها، فأتته فوجدته ساجداً، فأنبهته فحركته، فسقط ميتاً، وذلك في (سنة: ٧٥هـ). وراجع الإصابة (٤: ٢٩ و٣٠). وحديثه هذا أخرجه البخاري في الذبائح والصيد، باب صيد القوس، (رقم: ٥٤٧٨)، وباب ما جاء في التصيّد، (رقم: ٥٤٨٨)، وباب آنية المجوس والميتة، (رقم: ٥٤٩٦)، وأبو داود في الصيد، باب في الصيد، (رقم: ٢٨٥٢ و٢٨٥٥ إلى ٢٨٥٧)، وفي الأطعمة، باب الأكل في آنية أهل الكتاب، (رقم: ٣٨٣٩)، والترمذي في الصيد، باب ما جاء يؤكل من صيد الكلب وما لا يؤكل، (رقم: ١٤٩١)، وفي السّير، باب ما جاء في الانتفاع بآنية المشركين، (رقم: ١٦٠٥)، وفي الأطعمة، باب ما جاء في الأكل في آنية الكفار، (رقم: ١٨٥٨). وأخرجه النسائي في الصيد، باب صيد الكلب الذي ليس بمعلّم، (رقم: ٤٢٦٦)، وابن ماجه في الصيد، باب صيد الكلب، (رقم: ٣٢٤٦)، وباب صيد القوس، (رقم: ٣٢٥٠). قوله: (إنّا بأرض قوم من أهل الكتاب) يعني: بالشام، وكان جماعة من قبائل العرب قد سكنوا الشام وتنصروا، منهم آل غسّان، وتنوخ، وبهز، وبطون من قضاعة منهم بنو خشين آل أبي ثعلبة. كذا في فتح الباري (٩: ٦٠٦). قوله: (نأكل في آنيتهم) الآنية جمع الإناء، والأواني جمع الآنية. وفي رواية لأبي داود في الأطعمة: ((إنا نجاور أهل الكتاب وهم يطبخون في قدورهم الخنزير، ويشربون من آنيتهم الخمر)). وبه يتضح منشأ السؤال. ٤١٢ الجزء الثالث من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم فَإِنْ وَجَدْتُمْ غَيْرَ آنِيَتِهِمْ، فَلاَ تَأْكُلُوا فِيهَا. وَإِنْ لَمْ تَجِدُوا، فَاغْسِلُوهَا ثُمَّ كُلُوا فِيهَا. وَأَمَّا مَا ذَكَرْتَ أَنَّكَ بِأَرْضِ صَيْدٍ، فَمَا أَصَبْتَ بِقَوْسِكَ فَاذْكُرِ اسْمَ اللَّهِ ثُمَّ كُلْ. وَمَا أَصَبْتَ بِكَلْبِكَ الْمُعَلَّمِ فَاذْكُرٍ اسْمَ اللَّهِ ثُمَّ كُلْ. وَمَا أَصَبْتَ بِكَلْبِكَ الَّذِي لَيْسَ بِمُعلَّمٍ فَأَذْرَكْتَ ذَكَانَهُ، فَكُلْ)). ٤٩٦١ - (٠٠٠) وحدّثني أَبُو الطَّاهِرِ. أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ. ح وَحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ. حَدَّثَنَا الْمُقْرِىءُ. كِلاَهُمَا عَنْ حَيْوَةَ، بِهِذَا الإِسْنَادِ، نَحْوَ حَدِيثِ ابْنِ الْمُبَارَكِ. غَيْرَ أَنَّ حَدِيثَ ابْنِ وَهْبٍ لَمْ يَذْكُرْ فِيهِ: صَيْدَ الْقَوْسِ. (٢) - باب: إذا غاب عنه الصيد ثم وجده ٤٩٦٢ - (٩) حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ مِهْرَانَ الرَّازِيُّ. حَدَّثَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ حَمَّادُ بْنُ خَالِدٍ الْخَيَّاطُ، عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ صَالِحٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمُنِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي ثَعْلَبَةَ، عَنِ مسألة الأكل في آنية المشركين: قوله: (فإن وجدتم غير آنيتهم فلا تأكلوا فيها) ظاهره أنه لا يجوز الأكل فيها حنيئذ، حتى بعد غسلها مع أن الفقهاء أجازوا استعمال أواني المشركين بعد الغسل على الإطلاق. وجمع النووي تخُّهُ بين هذا الحديث وبين قول الفقهاء بأن الحديث وارد في الأواني التي علم فيها أنها نجسة، وأما قول الفقهاء ففي الأواني التي ليست نجسة. وفيه نظر، لأن الفقهاء أجازوا استعمال الأواني النجسة بعد غسلها. قال محمد كثّفُ: ((ويكره الأكل والشرب في أواني المشركين قبل الغسل. ومع هذا لو أكل أو شرب فيها قبل الغسل جاز، ولا يكون آكلاً ولا شارباً حراماً. وهذا إذا لم يعلم بنجاسة الأواني، فأمّا إذا علم فإنه لا يجوز أن يشرب ويأكل منها قبل الغسل. ولو شرب أو أكل كان شارباً وآكلاً حراماً)) كذا في الفتاوى الهندية (٥: ٣٤٧) عن المحيط. فالصحيح ما مال إليه الحافظ في الفتح (٩: ٦٠٦) من أن النهي عن استعمال أواني المشركين عند وجود غيرها محمول على التنزيه والاستقذار، وإلاّ فإنها طاهرة بعد الغسل عند العلم بنجاستها. وبغير الغسل عند عدم الظن الغالب بأنها نجسة، كما تقدم عن الإمام محمد كآشم . ويدل على ذلك ما أخرجه أبو داود في الأطعمة (رقم: ٣٨٣٨) عن جابر، قال: ((كنّا نغزو مع رسول الله (قدير، فنصيب من آنية المشركين وأسقيتهم فنستمتع بها، فلا يعيب ذلك عليهم)). (٢) - باب: إذا غاب عنه الصّيد ثمّ وجده ٩ - (١٩٣١) - قوله: (عن أبي ثعلبة) هذا الحديث أخرجه أبو داود في الصيد، باب في ٤١٣ كتاب: الصيد والذبائح النَّبِّ وَِّ قَالَ: ((إِذَا رَمَيْتَ بِسَهْمِكَ، فَغَابَ عَنْكَ، فَأَدْرَكْتَهُ، فَكُلْهُ. مَا لَمْ يُنْتِنْ)). ٤٩٦٣ - (١٠) وحدّثني مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ أَبِي خَلَفٍ. حَدَّثَنَا مَعْنُ بْنُ عِيسَى. حَدَّثَنِي مُعَاوِيَةُ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمُنِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ نُفَيْرٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي ثَعْلَبَةَ، عَنِ النَّبِيِّ نَّهِ. فِي الَّذِي يُدْرِكُ صَيْدَهُ بَعْدَ ثَلاَثٍ: ((فَكُلْهُ مَا لَّمْ يُنِنْ)). ٤٩٦٤ - (١١) وحدّثني مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِم. حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمُنِ بْنُ مَهْدِيٍّ، عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ صَالِحٍ، عَنِ الْعَلَاءِ، عَنْ مَكْحُولٍ، عَنْ أَبِي ثَعْلَبَةَ الْخُشَنِيِّ، عَنِ النَّبِيِّ ◌َِ. حَدِيثَهُ فِي الصَّيْدِ. ثُمَّ قَالَ ابْنُ حَاتِم: حَدَّثَنَا ابْنُ مَهْدِيٍّ، عَنْ مُعَاوِيَةَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمُنِ بْنِ جُبَيْرٍ، وَأَبِي الزَّاهِرِيَّةِ عَنْ جُبَيْرِ بْنِ نُّغَيْرٍ، عَنْ أَبِي ثَعْلَبَةَ الْخُشَنِيِّ، بِمِثْلِ حَدِيثِ الْعَلاَءِ. غَيْرَ أَنَّهُ لَّمْ يَذْكُرْ نُونَتَهُ. وَقَالَ، فِي الْكُلْبِ: ((كُلُهُ بَعْدَ ثَلاَثٍ إِلاَّ أَنْ يُنْتَنَ. فَدَعْهُ)). (٣) - باب: تحريم أكل كل ذي ناب من السباع وكل ذي مخلب من الطير ٤٩٦٥ - (١٢) حدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ وَابْنُ أَبِي عُمَرَ (قَالَ إِسْحَاقُ: أَخْبَرَنَا. وَقَالَ الآخَرَانِ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ) عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَبِي إِذْرِيسَ، عَنْ أَبِي ثَعْلَبَةَ. قَالَ: نَهَى النَّبِيُّ وَّهِ عَنْ أَكْلِ كُلِّ ذِي نَابٍ مِنَ السَّبُعِ. زَادَ إِسْحَاقُ اتباع الصّيد، (رقم: ٢٨٦١)، والنسائي في الصّيد، باب الصّيد إذا أنتن، (رقم: ٤٣٠٣). قوله: (فغاب عنك فأدركته فكله) قريباً في الباب السابق أن هذا عند الحنفية إذا لم يقعد الصائد عند طلبه، وتقدم بيان المذاهب هناك. قوله: (ما لم ينتن) قال النووي: ((هذا النهي عن أكله للنتن محمول على التنزيه لا على التحريم، وكذا سائر اللحوم والأطعمة المنتنة يكره أكلها ولا يحرم، إلا أن يخاف منها الضرر خوفاً معتمداً)). (٣) - باب: تحريم أكل كل ذي ناب من السباع إلخ ١٢ - (١٩٣٢) - قوله: (عن أبي ثعلبة) هذا الحديث أخرجه البخاري في الذبائح، باب أكل كل ذي ناب من السباع، (رقم: ٥٥٣٠)، وفي الطبّ، باب ألبان الأتن، (رقم: ٥٧٨٠ و ٥٧٨١). وأبو داود في الأطعمة، باب النهي عن أكل السباع، (رقم: ٣٨٠٢)، والترمذي في الصيد، باب في كراهية كل ذي ناب وذي مخلب، (رقم: ١٥٠٤)، وفي السّير، باب ما جاء في الانتفاع بآنية المشركين (رقم: ١٦٠٤)، والنسائي في الصيد، باب تحريم أكل السباع، (رقم: ٤٣٢٥)، وابن ماجه في الصيد، باب كل ذي ناب من السباع، رقم (٣٢٧٢). قوله: (نهى عن أكل كل ذي ناب) إلخ: به أخذ الجمهور في تحريم كل ذي ناب من ٤١٤ الجزء الثالث من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم وَابْنُ أَبِي عُمَرَ فِي حَدِيثِهِمَا: قَالَ الزُّهْرِيُّ: وَلَمْ نَسْمَعْ بِهِذَا حَتَّى قَدِمْنَا الشَّامَ . ٤٩٦٦ - (١٣) وحدّثني حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى. أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ. أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَبِي إِذْرِيسَ الْخَوْلاَنِيِّ؛ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا ثَعْلَبَةَ الْخُشَنِيَّ يَقُولُ: نَهَىُ رَسُولُ اللهِ نَّهِ عَنْ أَكْلِ كُلِّ ذِي نَابٍ مِنَ السِّبَاعِ. قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: وَلَمْ أَسْمَعْ ذُلِكَ مِنْ عُلَمَائِنَا بِالْحِجَازِ. حَتَّى حَدَّثَنِي أَبُو إِدْرِيسَ. وَكَانَ مِنْ فُقَهَاءِ أَهْلِ الشَّامِ. ٤٩٦٧ - (١٤) وحدّثني هَارُونُ بْنُ سَعِيدِ الأَيْلِيُّ. حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ. أَخْبَرَنَا عَمْرٌو (يَعْنِي ابْنَ الْحَارِثِ) أَنَّ ابْنَ شِهَابٍ حَدَّثَهُ، عَنْ أَبِي إِدْرِيسَ الْخَوْلاَنِيِّ، عَنْ أَبِي ثَعْلَبَةَ الْخُشَنِيِّ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَهِ نَهَى عَنْ أَكْلِ كُلِّ ذِي نَابٍ مِنَ السِّبَاعِ. ٤٩٦٨ - (٠٠٠) وَحَدَّثَنِيهِ أَبُو الطَّاهِرِ. أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ. أَخْبَرَنِي مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ وَابْنُ أَبِي ذِئْبٍ وَعَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ وَيُونُسُ بْنُ يَزِيدَ وَغَيْرُهُمْ. ح وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ وَعَبْدُ بْنُ حُمَّيْدٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ. ح وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى. أَخْبَرَنَاً يُوسُفُ بْنُ الْمَاحِشُونِ. ح وَحَدَّثَنَا الْحُلْوَانِيُّ وَعَبَّدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ يَعْقُوبَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ. حَدَّثَنَا أَبِي، عَنْ صَالِحٍ. كُلُّهُمْ عَنِ الزُّهْرِيِّ، بِهُذَا الإِسْنَادِ، مِثْلَ حَدِيثٍ يُونُسَ وَعَمْرٍو. كُلُّهُمْ ذَكَرَ الأَكْلَ. إِلاَّ صَالِحاً وَيُوسُفَ. فَإِنَّ حَدِيثَهُمَا: نَهَى عَنْ كُلِّ ذِي نَابٍ مِنَ السَّبُعِ . ٤٩٦٩ - (١٥) وحدّثني زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ. حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمُنِ (يَعْنِي ابْنَ مَهْدِيٌّ) عَنْ مَالِكٍ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي حَكِيمٍ، عَنْ عَبِيدَةَ بْنِ سُفْيَانَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ وَهُ السّباع، والمشهور عن مالك أنه مكروه وليس حرماً. استدلالاً بقوله تعالى: ﴿قُل لََّ أَجِدُ فِ مَآَ أُوحِىَ إِلَىَّ مُحَرَّمَا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ: إِلَّ أَن يَكُونَ مَيْنَةً أَوْ دَمًّا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِزِيرٍ﴾ [سورة الأنعام، آية: ١٤٥] إلخ وروي عنه أن العاديّ منه حرام كالأسد والذئب والفهد، وغير العادي مكروه كالثعلب. وراجع الدسوقي على شرح الكبير (٢: ١١٧). وأجاب عنه الجمهور بأن الآية مكية، وإنها نصت على عدم تحريم غير ما ذكر إذ ذاك، فليس فيها نفي ما سيأتي من التحريم. والمراد من ذي ناب ما يصيد بنابه، فخرج البعير كما في الدر المختار وقال الحموي ((السر فيه أن طبيعة هذه الأشياء مذمومة شرعاً. فيخشى أن يتولد من لحمها شيء من طباعها، فيحرم إكراماً لبني آدم، كما أنه يحلّ ما أحل إكراماً له)) وراجع رد المحتار (٦: ٣٠٤). ١٥ - (١٩٣٣) - قوله: (عن أبي هريرة) هذا الحديث أخرجه الترمذي في الصيد، باب ما ٤١٥ كتاب: الصيد والذبائح قَالَ: ((كُلُّ ذِي نَابٍ مِنَ السِّبَاعِ، فَأَكْلُهُ حَرَامٌ)» . وَحَدَّثنِيهِ أَبُو الطَّاهِرِ. أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ. أَخْبَرَنِي مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ، بِهِذَا الإِسْنَادِ، مِثْلَهُ. ٤٩٧٠ - (١٦) وحدّثنا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذِ الْعَنْبَرِيُّ. حَدَّثَنَا أَبِي. حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنِ الْحَكَمِ، عَنْ مَيْمُونِ بْنِ مِهْرَانَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ. قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ وَ لَ عَنْ كُلِّ ذِي نَابٍ مِنَ السِّبَاعِ. وَعَنْ كُلِّ ذِي مِخْلَبٍ مِنَ الطَّيْرِ . ٤٩٧١ - (٠٠٠) وحدّثني حَجَّاجُ بْنُ الشَّاعِرِ. حَدَّثَنَا سَهْلُ بْنُ حَمَّدٍ. حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، بِهِذَا الإِسْنَادِ، مِثْلَهُ. ٤٩٧٢ - (٠٠٠) وحدّثنا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ. حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ. حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ. حَدَّثَنَا الْحَكَمُ وَأَبُو بِشْرٍ، عَنْ مَيْمُونِ بْنِ مِهْرَانَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَ لَهَ نَهَى عَنْ كُلِّ ذِي نَابٍ مِنَ السِّبَاعِ. وَعَنْ كُلِّ ذِي مِخْلَبٍ مِنَ الطَّيْرِ. ٤٩٧٣ - (٠٠٠) وحدّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى. أَخْبَرَنَا هُشَيْمٌ، عَنْ أَبِي بِشْرٍ. ح وَحَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ. حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ. قَالَ أَبُو بِشْرٍ: أَخْبَرَنَا عَنْ مَيْمُونِ بْنِ مِهْرَانَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: نَهِّى. ح وَحَدَّثَنِي أَبُو كَامِلِ الْجَحْدَرِيُّ. حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ أَبِي بِشْرٍ، عَنْ مَيْمُونِ بْنِ مِهْرَانَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ. قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ وَهَ بِمِثْلِ حَدِيثِ شُعْبَةً، عَنِ الْحَكَمِ. جاء في كراهية كل ذي ناب وذي مخلب، (رقم: ١٥٠٧)، والنسائي في الصيد، باب تحريم أكل السباع، (رقم: ٤٣٢٤)، وابن ماجه في الصيد، باب كل ذي ناب من السباع، (رقم : ٣٢٧٣). قوله: (عن عبيدة بن سفيان) هو بفتح العين وكسر الهاء. قال العجلي: مدني تابعي ثقة، وقال ابن سعد: كان شيخاً قليل الحديث. وليس له عند مسلم غير هذا الحديث وراجع التهذيب (٧: ٨٣). ١٦ - (١٩٣٤) - قوله: (عن ابن عباس) هذا الحديث أخرجه أبو داود في الأطعمة، باب النهي عن أكل السباع، (رقم: ٣٨٠٣ و٣٨٠٥)، والنسائي في الصيد، باب إباحة أكل لحوم الدجاج، (رقم: ٤٣٤٨)، وابن ماجه في الصيد، باب كل ذي ناب من السباع، (رقم: ٣٢٧٤). قوله: (وعن كل ذي مخلب) بكسر الميم اسم آلة من الخلب، وهو مزق الجلد، والمخلب ظفر كل سبع من الماشي والطائر كما في القاموس، والمراد هنا ذو مخلب يصيد بمخلبه فخرج نحو الحمامة كما في الدر المختار. ٤١٦ الجزء الثالث من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم (٤) - باب: إباحة ميتات البحر ٤٩٧٤ - (١٧) حدّثنا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ. حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ. حَدَّثَنَا أَبُو الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ. ح وَحَدَّثَنَاهُ يَحْيَى بْنُ يَحْيَى. أَخْبَرَنَا أَبُو خَيْئَمَةَ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ. قَالَ: بَعَثَّنَا رَسُولُ اللَّهِ وَ لِهِ وَأَمَّرَ عَلَيْنَا أَبَا عُبَيْدَةَ. نَلَقَّى عِيراً لِقُرَيْشٍ. وَزَوَّدَنَا جِرَاباً مِنْ تَمْرٍ لَمْ يَجِدْ لَنَا غَيْرَهُ. فَكَانَ أَبُو عُبَيْدَةَ يُعْطِينَا تَمْرَةً تَمْرَةٌ. قَالَ: فَقُلْتُ: (٤) - باب: إباحة ميتات البحر ١٧ - (١٩٣٥) - قوله: (عن جابر) هذا الحديث أخرجه البخاري في الصيد، باب قول الله تعالى: ﴿وأحل لكم صيد البحر﴾، (رقم: ٥٤٩٣ و ٥٤٩٤)، وفي الشركة، باب الشركة في الطعام والنهد والعروض، (رقم: ٢٤٨٣)، وفي الجهاد، باب حمل الزاد على الرقاب، (رقم: ٢٩٨٣)، وفي المغازي، باب غزوة سيف البحر، (رقم: ٤٣٦٠، ٤٣٦١، و٤٣٦٢)، وأخرجه أبو داود في الأطعمة، باب في دوابّ البحر، (رقم: ٣٨٤٠)، والنسائي في الصيد، باب ميتة البحر، (رقم: ٤٣٥١، ٤٣٥٢، ٤٣٥٣ و٤٣٥٤، وابن ماجه في الصيد، باب الطافي في صيد البحر، (رقم: ٣٢٨٨). قوله: (بعثنا رسول الله وَ﴿) وتسمّى هذه السريّة سريّة الخبط، أو سيف البحر لما سيأتي، وذكرها ابن سعد في سنة ثمان، واعترض عليه الحافظ في الفتح (٨: ٧٨) بأن تلك السنة كانت زمن الهدنة، ومال إلى أنها وقعت سنة ست أو قبلها قبل صلح الحديبية. قوله: (وأمّر علينا أبا عبيدة) هذا هو المحفوظ في أكثر الروايات، ووقع في رواية أبي حمزة الخولاني عند ابن أبي عاصم في الأطعمة: ((تأمر علينا قيس بن سعد بن عبادة))، وكأن أحد رواتها ظن من صنيع قيس بن سعد في تلك الغزوة ما صنع من نحر الإبل التي اشتراها أنه كان أمير السريّة كذا في الفتح. قوله: (نتلقى عير القريش) وقد ذكر ابن سعد وغيره أن النبيّ وَّر بعثهم إلى حيّ من جهينة بالقَبَليّة مما يلي ساحل البحر، بينهم وبين المدينة خمس ليال، وأنهم انصرفوا ولم يلقوا كيداً. ويمكن الجمع بينه وبين رواية الباب بأنهم أرادوا كلا الأمرين، ويقويه ما سيأتي عند المصنف من طريق عبيد الله بن مقسم: ((بعث رسول الله وَ ل بعثاً إلى أرض جهينه)). قوله: (لم يجد لنا غيره) ظاهره أنه لم يكن عندهم غير هذا الزاد، ولكن وقع في رواية وهب بن كيسان عند البخاري في المغازي: ((فخرجنا وكنّا ببعض الطريق ففني الزّاد. فأمر أبو عبيدة بأزواد الجيش فجمع، فكان مزودي تمر، فكان يقوتنا كلّ يوم قليلاً قليلاً حتى فني، فلم - يكن يصيبنا إلا تمرة تمرة)» وظاهر هذا السياق أنهم كان لهم زاد بطريق العموم، وأزواد بطريق الخصوص، فلما فنى الذي بطريق العموم اقتضى رأي أبي عبيدة أن يجمع الذي بطريق ٤١٧ كتاب: الصيد والذبائح كَيْفَ كُنْتُمْ تَصْنَعُونَ بِهَا؟ قَالَ: نَمَصُّهَا كَمَا يَمَصُ الصَّبِيُّ. ثُمَّ نَشْرَبُ عَلَيْهَا مِنَ الْمَاءِ. فَتَكْفِينَا يَوْمَنَا إِلَى اللَّيْلِ. وَكُنَّا نَضْرِبُ بِعِصِيِّنَا الْخَبَطَ. ثُمَّ نَبُّهُ بِالْمَاءِ فَتَأْكُلُهُ. قَالَ: وَانْطَلَقْنَا عَلَى سَاحِلِ الْبَحْرِ. فَرُفِعَ لَنَا عَلَى سَاحِلِ الْبَحْرِ كَهَيْئَةِ الْكَثِيبِ الضَّخْمِ. فَأَتَيْنَاهُ فَإِذَا هِيَ دَابَةٌ تُدْعَى الْعَنْبَرُ. قَالَ: قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: مَيْتَةٌ. ثمَّ قَالَ: لاَ، بَلْ نَحْنُ زَّسُلُ رَسُولِ اللَّهِ وَِ. وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ. وَقَدِ اضْطُرِرْتُمْ فَكُلُوا. قَالَ: فَأَقَمْنَا عَلَيْهِ شَهْراً. وَنَحْنُ ثَلاَثُ مِائَةٍ الخصوص لقصد المساواة بينهم في ذلك ففعل، فكان جميعه مزوداً واحداً. ويمكن الجمع بين الروايتين بأن الزاد العام كان قدر جراب. فلما نفد وجمع أبو عبيدة الزاد الخاص اتفق أنه أيضاً كان قدر جراب، ويكون كل الراويين ذكر ما لم يذكره الآخر. وأما تفرقة الزاد تمرة تمرة، فكان في ثاني الحال، فاختصر الراوي في حديث الباب، وفصله في رواية البخاري. هذا محصل ما في فتح الباري (٨: ٧٩). قوله: (كيف كنتم تصنعون بها؟) وفي رواية للبخاري في المغازي: ((فقلت: ما تغني عنكم تمرة؟ فقال: لقد وجدنا فقدها حين فنيت)). قوله: (الخبط) بفتح الخاء والباء، وهو ورق السلم، وهو علف للإبل. قوله: (كهيئة الكثيب الضخم) الكثيب: الرمل المستطيل المحدودب كما في شرح النووي. وقال القاضي عياض: ((قال غير واحد من أهل اللغة: هو الجبل الصغير، وقال الخليل: هو ما نتأ من الحجارة، والأول أفصح)) كذا في شرح الأبي: ومراد الفقرة: رفع إلينا شيء في صورة الكثيب الضخم. قوله: (فإذا هي دابّة) وفي رواية وهب عند البخاري: ((فإذا حوت مثل الظرب)) والظرب بفتح الظاء وكسر الراء: الجبل. وفي رواية عمرو عند البخاري: ((فألقى البحر حوتاً ميّتاً)) فظهر أنه كان حُوتاً، وسمّي في رواية الباب دابّة لجسامتها . قوله: (تُدعى العنبر) وهو السمك الذي يسمّى ((البال)) أو ((وهيل)) (Whalc) اليوم، وإنما سمّي بالعنبر، لأن العنبر، وهو الطيب المعروف، يستخرج من أمعائه، وهو أكبر أنواع السمك جسامة. وذكر في دائرة المعارف البريطانية (١٢: ٦١٤) أن طوله يتراوح ما بين متر وثلث (أربع خطوات وثلث) إلى ثلاثين متراً (مائة خطوة)، ووزنه يتردد ما بين أربعة وخمسين كيلوا غراماً إلى مائة وستة وثلاثين ألف (١٣٦٠٠٠) كيلو غرام. ومن هنا يظهر أن تشبيهه بالجبل أو الكثيب ليس فيه مبالغة. قوله: (ميتة) يعني: تردّد أبو عبيدة في أكله لكونه ميتة، فكأنه لم يعلم حينئذ أن ميتة البحر حلال . قوله: (فأقمنا عليه شهراً ونحن ثلاثُ مائة) يعني: كان هؤلاء الثلثمائة يشبعون منه كل يوم ٤١٨ الجزء الثالث من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم حَتَّى سَمِنَّا. قَالَ: وَلَقَدْ رَأَيْتُنَا نَغْتَرِفُ إلى شهر، ولا يبعد ذلك بالنظر إلى ما ذكرنا من وزن هذا النوع من السمك. وقال القاضي عياض: ((مثل هذه المدة يفسد فيها اللحم، فعدم فساد هذا إما لكثرة شحمه ودسمه، كما ذكر أنهم كانوا يغترفون الدهن بالقلال، وكثرة الشحم والودك يصون اللحم من التغيير، أو يكون لكبره وعظمه يطرح منه ما فسد ويؤخذ مما تحته مما لم يصبه الهواء، لأن فساد الطعام وما فيه رطوبة إنما يكون غالباً من مداخلة الهواء، فإذا صين عن الهواء تماسك. وقد يكون هذا الحوت ألقاه البحر إلى ساحله ميتاً، لكن شخصه في الماء بحيث يصونه الماء ويحفظه ببرده عن الفساد ومثل هذا موجود فيمن يدفن في الأرض البارحة الندية، فإنه لا يتغير)). ثم إن مدة أكلهم من ذلك الحوت شهر في هذه الرواية، ووقع في رواية وهب: ((فأكل منه القوم ثمان عشرة ليلة))، وفي رواية عمرو بن دينار: ((فأكلنا منه نصف شهر))، وجمع النووي بين الروايات بترجيح رواية الباب لكونها مثبتة للزيادة، وبأن من روى الأقلّ فإنه لا ينفي الأكثر. وأما الحافظ ابن حجر تغذّثُ فجمع بأن من روى ثمان عشرة ليلة، فإنه ضبط أكثر من غيره، وأما من روى نصف شهر أو شهراً، فإنه ألغى الكسر. ويظهر لي وجه ثالث، وهو أن رواية أبي الزبير في الباب إنما تبيّن مجموع المدة التي أكل الصحابة فيها من الحوت. وأما الروايتان الأخريان، فإنما أراد الراوي فيهما بيان المدة التي زال فيها عن الصحابة هزال الجوع، وأمر أبو عبيدة بعدها بضلع من أضلاعه فنصب، لأن لفظ رواية عمرو بن دينار: ((فأكلنا منها نصف شهر وادّهنّا من ودكها حتى ثابت أجسامنا. قال: فأخذ أبو عبيدة ضلعاً إلخ)) كما سيأتي عند المصنّف، وليس فيه أنهم تركوا الأكل بعد نصف شهر. ولفظ وهب بن كيسان عند البخاري: ((فأكل منه القوم ثمان عشرة ليلة، ثمّ أمر أبو عبيدة بضلعين من أضلاعه فنصبا إلخ)) ولم يذكر فيه أيضاً أنهم تركوا الأكل بعد ذلك، والله سبحانه أعلم. على أني ذكرت غير مرة أن الرواة إنما يعتنون بأصل القصة وجوهرها، وربما لا يهتمون بمثل هذه الجزئيات وضبطها ضبطاً دقيقاً، فيقع بينهم الاختلاف في بيانها، ولا يقدح ذلك في صحة أصل الحديث. مسألة قدر ما يباح للمضطر: قوله: (حتى سمنّا) أي: زال عنّا الهزال. واستدلّ به الأبّي على أنه يجوز للمضطر أن يشبع من الميتة، لأن السمن في العادة لا يقع إلا مع الشّبع. وهو مذهب مروي عن مالك، قال القرطبي في تفسيره: (٢: ٢١٣): ((إن تناول الميتة مباح إلى أن تأخذ النفس حاجتها من القوت، وإلى هذا ذهب مالك وهو أحد قولي الشافعي. قال ابن خويز منداد: إذا جاز أن يصطبحوا ويغتبقوا جاز أن يشبعوا ويتزودوا. وقال أبو حنيفة والشافعيّ في القول الآخر: لا يجوز له أن يتناول من الميتة إلا قدر ما يمسك رمقه، وإليه ذهب المزنيّ. قالوا: لأنه لو كان في الابتداء ٤١٩ كتاب: الصيد والذبائح مِنْ وَقْبٍ عَيْنِهِ، بِالْقِلاَلِ، الدُّهْنَ. وَنقْتَطِعُ مِنْهُ الْفِدَرَ كَالثَّوْرِ (أَوْ كَقَدْرِ الثَّوْرِ) فَلَقَدْ أَخَذَ مِنَّا أَبُو عُبَيْدَةَ ثَلاَثَةَ عَشَرَ رَجُلاً. فَأَقْعَدَهُمْ فِي وَقْبٍ عَيْنِهِ. وَأَخَذَ ضِلْعاً مِنْ أَضْلاَعِهِ. فَأَقَامَهَا. ثُمَّ رَحَلَ أَعْظَمَ بَعِيرٍ مَعَنَا . بهذه الحال لم يجز له أن يأكل منها شيئاً، فكذلك إذا بلغها بعد تناولها. وروي نحوه عن الحسن. وقال قتادة: لا يتضلع منها بشيء)). وحكى الجصاص في أحكامه(١: ١٣٠) هذه المذاهب، ورد على قول المالكية بقول الله تعالى: ﴿فَمَنِ اضْطَرَّ غَيّرَ بَاِخْ وَلَا عَادٍ﴾ [سورة البقرة، آية: ١٧٣]، وقال: ((فقد بينا أن المراد منه غير باغ ولا عاد في الأكل، ومعلوم أنه لم يرد الأكل منها فوق الشبع، لأن ذلك محظور في الميتة وغيرها من المباحات، فوجب أن يكون المراد غير باغ في الأكل منها مقدار الشبع، فيكون البغي والتعدي واقعين في أكله منها مقدار الشبع، حتى يكون لاختصاصه الميتة بهذا الوصف وعقده الإباحة بهذه الشريطة فائدة)) . وأما استدلال الأبي بحديث الباب، فالجواب عنه أن ميتة البحر حلال في جميع الأحوال، ولا تختص حلتها بحالة الاضطرار، فجاز الشّبع منها، ومن هذه الجهة قرر النبيّ وَلّ فعلهم، لا من جهة أنهم أكلوها مضطرّين، فلا علاقة لحديث الباب بمسألة الاضطرار. وأما قول أبي عبيدة: ((وقد اضطررتم فكلوا)) فكأنه لم يعلم بحلة ميتة البحر، أو شكّ فيها، فشرع في أكلها على أساس الاضطرار، ثمّ يمكن أن يكون قد علم حلّتها فيما بعد، فلم ير بأساً بالشبع، ويمكن أن يكون قد اجتهد في جواز الشبع للمضطر ولكن لم يثبت على ذلك تقرير من النبيّ ◌َّ، وإنما وقع التقرير من جهة كون السمك حلالاً إذا جزر عنه البحر فمات، كما سيأتي إن شاء الله. والله سبحانه أعلم. قوله: (من وقب عينه) بفتح الواو وسكون القاف. قال القاضي: ((وقب العين: داخلها، (٤)﴾ [سورة الغلق، آية: ٣] أي: إذا دخل في الظلمة. من قوله تعالى: ﴿وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ ووقب العين أيضاً: حفرتها. والوقبة: الحفرة في الحجر)). قوله: (بالقِلال) جمع قلّة بضم القاف، وهي الجرّة الكبيرة التي يقلّها الرجل بين يديه، أي: يحملها والمراد أننا كنّا نستخرج الدهن من عينه بالقلال. قوله: (ونقتطع منه الفدر) بكسر الفاء وفتح الدال، جمع فدرة، وهي القطعة، وقوله: كالثوب يعني: نقتطع منه قطعات اللحم أو الشحم كما تقتطع من لحم الثور. قوله: (أو قدر الثور) بفتح القاف وسكون الدال أي: بمثل الثور، وروي: ((فدر الثور)) بكسر الفاء، جمع فدرة، والمعنى: مثل قطعات الثور. قوله: (ثم رحل أعظم بعير) هو بفتح الحاء، أي: جعل عليه رحلاً . ٤٢٠ الجزء الثالث من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم فَمَرَّ مِنْ تَحْتِهَا. وَتَزَوَّدْنَا مِنْ لَحْمِهِ وَشَائِقَ. فَلَمَّا قَدِمْنَا الْمَدِينَةَ أَتَيْنَا رَسُولَ اللّهِ وَلِهِ. فَذَكَرْنَا ذُلِكَ لَهُ. فَقَالَ: ((هُوَ رِزْقٌ أَخْرَجَهُ اللَّهُ لَكُمْ. فَهَلْ مَعَكُمْ مِنْ لَحْمِهِ شَيْءٌ فَتُطْعِمُونَا؟)) قَالَ: فَأَرْسَلْنَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ وَلِّ مِنْهُ. فَأَكَلَهُ. قوله: (فمرّ من تحتها) هذا مختصر، وفصله عمرو بن دينار في الرواية الآتية، ولفظها: ((ثم نظر إلى أطول رجل في الجيش وأطول جمل فحمله عليه، فمرّ تحته)). قوله: (تزوّدنا من لحمه وشائق) جمع وشيقة، وهي اللحم يؤخذ فيغلى إغلاء ولا ينضج، ويحمل في الأسفار. يقال: وشقت اللحم فاتشق، والوشيقة: القديد. قوله: (فهل معكم من لحمه شيء فتطعمونا) قال النووي: ((وأما طلب النبيّ وَّر من لحمه وأكله ذلك، فإنما أراد به المبالغة في تطييب نفوسهم في حله، وأنه لا شكّ في إباحته، وأنه يرتضيه لنفسه، أو أنه قصد التبرك به لكونه طعمه من الله تعالى خارقة للعادة أكرمهم الله بها . وفي هذا دليل على أنه لا بأس بسؤال الإنسان من مال صاحبه ومتاعه إدلالاً عليه، وليس هو من السؤال المنهي عنه إنما ذلك في حق الأجانب للتمول ونحوه، وأما هذه فللمؤانسة والملاطفة والإدلال ... وفيه أنه يستحب للمفتي أن يتعاطى بعض المباحات التي يشك فيها المستفتي إذا لم يكن فيه مشقة على المفتي، وكان فيه طمأنينة للمستفتي)). ثمّ في هذا الحديث مسائل : ١ - مسألة ميتات البحر: أجمع المسلمون على حلة السمك من حيوانات البحر، واختلفوا في غيره من صيد البحر، فقال الأئمة الثلاثة فيما هو المختار عندهم: إن جميع ما يعيش في البحر حلال، واستثنى الشافعية منها الضفدع فقط، قال النووي في المجموع شرح المهذب (٩: ٣٠ و٣١): ((الصحيح المعتمد أن جميع ما في البحر تحل ميتة إلا الضفذع، ويحمل ما ذكره الأصحاب أو بعضهم من السلحفاة والحية والنسناس على ما يكون في ماء غير البحر)). وأما المالكية، فقد روي عنهم استثناء الآدمي البحري والكلب البحري والخنزير البحري، ولكن المختار عندهم حلة الحيوانات البحرية على الإطلاق. قال الدردير في الشرح الصغير (٢: ١٨٢): ((والمباح البحري مطلقاً، وإن ميتاً أو كلباً أو خنزيراً أو تمساحاً أو سلحفاة، ولا يفتقر لذكاة)). وكذلك الحنابلة لم يستثنوا شيئاً من حيوانات البحر، قال ابن قدامة في المغني (١١: ٤٠): ((إن السمك وغيره من ذوات الماء التي لا تعيش إلاّ فيه إذا ماتت فهي حلال، سواء ماتت بسبب أو غير سبب)». وقال الحنفية: لا يجوز من حيوانات البحر إلا السمك، وهو قول للشافعية، كما ذكره