Indexed OCR Text

Pages 221-240

٢٢١
كتاب: الجهاد والسير
الْخِرَقَ. فَسُمِّيَتْ غَزْوَة ذَاتِ الرِّقَاعِ، لِمَا كُنَّا نُعَصِّبُ عَلَى أَرْجُلِنَا مِنَ الْخِرَقِ.
قَالَ أَبُو بُرْدَةَ: فَحَدَّثَ أَبُو مُوسَى بِهِذَا الْحَدِيثِ. ثُمَّ كَرِهَ ذُلِكَ. قَالَ: كَأَنَّهُ كَرِهَ أَنْ
يَكُونَ شَيْئاً مِنْ عَمَلِهِ أَفْشَاهُ.
قَالَ أَبُو أُسَامَةَ: وَزَادَنِي غَيْرُ بُرَيْدٍ : وَاللَّهُ يُجْزِي بِهِ
(٥١) - باب: كراهة الاستعانة في الغزو بكافر
٤٦٧٧ - (١٥٠) حدّثني زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ. حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمُنِ بْنُ مَهْدِيٍّ، عَنْ
مالِكِ. ح وَحَدَّثَنِيهِ أَبُو الظَّاهِرِ (وَاللَّفْظُ لَهُ). حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ، عَن مَالِكِ بْنِ
أَنَسٍ، عَنِ الْفُضَيْلِ بْنِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نِيَارٍ الأَسْلَمِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ،
عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ◌َِّرِ؛ أَنَّهَا قَالَتْ: خَرَجَ رَسُولُ اللّهِ إِ لَهَ قِبَلَ بَدْرٍ. فَلَمَّا كَانَ بِحَرَّةٍ
الْوَبَرَةِ أَدْرَكَهُ رَجَّلٌ. قَدْ كَانَ يُذْكَرُ مِنْهُ جُرْأَةٌ وَنَجْدَةٌ. فَفَرِحَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ وَلِهِ حِينَ
رَأَوْهُ. فَلَمَّا أَدْرَكَهُ قَالَ لِرَسُولِ اللَّهِ وَلِهِ: جِئْتُ لِأَتَّبِعَكَ وَأُصِيبَ مَعَكَ. قَالَ لَهُ
رَسُولُ اللّهِ وَِّ: (تُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ؟)) قَالَ: لاَ. قَالَ: ((فَارْجِعْ. فَلَنْ أَسْتَعِينَ بِمُشْرِكٍ)).
قوله: (نعصب) بفتح النون وكسر الصاد المخففة، كذا ضبطه الحافظ في الفتح
(٧: ٤٢١).
قوله: (ثمّ كره ذلك) يعني: كره أن يكون فيه إفشاء حسناته، فيلزم منه رياء، وفيه ما كان
الصحابة ◌ّ يُشرفون على أنفسهم، ويخافون عليها من الرذائل الباطنة الكامنة في الصدور،
فيعالجونها أحسن علاج. وإنّما حدث بهذا الحديث مع أنه كان يكرهه خشية الرياء، لئلا يلزم
كتمان العلم، والله سبحانه وتعالى أعلم.
(٥١) - باب: كراهة الاستعانة في الغزو بكافر إلخ
١٥٠ - (١٨١٧) - قوله: (عن عائشة) هذا الحديث أخرجه الترمذي في السير، باب ما جاء
في أهل الذمة يغزون مع المسلمين هل يسهم لهم؟ (رقم: ١٥٥٨)، وأخرجه أبو داود في
الجهاد، باب في المشرك يسهم له، (رقم: ٢٧٣٢).
قوله: (الوبرة) قال القاضي عياض: ((ضبطناه عن شيوخنا بفتح الباء، وضبطه بعضهم
بسكونها، وهو موضع على أربعة أميال من المدينة.
قوله: (ونجدة) أي: قوّة وشجاعة.
قوله: (وأصيب معك) أي: من الغنيمة.
قوله: (فلن أستعين بمشرك) استدل به من منع الاستعانة بالمشركين في الجهاد مطلقاً، وهو

٢٢٢
الجزء الثالث من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
قَالَتْ: ثُمَّ مَضَى. حَتَّى إِذَا كُنَّا بِالشَّجَرَةِ أَدْرَكَهُ الرَّجُلُ. فَقَالَ لَهُ كَمَا قَالَ أَوَّلَ مَرَّةٍ.
قول ابن منذر، والجوزجاني، وجماعة من أهل العلم، كما حكى عنهم ابن قدامة في المغني
(١٠: ٤٥٦)، قال: ((وعن أحمد ما يدل على جواز الاستعانة به، وكلام الخرقي يدل عليه أيضاً
عند الحاجة، وهو مذهب الشافعي ... ويشترط أن يكون من يستعان به حسن الرأي في
المسلمين، فإن كان غير مأمون عليهم لم تجزئه الاستعانة به)).
وقال القاضي عياض: ((أخذ مالك والكافة بهذا الحديث، وأجاز مالك وأصحابه أن
يكونوا نواتية وخدماً)) ونقل الأبّي في شرحه (٥: ١٥٩) عن ابن حبيب أنهم يستعملون في رمي
المجانيق، ويكونون في طرف العسكر، لا في داخله.
وحكي في البحر عن أبي حنيفة وأصحابه أنها تجوز الاستعانة بالكفار والفسّاق حيث
يستقيمون على أوامره ونواهيه. كذا في إعلاء السنن (١٢ : ٥١).
واستدل من أجاز الاستعانة بما رواه أبو داود في مراسيله عن الزهري: أن النبيّ ◌َّ استعان
بناس من اليهود في خيبر في حربه فأسهم لهم. وبما روي عنه وَّ ر أنه استعان بصفوان بن أمية،
وبما أخرجه أبو داود عن ذي مخبر، قال: سمعت رسول الله 8* يقول: ((ستصالحون الروم
صلحاً، وتغزون أنتم وهم عدّواً من ورائكم)).
وقال السرخسي في شرح السير الكبير (٣: ١٨٦): ((ولا بأس بأن يستعين المسلمون بأهل
الشرك على أهل الشرك إذا كان حكم الإسلام هو الظاهر عليهم، لأن رسول الله وليه استعان
بيهود قينقاع على بني قريظة، وخرج صفوان مع النبيّ وَّل حتى شهد حنيناً والطائف وهو مشرك.
فعرفنا أنه لا بأس بالاستعانة به. وما ذلك إلا نظير الاستعانة بالكلاب على المشركين. وإلى
ذلك أشار رسول الله وَله بقوله: ((إن الله تعالى ليؤيد هذا الدين بأقوام لا خلاق لهم في الآخرة)).
وهذا الحديث الذي أشار إليه السرخسي أخرجه الطبراني عن عبد الله بن عمرو بن
العاص ﴿يَا، ولفظه: ((برجال ما هم من أهله)) وهو حديث إسناده ضعيف، كما ذكره العزيزي في
السراج المنير (١: ٣٦٧)، ولكن له شاهد صحيح من حديث أبي هريرة في قصة من قتل نفسه
بخيبر أن النبيّ وَّ قال: ((إنّ الله ليؤيّد هذا الدين بالرجل الفاجر)) أخرجه البخاري في الجهاد
والمغازي ومسلم في الإيمان.
والذي يتلخص من مجموع الروايات أن الأمر في الاستعانة بالمشركين موكول إلى مصلحة
الإسلام والمسلمين، فإن كان يؤمن عليهم من الفساد، وكان في الاستعانة بهم مصلحة، فلا
بأس بذلك إن شاء الله تعالى إذا كان حكم الإسلام هو الظاهر، ويكون الكفار تبعا للمسلمين،
وإن كان للمسلمين عنهم غنى، أو كانوا هم القادة والمسلمون تبعا لهم، أو يخاف منهم الفساد،
فلا يجوز الاستعانة بهم.

٢٢٣
كتاب: الجهاد والسّير
فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ وَّهِ كَمَا قَالَ أَوَّلَ مَرَّةٍ. قَالَ: ((فَارْجِعْ فَلَنْ أَسْتَعِينَ بِمُشْرِكٍ)). قَالَ: ثُمَّ رَجَعَ
فَأَدْرَكَهُ بِالْبَيْدَاءِ. فَقَالَ لَهُ كَمَا قَالَ أَوَّلَ مَرَّةٍ: ((تُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ؟)) قَالَ: نَعَمْ. فَقَالَ لَهُ
رَسُولُ اللَّهِ وَهِ: (فَانْطَلِقْ)) .
وأمّا حديث الباب، فقد اعتذر عنه من قال بالجواز بأن غزوة بدر كانت أول غزوة غزاها
رسول الله وَلجر، وكانت هي الفرقان بين الحق والباطل، فكره رسول الله وَ طهو أن يستعين فيها
بمشرك، وأراد أن تقع هذه الغزوة الأولى بأيدي المسلمين خالصة لهم. وذكر الحافظ في الفتح
(٦: ١٨٠) عن بعض العلماء أن النبيّ وَلهو تفرس في الذي قال له: ((لن أستعين بمشرك)) الرغبة
في الإسلام فردّه رجاء أن يسلم، فصدق ظنه. والله سبحانه أعلم.
قد انتهى شرح كتاب الجهاد بتوفيق الله تعالى ظهيرة يوم الأحد السابع عشر من شهر صفر
الخير، (سنة: ١٤٠٨) من الهجرة النبوية على صاحبها الصلاة والسلام الموافق للحادي عشر من
شهر أكتوبر (سنة: ١٩٨٧م). وأسأل الله الكريم أن يوفقني لإتمام شرح بقية الأبواب كما يحبه
ويرضاه. إنه تعالى سميع قريب مجيب لمن دعاه. وصلى الله تعالى على نبيه الذي اصطفاه،
وعلى آله وأصحابه وكل من والاه.

٢٢٤
الجزء الثالث من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمَةِ
كتاب الإمارة
كتاب الإمارة
الإمارة بكسر الهمزة، وقيل: بفتحها، والأول أفصح، وأنكر اللغويّون فتح الهمزة،
وقالوا: هو لا يعرف، كذا في تاج العروس (٣: ١٨).
من هنا يبتدىء المصنف كثّفُ في سرد الأحاديث التي تتعلق بالسياسة الإسلاميّة. وبما أن
السّياسة الشّرعيّة من أهمّ أبواب الدين، فيحسُن بنا أن نتحدث بإيجاز عن مبادئها الأساسيّة قبل
أن نشرع في شرح أحاديث الكتاب، والله سبحانه هو الموفق للصواب.
١ - مكانة السّياسة في الدين:
قد اشتهر عن النّصارى أنهم يفرّقون بين الدين والسياسة بقولهم المعروف: ((دع ما لقيصر
لقيصر، وما لِلّه لِلّه))، فكأنّ الدّين لا علاقة له بالسياسة، والسّياسة لا ربط لها بالدين، وإن هذه
النظريّة الباطلة قد تدرجت إلى أبشع صورها في العصور الأخيرة باسم ((العلمانيّة)) أو
(سيكولرإزم)) التي أخرجت الدين من سائر شؤون الحياة حتى قضت عليه بتاتاً.
وإن هذه النظرية في الحقيقة نوع من أنواع الإشراك بالله، من حيث أنها لا تعترف للدّين
بسلطة في الحياة المادية، وإنّما تقصر سلطة الدين على رسوم وعبادات يمارسها المرء في خلوته
أو في معبده، فكأنّ الإله ليس إلهاً إلاّ في العبادات والرسوم، وأمّا الأمور الدنيويّة، فلها إله
آخر، والعياذ بالله.
ولذلك لم يزل المسلمون الراسخون يردّون على هذه النظريّة الزائغة في كل زمان ومكان،
لأنّه لا مجال لها في الإسلام الّذي يؤمن بعقيدة التوحيد في أصحّ تعبيراتها وأكمل صورها،
والذي قرّر الأحكام الإلهية في جميع شؤون الحياة بما فيها السّياسة والاقتصاد. فكان من واجب
أهل العلم المسلمين أن يرفضوا هذه النظريّة ويردّوا عليها ردّاً علمياً ناجعاً. وقد قاموا بهذا
الواجب والحمد لله.
ولكن بعض المسلمين الّذين قاموا بالرّدّ على العلمانيّة في عصرنا، قد أفرطوا في ذلك

٢٢٥
كتاب: الإمارة
حتّى وقعوا في غلطة دقيقة قد قلبت الموضوع، وسبّبت أخطاء كثيرة في هذا المجال. وهي أنّهم
جعلوا ((السّياسة)) و((إقامة الحكومة الإسلاميّة)) هي المقصد الأصليّ والهدف الأقصى لجميع
أحكام الدين، فكأنّ أحكام العبادات وغيرها لا ترمي إلاّ إلى هدف واحد، وهو تأسيس حكومة
إسلاميّة، وكأنّ العبادات والديانات كلّها وسائل لتحصيل هذا المقصد الأصيل، حتى أنّهم قلّلوا
من أهمّيّة العبادات، فجعلوها تدريباً للغاية الأصلية (وهي تأسيس الحكومة الإلهيّة) وتمريناً
عليها .
وقد نشأت من هذا التفكير مفسدتان خطيرتان:
الأولى: أن العبادات لما أصبحت وسائل لتأسيس الحكومة الإلهيّة، فإنّها لم تعد مقصودة
في نفسها، وإنّما يقصد بها التدرج إلى الغاية الأصلية، فلو اقتضت الظروف أن يضحّى بهذه
الوسائل باختيار وسائل أخرى لذلك المقصد المرموق، فإن من نتائج هذا التفكير أن لا يكون
هناك مانع في التضحية بها، لكونها غير مقصودة.
والثانية: أن الوسائل لا تكون علاقة المرء معها إلا علاقة عادية متحدة في نطاق الضرورة،
ومن الطبيعي أن يراها مرحلة انتقالية مؤقتة، دون أن يراها غاية حياته، ومرمى جهده، ودون أن
يتقدم إليها ويتفوق فيها بعواطف التذوق والالتذاذ والاطمئنان إليه. وبعبارة فضيلة العلامة الداعية
الكبير مولانا الشيخ السيد أبي الحسن علي الندوي حفظه الله تعالى (في ردّه على بعض كتابات
الأستاذ المرحوم السيد أبي الأعلى المودودي):
((إن الذين يستقون معلوماتهم الدينية من نبع هذا التفسير للإسلام وحده، وتقتصر دراستهم
للإسلام على هذه الكتابات وحدها، ستعود علاقتهم مع الله ضيّقة محدودة جافة، جامدة رسمية.
فارغة من الكيفيات الداخلية، التي مطلوب من المؤمن أن يتكيف بها. ولا سيما إذا جاء الضغط
مراراً وتكراراً على أن الهدف الجذريّ من بعثة الأنبياء، وأن غاية تعاليمهم ومنتهى أعمالهم، هو
إحداث التغيير في هذه الحياة الدنيا المحدودة، والقيام بالانقلاب الصالح، وتأسيس الحضارة
البشرية على الأسس الصحيحة، وإذا جاء التركيز على هذه الناحية بشدة وحِدّة، وحماس وقوة،
وبأسلوب يجعل تصورات الحب الإلهي، والرضا الربّاني، والفلاح الأخروي تتضاءل، فمن
الطبيعي ومما يتفق والعقل والمنطق والقياس، أن يحيد ركب السّعي والعمل عن جادّة الإيمان
بالغيب، والحنين إلى الآخرة، وطلب رضا الله، والتفاني في حبّه، تلك الجادّة التي وضعه عليها
الأنبياء *، إلى درب طلب الحكم والعز والغلبة والوصول إلى الحكم، وبالتالي إلى المادية
المجرة)) (التفسير السّياسيّ للإسلام ص: ١٠٧، طبع ندوة العلماء لكهنو ١٣٩٩هـ).
وبالجملة، فإن هؤلاء الكُتّاب من خلال حماسهم في الرّدّ على العلمانية، وتركيزهم على

٢٢٦
الجزء الثالث من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
الناحية السياسية من الشريعة جعلوا الإسلام كلّه ديناً سياسيّاً، بدل أن يجعلوا السّياسة ديناً.
والحق أن السّياسة شعبة من شعب الدين، كما أن التجارة والاقتصاد شعبة منها، وإن
أحكام الدين متعلقة بالسّياسة، كما أنها تتعلق بالتجارة، ولكن ليس شيء من السّياسة والتجارة
هدفاً جزريّاً لدعوة الإسلام، ولا مقصوداً أصلياً من وراء أحكامه وتعاليمه. فكما أن تعلق أحكام
الشرع بالتجارة لا يستلزم أن تكون التجارة هي المقصودة من الدين، فكذلك أحكام الشرع
المتعلقة بالسّياسة لا تعني أن تُجعل السّياسة مقصداً أصليّاً للإسلام.
وقد نبّه حكيم الأمّة الشيخ أشرف علي التهانوي تغذُ تعالى على هذه النقطة في عبارة
موجزة متينة كلّها لبّ، فلنحكها هنا مترجمة من الأردية إلى العربية. يقول تتّثُ تعالى:
((قال الله سبحانه وتعالى: ﴿اَلَِّنَ إِن تمكَّتَهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُواْ الصَّلَوةَ وَءَاتَوْ الزَّكَوَةَ وَأَمَرُواْ
بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْاْ عَنِ الْمُنكَرِّ وَلِلَّهِ عَقِبَةُ الْأُمُورِ ﴾﴾ [سورة الحج، آية: ٤١]. وضح بهذه الآية أن
المقصودة بالذات هي الديانات، وإن شيئاً من السّياسة والجهاد ليس مقصوداً أصلياً، إنما هو
وسيلة لإقامة الديانة، ولهذا السّبب قد أعطيت الديانات وأحكام الديانة لكل واحد من
الأنبياء للَّلا دون استثناء أحد، ولم تعط السّياسة والجهاد لجميعهم، وإنّما أعطي الجهاد
والسّياسة لبعضهم حيث دعت الحاجة والمصلحة، وإن ذلك شأن الوسائل، فإنها لا تعطى إلاّ
لضرورة.
ويمكن أن تنشأ هنا شبهة في بعض الأذهان، وهي أن آية أخرى من القرآن الكريم تدل
على خلاف ذلك، من أن الديانات وسيلة، والتمكين في الأرض بالسياسة هو المقصود. وهي
قوله تعالى: ﴿وَعَدَ اَللَّهُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ مِنْكُمْ وَعَِلُواْ الصَِّحَتِ لَيَسْتَخْلِفَهُمْ فِ اْأَرْضِ كَمَا أُسْتَخْلَفَ الَّذِينَ
مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِيْنَهُمُ الَّذِ أَرْتَضَى لَهُمْ﴾ [سورة النور، آية: ٥٥] فإن هذه الآية جعلت الإيمان
والعمل الصّالح شرطاً للتمكين في الأرض بما يظهر منه كون التمكين والسّياسة مقصوداً.
فالجواب أن الله سبحانه قد وعد في هذه الآية بالتمكين والشوكة، ورتّبهما على الإيمان
والعمل الصالح من حيث أن التمكين خاصّة لهما، فصارت السّياسة والقوة موعودة على الإيمان
والعمل الصالح، ولا يستلزم من كونها موعودة أن تكون مقصودة، وإلاّ فإنّ الله تعالى قال في
موضع آخر: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوْ التَّوْرَةَ وَالْإِنِيلَ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْهِم مِّن رَّيِّهِمْ لَأَكَلُواْ مِن فَوْقِهِمْ وَمِن تَحْتِ
أَرْجُلِهِمْ﴾ [سورة المائدة، آية: ٦٦]، فوعد بالتوسعة في الرزق على إقامة التوراة والإنجيل والقرآن،
أفهل يستطيع أحد أن يقول: إن الوسعة في الرزق هي المقصودة من الدين؟ كلاّ! بل هي
موعودة، فثبت أن الموعود لا يجب أن يكون مقصوداً.
فكذلك في آية التمكين جعل التمكين موعوداً على الإيمان والعمل الصالح، فيترتب عليهما

٢٢٧
كتاب: الإمارة
بحكم كونه خاصة لهما، وليس ذلك مقصوداً من الدين ولا غاية له. فاتضح بهذا أن السّياسة
وسيلة من الوسائل، والمقصود هو الديانة. وليس معنى ذلك أن السّياسة ليست مطلوبة إطلاقاً،
وإنما أردت بهذا تعيين مكانة السياسة في الدين، بأنها ليست مقصودة، بخلاف الديانة فإنها
مقصودة بذاتها)) (أشرف السوانح ٤: ٢٨ و ٢٩ طبع ملتان).
٢ - نظام الحكم في الإسلام:
الذي يتبيّن من دراسة أحكام السّياسة الشّرعيّة، وما ورد في القرآن والسنّة في هذا
المجال. أن الإسلام لم يحدّد شكلاً خاصّاً للحكومة (Form of Govurmmeent) (بالمعنى
الاصطلاحيّ المعاصر لهذه الكلمة) ولا عيّن لها منهجاً خاصّاً بجميع تفاصيله الجزئية، وإنّما
شرع لنا أصولاً، ومبادىء،، وأحكاماً عامّة لا بدّ من رعايتها والمحافظة عليها في كلّ زمان
ومكان، وأما التفاصيل الجزئية لنظم الحكومة، فقد أتيح للأمة الإسلامية أن تختار منها ما يلائم
ظروفها في كل عصر ومصر، بشرط أن تكون تابعة في كل ذلك للأصول والمبادىء والأحكام
التي شرعها الإسلام في نصوص القرآن والسنّة، وفي سنة الخلفاء الراشدين المهديّين.
فنظام الحكم في الإسلام تابع لهذه المبادىء والأحكام، دون أن يكون تابعاً لشكل
مخصوص، أو منهج معيّن. ونريد هنا أن نلخّص تلك المبادىء والأحكام الأساسيّة. والله
سبحانه هو الموفق.
١ - إن الحكم إلاّ لله:
إن المبدأ الأوّل من مبادىء الأحكام السياسيّة للإسلام هو أن الحكم الحقيقي في هذا
الكون إنّما هو الله سبحانه وتعالى وهو أحكام الحاكين. وبناء على هذا الأساس، فلا يجوز
إصدار قانون يصادم أحكام الله سبحانه وتعالى المشروحة في القرآن الكريم والسنة النبوية
المطهرة، ولا إصدار حكم أو أمر إلا بما يوافق شرع الله الذي شرع لعباده.
وإن هذا المبدأ هو الذي يميّز النظام السياسيّ الإسلاميّ من كل من الديموقراطية
والدكتاتورية، فإن الديموقراطيّة تفوّض الحكم إلى الشّعب دون أيّ قيد، والدكتاتوريّة تفوّضه إلى
الحاكم الذي لا يخضع في أفعاله إلى سلطة أخرى.
وبالعكس من ذلك، فإنّ سلطة الحاكم في الإسلام مقيّدة باتّباعه للقرآن والسنّة، إلى حد
أنّه لا يجب طاعته على الشّعب إذا أمر بمعصية.
٢ - نصب الإمام مفوض إلى اختيار أهل الحل والعقد:
إن نصب الخليفة أو الإمام يكون في الإسلام من قبل أهل الحلّ والعقد، فليست الخلافة

٢٢٨
الجزء الثالث من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
وراثة كما في الإمبراطورية، ولا مبنيّة على أساس القوة العسكريّة، كما في الدكتاتورية الفاشيّة،
ولاً مفوّضة إلى رأي الجهّال والحمقى، كما في الديمقراطية الحديثة، وإنّما هي مفوضة إلى أهل
العلم والخبرة والتجربة الذين لهم عقل ورأي في الأمور الاجتماعيّة. وقال سيدنا عمر بن
الخطّاب ربه: ((من بايع رجلاً عن غير مشورة من المسلمين فلا يبايع هو ولا الذي بايعه تغرّة
أن يقتلا)) أخرجه البخاري في باب رجم الحبلى من الزنا، وقال ر ◌ُه: ((إني قد عرفت أن أناساً
يقولون: إن خلافة أبي بكر فلتة، وإنما كانت فلتة، ولكن الله وقى شرها، إنه لا خلافة إلا عن
مشورة)) أخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه (١٤ : ٥٦٣) كتاب المغازي، باب ما جاء في خلافة أبي
بكر.
٣ - يجب أن يكون الحاكم عدلاً:
وإن المبدأ الثاني من هذه المبادىء أن الحاكم الذي يتأمر على النّاس بصفة كونه خليفة،
يجب أن تتوفّر فيه أوصاف مؤهلة لذلك، وهي على ما ذكره الماورديّ سبعة:
(«أحدها: العدالة على شروطها الجامعة، والثاني: العلم المؤدي إلى الاجتهاد في النوازل
والأحكام. والثالث: سلامة الحواسّ من السمع والبصر واللسان، ليصح معها مباشرة ما يدرك
بها. والرابع: سلامة الأعضاء من نقص يمنع عن استيفاء الحركة وسرعة النهوض. والخامس:
الرأي المفضي إلى سياسة الرعيّة وتدبير المصالح. والسادس: الشجاعة والنجدة المؤدية إلى
حماية البيضة وجهاد العدو. والسّابع: النّسب، وهو أن يكون من قريش)) (١) (الأحكام السلطانية
ص: ٦).
إن معظم الجمهوريات اليوم لا تشترط لرئيس وزرائها أو لرئيس دولتها أن توجد فيه
أوصاف منضبطة من العلم والعدالة، فلا مانع في هذا النظام من انتخاب الجهّال والفسّاق الدعرة
كرؤساء دولة. وأما في الإسلام، فيجب على أهل الحلّ والعقد أن ينتخبوا من تتوفر فيه هذه
الشروط .
٤ - الحكم مسؤوليّة وليس حقّاً:
ومن المبادىء الأساسيّة للسياسة الشرعيّة أن الحكم والإمرة مسؤولية، وليست حقّاً يطلب
الرجل من ورائه منافعه الدنيويّة. إنّما هي أمانة خطيرة بيد الحاكم، وعهدة كبيرة في عنقه، وإلى ذلك
أشار الله سبحانه وتعالى بقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّواْ الْأَمَنَتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ [سورة النساء، آية: ٥٨].
وقال رسول الله وَ ﴿ لأبي ذرّ ◌َظُله: ((يا أبا ذرّ! إنّك ضعيف، وإنّها أمانة، وإنّها يوم القيامة
(١) سيأتي الكلام على هذا الشرط مستوفى تحت أول حديث من هذا الباب، إن شاء الله تعالى.

٢٢٩
كتاب: الإمارة
خزي وندامة إلاّ من أخذها بحقّها، وأدّى الذي عليه فيها)) وسيأتي عند مسلم في باب كراهة
الإمارة لغير ضرورة.
٥ - لا يفوّض الحكم إلى من يطلبه بنفسه:
وعلى هذا الأساس قررت الشريعة الإسلاميّة أن لا يفوّض الحكم إلى من يطلبه بنفسه، لما
سيأتي عند المصنف تقّهُ من حديث عبد الرحمن بن سمرة، قال: قال لي رسول الله وَّه:
((يا عبد الرحمن! لا تسأل الإمارة، فإنّك إن أعطيتها عن مسألة وُكلت إليها، وإن أعطيتها عن
غير مسألة أعنت عليها))، وقد أخرج مسلم أيضاً عن أبي موسى رعظاته، قال: دخلت على
النبيّ أنا ورجلان من بني عمّي، فقال أحد الرجلين: يا رسول الله وَ له! أمِّرنا على بعض ما
ولاك الله عزّ وجلّ، وقال الآخر مثل ذلك، فقال: ((إنّا والله لا نولّي على هذا العمل أحداً سأله،
ولا أحداً حرص عليه)).
٦ - الشّورى ووجوب المشاورة:
يجب على الإمام أن يشاور أهل الحلّ والعقد في مهمّات الأمور التي لا نصّ فيها، وإن
هذه المشاورة واجبة عليه بحكم قوله تعالى: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمَِّ﴾ [سورة آل عمران، آية: ١٥٩] حتى
ذكر الفقهاء أنه لو ترك المشاورة استحق العزل. قال ابن عطية: ((إن الشورى من قواعد الشريعة
وعزائم الأحكام، ومن لا يستشير أهل العلم والدين فعزله واجب، هذا ما لا خلاف له)) نقله أبو
حيّان تَذُ في البحر المحيط (٣: ٩٩).
ثمّ إن اختلفت آراء أهل الشورى من رأي الإمام، هل يعمل الإمام برأي نفسه، أو برأي
أهل الشورى؟ فالجمهور من العلماء المتقدمين على أن الإمام بعد الاطلاع على آراء أهل
الشورى، يعمل بما ينتهي إليه نظره، وإن كان ذلك مخالفاً لرأي أهل الشورى. وليست المشاورة
عندهم إلاّ لتنكشف على الإمام جميع جهات المسألة بالمناقشة وتبادل الآراء، فربّما تخفى على
الرجل أنحاء تظهر للآخر، فإذا أدلى كلّ أحد برأيه، اتضحت جميع النواحي، وتيسّر للإمام أن
يصل إلى القول الفصل في ذلك. وليس معنى هذه المشاورة عندهم إن يكون الإمام تابعاً لرأي
أهل الشورى .
واستدلّوا في ذلك بقوله تعالى: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَنَّ فَإِذَا عَبْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اَللَّهِ﴾ [سورة آل عمران،
آية: ١٥٩] فإنّه يدلّ على أنّ العزم بعد المشاورة عزم الإمام، ولو كان يجب عليه اتباع أهل
الشورى لقيل: «فإذا عَزَمْتُمْ)) فلمّا فوّض العزم إلى الإمام تبيّن أن حقّ الفصل بعد المشاورة يرجع
إلى الإمام.
وَذهب بعض العلماء والكتّاب المعاصرين إلى أن الإمام يجب عليه اتّباع ما ينتهي إليه أهل

٢٣٠
الجزء الثالث من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
الشورى باتفاقهم أو بأغلبيّة آرائهم. واستدلوا على ذلك بما أخرجه ابن مردويه عن عليّ بن أبي
طالب رضُه، قال: ((سُئل رسول الله وَّل عن العزم، قال: مشاورة أهل الرأي، ثم اتباعهم)) حكاه
ابن كثير في تفسيره (١ : ٤٢٠).
وأجاب هؤلاء عن الاستدلال بالآية أن العزم المذكور بعد المشاورة يمكن أن يكون باتباع
أهل الشورى، كما يمكن أن يكون برأي الإمام نفسه، فلا مانع في الآية من أن يكون الإمام
ملزماً بأخذ رأي أهل الشورى.
قال العبد الضعيف عفا الله عنه: الّذي يظهر من تتبع سيرة الرسول الكريم يسلر والخلفاء
الراشدين ﴿ه في أمر الشّورى، أنّهم لم يجعلوا الإمام مُلزماً بالأخذ بقول أهل الشورى، وإنّما
يجب عليه الاستشارة لتتّضح عليه جميع الآراء بدلائلها، ثم الحقّ له في اختيار بعضها وترك
بعضها على أساس قوة الدليل، لا على أساس الأغلبيّة، وبهذا جرى العمل في عهد الخلفاء
الراشدين، ومن هنا عمل أبو بكر الصديق ظله برأيه عند تجهيز جيش أسامة، وقتال مانعي
الزماة، مع أن أغلبية الآراء كانت بخلاف ما رآه.
والسّ في ذلك أن الأمير إذا كان مستجمعاً لشروط الإمامة، فإنّه مؤيّد بنصر الله تعالى في
ترجيح بعض الآراء على بعض، ولا بدّ عند اختلاف وجهات النظر من مرجع يرجع إليه في قطع
النزاع، وهو الإمام المستجمع لهذه الأوصاف والمؤيد بنصر الله. وهذا كما أن الأسرة إنما تنتظم
إذا فوّضت أمورها إلى من يرأسها، ولو فوّض أمر الأسرة إلى أغلبيّة أعضائها، لضاعت
المصالح، ولأصبح الأمر فوضى، فكذلك الدولة أسرة واسعة يرأسها الأمير، فمن الطبيعيّ أن
يكون الأمر له في اختيار الصواب، وترجيح بعض الآراء على بعض.
ولكن هذا إنما يتأتى في أمير يستجمع شروط الإمامة، ويؤمن منه الخيانة وضعف الرأي.
فأمّا إذا لم يتيسّر مثل هذا الإمام كما في زماننا، فهل يجوز أن يلزمه الدستور في بعض الأمور
المهمة باتباع رأي أهل الشورى والأخذ بما تذهب إليه أغلبيّة أهل الشورى؟ لم أره صريحاً في
كلام العلماء المتقدمين، ولكن يبدو أنه لا مانع من جواز ذلك في مثل هذه الظروف التي لا
يوجد فيها من يؤمن عليه في مثل هذه الأمور، وذلك لأن الآية القرآنية غير صريحة في الأخذ
بقول الإمام على الإطلاق، سواء كان متصفاً بالعقل والديانة أو لا، والأدلّة في الأخذ بقول أهل
الشورى متعارضة، فإنّ حديث علي ﴿به عند ابن مردويه، إن كان صحيحاً أو حسناً، فإنه يدلّ
على وجوب اتباع أهل الشورى، وسيرة النبيّ الكريم 18 والخلفاء الراشدين تدلّ على وجوب
الأخذ بقول الإمام. فيمكن أن يحمل اختلاف هذه الأدلّة على اختلاف الأحوال، فإن تيسّر إمام
مأمون على دينه وخلقه وعلمه وعقله، فوّض إليه الأمر النهائيّ، وإن خيف عليه الخيانة، ألزم
بقول أهل الشّوری.

٢٣١
كتاب: الإمارة
(١) - باب: الناس تبع لقريش والخلافة في قريش
٤٦٧٨ - (١) حدّثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ بْنِ قَعْنَبٍ وَقُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ. قَالاَ: حَدَّثَنَا
الْمُغِيرَةُ (يَعْنِيَانِ الْحِزَامِيَّ). ح وَحَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ وَعَمْرٌو النَّاقِدُ. قَالاَ: حَدَّثَنَا
سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ. كِلاَهُمَا عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ. قَالَ: قَالَ
رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ. وَفِي حَدِيثِ زُهَيْرٍ: يَبْلُغُ بِهِ النَّبِيَّ ◌ََّ. وَقَالَ عَمْرٌو: رِوَايَةٌ: ((النَّاسُ تَبَعٌ
لِقُرَيْشٍ فِي هُذَا الشَّأْنِ. مُسْلِمُهُمْ لِمُسْلِمِهِمْ وَكَافِرُهُمْ لِكَافِهِمْ)).
(١) - باب: الناس تبع لقريش، والخلافة في قريش
١ - (١٨١٨) - قوله: (عن أبي هريرة) هذا الحديث أخرجه البخاري في أوائل كتاب
المناقب، (رقم: ٣٤٩٥)، وأخرجه أيضاً أحمد في مسنده (٢: ٢٤٣ و٢٦١ و٣٩٥ و٤٣٣).
قوله: (النّاس تبع لقريش في هذا الشّأن) به استدل العلماء على اشتراط القرشية للإمام،
حتى ادعى بعضهم الإجماع على ذلك، فقال النووي تَّفْهُ: ((هذه الأحاديث وأشباهها دليل ظاهر
أن الخلافة مختصة بقريش لا يجوز عقدها لأحد من غيرهم، وعلى هذا انعقد الإجماع في زمن
الصحابة، فكذلك بعدهم من خالف فيه من أهل البدع، أو عرض بخلاف من غيرهم فهو
محجوج بإجماع الصحابة والتابعين فمن بعدهم بالأحاديث الصحيحة)).
قال العبد الضعيف عفا الله عنه: في حكاية الإجماع على هذه المسألة نظر، فإنه قد روي
عن عدة من علماء المسلمين خلاف في هذا، وقد عدّ علماء أصول الفقه والكلام هذا الشرط من
الشروط المختلف فيها، وإليكم بعض ما نقل من الخلاف في ذلك:
١ - قال الحافظ في الفتح (١٣: ١١٩): ((ويحتاج من نقل الإجماع إلى تأويل ما جاء عن
عمر من ذلك. فقد أخرج أحمد عن عمر بسند رجاله ثقات أنه قال: ((إن أدركني أجلي وأبو
عبيدة حيّ استخلفته))، فذكر الحديث، وفيه: ((فإن أدركني أجلي وقد مات أبو عبيدة استخلفت
معاذ بن جبل)) الحديث، ومعاذ بن جبل أنصاري لا نسب له في قريش)) وهذا دليل قويّ جدّاً على
أن عمر رُه كان لا يرى اشتراط القرشية للخلافة. وأما ما أتبعه الحافظ من قوله: ((فيحتمل أن
يقال: لعل الإجماع انعقد بعد عمر على اشتراط أن يكون الخليفة قرشياً أو تغير اجتهاد عمر)).
فهو كما ترى.
٢ - قد حكى جميع العلماء قول ضرار بن عمر الغطفاني(١): ((لا فرق بين ما إذا كان
قرشيّاً، أو عبداً حبشيّاً، ولا مزية ولا فضيلة لأحدهما على الآخر)) كما في شرح الأشباه والنظائر
(١) كان من أصحاب واصل بن عطاء، ثم اعتزل عنه حتى صار قائداً لفرقة مستقلة تسمّى ضرارة، وراجع
لأحوالها الملل والنحل للشهرستاني ١٢٠/١ و١٢١.

٢٣٢
الجزء الثالث من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
٤٦٧٩ - (٢) وحدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِع. حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ. حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ
للحموي (٢: ٢٦٧) وما قال فيه بعض العلماء من أنه «لم يعرج المسلمون على هذا القول بعد
ثبوت حديث ((الأئمة من قريش)) وعمل المسلمون به قرناً بعد قرن، وانعقد الإجماع على اعتبار
ذلك قبل أن يقع الاختلاف)) فقد تعصّبه الحافظ بقوله: ((قلت: قد عمل بقول ضرار من قبل أن
يوجد، من قام بالخلافة من الخوارج على بني أمية كقطريّ ... ، وكذا تسمى بأمير المؤمنين من
غير الخوارج ممن قام على الحجّاج كابن الأشعث، ثم تسمى بالخلافة من قام في قطر من
الأقطار في وقت مّا، فتسمى بالخلافة وليس من قريش، كبني عباد وغيرهم بالأندلس، كعبد
المؤمن وذريته ببلاد المغرب كلها، وهؤلاء ضاهوا الخوارج في هذا، ولم يقولوا بأقوالهم ولا
تمذهبوا بآرائهم، بل كانوا من أهل السنة داعين إليها)) وراجع فتح الباري، كتاب الأحكام
(١٣: ١١٨ و١١٩).
٣ - قال شيخ مشايخنا الأنور كثُّ: ((نعم في مواهب الرحمن أنها (أي: القرشية) ليست
بشرط عند إمامنا (يعني: أبا حنيفة كَُّ) ثم لا أدري أنه رواية عنه، أو ماذا؟)) وراجع فيض
الباري (٤: ٤٩٨) ولئن صح هذا لظهر أن عدم الاشتراط رواية عن أبي حنيفة.
٤ - نقل ابن خلدون في المقدمة (ص: ١٦٩، فصل ٢٦) أن من القائلين بنفي اشتراط
القرشية القاضي أبو بكر الباقلاني تقُّ تعالى. ولكني رأيت في كتابه ((تمهيد الأوائل)) ص: ٤٧١
إلى ٤٧٣) أنه انتصر للقول باشتراط القرشية.
٥ - قال إمام الحرمين الجويني كثّفُ في كتابه الإرشاد: ((ومن شرائط الإمامة عند أصحابنا
(أي: الشافعية) أن يكون الإمام قرشيّاً، إذ قال رسول الله وَالر: ((الأئمة من قريش))، وقال:
(قدموا قريشاً، ولا تقدموها))، وهذا مما يختلف فيه بعض الناس، وللاحتمال فيه عندي مجال))
راجع كتاب الإرشاد في أصول الاعتقاد للجويني (ص: ٤٢٧).
وكذلك يظهر توقف إمام الحرمين كثَّلُ في هذه المسألة من عبارته في كتابه ((غياث الأمم
في التياث الظّلم)) (ص: ٨٢ المطبوع بدولة قطر) حيث يقول: ((والسّبب فيه (أي في اشتراط
القرشية) أن العلم يدّعيه كل شاد مستطرف، فإذا انضمّت أبّهة الملك إلى قليل من العلم، لم
يستطع أحد نسبة الملك إلى العروّ عن العلم، والنسب مما لا يمكن ادّعاؤه فلم يدّع لذلك
الإمامة من ليس نسيباً، فهذا وجه في إثبات اشتراط النسب، ولسنا نعقل احتياج الإمامة في
وضعها إلى النّسب، ولكن خصص الله هذا المنصب العليّ، والمرقب السنيّ بأهل بيت النبيّ،
فكان ذلك من فضل الله يؤتيه من يشاء)».
٦ - قد نقل بعض المعاصرين عن شيخ الإسلام ابن تيمية كنتُ تعالى أنه قائل بعدم اشتراط
القرشية للخليفة، (راجع تعليق الدكتور عبد العظيم الديب على غياث الأمم للجويني ص: ٨٢)
ولكنني ما وجدته في مظانّه من فتاوى ابن تيمية، - والله أعلم - .

٢٣٣
كتاب: الإمارة
هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهِ. قَالَ: هُذَا مَا حَدَّثَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ وَلِهِ. فَذَكَرَ أَحَادِيثَ مِنْهَا:
٧ - قال العلامة عبد القاهر البغدادي في كتابه ((أصول الدين)) (ص: ٢٧٥): ((وزعم
الكعبيّ أن القرشيّ أولى بها من الذي يصلح لها من غير قريش، فإن خافوا الفتنة جاز عقدها
لغيره)) فكأنّ القرشيّة ليست شرطاً واجباً عند الكعبيّ، وإنما هو شرط الأولوية.
ولكنّ العلامة البغدادي لم يعرّف الكعبيّ هذا، ولعلّه أبو القاسم الكعبيّ من رؤساء
المعتزلة، الذي تنتمي إليه الفرقة الكعبيّة، فإن كان هو المراد فلا يقدح قوله في الإجماع، لفساد
عقائده، حتى كفّره بعض العلماء، كما في الأنساب للسمعاني (١١: ١٢٣).
٨ - قد تحدث العلامة ابن خلدون في مقدمته عن هذا الشرط بكلام طويل، وذهب إلى أن
اشتراط القرشية للخليفة حكم معلول بعلّة، وهي العصبيّة الغالبة: فقال في الفصل السادس
والعشرين من مقدمته (ص: ١٧٠): ((فإذا ثبت أن اشتراط القرشيّة إنما هو لدفع التنازع بما كان
لهم من العصبية والغلب، وعلمنا أن الشارع لا يخص الأحكام بجيل ولا عصر ولا أمة، علمنا
أن ذلك إنما هو من الكفاية، فرددناه إليها، وطردنا العلة المشتملة على المقصود من القرشية،
وهي وجود العصبية، فاشترطنا في القائم بأمور المسلمين أن يكن من قوم أولي عصبية قوية غالبة
على من معها لعصرها ليستتبعوا من سواهم، وتجتمع الكلمة على حسن الحماية)).
٩ - قال الأبي: ((قال الآمديّ: أما الشروط المختلف فيها فهي ستة: الأولى: القرشية
وفيها ما تقدم، قال الآمديّ ونحوه للإمام، لولا الإجماع لكان هذا الشرط مجالاً للنظر
والاجتهاد، لأن الأحاديث أخبار آحاد لا تفيد اليقين مع قبولها التأويل)).
وأما حديث الباب وحديث ((الأئمة من قريش)) فحمله الذين لم يشترطوا القرشية على أنه
خبر، وليس اشتراطاً لعقد الخلافة، كما في قوله ظلّلا: ((لا يزال هذا الأمر في قريش ما بقي
منهم اثنان)) أخرجه المصنف كما سيأتي، والبخاري في الأحكام عن ابن عمر ﴿ها، وما سيأتي
في حديث جابر بن سمرة: ((لا يزال الدين قائماً حتى تقوم السّاعة أو يكون عليكم اثنا عشر
خليفة كلهم من قريش)) وكما في حديث أبي موسى ربه: ((إن هذا الأمر في قريش ما إذا
استرحموا رحموا، وإذا حكموا عدلوا، إذا أقسموا أقسطوا، فمن لم يفعل ذلك منهم فعليه
لعنة الله والملائكة والناس أجمعين لا يقبل منه صرف ولا عدل)) رواه أحمد والبزار والطبراني،
ورجال أحمد ثقات، كما في مجمع الزوائد (٥: ١٩٣)، وكما في حديث أبي مسعود الأنصاري
قال: قال رسول الله وَلو لقريش: ((إن هذا الأمر فيكم وأنتم ولاته، حتى تحدثوا أعمالاً، فإذا
فعلتم ذلك سلّط الله عليكم شرار خلقه فالتحوكم كما يلتحي القضيب)) رواه أحمد والطبراني،
ورجال أحمد رجال الصحيح، خلا القاسم بن محمد بن عبد الرحمن بن الحارث، وهو ثقة،
كما في مجمع الزوائد. وكذلك ورد في حديث أنس ◌َُّله مرفوعاً: ((الأئمة من قريش، ما عملوا

٢٣٤
الجزء الثالث من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ: ((النَّاسُ تَبَعٌ لِقُرَيْشٍ فِي هُذَا الشَّأْنِ. مُسْلِمُهُمْ تَبَعٌ لِمُسْلِمِهِمْ.
وَكَافِرُهُمْ تَبَعٌ لِگافِرِهِمْ)).
٤٦٨٠ - (٣) وحدّثني يَحْيَى بْنُ حَبِيبِ الْحَارِثِيُّ حَدَّثَنَا روْحٌ. حَدَّثَنَا ابْنُ جُرَيْج.
حَدَّثَنِي أَبُو الزُّبَيْرِ؛ أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ: قَالَ النَّبِيُّ بَّهِ: ((النَّاسُ تَبَعٌ لِقُرَيْشٍَ
فِي الْخَيْرِ وَالشَّرِّ)».
٤٦٨١ - (٤) وحدّثنا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُونُسَ. حَدَّثَنَا عَاصِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ بْنِ
زَيْدٍ، عَنْ أَبِيهِ. قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَلِ:
بثلاث: إذا استرحموا رحموا، وإذا عاهدوا وفوا، وإذا حكموا عدلوا)) أخرجه البزار في مسنده،
كما في كشف الأستار للهيثمي (٢: ٢٢٨).
وقد استدل هؤلاء بقوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْتَكُم مِّن ذَكَرِ وَأُنثَى وَجَعَلْتَكُمْ شُعُوبًا وَقَبَآِلَ
لِتَعَارَفُواْ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَنْقَكُمْ﴾ [سورة الحجرات، آية: ١٣] فإنه صريح في نفي الأفضلية على
أساس النسب، وبقول. وعلا: ((لا فضل لعربيّ على عجميّ)) واستدلوا أيضاً بما سيأتي عند
المصنف في باب طاعة الأمراء عن أم الحصين ◌ِّنا مرفوعاً: ((إن أمِّر عليكم عبد مجدّع، حسبتها
قالت: أسود، يقودكم بكتاب الله فاسمعوا له وأطيعوا)) لأن ذلك يدل على جواز كون العبد
الحبشيّ أميراً. ولكن هذا الاستدلال ضعيف، لأنه يحتمل أوّلاً أن يكون المراد منه أمير السريّة
دون الخليفة، كما أوّله بذلك النووي وغيره، ويحتمل ثانياً أن يكون العبد المذكور فيه منسوباً
إلى قريش، لكون موالي القوم من أنفسهم، كما أوّله بذلك آخرون، ويمكن ثالثاً أن يكون المراد
منه رجل انعقدت له الخلافة بتغلبه، لا باختيار أهل الحلّ والعقد، والكلام في شرائط الاختيار
دون التغلب.
ثم هذا كلّه إذا وُجد في قريش من هو أهل للخلافة، أمّا إذا لم يوجد فيهم من يستجمع
الأوصاف المطلوبة، فلا خلاف في جواز عقد الخلافة لغير القرشيّ، وكذلك أظنّ فيما إذا ضيّع
الناس أنسابهم بحيث لا يتيقن كون الرجل من قريش أو غيرها، ثم هذه الشروط إنما تُعتبر عند
عقد الخلافة من قبل أهل الحل والعقد، أما إذا تغلّب رجل مسلم وصار إماماً بتغلّبه، فإنه يأخذ
أحكام الإمامة، ولو فقدت فيه هذه الشروط، فتنفذ تصرفاته، ويصح التولية من قبله، فيجوز تقلد
القضاء منه، كما صرح به الفقهاء، وراجع مثلاً شرح الأشباه والنظائر للحموي (٢: ٢٦٧).
٣ - (١٨١٩) - قوله: (سمع جابر بن عبد الله) لم يخرج هذا الحديث من بين الأئمة الستة
إلا المصنف تَثُ تعالى.
٤ - (١٨٢٠) - قوله: (قال عبد الله) يعني ابن عمر، وحديثه هذا أخرجه البخاري في

٢٣٥
كتاب: الإمارة
((لاَ يَزَالُ هُذَا الأَمْرُ فِي قُرَيْشٍ، مَا بَقِيَ مِنَ النَّاسِ اثْنَانٍ)).
٤٦٨٢ - (٥) حدّثنا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ. حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ حُصَيْنٍ، عَنْ جَابِرِ بْنِ
سَمُرَةَ. قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ بَّهِ يَقُولُ. ح وَحَدَّثَنَا رِفَاعَةُ بْنُ الْهَيْئَمِ الْوَاسِطِيُّ (وَاللَّفْظُ لَهُ).
حَدَّثَنَا خَالِدٌ (يَعْنِي ابْنَ عَبْدِ اللَّهِ الطَّخَّانَ) عَنْ حُصَيْنٍ، عَنْ جَابِرٍ بْنِ سَمُرَةَ. قَالَ: دَخَلْتُ
مَعَ أَبِي عَلَى النَّبِيِّ نَّهِ. فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: ((إِنَّ هُذَا الأُمْرَ لاَ يَنْقَضِي حَتَّى يَمْضِيَ فِيهِمُ اثْنَا
عَشَرَ خَلِيفَةً)). قَالَ: ثُمَّ تَكَلَّمَ بِكَلاَمِ خَفِيَ عَلَيَّ. قَالَ: فَقُلْتُ لأَّبِي: مَا قَالَ؟ قَالَ:
المناقب، باب مناقب قريش، (رقم: ١: ٣٥)، وفي الأحكام، باب الأمراء من قريش،
(رقم: ٧١٤٠).
قوله: (لا يزال هذا الأمر في قريش ما بقي من الناس اثنان) استشكله الكرماني بأنه ليست
الحكومة في زماننا لقريش، فكيف يطابق الحديث؟ ثم أجاب عن ذلك بكلام طويل، وقد حكاه
الحافظ في الفتح (٦: ٥٣٦)، وأعقبه بأشياء، ولكن أحسن محامل الحديث عندي ما ذكره الأبّي
في شرحه لصحيح مسلم (٥: ١٦١)، قال: ((قوله ((هذا))، إشارة لقوله في الآخر: ((في الخير
والشر))، لأنهم كانوا في الجاهلية رؤساء العرب وأصحاب حرم الله سبحانه، وكانت الجاهلية
تنتظر إسلامهم، فلما أسلموا وفتحت مكة تبعهم الناس، وجاءت وفود العرب من كل جهة.
وكذلك حكمهم في الإسلام في تقديمهم للخلافة. فنبه وَ الر أنه كما كان كفار الناس تبعا لقريش
في الجاهلية في الخير والشرّ، كذلك يجب أن يتبع مسلمهم لمسلمهم، فيكون المقدم عليهم
وأشعر أن هذا هو الحكم ما بقيت الدنيا وبقي من الناس اثنان، وقد ظهر ما قاله وَ له.
٥ - (١٨٢١) - قوله: (عن جابر بن سمرة) هذا الحديث أخرجه البخاري في الأحكام،
باب الاستخلاف، (رقم: ٧٢٢٢ و ٧٢٢٣)، وأخرجه الترمذي في الفتن، باب ما جاء في
الخلفاء، (رقم: ٢٢٢٣)، وأخرجه أبو داود في كتاب المهدي، (رقم: ٤٢٧٩ و٤٢٨٠)،
وأخرجه أحمد في مسنده (٥: ١٠٧ و ١٠٨).
قوله: (فسمعته يقول) وقد وقع في عدة روايات لمجالد عن الشعبي عند أحمد في مسنده
(٥: ٨٧): ((سمعت رسول الله وَ له.
قوله: (إن هذا الأمر لا ينقضي) يفسّره ما بعده من الروايات بلفظ: ((لا يزال الإسلام
عزيزاً)).
قوله: (اثنا عشر خليفة) سيأتي الكلام على هذا عن قريب إن شاء الله.
قوله: (بكلام خَفِيَ عَلَيَّ) ووقع عند أبي داود من طريق الشعبي عن جابر بن سمرة سبب
خفاء الكلمة المذكورة على جابر، ولفظه: ((لا يزال هذا الدين عزيزاً إلى اثني عشر خليفة، قال:

٢٣٦
الجزء الثالث من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
(كُلُّهُمْ مِنْ قُرَيْشٍ)).
فكبّر الناس وضجّوا، فقال كلمة خفية، فقلت لأبي: يا أبه ما قال؟ إلخ)). وفي رواية مجالد عن
الشعبي عند أحمد: ((وكان أبي أقرب إلى راحلة رسول الله وَ آت)).
قوله: (كلّهم من قريش) وفي رواية إسماعيل بن أبي خالد عن أبيه عند أبي داود: ((كلهم
تجتمع عليه الأمة)) وزاد أبو داود وأحمد من طريق الأسود بن سعيد: ((فلما رجع إلى منزله أتته
قريش، فقالوا: ثم يكون ماذا؟ قال: الهرج)) وأخرج البزار هذه الزيادة من وجه آخر فقال فيها:
((ثم رجع إلى منزله، فأتيته، فقلت: ثم يكون ماذا؟ قال: الهرج)).
وهذا حديث عدّه بعض العلماء من المشكلات، لعدم تعيّن مصداقه، فاختلف في تفسيره
أقوال الشّرّاح، وإليكم خلاصة ما قالوه:
١ - التفسير الذي رجحه الحافظ في الفتح (١٣: ٢١٠) بعد كلام طويل هو ما ذكره بقوله:
((وينتظم من مجموع ما ذكراه (يعني: ابن الجوزي والقاضي عياض) أوجه: أرجحها الثالث من
أوجه القاضي: (وهو أن المراد أن يكون الاثنا عشر في مدة عزّة الخلافة وقوة الإسلام واستقامة
أموره والاجتماع على من يقوم بالخلافة) لتأييده بقوله في بعض طرق الحديث الصحيحة: ((كلهم
يجتمع عليه الناس)). وإيضاح ذلك أن المراد بالاجتماع انقيادهم لبيعته. والذي وقع أن الناس
اجتمعوا على أبي بكر، ثم عمر، ثم عثمان، ثم علي إلى أن وقع أمر الحكمين في صفّين،
فسمي معاوية يومئذ بالخلافة. ثم اجتمع الناس على معاوية عند صلح الحسن، ثم اجتمعوا على
ولده يزيد، ولم ينتظم للحسين أمر بل قتل قبل ذلك. ثم لما مات يزيد وقع الاختلاف إلى أن
اجتمعوا على عبد الملك بن مروان بعد قتل ابن الزبير، ثم اجتمعوا على أولاده الأربعة: الوليد،
ثم سليمان، ثم يزيد، ثم هشام، وتخلل بين سليمان ويزيد عمر بن عبد العزيز، فهؤلاء سبعة بعد
الخلفاء الراشدين، والثاني عشر هو الوليد بن يزيد بن عبد الملك، اجتمع الناس عليه لما مات
عمه هشام، فولي نحو أربع سنين، ثم قاموا عليه فقتلوه، وانتشرت الفتن وتغيرت الأحوال
يومئذ، ولم يتفق أن يجتمع الناس على خليفة بعد ذلك، لأن يزيد بن الوليد الذي قام على ابن
عمه الوليد بن يزيد لم تطل مدته، بل ثار عليه قبل أن يموت ابن عم أبيه مروان بن محمد بن
مروان. ولما مات يزيد ولي أخوه إبراهيم، فغلبه مروان (يعني الحمار) ثم ثار على مروان بنو
العباس إلى أن قتل. ثم كان أول خلفاء بني العباس أبو العباس السفّاح، ولم تطل مدته مع كثرة
من ثار عليه، ثم ولي أخوه المنصور فطالت مدته، لكن خرج عنهم المغرب الأقصى باستيلاء
المروانيّين على الأندلس، واستمرت في أيديهم متغلبين عليها إلى أن تسموا بالخلافة بعد ذلك،
وانفرط الأمر في جميع أقطار الأرض إلى أن لم يبق من الخلافة إلاّ الاسم في بعض البلاد، بعد
أن كانوا في أيام بني عبد الملك بن مروان يخطب للخليفة في جميع أقطار الأرض شرقاً وغرباً،
وشمالاً ويميناً مما غلب عليه المسلمون، ولا يتولى أحد في بلد من البلاد كلها الإمارة على

٢٣٧
كتاب: الإمارة
٤٦٨٣ - (٦) حدّثنا ابْنُ أَبِي عُمَرَ. حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ، عَنْ
جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ. قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ وَهِ يَقُولُ: ((لاَ يَزَالُ أَمْرُ النَّاسِ مَاضِياً مَا وَلِيَهُمُ اثْنَا
عَشَرَ رَجُلاً)). ثُمَّ تَكَلْمَ النَّبِيُّ وَلَهَ بِكَلِمَةٍ خَفِيَتْ عَلَيَّ. فَسَأَلْتُ أَبِي: مَاذَا قَالَ
رَسُولُ اللَّهِ بَ لَ؟ فَقَالَ: ((كُلُّهُمْ مِنْ قُرَيْشٍ)).
٤٦٨٤ - (٠٠٠) وحدّثنا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ. حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ سِمَاكٍ، عَنْ
جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ، عَنِ النَّبِّ وَّهِ بِهَذَا الْحَدِيثِ. وَلَمْ يَذْكُرْ ((لاَ يَزَالُ أَمْرُ النَّاسِ مَاضِياً)).
٤٦٨٥ - (٧) حدّثنا هَدَّابُ بْنُ خَالِدِ الأَزْدِيُّ. حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ
سِمَاكِ بْنِ حَرْبٍ. قَالَ: سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ سَمُرَةَ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ وَهِ يَقُولُ: ((لاَ
يَزَالُ الإِسْلاَمُ عَزِيزاً إِلَى اثْنَيْ عَشَرَ خَلِيفَةً)) ثُمَّ قَالَ كَلِمَةٌ لَمْ أَفْهَمْهَا. فَقُلْتُ لأَبِي: مَا قَالَ؟
فَقَالَ: ((كُلُّهُمْ مِنْ قُرَيْشِ)).
شيء منها إلا بأمر الخليفة، ومن نظر في أخبارهم عرف صحة ذلك. فعلى هذا يكون المراد
بقوله: ((ثم يكون الهرج)) يعني القتل الناشىء من الفتن وقوعاً فاشياً يفشو ويستمر ويزداد على
مدى الأيام، وكذا كان، والله المستعان)).
٢ - والتفسير الثاني: أنه سيكون قبل قيام الساعة زمان يدعي فيه اثنا عشر رجلاً الخلافة في
وقت واحد، ولكنه يرده ما ورد في رواية لأبي داود ((كلهم تجتمع عليه الأمة)).
٣ - إن عدد الاثني عشر مبني على الأقلّ، ولا ينافي أن يكون الخلفاء أكثر من ذلك، وهو
كما ترى.
٤ - إن عدد الاثني عشر يحاسب به بعد زمن الصحابة، فحينئذ ينتظم هذا العدد جميع
خلفاء بني أمية، والمراد أن الإسلام يكون عزيزاً إلى خلافة بني أمية، ذكره ابن الجوزي، وفيه
تكلف ظاهر، ثم إنه لا يطابق الواقع، لأن عزة الإسلام في عهد بعض بني العباس كانت أكثر
منها زمن بعض بني أمية.
٥ - إن المراد بالخلفاء الخلفاء العادلون، وإن لم تتوال أيامهم. ويؤيده ما أخرجه مسدد
في مسنده الكبير من طريق أبي بحر، أن أبا الجلد حدثه: ((أنه لا تهلك هذه الأمة حتى يكون
منها اثنا عشر خليفة كلهم يعمل بالهدى ودين الحق، منهم رجلان من أهل بيت محمد، يعيش
أحدهما أربعين سنة، والآخر ثلاثين سنة)) وعلى هذا المراد بقوله: ((ثم يكون الهرج)) أي الفتن
المؤذنة بقيام الساعة، من خروج الدجال، ثم يأجوج ومأجوج، إلى أن تنقضي الدنيا. ذكره ابن
الجوزي.
والراجح هو التفسير الأول لموافقته لظاهر اللفظ بدون تكلف، ومطابقته الواقع كما أسلفنا
عن الحافظ، والله سبحانه أعلم.

٢٣٨
الجزء الثالث من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
٤٦٨٦ - (٨) حدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ. حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنْ دَاوُدَ،
عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ. قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ وَّهِ: (لاَ يَزَالُ هُذَا الأَمْرُ عَزِيزاً إِلَى
اثْنَيْ عَشَرَ خَلِيفَةً)). قَالَ: ثُمَّ تَكَلَّمَ بِشَيْءٍ لَمْ أَفْهَمْهُ. فَقُلْتُ لأَبِي: مَا قَالَ؟ فَقَالَ: ((كُلُّهُمْ
مِنْ قُرَيْشٍ)).
٤٦٨٧ - (٩) حدّثنا نَصْرُ بْنُ عَلِيِّ الْجَهْضَمِيُّ. حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْع. حَدَّثَنَا ابْنُ
عَوْنٍ. ح وَحَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عُثْمَانَ النَّوْفَلِيُّ (وَاللَّفْظُ لَهُ). حَدَّثَنَا أَزْهَرُ. حَدَّثَنَا ابْنُ عَوْنٍ، عَنِ
الشَّعْبِيِّ، عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ. قَالَ: انْطَلَقْتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ نَّهِ وَمَعِي أَبِي. فَسَمِعْتُهُ
يَقُولُ: ((لاَ يَزَالُ هَذَا الَدِّينُ عَزِيزاً مَنِيعاً إِلَى اثنَيْ عَشَرَ خَلِيفَةً)) فَقَالَ كَلِمَةٌ صَمَّنِيهَا النَّاسُ.
فَقُلْتُ لأَّبِي: مَا قَالَ؟ قَالَ: (كُلُّهُمْ مِنْ قُرَيْشٍ)).
٤٦٨٨ - (١٠) حدّثنا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ. قَالاَ: حَدَّثَنَا حَاتِمٌ
(وَهُوَ ابْنُ إِسْمَاعِيلَ) عَنِ الْمُهَاجِرِ بْنِ مِسْمَاٍ، عَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ. قَالَ:
كَتَّبْتِ إِلَى جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ، مَعَ غُلاَمِ نَافِعٍ: أَنْ أَخْبِرْنِي بِشَيْءٍ سَمِعْتَهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ وَله.
قَالَ: فَكَتَبَ إِلَيَّ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ وََّ، يَوْمَ جُمُعَةٍ، عَشِيَّةَ رُجِمَ الأَسْلَمِيُّ، يَقُولُ: ((لاَ
٩ - ( ... ) - قوله: (صمّنيها الناس) وفي رواية إسماعيل بن إبراهيم عن ابن عون: عند
أحمد في مسنده (٥: ١٠١) ((أصمّنيها الناس)) يعني: جعلوني أصمّ بالنسبة لها، فلم أسمعها .
١٠ - (١٨٢٢) - قوله: (عن المهاجر بن مسمار) بكسر الميم الأولى، وهو الزهري مولى
سعد مدني، ذكره ابن حبان في الثقات، وقال ابن سعد: مات بعد خروج محمد بن عبد الله بن
حسن. وقيل: مات سنة خمس ومائة، وله أحاديث، وليس بذاك وهو صالح الحديث، وقال أبو
بكر البزار: مشهور صالح الحديث. كذا في التهذيب (١٠: ٣٢٤).
قوله: (عامر بن سعد) هو ابن لسعد بن أبي وقاص رظُه، ثقة كثير الحديث، مات بالمدينة
في خلافة الوليد بن عبد الملك، وقال ابن سعد: مات سنة أربع ومائة. كذا في التهذيب (٥: ٦٣
و ٦٤)، وحديثه هذا أخرجه أيضاً أحمد في مسنده (٥: ٨٩).
قوله: (كتبت إلى جابر بن سمرة) وهو ابن عمة عامر بن سعد، لأن والدة جابر بن سمرة
خالدة بنت أبي وقاص أخت لسعد بن أبي وقاص ◌َ﴿ه، كما في الإصابة (١: ٢١٣).
قوله: (فكتب إليّ) قال الأبّي: كتب هذه المذكورات يحتمل لأنها التي حضرته، ويحتمل
أنها التي حل الحال على الحاجة إليها .
قوله: (عشيّةَ رُجم الأسلميّ) يعني: ماعزاً الأسلميّ ◌َظُه، وهذا معارض لما مرّ من رواية
الشعبي عند أحمد في مسنده من أن النبيّ ◌َّ قال هذا الكلام في حجة الوداع، ولكن الظّاهر

٢٣٩
كتاب: الإمارة
يَزَالُ الدِّينُ قَائِماً حَتَّى تَقُومَ السَّاعَةُ. أَوْ يَكُونَ عَلَيْكُمُ اثْنَا عَشَرَ خَلِيفَةٌ. كُلُّهُمْ مِنْ قُرَيْشٍ)).
وَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: ((عُصَيْبَةٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ يَفْتَتِحُونَ الْبَيْتَ الأَبْيَضَ. بَيْتَ كِسْرَى. أَوْ آَلٍ
كِسْرَىْ)). وَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: ((إِنَّ بَيْنَ يَدَي السَّاعَةِ كَذَّابِينَ فَاحْذَرُوهُمْ)). وَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: ((إِذَا
أَعْطَى اللَّهُ أَحَدَكُمْ خَيْراً فَلْيَبْدَأْ بِنَفْسِهِ وَأَهَلٍ بَيْتِهِ)). وَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: ((أَنَا الْفَرَطُ عَلَى الْحَوْضِ)).
٤٦٨٩ - (٠٠٠) حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِع. حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي فُدَيْكِ. حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي
ذِئْبٍ، عَنْ مُهَاجِرِ بْنِ مِسْمَارٍ، عَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدٍ؛ أَنَّهُ أَرْسَلَ إِلَى ابْنِ سَمُرَةَ الْعَدَوِيِّ:
حَذَّثْنَا مَا سَمِعْتَ مِنْ رَسُولِ اللّهِ وَِّهِ. فَقَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ وَ لَهِ يَقُولُ، فَذَكَرَ نَحْوَ
حَدِيثٍ حَاتِمِ .
(٢) - باب: الاستخلاف وتركه
٤٦٩٠ - (١١) حدّثنا أَبُو كُرَيْبِ مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلاَءِ. حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ هِشَامِ بْنِ
عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ. قَالَ: حَضَرْتُ أَبِي
أنه لو قاله مرتين: مرة في حجة الوداع، وأخرى يوم رجم ماعز تَظُه، لأن سياق الروايتين
مختلف، فحملهما على تعدد الواقعتين غير بعيد. وأفادت هذه الرواية أن رجم ماعز وقع يوم
الجمعة، - والله أعلم - .
قوله: (عُصَيْبَة) تصغير لعصابة، وهي الجماعة الصغيرة.
قوله: (يفتتحون البيت الأبيض) هو لقب لقصر كسرى. وهو من معجزات النبيّ وَّر وأخباره
الصّادقة، وقد وقع كما قال رَّه في زمن سيّدنا عمر بن الخطاب رضيُه حين افتتحت قصور كسرى
بيد سعد بن أبي وقاص
قوله: (إذا أعطى الله أحدكم خيراً) الظاهر أن المراد منه المال، وهو كقوله وَ ل ون: «ابدأ
بنفسك، ثم بمن تعول)). ويحتمل أن يكون المراد كل خير من العلم وغيره، فيكون المقصود
الأمر ببداية الدعوة والتبليغ بنفسه وعياله، والله سبحانه أعلم.
قوله: (أنا الفَرَط على الحوض) الفرط، بفتحتين: من يسبق من القافلة إلى الماء ليهيء ما
يحتاجون إليه، ويقال له الفارط أيضاً، وأصله من الفرط بسكون الراء، وهو السبق والتقدم.
والمراد أنه سل* يسبق الناس إلى حوضه الكوثر، وينتظر المؤمنين هناك.
( ... ) - قوله: (إلى ابن سمرة العدويّ) هذا تصحيف، لأن جابر بن سمرة ليس عدويّاً،
إنما هو عامريّ سوائي حليف بني زهرة، فلعلّ أحد النساخ حرّف العامريّ إلى العدويّ.
(٢) - باب: الاستخلاف وتركه
١١ - (١٨٢٣) - قوله: (عن ابن عمر) هذا الحديث أخرجه البخاري في الأحكام، باب

٢٤٠
الجزء الثالث من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
حِينَ أُصِيبَ. فَأَثْنَوْا عَلَيْهِ. وَقَالُوا: جَزَاكَ اللَّهُ خَيْراً. فَقَالَ: رَاغِبٌ وَرَاهِبٌ. قَالُوا:
اسْتَخْلِفْ. فَقَالَ: أَتَحَمَّلُ أَمْرَكُمْ حَيَّا وَمَيِّناً؟ لَوَدِدْتُ أَنَّ حَظِّي مِنْهَا الْكَفَافُ. لاَ عَلَيَّ وَلاَ
الاستخلاف، (رقم: ٧٢١٨)، والترمذي في الفتن، باب ما جاء في الخلافة، (رقم: ٢٢٢٦)،
وأبو داود في الخراج والفيء والإمارة، باب في الخليفة يستخلف، (رقم: ٢٩٣٩).
قوله: (حين أصيب) يعني: حين جُرح بيد أبي لؤلؤة فيروز النصراني غلام المغيرة بن
شعبة ظُه، وكان قد سأل عمر به تخفيف خراجه، فقال عمر حظربه: ليس خراجك بكثير في
جنب ما تحسن من الأعمال، فانصرف ساخطاً، ثم مرّ بعمر يوماً آخر وهو قاعد، فقال له عمر:
ألم أحدّث أنك قلت: لو شئت أن أعمل رحى تطحن بالريح فعلت؟ فالتفت العبد إلى عمر
ساخطاً، وقال: لأصنعن لك رحى يتحدث بها في المشرق والمغرب. فلما ولى العبد قال عمر
للرهط الذين معه: توعدني العبد. ثم اشتمل العبد على خنجر ذي رأسين نصابه في وسطه،
وكمن في زاوية من زوايا المسجد، حتى خرج عمر ظه يوقظ الناس لصلاة الفجر،
وكان ◌َُّله يفعل ذلك. فلما دنا عمر رَبه وثب عليه فطعنه ثلاث طعنات إحداهنّ تحت سرته،
وهي التي قتلته. وراجع شرح الأبي.
قوله: (فقال: راغب وراهب) مبتدأه محذوف، فقيل: تقديره: أنا راغب، في ما عند
الله تعالى من النعم في الآخرة، وراهب من عذابه، فلا أعوّل على ما أثنيتم عليّ.
وقال الآخرون: تقديره: النّاس الذين أثنوا عليّ فيما بين راغب وراهب، فبعضهم يرغب
في حسن رأيي فيه وتقربي له، وبعضهم يرهب من إظهار ما يضمره من كراهته. أو المعنى:
راغب فيما عندي وراهب مني، أو المراد: راغب في الخلافة وراهب منها، فإن ولّيت الراغب
فيها خشيت أن لا يعان عليها، وإن ولّيت الراهب منها خشيت أن لا يقوم بها. كذا في فتح
الباري (١٣ : ٢٠٧).
قوله: (أتحمّل أمركم حيًّا وميّتاً؟) أمّا تحمله أمور المسلمين في حياته فظاهر، وأما تحمله
بعد وفاته فمراده: أنني لو استخلفت أحداً لكانت عهدة ما يفعله في عنقي وأنا ميّت، والاستفهام
للإنكار، يعني: كيف أتحمّل أمركم حيّاً وميّتاً؟ وهذا ينبىء عن كيفيته النفسيّة في شدة شعوره
عنه .
بمسؤولية الخلافة
قوله: (لوددت أن حظّي منها الكفاف) الكفاف: مقدار الحاجة من غير زيادة ولا نقص،
وقد فسّره بقوله: ((لا عليّ، ولا لي)). وهذا يحتمل معنيين: الأوّل أن يكون المراد من الكفاف
ما كان يأخذه عمر ظ له من بيت المال لقضاء حوائجه، والمقصود أنّني عملت بالاحتياط البالغ
من أمر الخلافة في حياتي، فكيف أثق على أحد أنه يحتاط بمثل ذلك بعد موتي. والاحتمال
الثاني: أن يكون المراد من الكفاف الأجر في الآخرة، والمقصود أنّني أستكثر لنفسي أن