Indexed OCR Text
Pages 361-380
٣٦١
كتاب: الإمارة
الْمُشْرِكُونَ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَ لَهُ: ((قُومُوا إِلَى جَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ)) قَالَ: يَقُولُ
عُمَيْرُ بْنُ الْحُمَامِ الأَنْصَارِيُّ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، جَنَّةٌ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ؟ قَالَ: ((نَعَمْ))
قَالَ: بَخْ بَخْ. فَّقَالَ رَسُولِ اللَّهِ وَّهِ: ((مَا يَحْمِلُكَ عَلَى قَوْلِكَ بَخْ بَخْ)) قَالَ: لاَ. وَاللَّهِ،
يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِلاَّ رَجَاءَةَ أَنْ أَكُونَ مِنْ أَهْلِهَا. قَالَ: ((فَإِنَّكَ مِنْ أَهْلِهَا)) فَأَخْرَجَ تَمَرَاتٍ مِنْ
قَرَنِهِ. فَجَعَلَ يَأْكُلُ مِنْهُنَّ. ثُمَّ قَالَ: لَئِنْ أَنَا حَيِيتُ حَتَّى آكُلَ تَمَرَاتِي هُذِهِ، إِنَّهَا لَحَيَاةٌ طَوِيلَةٌ .
قَالَ: فَرَمَى بِمَا كَانَ مَعَهُ مِنَ الثَّمْرِ. ثُمَّ قَاتَلَهُمْ حَتَّى قُتِلَ.
٤٨٩٣ - (١٤٦) حدّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى التَّمِيمِيُّ وَقُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ (وَاللَّفْظُ لِيَحْيَى)
(قَالَ قُتَيْبَةُ: حَدَّثَنَا. وَقَالَ يَحْيَى: أَخْبَرَنَا جَعْفَرُ بْنُ سُلَيْمَانَ) عَنْ أَبِي عِمْرَانَ الْجَوْنِيِّ، عَنْ
أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قَيْسٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي، وَهُوَ بِحَضْرَةِ الْعَدُوِّ يَقُولُ:
قَالَ رَسُولُ اللّهِ وَيهِ ((إِنَّ أَبْوَابَ الْجَنَّةِ تَحْتَ ظِلَاَلِ السُّيُوفِ)). فَقَامَ رَجُلٌ رَثُّ الْهَيْئَةِ. فَقَالَ:
يَا أَبَا مُوسَى، أنْتَ سَمِعْتَ رَسُولَ اللَّهِ وَهِ يَقُولُ هُذَا؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: فَرَجَعَ إِلَى أَصْحَابِهِ
فَقَالَ: أَقْرَأُ عَلَيْكُمُ السَّلاَمَ. ثُمَّ كَسَرَ جَفْنَ سَيْفِهِ فَأَلْقَاهُ. ثُمَّ مَشَى بِسَيْفِهِ إِلَى الْعَدُوِّ. فَضَرَبَ بِهِ
حَتَّى قُتِلَ .
٤٨٩٤ - (١٤٧) حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِم، حَدَّثَنَا عَفَّانُ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ. أَخْبَرَنَا
رسول الله ◌َو لئلا يفوتهم شيء من المصالح التي لا يعلمونها، وقال الأبي: ((والمراد أن لا
يتقدمه في الرأي)).
قوله: (بخ بخ) بإسكان الخاء وكسرها منونة، وهي كلمة تطلق لتفخيم الأمر وتعظيمه في
الخير .
قوله: (من قرنه) بفتح القاف والراء، وهو ما يقرن، والمراد هنا جعبة النشاب. كما في
شرح الأبي.
قوله: (إنها لحياة طويلة) قاله شوقاً للشهادة.
١٤٦ - (١٩٠٢) - قوله: (عن أبيه) عبد الله بن قيس، وهو أبو موسى الأشعريّ
مضرعنه ،
وأخرجه الترمذي في الجهاد، (باب: ٢٣، رقم: ١٧١٠).
قوله: (بحضرة العدوّ) بفتح الحاء وتثليث الضاد. قوله: ((تحت ظلال السيوف)) قال
الأبي: لا مفهوم لقوله السيوف.
قوله: (ثم مشى بسيفه إلى العدوّ) ولا بأس بخوض الرجل المنفرد جمعاً من العدوّ إذا كان
أنکی فیھم، وإلا فهو مكروه.
٣٦٢
الجزء الثالث من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
ثَابِتٌ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكِ قَالَ: جَاءَ نَاسٌ إِلَى النَّبِّ وَّهِ فَقَالُوا: أَنِ ابْعَثْ مَعَنَا رِجَالاً
يُعَلِّمُونَا الْقُرْآنَ وَالسُّنَّةَ. فَبَعَثَ إِلَيْهِمْ سَبْعِينَ رَجُلاً مِنَ الأَنْصَارِ. يُقَالُ لَهُمُ الْقُرَّاءُ. فِيهِمْ
خَالِي حَرَامٌ. يَقْرَؤُونَ الْقُرْآنَ. وَيَتَدَارَسُونَ بِاللَّيْلِ يَتَعَلَّمُونَ. وَكَانُوا بِالنَّهَارِ يَجِيئُونَ بِالْمَاءِ
فَيَضَعُونَهُ فِي الْمَسْجِدِ. وَيَخْتَطِبُونَ فَيَبِيعُونَهُ. وَيَشْتَرُونَ بِهِ الطَّعَامَ لأَهْلِ الصُّفَّةِ، وَلِلْفُقَرَاءِ.
فَبَعَثَهُمُ النَّبِيُّ نَّهِ إِلَيْهِمْ. فَعَرَضُوا لَهُمْ فَقَتَلُوهُمْ. قَبْلَ أَنْ يَبْلُغُوا الْمَكَانَ. فَقَالُوا:
١٤٧ - (٦٧٧) - قوله: (عن أنس) هذا الحديث أخرجه البخاري في الوتر، باب القنوت
قبل الركوع وبعده، (رقم: ١٠٠٢)، وفي الجهاد، باب من ينكب في سبيل الله، (رقم: ٢٨٠١)،
وباب العون بالمدد، (رقم: ٣٠٦٤)، وباب دعاء الإمام على من نكث عهداً، (رقم: ٣١٧٠)،
وفي المغازي، باب غزوة الرجيع ورعل وذكوان وبئر معونة، (رقم: ٤٠٨٨ و٤٠٨٩
إلى ٤٠٩٢). وأخرجه المصنف أيضاً في المساجد، باب استحباب القنوت في جميع الصلوات
إذا نزلت بالمسلمين نازلة .
قوله: (جاء ناس) وهم رعل وذكوان وعصيّة وبنو لحيان، كما صرح به في رواية قتادة عن
أنس عند البخاري في الجهاد.
قوله: (ابعث معنا) ولفظ البخاري من طريق قتادة: ((فزعموا أنهم أسلموا، واستمدّوه على
قومهم)).
قوله: (فيهم خالي حرام) اسمه حرام بن ملحان، وهو أخ لأم سليم ط ◌ًّا.
قوله: (يقرؤون القرآن) إلخ: يعني: بالمدينة المنورة، وهو بيان لوجه تلقيبهم بالقرّاء.
قوله: (فعرضوا لهم فقتلوهم) يعني: ببئر معونة، وقصته على ما ذكره ابن إسحاق أنه:
((قدم أبو براء عامر بن مالك بن جعفر ملاعب الأسنّة على رسول الله وَّلو المدينة، فعرض عليه
رسول الله وَّر الإسلام ودعاه إليه، فلم يسلم ولم يبعد من الإسلام، وقال: يا محمّد! لو بعثت
رجالاً من أصحابك إلى أهل نجد، فدعوهم إلى أمرك رجوت أن يستجيبوا لك. فقال
رسول الله وَّل: إنّي أخشى عليهم أهل نجد. قال أبو براء: أنا لهم جار فابعثهم، فليدعوا الناس
إلى أمرك، فبعث رسول الله وس﴿ المنذر بن عمرو أخا بني ساعدة في أربعين رجلاً من أصحابه من
خيار المسلمين ... فساروا حتى نزلوا بئر معونة، وهي بين أرض بني عامر وحرة بني سليم،
فلما نزلوها بعثوا حرام بن ملحان بكتاب رسول الله (08 8# إلى عدوّ الله عامر بن الطفيل، فلما أتاه
لم ينظر في كتابه حتى عدا على الرجل فقتله. ثم استصرخ عليهم بني عامر، فأبوا أن يجيبوه إلى
ما دعاهم إليه، وقالوا: لن نخفر أبا براء وقد عقد لهم عقداً وجواراً، فاستصرخ عليهم قبائل من
بني سليم عصية ورعل وذكوان فأجابوه إلى ذلك، فخرجوا حتى غشوا القوم، فأحاطوا بهم في
رحالهم، فلما رأوهم أخذوا سيوفهم ثم قاتلوهم حتى قتلوا من عند آخرهم يرحمهم الله)).
وراجع سيرة ابن هشام (٢: ١٧٤).
٣٦٣
كتاب: الإمارة
٤
اللَّهُمَّ بَلِغْ عَنَّا نَبِيَّنَا؛ أَنَّا قَدْ لَقِينَاكَ فَرَضِينَا عَنْكَ. وَرَضِيتَ عَنَّا. قَالَ: وَأَتَى رَجُلٌ حَرَاماً،
خَالَ أَنَسِ، مِنْ خَلْفِهِ فَطَعَنَهُ بِرُمْحِ حَتَّى أَنْفَذَهُ. فَقَالَ حَرَامٌ: فُزْتُ، وَرَبِّ الْكَعْبَةِ. فَقَالَ
رَسُولُ اللَّهِ وَهِ لأصْحَابِهِ: ((إِنَّ إِخْوَانَكُمْ قَدْ قُتِلُوا. وَإِنَّهُمْ قَالُوا: اللَّهُمَّ بَلِّغْ عَنَّا نَبِيِّنَا؛ أَنَّا
قَدْ لَقِيْنَاكَ فَرَضِينَا عَنْكَ. وَرَضِيتَ عَنَّا)).
٤٨٩٥ - (١٤٨) وحدّثني مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِم. حَدَّثَنَا بَهْزٌ. حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ الْمُغِيرَةِ،
عَنْ ثَابِتٍ. قَالَ: قَالَ أَنَسٌ: عَمِّيَ الَّذِي سُمِّيتُ بِهِ لَمْ يَشْهَدْ مَعَ رَسُولِ اللّهِ وَلَهَ بَدْراً. قَالَ:
فَشَقَّ عَلَيْهِ. قَالَ: أَوَّلُ مَشْهَدٍ شَهِدَهُ رَسُولُ اللَّهِ وَلِّ غُيِّيْتُ عَنْهُ. وَإِنْ أَرَانِيَ اللَّهُ مَشْهَداً،
فِيمَا بَعْدُ، مَعَ رَسُولِ اللّهِ وَلِهِ، لَّيَرَانِيَ اللَّهُ مَا أَصْنَعُ. قَالَ: فَهَابَ أَنْ يَقُولَ غَيْرَهَا. قَالَ:
فَشَهِدَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ بَهِ يَوْمَ أُحُدٍ. قَالَ: فَاسْتَقْبَلَ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ. فَقَالَ لَهُ أَنَسٌ: يَا أَبَا
قوله: (الّلهُمَّ بلّغ عنّا نبيّنا) إلخ: وفي رواية إسحاق بن عبد الله عند البخاري في المغازي:
((فأنزل الله علينا ثمّ كان من المنسوخ: إنّا قد لقينا ربّنا، فرضي عنّا وأرضانا إلخ)) مما يدل على
أنها كانت آية نسخت تلاوتها، لكن قال السهيليّ في الروض الأنف (٢: ١٧٦): ((فثبت هذا في
الصحيح، وليس عليه رونق الإعجاز، فيقال: إنه لم ينزل بهذا النظم، ولكن بنظم معجز كنظم
القرآن)» وراجعه لتفصيل ما نسخت تلاوته.
قوله: (وأتى رجل حراماً) إلخ: وفي رواية البخاري في المغازي: ((وأومؤوا إلى رجل فأتاه
من خلفه فطعنه)).
قوله: (فزتُ، وربّ الكعبة) هذا مظهر عظيم لحبّه للشهادة في سبيل الله وتحقيره لحطام
الدنيا وشوقه إلى لقاء الله عزّ وجلّ، حيث لم يعبأ بما أصابه من جرح، وإنما اغتنمه وفرح به
لكونه سبباً للوصول إلى الله تعالى فرضي الله تعالى عنه وأرضاه.
قوله: (إن إخوانكم قد قتلوا) فيه معجزة ظاهرة للنبيّ وَلّ، حيث بلّغه ربّه ما أصيبوا به من
القتل، وما تكلّموا به في آخر حياتهم.
١٤٨ - (١٩٠٣) - قوله: (قال أنس) هذا الحديث أخرجه البخاري في الجهاد، باب قول الله
عز وجل: ﴿مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُواْ مَا عَهَدُواْ اللَّهَ عَلَيْهِ﴾ [الأحزاب: ٢٣] إلخ (رقم: ٢٨٠٥)، وفي
المغازي، باب غزوة أحد، (رقم: ٤٠٤٨)، وفي التفسير، سورة الأحزاب باب: ﴿فَمِنْهُم مَّن
قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَن يَنْنَظِرٌ﴾ إلخ (رقم: ٤٧٨٣)، وأخرجه الترمذي في تفسير الأحزاب،
(رقم: ٣٢٥٣، ٣٢٥٤).
قوله: (عمّى الذي سميت به) يعني: أنس بن النضر، وهو مصرح في رواية البخاري.
قوله: (فهاب أن يقول غيرها) أي: خشي أن يلتزم شيئاً فيعجز عنه، ولهذا أبهم. وعرف
من السياق أن مراده أنه يبالغ في القتال وعدم الفرار.
قوله: (فاستقبل سعد بن معاذ) وفي رواية البخاري: (فلما كان يوم أحد وانكشف
٣٦٤
الجزء الثالث من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
عَمْرٍو، أَيْنَ؟ فَقَالَ: وَاهاً لِرِيحِ الْجَنَّةِ. أَجِدُهُ دُونَ أُحُدٍ. قَالَ: فَقَاتَلَهُمْ حَتَّى قُتِلَ. قَالَ:
فَوُجِدَ فِي جَسَدِهِ بِضْعٌ وَثَمَانُونَ. مِنْ بَيْنٍ ضَرْبَةٍ وَطَعْنَةٍ وَرَمْيَةٍ. قَالَ: فَقَالَتْ أُخْتُهُ، عَمَّتِيَ
الرُّبَيِّعُ بِنْتُ النَّصْرِ: فَمَا عَرَفْتُ أَخِي إِلَّ بِبَنَانِهِ. وَنَزَلَتْ هُذِهِ الآيَةُ: ﴿رِجَالٌ صَدَقُواْ مَا عَهَدُواْ
اَللَّهَ عَلَيَّةٍ فَمِنْهُم مَن قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَن يَنْتَظِرِّ وَمَا بَدَّلُواْ تَبْدِيلًا﴾ [الأحزاب: ٢٣]، قَالَ: فَكَانُوا
يُرَوْنَ أَنَّهَا نَزَلَتْ فِهِ وَفِي أَصْحَابِهِ.
(٤٢) - باب: من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله
٤٨٩٦ _ (١٤٩) حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى وَابْنُ بَشَارٍ (وَاللَّفْظُ لابْنِ الْمُثَنَّى) قَالاً:
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ. حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ. قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا وَائِلِ قَالَ:
حَدَّثَنَا أَبُو مُوسَى الأشْعَرِيُّ؛ أَنَّ رَجُلاً أَغْرَابِيًّا أَتَى النَّبِيَّ وَه فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، الرَّجُلُ
المسلمون، قال: اللّهمّ إني أعتذر إليك مما صنع هؤلاء، يعني: أصحابه، وأبرأ إليك مما صنع
هؤلاء، يعني: المشركين. ثم تقدّم، فاستقبله سعد بن معاذ)).
قوله: (واها لريح الجنة أجده دون أحد) قال ابن بطال وغيره: ((يحتمل أن يكون على
الحقيقة وأنه وجد ريح الجنة حقيقة أو وجد ريحاً طيبة ذكره طيبها بطيب ريح الجنة، ويجوز أن
يكون أراد أنه استحضر الجنة التي أعدت للشهيد فتصور أنها في ذلك الموضع الذي يقاتل فيه،
فيكون المعنى: إني لأعلم أن الجنة تكتسب في هذا الموضع، فأشتاق لها)) كذا في فتح الباري
(٦ : ٢٣).
قوله: (فوجد في جسده بضع وثمانون) وزاد في رواية البخاري: ((ووجدناه قد قتل، وقد
مثل به المشركون، فما عرفه أحد إلاّ أخته ببنانه)). وزاد البخاري قبل ذلك: ((قال سعد: فما
استطعت یا رسول الله ما صنع)).
قوله: (الرّبيّع بنت النضر) بضم الراء وفتح الباء وتشديد الياء المكسورة، وقد مرت قصته
في كتاب القسامة والديات.
(٤٢) - باب: من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا
١٤٩ - (١٩٠٤) - قوله: (حدثنا أبو موسى الأشعريّ) هذا الحديث أخرجه البخاري في
الجهاد، باب من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا، (رقم: ٢٨١٠)، وفي الخمس، باب من قاتل
للمغنم هل ينقص من أجره، (رقم: ٣١٢٦)، وفي العلم، باب من سأل وهو قائم عالماً جالساً،
(٧))﴾ [الصافات:
(رقم: ١٢٣)، وفي التوحيد، باب قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ سَبَّقَتْ كَلِمِثْنَا لِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ
١٧١] (رقم: ٧٤٥٨)، وأخرجه الترمذي في فضائل الجهاد، باب ما جاء من يقاتل رياء وللدنيا،
(رقم: ١٦٩٧)، وابن ماجه في الجهاد، باب النية في القتال، (رقم: ٢٨١٠).
٣٦٥
كتاب: الإمارة
يُقَاتِلُ لِلْمَغْنَمِ. وَالرَّجُلُ يُقَاتِلُ لِيُذْكَرَ وَالرَّجُلُ يُقَاتِلُ لِيُرَى مَكَانُهُ. فَمَنْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ؟ فَقَالَ
رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((مَنْ قَاتَلَ لِتَكُونَ كَلِمَةُ اللَّهِ أَعْلَى فَهُوَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ».
٤٨٩٧ - (١٥٠) حدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَابْنُ نُمَيْرٍ وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ
وَمُحَمَّدُ بْنُ الْعَلاَءِ (قَالَ إِسْحَاقُ: أَخْبَرَنَا. وَقَالَ الآخَرُونَ: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةً) عَنِ
الأَعْمَشِ، عَنْ شَقِيقٍ، عَنْ أَبِي مُوسَى. قَالَ: سُئِلَ رَسُولُ اللّهِ وَهِ، عَنِ الرَّجُلِ يُقَاتِلُ
شَجَاعَةً، وَيُقَاتِلُ حَمِيَّةً، وَيُقَاتِلُ رِيَاءٌ، أَيُّ ذُلِكَ فِي سَبِيلِ اللّهِ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ وَهِ: ((مَنْ
قَاتَلَ لِتَكُونَ كَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا، فَهُوَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ)).
٤٨٩٨ - (٠٠٠) وحدّثناه إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ. أَخْبَرَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ. حَدَّثَنَا
الأَعْمَشُ، عَنْ شَقِيقٍ، عَنْ أَبِي مُوسَى. قَالَ: أَتَيْنَا رَسُولَ اللَّهِ وَلِهِ فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ،
الرَّجُلُ يُقَاتِلُ مِنَّا شَجَاعَةٌ، فَذَكَرَ مِثْلَهُ.
٤٨٩٩ - (١٥١) وحدّثنا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ. أَخْبَرَنَا جَرِيرٌ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ أَبِي
وَائِلٍ، عَنْ أَبِي مُوسَى الأَشْعَرِيِّ؛ أَنَّ رَجُلاً سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ وَه عَنِ الْقِتَالِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ
عَزَّ وَجَلَّ؟ فَقَالَ: الرَّجُلُ يُقَاتِلُ غَضَباً وَيُقَاتِلُ حَمِيَّةً. قَالَ: فَرَفَعَ رَأْسَهُ إِلَيْهِ. وَمَا رَفَعَ رَأْسَهُ
إِلَيْهِ إِلاَّ أَنَّهُ كَانَ قَائِماً - فَقَالَ: ((مَنْ قَاتَلَ لِتَكُونَ كَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا فَهُوَ فِي سَبِيلِ اللّهِ).
(٤٣) - باب: من قاتل للرياء والسمعة استحق النار
٤٩٠٠ - (١٥٢) حدّثنا يَحْيَى بْنُ حَبِيبِ الْحَارِثِيُّ. حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ الْحَارِثِ. حَدَّثَنَا
ابْنُ جُرَيْجِ. حَدَّثَنِي يُونُسُ بْنُ يُوسُفَ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ. قَالَ: تَفَرَّقَ النَّاسُ عَنْ أَبِي
قوله: (يقاتل ليُذكر) أي: ليذكر بين الناس ويشتهر بالشجاعة، وهو المراد من السُّمعة في
الباب الآتي.
قوله: (يقاتل ليُرى مكانه) أي: ليرى الناس مكانه من الشجاعة، وهو الرياء.
١٥٠ - ( ... ) - قوله: (ويقاتل حميّة) أي: تعصباً لأهله وعشيرته أو قومه.
١٥١ - ( ... ) - قوله: (يقاتل غضباً) أي: لأجل حظ نفسه. قال الحافظ في الفتح
(٦: ٢٨): ((فالحاصل من رواياتهم أن القتال يقع بسبب خمسة أشياء: طلب المغنم، وإظهار
الشجاعة، والرياء، والحمية، والغضب. وكل منها يتناوله المدح، والذم، فلهذا لم يحصل
الجواب بالإثبات ولا بالنفي)).
(٤٣) - باب: من قاتل للرياء والسّمعة استحقّ النّار
١٥٢ - (١٩٠٥) - قوله: (تفرّق الناس عن أبي هريرة) هذا الحديث أخرجه النسائي في
٣٦٦
الجزء الثالث من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
هُرَيْرَةَ. فَقَالَ لَهُ نَاتِلُ أَهْلِ الشَّامِ: أَيُّهَا الشَّيْخُ، حَدِّثْنَا حَدِيثاً سَمِعْتَهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ وَِّ .
قَالَ: نَعَمْ. سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ، فَلَهِ يَقُولُ: ((إِنَّ أَوَّلَ النَّاسِ يُقْضَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَيْهِ، رَجُلٌ
الجهاد، باب من قاتل ليقال: فلان جريء، (رقم: ٣١٣٧)، والترمذي في الزهد، باب ما جاء
في الرياء والسّمعة، (رقم: ٢٣٨٣).
والمراد من تفرق الناس أنهم كانوا مجتمعين حول أبي هريرة، ثم نهضوا من مجلسه.
قوله: (ناتل أهل الشام) قال النووي: ((وفي الرواية الأخرى: فقاله له ناتل الشّاميّ، وهو
ناتل بن قيس الحزامي الشامي من أهل فلسطين، وهو تابعي، وكان أبوه صحابياً، وكان ناتل
كبير قومه)) وقال المازري: ((النّاتل: المتقدّم ... ونتل الرجل، أي: تقدم، ومنه سمي الرجل
ناتلاً)) ووقع في رواية خالد عند النسائي: ((فقال له قائل من أهل الشام)).
وفي رواية عقبة بن مسلم عند الترمذيّ: ((أن شُفَيّاً الأصبحيّ حدّثه أنه دخل المدينة، فإذا
هو برجل قد اجتمع عليه الناس، فقال: من هذا؟ فقالوا: أبو هريرة! فدنوت منه حتى قعدت بين
يديه وهو يحدّث النّاس. فلمّا سكت وخلا قلت له: أسألك بحقّ وبحقّ لما حدّثتني حديثاً سمعته
من رسول الله وَّيه عقلته وعلمته. فقال أبو هريرة: أفعل، لأحدثكنّك حديثاً حدثنيه
رسول الله وَ﴿ عقلتُه وعلمته ثمّ نشغ أبو هريرة نشغة، فمكثنا قليلاً، ثمّ أفاق فقال: لأحدّثنّك
حديثاً حدثنيه رسول الله ﴿ في هذا البيت ما معنا أحد غيري وغيره. ثمّ نشغ أبو هريرة نشغة
شديدة، ثم أفاق ومسح وجهه وقال: أفعل، لأحدثنك حديثاً حدثنيه رسول الله وَلقر أنا وهو في
هذا البيت ما معنا أحد غيري وغيره. ثمّ نشغ أبو هريرة نشغة شديدة، ثمّ مال خارًّا على وجهه،
فأسندته طويلاً، ثمّ أفاق فقال: حدثني رسول الله وَلو أن الله تعالى إذا كان يوم القيامة ينزل إلى
العباد ليقضي بينهم، وكلّ أمّة جائية. فأول من يدعو به رجل جمع القرآن ... )) إلى آخر
الحديث.
وهذا يدلّ على أن مخاطب أبي هريرة بهذا الحديث وسائله عنه شُفيّ الأصبحيّ، فإمّا أن
يكون شُفيّ اسمه وناتل لقبه، وقد ترجم الحافظ في التهذيب لِشفيّ بن ماتع ولم يذكر ناتلاً. وإمّا
أن يكون سأله كل واحد منهما، وإمّا أن تكون قصة الباب مغايرة لهذه القصة. والله سبحانه
أعلم.
قوله: (إن أول الناس يقضى) قال القرطبي: ((ليس بمعارض لحديث: ((أول ما يحاسب به
العبد المسلم من عمله الصلاة ولا لحديث: ((أول ما يقضى فيه الدماء))، لاختلاف أنواع ما
أسندت الأولية إليه. فالمعنى في هذا: أول ما يحاسب به فاعله من نوع ما انتشر به صيت فاعله
هذه الثلاثة، والمعنى في الثاني: أول ما يحاسب به من نوع أركان الدين الصلاة، والمعنى في
الثالث: أول ما يحاسب به من نوع المظالم الدماء. وإنما تتوهم المعارضة لو كانت الأولية في
الجميع مسندة إلى نوع واحد)). كذا في شرح الأبي.
٣٦٧
كتاب: الإمارة
اسْتُشْهِدَ. فَأُتِيَ بِهِ فَعَرَّفَهُ نِعَمَهُ فَعَرَفَهَا. قَالَ: فَمَا عَمِلْتَ فِيهَا؟ قَالَ: قَاتَلْتُ فِيكَ حَتَّى
اسْتُشْهِدْتُ. قَالَ: كَذَبْتَ. وَلْكِنَّكَ قَاتَلْتَ لأَنْ يُقَالَ جَرِيءٌ. فَقَدْ قِيلَ. ثُمَّ أُمِرَ فَسُحِبَ عَلَى
وَجْهِهِ حَتَّى أُلْقِيَ فِي النَّارِ. وَرَجُلٌ تَعَلَّمَ الْعِلْمَ وَعَلَّمَهُ وَقَرَّأَ الْقُرْآنَ. فَأُتِيَ بِهِ. فَعَرَّفَهُ نِعَمَهُ
فَعَرَفَهَا. قَالَ: فَمَا عَمِلْتَ فِيهَا؟ قَالَ: تَعَلَّمْتُ الْعِلْمَ وَعَلَّمْتُهُ وَقَرأْتُ فِيكَ الْقُرْآنَ. قَالَ:
كَذَبْتَ. وَلَكِنَّكَ تَعَلَّمْتَ الْعِلْمَ لِيُقَالَ عَالِمٌ. وَقَرَأْتَ الْقُرْآنَ لِيُقَالَ هُوَ قَارِىءٌ. فَقَدْ قِيلَ. ثُمَّ
أُمِرَ بِهِ فَسُحِبَ عَلَى وَجْهِهِ حَتَّى أُلْقِيَ فِي النَّارِ. وَرَجُلٌ وَسَّعَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَعْطَاهُ مِنْ أَصْنَافٍ
الْمَالِ كُلِّهِ. فَأَتِيَ بِهِ فَعَرَّفَهُ نِعَمَهُ فَعَرَفَهَا. قَالَ: فَمَا عَمِلْتَ فِيهَا؟ قَالَ: مَا تَرَكْتُ مِنْ سَبِيلِ
تُحِبُّ أَنْ يُنْفَقَ فِيهَا إِلاَّ أَنْفَقْتُ فِيهَا لَكَ. قَالَ: كَذَبْتَ. وَلَكِنَّكَ فَعَلْتَ لِيُقَالَ هُوَ جَوَادٌ. فَقَدْ
قِيلَ. ثَّ أُمِرَ بِهِ فَسُحِبَ عَلَى وَجْهِهِ. ثُمَّ أُلْقِيَ فِي النَّارِ.
٤٩٠١ - (٠٠٠) وحدّثناه عَلِيُّ بْنُ خَشْرَم. أَخْبَرَنَا الْحَجَّاجُ (يَعْنِي ابْنَ مُحَمَّدٍ) عَنِ
ابْنِ جُرَيْجٍ. حَدَّثَنِي يُونُسُ بْنُ يُوسُفَ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ. قَالَ: تَفَرَّجَ النَّاسُ عَنْ أَبِي
هُرَيْرَةَ. فَقِّالَ لَهُ نَاتِلُ الشَّامِيُّ، وَاقْتَصَّ الْحَدِيثَ بِمِثْلِ حَدِيثٍ خَالِدِ بْنِ الْحَارِثِ.
(٤٤) - باب: بيان قدر ثواب من غزا فغنم ومن لم يغنم
٤٩٠٢ - (١٥٣) حدّثنا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ. حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَزِيدَ، أَبُو
عَبْدِ الرَّحْمُنِ. حَدَّثَنَا حَيْوَةُ بْنُ شُرَيْحِ عَنْ أَبِي هَانِىءٍ، عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمُنِ الْحُبْلِيِّ، عَنْ
عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَس ◌َ قَالَ: «مَا مِنْ غَازِيَةٍ تَغْزُو فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيُصِيبُونَ
قوله: (كذبت) يعني: في قولك إنك ابتغيت في ذلك مرضاة الله، واستشكله الأبي بأن
الكذب معصية، ولا معصية في الآخرة، ثم نقل جواباً عن شيخه: أن الكذب يقع تارة عمداً،
وتارة هولاً ودهشاً، وهذا دهش، - والله أعلم - .
قوله: (فقد قيل) قال السندي في حاشية النسائي: ((هذا مبني على أن العادة حصول هذا
القول، وإلاّ فحبط العمل لا يتوقف على هذا القول، بل يكفي فيه أنه نوى الرياء)).
قوله: (ألقي في النّار) فيه وعيد شديد لمن يفعل الحسنات ويبتغي بها وجه غير الله تعالى
أعاذنا الله تعالى منه .
(٤٤) - باب: بيان قدر ثواب من غزا فغنم ومن لم يغنم
١٥٣ - (١٩٠٦) - قوله: (الحبلى) بضم الحاء والباء.
قوله: (عن عبد الله بن عمرو) هذا الحديث أخرجه أبو داود في الجهاد، باب في السريّة
تخفق، (رقم: ٢٤٩٧)، والنسائي في الجهاد، باب ثواب السريّة التي تخفق، (رقم: ٣١٢٥)،
٣٦٨
الجزء الثالث من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
الْغَنِيمَةَ، إِلاَّ تَعَجَّلُوا ثُلُثَيْ أَجْرِهِمْ مِنَ الآخِرَةِ. وَيَبْقَى لَهُمُ الثَّلُثُ. وَإِنْ لَمْ يُصِيبُوا غَنِيمَةٌ تَمَّ
لَهُمْ أَجْرُهُمْ)).
وابن ماجه في الجهاد، باب النية في القتال، (رقم: ٢٧٨٥)، وأحمد في مسنده (٢: ١٦٩).
قوله: (إلّ تعجّلوا ثلثي أجرهم من الآخرة) ظاهره أن من غنم من المجاهدين انتقص أجره
بقدر الثلثين من المجاهد الذي لم يغنم شيئاً. واستشكله بعض العلماء بأن الغنيمة نعمة من
الله تعالى أحلّت لهذه الأمة، فكيف ينتقص بها أجر الجهاد؟ ولو كانت منقّصة للأجر لما تناولها
الصحابة والتابعون الذين كانوا يطمعون في زيادة الأجر أكثر مما يطمعون في التمتع بالغنائم،
ولو كانت الغنيمة ينقص بها الأجر لما فضل أصحاب بدر على أصحاب أحد.
ولهذا الإشكال ذهب بعض هؤلاء إلى تضعيف هذا الحديث بسبب أبي هانىء، مع أنه ثقة
احتج به مسلم وغيره، وذهب بعضهم إلى تأويلات أخرى كلها ضعيفة، بسطها وردّ عليها
القاضي عياض والنووي والحافظ في الفتح.
والحقّ أنه لا إشكال في حديث الباب، لأنّ الأجر على قدر المشقّة والمصيبة، ولا شكّ
أن من لم يسلم أو لم يغنم مصيبته أكثر ممن سلم وغنم، فكان ثوابه أعظم. وقد ذكر الحافظ في
الفتح (٦: ١٠) عن بعض المتأخرين حكمة لطيفة بالغة للتعبير بثلثي الأجر، وذلك: ((أن الله أعدّ
للمجاهدين ثلاث كرامات: دنيويتان، وأخروية، فالدنيويتان: السلامة، والغنيمة، والأخروية:
دخول الجنة. فإذا رجع سالماً غانماً فقد حصل له ثلثا ما أعدّ الله له، وبقي له عند الله الثلث،
وإن رجع بغير غنيمة عوّضه الله عن ذلك ثواباً في مقابلة ما فاته. وكأن معنى الحديث أنه يقال
للمجاهد: إذا فات عليك شيء من أمر الدنيا عوضتك عنه ثواباً. وأما الثواب المختص بالجهاد
فهو حاصل للفريقين معاً)).
وهذا توجيه وجيه لا يدع مجالاً للإشكال. وأمّا ما ذكروا من حل الغنيمة لهذه الأمة
والتمدح بها، وتناول السلف لها برغبة، فإن ذلك لا إشكال فيه، لأنّ الحرمان من الغنيمة مصيبة
يؤجر عليها الغازي، وكذلك حال كل مصيبة، ولكن لا يجوز أن يتمنى الرجل مصيبة لزيادة
الأجر، وإنما أمر بأن يسأل الله العافية. ثم إن في الغنيمة مصالح عظيمة من كونها قوة
للمسلمين، فلا مانع من أن يغتفر لها بعض النقص في الأجر.
وكذلك الاستدلال بفضيلة أهل بدر على أهل أحد استدلال في محلّه، إذ مفاد حديث
الباب أن أهل بدر لو لم يغنموا شيئاً كان أجرهم أكثر مما حصل لهم بعد الغنيمة. فالتقابل بين
كمال الأجر ونقصانه لمن يغزو بنفسه إذا لم يغنم، أو يغزو فيغنم، ولا ينفي ذلك أن يكون
حالهم أفضل من حال غيرهم من جهة أخرى. فأفضل الله سبحانه تعالى أهل بدر على من بعدهم
بحيث يفضل الغانم منهم على غير الغانم بعدهم فإنّ ذلك فضله يؤتيه من يشاء، والله سبحانه
أعلم.
٣٦٩
كتاب: الإمارة
٤٩٠٣ - (١٥٤) حدّثني مُحَمَّدُ بْنُ سَهْلِ التَّمِيمِيُّ. حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ. أَخْبَرَنَا
نَافِعُ بْنُ يَزِيدَ. حَدَّثَنِي أَبُو هَانِىءٍ. حَدَّثَنِي أَبُو عَبْدِ الرَّحْمُنِ الْحُبْلِيُّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو
قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَهُ: ((مَا مِنْ غَازِيَةٍ أَوْ سَرِيَّةٍ تَغْزُوِ فَتَغْنَمُ وَتَسْلَمُ إِلَّ كَانُوا قَدْ تَعَجَّلُوا
ثُلُثَيْ أُجُورِهِمْ. وَمَا مِنْ غَازِيَةٍ أَوْ سَرِيَّةٍ تُخْفِقُ وَتُصَابُ إِلاَّ تَمَّ أُجُورُهُمْ)).
(٤٥) - باب: قوله 40﴾ ((إنما الأعمال بالنية)» وأنه
يدخل فيه الغزو وغيره من الأعمال
٤٩٠٤ - (١٥٥) حدّثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ بْنِ قَعْنَبِ. حَدَّثَنَا مَالِكٌ، عَنْ يَحْيَى بْنِ
سَعِيدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ وَقَّاصٍ، عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ. قَالَ: قَالَ
رَسُولُ اللّهِ وَله: ((إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّةِ.
١٥٤ - ( ... ) - قوله: (أو سريّة تخفق وتصاب) أما الإخفاق فهو أن يغزوا ولا يغنموا
شيئاً. وكذلك كل طالب حاجة إذا لم تحصل فقد أخفق، ومنه: ((أخفق الصائد))، إذا لم يقع له
صيد. كذا في شرح النووي.
وأما الإصابة، فهي ههنا بمعنى الشهادة أو إصابة الجروح وهي ضدّ السلامة.
(٤٥) - باب: قوله {وَّة: ((إنما الأعمال بالنية)) إلخ
١٥٥ - (١٩٠٧) - قوله: (عن عمر بن الخطاب) هذا الحديث أخرجه البخاري في بدء
الوحي، في فاتحة صحيحه، وفي الإيمان، باب ما جاء أن الأعمال بالنية والحسبة، (رقم: ٥٤)،
وفي العتق، باب الخطأ والنسيان في العتاقة والطلاق ونحوه، (رقم: ٢٥٢٩)، وفي مناقب
الأنصار، باب هجرة النبيّ وَله وأصحابه إلى المدينة، (رقم: ٣٨٩٨)، وفي النكاح، باب من
هاجر أو عمل خيراً لتزويج امرأة فله ما نوى، (رقم: ٥٠٧٠)، وفي الأيمان والنذور، باب النية
في الأيمان، (رقم: ٦٦٨٩)، وفي الحيل، باب في ترك الحيل وأن لكل امرىء ما نوى،
(رقم: ٦٩٥٣)، وأخرجه أبو داود في الطلاق، باب فيما عنى به الطلاق والنيات،
(رقم: ٢٢٠١)، والترمذي في فضائل الجهاد، باب ما جاء من يقاتل رياء وللدنيا،
(رقم: ١٦٩٨)، والنسائي في الطهارة، باب النية في الوضوء، (رقم: ٧٥)، وابن ماجه في
الزهد، باب النية، (رقم: ٤٢٨٠).
قوله: (إنّما الأعمال بالنّية) هذا الحديث من أعظم أصول الإسلام، وذكر القاضي
عياض تَّقُ عن الأئمة أن هذا الحديث ثلث الإسلام، ووجّهه العيني في عمدة القاري بأن
الإسلام قول، وفعل، ونيّة. فالنية ثلث الإسلام، وهذا الحديث يتضمنها. وقال ابن مهدي
الحافظ: ((من أراد أن يصنف كتاباً فليبدأ بهذا الحديث ولو صنفت كتاباً لبدأت في كل باب منه
:
٣٧٠
الجزء الثالث من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
بهذا الحديث)). وقال أبو بكر بن داسة: ((سمعت أبا داود يقول: كتبت عن النبيّ وَلّ خمسمائة
ألف حديث انتخبت منها أربعة آلاف حديث وثمانمائة حديث في الأحكام. فأما أحاديث الزهد
والفضائل فلم أخرجها. ويكفي الإنسان لدينه من ذلك أربعة أحاديث: الأعمال بالنيات،
والحلال بيّن والحرام بيّن، ومن حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه، ولا يكون المؤمن مؤمناً
حتى يرضى لأخيه ما يرضى لنفسه)) كذا في عمدة القاري (١: ٢٧).
والنية، كما فسّرها البيضاوي، عبارة عن انبعاث القلب نحو ما يراه موافقاً لغرض من
جلب نفع، أو دفع ضرّ حالاً أو مآلاً. والشرع خصّصه بالإرادة المتوجهة نحو الفعل لابتغاء
رضاء الله وامتثال حكمه. والنية في الحديث محمول على المعنى اللغوي ليحسن تطبيقه على ما
بعده، وتقسيمه أحوال المهاجر،، فإنه تفصيل لما أجمل.
ثم تقدير عبارة الحديث: ((إنما الأعمال تثاب بالنية)) فلا يثاب الرجل على عمل صالح إلا
إذا أراد به وجه الله، والمراد من الأعمال الأعمال المشروعة، كما دل عليه تمثيلها بالهجرة،
فالأعمال غير المشروعة لا يثاب عليها، وإن باشرها المرء بنية صالحة. أما الأعمال المشروعة،
سواء كانت واجبة أو مسنونة أو مباحة، فيؤجر عليها بحسب النية، فالأمور المباحة لا ثواب
عليها ولا عقاب، ولكن إذا أتى بها الإنسان بنية حسنة أثيب عليها، مثل أكل الطعام، فإنه مباح،
ولكن إذا أكل الرجل بنية التقوي على الحسنات، أثيب عليه أيضاً .
ومقصود الحديث التأكيد على إخلاص الأعمال الصالحة لله، وتطهيرها عن شوائب الرياء
والسّمعة والأغراض الدنيوية. وقد أطال العلماء رحمهم الله في بيان حقيقة النّية والإخلاص
وأحكام ما يشوبها من الشوائب. وفذلكة القول في هذا ما ذكره الإمام الغزالي تَقَّتُهُ، حيث
يقول: ((اعلم أن العمل إذا لم يكن خالصاً لوجه الله تعالى، بل امتزج به شوب من الرياء أو
حظوظ النفس، فقد اختلف الناس في أن ذلك هل يقتضي ثواباً؟ أم يقتضي عقاباً؟ أم لا يقتضي
شيئاً أصلاً فلا يكون له ولا عليه. وأما الذي لم يرد به إلا الرياء فهو عليه قطعاً، وهو سبب
المقت والعقاب. وأما الخالص لوجه الله تعالى فهو سبب الثواب، وإنما النظر في المشوب،
وظاهر الأخبار تدلّ على أنه لا ثواب له، وليس تخلو الأخبار عن تعارض فيه. والذي ينقدح لما
فيه - والعلم عند الله - أن ينظر إلى قدر قوة الباعث، فإن كان الباعث الديني مساوياً للباعث
النفسي تقاوما وتساقطا، وصار العمل لا له ولا عليه، وإن كان باعث الرياء أغلب وأقوى، فهو
ليس بنافع، وهو مع ذلك مضرّ، ومفض للعقاب، نعم، العقاب الذي فيه أخفّ من عقاب العمل
الذي تجرّد للرياء ولم يمتزج به شائبة التقرب. وإن كان قصد التقرب أغلب بالإضافة إلى الباعث
الآخر، فله ثواب بقدر ما فضل من قوة الباعث الدينيّ، وهذا لقوله تعالى: ﴿فَمَن يَعْمَلْ
٨)﴾ [سورة الزلزلة، الآيتان: ٧،
مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَؤُ ﴾﴾ ﴿وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَؤُ
٣٧١
كتاب: الإمارة
وَإِنَّمَا لِإِمْرِىءٍ مَا نَوَى. فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ، فَهِجْرَتُهُ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ.
وَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ لِدُنْيَا يُصِيبُهَا أَوِ امْرَأَةٍ يَتَزَوَّجُهَا، فَهِجْرَتُهُ إِلَى مَا هَاجَرَ إِلَيْهِ)).
و٨]، ولقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِن تَكُ حَسَنَةٌ يُضَعِفْهَا﴾ [سورة النساء، آية: ٤٠]،
فلا ينبغي أن يضيع قصد الخير، بل إن كان غالباً على قصد الرياء حبط منه القدر الذي يساويه،
وبقيت زيادة، وإن كان مغلوباً سقط بسببه شيء من عقوبة القصد الفاسد)» وراجع إحياء العلوم
للغزالي (٤: ٣٧٢).
قوله: (وإنما لامرىء ما نوى) قال النووي: ((قالوا: فائدة ذكره بعد ((إنما الأعمال بالنية))
بيان أن تعيين المنوي شرط، فلو كان على الإنسان صلاة مقضية لا يكفيه أن ينوي الصلاة
الفائتة، بل يشترط أن ينوي كونها ظهراً أو غيرها، ولولا اللفظ الثاني لاقتضى الأول صحة النية
بلا تعیین، أو أوهم ذلك)).
وذكر السمعاني في أماليه ما يفيد أن اللفظ الأول ينبىء عن اشتراط الإخلاص في ثواب
الطاعات، واللفظ الثاني لبيان أن الأعمال الخارجة عن العبادة لا تفيد الثواب إلا إذا نوى بها
فاعلها القربة، كالأكل إذا نوى به القوة على الطاعة. وهذا أوضح ما قيل في الفرق بين
الجملتين، وراجع للتفصيل فتح الباري (١: ١٤).
قوله: (أو امرأة يتزوجها) ذكر ابن دقيق العيد أن المرأة خصت بالذكر لكون الحديث ورد
في قصة مهاجر أم قيس. وقصة مهاجر أم قيس رواها سعيد بن منصور عن عبد الله بن مسعود،
قال: ((من هاجر يبتغي شيئاً فإنما له ذلك. هاجر رجل ليتزوج امرأة يقال لها أم قيس، فكان يقال
له: مهاجر أم قيس)) ورواه الطبراني من طريق أخرى عن الأعمش بلفظ: ((كان فينا رجل خطب
امرأة يقال لها أم قيس فأبت أن تتزوجه حتى يهاجر، فهاجر فتزوجها، فكنا نسميه مهاجر أم
قيس) قال الحافظ في الفتح (١: ١٠): ((وهذا إسناد صحيح على شرط الشيخين، لكن ليس فيه
أن حديث الأعمال سيق بسبب ذلك، ولم أر في شيء من الطرق ما يقتضي التصريح بذلك)).
قال العبد الضعيف عفا الله عنه: أخرج الزبير بن بكار في أخبار المدينة عن موسى بن
محمد بن إبراهيم بن الحارث، عن أبيه قال: ((لما قدم رسول الله ◌َ ر المدينة وعك فيها
أصحابه، وقدم رجل فتزوج امرأة كانت مهاجرة فجلس رسول الله وَ لقر على المنبر فقال: يا أيها
الناس! إنما الأعمال بالنية ثلاثاً، إلخ)) ذكره السيوطيّ في اللمع في أسباب الحديث (ص: ٧٢
و ٧٣)، وهو مرسل ضعيف، لأن موسى بن محمد بن إبراهيم لا يحتج به، ولم أر من وثقه
سوى الواقدي فقال: ((كان فقيهاً محدثاً)) وأجمع غيره على تضعيفه كما في التهذيب (١٠: ٣٦٨).
وأبوه محمد بن إبراهيم تابعيّ روى عنه الجماعة.
قوله: (فهجرته إلى ما هاجر إليه) هذا تعبير يعمّ كل نوع من النية ليتبيّن أن حكم كل هجرة
بحسب نيّتها، ولا يستلزم ذلك أن يكون الهجرة للمرأة موجباً للعقاب، وإنما المراد أنها لا
٣٧٢
الجزء الثالث من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
٤٩٠٥ - (٠٠٠) حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ رُمْحِ بْنِ الْمُهَاجِرٍ. أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ. ح وَحَدَّثَنَا أَبُو
الرَّبِيعِ الْعَتَكِيُّ. حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ. ح وَخَّدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى. حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ
(يَعْنِيَ الثَّقَفِيَّ). ح وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ. أَخْبَرَنَا أَبُو خَالِدِ الأَحْمَرُ، سُلَيْمَانُ بْنُ
حَيَّانَ. ح وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ. حَدَّثَنَا حَفْصٌ (يَعْنِي ابْنَ غِيَاثٍ) وَيَزِيدُ بْنُ
هَارُونَ. ح وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلاَءِ الْهَمْدَانِيُّ. حَدَّثَنَا ابْنُ الْمُبَارَكِ. ح وَحَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي
عُمَرَ. حَدَّثَنَا سُفْيَانُ. كُلُّهُمْ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، بِإِسْنَادِ مَالِكِ؛ وَمَعْنَى حَدِيثِهِ.
وَفِي حَدِيثِ سُفْيَانَ: سَمِعْتُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ عَلَى الْمِنْبَرِ يُخْبِرُ عَنِ النَّبِيِّ بَّرَ.
(٤٦) - باب: استحباب طلب الشهادة في سبيل الله تعالى
٤٩٠٦ _ (١٥٦) حدّثنا شَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخَ. حَدَّثَنَا حَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ. حَدَّثَنَا ثَابِتٌ، عَنْ
أَنَسِ بْنِ مَالِكِ. قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ: ((مَنْ طَلَبَ الشَّهَادَةَ صَادِقاً، أُعْطِيَهَا، وَلَوْ لَمْ
تُصِبْهُ)).
٤٩٠٧ - (١٥٧) حدّثني أَبُو الطَّاهِرِ وَحَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى (وَاللَّفْظُ لِحَرْمَلَةَ) (قَالَ أَبُو
الظَّاهِرِ: أَخْبَرَنَا. وَقَالَ حَرْمَلَةُ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ). حَدَّثَنِي أَبُو شُرَيْحٍ؛ أَنَّ
سَهْلَ بْنَ أَبِي أُمَامَةَ بْنِ سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ حَدَّثَهُ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ؛ أَنَّ النَّبِيَّ وَِّ قَالَ:
تستحق الأجر، وإن كانت مباحة، ولو كانت النية مخلوطة بالقربة والغرض الدنيويّ فالعبرة
للباعث القويّ كما مرّ. والله سبحانه أعلم.
وقد تعرض الفقهاء لبيان ما في هذا الحديث من الفقه، والصوفية لبيان ما فيه من الأسرار،
وراجع للأول الأشباه والنظائر لابن نجيم مع شرحه للحموي، وللثاني إحياء العلوم للغزالي.
(٤٦) - باب: استحباب طلب الشّهادة في سبيل الله
١٥٦ - (١٩٠٨) - قوله: (عن أنس بن مالك) لم يخرجه أحد غير مسلم من بين الأئمة
الستة .
قوله: (أعطيها ولو لم تصبه) يعني: أعطي ثوابها، ولو لم يستشهد في الظاهر، ويوضحه
الحديث الآتي.
١٥٧ - (١٩٠٩) - قوله: (عن أبيه عن جدّه) يعني: سهل بن حنيف الأنصاري ظبه، وهو
من السابقين، وشهد بدراً، وثبت يوم أحد حين انكشف الناس وبايع يومئذ على الموت، وكان
ينفح عن رسول الله - ﴿ بالنبل، فيقول: نبلوا سهلاً فإنه سهل، وكان عمر يقول: سهل غير حزن،
وشهد أيضاً الخندق والمشاهد كلها، واستخلفه عليّ على البصرة بعد الجمل، ثم شهد معه
٣٧٣
كتاب: الإمارة
(مَنْ سَأَلَ اللَّهَ الشَّهَادَةَ بِصِدْقٍ، بَلَّغَهُ اللَّهُ مَنَازِلَ الشُّهَدَاءِ، وَإِنْ مَاتَ عَلَى فِرَاشِهِ)). وَلَمْ يَذْكُرْ
أَبُو الطَّاهِرِ فِي حَدِيثِهِ ((بِصِدْقٍ)).
(٤٧) - باب: ذم من مات ولم يغز، ولم يحدث نفسه بالغزو
٤٩٠٨ - (١٥٨) حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمُنِ بْنِ سَهْمِ الأَنْطَاكِيُّ. أَخْبَرَنَا
عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ، عَنْ وُهَيْبِ الْمَكِّيِّ، عَنْ عُمَرَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ، عَنْ سُمَيٍّ،
عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةً قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ وَّرَ: ((مَنْ مَاتَ وَلَمْ يَغْزُ، وَلَمْ
يُحَدِّثْ بِهِ نَفْسَةٌ، مَاتَ عَلَى شُعْبَةٍ مِنْ نِفَاقٍ)).
قَالَ ابْنُ سَهْمٍ: قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ: فَنُرَى أَنَّ ذُلِكَ كَانَ عَلَى عَهْدٍ
رَسُولِ اللَّهِ وَهُ.
صفين، ويقال: آخى النبيّ وَّ بينه وبين علي بن أبي طالب، ومات سنة ثمان وثلاثين، وصلّى
عليه وكبر عليه ستّاً أو خمساً، ثم قال: إنه بدري. كذا في الإصابة (٢: ٨٦).
وحديثه هذا أخرجه أبو داود في الصلاة، باب في الاستغفار، (رقم: ١٥٢٠)، والترمذي
في فضائل الجهاد، باب ما جاء فيمن سأل الشهادة، (رقم: ١٧٠٥)، والنسائي في الجهاد، باب
مسألة الشهادة .
(٤٧) - باب: ذم من مات ولم يغز، ولم يحدث نفسه بالغزو
١٥٨ - (١٩١٠) - قوله: (عن أبي هريرة) هذا الحديث أخرجه أبو داود في الجهاد، باب
كراهية ترك الغزو، (رقم: ٢٥٠٢)، والنسائي في الجهاد، باب التشديد في ترك الجهاد،
رقم ٣٠٩٧، وأحمد في مسنده ( ٣: ٣٧٤).
قوله: (ولم يحدّث به نفسه) يعني: بأن يتمنى مباشرة الغزو.
قوله: (فنرى أن ذلك كان على عهد رسول الله وَلتر) قوله: ((نرى)) بضم النون على البناء
للمجهول، أي: نظنّ. وهذا الذي قاله ابن المبارك محتمل، وقال غيره: إنه عام، والمراد أن
من فعل هذا فقد أشبه المنافقين المتخلفين عن الجهاد في هذا الوصف، فإن ترك الجهاد من أحد
شعب النفاق. وفي هذا الحديث أن من نوى فعل عبادة، فمات قبل فعلها، لا يتوجه عليه من
الذم ما يتوجه على من مات ولم ينوها. وقد اختلف العلماء فيمن تمكن من الصلاة في أول
وقتها، فأخرها بنية أن يفعلها في أثنائه، فمات قبل فعلها، أو أخر الحج بعد التمكن إلى سنة
أخرى، فمات قبل فعله، هل يأثم أم لا، والأصح عندهم أنه يأثم في الحج، دون الصلاة، لأن
مدة الصلاة عريبة، فلا تنسب إلى تفريط بالتأخير، بخلاف الحج. وقيل: يأثم فيهما. وقيل: لا
يأثم فيهما. وقيل: يأثم في الحج الشيخ، دون الشاب، - والله أعلم -. كذا في شرح النووي.
٣٧٤
الجزء الثالث من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
(٤٨) - باب: ثواب من حبسه عن الغزو مرض أو عذر آخر
٤٩٠٩ - (١٥٩) حدّثنا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ. حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي
سُفْيَانَ، عَنْ جَابِرٍ قَالَ: كُنَّا مَعَ النَّبِّ وَهُ فِي غَزَاةٍ. فَقَالَ: ((إِنَّ بِالْمَدِينَةِ لَرِجَالاً مَا سِرْتُمْ
مَسِيراً وَلاَ قَطَعْتُمْ وَادِياً، إِلَّ كَانُوا مَعَكُمْ. حَبَسَهُمُ الْمَرَضُ)).
٤٩١٠ - (٠٠٠) وحدّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى. أَخْبَرَنَا أَبُو مُعَاوِيَةً. ح وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ
أَبِي شَيْئَةً وَأَبُو سَعِيدٍ الأَشَجُّ. قَالاَ: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ. ح وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ. أَخْبَرَنَا
عِيسَى بْنُ يُونُسَ. كلَّهُمْ عَنِ الأَعْمَشِ، بِهُذَا الإِسْنَادِ. غَيْرَ أَنَّ فِي حَدِيثٍ وَكِيعٍ: ((إِلاَ
شَرِكُوكُمْ فِي الأَجْرِ)».
(٤٨) - باب: ثواب من حبسه عن الغزو مرض إلخ
١٥٩ - (١٩١١) - قوله: (عن أبي سفيان) اسمه طلحة بن نفع القرشي مولاهم الواسطي
الإسكاف، قبله أكثر المحدثين وضعفه بعضهم، وذكروا أنه يروي عن صحيفة جابر، وقال ابن
المديني: ((أبو سفيان لم يسمع من جابر إلا أربعة أحاديث)). ولعلها الأحاديث الأربعة التي
اكتفى البخاري بإخراجها في صحيحه، وليس حديث الباب منها. ولكن روى مسدد عنه أنه قال:
((جاورت جابراً بمكة ستة أشهر)) ولعل مسلماً اعتمد عليه من أجل هذا، - والله أعلم -. وراجع
التهذيب (٥: ٢٦ و ٢٧).
قوله: (عن جابر) هذا الحديث أخرجه ابن ماجه في الجهاد، باب من حبسه العذر عن
الجهاد، (رقم: ٢٧٩١)، ولم يخرجه البخاري، ولكن أخرج معناه عن أنس في الجهاد، باب
من حبسه العذر عن الغزو، (رقم: ٢٨٣٩)، وفي المغازي، باب نزول النبيّ وَّ إلخ،
(رقم: ٤٤٢٣)، وكذلك أبو داود روى حديث أنس، (رقم: ٢٥٠٨)، وابن ماجه،
(رقم: ٢٧٩٠).
قوله: (إلا كانوا معكم) أي: في الثواب من أجل نيتهم، وفيه أن من نوى طاعة وحبسه
عذر، فإنه يثاب على نيته، قال الأبّي: ((المعية والشركة يدلان على أن له مطلق أجر، لا على
المساواة. وانظر العكس: لو خرج محاربون وتخلف بعضهم لمانع، وتأسف على عدم الخروج،
هل يأثم بنيته وما طاب قلبه؟ أو يقال: البابان مختلفان، لأنه ثبت التضعيف في الحسنات دون
السيئات. ويشهد لعدم المؤاخذة حديث: ((إذا همّ عبدي بسيئة فلا تكتبوها)).
( ... ) - قوله: (إلا شركوكم) بكسر الراء، بمعنى المشاركة.
٣٧٥
كتاب: الإمارة
(٤٩) - باب: فضل الغزو في البحر
٤٩١١ - (١٦٠) حدّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكِ، عَنْ إِسْحَاقَ ابْنِ
عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَّهِ كَانَ يَدْخُلُ عَلَىْ أُمِّ حَرَام
بِنْتِ مِلْحَانَ فَتُظْعِمُهُ. وَكَانَتْ أُمُّ حَرَامٍ تَحْتَ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ. فَدَخَلَ عَلَيْهَاً
رَسُولُ اللّهِ وَلِهِ يَوْماً فَأَطْعَمَتْهُ. ثُمَّ جَلَسَتْ تَفَّلِي رَأْسَهُ.
(٤٩) - باب: فضل الغزو في البحر
١٦٠ - (١٩١٢) - قوله: (عن أنس بن مالك) هذا الحديث أخرجه البخاري في الجهاد،
باب الدعاء بالجهاد والشهادة للرجال والنساء، (رقم: ٢٧٨٨ و٢٧٨٩)، وباب فضل من يصرع
في سبيل الله، (رقم: ٢٧٩٩ و٢٨٠٠)، وباب غزوة المرأة في البحر، (رقم: ٢٨٧٧ و٢٨٧٨)،
وباب ركوب البحر، (رقم: ٢٨٩٤ و٢٨٩٥)، وباب ما قيل في قتال الروم، (رقم: ٢٩٢٤)،
وفي الاستئذان، باب من زار قوماً فقال عندهم، (رقم: ٦٢٨٢ و ٦٢٨٣)، وفي التعبير، باب
رؤيا النهار، (رقم: ٧٠٠١ و ٧٠٠٢). وأخرجه أبو داود في الجهاد، باب فضل الغزو في
البحر، (رقم: ٢٤٩٠ إلى ٢٤٩٢)، والترمذي في فضائل الجهاد، باب ما جاء في غزو البحر.
وهذا الحديث قد اختلف فيه عن أنس، فمنهم من جعله من مسنده، ومنهم من جعله من
مسند أم حرام. وحقق الحافظ في الفتح (١١: ٧٢) أن أوله من مسند أنس، وقصة المنام من
مسند أم حرام، فإن أنساً إنما حمل قصة المنام عنها .
قوله: (كان يدخل على أمّ حرام) وزاد البخاري في الاستئذان: ((كان رسول الله وَّه إذا
ذهب إلى قباء يدخل على أم حرام))، فأفاد أن بيتها كان في قباء، وأم حرام اسمها الرميصاء،
وهي خالة أنس. وكانت خالة رسول الله وَ ﴿ من الرضاع، وقيل: خالة لأبيه أو لجدّه، لأن أم
عبد المطلب كانت أنصارية من بني النجار، ذكره النووي والأبّي عن القاضي عياض تَُّ تعالى.
قوله: (وكانت أم حرام تحت عبادة بن الصامت) ظاهره أنها كانت زوجة لعبادة عند قصة
المنام، ولكن سيأتي في الرواية الآتية أن عبادة تزوجها بعد هذه القصّة، فخرج بها إلى البحر،
وهو الصحيح كما حققه الحافظ في الفتح، فالجملة ههنا معترضة لا علاقة لها بقصة المنام.
قوله: (فأطعمته) قال القاضي عياض: ((فيه جواز مثل هذا من إذن المرأة لذي المحرم وإن
لم يحضر الزوج. وفيه جواز تقديم المرأة الطعام لضيفها من مالها أو مال الزوج، لأن الغالب
أن ما في البيت من طعام إنما هو من مال الزوج، إذا علم أنه لا يكره أن يؤكل ما في بيته. وفيه
جواز ذلك للوكيل والمتصرف في ماله إذا علم أنه لا يكره ذلك. ومعلوم سرور زوج أم حرام
بذلك، وكانوا يحبّون أن يدخل بيوتهم ويأكل طعامهم)).
قوله: (تفلي رأسه) بفتح التاء وكسر اللام، أي: تفتش ما فيه من قمل أو نحوه. وفيه جواز
٣٧٦
الجزء الثالث من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
فَنَامَ رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ، ثُمَّ اسْتَيْقَظَ وَهُوَ يَضْحَكُ. قَالَتْ: فَقُلْتُ: مَا يُضْحِكُكَ
يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: ((نَاسٌ مِنْ أُمَّتِي عُرِضُوا عَلَيَّ غُزَاةً فِي سَبِيلِ اللَّهِ. يَرْكَبُونَ ثَبَجَ هُذَا
الْبَحْرِ مُلُوكاً عَلَى الأَسِرَّةِ. أَوْ مِثْلَ الْمُلُوكِ عَلَى الأَسِرَّةِ)) (يَشُكُ أَيَّهُمَا قَالَ) قَالَتْ: فَقُلْتُ:
يَا رَسُولَ اللَّهِ، ادعُ اللَّهَ أَنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ. فَدَعَا لَهَا. ثُمَّ وَضَعَ رَأْسَهُ فَنَامَ. ثُمَّ اسْتَيْقَظَ وَهُوَ
يَضْحَكُ. قَالَتْ: فَقُلْتُ: مَا يُضْحِكُكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: ((نَاسٌ مِنْ أُمَّتِي عُرِضُوا عَلَيَّ
غُزَاةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ) كَمَا قَالَ فِي الأُولَى. قَالَتْ: فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، اذْعُ اللَّهَ أَنْ يَجْعَلَنِي
مِنْهُمْ. قَالَ: ((أَنْتِ مِنَ الأَوَّلِينَ)).
ملامسة - المحرم في الرأس وغيره مما ليس بعورة، وجواز الخلوة بالمحرم والنوم عندها .
قوله: (فنام رسول الله وَلي) وسيأتي في الروايات الآتية أنه وم لل نام قريباً منها، وكان وقت
القائلة .
قوله: (يركبون ثبج هذا البحر) الثّبج بفتحتين: وسط البحر أو ظهره. قال الأصمعي: ثبج
كل شيء وسطه، وقال أبو علي في أماليه: قيل: ظهره، وقيل: معظمه، وقيل: هوله. وقال أبو
زيد في نوادره: ((ضرب ثبج الرجل بالسيف، أي: وسطه. وقيل: ما بين كتفيه)) قال الحافظ بعد
سرد هذه الأقوال: ((والراجح أن المراد هنا ظهره، كما وقع التصريح به في الطريق التي أشرت
إليها (وهي طريق مسلم، وستأتي في الرواية الآتية). والمراد أنهم يركبون السفن التي تجري على
ظهره)) .
قوله: (مثل الملوك على الأسرّة) قيل: هو إخبار عما يحصل لهم في الآخرة من أجر
غزوهم، فيجلسون على الأسرّة مثل الملوك ورجحه الحافظ. وقيل: هو إخبار عما يؤول إليه
حالهم في الدنيا بعد الغزو، فيغنمون، ويتوسعون في الركوب على مراكب الملوك والجلوس
على أسرّتهم، ورجحه النووي. قال الراقم: ويحتمل أيضاً أن يكون إخباراً عن طمأنينتهم عند
ركوب البحر، والمراد أنهم يركبون السفن، فيجلسون فيها كما يجلس الملوك على الأسرة، لا
يخافون البحر وأهواله، وهذا المعنى أنسب برواية من رواه: ((ملوكاً على الأسرّة)) فإنه حال من
قوله: ((يركبون)) والله سبحانه أعلم.
قوله: (فدعا لها) وفي رواية للبخاري (باب غزوة المرأة في البحر): ((فقال: اللّهُمّ اجعلها
منهم)) وسيأتي أنه رَلير أخبرها بأنها ستكون منهم. ووقع في رواية عمير بن الأسود عن أم حرام
عند البخاري (باب ما قيل في قتال الروم) أن النبيّ وَلّر بشّرهم بالجنّة، ولفظها: ((أوّل جيش من
أمّتي يغزون البحر قد أوجبوا)).
قوله: (كما قال في الأولى) وكانت هذه الرؤيا غير الأولى، وظاهر هذا اللفظ أن الفرقة
الثانية يركبون البحر أيضاً، وقد وقع في رواية عمير بن الأسود عند البخاري: ((أوّل جيش من
٣٧٧
كتاب: الإمارة
فَرَكِبَتْ أُمُّ حَرَامٍ بِنْتُ مِلْحَانَ الْبَحْرَ فِي زَمَنٍ مُعَاوِيَةَ. فَصُرِعَتْ عَنْ دَابَّتِهَا حِينَ
خَرَجَتْ مِنَ الْبَحْرِ . فَهَلَّكَتْ.
أمّتي يغزون مدينة قيصر مغفور لهم. فقلت: أنا فيهم يا رسول الله؟ قال: لا)). فالظاهر بهذه
الرواية أن الرؤيا الثانية كانت متعلقة بأوّل من يغزو مدينة قيصر، وهي القسطنطينية، وفسّرها
بعضهم بحمص، لأنها كانت عاصمة قيصر حينئذ، ولكنه مردود بأن الحديث صريح في أن غزوة
مدينة قيصر يكون بعد غزو البحر الذي شاركت فيه أم حرام، ومدينة حمص افتتحها المسلمون
قبل الغزوة التي كانت فيها أم حرام، فتعين أن المراد القسطنطينية.
واستشكل هذا بأن الذين غزوا القسطنطينية إنما غزوا عن طريق البرّ، وظاهر حديث الباب
أنهم يركبون البحر، وأجاب عنه الحافظ في الفتح (١١: ٧٥) فقال: ((يحتمل أن يكون بعض
العسكر الذين غزوا مدينة قيصر ركبوا البحر إليها)). ويؤيد الحافظ أن القسطنطينية إنما كانت حين
ذاك على الجانب الأوربّي من شاطيء الباسفور ولا يمكن الوصول إليها من قبل الشّام إلاّ بعبور
البحر. وقيل: إن المراد بالغزوة الثانية غزوة مدينة قيصر عن طريق البرّ، ولا صراحة في الحديث
أنها ستكون عن طريق البحر، أما قولها: ((كما قال في الأولى)) فالتشبيه فيه في مجرد الغزو،
وكونهم كالملوك على الأسرّة، لا في غزو البحر، والله سبحانه أعلم، وسيأتي تعيين هذه الغزوة
ومن غزاها في آخر شرح الحديث إن شاء الله.
قوله: (في زمن معاوية) يعني: في وقت كان معاوية أميراً بالشام من قبل عثمان بن
عفان رضيًّا، وفي رواية للبخاري (باب غزو المرأة في البحر): ((فركبت البحر مع بنت قَرَظَة)) وهي
زوجة معاوية واسمها فاختة. وفي رواية أخرى له (باب من يصرع في سبيل الله): ((فخرجت مع
زوجها عبادة بن الصامت غازياً أول ما ركب المسلمون البحر مع معاوية)).
وذكر الحافظ في الفتح (٦: ٨٨) عن مالك ((أن عمر رضيلله كان يمنع الناس من ركوب
البحر، حتى كان عثمان فما زال معاوية يستأذنه، حتى أذن له)) وذكر الطبري في تاريخه
(٣: ٣١٧) عن خالد بن معدان، قال: ((أول من غزا في البحر معاوية بن أبي سفيان زمان
عثمان بن عفان، وقد كان استأذن عمر فيه، فلم يأذن له، فلما ولي عثمان لم يزل به معاوية حتى
عزم عثمان على ذلك بآخرة، وقال: لا تنتخب الناس ولا تقرع بينهم، خيّرهم فمن اختار الغزو
طائعاً فاحمله وأعنه، ففعل)). وهكذا غزا معاوية القبرص في سنة ثمان وعشرين، فصالحه أهلها
على جزية سبعة آلاف دينار.
وفي هذا الحديث منقبة ظاهرة لمعاوية ظه، فإنه مصداق لبشارة النبيّ وَّر في أول من
يغزو البحر .
قوله: (فصرعت عن دابتها) إلخ: وفي رواية عبد الله بن عبد الرحمن عند البخاري (في
٣٧٨
الجزء الثالث من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
باب غزو المرأة في البحر) ((فلمّا قفلت ركبت دابتها، فوقصت بها، فسقطت عنها، فماتت))
والذي استخلصه الحافظ من جميع الروايات في هذا الباب أنهم لما وصلوا إلى جزيرة قبرص
بادرت المقاتلة، وتأخرت الضعفاء كالنساء، فلما غلب المسلمون وصالحوهم طلعت أم حرام
من السفينة قاصدة البلد لتراها وتعود راجعة للشام فقدمت إليها بغلة شهباء لتركبها، فركبتها،
فوقصت بها فماتت. وذكر ابن حبان أن قبرها بجزيرة في بحر الروم يقال لها قبرص، وذكر
الطبري في تاريخه أن الناس يستسقون به، ويقولون قبر المرأة الصالحة.
ولكن ربما يعارضه ما وقع في رواية ابن حبان عند البخاري في باب فضل من يصرع في
سبيل الله، ولفظها: ((فلما انصرفوا من غزوتهم قافلين، فنزلوا الشام فقربت إليها دابة لتركبها،
فصرعتها فماتت)) ورواية هشام بن عمار، قال: ((رأيت قبرها بساحل حمص)). وحقق الحافظ في
الفتح (١١: ٧٦ و ٧٧) أن هذه القصة غير قصة أم حرام، وإنما هي قصة أم عبد الله بن ملحان
التي غزت مع المنذر بن الزبير إلى أرض الروم، وهي التي دفنت بساحل حمص، وأيد ذلك
بروايات، وراجعه للتفصيل، والله سبحانه أعلم.
الغزوة الثانية غزوة القسطنطينية:
وأما الغزوة الثانية التي أخبر بها النبيّ ◌َّ في هذا الحديث، فجمهور الشراح على أنها
غزوة القسطنطينية الأولى وذكر أكثر المؤرخين أنها كانت في إمارة يزيد بن معاوية، وشهدها
جمع من الصحابة منهم أبو أيوب الأنصاري، وابن عباس، وابن عمر، وابن الزبير ظه، بل ذكر
ابن كثير في البداية والنهاية (٨: ١٥١) أن الحسين بن عليّ ﴿ما كان معه في تلك الغزوة.
فاستدل به المهلّب على منقبة يزيد بن معاوية، لأنه كان أميراً لأول جيش غزا مدينة قيصر، وقد
أخبر رسول الله وَّل عنهم أنهم مغفور لهم. وردّه كثير من العلماء بوجوه:
الأول: أن الروايات مختلفة في تعيين أول جيش غزا القسطنطينية، لأن غزو القسطنطينية
وقع في عهد معاوية نظُّه عدّة مرات، ولا شك أن يزيد بن معاوية كان أميراً في بعضها، ولا
يلزم منه أن يكون أميراً لأول جيش. وقد ذكر العيني في عمدة القاري (٦: ٦٤٩) أن
معاوية رُّه سيّر جيشاً مع سفيان بن عوف إلى القسطنطينية، فأوغلوا في بلاد الروم، وكان في
ذلك الجيش ابن عباس وابن عمر وابن الزبير وأبو أيوب الأنصاري.
والثاني: الذي يظهر من بعض الروايات أن معاوية أرسل سفيان بن عوف، ثم أتبعه بابنه
يزيد، وذكره التغري بردى في النجوم الزاهرة (١: ١٣٤)، قال: ((أما غزوة القسطنطينية ...
فأرسل إليها معاوية جيشاً كثيفاً، وأمّر عليهم سفيان بن عوف، وأمر ابنه يزيد بالغزاة معهم،
فتثاقل يزيد واعتذر، فأمسك عنه أبوه، فأصاب الناس في غزاتهم جوع ومرض شديد، فأنشد
يزيد يقول :
٣٧٩
كتاب: الإمارة
بالغَدْ قَذُوْنَةٍ مِن حُمى ومِن مُومٍ
ما إن أبالي بما لاقت جموعهم
بدَير مُزَّانَ، عندي أم كلثوم
إذا اتّكأت على الأنماط مرتفقا
وأم كلثوم امرأته، فبلغ معاوية شعره، فأقسم عليه ليلحقنّ بسفيان بأرض الروم ليصيبه ما
أصاب الناس، فسار ومعه جمع كبير. وكان في هذا الجيش ابن عباس، وابن عمر، وابن
عمرو، وابن الزبير، وأبو أيوب الأنصاريّ)) وذكره ابن الأثير في الكامل (٣: ١٨١) وابن خلدون
في تاريخه (٣: ١٠).
وهذه الرواية، إن صحّت، تدلّ على أن أول من سار إلى القسطنطينية سفيان بن عوف، ثم
تبعه يزيد بن معاوية، فيقال: إنّ الأولية لم تثبت ليزيد، وإنما هي لسفيان بن عوف ومن معه.
والثالث: ما ذكره الحافظ في الفتح (٦: ١٠٢) عن ابن التين وابن المنير: ((أنه لا يلزم من
دخوله في ذلك العموم أن لا يخرج بدليل خاص، إذ لا يختلف أهل العلم أن قوله ويتلقى: (مغفور
لهم)) مشروط بأن يكونوا من أهل المغفرة، حتى لو ارتد واحد ممن غزاها بعد ذلك لم يدخل في
ذلك العموم اتفاقاً، فدل على أن المراد مغفور لمن وجد شرط المغفرة فيه منهم)) .
قال العبد الضعيف عفا الله عنه: إن الروايات وإن اختلفت في تعيين أول جيش غزا
القسطنطينية، وفيها مجال الاحتمالات، ولكن معظمها تدلّ على أو أول جيش غزاها كان تحت
إمارة يزيد، وهو مؤيد بروايات في مسند أحمد (٥: ٤٢٣) وطبقات ابن سعد (٣: ٤٨٥) والبداية
والنهاية (٨: ٥٩)، وكثير من التواريخ، ولكن أعدل الأقوال في دخول يزيد تحت هذه المغفرة
ما ذكره الشيخ وليّ الله الدهلوي كَثُ في شرح تراجم البخاري (ص: ٣١)، وإليك نصّه: ((قوله:
((مغفور لهم)) تمسك بعض الناس بهذا الحديث في نجاة يزيد، لأنه كان من حملة هذا الجيش
الثاني، بل كان رأسهم ورئيسهم على ما يشهد به التواريخ. والصحيح أنه لا يثبت بهذا الحديث
إلا كونه مغفوراً له ما تقدم من ذنبه على هذه الغزوة، لأن الجهاد من الكفارات، وشأن
الكفارات إزالة آثار الذنوب السابقة عليها، لا الواقعة بعدها، نعم! لو كان مع هذا الكلام أنه
مغفور له إلى يوم القيامة يدل على نجاته، وإذ ليس فليس، بل أمره مفوض إلى الله تعالى فيما
ارتكبه من القبائح بعد هذه الغزوة)).
وأمّا من طعن في حديث عمير بن الأسود بسبب جهالته، فإنه أبعد النجعة وتوغّل في
الأمر، فإن الحديث في صحيح البخاري، وقد اتفق على صحته، لم يطعنه أحد من جهابذة
المحدثين، ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَانُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُواْ﴾ [سورة المائدة، آية: ٨]. ولقد صدق الله تعالى:
﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُم ◌َا كَسَبْتُمَّ وَلَا تُشْتَلُونَ عَمَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ
(٣)﴾ [سورة البقرة، آية:
١٤١].
٣٨٠
الجزء الثالث من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
٤٩١٢ - (١٦١) حدّثنا خَلَفُ بْنُ هِشَامٍ. حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ
سَعِيدٍ، عَنْ مُحَمَّدٍ بْنِ يَحْيَى بْنِ حَبَّانَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، عَنْ أُمِّ حَرَام، وَهِيَ خَالَةٌ
أَنَسٍ. قَالَتْ: أَتَانَا النَّبِيُّ وَِّ يَوْماً. فَقَالَ عِنْدَنَا. فَاسْتَيْقَظَ وَهُوَ يَضْحَكُ. فَقُلْتُ: مَا
يُضْحِكُكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي؟ قَالَ: ((أُرِيتُ قَوْماً مِنْ أُمَّتِي يَرْكَبُونَ ظَهْرَ
الْبَحْرِ. كَالْمُلُوكِ عَلَى الأَسِرَّةِ» فَقُلْتُ: ادْعُ اللَّهَ أَنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ. قَالَ: ((فَإِنَّكِ مِنْهُمْ))
قَالَتْ: ثُمَّ نَامَ فَاسْتَيْقَظَ أَيْضاً وَهُوَ يَضْحَكُ. فَسَأَلْتُهُ. فَقَالَ مِثْلَ مَقَالَتِهِ. فَقُلْتُ: ادْعُ اللَّهَ أَنْ
يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ. قَالَ: ((أَنْتِ مِنَ الأَوَّلِينَ)).
قَالَ: فَتَزَوَّجَهَا عُبَادَةُ بْنُ الصَّامِتِ، بَعْدُ. فَغَزَا فِي الْبَحْرِ فَحَمَّلَهَا مَعَهُ. فَلَمَّا أَنْ
جَاءَتْ قُرِّبَتْ لَهَا بَغْلَةٌ. فَرَكِبَتْهَا. فَصَرَعَتْهَا. فَانْدَقَّتْ عُنُقُهَا .
٤٩١٣ - (١٦٢) وحدّثناه مُحَمَّدُ بْنُ رُمْحِ بْنِ الْمُهَاجِرٍ وَيَحْيَى بْنُ يَحْيَى. قَالاً:
أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ. عَنِ ابْنٍ خَّبَّانَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكِ، عَنْ خَالَتِهِ أُمِّ
حَرَامٍ بِنْتِ مِلحَانَ؛ أَنَّهَا قَالَتْ: نَامَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ يَوْماً قَرِيباً مِنِّيَ. ثُمَّ اسْتَيْقَظَ يَتَبَسَّمُ.
قَالَتْ: فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا أَضْحَكَكَ؟ قَالَ: (نَاسٌ مِنْ أُمَّتِي عُرِضُوا عَلَيَّ. يَرْكَبُونَ
ظَهْرَ هُذَا الْبَحْرِ الأَخْضَرِ)». ثُمَّ ذَكّرَ نَحْوَ حَدِیثٍ حَمَّادِ بْنِ زَیْدِ .
٤٩١٤ - (٠٠٠) وحدّثني يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ وَقُتَيْبَةُ وَابْنُ حُجْرٍ. قَالُوا: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ
(وَهُوَ ابْنُ جَعْفَرٍ) عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمُنِ؛ أَنَّهُ سَمِعَ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ يَقُولُ: أَتَى
رَسُولُ اللَّهِ ،وَهَ ابْنَةَ مِلْحَانَ، خَالَةً أَنَسٍ. فَوَضعَ رَأْسَهُ عِنْدَهَا. وَسَاقَ الْحَدِيثَ بِمَعْنَى
حَدِيثِ إِسْحَاقَ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ وَمُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى بْنِ حَبَّانَ.
(٥٠) - باب: فضل الرِّباط في سبيل الله عزّ وجلّ
٤٩١٥ - (١٦٣) حدّثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمُنِ بْنِ بَهْرَامِ الدَّارِمِيُّ. حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ
١٦١ - ( ... ) - قوله: (عن محمد بن يحيى بن حبّان) هو بفتح الحاء، كما في المغني
والتقريب. وهو حفيد لحبّان بن منقذ، الذي مرّ قصته في خيار المغبون، ومحمد هذا ثقة روى
عنه الجماعة، كما في التهذيب (٩: ٥٠٨).
١٦٢ - ( ... ) - قوله: (ظهر هذا البحر الأخضر) ذكر الحافظ في الفتح (١١ : ٧٤) أن
البحر يطلق على الملح والعذب، فجاء لفظ الأخضر لتخصيص الملح بالمراد. والماء في الأصل
لا لون له، وإنما تنعكس الخضرة من انعكاس الهواء ومقابلاته إليه .
(٥٠) - باب: فضل الرباط في سبيل الله
١٦٣ - (١٩١٣) - قوله: (عبد الله بن عبد الرحمن بن بهرام) بكسر الباء وفتحها، وهو