Indexed OCR Text
Pages 301-320
٣٠١ كتاب: الإمارة ٤٧٩٣ - (٠٠٠) وحدّثنا ابْنُ الْمُثَنَّى. حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ. ح وَحَدَّثَنَاهُ إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ. أَخْبَرَنَا النَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ. جَمِيعاً عَنْ شُعْبَةَ، بِهِذَا الإِسْنَادِ، مِثْلَهُ. ٤٧٩٤ - (٧٦) وحدّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى. أَخْبَرَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْع، عَنْ خَالِدٍ، عَنِ الْحَكَمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الأَعْرَجِ، عَنْ مَعْقِلٍ بْنِ يَسَارٍ. قَالَ: لَقَدْ رَأَيَّتُنِي يَوْمَ الشَّجَرَةِ. وَالنَّبِيُّ بَّهِ يُبَابِعُ النَّاسَ، وَأَنَا رَافِعٌ غُصْناً مِنْ أَغْصَانِهَا عَنْ رَأْسِهِ، وَنَحْنُ أَرْبَعَ عَشْرَةَ مِائَةً. قَالَ: لَمْ نُبَايِعْهُ عَلَى الْمَوْتِ. وَلْكِنْ بَايَعْنَاهُ عَلَى أَنْ لاَ نَفِرَّ. ٤٧٩٥ - (٠٠٠) وحدّثناه يَحْيَى بْنُ يَحْيَى. أَخْبَرَنَا خَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ يُونُسَ، بِهِذَا الإِسْنَادِ. ٤٧٩٦ - (٧٧) وحدّثناه حَامِدُ بْنُ عُمَرَ. حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ طَارِقٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ. قَالَ: كَانَ أَبِي مِمَّنْ بَايَعَ رَسُولَ اللّهِ وَله عِنْدَ الشَّجَرَةِ. قَالَ: فَانْطَلَقْنَا فِي قَابِلٍ حَاجِّينَ. فَخَفِيَ عَلَيْنَا مَكَانُهَا. فَإِنْ كَانَتْ تَبَيِّنَتْ لَكُمْ فَأَنْتُمْ أَعْلَمُ. أعرف عدد من كان بها من المهاجرين خاصّة ليعرف عدد الأسلمييّن، إلا أن الواقدي جزم بأنه كان مع النبيّ وَ يهر في غزوة الحديبية من أسلم مائة رجل، فعلى هذا كان المهاجرون ثمانمائة)). ٧٦ - (١٨٥٨) - قوله: (عن معقل بن يسار) ويكنى أبا عليّ، أسلم قبل الحديبية وشهد بيعة الرضوان. قال البغوي: هو الذي حفر نهر معقل بالبصرة بأمر عمر، فنسب إليه، ونزل بالبصرة وبنى بها داراً ومات بها في خلافة معاوية، وأخرج من طريق يونس بن عبيد، قال: ما كان ههنا - يعني بالبصرة - أحد من أصحاب النبيّ وَ﴿ أهنأ من معقل بن يسار. وراجع الإصابة (٣: ٤٢٧). وحديثه هذا لم أجده عند غير مسلم من بين الأئمة السّة رحمهم الله تعالى. ٧٧ - (١٨٥٩) - قوله: (كان أبي ممن بايع) إلخ: وهو المسيّب بن حزن ◌ًِّا، له ولأبيه حزن صحبة، وله حديث آخر في الصحيحين وغيرهما في قصة وفاة أبي طالب، وقد شهد المسيّب فتوح الشام، وقال الحافظ: ((لم يتحرر لي متى مات)) كما في الإصابة (٣: ٤٠١). وحديثه هذا أخرجه البخاري في المغازي، باب الحديبية، (رقم: ٤١٦٢ إلى ٤١٦٥). قوله: (قال: فانطلقنا في قابل) يعني: في العام الآتي، وقائله المسيّب قوله: (فخفي علينا مكانها) وفي الرواية الآتية: ((فنسوها من العام المقبل»، وفي رواية للبخاري: ((فعميت علينا)). وأخبر بمثله ابن عمر ﴿يا عند البخاري في الجهاد (رقم: ٢٩٥٨)، قال: ((رجعنا من العام المقبل، فما اجتمع منّا اثنان على الشجرة التي بايعنا تحتها، كانت رحمة من الله)) . وقال الحافظ في الفتح (٦: ١١٨) تحت حديث ابن عمر: ((وبيان الحكمة في ذلك أن لا ٣٠٢ الجزء الثالث من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم ٤٧٩٧ - (٧٨) وَحَدَّثَنِيهِ مُحَمَّدُ بْنُ رَافِع. حَدَّثَنَا أَبُو أَحْمَدَ. قَالَ: وَقَرَأْتُهُ عَلَى يحصل بها افتتان لما وقع تحتها من الخير، فلو بقيت لما أمن تعظيم بعض الجهال لها، حتى ربما أفضى بهم إلى اعتقاد أن لها قوة نفع أو ضر، كما نراه الآن مشاهداً فيما هو دونها، وإلى ذلك أشار ابن عمر بقوله: ((كانت رحمة من الله))، أي: كان خفاؤها عليهم بعد ذلك رحمة من الله تعالى. ويحتمل أن يكون معنى قوله: ((رحمة من الله)) أي كانت الشجرة موضع رحمة الله ومحل رضوانه لنزول الرضا عن المؤمنين عندها)). وقال الحافظ في المغازي (٧: ٤٤٨): ((ثم وجدت عند ابن سعد بإسناد صحيح عن نافع أن عمر بلغه أن قوماً يأتون الشجرة فيصلّون عندها، فتوعدهم، ثم أمر بقطعها فقطعت. مسألة التبرك بآثار الأنبياء والصلحاء: وبرواية ابن سعد هذه استدل بعض العلماء على منع التبرك بآثار الصلحاء، ولكن هذا الاستدلال غير قوي، لأنه يمكن أن يكون عمر له قطع الشجرة لكونه يعرف أن الشجرة المعهودة لا يعرفها أحد، ولأن الشّجرة التي يزعمها الناس أنها شجرة الرضوان، فيصلّون عندها، لا تصح نسبتها إلى الشجرة المعهودة، ويدل على ذلك ما أخرجه البخاري في المغازي من تمام حديث الباب، ولفظه: ((عن طارق بن عبد الرحمن، قال: انطلقت حاجّاً فمررت بقوم يصلّون، قلت: ما هذا المسجد؟ قالوا: هذه الشجرة حيث بايع رسول الله وَطّور بيعة الرضوان. فأتيت سعيد بن المسيّب فأخبرته، فقال سعيد: حدثني أبي أنه كان فيمن بايع رسول الله وَل تحت الشّجرة، قال: فلما خرجنا من العام المقبل نسيناها فلم نقدر عليها. فقال سعيد: إن أصحاب محمد ◌ّلو لم يعلموها وعلمتموها أنتم؟ فأنتم أعلم!)). فظهر أن الشجرة التي كان الناس يصلون عندها لم تكن الشجرة التي وقعت تحتها بيعة الرضوان، ولذلك لم ينكر عليهم سعيد بن المسيّب بتبركهم بالصلاة عندها، وإنما أنكر على جزمهم بتعيين تلك الشجرة. فيمكن أن يكون عمر ظلبه قطع الشجرة من هذه الجهة، لا لأنه لا يرى التبرك بالآثار. وأمّا ما مرّ عن جابر أنه قال: ((لو كنت أبصر لأريتكم موضع الشّجرة)) فإن ذلك لا يدل إلاّ على أنه ظلالله كان يثق بمعرفته بمكان الشّجرة وأنه يهتدي إليه في أكبر ظنّه، ولا يستلزم ذلك أن يكون مطابقاً لنفس الأمر. وقد ثبت جواز التبرك بآثار الأنبياء والصلحاء بعدة أحاديث. منها ما أخرجه البخاري في اللباس (باب ما يذكر في الشيب، (رقم: ٥٨٩٦) عن عثمان بن عبد الله بن موهب، قال: ((أرسلني أهلي إلى أمّ سلمة بقدح من ماء، وقبض إسرائيل ثلاث أصابع من قصّة فيها شعر من شعر النبيّ وَّر، وكان إذا أصاب الإنسان عين أو شيء بعث إليها مخضبه، فاطلعت في الجلجل؛ ٣٠٣ كتاب: الإمارة نَصْرِ بْنِ عَلِيٍّ عَنْ أَبِي أَحْمَدَ. حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ طَارِقٍ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمُنِ. عَنْ سَعِيدِ بْنِ فرأيت شعرات حمراً)). وقال تحته الحافظ في الفتح (١٠: ٣٥٣): ((والمراد أنه كان من اشتكى أرسل إلى إناء أم سمة، فتجعل فيه تلك الشعرات وتغسلها فيه وتعيده، فيشربه صاحب الإناء أو يغتسل به استشفاء بها، فتحصل له بركتها . ومنها ما أخرجه البخاري في الاستئذان (رقم: ٦٢٨١) عن أنس: ((أن أم سليم كانت تبسط للنبيّ وَ﴿ نطعاً فيقيل عندها على ذلك النّطع، قال: فإذا نام النبيّ ◌َّر أخذت من عرقه وشعره فجمعته في قارورة، ثمّ جمعته في سُكّ وهو نائم. قال: فلما حضر أنس بن مالك الوفاة أوصى إليّ أن يجعل في حنوطه من ذلك السّكّ. قال: فجعل في حنوطه))، وزاد مسلم في روايته: ((فأفاق (يعني: استيقظ النبيّ وَلّ، فقال: ما تصنعين؟ قالت: نرجو بركته لصبياننا، فقال: أصبت)) وهو صريح في تصويب النبيّ وَّ فعلها. ومنها ما أخرجه البخاري في الأشربة، باب الشرب من قدح النبيّ وَّرِ (رقم: ٥٦٣٧) في حيث سهل بن سعد: ((فأقبل النبيّ وَّر يومئذ حتى جلس في سقيفة بني ساعدة هو وأصحابه، ثم قال: اسقنا يا سهل! فأخرجت لهم هذا القدح فأسقيتهم فيه. فأخرج لنا سهل ذلك القدح فشربنا منه، قال: ثم استوهبه عمر بن عبد العزيز بعد ذلك فوهبه له)) وسيأتي هذا الحديث عند المصنف في الأشربة (باب إباحة النبيذ) إن شاء الله، وقال النووي تحته: ((فيه التبرك بآثار النبيّ وَّر وما مسه أو لبسه أو كان منه فيه سبب، وهذا نحو ما أجمعوا عليه وأطبق السلف والخلف عليه من التبرك بالصلاة في مصلّى رسول الله وَله في الروضة الكريمة، ودخول الغار الذي دخله وَله وغير ذلك. ومن هذا إعطاؤه ولي أبا طلحة شعره ليقسمه بين الناس، وإعطاؤه وَّرُ حقوه لتكفّن فيه بنته إلخ)). ومنها ما أخرجه البخاري في الأشربة (رقم: ٥٦٣٨) عن عاصم الأحول، قال: ((رأيت قدح النبيّ وَّير عند أنس بن مالك - وقد كان انصدع فسلسله بفضة، قال: وهو قدح جيد عريض من نضار، قال: قال أنس: لقد سقيت رسول الله ( ﴿ في هذا القدح أكثر من كذا وكذا)) فانظر كيف احتفظ أنس بهذا حتى سلسله بفضة بعد انصداعه، وما ذلك إلا تبركاً به. ومنها ما أخرجه ابن السكن عن ثابت البناني، قال: ((قال لي أنس بن مالك: هذه شعرة من شعر رسول الله وّهر فضعها تحت لساني، قال: فوضعتها تحت لسانه، فدفن وهي تحت ـاته . لسانه)) ذكره الحافظ ابن حجر في الإصابة (١: ٨٤) في ترجمة أنس وأما التبرك بالمشاهد وزيارتها، فأعدل الأقوال في ذلك ما نقله ابن تيمية تظلّثهُ عن الإمام أحمد بن حنبل: ((أنه سئل عن الرجل يأتي هذه المشاهد التي بالمدينة وغيرها، يذهب إليها؟ فقال: أما على حديث ابن أم مكتوم أنه سأل النبيّ وَلتر أن يأتيه فيصلي في بيته حتى يتخذه مسجداً، أو على ما كان يفعل ابن عمر: كان يتتبع مواضع سير النبيّ ◌َّ، حتى إنه رؤي يصب ٣٠٤ الجزء الثالث من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم الْمُسَيَّبِ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّهُمْ كَانُوا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ وَّهِ عَامَ الشَّجَرَةِ. قَالَ: فَنَسُوهَا مِنَ الْعَام الْمُقْبِلِ. في موضع ماء، فسئل عن ذلك، فقال: كان النبيّ وَّر يصبّ ههنا ماء. قال: أما على هذا فلا بأس، قال: ورخص فيه، ثم قال: ولكن قد أفرط الناس جدّاً، وأكثروا في هذا المعنى، فذكر قبر الحسين وما يفعل الناس عنده، رواهما الخلال في كتاب الأدب)). وقال الحافظ ابن تيمية تقلّفُ بعد حكاية قول الإمام أحمد: ((فقد فصل أبو عبد الله (يعني: أحمد بن حنبل) في المشاهد، وهي الأمكنة التي فيها آثار الأنبياء والصالحين، من غير أن تكون مساجد لهم، كمواضع بالمدينة، بين القليل الذي لا يتخذونه عيداً، والكثير الذي يتخذونه عيداً كما تقدم. وهذا التفصيل جمع فيه بين الآثار وأقوال الصحابة، فإنه قد روى البخاري في صحيحه عن موسى بن عقبة، قال: رأيت سالم بن عبد الله يتحرى أماكن من الطريق ويصلي فيها، ويحدث أن أباه كان يصلي فيها، وأنه رأى النبيّ وَّه يصلي في تلك الأمكنة. قال موسى: وحدثني نافع أن ابن عمر كان يصلي في تلك الأمكنة)). راجع له اقتضاء الصراط المستقيم لابن تيمية (ص: ٣٨٤ و٣٨٥). والحاصل: أن زيارة هذه المشاهد إن كانت كزيارة مآثر تاريخية، أو لاستحضار ما وقع فيها من الوقائع المباركة، وزيادة الإيمان والانشراح بذكرها، أو لحصول البركة منها، فلا بأس بذلك. أما اتخاذها عيداً، أو الاعتقاد بأنها تنفع أو تضرّ، أو تعظيمها بما يشبه العبادة، فإن ذلك لا يجوز. وعليه يحمل ما رواه سعيد بن منصور في سننه من معرور بن سويد عن عمر پئه، قال: ((خرجنا معه في حجة حجها ... فلما رجع من حجّته رأى الناس ابتدروا المسجد. فقال: ما هذا؟ قالوا: مسجد صلى فيه رسول الله وَله، فقال: هكذا هلك أهل الكتاب قبلكم: اتخذوا آثار أنبيائهم بيعاً. من عرضت له منكم الصلاة فيه فليصلّ، ومن لم تعرض له الصلاة فليمض)). وفي رواية عنه: ((أنه رأى الناس يذهبون مذاهب، فقال: أين يذهب هؤلاء؟ فقيل: يا أمير المؤمنين! مسجد صلى فيه النبيّ ◌َ *، فهم يصلّون فيه، فقال: إنما هلك من كان قبلكم بمثل هذا، كانوا يتتبعون آثار أنبيائهم ويتخذونها كنائس وبيعاً، فمن أدركته الصلاة منكم في هذه المساجد فليصل، ومن لا فليمض ولا يتعمدها)). فقد كره عمر ظه اتخاذ مصلى النبيّ وَلّ عيداً، خشية أن يفضي ذلك ذلك إلى بدعات ومنكرات، وإلاّ فقد ثبت عنه الحرص على محافظة الآثار فيما أخرجه البخاري عن الزبير ه الله أن رسول الله لو طلب منه العنزة التي قتل بها أبا ذات الكرش يوم بدر، وفيه: ((فلما قبض رسول الله * أخذها، ثم طلبها أبو بكر فأعطاه إيّاها، فلمّا قبض أبو بكر سأله إيّاها عمر، فأعطاه إيّاها، فلما قبض عمر أخذها، ثم طلبها عثمان فأعطاه إياها، فلما قتل عثمان وقعت عند ٣٠٥ كتاب: الإمارة ٤٧٩٨ - (٧٩) وحدّثني حَجَّاجُ بْنُ الشَّاعِرِ وَمُحَمَّدُ بْنُ رَافِع. قَالاَ: حَدَّثَنَا شَبَابَةٌ. حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ سَعِيدٍ بْنِ الْمُسَيَّبِ، عَنْ أَبِيهِ. قَالَ: "لَقَدْ رَأَيْتُ الشَّجَرَةَ. ثُمَّ أَتَيْتُهَا بَعْدُ. فَلَمْ أَعْرِفْهَا . ٤٧٩٩ - (٨٠) وحدّثنا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ. حَدَّثَنَا حَاتِمٌ (يَعْنِي ابْنَ إِسْمَاعِيلَ) عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي عُبَيْدٍ، مَوْلَى سَلَمَةَ بْنِ الأَكْوَعِ. قَالَ: قُلْتُ لِسَلَمَةَ: عَلَى أَيِّ شَيْءٍ بَايَعْتُمْ رَسُولَ اللَّهِ وَ لَّهِ يَوْمَ الْحُدَيْبِيَةِ؟ قَالَ: عَلى الْمَّوَّتِ. ٤٨٠٠ - (٠٠٠) وحدّثناه إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ. حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ مَسْعَدَةَ. حَدَّثَنَا يَزِيدُ، عَنْ سَلَمَةَ، بِمِثْلِهِ. ٤٨٠١ - (٨١) وحدّثنا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ. أَخْبَرَنَا الْمَخْزُومِيُّ. حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ. حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ يَحْيَى، عَنْ عَبَّادِ بْنِ تَمِيمٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ. قَالَ: أَتَاهُ آتٍ فَقَالَ: آل عليّ، فطلبها عبد الله بن الزبير فكانت عنده حتى قتل)) راجع له مغازي صحيح البخاري، باب شهود الملائكة بدراً . وهذا يدل على اهتمام الخلفاء الراشدون، ومهم الفاروق ظه، بالمحافظة على عنزة، والعنزات في العالم كثيرة، وما ذلك إلّ لأنّها بقيت عند رسول الله و لوازماناً، فأرادوا التبرك بها . وكذلك اهتمّ عمر بن عبد العزيز تَّقُ بالمحافظة على آثار النبيّ ◌َّ فيما أخرجه عمر بن شبّة في أخبار المدينة (١: ٧٤) عن أبي غسّان، قال: ((وقال لي غير واحد من أهل العلم، من أهل البلد أن كل مسجد من مساجد المدينة ونواحيها مبني بالحجارة المنقوشة المطابقة فقد صلى فيه النبيّ ◌َّه، وذلك أن عمر بن عبد العزيز عظُله حين بنى مسجد رسول الله وَلل سأل - والناس يومئذ متوافرون - عن المساجد التي صلى فيها رسول الله وَر، ثم بناها بالحجارة المنقوشة المطابقة)). والله سبحانه أعلم. ٨٠ - (١٨٦٠) - قوله: (عن يزيد بن أبي عبيد) هذا الحديث أخرجه أيضاً البخاري في الجهاد، باب البيعة في الحرب أن لا يفرّوا، (رقم: ٢٩٦٠)، وفي المغازي، باب غزوة الحديبية، (رقم: ٤١٦٩)، وفي الأحكام، باب كيف يبايع الإمام الناس، (رقم: ٧٢٠٦)، وباب من بايع مرتين، (رقم: ٧٢٠٨)، وأخرجه الترمذي في السير، باب ما جاء في بيعة النبيّ وَّر (رقم: ١٦٤٠)، والنسائي في البيعة، باب البيعة على الموت، (رقم: ٤١٥٩). قوله: (على الموت) قد مرّ في أول الباب عن جابر ما يعارضه، وقد تقدم وجه الجمع هناك . ٨١ - (١٨٦١) - قوله: (عن عبد الله بن زيد) هذا الحديث أخرجه البخاري في الجهاد، ٣٠٦ الجزء الثالث من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم هُذَاكَ ابْنُ حَنْظَلَةَ يُبَايِعُ النَّاسَ. فَقَالَ: عَلَى مَاذَا؟ قَالَ: عَلَى الْمَوْتِ. قَالَ: لاَ أُبَابِعُ عَلَى هُذَا أَحَداً بَعْدَ رَسُولِ اللهِ وَهِ. (١٩) - باب: تحريم رجوع المهاجر إلى استيطان وطنه ٤٨٠٢ - (٨٢) حدّثنا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ. حَدَّثَنَا حَاتِمٌ (يَعْنِي ابْنَ إِسْمَاعِيلَ) عَنْ يَزِيدَ بْنَ أَبِي عُبَيْدٍ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ الأَكْوَعِ، أَنَّهُ دَخَلَ عَلَى الْحَجَّاجِ فَقَالَ: يَا ابْنَ الأَكْوَعِ! ارْتَدَدْتَ عَلَى عَقِبَيْكَ؟ باب البيعة في الحرب أن لا يفرّوا، (رقم: ٢٩٥٩)، وفي المغازي، باب غزوة الحديبية، (رقم: ٤١٦٧). قوله: (هذاك ابن حنظلة يبايع الناس) وكان رئيس الأنصار في وقعة الحرّة، وتقدمت قصتها في باب وجوب ملازمة جماعة المسلمين عند ظهور الفتن. قوله: (بعد رسول الله (*) هذا يحتمل معنيين: الأول: أننا لم نبايع رسول الله وَليل على الموت، فلا نبايع عليه أحداً بعده، والثاني: أننا بايعناه على الموت، ولكننا لا نبايع أحداً عليه بعده، فالأول يؤيد حديث جابر، والثاني حديث سلمة بن الأكوع خيًّا، - والله أعلم - . (١٩) - باب: تحريم رجوع المهاجر إلى استيطان وطنه ٨٢ - (١٨٦٢) - قوله: (عن سلمة بن الأكوع) هذا الحديث أخرجه البخاري في الفتن، باب التعرّب في الفتنة، (رقم: ٧٠٨٧)، والنسائي في البيعة، باب المرتد أعرابياً بعد الهجرة، (رقم: ٤١٨٦). قوله: (أنه دخل على الحجّاج) هو ابن يوسف الثقفي الأمير المشهور، وكان ذلك لما ولي الحجاج إمرة الحجاز بعد قتل ابن الزبير، فسار من مكة إلى المدينة، وذلك في سنة أربع وسبعين. كذا في فتح الباري (١٣ : ٤١). قوله: (ارتددت على عقيبك) قال ابن الأثير في النهاية: ((كان من رجع بعد هجرته إلى موضعه من غير عذر يعدونه كالمرتد))، وذلك لأن النبيّ ◌َ ر حينما عدّ الكبائر فذكر من جملتها: ((والمرتد بعد هجرته أعرابياً)) كما أخرجه البخاري في الحدود، وأخرج النسائي حديث ابن مسعود مرفوعاً: ((لعن الله آكل الربا وموكله)) الحديث، وفيه: ((والمرتد بعد هجرته أعرابيّاً)). وكان سلمة بن الأكوع به نزل البدو أيّام الفتنة للاعتزال عنها. وزاد البخاري في حديث الباب: ((وعن يزيد بن أبي عبيد قال: لما قُتل عثمان بن عفّان خرج سلمة بن الأكوع إلى الرَّبذَة وتزوّج هناك امرأة وولدت له أولاداً، فلم يزل بها حتى قبل أن يموت بليال نزل المدينة)). فاعترض عليه الحجّاج واتهمه بالرجوع عن هجرته، ويقال: إنه أراد قتله، فبيّن الجهة التي يريد ٣٠٧ كتاب: الإمارة تَعَرَّبْتَ؟ قَالَ: لاَ. وَلْكِنْ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ أَذِنَ لِي فِي الْبَدْوِ. (٢٠) - باب: المبايعة بعد فتح مكة على الإسلام والجهاد والخير. وبيان معنى «لا هجرة بعد الفتح)» ٤٨٠٣ - (٨٣) حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ الصَّبَّاحِ أَبُو جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ زَكَرِيَّاءَ، عَنْ عَاصِمِ الأَحْوَلِ، عَنْ أَبِي عُثْمَانَ النَّهْدِيِّ. حَدَّثَنِي مُجَاشِعُ بْنُ مَسْعُودِ السُّلَمِيُّ. قَالَ: أن يجعله مستحقّاً للقتل بها. وكان ذلك من جفاء الحجّاج حيث خاطب هذا الصحابي الجليل بهذا الخطاب القبيح من قبل أن يستكشف عن عذره. قوله: (تعرّبت) يعني: استوطنت البدو، وصرت أعرابياً . قوله: (لا) أي: لم أسكن البادية رجوعاً عن هجرتي. قوله: (أذن لي في البدو) يعني: أذن لي في سكون البادية. وقد أخرج الإسماعيلي برواية حماد بن مسعدة عن يزيد بن أبي عبيد عن سلمة أنه استأذن رسول الله وَله في البداة فأذن له. وقد وقع لسلمة في ذلك قصة أخرى مع غير الحجاج أخرجها أحمد عن إياس بن سلمة، قال: ((قدم سلمة المدينة، فلقيه بريدة بن الحصيب، فقال: ارتددت عن هجرتك؟ فقال: معاذ الله! إني في إذن من رسول الله وَّل، سمعته يقول: ابدوا يا أسلم - (أي: القبيلة المشهورة التي منها سلمة وبريدة) - قالوا: إنا نخاف أن يقدح ذلك في هجرتنا، قال: أنتم مهاجرون حيث كنتم)). وله شاهد من رواية عمرو بن عبد الرحمن بن جرهد، قال: ((سمعت رجلاً يقول لجابر: من بقي من أصحاب رسول الله وَر؟ قال: أنس بن مالك وسلمة بن الأكوع، فقال رجل: أما سلمة فقد ارتد عن هجرته، فقال: لا تقل ذلك، فإني سمعت رسول الله وَّو يقول لأسلم: ابدوا، قالوا: إنا نخاف أن نرتد بعد هجرتنا، قال: أنتم مهاجرون حيث كنتم)) وسند كل منهما حسن، كما في فتح الباري. ثم إن سلمة بن الأكوع كانت له أعذار متعددة في سكونه البادية: الأول: ما ذكره هو أن النبيّ وَّر أذن له ولقبيلته. والثاني: أنه إنما سكن البادية فراراً عن الفتنة كما تقدم. وقد أخرج الطبراني من حديث جابر بن سمرة رفعه: ((لعن الله من بدا بعد هجرته، إلا في الفتنة، فإن البدو خير من المقام في الفتنة)) ذكره الحافظ في الفتح. والثالث: ما ذكره النووي عن القاضي وغيره أن وجوب ملازمة أرض الهجرة إنما كان مخصوصاً بزمن النبيّ وَ لقر لنصرته، فأما بعده فلا بأس بالقيام في غير أرض الهجرة، والله سبحانه أعلم. (٢٠) - باب: المبايعة بعد فتح مكة على الإسلام إلخ ٨٣ - (١٨٦٣) - قوله: (عن مجاشع بن مسعود السّلمي) مجاشع بضم الميم وكسر الشين كما في التقريب، والسّلمي بضم السين وفتح اللام، كما في المغني، وله صحبة، تزوج سميلة ٣٠٨ الجزء الثالث من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم أَتَيْتُ النَّبِيَّ ◌َِّ أُبَايِعُهُ عَلَى الْهِجْرَةِ. فَقَالَ: ((إِنَّ الْهِجْرَةَ قَدْ مَضَتْ لأَهْلِهَا. وَلَكِنْ عَلَى الإِسْلاَمِ وَالْجِهَادِ وَالْخَيْرِ». ٤٨٠٤ - (٨٤) وحدّثني سُوَيْدُ بْنُ سَعِيدٍ. حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ، عَنْ عَاصِم، عَنْ أَبِي عُثْمَانَ. قَالَ: أَخْبَرَنِي مُجَاشِعُ بْنُ مَسْعُودِ السُّلِمِيُّ. قَالَ: جِئْتُ بِأَخِي، أَبِي مَغْبَدٍ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ وَلَهَ بَعْدَ الْفَتْحِ. فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ! بَابِعْهُ عَلَى الْهِجْرَةِ. قَالَ: ((قَدْ مَضَتٍ بنت أبي حيوة بن أزيهر الدوسية، فقتل عنها يوم الجمل فخلف عليها عبد الله بن عباس، وغزا كابل من بلاد الهند، فصالحه الأصيهد، فدخل مجاشع بيت الأصنام، فأخذ جوهرة من عين الصنم، وقال: لم آخذها إلا لتعلموا أنه لا يضر ولا ينفع، قتل يوم الجمل قبل الوقعة، لأن عثمان بن حنيف كان عاملاً على البصرة، فلما جاء الزبير ومن معه حاربه حكيم بن جبلة ومجاشع بن مسعود وغيرهما، فغلب الزبير ومن معه على البصرة، وأخرجوا عثمان، وقتل مجاشع وأخوه مجالد، وكل ذلك قبل أن يقدم عليّ ظته. هذا ملخص ما في الإصابة (٣: ٣٤٢). وحديثه هذا أخرجه البخاري في المغازي في باب بلا ترجمة بعد باب مقام النبيّ ◌َ* بمكة زمن الفتح، (رقم: ٤٣٠٥ إلى ٤٣٠٨)، وفي الجزية، باب لا هجرة بعد الفتح، (رقم: ٣٠٧٩)، وفي الجهاد، باب البيعة في الحرب، (رقم: ٢٩٦٢). قوله: (إن الهجرة قد مضت لأهلها) قال القاضي عياض كثّفُ عنه: ((أهلها الذين هاجروا من ديارهم وأموالهم قبل الفتح لمؤازرته وّ ل# ونصرته وضبط شريعته، ولم يختلف في وجوب الهجرة قبل الفتح على أهل مكة، وأما غيرهم، فقيل: إنها واجبة، وحكى أبو عبيد في كتاب الأموال أنها مندوبة ليست بواجبة للحديث الآتي، ولقوله للأعرابيّ الذي سأله عن شأن الهجرة: ((إن شأن الهجرة لشديد، وحضه على أن يلزم إبله. وأيضاً، فإنه و # لم يأمر الوفود عليه قبل الفتح بأن يهاجروا، وقيل: إنها واجبة على من أسلم دون أهل بلده، لئلا يبقى في طوع أحكام الشرك وخوف أن يفتن في دينه)) كذا في شرح الأبّي. والحاصل: أن النبيّ ◌َّ أبى أن يبايعه على الهجرة لأن وجوب الهجرة قد انقطع بعد فتح مكة ولكن عرض عليه أن يبايعه على الإسلام والجهاد والخير. قوله: (والخير) فيه مشروعية البيعة على الخير والأعمال الحسنة وترك المعاصى، وفيه دليل لمشروعية بيعة السلوك المتعارفة عند الصوفية، لأن النبيّ ◌َفي ذكر البيعة على الخير مستقلّة عن البيعة على الإسلام والجهاد، والله سبحانه أعلم. ٨٤ _ ( ... ) - قوله: (جئت بأخي أبي معبد) أبو معبد كنية لأخي مُجاشع، واسمه مجالد، كما في فتح الباري (٨: ٢٦)، فقوله: ((أبي معبد)) بيان لقوله: ((أخي)) والياء فيه للمتكلم. ٣٠٩ كتاب: الإمارة الْهِجْرَةُ بِأَهْلِهَا)) قُلْتُ: فَبِأَيِّ شَيْءٍ تُبَايِعُهُ؟ قَالَ: ((عَلَى الإِسْلاَمِ وَالْجِهَادِ وَالْخَيْرِ)). قَالَ أَبُو عُثْمَانَ: فَلَقِيتُ أَبَا مَعْبَدٍ فَأَخْبَرْتُهُ بِقَوْلِ مُجَاشِعِ، فَقَالَ: صَدَقَ. ٤٨٠٥ - (٠٠٠ ) حدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْئَةَ. حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ، عَنْ عَاصِمِ، بِهِذَا الإِسْنَادِ. قَالَ: فَلَقِيتُ أَخَاهُ. فَقَالَ: صَدَقَ مُجَاشِعٌ. وَلَمْ يَذْكُرْ: أَبَا مَعْبَدٍ . ٤٨٠٦ - (٨٥) حدّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ. قَالاَ: أَخْبَرَنَا جَرِيرٌ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنْ طَاوُسٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ. قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ وَلَهِ يَوْمَ الْفَتْحِ، فَتْحِ مَكَّةَ ((لاَ هِجْرَةَ. قوله: (قال أبو عثمان) يعني: النهديّ الذي روى هذا الحديث عن مجاشع، واسمه عبد الرحمن بن ملّ (بتشديد اللام وتثليث الميم) وهو من المخضرمين، عاش في الجاهلية ستين سنة وفي الإسلام نحواً من ثمانين سنة، وعمّر مائة أربعين سنة، ولكنه لم يلق رسول الله القصچار، وهاجر إلى المدينة في أول خلافة عمر رضيالله، ثم سكن الكوفة وتحول إلى البصرة بعد قتل الحسين ظه، وحج ستين ما بين حجة وعمرة، وكان يقول: ((أتت عليّ مائة وثلاثون سنة، وما من شيء إلا وقد أنكرته، خلا أملي. وقال سليمان التيمي: كان لا يصيب ذنباً، كان ليله قائماً ونهاره صائماً. روى عن جمع من الصحابة، وروى عنه الجماعة وعدوه من الثقات، وراجع التهذيب (٦: ٢٧٧). ٨٥ - (١٣٥٣) - قوله: (عن ابن عباس) هذا الحديث أخرجه البخاري في الجهاد، باب وجوب النفير، (رقم: ٢٨٢٥)، وباب فضل الجهاد والسير، (رقم: ٢٧٨٣)، وفي الجزية، باب إثم الغادر للبرّ والفاجر، (رقم: ٣١٨٩)، وباب لا هجرة بعد الفتح، (رقم: ٣٠٧٧)، وفي جزاء الصيد، باب لا يحل القتال بمكة، (رقم: ١٨٣٤)، وفي الحج، باب فضل الحرم، (رقم: ١٥٨٧). وأخرجه الترمذي في السير، باب ما جاء في الهجرة، (رقم: ١٦٣٨)، وأبو داود في الجهاد، باب في الهجرة هل انقطعت، (رقم: ٢٤٨٠)، والنسائي في الجهاد، باب الاختلاف في انقطاع الهجرة، (رقم: ٤١٧٠). قوله: (لا هجرة) وزاد في رواية سفيان عند البخاري: ((بعد الفتح)) كما هو مصرح في حديث عائشة الآتي عند المصنف. والمراد من الفتح فتح مكة. قال الخطابي: ((كانت الهجرة فرضاً في أول الإسلام على من أسلم، لقلة المسلمين بالمدينة وحاجتهم إلى الاجتماع، فلما فتح الله مكة دخل الناس في دين الله أفواجاً، فسقط فرض الهجرة إلى المدينة، وبقي فرض الجهاد والنيّة على من قام به أو نزل به عدو)). وقال الحافظ في الفتح (٦: ٣٨) بعد حكاية قول الخطابي: ((وكانت الحكمة أيضاً في وجوب الهجرة على من أسلم ليسلم من أذى ذويه من الكفار، فإنهم كانوا يعذبون من أسلم منهم ٣١٠ الجزء الثالث من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم وَلْكِنْ جِهَادٌ وَنِيَّةٌ. وَإِذَا اسْتُنْفِرْتُمْ فَانْفِرُوا)). إلى أن يرجع عن دينه، وهذه الهجرة باقية الحكم في حق من أسلم في دار الكفر وقدر على الخروج منها)). وقال في موضع آخر (٦: ١٩٠): ((لا هجرة بعد الفتح))، أي: فتح مكة، أو المراد ما هو أعم من ذلك إشارة إلى أن حكم غير مكة في ذلك حكمها، فلا تجب الهجرة من بلد قد فتحه المسلمون. أما قبل فتح البلد، فمن به من المسلمين أحد ثلاثة: الأول: قادر على الهجرة منها، لا يمكنه إظهار دينه ولا أداء واجباته، فالهجرة منه واجبة. والثاني: قادر لكنه يمكنه إظهار دينه وأداء واجباته، فمستحبة لتكثير المسلمين بها ومعونتهم، وجهاد الكفار، والأمن من غدرهم، والراحة من رؤية المنكر بينهم. والثالث: عاجزٍ لعذر من أسر أومرض أو غيره، فتجوز له الإقامة، فإن حمل على نفسه وتكلف الخروج منها أُجِرْ)). وقال البغوي في شرح السنّة (١٠: ٣٧٢): ((إن الهجرة كانت مندوبة في أول الإسلام غير مفروضة ... فلما هاجر النبيّ ◌َل# إلى المدينة، أمروا بالهجرة والانتقال إلى حضرته ... وقطع الله الولاية بين من هاجر من المسلمين وبين من لم يهاجر ... فلما فتحت مكة عاد أمر الهجرة منها إلى الندب والاستحباب)). فالحاصل أن النفي في حديث الباب ليس نفياً لمشروعية الهجرة بعد فتح مكة، ولا لوجوبها على من لم يقدر على إظهار دينه في بلد الكفار، ولكنه نفي لفرضيتها على أهل مكة، فإن الهجرة قبل الفتح كانت علامة لإيمانهم ومداراً لقبوله، وإلى ذلك وقع الإشارة في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَقَّهُمُ الْمَلَتِكَةُ ظَالِىّ أَنْفُسِهِمْ قَالُواْ فِيمَ كُمْ قَالُواْ كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِىِ الْأَرْضَِّّ قَالُواْ أَلَمَّ تَكُنْ أَرْضُ الَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُواْ فِهَا﴾ [سورة النساء، آية: ٩٧]. أما مطلق الهجرة لأسباب مشروعة فباقية إلى يوم القيامة، وذلك لما أخرجه أبو داود في الجهاد (رقم: ٢٤٧٩) وأحمد (٤: ٩٩) عن معاوية مرفوعاً: ((لا تنقطع الهجرة حتى تنقطع التوبة ولا تنقطع التوبة حتى تطلع الشمس من مغربها)) وله شاهد جيد في مجمع الزوائد (٥: ٢٥٠) معزياً إلى أحمد والطبراني عن عبد الله بن عمرو. قوله: (ولكن جهاد ونيّة) قال النووي: ((معناه أن تحصيل الخير بسبب الهجرة قد انقطع بفتح مكة، ولكن حصلوه بالجهاد والنية الصالحة))، وقال الطيبي: ((هذا الاستدراك يقتضي مخالفة حكم ما بعده لما قبله، والمعنى أن الهجرة التي هي مفارقة الوطن التي كانت مطلوبة على الأعيان إلى المدينة انقطعت، إلا أن المفارقة بسبب الجهاد باقية، وكذلك المفارقة بسبب نية صالحة، كالفرار من دار الكفر، والخروج في طلب العلم، والفرار بالدين من الفتن، والنية في جميع ذلك)) حكاه الحافظ في الفتح (٦: ٣٩). قوله: (وإذا استُنفرتم فانفروا) بضم التاء وكسر الفاء على البناء للمجهول، والمعنى: إذا طلب منكم الإمام النفير، وهو الخروج في الجهاد، فاخرجوا. ٣١١ كتاب: الإمارة ٤٨٠٧ - (٠٠٠) وحدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَأَبُو كُرَيْبٍ. قَالاَ: حَدَّثَنَا وَكِيعُ، عَنْ سُفْيَانَ. ح وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ وَابْنِ رَافِع عَنْ يَحْيَى بْنِ آدَمَ. حَدَّثَنَا مُفَضَّلٌ (يَعْنِي ابْنَ مُهَلْهِلٍ) ح وَحَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ. أَخْبَرَنَا غُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى، عَنْ إِسْرَائِيلَ. كُلَّهُمْ عَنْ مَنْصُورٍ، بِهِذَا الإِسْنَادِ، مِثْلَهُ. ٤٨٠٨ - (٨٦) وحدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ. حَدَّثَنَا أَبِي. حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ حَبِيبٍ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمْنِ بْنِ أَبِي حُسيْنٍ، عَنْ عَطاءٍ، عَنْ عَائِشَةَ. قَالَتْ: سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ وَ لَ عَنِ الْهِجْرَةِ؟ فَقَالَ: ((لاَّ هِجْرَةَ بَعْدَ الْفَتْحِ. وَلْكِنْ جِهَادٌ وَزِيَّةٌ. وَإِذَا اسْتُنْفِرْتُمْ فَانْفِرُوا)). ٤٨٠٩ - (٨٧) وحدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ خَلاَّدِ الْبَاهِلِيُّ. حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ. حَدَّثَنَا مسألة فرضية الجهاد: قال البغوي في شرح السنّة (١٠: ٣٧٤): ((اعلم أن الجهاد فرض في الجملة، غير أنه ينقسم إلى فرض العين، وإلى فرض الكفاية. ففرض العين: أن يدخل العدوّ دار قوم من المؤمنين، أو ينزل بباب بلدهم فيجب على كل مكلف من الرجال ممن لا عذر له من أهل تلك البلدة الخروج إلى غزوهم، حرّاً كان أو عبداً، فقيراً كان أو غنيّاً، دفعاً عن أنفسهم وعن جيرانهم، وهو في حق من بُعد عنهم من المسلمين فرض على الكفاية، فإن لم تقع الكفاية بمن نزل بهم يجب على من بعد منهم من المسلمين عونهم، وإن وقعت الكفاية بالنازلين بهم فلا فرض على الأبعدين إلا على طريق الاختيار والاستحباب، ولا يدخل في هذا القسم العبيد والفقراء، ومن هذا القبيل أن يكون الكفار قارّين في بلادهم، ولا يقصدون المسلمين، ولا بلداً من بلادهم، فعلى الإمام أن لا يخلى سنة من غزوة يغزوها بنفسه أو بسراياه، حتى لا يكون الجهاد معطلاً. والاختيار للمطيق للجهاد مع وقوع الكفاية بغيره أن لا يقعد عن الجهاد». ( ... ) - قوله: (يعني ابن مُهَلهِل) بفتح الهاء الأولى وكسر الثانية، وقد مر ذكره في النذور، باب النهي عن النذر. ٨٦ - (١٨٦٤) - قوله: (عن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي حسين) بضم الحاء مصغراً، وهو النوفلي المكي، وثقه أحمد والنسائي وأبو زرعة وغيرهم، وقال ابن عبد البر: («ثقة عند الجميع فقيه عالم بالمناسك)) روى عنه الجماعة، كما في التهذيب (٥: ٢٩٣). قوله: (عن عائشة) هذا الحديث أخرجه البخاري في الجهاد، باب لا هجرة بعد الفتح، (رقم: ٣٠٨٠)، وفي فضائل أصحاب النبيّ وَّ، باب هجرة النبيّ وَّر وأصحابه إلى المدينة، (رقم: ٣٩٠٠)، وفي المغازي، باب مقام النبيّ ◌َّر بمكة زمن الفتح، (رقم: ٤٣١٢). ٣١٢ الجزء الثالث من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم عَبْدُ الرَّحْمُنِ بْنُ عَمْرٍو الأَوْزَاعِيُّ. حَدَّثَنِي ابْنُ شِهَابِ الزُّهْرِيُّ. حَذَّثَنِي عَطَاءُ بْنُ يَزِيدَ اللَّيْثِيُّ؛ أَنَّهُ حَدَّثَهُمْ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو سَعِيدِ الْخُدْرِيُّ؛ أَنَّ أَغْرَابِيًّا سَأَلَ رَسُولَ اللّهِ وَهَ عَنِ الْهِجْرَةِ؟ فَقَالَ: ((وَيْحَكَ، إِنَّ شَأْنَ الْهِجْرَةِ لَشِدِيدٌ. فَهَلْ لَكَ مِنْ إِلٍ؟)) قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: ((فَهَلْ تُؤْتِي صَدَقَّتَهَا؟)) قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: ((فَاعْمَلْ مِنْ وَرَاءَ الْبِحَارِ. فَإِنَّ اللَّهَ لَنْ يَتِرَكَ مِنْ عَمَلِكَ شَيْئاً)). قوله: (حدثني أبو سعيد الخدريّ) هذا الحديث أخرجه البخاري في الزكاة، باب زكاة الإبل، (رقم: ١٤٥٢)، وفي الهبة، باب فضل المنيحة، (رقم: ٢٦٣٣)، وفي مناقب الأنصار، باب هجرة النبيّ بَّه وأصحابه إلى المدينة، (رقم: ٣٩٢٣)، وفي الأدب، باب ما جاء في قول الرجل: ويلك، (رقم: ٦١٦٥). وأخرجه أبو داود في الجهاد، باب ما جاء في الهجرة، (رقم: ٢٤٧٧)، وأخرجه النسائي في البيعة، باب شأن الهجرة، (رقم: ٤١٦٤). قوله: (عن الهجرة) والمراد بالهجرة التي سأل عنها هذا الأعرابي ملازمة المدينة مع النبيّ ◌َّه وترك أهله ووطنه، كأنه أراد ذلك وأحبّه. قوله: (إن شأن الهجرة لشديد) أي: أمرها صعب، أشفق رسول الله وَّر على هذا الأعرابي أن لا يقوى لها ولا يقوم بحقوقها وأن ينكص على عقبيه، فدلّه على أن لا يفارق وطنه ويعمل أعمال البرّ في موطنه. واختلف العلماء في سبب ذلك، فقال الحافظ في الفتح (٧: ٢٥٩): ((وكأن ذلك وقع بعد فتح مكة، لأنها كانت إذ ذاك فرض عين، ثم نسخ ذلك بقوله وَلل: لا هجرة بعد الفتح)). وقال بعضهم: إنه كان خصوصية لهذا الأعرابيّ نظراً إلى ضعفه، وقيل: الهجرة إنما كانت مفروضة على أهل مكة، دون غيرهم من الأعراب. وقال آخرون: إنما تجب الهجرة على من أسلم وحده في بلد الكفر، أما إذا أسلم قومه جميعاً فلا حاجة إلى الهجرة، فيحتمل أن يكون هذا الأعرابي قد أسلم قومه، أو يكون قومه لا يمنعونه من إظهار معالم دينه، - والله أعلم - . قوله: (فهل لك من إبل)؟ فيه حسن ملاطفة النبيّ وَ ﴿ حين علم أنه لا يقدر على الهجرة أرشده إلى عمل صالح غيره. ويؤخذ منه أن الشيخ أو كبير القوم إذا رأى أحداً يعجز عن عمل ينبغي له أن يدله على ما هو أيسر منه . قوله: (فاعمل من وراء البحار) البحار ههنا جمع ((بحرة)) أو ((بحيرة)) وهي القرية. والمعنى: ((اعمل في وطنك وراء القرى)). قوله: (لن يَتِرَكَ) بفتح الياء وكسر التاء، مضارع من الوتر، وهو النّقص. يعني: أن الله تعالى لا ينقص من عملك شيئاً بسبب ترك الهجرة. ٣١٣ كتاب: الإمارة ٤٨١٠ - (٠٠٠) وحدّثناه عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمُنِ الدَّارِمِيُّ. حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، عَنِ الأَوْزَاعِيِّ، بِهِذَا الإِسْنَادِ، مِثْلَهُ. غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: ((إِنَّ اللَّهَ لَنْ يَتِرَكَ مِنْ عَمَلِكَ شَيْئًا)). وَزَادَ فِي الْحَدِيثِ قَالَ: ((فَهَلْ تَحْلُبُهَا يَوْمَ وِرْدِهَا؟)) قَالَ: نَعَمْ. (٢١) - باب: كيفية بيعة النساء ٤٨١١ - (٨٨) حدّثني أَبُو الطَّاهِرِ أَحْمَدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ سَرْحٍ. أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ. أَخْبَرَنِي يُونُسُ بْنُ يَزِيدَ. قَالَ: قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ؛ أَنَّ عَائِشَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ ◌ِ﴿ قَالَتْ: كَانَتِ الْمُؤْمِنَاتُ، إِذَا هَاجَرْنَ إِلَى رَسُولِ اللّهِ وََّ، يُمْتَحَنَّ بِقَوْلِ اللَّهِ ( ... ) - قوله: (فهل تحلبها يوم وردها)؟ كانت العرب إذا اجتمعت عند ورود المياه تحلب مواشيها، فيسقون المحتاجين المجتمعين عند المياه. كذا في شرح الأبّي. وأخرجه البخاري من طويق عليّ بن عبد الله، وزاد فيه: ((قال: فهل تمنح منها؟ قال: نعم، قال: فتحلبها يوم ورودها؟ قال: نعم)). ودلّ الحديث على أن من كانت عنده مواش أو دوابّ، يستحبّ له أن يعير ظهرها، ويمنح لبنها من يحتاج إلى ذلك، ولا يكتفي بأداء زكاتها الواجبة. (٢١) - باب: كيفية بيعة النّساء ٨٨ - (١٨٦٦) - قوله: (أن عائشة) هذا الحديث أخرجه البخاري في التفسير، باب إذا جاءكم المؤمنات مهاجرات، (رقم: ٤٨٩١) وفي الطلاق، باب إذا أسلمت المشركة أو النصرانية تحت الذمي أو الحربي، (رقم: ٥٢٨٨)، وفي الأحكام، باب بيعة النساء، (رقم: ٧٢١٤)، وأخرجه الترمذي في تفسير سورة الممتحنة، (رقم: ٣٣٦١)، وابن ماجه في الجهاد، باب بيعة النساء، (رقم: ٢٩٠٥). قوله: (يُمتحنّ) وسبب هذا الامتحان أن النبيّ وَّطو صالح المشركين يوم الحديبية على أن لا يأتيه منهم أحد إلّ ردّه عليهم، فوفى رسول الله و ◌َل بعهده في الرجال. ثم جاءته عدّة من نساء مكّة وطالب المشركون بردهن أيضاً، فأنزل الله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِذَا جَلَّكُمُ الْمُؤْمِنَتُ مُهَجِرَتٍ فَأَمْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِمَتِهِنٌّ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَتٍ فَلَ نَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُغَّارِ﴾ [سورة الممتحنة، آية: ١٠] الآية. وكان هذا الحكم مقصوراً على النساء اللاتي لم يهاجرن إلا لله ورسوله وَقو فأمر الله تعالى نبيه چ* بأن يمتحنهن في ذلك. وقد أخرج الطبري والبزار وغيرهما عن ابن عباس، قال: ((كان يمتحنهن بالله ما خرجت من بغض زوج، والله ما خرجت رغبة عن أرض إلى أرض، بالله ما خرجت التماس دنيا، وبالله ٣١٤ الجزء الثالث من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم عَزَّ وَجَلَّ: ﴿يَأَيُّهَا النَّبِىُّ إِذَا جَآءَكَ الْمُؤْمِنَتُ يُبَيِعْنَكَ عَلَى أَنْ لَّا يُشْرِكْنَ بِلَهِ شَيْئًا وَلَا يَسْرِفْنَ وَلَا يَزْنِينَ﴾ [الممتحنة: ١٢] إِلَى آخِرِ الآيَةِ. قَالَتْ عَائِشَةُ: فَمَنْ أَقَرَّ بِهِذَا مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ، فَقَدْ أَقرَّ بِالْمِحْنَةِ. ما خرجت إلا حبّاً لله ولرسوله)) ذكره ابن كثير في تفسيره (٤: ٣٥٠) والحافظ في طلاق الفتح (٩: ٤٢٥)، وذكر في التفسير (٨: ٦٣٧) أن عبد بن حميد أخرج عن مجاهد نحوه، وزاد: ((ولا خرج بك عشق رجل منّا، ولا فرار من زوجك)). ثمّ اختلف العلماء في توجيه إمساك النساء المؤمنات بالمدينة وعدم ردّهنّ إلى الكفار، فقيل: إن العهد خاصّا كان بالرجال، ولم يتضمن النساء، ويؤيده ما ذكره ابن كثير من لفظ هذا العهد: ((على أن لا يأتيك منا رجل وإن كان على دينك إلا رددته إلينا، وما ذكره الآلوسي في روح المعاني (٢٨: ٧٧) عن الضحاك، قال: ((كان بين رسول الله وَّه وبين المشركين عهد أن لا تأتيك منا امرأة ليست على دينك إلا رددتها إلينا، فإن دخلت في دينك ولها زوج أن تردّ على زوجها الذي أنفق عليها)) فعلى هذا كان الردّ خاصّاً بالنساء الكافرات، دون المؤمنات. وقال آخرون إن لفظ العهد وإن كان عامّاً، ولكنه أريد به الخصوص في علم الله تعالى، وحمله النبيّ وَ لّ على ظاهره من العموم باجتهاده، ولكنه لم يقرّ على ذلك، فنزلت آيات سورة الممتحنة كالبيان المجمل. ذكره الآلوسي في الروح. وقال جماعة: إن لفظ العهد كان عاماً، وأريد به العموم في مبدء الأمر، ولكن لما جاءت النساء مؤمنات أمر الله سبحانه بنبذ العهد في حقّهنّ خاصّة. ويؤيده ما ذكره ابن كثير (٤: ٣٥٠) عن عبد الله بن أبي أحمد، قال: ((هاجرت أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط في الهجرة، فخرج أخواها عمارة والوليد، حتى قدما على رسول الله ◌َ، فكلماه فيها أن يردها إليهما، فنقض الله العهد بينه وبين المشركين في النساء خاصة، فمنعهم أن يردوهن إلى المشركين، وأنزل الله آية الامتحان))، وذلك لأنّ المؤمنة لا تحلّ للكافر، كما قال تعالى: ﴿لَا هُنَّ حِلٌّ لَّمْ وَلَ هُمْ يَحِلُونَ ﴾ [سورة الممتحنة، آية: ١٠]، والله سبحانه أعلم. قوله: (فقد أقرّ بالمحنة) أي نجحت في الامتحان، وحاصله أن من عرف منها الإيمان انتهت محنتها. قال الحافظ: ((وأوضح من هذا ما أخرجه الطبري من طريق العوفيّ عن ابن عباس، قال: ((كان امتحانهنّ أن يشهدن أن لا إله إلّ الله وأن محمداً رسول الله)). وظاهره أن امتحانهنّ كان مجرد النطق بالشهادتين، وهذا يعارض بظاهره ما أسلفنا عن ابن عبّاس أنهنّ كنّ يستحلفن بأشياء كثيرة من عدم خروجهن لبغض الزوج وغيره. ولكن الجمع بينهما سهل، لأن مقصود عائشة وابن عباس في رواية العوفي أن الامتحان كان لحصول الطمأنينة بصدقهن في الإسلام، والحلف بالأشياء الكثيرة إنما كان للتثبت في هذا ٣١٥ كتاب: الإمارة وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ بَّهِ إِذَا أَقْرَرْنَ بِذَلِكَ مِنْ قَوْلِهِنَّ، قَالَ لَهُنَّ رَسُولُ اللَّهِ وَِّ: ((انْطَلِفْنَ. فَقَدْ بَايَعْتُكُنَّ)) وَلاَ. وَاللَّهِ مَا مَسَّتْ يَدُ رَسُولِ اللَّهِ وَ لَهِ يَدَ امْرَأَةٍ قَطُ. غَيْرَ أَنَّهُ يُبَابِعُهُنَّ بِالْكَلاَمِ. العرض ويتضح ذلك بما أخرجه الطبري وغيره من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد، ولفظه: («فاسألوهنّ عما جاء بهنّ، فإن كان من غضب على أزواجهنّ أو سخطه أو غيره، ولم يؤمنّ فارجعوهنّ إلى أزواجهنّ)) ومن طريق قتادة: ((كانت محنتهن أن يستحلفن: بالله ما أخرجكنّ نشوز، وما أخرجكنّ إلاّ حبّ الإسلام وأهله، فإذا قلن ذلك قبل منهنّ)). ذكرهما الحافظ في الفتح (٩: ٤٢٥). فتبيّن بهذا أن الاستحلاف في الأمور المتعددة إنما كان للتثبت في معرفة إيمانهنّ، وصدقهنّ في الهجرة لله ورسوله وَله، لأنه لو ظهر من امرأة أنها إنما خرجت لغرض دنيويّ، ظهر أنها ليست صادقة في هجرتها، والله سبحانه أعلم. قوله: (ما مسّت يد رسول الله ( * يد امرأة قط) ويوافقه ما أخرجه الترمذي (رقم ١٦٤٥) في السّير والنسائي وغيره عن أميمة بنت رُقَيقة قالت: ((بايعت رسول الله وَّر في نسوة فقال لنا: فيما استطعتنّ وأطقتنّ، قلت: الله ورسوله أرحم بنا منّا بأنفسنا. فقلت: يا رسول الله! بايعنا - قال سفيان: تعني صافحنا - فقال رسول الله وَ له: إنّما قولي لمائة امرأة كقولي لامرأة واحدة)). ويعارضه في الظاهر ما أخرجه ابن خزيمة وابن حبان والبزار وغيره، كما نقل عنهم الحافظ في الفتح عن أم عطية في قصة المبايعة، وفيها: ((فمدّ يده من خارج البيت، ومددنا أيدينا من داخل البيت، ثم قال: اللّهُمّ اشهد)) وكذا الحديث الذي بعده، حيث قالت فيه: ((قبضت منا امرأة يدها)) فإنه يشعر بأنهن كن يبايعنه بأيديهنّ. ويمكن الجواب عنه بوجهين: الأول: أن مدّ الأيدي من وراء الحجاب إشارة إلى وقوع المبايعة، وإن لم تقع مصافحة. والمراد بقبض اليد في الحديث الثاني التأخر عن القبول. الثاني: أن مبايعة النساء كانت تقع بحائل. ويؤيده ما أخرجه أبو داود في المراسيل عن الشعبي: ((أن النبيّ وَلهو حين بايع النساء أتى ببرد قطريّ فوضعه على يده، وقال: لا أصافح النساء)). وأخرج عبد الرزاق نحوه مرسلاً عن إبراهيم النخعي. وقد ورد أيضاً أنه ◌ّير بايع النساء بغمس اليد في الإناء. فقد أخرج ابن إسحاق في المغازي عن أبان بن صالح أنه بَّ# كان يغمس يده في إناء، وتغمس المرأة يدها فيه. وأخرج يحيى بن سلام في تفسيره عن الشعبي أنهن كنّ يأخذن بيده من فوق ثوب. راجع لجميع هذه الروايات فتح الباري: (٨: ٦٣٧). ٣١٦ الجزء الثالث من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم قَالَتْ عَائِشَةُ: وَاللَّهِ مَا أَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ وَّةِ عَلَى النِّسَاءِ قَظُ، إِلاَّ بِمَا أَمَرَهُ اللَّهُ تَعَالَى. وَمَا مَسَّتْ كَفُّ رَسُولِ اللَّهِ وَ لِهِ كَفَّ امْرَأَةٍ قٌَ. وَكَانَ يَقُولُ لَهُنَّ، إِذَا أَخَذَ عَلَيْهِنَّ: ((قَدْ بَايَعْتُكُنَّ»، كَلاَماً. ٤٨١٢ - (٨٩) وحدّثني هَارُونُ بْنُ سَعِيدِ الأَيْلِيُّ وَأَبُو الظَّاهِرِ (قَالَ أَبُو الطَّاهِرِ: أَخْبَرَنَا. وَقَالَ هَارُونُ: حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ). حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ؛ أَنَّ عَائِشَةَ أَخْبَرَتْهُ عَنْ بَيْعَةِ النِّسَاءِ. قَالَتْ: مَا مَسَّ رَسُولُ اللّهِ وَلَهَ بِيَدِهِ امْرَأَةً قَطْ. إِلاَّ أَنْ يَأْخُذَ عَلَيْهَا. فَإِذَا أَخَذَ عَلَيْهَا فَأَعْطَتْهُ، قَالَ: ((اذْهَبِي فَقَدْ بَايَعْتُكِ)). (٢٢) - باب: البيعة على السمع والطاعة فيما استطاع ٤٨١٣ - (٩٠) حدّثنا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ وَقُتَيْبَةُ وَابْنُ حُجْرٍ (وَاللَّفْظُ لابْنِ أَيُّوبَ) قَالُوا: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ (وَهُوَ ابْنُ جَعْفَرٍ). أَخْبَرَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ دِينَارٍ؛ أَنَّهُ سَمِعَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ يَقُولُ: كُنَّا نُبَايِعُ رَسُولَ اللَّهِ وَ لَ عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ. يَقُولُ لَنَا: ((فِيمَا اسْتَطَعْتُ)). قوله: (ما أخذ رسول الله﴾ على النّساء) الأخذ عليهنّ هو أخذ الميثاق منهنّ عند المبايعة . (٢٢) - باب: البيع على السمع والطاعة فيما استطاع ٩٠ - (١٨٦٧) - قوله: (سمع عبد الله بن عمر) هذا الحديث أخرجه البخاري في الأحكام، باب كيف يبايع الإمام الناس، (رقم: ٧٢٠٢)، والنسائي في البيعة، باب البيعة فيما يستطيع الإنسان، (رقم: ٤١٨٧ و ٤١٨٨). قوله: (فيما استطعت) قيل: إنه بضم التاء على صيغة المتكلم، أي ((قيل: فيما استطعت)). كما فسّره النووي تَّثُ، وقيل: إنه بفتح التاء على صيغة المخاطب، ويؤيده رواية مالك في الموطأ وفي صحيح البخاري، ولفظها: ((فيما استطعتم)) ووقع في نسخة المستملي والسرخسي لصحيح البخاري: ((فيما استطعت)) بتاء الخطاب. قال النووي: ((وهذا من كمال شفقته وَّلهر ورأفته بأمته، يلقنهم أن يقول أحدهما: فيما استطعت، لئلا يدخل في عموم بيعته ما لا يطيقه. وفيه أنه إذا رأى الإنسان يلتزم ما لا يطيقه ينبغي أن يقول له: لا تلتزم ما لا تطيق. ٣١٧ كتاب: الإمارة (٢٣) - باب: بيان سنّ البلوغ ٤٨١٤ - (٩١) حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ. حَدَّثَنَا أَبِي. حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ: قَالَ: عَرَضَنِي رَسُولُ اللّهِ شَهِ يَوْمَ أُحُدٍ فِي الْقِتَالِ. وَأَنَا ابْنُ أَرْبَعَ عَشْرَةَ سِّنَةً. فَلَمْ يُجِزْنِي. وَعَرَضَنِي يَوْمَ الْخَنْدَقِ، وَأَنَا ابْنُ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً. فَأَجَازَنِي. قَالَ نَافِعٌ: فَقَدِمْتُ عَلَى عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، وَهُوَ يَوْمَئِذٍ خَلِيفَةٌ. فَحَدَّثْتُهُ هُذَا الْحَدِيثَ. فَقَالَ: إِنَّ هَذَا لَحَدٌّ بَيْنَ الصَّغِيرِ وَالْكَبِيرِ. فَكَتَبَ إِلَى عُمَّالِهِ أَنْ يَفْرِضُوا لِمَنْ كَانَ (٢٣) - باب: بيان سنّ البلوغ ٩١ - (١٨٦٨) - قوله: (عن ابن عمر) هذا الحديث أخرجه البخاري في المغازي، باب غزوة الخندق، (رقم: ٤٠٩٧)، وفي الشّهادات، باب بلوغ الصبيان وشهادتهم، (رقم: ٢٦٦٤)، وأخرجه أبو داود في الحدود، باب في الغلام يصيب الحدّ، (رقم: ٤٤٠٦ و٤٤٠٧)، والترمذيّ في الجهاد، باب ما جاء في حدّ بلوغ الرجل ومتى يفرض له، (رقم: ١٦٧٣). قوله: (فلم يُجزِني) يعني: لم يأذن لي في القتال. قوله: (يوم الخندق وأنا ابن خمس عشرة سنة) استشكله يزيد بن هارون بأن بين أحد والخندق سنتين فينبغي أن يكون في الخندق ابن ست عشرة سنة. وهذا الإشكال مبنيّ على ما ذكره ابن إسحاق من أن غزوة الخندق وقعت سنة خمس، واتفقوا على أن أحداً كانت في شوال سنة ثلاث. وجنح بعضهم إلى قول موسى بن عقبة في المغازي أن الخندق كانت في شوال سنة أربع، ولا إشكال في حديث الباب على قوله. ولكن اتفق أهل المغازي على أنه وقعت غزوة بدر الموعد بعد أحد بسنة كاملة، وتوجّه فيها النبيّ ◌َ ﴿ إلى بدر، فلم يجد أحداً، فلا سبيل إلى كون الخندق في سنة أربع، فعاد الإشكال. فالجواب الصحيح ما ذكره البيهقي وغيره من أن قول ابن عمر: ((عرضت يوم أحد وأنا ابن أربع عشرة)) أي: دخلت فيها، وأن قوله: ((عرضت يوم الخندق وأنا ابن خمس عشرة)) أي تجاوزتها، فألغى الكسر في الأولى وجبره في الثانية، وهو شائع مسموع في كلامهم. هذا ملخص ما في فتح الباري (٥: ٢٧٨). مسألة سنّ البلوغ: قوله: (إنّ هذا لَحَدّ بين الصغير والكبير) به استدلّ من جعل سنّ البلوغ خمس عشرة سنة في الغلام والجارية جميعاً، وهو قول الأوزاعي، والشافعي وأحمد بن حنبل وأبي يوسف، ومحمد رحمهم الله، كما في المغني لابن قدامة (٤: ٥١٤)، وبه قال ابن وهب، وأصبغ، . ٣١٨ الجزء الثالث من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم ابْنَ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً. وَمَنْ كَانَ دُونَ ذُلِكَ فَاجْعَلُوهُ فِي الْعِيَالِ . وعبد الملك بن ماجشون، وعمر بن عبد العزيز، وجماعة من أهل المدينة، واختاره ابن العربي، كما في تفسير القرطبي (٥: ٣٥)، وهو المفتى به عند المشايخ الحنفية. وقال داود الظاهري: لا حدّ للبلوغ من السنّ، وعليه فلا يعتبر الرجل بالغاً عنده حتى ينزل أو يحبل بالغاً مّا بلغ من السنّ، وهو رواية عن مالك تغذَهُ، وقال أصحابه: سبع عشرة أو ثماني عشرة سنة. وقال أبو حنيفة تقذفه: هو في الغلام ثماني عشرة سنة، وقيل: تسع عشرة، وفي الجارية سبع عشرة، كما في كتاب الحجر من الهداية مع الفتح (٨: ٢٠١). وهذا كلّه إذا لم تظهر أمارات البلوغ، فإن ظهرت فلا عبرة بالسنّ بالإجماع. وأمارات البلوغ منها ما اتفق عليه الفقهاء، وهو الإنزال أو الإحبال في الغلام، والحيض في الجارية. قال ابن المنذر: ((وأجمعوا على أن الفرائض والأحكام تجب على المحتلم العاقل، وعلى المرأة بظهور الحيض منها)) كما في المغني ومأخذ ذلك قوله تعالى: ﴿وَإِذَا بَلَغَ الْأَطْفَلُ مِنْكُمُ الْحُلُ فَلْيَسْتَْذِنُواْ﴾ [سورة النور، آية: ٥٩] والحلم: الاحتلام، وهو لغة ما يراه النائم، والمراد به هنا خروج المني في نوم أو يقظة بجماع أو غيره، وقوله تعالى: ﴿حََّ إِذَا بَلَغُواْ النِّكَاحَ﴾ [سورة النساء، آية: ٦] فإن بلوغ النكاح كناية عن أهلية الجماع، وهي بالإنزال. قال رسول الله وَالر: ((لا يتم بعد احتلام)) أخرجه أبو داود في الوصايا، (رقم: ٢٨٧٣)، وسكت عليه، وذكر العزيزي في السراج المنير (٤: ٤٣٠) أن إسناده حسن. وقال رسول الله وَلّ لمعاذ ربه: ((ومن كلّ حالم ديناراً)) أخرجه الترمذي في الزكاة، باب ما جاء في زكاة البقرة، (رقم: ٦١٩)، وأبو داود في زكاة السائمة، (رقم: ١٥٧٦). وقال رسول الله وَّلقال: ((رفع القلم عن ثلاث)) وفيه: ((وعن الصبي حتى يحتلم)) أخرجه أبو داود وأحمد والحاكم عن عليّ وعمر ها، كما في نصب الراية (٤: ١٦١). وقال رسول الله وَله: ((لا يقبل الله صلاة امرأة قد حاضت إلا بخمار)) وهذا لفظ ابن خزيمة في صحيحه، كما في نيل الأوطار (٢: ٦٧). ولفظه عند الترمذي (رقم: ٣٧٥): ((لا تقبل صلاة الحائض إلا بخمار)). وأما الأمارات المختلف فيها، فمنها إنبات العانة، فروى ابن القاسم وسالم أنه يستدل به على البلوغ، وقاله مالك مرة، والشافعيّ في أحد قوليه، وبه قال أحمد وإسحاق وأبو ثور، كما في تفسير القرطبي (٥: ٣٥ و٣٦). فأما الحنابلة فقد أخذوا بالإنبات كعلامة معتبرة للبلوغ، بشرط أن يكون شعراً خشناً، ولا عبرة للزغب الضعيف، كما في المغني (٤: ٥١٣ و٥١٤). وأما الشافعية فالأصحّ عندهم أنه أمارة لبلوغ الكافر، دون المسلم، كما ذكره النووي في ٣١٩ كتاب: الإمارة ٤٨١٥ - (٠٠٠) وحدّثناه أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ. حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ إِذْرِيسَ وَعَبْدُ الرَّحِيمِ بْنُ سُلَيْمَانَ. ح وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى. حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ (يَعْنِي الثَّقَفِيَّ) جَمِيعاً عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ، بِهِذَا الإِسْنَادِ. غَيْرَ أَنَّ فِي حَدِيثِهِمْ: وَأَنَا ابْنُ أَرْبَعَ عَشْرَةَ سَنَةً فَاسْتَصْغَرَنِي. المنهاج، ومن جهل إسلامه فهو في حكم الكافر، ولكن قال الشربيني الخطيب في مغني المحتاج (٢: ١٦٧): ((وقول المصنف ((يقتضي)) يقتضي أن ذلك ليس بلوغاً حقيقة، بل دليل له، وهو كذلك، ولهذا لو لم يحتلم، وشهد عدلان أن عمره دون خمس عشرة سنة لم يحكم ببلوغه بالإنبات، قاله الماوردي، وقضيته أنه دليل البلوغ بالسنّ)). وحاصل ذلك أن الأصل في معرفة البلوغ عندهم إنما هو الإنزال أو السّنّ، فإن جُهل السنّ قام الإنبات مقامه. وهذا في حق الكافر متحقّق، لعدم معرفة سنّه بالرجوع إلى أقاربه، بخلاف المسلم، فإنه يسهل المراجعة إلى آبائه، أو أقاربه . واستدل هؤلاء بما أخرجه الترمذي عن عطية القرظيّ: قال: ((عرضنا على رسول الله وَل يوم قريظة، فكان من أنبت قتل، ومن لم ينبت خلّى سبيله، فكنت فيمن لم ينبت، فخلّى سبيلي» وقال الترمذي: حسن صحيح. وقال السرخسي في المبسوط (١٠: ٢٧): ((ولسنا نقول به لاختلاف أحوال الناس فيه، فنبات الشعر في الهنود يسرع، وفي الأتراك يبطىء. وتأويل الحديث أن النبيّ وَّ عرف عن طريق الوحي أن نبات الشعر في أولئك القوم يكون عند البلوغ، أو أراد تنفيذ حكم سعد بن معاذ ربه، فإنه كان من حكمه بأن يقتل منهم من جرت عليه الموسى، لعلمه أنه كان من المقاتلة فیھم)). واستدلوا أيضاً بما أخرجه سحنون في جهاد المدونة (٣: ٣٤) بسند صحيح عن تميم بن فرع (١) المهريّ أنه وقع اختلاف في إعطائه من الفيء، فسألوا أبا بصرة الغفاري وعقبة بن عامر الجهني ، فقالا: ((انظروا، فإن كان أنبت الشّعر فاقسموا له)). وأجاب عنه شيخنا التهانوي كتّثُ في إعلاء السنن (١٢: ١٩٣) بأن ((حكم أبي بصرة وعقبة في تميم بن فرع واقعتا عين لا عموم لهما، فالاستدلال بهما على كون الإنبات علماً على البلوغ في الأقوام كلها عامة ليس بتام. بل غاية ما فيهما أنه علم عليه في بعض الأقوام، وذلك مما لا ينكره أبو حنيفة وصاحباه، كما فهمت من كلامهم، والله تعالى أعلم. (١) هو بكسر الفاء وفتح الراء، وقيل: بضم الفاء وسكون الراء، وقيل: بفتح الفاء وسكون الراء، كما في حاشية المدونة . ٣٢٠ الجزء الثالث من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم (٢٤) - باب: النهي أن يسافر بالمصحف إلى أرض الكفار إذا خيف وقوعه بأيديهم ٤٨١٦ - (٩٢) حدّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى. قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكِ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ. قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ وَهِ أَنْ يُسَافَرَ بِالْقُرْآنِ إِلَى أَرْضِ الْعَدُوِّ. (٢٤) - باب: النهي أن يسافر بالمصحف إلخ ٩٢ - (١٨٦٩) - قوله: (عن عبد الله بن عمر) هذا الحديث أخرجه البخاري في الجهاد، باب كراهية السفر بالمصاحف إلى أرض العدو، (رقم: ٢٩٩٠)، وأبو داود، (رقم: ٢٦١٠)، وابن ماجه، (رقم: ٢٩٠٩ و٢٩١٠) كلاهما في الجهاد في مثل هذا الباب. قوله: (أن يسافر بالقرآن) أي: بالمصحف. قال النووي: ((فيه النهي عن المسافرة بالمصحف إلى أرض الكفار للعلة المذكورة في الحديث (يعني في الروايات الآتية) وهي خوف أن ينالوه فينتهكوا حرمته. فإن أمنت هذه العلة بأن يدخل في جيش المسلمين الظاهرين عليهم فلا كراهة ولا منع منه حينئذ لعدم العلة. هذا هو الصحيح، وبه قال أبو حنيفة والبخاري وآخرون. وقال مالك وجماعة من أصحابنا بالنهي مطلقاً. وحكى ابن المنذر عن أبي حنيفة الجواز مطلقاً. والصحيح عنه ما سبق)). وقال ابن عبد البر: ((أجمع الفقهاء أن لا يسافر بالمصحف في السرايا والعسكر الصغير المخوف عليه، واختلفوا في الكبير المأمون عليه، فمنع مالك أيضاً مطلقاً، وفصّل أبو حنيفة، وأدار الشافعي الكراهة مع الخوف وجوداً وعدماً، وقال بعضهم كالمالكية)» حكاه الحافظ في فتح الباري (٦: ١٣٤). وقال السرخسي في شرح السير الكبير (١: ١٣٧) شارحاً لحديث الباب «تأويله: هذا أن يكون سفره مع جريدة خيل لا شوكة لهم. هكذا ذكر محمد تخلّفُ. وذكر الطحاوي أن هذا النهي كان في ذلك الوقت لأن المصاحف لم تكثر في أيدي المسلمين، وكان لا يؤمن إذا وقعت المصاحف في أيدي العدوّ، وأن يفوت شيء من القرآن من أيدي المسلمين، أو يغيّر بعض ما في المصاحف مما يعلمون أنه لم يبق بأيدي المسلمين، ويؤمن مثله في زماننا هذا، لكثرة المصاحف وكثرة القراءة. قال الطحاوي: ولو وقع مصحف في أيديهم لم يستخفوا به، لأنهم وإن كانوا لا يقرّون بأنه كلام الله تعالى، فهم يقرّون بأنه أفصح الكلام بأوجز العبارات وأبلغ المعاني، فلا يستخفون كما لا يستخفون بسائر الكتب، ولكن ما ذكره محمد تخلّفُ أصح، فإنهم يفعلون ذلك مغايظة للمسلمين، وقد ظهر ذلك من القرامطة حين ظهروا على مكة، جعلوا يستنجون بالمصاحف». ،