Indexed OCR Text

Pages 201-220

٢٠١
كتاب: الجهاد والسير
فَأَصُكُّهُ بَيْنَ كَتِفَيْهِ. قَالَ: قُلْتُ: قَدْ سُبِقْتَ وَاللَّهِ. قَالَ: أَنَا أَظُنُّ. قَالَ: فَسَبَقْتُهُ إِلَى الْمَدِينَةِ.
قَالَ: فَوَاللَّهِ، مَا لَبِثْنَا إِلَّ ثَلاَثَ لَيَالٍ حَتَّى خَرَجْنَا إِلَى خَيْبَرَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ بَلَ. قَالَ: فَجَعَلَ
عَمِّي عَامِرْ يَرْتَجِزُ بِالْقَوْمِ:
وَلاَ تَصدَّقْنَا وَلاَ صَلَّيْنَا
ثَاللَّهِ! لَوْلاَ الَلَّهُ مَا اهْتَدَيْنَا
فَثَبِّتِ الأَقْدَامَ إِنْ لاَقَيْنَا
وَنَحْنُ عَنْ فَضْلِكَ مَا اسْتَغْنَيْنَا
وَأَنْزِلَنْ سَكِينَةً عَلَيْنَا
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ: (مَنْ هُذَا؟)) قَالَ: أَنَا عَامِرٌ. قَالَ: ((غَفَرَ لَكَ رَبُّكَ)) قَالَ: وَمَا
اسْتَغْفَرَ رَسُولُ اللَّهِ وَلِهِ لإِنْسَانِ يَخُصُهُ إِلا اسْتُشْهِدَ. قَالَ: فَنَادَى عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ، وَهُوَ
عَلَى جَمَلِ لَهُ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ! لَوْلاَ مَا مَنَّعْتَنَا بِعَامِرٍ. قَالَ: فَلَمَّا قَدِمْنَا خَيْبَرَ قَالَ: خَرَجَ مَلِكُهُمْ
مَرْحَبْ يَخْطِرُ بِسَيْفِهِ وَيَقُولُ:
قَدْ عَلِمَتْ خَيْبَرُ أَنِّي مَرْحَبُ شَاكِي السَّلاَحِ بَطَلٌ مُجَرَّبُ
إِذَا الْحُرُوبُ أَقْبَلَتْ تَلَهَّبُ
قَالَ: وَبَرَزَ لَّهُ عَمِّي عَامِرٌ، فَقَالَ:
شَاكِي السِّلاحِ بَطَلٌ مُغَامِرُ
قَدْ عَلِمَتْ خَيْبَرُ أَنِّي عَامِرُ
قَالَ: فَاخْتَلَفَا ضَرْبَتَيْنٍ. فَوَقَعَ سَيْفُ مَرْحَبٍ فِي تُرْسِ عَامِرٍ. وَذَهَبَ عَامِرٌ يَسْفُلُ لَهُ.
فَرَجَعَ سَيْفُهُ عَلَى نَفْسِهِ. فَقَطَعَ أَكْحَلَهُ. فَكَانَتْ فِيهَا نَفْسُهُ.
قوله: (أنا أظنّ) يعني: أنا أظنّ كذلك، أنك قد سبقتني.
قوله: (مرحب) بفتح الميم وسكون الراء وفتح الحاء، اسم لرئيس الحصن.
قوله: (شاكي السّلاح) يعني: قويّ السلاح، والشاكي: صفة من الشوكة، يقال: رجل
شاكي السّلاح، يعني: قويّ السلاح. وقوله: ((بطل مجرّب)) يعني: شجاع مجرّب.
وقوله: (تلقّب) يعني: تلتهب وتشتعل نارها. ومن تمام هذا الرجز ما ذكره ابن إسحاق
وغيره :
إذا الليوث أقبلت تحزّبُ
أطعن أحياناً، وحيناً أضربُ
إنْ حِماي لَلْحِمَى لا يُقْرَبُ
قوله: (بطل مغامر) المغامر: من يقتحم غمرات الحرب وشدائدها، ويلقي نفسه فيها .
قوله: (وذهب عامر يسفل له) بضم الفاء، يعني: ذهب ليضربه من أسفله.
قوله: (فقطع أكحله) الأكحل: عرق في اليد، أو هو عرق الحياة، كذا في القاموس.

٢٠٢
الجزء الثالث من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
قَالَ سَلَمَةُ: فَخَرَجْتُ فَإِذَا نَفَرٌ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ◌َّهِ يَقُولُونَ: بَطَلَ عَمَلُ عَامِرٍ. فَتَلَ
نَفْسَهُ. قَالَ: فَأَتَيْتُ النَّبِيِّ وَّهِ وَأَنَا أَبْكِي. فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، بَطَلَ عَمَلُ عَامِرٍ؟. قَالَ
رَسُولُ اللَّهِ بِهِ: ((مَنْ قَالَ ذُلِكَ؟)) قَالَ: قُلْتُ: نَاسٌ مِنْ أَصْحَابِكَ. قَالَ: ((كَذَبَ مَنْ قَالَ
ذُلِكَ. بَلْ لَهُ أَجْرُهُ مَرَّتَيْنٍ)) ثُمَّ أَرْسَلَنِي إِلَى عَلِيٍّ، وَهُوَ أَزْمَدُ. فَقَالَ: ((لأُعْطِيَنَّ الرَّايَةَ رَجُلاً
يُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ، أَوْ يُحِبُّهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ)) قَالَ: فَأَتَيْتُ عَلِيًّا فَجِثْتُ بِهِ أَقُودُهُ، وَهُوَ أَزْمَدُ.
حَتَّى أَتَيْتُ بِهِ رَسُولَ اللَّهِ تََّ. فَبَسَقَ فِي عَيْنَيْهِ فَبَرَأَ. وَأَعْطَاهُ الرَّايَةَ. وَخَرَجَ مَرْحَبٌ فَقَالَ:
قَدْ عَلِمَتْ خَيْبَرُ أَنِّي مَرْحَبُ شَاكِي السَّلاَحِ بَطَلٌ مُجَرَّبُ
إِذَا الْحُرُوبُ أَقْبَلَتْ تَلَهَّبُ
فَقَالَ عَلِيٍّ :
أَنَا الَّذِي سَمَّتْنِي أُمِّي حَيْدَرَهْ كَلَيْثٍ غَابَاتٍ كَرِيهِ الْمَنْظَرَهُ
أُوْفِيهِمُ بِالصَّاعِ كَيْلَ السَّنْدَرَة
قَالَ: فَضَرَبَ رَأْسَ مَرْحَبٍ فَقَتَلَهُ. ثُمَّ كَانَ الْفَتْحُ عَلَى يَدَيْهِ.
قوله: (بطل عمل عامر) زعماً منهم بأنه قتل بسيف نفسه، فكأنه قتل نفسه، وقتل النفس
حرام.
قوله: (أنا الذي سمّتني أمّي حيدرة) ((حيدرة) اسم للأسد، وكانت أم عليّ ◌َّ (وهي
فاطمة بنت أسد) سمّته حيدر، وكان أبو طالب غائباً، وإنما سمّته باسم أبيها أسد بن هشام بن
عبد مناف، فلما قدم أبو طالب سماه عليّاً، وسمّي الأسد ((حيدرة)) لغلظه، والحادر: الغليظ.
وكان مرحب قد رأى في المنام أن أسداً يقتله، فذكّره عليّ رَُّبه ذلك ليخيفه، ويضعف
نفسه. هذا ملخص ما في شرح النووي.
قوله: (كيل السّندرة) قال القاضي عياض: ((السندرة: مكيال واسع، فالمعنى: أقتلهم قتلاً
واسعاً. وقيل: السندرة: العجلة، فالمعنى: أقتلهم قتلاً عجلاً. وقيل: السندرة: شجرة قوية
(وهي الصنوبر كما ذكر النووي) يعمل منها القسيّ والسهام)).
قوله: (فقتله) هذا صريح في أن عليّاً ظ ◌ُبه قتل مرحبا. وقد ذكر ابن إسحاق في قصة طويلة
أن قاتله محمد بن مسلمة، راجع له سيرة ابن هشام مع الروض الأنف (٢: ٢٣٩). ولكن ذكر
القاضي والنووي رحمهما الله عن ابن عبد البرّ أن الصحيح ما في رواية مسلم أن عليّاً عَظُبه هو
الذي قتله. ثم ذكر عن ابن الأثير أن الصحيح الذي عليه أكثر أهل الحديث وأهل السّير أن عليّاً
هو قاتله.

٢٠٣
كتاب: الجهاد والسّير
قَالَ إِبْرَاهِيمُ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى، حَدَّثَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ بْنُ عَبْدِ الْوَارِثِ، عَنْ
عِكْرِمَةَ بْنِ عَمَّارٍ، بِهِذَا الْحَدِيثِ بِطُولِهِ.
٤٦٥٥ - (٠٠٠) وحدّثنا أَحْمَدُ بْنُ يُوسُفَ الأَزْدِيُّ السُّلَمِيُّ. حَدَّثَنَا النَّضْرُ بْنُ
مُحَمَّدٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ بْنِ عَمَّارٍ، بِهُذَا .
قال العبد الضعيف عفا الله عنه: قد ذكر الواقديّ في مغازيه (٢: ٦٥٥) ما يجمع بين
الروايتين، ولفظه :
((إن مرحب برز، وهو وكالفحل الصّؤول يرتجز ... يدعو للبراز، فقال محمد بن مسلمة:
يا رسول الله! أنا والله الموتور الثائر، قُتل أخي (محمود بن مسلمة) بالأمس (كان مرحب، دلّی
عليه الرحا من فوق الحصن فمات ربه )، فَأُذَنْ لي في قتال مرحب، وهو قاتل أخي، فأذن له
رسول الله وَر في مبارزته، ودعا له بدعوات، وأعطاه سيفه، ... ويقال: إنه جعل يومئذ يرتجز
ويقول :
يا نفس! إلاّ تُقْتَلي تموتي لا صبر لي بعد أبي النُّبيتِ
وكان أخوه محمود يكنى بأبي النّبيت. قال: ويرز كل واحد منهما إلى صاحبه. قال:
فحال بينهما عُشرات أصلها كمثل أصل الفحل من النخل وأفنان منكرة، فكلما ضرب أحدهما
صاحبه استتر بالعُشر، حتى قطعا كلّ ساق لها. وبقي أصلها قائماً كأنه الرجل القائم. وأفضى
كل واحد منهما إلى صاحبه، وبدر مرحب محمداً، فيرفع السيف ليضربه، فاتقاه محمد بالدرقة،
فلحج سيفه، وعلى مرحب درع مشمرّة، فيضرب محمد ساقي مرحب فقطعهما ... فقال
مرحب: أجهز يا محمّد! قال محمّد: ذق الموت كما ذاقه أخي محمود، وجاوزه. ومرّ به عليّ
فضرب عنقه، وأخذ سلبه)).
ثم ذكر الواقديّ أن محمد بن مسلمة وعليّاً ﴾ اختصما في سلبه، فقضى به
رسول الله وير لمحمد بن مسلمة، والله سبحانه أعلم.
قوله: (قال إبراهيم) هو أبو إسحاق إبراهيم بن محمد بن سفيان النيسابوري، تلميذ الإمام
مسلم الذي روى الصحيح عنه، وكان من العبّاد الصالحين مُجابي الدعوة، كما ذكره النووي في
مقدمة شرحه. وإنّه حيث ذكر هنا حديث سلمة بن الأكوع برواية الإمام مسلم، أعقبه برواية لهذا
الحديث وقعت له بعلو، فإن بينه وبين عكرمة بن عمار في جميع طرق مسلم ثلاث وسائط، وفي
هذه الرواية واسطتان فقط. فذكر أنه سمع هذا الحديث من غير طريق مسلم عالياً.

٢٠٤
الجزء الثالث من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
(٤٦) - باب: قول الله تعالى:
﴿وَهُوَ الَّذِى كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنَكُمْ﴾ [الفتح: ٢٤]
٤٦٥٦ - (١٣٣) حدّثني عَمْرُو بْنُ مُحَمَّدِ النَّاقِدُ. حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ. أَخْبَرَنَا
حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ؛ أَنَّ ثَمَانِينَ رَجُلاً مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ هَبَطُوا
عَلَى رَسُولِ اللّهِ وَلَهَ مِنْ جَبَلِ التَّْعِيمِ مُتَسَلِّحِينَ. يُرِيدُونَ غِرَّةَ النَّبِّ وَّهَ وَأَصْحَابِهِ. فَأَخَذَهُمْ
سَلماً، فَاسْتَحْيَاهُمْ. فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿وَهُوَ الَّذِىِ كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنكُمْ وَيْدِيَّكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ
مَكَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ﴾ [الفتح: ٤
(٤٦) - باب: قول الله تعالى:
﴿وَهُوَ اُلَّذِىِ كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنكُمْ﴾ [سورة الفتح، آية: ٢٤]
١٣٣ - (١٨٠٨) - قوله: (عن أنس بن مالك) هذا الحديث أخرجه أيضاً البخاري في
التفسير، باب ومن سورة الفتح، (رقم: ٣٢٦٠)، وأبو داود في الجهاد، باب في المنّ على
الأسير بغير فداء، (رقم: ٢٦٨٨).
قوله: (متسلحين) يعني: عليهم سلاح.
قوله: (يريدون غِرّة النبيّ ◌َ ﴿) الغِرّة بكسر الغين: الغفلة، يعني: أرادوا أن يتحاملوا على
المسلمين على غفلة منهم.
قوله: (فأخذهم سلماً) ضبطه الخطابي وغيره بفتح السّين واللام، والمراد به الاستسلام
والإذعان، كقوله تعالى: ﴿وَأَلْقَوْاْ إِلَيْكُمُ السَّلَمَ﴾ [سورة النساء، آية: ٩٠]، يعني: أخذهم حال كونهم
منقادين مستسلمين أنفسهم، وضبطه الحميدي بكسر السّين وسكون اللام، والسِّلّمُ: الصّلح،
يعني: أخذهم صلحاً. ورجح القاضي عياض وابن الأثير الوجه الأول، قال ابن الأثير في جامع
الأصول (٢: ٣٦٠): ((والذي ذهب إليه الخطابي هو الأشبه بالقصة، فإنهم لم يؤخذوا عن
صلح، وإنما أخذوا قهراً، فأسلموا أنفسهم عجزاً))، وأما ما ذهب إليه الحميديّ فله وجه أيضاً،
وذلك أنه لم يجر لهم معهم حرب، إنما صالحوهم على أن يؤخذوا أسرى ولا يقتلوهم، فسمّى
الانقياد إلى ذلك صلحاً. والله سبحانه أعلم.
قوله: (فاستحياهم) يعني: أبقاهم أحياء.
قوله: (فأنزل الله عزّ وجل) إلخ: وقد ذكرنا في الحديث الماضي أن قد وردت في سبب
نزول هذه الآية روايات أخرى أيضاً، راجع لها تفسير ابن جرير (١٣: ٩٣) من الطبع الجديد،
والدر المنثور (٦: ٧٩)، ولا تزاحم بين الأسباب.

٢٠٥
كتاب: الجهاد والسير
(٤٧) - باب: غزوة النساء مع الرجال
٤٦٥٧ - (١٣٤) حدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ. حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ. أَخْبَرَنَا
حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ؛ أَنَّ أُمَّ سُلَيْمِ اتَّخَذَتْ يَوْمَ حُنَيْنِ خَنْجَراً. فَكَانَ
مَعَهَا. فَرَآهَا أَبُو طَلْحَةَ. فَقَالَ: يَا رَّسُولَ اللَّهِ، هَذِّهِ أُمُّ سُلَيْمِ مَعَهَا خِنْجَرٌ. فَقَالَ لَهَا
رَسُولُ اللَّهِ وَلِهِ: ((مَا هُذَا الْخَنْجَرُ؟)) قَالَتِ: اتَّخَذْتُهُ. إِنْ دَنَا مِنِّيَ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ بَقَرْتُ
بِهِ بَطْنُهُ. فَجَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ وَلَهِ يَضْحَكُ. قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! اقْتُلْ مَنْ بَعْدَنَا مِنَ الظُّلَّقَاءِ
انْهَزَمُوا بِكَ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ: ((يَا أُمَّ سُلَيْم! إِنَّ اللَّهَ قَدْ كَفَى وَأَحْسَنَ)).
٤٦٥٨ - (٠٠٠) وَحَدَّثَنِيهِ مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِم. حَدَّثَنَا بَهْزٌ. حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ.
(٤٧) - باب: غزوة النساء مع الرجال
١٣٤ - (١٨٠٩) - قوله: (عن أنس) هذا الحديث أخرجه أيضاً أبو داود في الجهاد، باب
في السلب يعطى القاتل، (رقم: ٢٧١٨).
قوله: (يوم حنين) هكذا هو في النسخ المعتمدة، وهو الصحيح نظراً إلى سياق القصة،
ووقع في بعضها: يوم خيبر، ويرده ما ورد في الحديث من ذكر الطلقاء، فإن غزوة خيبر وقعت
قبل فتح مكة، وما ورد من ذكر انهزامهم، إنما وقع في غزوة حنين، دون غزوة خيبر.
قوله: (خنجراً) بفتح الخاء، وهو الراجح، وقد تكسر الخاء، وهي سكين كبيرة ذات
حدین.
قوله: (هذه أمّ سليم) مصغراً، هي أم أنس بن مالك رضيها، تزوجت مالك بن النضر في
الجاهلية، وأسلمت مع السابقين إلى الإسلام من الأنصار، فغضب مالك وخرج إلى الشام ومات
بها، فتزوجت بعده أبا طلحة به، ولم تطلب منه الصداق سوى إسلامه، وقصتها مع أبي طلحة
عند وفاة ابنهما معروفة مخرجة في الصحيح، وهي التي قدمت أنساً ظُه إلى النبيّ وَّ لخدمته.
وراجع الإصابة (٤: ٤٤١ و ٤٤٢).
قوله: (بقرت به بطنه) أي: شققته.
قوله: (اقتل من بعدنا من الطّلقاء) الطلقاء بضم الطاء وفتح اللام: الذين أسلموا بعد فتح
مكة، سمّوا بذلك لأن النبيّ وَّ ر أطلقهم ومنّ عليهم عند فتح مكة، وكان في إسلامهم إذ ذاك
ضعف، فزعمت أمّ سليم أنهم انهزموا في حنين من أجل ضعف إسلامهم، فاقترحت على
النبيّ ◌َّر قتلهم. ومعنى قولها: ((من بعدنا)) أي من ورائنا، ومن سوانا.
قوله: (إن الله قد كفى وأحسن) يعني: لم يصب المسلمين بهذا الانهزام ضرر، وكانت
العاقبة لنا .

٢٠٦
الجزء الثالث من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكِ. فِي قِصَّةٍ أُمِّ سُلَيْمٍ عَنِ
النَّبِيِّ وَِّ، مِثْلَ حَدِيثِ ثَابِتٍ.
٤٦٥٩ - ٠٠٠/١٣٥ - حدّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى. أَخْبَرَنَا جَعْفَرُ بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنْ
ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكِ. قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللّهِ وَلَهِ يَغْزُو بِأُمِّ سُلَيْمِ. وَنِسْوَةٍ مِنَ الأَنْصَارِ
مَعَهُ إِذَا غَزَا. فَيَسْقِيْنَ الْمَاءَ وَيُدَاوِينَ الْجَرْحَى.
( ... ) - قوله: (عن أنس بن مالك) هذا الحديث أخرجه أيضاً الترمذي في السير، باب ما
جاء في خروج النساء في الحرب، (رقم: ١٥٧٥)، وأبو داود في الجهاد، باب في النساء
يغزون، (رقم: ٢٥٣١).
١٣٥ - (١٨١٠) - قوله: (فيسقين الماء ويداوين الجرحى) قال النووي كثُّهُ: ((فيه خروج
النساء في الغزو، والانتفاع بهن في السقي والمداواة ونحوهما، وهذه المداواة لمحارمهن
وأزواجهن، وما كان منها لغيرهم لا يكون فيه مس بشرة إلا في موضع الحاجة)).
وقد ورد في هذا المعنى عدة أحاديث، منها ما أخرجه البخاري في الجهاد (رقم: ٢٨٨٢
و ٢٨٨٣) عن الربيّع بنت معوّذ، قالت: «كنّا نغزو مع النبيّ وَّرَ، فنسقي القوم ونخدمهم، ونردّ
الجرحى والقتلى إلى المدينة)).
ومنها ما أخرجه أبو داود في الجهاد (باب في المرأة والعبد يحذيان من الغنيمة،
(رقم: ٢٧٢٩) عن جدة حشرج بن زياد: ((أنها خرجت مع رسول الله وَّ﴾ في غزوة خيبر سادس
ستّ نسوة، فبلغ رسول الله 8﴿ فبعث إلينا، فجئنا فرأينا فيه الغضب، فقال: مع من خرجتنّ؟
وبإذن من خرجتنّ؟ فقلنا: يا رسول الله! خرجنا نغزل الشّعر، ونعين في سبيل الله، ومعنا دواء
الجرحى، ونناول السهام، ونسقي السويق، فقال: قمن، حتى إذا فتح الله عليه خيبر أسهم لنا
كما أسهم للرجال)).
ومنها ما أخرجه المصنف في آخر هذا الباب، وابن ماجه (جهاد، حديث: ٢٨٨٥) عن أمّ
عطيّة الأنصاريّة، قالت: ((غزوت مع رسول الله وَّو سبع غزوات. أخلفهم في رحالهم، وأصنع
لهم الطعام، وأداوي الجرحى، وأقوم على المرضى)).
وقال الحافظ في الفتح (٦: ٨٠) تحت حديث الربيّع: ((وفيه جواز معالجة المرأة الأجنبية
الرجل الأجنبي للضرورة. قال ابن بطال: ويختص ذلك بذوات المحارم، ثم بالمتجالآت(١)
منهنّ، لأن موضع الجرح لا يتلذّ بلمسه بل يقشعر منه الجلد، فإن دعت الضرورة لغير
المتجالآت فليكن بغير مباشرة ولا مس. ويدل على ذلك اتفاقهم على أن المرأة إذا ماتت ولم
(١) يعني: الكبيرة السنّ، يقال: تجالّت المرأة: إذا أسنّت وكبرت. كذا في لسان العرب ١٣ : ١٢٣.

٢٠٧
كتاب: الجهاد والسّير
٤٦٦٠ - (١٣٦) حدّثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمُنِ الدَّارِمِيُّ. حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ
عَمْرٍو (وَهُوَ أَبُو مَعْمَرِ الْمِنْقَرِيُّ). حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ. حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ (وَهُوَ ابْنُ صُهَيْبٍ)
عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكِ. قَالَ: لَمَّا كَانَ يَوْمُ أُحُدِ انْهَزَمَ نَاسٌ مِنَ النَّاسِ عَنِ النَّبِيِّ وَِّ. وَأَبُو
طَلْحَةً بَيْنَ يَدَىِ النَّبِيِّ بَِّ مُجَوِّبٌ عَلَيْهِ بِحَجَفَةٍ. قَالَ: وَكَانَ أَبُو طَلْحَةَ رَجُلاً رَامِياً شَدِيدَ
الَّزْعِ. وَكَسَرَ يَوْمَئِذٍ قَوْسَيْنٍ أَوْ ثَلاَثًاً. قَالَ: فَكَانَ الرَّجُلُ يَمُرُّ مَعَهُ الْجَعْبَةُ مِنَ النَّبْلِ. فَيَقُولُ:
انْثُرْهَا لأَبِي طَلْحَةَ. قَالَ: وَيُشْرِفُ نَبِيُّ اللّهِ وَهِ يَنْظُرُ إِلَى الْقَوْمِ. فَيَقُولُ أَبُو طَلْحَةَ:
توجد امرأة تغسلها أن الرجل لا يباشر غسلها بالمس، بل يغسلها من وراء حائل في قول بعضهم
كالزهري، وفي قول الأكثر: تيمم، وقال الأوزاعي: تدفن كما هي. قال ابن المنير: الفرق بين
حال المداواة وتغسيل الميت أن الميت أن الغسل عبادة، والمداواة ضرورة، والضرورات تبيح
المحظورات)). ومثله في عمدة القاري (٦: ٦١٩ و٦٢٠).
١٣٦ - (١٨١١) - قوله: (المنقريّ) بكسر الميم وفتح القاف، منسوب إلى منقر بن عبيد،
واسمه عبد الله بن عمرو بن أبي الحجاج التّيمي المقعد، من رواة الجماعة، ثقة كان يرى القدر،
مات (سنة: ٢٢٤هـ)، كما في التهذيب (٥: ٣٣٦).
قوله: (عن أنس بن مالك) أخرجه البخاري في الجهاد، باب غزوة النساء وقتالهن مع
الرجال، (رقم: ٢٨٨٠)، وباب المجنّ ومن تترّس بترس صاحبه، (رقم: ٢٩٠٢)، وفي مناقب
الأنصار، باب مناقب أبي طلحة، (رقم: ٣٨١١)، وفي المغازي، باب ﴿إِذْ هَمَّت ◌َطَآئِفَتَانٍ
مِنكُمْ أَنْ تَفْشَلَا﴾ إلخ، (رقم: ٤٠٦٤).
قوله: (مجوِّب عليه) بكسر الواو، أي: ساتر له، قاطع بينه وبين الناس، وهو من
الجوب: القطع، ويتجوّب: يتفعل منه. كذا في جامع الأصول (٨: ٢٤١). قال الحافظ في
الفتح (٨: ٣٦٢): ((أي: مترّس، ويقال للترس جوبة).
قوله: (بحجفة) بتقديم الحاء على الجيم، وبالفتح في كلتيها، وهي: الترس.
قوله: (شديد النزع) يعني: شديداً في نزع السّهام، وهو بمعنى الرمي.
قوله: (الجعبة) ضبطه النووي بفتح الجيم، والحافظ في الفتح بضمها وهي الآلة التي
يوضع فيها السهام.
قوله: (فيقول: انثرها لأبي طلحة) لعلّ القائل رسول الله وَّ*، ولم أره صريحاً. والمراد
أنه وَالر يأمر صاحب الجعبة بنثر سهامها لأبي طلحة ◌ُه، لقلّة ما بقي عنده من السّهام، ولأن
رميه كان أنكى للعدو من غيره.

٢٠٨
الجزء الثالث من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
يَا نَبِيَّ اللَّهِ! بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي! لاَ تُشْرِفْ لاَ يُصِبْكَ سَهْمٌ مِنْ سِهَامِ الْقَوْمِ. نَحْرِي دُونَ
نَحْرِكَ. قَالَ: وَلَّقَدْ رَأَيْتُ عَائِشَةَ بِنْتَ أَبِي بَكْرٍ وَأُمَّ سُلَيْم وَإِنَّهُمَا لَمَّشَمِّرَتَانٍ. أَرَىُ خَدَمَ
سُوقِهِمَا. تَنْقُلاَنِ الْقِرَبَ عَلَى مُتُونِهِمَا. ثُمَّ تُفْرِغَانِهِ فِي أَفْوَاهِهِمْ. ثُمَّ تَرْجِعَانِ فَتَمْلَآنِهَا. ثُمَّ
تَجِيئَانِ تُفْرِغَانِهِ فِي أَفْوَاءِ الْقَوْمِ. وَلَقَدْ وَقَعَ السَّيْفُ مِنْ يَدَيْ أَبِي طَلْحَةَ إِمَّا مَرَّتَيْنِ وَإِمَّا ثَلاَثًاً،
مِنَ النُّعَاسِ.
(٤٨) - باب: النساء الغازيات يرضخ لهن ولا يسهم.
والنهي عن قتل صبيان أهل الحرب
٤٦٦١ - (١٣٧) حدّثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ بْنِ فَعْنَبِ. حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ (يَعْنِي ابْنَ
بِلاَلٍ) عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِهِ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ هُرْمُزَ؛ أَنَّ نَجْدَةً
قوله: (نحري دون نحرك) أي: أفديك بنفسي، كذا في الفتح.
قوله: (أرى خدم سوقهما) الخدم جمع خدمة: وهي الخلخال. وقيل: الخدمة: أصل
السّاق، وقال النووي: ((هذا كان يوم أحد قبل أمر النساء بالحجاب وتحريم النظر إليهن، وإنه لم
يذكر هنا أنه تعمد النظر إلى نفس الساق، فهو محمول على أنه حصلت تلك النظرة فجأة بغير
قصد ولم يستدمها».
قوله: (على متونهما) يعني: ظهورهما .
قوله: (من النّعاس) يعني النّعاس الذي ذكره الله تعالى بقوله: ﴿إِذْ يُغَشِيَكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً
مِنْهُ﴾ [سورة الأنفال، آية: ١١].
(٤٨) - باب: النساء الغازيات يرصخ لهنّ ولا يسهم إلخ
١٣٧ - (١٨١٢) - قوله: (عن يزيد بن هرمز) هو المدني أبو عبد الله مولى بني ليث، روى
عنه الجماعة سوى البخاري، وهو ثقة عند أكثر المحدثين، قال ابن سعد: كان على الموالي يوم
الحرة، مات على رأس المائة، كما في التقريب والتهذيب، وهذا الحديث أخرجه أيضاً الترمذي
في السير، باب من يعطى الفيء، (رقم: ١٥٥٦)، وأبو داود في الجهاد، باب في المرأة والعبد
يحذيان من الغنيمة، (رقم: ٢٧٢٧ و٢٧٢٨)، وفي الخراج والفيء، باب في بيان مواضع قسم
الخمس، (رقم: ٢٩٨٢).
قوله: (أنّ نجدة) هو نجدة بن عامر الحروري، رئيس طائفة من الخوارج، له مقالات
معروفة وأتباع انقرضوا، وفارقه لإحداثه في مذهبه، ثم خرج مستقلاً باليمامة (سنة: ٦٦هـ) أيام
عبد الله بن الزبير في جماعة كبيرة، فأتى البحرين واستقرّ بها وتسمّى بأمير المؤمنين، ووجه إليه
مصعب بن الزبير خيلاً بعد خيل وجيشاً بعد جيش فهزمهم، ونقم عليه أصحابه أموراً فخلعوه

٢٠٩
كتاب: الجهاد والسّير
كَتَبَ إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ يَسْأَلُهُ عَنْ خَمْسٍ خِلاَلٍ. فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسِ: لَوْلاَ أَنْ أَكْتُمَ عِلْماً مَا
كَتَبْتُ إِلَيْهِ. كَتَبَ إِلَيْهِ نَجْدَةُ: أَمَّا بَعْدُ. فَأَخْبِرْنِي هَلْ كَانَ رَسُولُ اللّهِ لِ لهِ يَغْزُو بِالنِّسَاءِ؟
وَهَلْ كَانَ يَضْرِبُ لَهُنَّ بِسَهْم؟ وَهَلْ كَانَ يَقْتُلُ الصِّبْيَانَ؟ وَمَتَّى يَنْقَضِي يُتْمُ الْيَتِيمِ؟ وَعَنِ
الْخُمُسِ لِمَنْ هُوَ؟ فَكَتَبَ إِلَيْهِ ابْنُ عَبَّاسٍ: كَتَبْتَ تَسْأَلُنِي هَلْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ وَِّ يَغْزُوَ
بِالنِّسَاءِ؟ وَقَدْ كَانَ يَغْزُو بِهِنَّ فَيُدَاوِينَ الْجَرْحَى وَيُحْذَيْنَ مِنَ الْغَنِيمَةِ. وَأَمَّا بِسَهْمِ، فَلَمْ
يَضْرِبْ لَهُنَّ. وَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَلِهِ لَمْ يَكُنْ يَقْتُلُ الصِّبْيَانَ. فَلاَ تَقْتُلِ الصِّبْيَانَ. وَكَتَبْتَ
تَسْأَلُنِي: مَتَى يَنْقَضِي يُتْمُ الْيَتِيمِ؟ فَلَعَمْرِي إِنَّ الرَّجُلَ لَتَنْبُتُ لِحْيَتُهُ وَإِنَّهُ لَضَعِيفُ الأَخْذِ
لِنَفْسِهِ. ضَعِيفُ الْعَطَاءِ مِنْهَا. فَإِذَا أَخَذَ لِنَفْسِهِ مِنْ صَالِحِ مَا يَأْخُذُ النَّاسُ، فَقَدْ ذَهَبَ عَنْهُ
وقتلوه، وقيل: قتله أصحاب ابن الزبير، وراجع لأخباره الكامل للمبرد (٢: ١٢٩)، وابن الأثير
(٤: ٧٨)، والأعلام للزركلي (٨: ٣٢٤ و٣٢٥).
قوله: (كتب) ووقع في رواية أبي داود في الخراج: ((أن نجدة الحروريّ حين حجّ في فتنة
ابن الزبير أرسل إلى ابن عباس إلخ)».
قوله: (ما كتبت إليه) يعني: لكونه خارجياً.
قوله: (ويُحْذَين) بضم الياء وسكون الحاء وفتح الذال، أي: يعطين تلك العطية. وأصله
((أحذيته نعلاً))، أي: أعطيته نعلاً، كما في تاج العروس، وكأنه كان مختصّاً بإعطاء النّعال، ثم
استعير لكل عطيّة، وأكثر ما يستعمل في إعطاء القليل، وهو معنى الرضخ المذكور في ترجمة
الباب، والمعنى أنهنّ لم يضرب لهن بسهم، غير أنهنّ أعطين شيئاً قليلاً من الغنيمة كالجائزة.
قوله: (فلا تقتل الصبيان) قال النووي: ((فيه النهي عن قتل صبيان أهل الحرب، وهو حرام
إذا لم يقاتلوا، وكذلك النساء، فإن قاتلوا جاز قتلهم)).
قوله: (متى ينقضي يتم اليتيم؟) بحيث يجب على وليّه أن يدفع إليه ماله، ويستقلّ هو
بالتصرف فيه.
قوله: (وإنه لضعيف الأخذ لنفسه) إلخ: يعني: أنه ضعيف في مطالبة حقوقه من الناس
وفي أدائها إليهم.
قوله: (فإذا أخذ لنفسه من صالح ما يأخذ الناس) إلخ: يعني: ظهر منه الرشد في معاملته
مع الناس وبه استدل الأئمة الثلاثة وأبو يوسف ومحمد رحمهم الله تعالى على أن اليتيم لا يدفع
إليه ماله حتى يؤنس منه الرشد وإن صار شيخاً. وقال أبو حنيفة كثّته: ينتظر رشده بعد البلوغ إلى
أن يبلغ خمساً وعشرين سنة من عمره، فإذا بلغ خمساً وعشرين دفع إليه ماله وإن لم يكن رشيداً.
كذا في الدر المختار وشرحه رد المحتار، كتاب الحجر (٥: ١٢٩).
وقال الآلوسيّ تَّفُ في روح المعاني (٤: ٢٠٧): ((ومن أمعن النظر فيما ذهب إليه الإمام

٢١٠
الجزء الثالث من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
الْيُتْمُ. وَكَتَبْتَ تَسْأَلُنِي عَنِ الْخُمْسِ لِمَنْ هُوَ؟ وَإِنَّا كُنَّا نَقُولُ: هُوَ لَنَا.
الأعظم ◌ُبه علم أن نظره في ذلك دقيق، لأن اليتيم بعد أن بلغ مبلغ الرجال، واعتبر إيمانه
وكفره، وصار مورد الخطابات الإلهية والتكاليف الشرعية، وسلم الله تعالى إليه نفسه يتصرف بها
حسب اختياره المترتب عليه المدح والذم والثواب والعقاب، كان منع ماله عنه وتصرف الغير به
أشبه الأشياء بالظلم، ثم هذا، وإن اقتضى دفع المال إليه بعد البلوغ مطلقاً من غير تأخير إلى
بلوغه سن خمس وعشرين فيمن بلغ غير رشيد، إلا أنا أخرنا الدفع إلى هذه المدة للتأديب ورجاء
الرشد والكف عن السفه، وما فيه تبذير المال وإفساده ... واعتبرت الزيادة سبع سنين، (لأن
مدة البلوغ عند أبي حنيفة كثّفُ ثماني عشرة سنة) لأنها - كما تقدم - مدة معتبرة في تغير
الأحوال ... ولا يرد أن المنع يدور مع السفه، لأنا لا نسلم أنه يدور مع السفه مطلقاً، بل مع
سفه الصبا، ولا نسلم بقائه بعد تلك المدة، على أن التعليق بالشرط لا يوجب العدم عند عدمه
عندنا، فأصل الدوران حينئذ ممنوع ... ويؤيد مذهبه أيضاً قوله تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا وَيِدَارًا
أَنْ يَكْبرُوا﴾ [سورة النساء، آية: ٦] فإنه يشير إلى أنه لا يمنع مال اليتيم عنه إذا كبر ... إلا أنه قدر
الكبر فيمن بلغ سفيهاً بما تقدم، لما تقدم)).
قوله: (كنّا نقول: هو لنا) يعني: كنّا نرى أن خمس الخمس من الغنيمة يستحقه ذوو القرابة
من رسول الله وَلر، سواء كانوا أغنياء أو فقراء، وهذا مذهب ابن عباس وبه أخذ الشافعيّ.
فقال: إن خمس الغنيمة يقسم على خمسة سهام، السهم الواحد منها حقّ لذوي القرابة من
رسول الله وَّر يستوي فيه غنيّهم وفقيرهم، ويقسم بينهم للذكر مثل حظّ الأنثيين، ويكون لبني
هاشم وبني المطلب دون غيرهم. وهو مذهب الإمام أحمد، وحكاه الموفق عن عطاء،
ومجاهد، والشعبي، والنخعي، وقتادة، وابن جريج. راجع المغني لابن قدامة (٧: ٣٠٠).
وقال الحنفيّة: إن خمس الغنيمة يقسم على ثلاثة سهام: سهم لليتامى، وسهم للمساكين،
وسهم لابن السبيل، يدخل فقراء ذوي القربى فيهم ويقدّمون، ولا يدفع إلى أغنيائهم، وهو
مذهب الخلفاء الأربعة الراشدين. وأما سهم ذوي القربى المذكور في القرآن الكريم فقيل: إنه
سقط بوفاة النبيّ ◌َّ، كما سقط سهم الله ورسوله فانصرف إلى مصالح المسلمين، وقيل: إن
النبيّ وَ ﴿ كان يعطي ذوي قرابته لنصرتهم، فكان معلولاً بالنصرة. وقيل: إنّ ما ذكره الله تعالى
من مصارف الغنيمة، إنما هو بيان للمصرف، لا للاستحقاق الدائم والملك، فالإمام في الغنيمة
بالخيار في صرفها إلى ما شاء من هذه المصارف. وقيل: إن من المراد من ذوي القربى أقارب
المسلمين، كما في قوله تعالى: ﴿وَءَاتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ، ذَوِى الْقُرْبَ﴾ - والله أعلم -.
واستدل الحنفية بفعل الخلفاء الراشدين ه، فإنهم قسّموا الخمس على ثلاثة أقسام، ولم
يجعلوا لذوي القربى سهماً مستقلاً، وإنّما أعطوا الفقراء منهم من السهام الثلاثة، وتدل على
ذلك روايات آتية :

٢١١
كتاب: الجهاد والسّير
١ - حديث الباب حيث يقول فيه ابن عباس: ((إنّا كنّا نقول: هو لنا، فأبى علينا قومنا
ذلك)) والمراد من ((قومنا)) الخلفاء الراشدون
٢ - أخرج أبو داود عن جبير بن مطعم، قال: ((وكان أبو بكر يقسم الخمس نحو قسم
رسول الله ◌َ، غير أنه لم يكن يعطي قربى رسول الله وَ ◌ّر ما كان النبيّ ◌َّل يعطيهم. قال: فكان
عمر بن الخطاب يعطيهم منه وعثمان بعده)) أخرجه أبو داود في الخراج والفيء، باب بيان
مواضع قسم الخمس، (رقم: ٢٩٧٨)، والحديث صريح في أن أبا بكر الصديق لم يعط سهم
ذوي القربى، وأما إعطاء عمر وعثمان، فمبني على حاجتهم كما سيأتي.
٣ - أخرج أبو داود (رقم: ٢٩٨٢) عن يزيد بن هرمز وسكت عليه هو والمنذري، أن نجدة
الحروريّ حين حجّ في فتنة ابن الزبير أرسل إلى ابن عباس يسأله عن سهم ذي القربى، ويقول:
لمن تراه؟ قال ابن عباس: القربى رسول الله وَّ ر، قسمه لهم رسول الله وَّل، وقد كان عمر عرض
علينا من ذلك عرضاً رأيناه دون حقنا، فرددناه عليه، وأبينا أن نقبله)) - وهذا دليل على أن عمر لم
يعطهم سهم ذوي القربى، وإنما أعطاهم من السهام الباقية حسب حاجتهم.
قال الشيخ السهار نفوري في بذل المجهود (١٣: ٢٨٥): «ولعل هذا مبني على أن عمر
رآهم مصارف، وظن ابن عباس أنهم أهل استحقاق فيه. أفترى عمر ينقص حقهم أولاً، ثم إذا
نقص فردوه أفيظن به أنه يحرمهم منه أصلاً؟ فلم يكن إلا أنه رآهم مصارف، ورأى استغنائهم
عنه، فلم يرد عليهم ثانياً)).
٤ - أخرج أبو داود (رقم: ٢٩٨٣) عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، قال: سمعت عليّاً
يقول: ((ولآني رسول الله وَل خمس الخمس، فوضعته مواضعه حياة رسول الله صَّر، وحياة أبي
بكر، وحياة عمر، فأتى بمال فدعاني، فقال: خذه، فقلت: لا أريده، فقال: خذه فأنتم أحق
به، قلت: قد استغنينا عنه، فَجَعَله في بيت المال)). قال المنذري في تلخيصه (٤: ٢٢١): ((في
إسناده أبو جعفر الرازي عيسى بن ماهان، وقد وثقه ابن المديني وابن معين، ونقل عنها خلاف
ذلك، وتكلم فيه غير واحد)) قلت: وثقه أيضاً ابن عمار الموصلي وأبو حاتم وابن سعد
والحاكم، وقال عمرو بن علي: فيه ضعف وهو من أهل الصدق سيء الحفظ، وقال الساجي:
صدوق ليس بمتقن، وقال ابن عدي: له أحاديث صالحة وقد روى عنه الناس، وأحاديثه عامتها
مستقيمة، وأرجو أنه لا بأس به، وقال ابن عبد البر: هو عندهم ثقة عالم بتفسير القرآن، وقد
أخرج عنه البخاري في الأدب المفرد، وراجع التهذيب (١٢: ٥٦ و ٥٧). فحديث مثله لا ينزل
عن كونه حسناً .
وأما ما وقع فيه من قول عليّ: ((فوضعته مواضعه حياة رسول الله وَّه وحياة أبي بكر إلخ))
فيمكن التطبيق بينه وبين ما تقدم عن جبير بن مطعم أن أبا بكر لم يعطهم، بأنه لم يعطهم كسهم

٢١٢
الجزء الثالث من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
مستقلّ، وإنما أعطى بعضهم على أساس احتياجهم، أو يكون مراد عليّ ◌ُه أن خمس الخمس
الذي أعطاني رسول الله وَل قر ما زلت أضعه مواضعه حياته وَ ﴿ وفي خلافة أبي بكر، لا أن أبا بكر
أعطاه خمس الخمس.
وعلى كل حال، فإن هذا الحديث صريح في أن عمر به أراد أن يعطيه على أساس
الاحتياج، فلما قال عليّ: إننا قد استغنينا عنه، ردّه عمر إلى بيت المال. فظهر منه اتفاقهما على
أن إعطاء ذوي القربى إنما يدور على الاحتياج، لا على أساس ضرب سهم مستقل لهم.
٥ - أخرج أبو داود أيضاً (رقم: ٢٩٨٤) قول عليّ ظُبه: ((حتى إذا كانت آخر سنة من سني
عمر ظه، فإنه أتاه مال كثير، فعزل حقنا، ثم أرسل إليّ، فقلت: بنا عنه العام غنى،
وبالمسلمين إليه حاجة فاردده عليهم، فرده عليهم، ثم لم يدعني إليه أحد بعد عمر)). وهذا
أصرح مما سبق في المعنى الذي ذكرنا .
٦ - أخرج ابن جرير الطبري في تفسيره (١٤: ٣٨ جزء: ٢٨) عن قتادة في قوله تعالى:
﴿ََّ أَفَآءَ اَللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ، مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلَّهِ وَلِلرَّسُولِ﴾ [سورة الحشر، آية: ٧] الآية، قال: كانت الغنيمة
تخمس بخمسة أخماس، فأربعة أخماس لمن قاتل عليها، ويخمس الخمس الباقي على خمسة
أخماس، فخمس الله والرسول، وخمس لقرابة رسول الله وَ ﴿ في حياته، وخمس لليتامى،
وخمس للمساكين، وخمس لابن السبيل، فلما قبض رسول الله وَ لوجعل أبو بكر وعمر طيًا هذين
السهمين: سهم الله والرسول وسهم قرابته، فحملا عليه في سبيل الله صدقة عن رسول الله وَ له .
قال شيخنا العثماني في إعلاء السنن (١٢: ٢٢٤): ((رجاله كلهم ثقات، وسنده صحيح)).
٧ - أخرج النسائي عن قيس بن مسلم، قال: سألت الحسن بن محمد عن قوله عزّ وجلّ:
﴿وَأَعْلَمُواْ أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَىْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ مُسَهُ﴾ [سورة الأنفال، آية: ٤١]، قال: ((هذا مفتاح كلام الله،
الدنيا والآخرة لله، قال: اختلفوا في هذين السهمين بعد وفاة رسول الله وَّر: سهم الرسول،
وسهم ذوي القربى، فقال قائل: سهم الرسول وَلهو للخليفة من بعده، وقال قائل: سهم ذي القربة
لقرابة الرسول و *، وقال قائل: سهم ذي القربى لقرابة الخليفة، فاجتمع رأيهم على أن جعلوا
هذين السّهمين في الخيل والعُدّة في سبيل الله، فكانا في ذلك خلافة أبي بكر وعمر)) وراجع
المجتبى للنسائي (٧: ١٣٤، رقم: ٤١٤٣) كتاب قسم الفيء. وقال النسائي بعد سرد روايات
الباب: ((وسهم لذي القربى وهم بنو هاشم وبنو المطلب بينهم الغنيّ منهم والفقير، وقد قيل: إنه
للفقير منهم دون الغنيّ، كاليتامى وابن السبيل، وهو أشبه القولين بالصواب عندي، - والله
أعلم - )).
وحديث الحسن بن محمد هذا أخرجه أيضاً الحاكم في المستدرك (٢: ١٢٨) كتاب قسم

٢١٣
كتاب: الجهاد والسّير
فَأَبَى عَلَيْنَا قَوْمُنَا ذَاكَ.
الفيء. ولم يتعقبه الذهبي بشيء. والحسن بن محمد هذا هو الحسن بن محمد بن الحنفية، كما
صرح به في كتاب الخراج لأبي يوسف (ص: ٦٢، رقم: ٦٦).
٨ - وأخرج الإمام أبو يوسف في كتاب الخراج (ص: ٦٠، رقم: ٥٨) عن عبد الله بن
عباس: ((أن الخمس كان في عهد رسول الله وَّر على خمسة أسهم: لله وللرسول سهم، ولذي
القربى سهم، ولليتامى والمساكين وابن السبيل ثلاثة أسهم، ثم قسمه أبو بكر وعمر
وعثمان ته على ثلاثة أسهم، وسقط سهم الرسول وسهم ذوي القربى وقسم على الثلاثة
الباقي، ثم قسمه علي بن أبي طالب كرم الله وجهه على ما قسمه عليه أبو بكر وعمر وعثمان .
((
وفي إسناده محمد بن السائب الكلبي المشهور بضعفه، ولكن حديثه هذا مؤيد بما سبق من
الروايات.
٩ - أخرج الطحاوي (٢: ١٣٦) عن محمد بن إسحاق، قال: سألت أبا جعفر (يعني
محمد الباقر) فقلت: أرأيت علي بن أبي طالب حيث ولي العراق، وما ولي من أمور الناس،
كيف صنع في سهم ذوي القربى؟ قال: سلك به والله سبيل أبي بكر وعمر، قلت: وكيف وأنتم
تقولون ما تقولون؟ قال: إنه والله ما كان أهله يصدرون إلا عن رأيه، قلت: فما منعه؟ قال:
((كره والله أن يدعي عليه خلاف أبي بكر وعمر)) وأخرجه أيضاً أبو عبيد في الأموال (ص: ٣٣٢)،
وأبو يوسف في الخراج (ص: ٦١، رقم: ٦٠).
ونقل ابن الهمام هذا الحديث في فتح القدير (٥: ٣٤٤)، ثم قال: ((إنما فعله(أي: علي)
لظهور أنه الصواب، لا أنه لم يكن يحل له أن يخالف اجتهاده اجتهادهما، وقد علم أنه خالفهما
في أشياء لم توافق رأيه كبيع أمهات الأولاد وغير ذلك)) ثم قال: ((لأنا نمنع أن فعله كان تقيّة من
أن ينسب إليه خلافهما، وكيف؟ وفيه منع المستحقين من حقهم في اعتقاده، فلم يكن منعه إلا
لرجوعه وظهور الدليل له. وكذا ما روي عن ابن عباس أنه كان يرى ذلك محمول على أنه كان
في الأول كذلك، ثم رجع، ولئن لم يكن رجع فالأخذ بقول الراشدين مع اقترانه بعدم النكير من
أحد أولى)) والله سبحانه وتعالى أعلم.
قوله: (فأبى علينا قومنا ذاك) قال النووي كثّفُ: ((أي: رأوا أنه لا يتعين صرفه إلينا، بل
يصرفونه في المصالح، وأراد بقومه ولاة الأمر من بني أميّة، وقد صرح في سنن أبي دادو في
رواية له بأن سؤال نجدة لابن عباس عن هذه المسائل كان في فتنة ابن الزبير، وكانت فتنة ابن
الزبير بعد بضع وستين سنة من الهجرة، وقد قال الشافعي تّفُ: يجوز أن ابن عباس أراد بقوله:
((أبى ذلك علينا قومنا)) من بعد الصحابة، وهم يزيد بن معاوية)).
وإنما تخلف النووي تخلّفُ بهذا احترازاً من القول بأن المراد من ((القوم)) في قول ابن عباس
الخلفاء الراشدون، لئلا يلزم الشافعية مخالفة الخلفاء الراشدين. وقد علمت أن مذهب الخلفاء

٢١٤
الجزء الثالث من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
٤٦٦٢ - (١٣٨) حدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ. كِلَاَهُمَا عَنْ
حَاتِمِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ هُرْمُزَ؛ أَنَّ نَجْدَةَ كَتَبَ
إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ يَسْأَلُهُ عَنْ خِلاَلٍ. بِمِثْلٍ حَدِيثِ سُلَيْمَانَ بْنِ بِلاَلٍ. غَيْرَ أَنَّ فِي حَدِيثٍ حَاتِمٍ :
وَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ بِ لهِلَمْ يَكُنْ يَقْتُلُ الصِّبْيَانَ. فَلاَ تَقْتُلِ الصِّبْيَانَ. إِلاَّ أَنْ تَكُونَ تَعْلَمُ مَا عَلِّمَ
الْخَضِرُ مِنَ الصَّبِيِّ الَّذِي قَتَلَ.
وَزَادَ إِسْحَاقُ فِي حَدِيثِهِ عَنْ حَاتِمٍ: وَتُمَيِّزَ الْمُؤْمِنَ. فَتَقْتُلَ الْكَافِرَ وَتَدَعَ الْمُؤْمِنَ.
٤٦٦٣ - (١٣٩) وحدّثنا ابْنُ أَبِي عُمَرَ. حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أُمَيَّةَ، عَنْ
سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ هُرْمُزَ. قَالَ: كَتَب نَجْدَةُ بْنُ عَامِرِ الْحَرُورِيُّ إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ
يَسْأَلُهُ عَنِ الْعَبْدِ وَالْمَرْأَةِ يَحْضُرَانِ الْمَغْنَمَ، هَلْ يُقْسَمُ لَهُمَا؟ وَعَنْ قَتْلِ الْوِلْدَانِ؟ وَعَنِ الْيَتِيم
مَتَّى يَنْقَطِعُ عَنْهُ الْيُتْمُ؟ وَعَنْ ذَوِي الْقُرْبَى، مَنْ هُمْ؟ فَقَالَ لِيَزِيدَ: اكْتُبْ إِلَيْهِ. فَلَوْلاَ أَنْ يَقَعَّ
فِي أُحْمُوقَةٍ مَا كَتَبْتُ إِلَيْهِ. اكْتُبْ: إِنَّكَ كَتَبْتَ تَسْأَلُنِي عَنِ الْمَرْأَةِ وَالْعَبْدِ يَحْضُرَانِ الْمَغْنَمَ،
الراشدين على خلاف مذهب ابن عباس ثابت بالروايات التسعة التي ذكرناها، حتى إن رواية أبي
داود التي أشار إليها النووي، قد ذكر في آخرها قول ابن عباس نفسه: ((وقد كان عمر عرض
علينا من ذلك عرضاً رأيناه دون حقنا، فرددناه عليه، وأبينا أن نقبله)). وهو صريح في أن مذهب
عمر كان على خلاف ما يقوله ابن عباس، فالصحيح أن المراد بقوله: ((فأبى علينا قومنا)» الخلفاء
الراشدون . ولا يلزم من كون نجدة سأله أيام بن الزبير أن يكون المراد ولاة الأمر من بني
أميّة، ولا سيّما حين يصرح ابن عباس في نفس الرواية بكون رأي عمر ظ به مخالفاً لرأيه.
١٣٨ - ( ... ) - قوله: (إلا أن تكون تعلم ما علم الخضر) إلخ: معناه أن الصبيان لا يحل
قتلهم، ولا يحل لك أن تتعلق بقصة الخضر في قتله صبياً، فإن الخضر ما قتله إلا بأمر الله تعالى
له على التعيين، كما قال في آخر القصة: ﴿وَمَا فَعَلْنُهُ عَنْ أَمْرِئَّ﴾ [سورة الكهف، آية: ٨٢]، فإن كنت
أنت تعلم من صبيّ ذلك فاقتله، ومعلوم أنه لا علم له بذلك، فلا يجوز له القتل. كذا في شرح
النووي .
قوله: (وتميّز المؤمن، فتقتل الكافر وتدع المؤمن) معناه: من يكون إذا عاش إلى البلوغ
مؤمناً، ومن يكون إذا عاش كافراً فمن علمت أنه يبلغ كافراً فاقتله، كما علم الخضر أن ذلك
الصبي لو بلغ لكان كافراً، وأعلمه الله تعالى ذلك، ومعلوم أنك أنت لا تعلم ذلك، فلا تقتل
صبياً.
١٣٩ - ( ... ) - قوله: (فلولا أن يقع في أحموقة) بضم الهمزة، يعني فعلاً من أفعال
الحمقى، والمراد أني أخاف منه إن لم أجب على أسئلته أن يقع في أحموقة، مثل قتل الصبيان،
فلذلك أجيبه، وإلا فإنه غير جدير بأن يجاب.

٢١٥
كتاب: الجهاد والسّير
هَلْ يُقْسَمُ لَهُمَا شَيْءٌ؟ وَإِنَّهُ لَيْسَ لَهُمَا شَيْءٌ. إِلاَّ أَنْ يُخذَيَا. وَكَتَبْتَ تَسْأَلُنِي عَنْ قَتْلٍ
الْوِلْدَانِ؟ وَإِنَّ رَسُولَ اللّهِ وَه لَمْ يَقْتُلْهُمْ. وَأَنْتَ فَلاَ تَقْتُلْهُمْ. إِلَّ أَنْ تَعْلَمَ مِنْهُمْ مَا عَلِمَ
صَاحِبُ مُوسَى مِنَ الْغُلاَمِ الَّذِي قَتَلَهُ. وَكَتَبْتَ تَسْأَلُنِي عَنِ الْيَتِيمِ، مَتَى يَنْقَطِعُ عَنْهُ اسْمُ
الْيُتْمِ؟ وَإِنَّهُ لاَ يَنْقَطِعُ عَنْهُ أَسْمُ الْيُتْمِ حَتَّى يَبْلُغَ وَيُؤْنَسَ مِنْهُ رُشْدٌ. وَكَتَبْتَ تَسْأَلُنِي عَنْ ذَوِي
الْقُرْبَّى، مَنْ هُمْ؟ وَإِنَّا زَعَمْنَا أَنَّا هُمَ. فَأَبَى ذَلِكَ عَلَيْنَا قَوْمُنَا.
٤٦٦٤ - (٠٠٠) وحدّثناه عَبْدُ الرَّحْمُنِ بْنُ بِشْرِ الْعَبْدِيُّ. حَدَّثَنَا سُفْيَان. حَدَّثَنَا
إِسْمَاعِيلُ بْنُ أُمَيَّةَ، عَنْ سَعِيدٍ بْنٍ أَبِي سَعِيدٍ. عَنْ يَزِيدَ بْنِ هُرْمُزَ. قَالَ: كَتَبَ نَجْدَةُ إِلَى ابْنِ
عَبَّاسٍ، وَسَاقَ الْحَدِيثَ بِمِثْلِهِ.
قَالَ أَبُو إِسْحَاقَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمُنِ بْنُ بِشْرٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ. بِهِذَا الْحَدِيثِ،
بِطُولِهِ.
٤٦٦٥ - (١٤٠) حدّثنا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ. أَخْبَرَنَا وَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ بْنِ حَازِمٍ.
حَدَّثَنِي أَبِي. قَالَ: سَمِعْتُ قَيْساً يُحَدِّثُ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ هُرْمُزَ. ح وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِّم
(وَاللَّفْظُ لَّهُ). قَالَ: حَدَّثَنَا بَهْزٌ. حَدَّثَنَا جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ. حَدَّثَنِي قَيْسُ بْنُ سَعْدٍ، عَنّ
يَزِيدَ بْنِ هُرْمُزَ. قَالَ: كَتَبَ نَجْدَةُ بْنُ عَامِرٍ إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ. قَالَ: فَشَهِدْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ ◌ِينَ
قَرَّأَ كِتَابَهُ وَحِينَ كَتَبَ جَوَابَهُ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: وَاللَّهِ، لَوْلاَ أَنْ أَرُدَّهُ عَنْ نَتْنٍ يَقَعُ فِيهِ مَا
كَتَبْتُ إِلَيْهِ. وَلاَ نُعْمَةَ عَيْنِ. قَالَ: فَكَتَبَ إِلَيْهِ : إِنَّكَ سَأَلْتَ عَنْ سَهْمِ ذِي الْقُرْبَى الَّذِي ذَكَرَ
اللَّهُ، مَنْ هُمْ؟ وَإِنَّا كُنَّا نَرَىْ أَنَّ قَرَابَةَ رَسُولِ اللَّهِ وَ هُمْ نَحْنُ. فَأَبَى ذُلِكَ عَلَيْنَا قَوْمُنَا .
وَسَأَلْتَ عَنِ الْيَتِيمِ، مَتَّى يَنْقَضِي يُتْمُهُ؟ وَإِنَّهُ إِذَا بَلَغَ النِّكَاحَ وَأُونِسَ مِنْهُ رُشْدٌ وَدُفِعَ إِلَيْهِ مَالُهُ،
فَقَدِ انْقَضَى يُتْمُهُ، وَسَأَلْتَ: هَلْ كَانَ رَسُولُ اللّهِ وَهِ يَقْتُلُ مِنْ صِبْيَانِ الْمُشْرِكِينَ أَحَداً؟ فَإِنَّ
رَسُولَ اللّهِ وَهِ لَمْ يَكُنْ يَقْتُلُ مِنْهُمْ أَحَداً. وَأَنْتَ، فَلاَ تَقْتُلْ مِنْهُمْ أَحَداً. إِلاَّ أَنْ تَكُونَ تَعْلَمُ
مِنْهُمْ مَا عَلِمَ الْخَضِرُ مِنَ الْغُلاَمِ حِينَ قَتَلَهُ. وَسَأَلْتَ عَنِ الْمَرْأَةِ وَالْعَبْدِ، هَلْ كَانَ لَهُمَا سَهْمٌ
١٤٠ _ ( ... ) - قوله: (لولا أن أرده عن نتن يقع فيه) النتن: بفتح النون وسكون التاء،
الشيء المنتن الذي له رائحة كريهة، ثم استعير لكل شيء أو فعل مستقبح. والمراد، كما سبق،
أنه يخاف عنه الوقوع في الأمور المستقبحة لو لم أجبه، فلذلك أجيبه.
قوله: (ولا نُعمة عين) النعمة بضم النون بمعنى المسرة، وبفتح النون بمعنى التنعم، وبكسر
النون بمعنى الإنعام، كما حققه الزمخشري في الكشّاف (٤: ٢٧٩). والمراد أني لم أجبه إرادة
مسرّة عينه (على تقدير ضم النون) أو إرادة أن تتنعم عينه (على تقدير فتح النون). كذا فسره
الشيخ ذهني في حاشيته .

٢١٦
الجزء الثالث من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
مَعْلُومٌ، إِذَا حَضَرُوا الْبَأْسَ؟ فَإِنَّهُمْ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ سَهْمٌ مَعْلُومٌ. إِلاَّ أَنْ يُخْذَيَا مِنْ غَنَائِمِ
الْقَوْمِ.
٤٦٦٦ - (١٤١) وحدّثني أَبُو كُرَيْبٍ. حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ. حَذَّثَنَا زَائِدَةُ. حَدَّثَنَا
سُلَيْمَانُ الأَعْمَشُ، عَنِ الْمُخْتَارِ بْنِ صَيْفِيٍّ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ هُرْمُزَ. قَالَ: كَتَبَ نَجْدَةُ إِلَى ابْنِ
عَبَّاسٍ، فَذَكَرَ بَعْضَ الْحَدِيثِ. وَلَمْ يُثِمَّ الْقِصَّةَ. كَإِثْمَامٍ مَنْ ذَكَرْنَا حَدِيثَهُمْ.
٤٦٦٧ - (١٤٢) حدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةً. حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحِيمِ بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنْ
هِشَام، عَنْ حَفْصَةَ بِنْتِ سِيرِينَ، عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ الأَنْصَارِيَّةِ. قَالَتْ: غَزَوْتُ مَعَ
رَسُولِّ اللَّهِ وَّهِ سَبْعَ غَزَوَاتٍ. أَخْلُفُهُمْ فِي رِحَالِهِمْ. فَأَصْنَعُ لَهُمُ الطَّعَامَ، وَأُدَاوِي
الْجَرْحَى، وَأَقُومُ عَلَى الْمَرْضَى.
٤٦٦٨ - (٠٠٠) وحدّثنا عَمْرٌو النَّاقِدُ. حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ. حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ
حَسَّانَ، بِهِذَا الإِسْنَادِ، نَحْوَهُ.
(٤٩) - باب: عدد غزوات النبيّ ◌َل
٤٦٦٩ - (١٤٣) حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى وَابْنُ بَشَارٍ (وَاللَّفْظُ لابْنِ الْمُثَنَّى) قَالاً:
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ. حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ؛ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ يَزِيدَ خَرَجَ
١٤٢ - (١٨١٢) - قوله: (عن أم عطية الأنصارية) اسمها نسيبة بضم النون، وقيل: بفتحها،
شهدت غسل ابنة النبيّ وَّر، وكان جماعة من الصحابة وعلماء التابعين بالبصرة يأخذون عنها
غسل الميت، روت عن النبيّ وَ ر أحاديث، وروت عن عمر أيضاً. وراجع التهذيب
(١٢ : ٤٥٥)، والإصابة (٤: ٤٥٥).
وحديثها هذا أخرجه أيضاً ابن ماجه في الجهاد، باب العبيد والنساء يشهدون مع المسلمين
(رقم: ٢٨٨٥).
(٤٩) - باب: عدد غزوات النبيّ
١٤٣ _ (١٢٥٤) - قوله: (عن أبي إسحاق) سبق أن أخرجه المصنّف في كتاب الحج
أيضاً، باب بيان عدد عُمَر النبيّ وَّ وزمانهن، وأخرجه البخاري في أول المغازي، باب غزوة
العشيرة، (رقم: ٣٩٤٩)، وباب حجة الوداع، (رقم: ٤٤٠٤)، وباب كم غزا النبيّ وَّر،
(رقم: ٤٤٧١)، وأخرجه الترمذي في الجهاد، باب ما جاء في غزوات النبيّ وَلَو وكم غزا،
(رقم: ١٦٧٦).
قوله: (أن عبد الله بن یزید خرج) الظاهر أن المراد منه عبد الله بن یزید بن زيد بن حصین،

٢١٧
كتاب: الجهاد والسير
يَسْتَسْقِي بِالنَّاسِ. فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ اسْتَسْقَى. قَالَ: فَلَقِيتُ يَوْمَئِذٍ زَيْدَ بْنَ أَرْقَمَ. وَقَالَ:
لَيْسَ بَيْنِي وَبَيْنَهُ غَيْرُ رَجُلٍ، أَوْ بَيْنِي وَبَيْنَهُ رَجُلٌ. قَالَ: فَقُلْتُ لَهُ: كَمْ غَزَا رَسُولُ اللَّهِ إِ؟
قَالَ: تِسْعَ عَشْرَةَ. فَقُلْتُ: كَمْ غَزَوْتَ أَنْتَ مَعَهُ؟ قَالَ: سَبْعَ عَشْرَةَ غَزْوَةً. قَالَ: فَقُلْتُ: فَمَا
أَوَّلُ غَزْوَةٍ غَزَاهَا؟ قَالَ: ذَاتُ الْعُسَيْرِ أَوِ الْعُشَيْرِ.
وكان أميراً على الكوفة أيام ابن الزبير ﴿له، وقد اختلف العلماء في صحبته، شهد الجمل
وصفين مع علي، وكان الشعبي كاتبه أيام إمرته على الكوفة، وراجع التهذيب (٦: ٨٧).
قوله: (قال: تسع عشرة) ومراده الغزوات التي خرج النبيّ وَّر فيها بنفسه، سواء قاتل أو
لم يقاتل، ويعارضه ما رواه أبو يعلى من طريق أبي الزبير عن جابر أن عدد الغزوات إحدى
وعشرون، وإسناده صحيح كما في فتح الباري (٧: ٢٨٠) وأصله في الحديث الآتي عند
المصنف، ولعل زيد بن أرقم فاته ذكر ثنتين منها، وهي غزوتا الأبواء وبواط، لأنه جعل العشيرة
أول الغزوات، مع أنها ثالثها، وكأن الغزوتين الأوليين خفيتا عليه لصغره. وقد مرّ هذا المبحث
بشيء من التفصيل في كتاب الحج، باب عدد عمر النبيّ ◌َّ ه. وقد ذكر النووي عن ابن سعد أن
عدد غزواته وَّ و سبع وعشرون، قاتل في تسع منها .
قوله: (ذات العسير، أو العشير) ووقع في رواية البخاري: ((العشير، أو العسيرة)) وفي
رواية الترمذي: ((العشير أو العسير)) بلا هاء فيهما. وزاد البخاري: ((فذكرت لقتادة، فقال:
العشيرة)) وقول قتادة هو الذي اتفق عليه أهل السير وهو الصواب. وأما غزوة العسيرة فهي غزوة
تبوك. كذا في الفتح.
وكانت هذه الغزوة في جمادى الأولى (سنة: ١هـ)، ورجع عنها رسول الله وَالخلال في جمادى
الآخرة، وذكر ابن سعد في طبقاته (٢: ٩ و١٠) أن المطلوب في هذه الغزاة هي عير قريش التي
صدرت من مكة إلى الشام بالتجارة، ففاتتهم، وكانوا يترقبون رجوعها، فخرج النبيّ وَّ يتلقاها
ليغنمها ، فبسبب ذلك كانت وقعة بدر .
قال ابن سعد: ((ثم غزوة رسول الله وَوهذا العشيرة في جمادى الآخرة على رأس ستة عشر
شهراً من مهاجره، وحمل لواءه حمزة بن عبد المطلب، وكان لواء أبيض، واستخلف على
المدينة أبا سلمة بن عبد الأسد المخزومي، وخرج في خمسين ومائة، ويقال: في مائتين من
المهاجرين ممن انتدب، ولم يكره أحداً على الخروج، وخرجوا على ثلاثين بعيراً يعتقبونها،
خرج يعترض لعير قريش حين أبدأت إلى الشام، وكان قد جاءه الخبر بفصولها من مكة فيها
أموال قريش، فبلغ ذا العشيرة، وهي لبني مدلج بناحية ينبع، وبين ينبع والمدينة تسعة برد، فوجد
العير التي خرج لها قد مضت قبل ذلك بأيام ... وفي هذه الغزوة وادع بني مدلج وحلفائهم من
بني ضمرة، ثم رجع إلى المدينة ولم يلق كيداً)).

٢١٨
الجزء الثالث من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
٤٦٧٠ - (١٤٤) وحدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ. حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ آدَمَ. حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ،
عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ، سَمِعَهُ مِنْهُ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَّهَ غَزَا تِسْعَ عَشْرَةَ غَزْوَةٌ.
وَحَجَّ بَعْدَ مَا هَاجَرَ حَجَّةٌ لَمْ يَحُجَّ غَيْرَهَا. حَجَّةَ الْوَدَاعِ .
٤٦٧١ - (١٤٥) حدّثنا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ. حَدَّثَنَا زَكَرِيَّاءُ.
أَخْبَرَنَا أَبُو الزُّبَيْرِ؛ أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ: غَزَوْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ وَهِ تِسْعَ عَشْرَةَ
غَزْوَةً .
قَالَ جَابِرٌ: لَمْ أَشْهَدْ بَدْراً وَلاَ أُحُداً. مَنَعَنِي أَبِي. فَلَمَّا قُتِلَ عَبْدُ اللَّهِ يَوْمَ أُحُدٍ، لَمْ
أَتَخَلَّفْ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ لِلّهِ فِي غَزْوَةٍ فَظُ.
٤٦٧٢ - (١٤٦) وحدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْئَةَ. حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ الْحُبَابِ. ح وَحَدَّثَنَا
سَعِيدُ بْنُ مُحَمَّدِ الْجَرْمِيُّ. حَدَّثَنَا
وذكر ابن إسحاق بسنده إلى عمار بن ياسر رَبه قال: «كنت أنا وعلي بن أبي طالب رفيقين
في غزوة العشيرة، فلما نزلها رسول الله وَّله وأقام بها، رأينا بها أناساً من بني مدلج يعملون في
عين لهم وفي نخل، فقال لي علي بن أبي طالب: يا أبا اليقظان! هل لك في أن تأتي هؤلاء
القوم فننظر كيف يعملون؟ قال: قلت: إن شئت. قال: فجئناهم فنظرنا إلى عملهم ساعة، ثم
غشينا النوم، فانطلقت أنا وعليّ حتى اضطجعنا في صور من النخل، وفي دقعاء من التراب،
فنمنا، فوالله ما أهبّنا إلا رسول الله بَّار، يحركنا برجله، وقد تقربنا من تلك الدقعاء التي نمنا
فيها، فيومئذ قال رسول الله ﴿ لعليّ بن أبي طالب: يا أبا تراب! لما يرى عليه من التراب)).
وقال السهيلي في الروض الأنف (٢: ٥٨): ((وأصح من ذلك ما رواه البخاري في
جامعه، وهو أن رسول الله ◌َّير وجده في المسجد نائماً وقد ترب جبينه، فجعل يحث التراب عن
جبينه ويقول: قم يا أبا تراب)).
١٤٥ - (١٨١٣) - قوله: (سمع جابر بن عبد الله) لم أجده عند غير مسلم من الأئمة الستة،
وأخرجه أحمد في مسنده (٣: ٣٢٩).
قوله: (لم أشهد بدراً) قال الحافظ في الإصابة (١: ٢١٤): ((وروى البخاري في تاريخه
بإسناد صحيح عن أبي سفيان عن جابر، قال: كنت أمنح أصحابي الماء يوم بدر ... وأنكر
الواقدي رواية أبي سفيان عن جابر المذكورة)) وقد أيّد الذهبي في تاريخه الواقدي في إنكاره
لرواية أبي سفيان، ورجح رواية المصنف، كما في حاشية سير أعلام النبلاء (٣: ١٩١).
قوله: (منعني أبي) ذكر الذهبي في سير أعلام النبلاء (٣: ١٩٠) أنه منعه لأجل أخواته.
١٤٦ - (١٨١٤) - قوله: (سعيد بن محمد الجرميّ) بفتح الجيم وسكون الراء، نسبة إلى

٢١٩
كتاب: الجهاد والسّير
أَبُو تُمَيْلَةَ. قَالاَ جَمِيعاً: حَدَّثَنَا حُسَيْنُ بْنُ وَاقِدٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ:
غَزَا رَسُولُ اللَّهِ بِ لّهِ تِسْعَ عَشْرَةَ غَزْوَةٌ. قَاتَلَ فِي ثَمَانٍ مِنْهُنَّ.
وَلَمْ يَقُلْ أَبُو بَكْرٍ: مِنْهُنَّ. وَقَالَ فِي حَدِيثِهِ: حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ بُرَيْدَةَ.
٤٦٧٣ - (١٤٧) وحدّثني أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ. حَدَّثَنَا مُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنْ كَهْمَسٍ،
عَنِ ابْنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ؛ أَنَّهُ قَالَ: غَزَا مَعَ رَسُولِ اللّهِ وَهِ سِتَّ عَشْرَةَ غَزْوَةً.
٤٦٧٤ - (١٤٨) حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبَّادٍ. حَدَّثَنَا حَاتِمٌ (يَعْنِي ابْنَ إِسْمَاعِيلَ) عَنْ يَزِيدَ
(وَهُوَ ابْنُ أَبِي عُبَيْدٍ) قَالَ: سَمِعْتُ سَلَمَةَ يَقُولُ: غَزَوْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ وَلِهِ سَبْعَ غَزَوَاتٍ.
وَخَرَجْتُ، فِيمَا يَبْعَثُ مِنَ الْبُعُوثِ، تِسْعَ غَزَوَاتٍ. مَرَّةً عَلَيْنَا أَبُو بَكْرٍ. وَمَرَّةً عَلَيْنَا أُسَامَةُ بْنُ
زَيْدٍ .
٤٦٧٥ - (٠٠٠) وحدّثنا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ. حَدَّثَنَا حَاتِمٌ، بِهِذَا الإِسْنَادِ، غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ،
فِي كِلْتَيْهِمَا: سَبْعَ غَزَوَاتٍ.
جَرْم بن ريّان بن ثعلبة، كما في المغني، ثقة أخرج عنه الشيخان وأبو داود وابن ماجه، كان إذا
جاء ذكر علي بن أبي طالب قال له: كذا في التهذيب (٤: ٧٧).
قوله: (أبو ثُمَيْلَة) بضم التاء مصغراً، اسمه يحيى بن واضح الأنصاري مولاهم المروزي
الحافظ، وثقه الجميع، وذكر ابن أبي حاتم أن البخاري أدخله في الضعفاء، فرد عليه أبو حاتم،
ولكن قال صاحب الميزان: لم أر له في الضعفاء للبخاري ذكراً، كذا في التهذيب (١١: ٢٩٤).
قوله: (عن عبد الله بن بريدة، عن أبيه) يعني بريدة بن الحصيب الأسلميّ رَظُه، وحديثه
هذا أخرجه أيضاً البخاري في المغازي، باب كم غزا النبيّ ◌َِّ، (رقم: ٤٤٧٣).
١٤٧ - ( ... ) - قوله: (وحدثني أحمد بن حنبل) هذا أحد الأحاديث الأربعة التي أخرجها
مسلم عن شيوخ أخرجها البخاري عن أنفسهم بواسطة، فأخرج البخاري هذا الحديث عن
أحمد بن حنبل بواسطة أحمد بن الحسن.
قوله: (ست عشرة غزوة) هذا لا يعارض ما تقدم لأنه يذكر هنا عدد الغزوات التي شهدها
هو بنفسه .
١٤٨ - (١٨١٥) - قوله: (سمعت سلمة) أخرجه البخاري في المغازي، باب بعث
النبيّ ◌َلل أسامة بن زيد إلى الحرقات من جهينة، (رقم: ٤٢٧٠ و٤٢٧١ و٤٢٧٢ و ٤٢٧٣).

٢٢٠
الجزء الثالث من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
(٥٠) - باب: غزوة ذات الرقاع
٤٦٧٦ - (١٤٩) حدّثنا أَبُو عَامِرٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ بَرَّادِ الأَشْعَرِيُّ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاَءِ
الْهَمْدَانِيُّ (وَاللَّفْظُ لأَبِي عَامِرٍ). قَالاَ: حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ عَنْ بُرَيْدِ بْنِ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ أَبِي
بُرْدَةَ، عَنْ أَبِي مُوسَى. قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﴿َ فِي غَزَاةٍ. وَنَحْنُ سِتَّةُ نَفَرٍ. بَيْنَنَا
بَعِيرٌ نَعْتَقِبُهُ. قَالَ: فَتَقِبَتْ أَقْدَامُنَا. فَنَقِبَتْ قَدَمَايَ وَسَقَطَتْ أَظْفَارِي. فُكُنَّا نَلُفُّ عَلَى أَرْجُلِنَا
(٥٠) - باب: غزوة ذات الرقاع
اختلفت أقوال أصحاب السير في تاريخ هذه الغزوة، فقيل: إنها وقعت في (سنة: ٤هـ)،
وهو قول ابن إسحاق، وقيل: وقعت في محرم (سنة: ٥هـ)، وهو قول ابن سعد. ورجح
البخاري في صحيحه أنها وقعت بعد غزوة خيبر، لأن أبا موسى ربه شهدها، وإنه جاء من
الحبشة، بعد خيبر.
وكان سبب هذه الغزوة أنه قد بلغ رسول الله و ﴿ أن بني محارب وبني ثعلبة من غطفان
يجمعون كتائب لمحاربته ور، فتوجه النبيّ ◌َلل نحو نجد، ومعه أربع مائة من الصحابة، فلقي
جمعاً (عظيماً من غطفان ولم يكن بينهم حرب، وقد أخاف الناس بعضهم بعضاً، حتى صلى
رسول الله ◌َو بالناس صلاة الخوف، ثم انصرف بالناس. وراجع سيرة ابن هشام والزرقاني.
وأما تسمية هذه الغزوة بذات الرقاع، فأصح الأقوال في ذلك ما ذكره أبو موسى ظُه في
حديث الباب، وفيها أقوال أخرى أيضاً، فقيل: سميت ذات الرقاع لأنهم رقعوا فيها راياتهم،
ويقال: ذات الرقاع شجرة بذلك الموضع يقال لها ذات الرقاع، وقيل: إنها أرض فيها بُقَع سود،
وبُقع بيض، كأنها مرقعة برقاع مختلفة، فسميت ذات الرقاع لذلك، وكانوا قد نزلوا فيها. كذا
في الروض الأنف للسهيلي (٢: ١٨٠).
١٤٩ - (١٨١٦) - قوله: (عن بريد بن أبي بردة) بضم الباء مصغراً، وهو بريد بن عبد الله بن
أبي بردة بن أبي موسى الأشعريّ روى عن جده، وهو من رواة الجماعة، وثقه ابن معين
والترمذي وأبو داود والعجليّ، وضعفه النسائي، وقال أبو حاتم: يكتب حديثه، كما التهذيب
(١ : ٤٣١ و٤٣٢).
قوله: (عن أبي موسى) أخرجه البخاري في المغازي، باب غزوة ذات الرقاع،
(رقم: ٤١٢٨).
قوله: (بعير نعتقبه) أي: نتناوب في ركوبه، فيركبه أحدنا لمدة، ثم ينزل، فيركب الآخر.
قوله: (فنقبت) بفتح النون وكسر القاف. أي: قرحت، يقال: نقِب خفّ البعير، أي:
تخرّق، أو رقّت أخفافه، كما في القاموس.