Indexed OCR Text
Pages 141-160
١٤١ كتاب: الجهاد والسّير خَالِداً عَلَى الْمُجَنِّبَةِ الأُخْرَىُ. وَبَعَثَ أَبَا عُبَيْدَةً عَلَى الْحُسَّرِ. فَأَخَذُوا بَظْنَ الْوَادِي. وَرَسُولُ اللَّهِ وَلِهِ فِي كَتِيبَةٍ. قَالَ: فَنَظَرَ فَرَآنِي. فَقَالَ: ((أَبُو هُرَيْرَةَ)) قُلْتُ: لَبَّيْكَ. يَا رَسُولَ اللَّهِ! فَقَالَ: ((لاَ يَأْتِينِي إِلاَّ أَنْصَارِيٌّ». زَادَ غَيْرُ شَيْبَانَ: فَقَالَ: ((اهْتِفْ لِي بَالأَنْصَارٍ)) قَالَ: فَأَطَافُوا بِهِ. وَوَبَّشَتْ قُرَيْشٌ أَوْبَاشاً لَهَا وَأَتْبَاعاً. فَقالُوا: نُقدِّمُ هُؤُلاءِ. فَإِنْ كَانَ لَهُمْ شَيْءٌ كُنَّا مَعَهُمْ. وَإِنْ أُصِيبُوا أَعْطَيْنَا الَّذِي سُئِلْنَا. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَلَ: (تَرَوْنَ إِلَى أَوْبَاشِ قُرَيْشٍ وَأَتْبَاعِهِمْ)) ثُمَّ قَالَ بِيَدَيْهِ، إِحْدَاهُمَا قوله: (على الحسّر) جمع حاسر، وهم الذين لا درع عليهم، والمراد هنا: الرجالة ووقع التصريح بذلك في الطريق الآتي، حيث سماهم البياذقة، وهم الرجالة من أصحاب ركاب الملك ومن يتصرف في أموره. والحاصل أنه كان الزبير وخالد على المجنّبتين، ورسول الله وَّ في القلب، وكان أبو عبيدة على الرجالة. قوله: (اهتف لي بالأنصار) أي: ادعهم لي. قال النووي: «إنما خصهم لثقته بهم، ورفعاً لمراتبهم، وإظهاراً لجلالتهم وخصوصيتهم))، وقال المنذري في تلخيص أبي داود (٤: ٢٤٢): (الهتف: الصوت، وهتف به: أي: صاح به، وهذا ثقة منه وَّل بهم، واستنابة إليهم، وتقريب لهم، لما قرب من قومه ودارهم. وقد كان معه هناك المهاجرون أيضاً يحيطون به)). وقال القاضي عياض: ((وبهذا يجمع بين ما في البخاري: أن كتيبة الأنصار كانت مع سعد بن عبادة، وكتيبة المهاجرين كانت مع الزبير، فيهم رسول الله وَّر، وبين ما في السير: أن النبيّ وَّ كان في كتيبة المهاجرين والأنصار. فدل ما في مسلم أنه دعا الأنصار، فجمعهم بعد افتراقهم، أو أنه بعد هذا الاجتماع، وهو بذي طوى على ما في السير)) كذا في شرح الأبي (٥: ١١٣). قوله: (فأطافوا به) يعني: اجتمعوا حوله، وأحاطوا به. قوله: (ووبّشت قريش أو باشا لها) الأوباش: الجموع من قبائل شتى، والتوبيش: الجمع، أي: جمعت لها جموعاً من أقوام متفرقين في الأنساب والأماكن. كذا في جامع الأصول لابن أثير (٨: ٣٧٢). قوله: (نقدّم هؤلاء) يعني أن قريشاً قدمت أوباشاً لها ليقاتلوا جيش المسلمين، فإن ثبتوا ضد المسلمين، وقرب انتصارهم عليهم لحقتهم قريش للانتصار، وإن انهزم هؤلاء الأوباش أعطينا ما يريد منا المسلمون، ولعل المراد الاستسلام. قوله: (ثم قال بيديه) يعني: أشار بيديه إلى هيئتهم المجتمعة، أو إلى أمر الأنصار بحصدهم واستئصالهم، كما هو مصرح في الرواية الآتية من هذا الحديث. ١٤٢ الجزء الثالث من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم عَلَى الأُخْرَى. ثُمَّ قَالَ: ((حَتَّى تُوَافُونِي بِالصَّفَا)) قَالَ: فَانْطَلَقْنَا. فَمَا شَاءَ أَحَدٌ مِنَّا أَنْ يَقْتُلَ أَحَداً إِلاَّ قَتَلَهُ. وَمَا أَحَدٌ مِنْهُمْ يُوَجِّهُ إِلَيْنَا شَيْئاً. قَالَ: فَجَاءَ أَبُو سُفْيَانَ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ! أُبِيحَتْ خَضْرَاءُ قُرَيْشٍ. لاَ قُرَيْشَ بَعْدَ الْيَوْمِ. ثُمَّ قَالَ: ((مَنْ دَخَلَ دَارَ أَبِي سُفْيَانَ فَهُوَ آمِنٌ)) فَقَالَتِ الأَنْصَارُ، بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: أَمَّا الرَّجُلُ فَأَذْرَكَتْهُ رَغْبَةٌ فِي قَرْيَتِهِ، وَرَأْفَةٌ بِعَشِيرَتِهِ. قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: وَجَاءَ الْوَحْيُ. وَكَانَ إِذَا جَاءَ الْوَحْيُ لاَ يَخْفَى عَلَيْنَا. فَإِذَا جَاءَ فَلَيْسَ أَحَدٌ يَرْفَعُ طَرْفَهُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ وَلَّ حَتَّى يَنْقَضِيَ الْوَحْيُ. فَلَمَّا انْقَضَى الْوَحْيُ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَّ: (يَا مَعْشَرَ الأَنْصَارِ!)) قَالُوا: لَبَّيْكَ. يَا رَسُولَ اللَّهِ! قَالَ: ((قُلْتُمْ: أَمَّا الرَّجُلُ فَأَذْرَكَتْهُ رَغْبَةٌ فِي قَرْيَتِهِ)). قَالُوا: قَدْ كَانَ ذَاكَ. قَالَ: ((كَلاَّ. إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ. هَاجَرْتُ إِلَى اللَّهِ وَإِلَيْكُمْ. وَالْمَحْيَا مَحْيَاكُمْ. وَالْمَمَاتُ مَمَاتُكُمْ)). فَأَقْبَلُوا إِلَيْهِ يَبْكُونَ وَيَقُولُونَ: واللَّهِ! مَا قُلْنَا الَّذِي قُلْنَا إِلاَّ الضِّنَّ بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ: ((إِنَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُصَدْقَانِكُمْ وَيَعْذِرَانِكُمْ)) قَالَ: فَأَقْبَلَ النَّاسُ إِلَى دَارٍ أَبِي سُفْيَانَ. وَأَغْلَقَ النَّاسُ أَبْوَابَهُمْ. قَالَ: وَأَقْبَلَ رَسُولُ اللَّهِ وَ قوله: (حتى توافوني بالصفا) يعني: حتى تلقوني بها بعد انتصاركم على المشركين، وكان النبيّ وَّ علا الصفا بعد طوافه بالبيت، كما سيأتي. قوله: (وما أحد منهم يوجّه إلينا شيئاً) يعني من السلاح، والمراد أنهم لم يقدروا على أن يدفعوا عن أنفسهم. قوله: (فجاء أبو سفيان) وكان قد أسلم قبل ذلك. قوله: (أبيحت خضراء قريش) أي أبيحت دماء جماعتهم، قال عياض: ((وخضراء قريش كناية عن جماعتهم، ويعبر عن الجماعة بالسواد والخضرة)) وقال ابن أثير: ((والعرب تعبّر بالخضرة عن السواد، وبالسواد عن الكثرة)) راجع جامع الأصول (٨: ٣٧٢). قوله: (من دخل دار أبي سفيان فهو آمن) قال ذلك تأليفاً لقلب أبي سفيان، لكونه حديث العهد بالكفر . قوله: (أما الرجل فأدركته رغبة في قريته) أرادوا بالرجل النبيّ وَّر، وبقريته مكة، وبعشيرته قريشاً. قالوا ذلك لما رأوا رأفته وس بأهل مكة، بكف القتل عنهم، فظنوا أنه ◌َّ يرجع إلى سكنى مكة والمقام فيها دائماً، ويرحل عنهم ويهجر المدينة، فشق ذلك عليهم. قوله: (والمحيا محياكم) إلخ: بفتح الميم وسكون الحاء، وفتح الياء المخففة مصدر بمعنى الحياة، والمراد أني لا أحيا إلّ عندكم، ولا أموت إلا عندكم. قوله: (يعذرانكم) بضم الذال، يعني: يقبلون معذرتكم. ١٤٣ كتاب: الجهاد والسّير حَتَّى أَقْبَلَ إِلَى الْحَجَرِ. فَاسْتَلَمَهُ. ثُمَّ طَافَ بِالْبَيْتِ. قَالَ: فَأَتَى عَلَى صَنَمِ إِلَى جَنْبِ الْبَيْتِ كَانُوا يَعْبُدُونَهُ. قَالَ: وَفِي يَدِ رَسُولِ اللَّهِ وَ قَوْسٌ. وَهُوَ آخِذٌ بِسِيَّةِ الْقَوْسِ. فَلَمَّا أَتَّى عَلَى الصَّنَمِ جَعَلَ يَطْعُنُهُ فِي عَيْنِهِ وَيَقُولُ: ((جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ)). فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ طَوَافِهِ أَتَّى الصَّفَاَ فَعَلاَ عَلَيْهِ. حَتَّى نَظَرَ إِلَى الْبَيْتِ. وَرَفَعَ يَدَيْهِ. فَجَعَلَ يَحْمَدُ اللَّهَ وَيَدْعُو بِمَا شَاءَ أَنْ يَدْعُوَ. ٤٥٩٩ - (٨٥) وَحَدَّثَنِيهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ هَاشِم. حَدَّثَنَا بَهْزٌ. حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ الْمُغِيرَةِ، بِهِذَا الإِسْنَادِ. وَزَادَ فِي الْحَدِيثِ: ثُمَّ قَالَ بِيَدَيْهِ، إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَى: ((احْصُدُوهُمْ حَصْداً)). وَقَالَ فِي الْحَدِيثِ: قَالُوا: قُلْنَا: ذَاكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ: ((فَمَا اسْمِي إِذَا؟ كَلاَّ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ)) . ٤٦٠٠ - (٨٦) حدّثني عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمُنِ الدَّارِمِيُّ. حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ حَسَّانَ. حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ. أَخْبَرَنَا ثَابِتٌ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَبَاحِ. قَالَ: وَفَدْنَا إِلَى مُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ. وَفِينَا أَبُو هُرَيْرَةَ. فَكَانَ كُلُّ رَجُلٍ مِنَّا يَصْنَعُ طَعَاماً يَوْماً لأَصْحَابِهِ. فَكَانَتْ نَوْيَتِي. فَقُلْتُ: يَا أَبَا هُرَيْرَةَ! الْيَوْمُ نَوْيَتِي. فَجَاؤُوا إِلَى الْمَنْزِلِ، وَلَمْ يُدْرِْ طَعَامُنَا. فَقُلْتُ: قوله: (ثم طاف بالبيت) قال النووي: «فيه الابتداء بالطواف في أول دخول مكة، سواء كان محرماً بحج أو عمرة. أو غير محرم. وكان النبيّ ◌َّر دخلها في هذا اليوم، وهو يوم الفتح، غير محرم بإجماع المسلمين، وكان على رأسه المغفر، والأحاديث متظاهرة على ذلك، والإجماع منعقد عليه)) وبه استدل الشافعية والحنابلة على أن من لا يريد الحج والعمرة من أهل الآفاق يجوز له دخول مكة بغير إحرام. وقال المالكية والحنفية: لا يجوز لأهل الآفاق دخول مكة إلا بإحرام. واعتذروا عن واقعة فتح مكة بحمله على الخصوصية، - والله أعلم - . قوله: (آخذ بسية القوس) السية، بكسر السين وتخفيف الياء المفتوحة: المنعطف من طرفي القوس. وقوله: ((يطعن)) بضم العين على المشهور، ويجوز فتحها في لغة. وهذا الفعل إذلال للأصنام وعبدتها، وإظهار لكونها لا تضر ولا تنفع، ولا تدفع عن نفسها. كذا في شرح النووي . ٨٥ _ ( ... ) - قوله: (احصدوهم حصداً) بضم الصاد وكسرها. يعني: استأصلوهم قتلاً. قوله: (فما اسمي إذن؟) قال القاضي: ((هذا يحتمل وجهين: أحدهما أنه أراد ◌َير أني نبي الإعلامي إياكم بما تحدثتم به سرّاً. والثاني: لو فعلت هذا الذي خفتم منه، وفارقتكم، ورجعت إلى استيطان مكة، لكنت ناقضاً لعهدكم في ملازمتكم، ولكان هذا غير مطابق لما اشتق منه اسمي وهو الحمد، فإني كنت أوصف حينئذ بغير الحمد)). ١٤٤ الجزء الثالث من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم يَا أَبَا هُرَيْرَةَ، لَوْ حَدَّثْتَنَا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ وَ﴿ حَتَّى يُدْرِكَ طَعَامُنَا. فَقَالَ: كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللهِ وَهِ يَوْمَ الْفَتْحِ. فَجَعَلَ خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ عَلَى الْمُجَنِبَةِ الْيُمْنَى. وَجَعَلَ الزُّبَيْرَ عَلَى الْمُجَنِبَةِ الْيُسْرَىُ. وَجَعَلَّ أَبَا عُبَيْدَةَ عَلَى الْبَيَاذِقَةِ وَبَظْنِ الْوَادِي. فَقَالَ: ((يَا أَبَا هُرَيْرَةَ! ادْعُ لِي الأَنْصَارَ)) فَدَعَوْتُهُمْ. فَجَاؤُوا يُهَزْوِلُونَ. فَقَالَ: ((يَا مَعْشَرَ الأَنْصَارِ، هَلْ تَرَوْنَ أَوْبَاشَ قُرَيْشٍ؟)) قَالُوا: نَعَمْ. قَالَ: ((انْظُرُوا. إِذَا لَقِيتُمُوهُمْ غَداً أَنْ تَحْصِدُوهُمْ حَصْدًا)) وَأَخْفَى بِيَدِهِ. وَوَضِّعَ يَمِينَهُ عَلَى شِمَالِهِ. وَقَالَ: (مَوْعِدُكُمُ الصَّفَا)) قَالَ: فَمَا أَشْرَفَ يَوْمَئِذٍ لَهُمْ أَحَدٌ إِلاَّ أَنَامُوهُ. قَالَ: وَصَعِدَ رَسُولُ اللَّهِ وَّرِ الصَّفَا. وَجَاءَتِ الأَنْصَارُ. فَأَطَافُوا بِالصَّفَا. فَجَاءَ أَبُو سُفْيَانَ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أُبِيدَتْ خَضْرَاءُ قُرَيْشٍ. لاَ قُرَيْشَ بَعْدَ الْيَوْمِ. قَالَ أَبُو سُفْيَانَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ بَّهِ: ((مَنْ دَخَلَ دَارَ أَبِي سُفْيَانَ فَهُوَّ آمِنٌ. وَمَنْ أَلْقَى السِّلَاَحَ فَهُوَ آمِنٌ. وَمَنْ أَغْلَقَ بَابَهُ فَهُوَ آمِنْ)) فَقَالَتِ الأَنْصَارُ: أَمَّا الرَّجُلُ فَقَدْ أَخَذَتْهُ رَأْفَةٌ بِعَشِيرَتِهِ. وَرَغْبَةٌ فِي قَرْيَتِهِ. وَنَزَلَ الْوَحْيُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ وَ. قَالَ: ((قُلْتُمْ: أَمَّ الرَّجُلُ فَقَدْ أَخَذَتْهُ رَأْقَةٌ بِعَشِيرَتِهِ، وَرَغْبَةٌ فِي قَرْيَتِهِ. أَلاَ فَمَا اسْمِي إِذاً! (ثَلاَثَ مَرَّاتٍ) أَنَا مُحَمَّدٌ عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ. هَاجَرْتُ إِلَى اللَّهِ وَإِلَيْكُمْ. فَالْمَحْيَا مَحْيَاكُمْ وَالْمَمَاتُ مَمَاتُكُمْ)). قَالُوا: وَاللَّهِ! مَا قُلْنَا إِلاَّ ضِنَّا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ. قَالَ: ((فَإِنَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُصَدْقَانِكُمْ وَيَعْذِرَانِكُمْ)). ٨٦ - ( ... ) - قوله: (البياذقة) وهم الرجالة، كما مر في الطريق السابق. قوله: (يهرولون) بضم الياء وفتح الهاء وسكون الراء وكسر الواو، مضارع من الهرولة، وهو الإسراع في المشي. قوله: (فما أشرف يومئذ لهم أحد إلا أناموه) يعني: قتلوه، وفيه دليل على أن مكة فتحت عنوة، وهو مذهب أبي حنيفة ومالك وأحمد والجمهور، وقال الشافعي: فتحت صلحاً، وادعى المازري أن الشافعي منفرد بهذا القول، واحتج الجمهور بهذا الحديث وبقول أبي سفيان: (أبيدت خضراء قريش))، وكذلك قوله بَير: ((من دخل دار أبي سفيان فهو آمن إلخ)) دليل على كون مكة فتحت عنوة، لأنها إن كانت مفتوحة صلحاً لكان كل منهم آمناً، فلم يحتج إلى تعيين الآمنين منهم. والله سبحانه أعلم. ١٤٥ كتاب: الجهاد والسّير (٣٢) - باب: إزالة الأصنام من حول الكعبة ٤٦٠١ _ (٨٧) حدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَعَمْرٌو النَّاقِدُ وَابْنُ أَبِي عُمَرَ (وَاللَّفْظُ لابْنِ أَبِي شَيْبَةَ) قَالُوا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنِ ابْنٍ أَبِي نَجِيحِ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنْ أَبِي مَعْمَرٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ. قَالَ: دَخَلَ النَّبِيُّ ◌َهِ مَكَّةَ. وَحَوْلَ الْكَعْبَةِ ثَلاَثُمِائَةٍ وَسِتُّونَ نُصُباً . فَجَعَلَ يَظْعُنُهَا بِعُودٍ كَانَ بِيَدِهِ. وَيَقُولُ: ﴿جَآءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَطِلُّ إِنَّ الْبَطِلَ كَانَ زَهُوقًا﴾ [الإسراء: ٨١] ﴿جَآءَ الْحَقُّ وَمَا يُبْدِئُ اَلْبَطِلُ وَمَا يُعِيدٌ﴾ [سبأ: ٤٩]. زَادَ ابْنُ أَبِي عُمَرَ: يَوْمَ الْفَتْحِ. ٤٦٠٢ - (٠٠٠) وحدّثناه حَسَنُ بْنُ عَلِيِّ الْحُلْوَانِيُّ وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ. كِلاَهُمَا عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ. أَخْبَرَنَا الثَّوْرِيُّ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحِ، بِهِذَا الإِسْنَادِ، إِلَى قَوْلِهِ: زَهُوقاً. وَلَمْ يَذْكُرِ الْآيَةَ الأُخْرَىُ. وَقَالَ: (بَدَلَ نُصُباً) صَنَماً. (٣٢) - باب: إزالة الأصنام من حول الكعبة ٨٧ - (١٧٨١) - قوله: (عن عبد الله) يعني ابن مسعود ربه، وحديثه هذا أخرجه البخاري في المظالم، باب هل تكسر الدنان التي فيها خمر إلخ، (رقم: ٢٤٧٨) وفي المغازي، باب أين ركز النبيّ ◌َّقر الراية يوم الفتح، (رقم: ٤٢٨) وفي تفسير سورة بني إسرائيل، باب وقل جاء الحق وزهق الباطل إلخ، (رقم: ٤٧٢٠)، وأخرجه الترمذي في تفسير سورة بني إسرائيل، (رقم: ٣١٣٨)، وأخرجه أحمد في مسنده (١: ٢٧٧). قوله: (ثلاث مائة وستون نصباً) بضم النون والصاد، وقد تسكن الصاد، وهي واحدة الأنصاب، وهي ما ينصب للعبادة من دون الله تعالى من الأصنام، وقد يطلق النصب ويراد به الحجارة التي كانوا يذبحون عليها للأصنام، وليست مرادة هنا، وقد تطلق الأنصاب على أعلام الطريق وليست مرادة أيضاً. كذا في فتح الباري (٨: ١٧). قوله: (بعود كان بيده) وفي رواية الترمذي: ((بمخصرة)) وروى ابن عباس عند الفاكهي والطبراني، قال: ((فلم يبق وثن استقبله إلا سقط على قفاه، مع أنها كانت ثابتة بالأرض، وقد شدّ لهم إبليس أقدامها بالرصاص)) وفي حديث ابن عمر عند الفاكهي، وصححه ابن حبان: ((فیسقط الصنم ولا يمسّه)). قوله: (وزهق الباطل) زهق العظم، من باب فتح، زهوقاً: اكتنز مخّه، وزهق المخّ بنفسه إذا اكتنز، ومن المجاز: زهق الباطل، أي: اضمحلّ، وبطل، وهلك. كذا في تاج العروس. قوله: (وما يبدىء الباطل وما يعيد) الإبداء: إنشاء شيء للمرة الأولى، والإعادة: فعله مرة ثانية. قال الزمخشري: ((والحيّ إما أن يبدىء فعلاً أو يعيده، فإذا هلك لم يبق له إبداء ولا إعادة، فجعلوا قولهم: لا يبدىء ولا يعيد مثلاً في الهلاك ... والمعنى: جاء الحق وهلك الباطل)) كذا في الكشاف (٣: ٥٩١). ١٤٦ الجزء الثالث من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم (٣٣) - باب: لا يقتل قرشيّ صبراً بعد الفتح ٤٦٠٣ - (٨٨) حدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ. حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ وَوَكِيعٌ، عَنْ زَكَرِيَّاءَ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، قَالَ: أَخْبَرَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُطِيع، عَنْ أَبِهِ. قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ◌َ يَقُولُ، يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ: ((لاَ يُقْتَلُ قُرَشِيٍّ صَبْراً بَعْدَ هُذَا الْيَوْمِ، إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ)). ٤٦٠٤ - (٨٩) حدّثنا ابْنُ نُمَيْرٍ. حَدَّثَنَا أَبِي. حَدَّثَنَا زَكَرِيَّاءُ، بِهذَا الإِسْنَادِ. وَزَادَ: قَالَ: وَلَمْ يَكُنْ أَسْلَمَ أَحَدٌ مِنْ عُصَاةٍ قُرَيْشٍ، غَيْرَ مُطِيعٍ. كَانَ اسْمُهُ الْعَاصِي. فَسَمَّاهُ رَسُولُ اللَّهِ بَلِّ مُطِيعاً. (٣٣) - باب: لا يقتل قرشي صبراً بعد الفتح ٨٨ - (١٧٨٢) - قوله: (أخبرني عبد الله بن مطيع) بضم الميم وكسر الطاء وسكون الياء، ولد في حياة رسول الله وَّةٍ وروى عن أبيه، ليس له في صحيح مسلم إلا هذا الحديث الواحد، كان من رجال قريش جلداً وشجاعة، وكان على قريش يوم الحرة، واستعمله ابن الزبير على الكوفة، فأخرجه المختار بن أبي عبيد منها، وذكر ابن حبان أن له صحبة، وقال يحيى بن سعيد الأنصاري: أذكر أني رأيت ثلاثة أرؤس قدم بها المدينة: رأس ابن الزبير، ورأس ابن مطيع، ورأس ابن صفوان، رواه البخاري في تاريخه. كذا في التهذيب (٦: ٣٦). قوله: (عن أبيه) هو مطيع بن الأسود بن حارثة بن نضلة، أسلم يوم الفتح، وليس له أيضاً إلا هذا الحديث الواحد عند مسلم، مات في خلافة عثمان بالمدينة، وحكى ابن البرقي عن بعضهم أنه قتل بالجمل. كذا في الإصابة (٣: ٤٠٥). ولم أجد حديثه هذا عند غير مسلم من الأئمة الستة، وأخرجه الدارمي في الديات، باب لا يقتل قرشي صبراً، وأخرجه أحمد في مسنده (٤١٢:٣ و٢١٢:٤). قوله: (لا يقتل قرشيّ صبراً) القتل صبراً: أن يوثق المقتول، ويرميه القاتل من قبل وجهه . قوله: (إلى يوم القيامة) قال العلماء: معناه الإعلام بأن قريشاً يسلمون كلهم، ولا يرتدّ منهم أحد كما ارتد غيرهم بعده وَلّ ممن حورب وقتل صبراً، وليس المراد أنهم لا يقتلون ظلماً صبراً، فقد جرى على قريش بعد ذلك ما هو معلوم، - والله أعلم - . كذا في شرح النووي. وأخرج الدارمي هذا الحديث في سننه (٢: ١١٩) ثم قال: ((قال أبو محمد: فسروا ذلك أن لا يقتل قرشيّ على الكفر، يعني لا يكون هذا أن يكفر قرشي بعد ذلك اليوم، فأما في القود فيقتل)). ٨٩ - ( ... ) - قوله: (أحد من عصاة قريش) قال القاضي عياض: ((عصاة)) هنا جمع العاص من أسماء الأعلام لا من الصفات، أي: ما أسلم ممن كان اسمه العاص، مثل ١٤٧ كتاب: الجهاد والسّير (٣٤) - باب: صلح الحديبية في الحديبية ٤٦٠٥ - (٩٠) حدّثني ◌ُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذِ الْعَنْبَرِيُّ. حَدَّثَنَا أَبِي. حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ. قَالَ: سَمِعْتُ الْبَرَاءَ بْنَ عَازِبٍ يَقُولُ: كَتَبَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبِ الصُّلْحَ بَيْنَ النَبِّ وَّهُ وَبَيْنَ الْمُشْرِكِينَ، يَوْمَ الْحُدَيْبِيَةِ. فَكَتَبَ: ((هذَا مَا كَاتَبَ عَلَيْهِ مُحَمَّدَّ رَسُولُ اللَّهِ) فَقَالُوا: لاَ تَكْتُبْ: رَسُولُ اللَّهِ. فَلَوْ نَعْلَمُ أَنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ لَمْ نُقَاتِلْكَ. فَقَالَ النَّبِيُّ ◌َِ لِعَلِيِّ: ((امْحُهُ)) فَقَالَ: مَا أَنَا بِالَّذِي أَمْحَاهُ. فَمَحَاهُ النَّبِيُّ بَهَ بِيَدِهِ. قَالَ: وَكَانَ فِيمَا اشْتَرَطُوا. العاص بن وائل السهمي، والعاص بن هشام، والعاص بن سعيد بن العاص ... وغيرهم، سوى العاص بن الأسود ... ولكنه ترك أبا جندل بن سهيل بن عمرو، وهو ممن أسلم، واسمه أيضاً العاص، فإذا صح هذا فيحتمل أن هذا لما غلبت عليه كنيته وجهل اسمه، لم يعرفه المخبر باسمه، فلم يستثنه كما استثنى مطيع بن الأسود)). كذا في شرح النووي. (٣٤) - باب: صلح الحديبية الحديبية، بضم الحاء وفتح الدال وإسكان الياء الأولى، وكسر الباء، وأما الياء الثانية فاختلفوا فيها، فمنهم من شدّدها، ومنهم من خفّفها، وصحح الشافعي التشديد، وقيل: كلّ صواب، أهل المدينة يثقلونها، وأهل العراق يخفّفونها. وهي قرية متوسطة ليست بالكبيرة، سميت ببئر هناك عند مسجد الشجرة التي بايع رسول الله وَالر تحتها، وبينها وبين مكة مرحلة، وبعض الحديبية في الحلّ وبعضها في الحرم، وهو أبعد الحل من البيت. كذا في معجم البلدان للحموي (٦: ٢٢٩). ويعرف هذا الموضع اليوم بالشّميسيّ، ويقع في الطريق القديم ما بين جدّة ومكّة. وقصة غزوة الحديبية معروفة، أن النبيّ وَّر خرج مع أصحابه يريد العمرة، فمنعه الكفار من دخول مكة، فاستعدّ الصحابة للقتال، حتى وقع هذا الصّلح. ٩٠ - (١٧٨٣) - قوله: (سمعت البراء بن عازب) هذا الحديث أخرجه البخاري في الصلح، باب كيف يكتب هذا ما صالح فلان ابن فلان إلخ (رقم: ٢٦٩٨ و٢٦٩٩)، وباب الصلح مع المشركين، (رقم: ٢٧٠٠)، وفي الجزية، باب المصالحة على ثلاثة أيام، (رقم: ٣١٨٤)، وفي المغازي، باب عمرة القضاء، (رقم: ٤٢٥١)، وأخرجه أبو داود في المناسك، باب المحرم يحمل السلاح، (رقم: ١٨٣٢)، وأحمد في مسنده (٤: ٢٨٩ و٢٩١ و ٣٠٢). قوله: (ما أنا بالذي أمحاه) محاه يمحوه ويمحاه، كلتاهما لغتان صحيحتان، كما في تاج العروس. قال الحافظ في الفتح (٧: ٥٠٣): ((كأن عليّاً فهم أن أمره له بذلك ليس متحتماً، فلذلك امتنع من امتثاله)). ووقع في رواية للنسائي عن عليّ رَظُه: ((فقال سهيل: لو علمنا أنه ١٤٨ الجزء الثالث من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم أَنْ يَدْخُلُوا مَكَّةَ فَيُقِيمُوا بِهَا ثَلاَثًاً. وَلاَ يَدْخُلُهَا بِسِلاَحِ، إِلاَّ جُلْبَّانَ السِّلاَحِ. قُلْتُ لأَبِي إِسْحَاقَ: وَمَا جُلُبَّانُ السِّلاَحِ؟ قَالَ: الْقِرَابُ وَمَا فِيهِ . ٤٦٠٦ - (٩١) حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى وَابْنُ بَشَارٍ. قَالاَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ. حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ. قَالَ: سَمِعْتُ الْبَرَاءَ بْنَ عَازِبٍ يَقُولُ: لَمَّا صَالَّحَ رَسُولُ اللَّهِ ﴿ أَهْلَ الْحُدَيْبِيَةِ، كَتَبَ عَلِيٍّ كِتَاباً بَيْنَهُمْ. قَالَ: فَكَتَبَ: ((مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ))، ثُمَّ ذَكَرَ بِنَحْوِ حَدِيثِ مُعَاذٍ. غَيْرَ أَنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ فِي الْحَدِيثِ: ((هُذَا مَا كَاتَبَ عَلَيْهِ)) . ٤٦٠٧ - (٩٢) حدّثنا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِيُّ وَأَحْمَدُ بْنُ جَنَابِ الْمِصْيصِيُّ . جَمِيعاً عَنْ عِيسَى بْنِ يُونُسَ (وَاللَّفْظُ لِإِسْحَاقَ). أَخْبَرَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ. أَخْبَرَنَا زَكَرِيَّاءُ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنِ الْبَرَاءِ. قَالَ: لَمَّا أُحْصِرَ النَّبِيُّ وَّهِ عِنْدَ الْبَيْتِ، صَالَحَهُ أَهْلُ مَكَّةً عَلَى أَنْ يَدْخُلَهَا فَيُقِيمَ بِهَا ثَلاَثاً. وَلاَ يَدْخُلَهَا إِلَّ بِجُلُبَّانِ السِّلاَحِ. السَّيْفِ وَقِرَابِهِ. وَلاَ يَخْرُجَ بِأَحَدٍ مَعَهُ مِنْ أَهْلِهَا. وَلَ يَمْنَعَ أَحَداً يَمْكُثُ بِهَا مِمَّنْ كَانَ مَّعَهُ. قَالَ لِعَلِيِّ: ((اكْتُبِ الشَّرْطَ بَيْنَنَا. بِسْم اللَّهِ الرَّحْمُنِ الرَّحِيمِ. هُذَا مَا قَاضَى عَلَيْهِ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ) فَقَالَ لَّهُ الْمُشْرِكُونَ: لَوْ نَعْلَّمُ أَنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ تَابَغْنَاكَ. وَلَكِنِ اكْتُبْ: مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ. فَأَمَرَ عَلِيًّا أَنْ يَمْحَاهَا. فَقَالَ عَلِيٍّ: لاَ. وَاللَّهِ! لاَ أَمْحَاهَا. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَله: ((أَرِنِي مَكَانَهَا)) فَأَرَاهُ مَكَانَهَا. فَمَحَاهَا. وَكَتَّبَ ((ابْنُ عَبْدِ اللَّهِ)) .. رسول الله ما قاتلناه، امحها. فقلت: هو والله رسول الله وإن رغم أنفك، لا والله لا أمحها)) وبهذا يظهر أن أول من أمره بالمحو سهيل، فأجابه بذلك، ولعلّ النبيّ ◌َ ر أشار عليه بعد ذلك بالمحو، فأعاد جوابه. قوله: (إلّ جلبان السّلاح) بضم الجيم واللام وتشديد الباء الموحدة. كذا رواه الأكثرون، وصوبه ابن قتيبة وغيره. ورواه بعضهم بإسكان اللام وتخفيف الباء، كذا ذكره الهروي وصوبه هو وثابت، ولم يذكر ثابت سواه. وهو ألطف من الجراب، يكون من الأدم يوضع فيه السيف مغمداً، ويطرح فيه الراكب سوطه وأداته ويعلقه في الرحل. والمعنى: أن لا يدخلوا مكة إلاّ وسيوفهم مغمدة. قال العلماء: وإنما شرطوا هذا لوجهين: أحدهما: أن لا يظهر منه دخول الغالبين القاهرين، والثاني: أنه إن عرض فتنة أو نحوها يكون في الاستعداد بالسلاح صعوبة، كذا في شرح النووي. ٩٢ - ( ... ) - قوله: (المِصِّيصِيّ) بكسر الميم وتشديد الصاد، مَرَّ ترجمته في باب غزوة حنین. قوله: (فمحاها وكتب ابن عبد الله) ظاهره أن النبيّ وَلل كتب بنفسه، وهو الظاهر من رواية ١٤٩ كتاب: الجهاد والسير فَأَقَامَ بِهَا ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ. فَلَمَّا أَنْ كَانَ يَوْمُ الثَّالِثِ قَالُوا لِعَلِيٍّ: هُذَا آخِرُ يَوْمٍ مِنْ شَرْطِ صَاحِبِكَ. فَأُمُرْهُ فَلْيَخْرُجْ، فَأَخْبَرَهُ بِذْلِكَ. فَقَالَ: ((نَعَمْ)) فَخَرَجَ . وَقَالَ ابْنُ جَنَابٍ فِي رِوَايَتِهِ: (مَكَانَ تَابَعْنَاكَ) بَايَعْنَاكَ. ٤٦٠٨ - (٩٣) حدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ. حَدَّثَنَا عَقَّانُ. حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، إسرائيل عند البخاري في المغازي، ولفظها: ((فأخذ رسول الله ◌َي الكتاب، وليس يحسن يكتب، فكتب: هذا ما قاضى إلخ)). وقد تمسك بهذا الظاهر أبو الوليد الباجي، فادعى أن النبيّ وَّر كتب بيده بعد أن لم يكن يحسن يكتب. فشنع عليه علماء الأندلس في زمانه ورموه بالزندقة، وأن الذي قاله مخالف القرآن، فجمعهم الأمير، فاستظهر الباجي عليهم بما لديه من المعرفة، وقال للأمير: هذا لا ينافي القرآن، بل يؤخذ من مفهوم القرآن، لأنه قيّد النفي بما قبل ورود القرآن، فقال: ﴿وَمَا كُنْتَ نَتْلُواْ مِن قَبْلِهِ، مِن كِتَبٍ وَلَا تَُّّهُ بِعِينِكٌَ﴾ [سورة العنكبوت، آية: ٤٢])) وبعد أن تحققت أميته وتقررت بذلك معجزته وأمن الارتياب في ذلك، لا مانع من أن يعرف الكتابة بعد ذلك من غير تعليم، فتكون معجزة أخرى. وذكر ابن دحية أن جماعة من العلماء وافقوا الباجي في ذلك، منهم شيخه أبو ذر الهروي، وأبو الفتح النيسابوري، وآخرون من علماء إفريقية وغيرها . واحتج بعضهم لذلك بما أخرجه ابن أبي شيبة وعمر بن شبّة من طريق مجاهد، عن عون بن عبد الله، قال: ((ما مات رسول الله وَّ﴿ل حتى كتب وقرأ)) قال مجاهد: فذكرته للشعبي فقال: ((صدق، قد سمعت من يذكر ذلك. قال عياض: ((وردت آثار تدل على معرفة حروف الخط وحسن تصويرها، كقوله لكاتبه: ((ضع القلم على أذنك فإنه أذكر لك)) وقوله لمعاوية: ألق الدواة وحرف القلم، وأقم الباء، وفرّق السين، ولا تعور الميم)) وقوله: ((لا تمد بسم الله)). قال: ((وهذا، وإن لم يثبت أنه كتب، فلا يبعد أن يرزق علم وضع الكتابة، فإنه أوتي علم كل شيء)). وأجاب الجمهور بضعف هذه الأحاديث، وعن قصة الحديبية في الباب بأن القصة واحدة، والكاتب فيها عليّ، وقد صرح في حديث المسور أن الذي كتب عليّ. وإن نسبة الكتابة إليه ◌َ﴿ في حديث الباب، وفي حديث البخاري في المغازي، نسبة مجازيّة، بمعنى أنه أمر بالكتابة، ومثل هذه النسبة كثير، كقول الراوي: ((كتب إلى قيصر وإلى كسرى)) مع أنه وَلـ لم يباشر الكتابة وإنما أمر بذلك. قال الجمهور: وهذا التأويل أولى لموافقته ما ورد في القرآن من تلقيبه وَ ل﴿ أمّاً، وقوله ثالثا: ((إنّا أمّة أمّية، لا نكتب ولا نحسب)). ومال الحافظ إلى حمل حديث الباب على الظاهر، وذلك بأنه وَّةٍ على كونه أمّيّاً، كتب في ذلك الوقت بخصوصه معجزة له رقلقه. وراجع فتح الباري (٧: ٥٠٣ و٥٠٤). قوله: (فأقام بها ثلاثة أيام) يعني: في العام المقبل عند عمرة القضاء. ١٥٠ الجزء الثالث من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ؛ أَنَّ قُرَيْشاً صَالَحُوا النَّبِيَّ نَّهُ. فِيهِمْ سُهَيْلُ بْنُ عَمْرٍو. فَقَالَ النَّبِيُّ ◌َُّ لِعَلِيٍّ: ((اكْتُبْ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمُنِ الرَّحِيمِ)). قَالَ سُهَيْلٌ: أَمَّا بِاسْمِ اللَّهِ، فَمَا نَذْرِي مَا بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمُنِ الرَّحِيمِ. وَلَكِنِ اكْتُبْ مَا نَغْرِفُ: بِاسْمِكَ اللَّهُمَّ. فَقَّالَ: ((اكْتُبْ مِنْ مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ)) قَالُوا: لَوْ عَلِمْنَا أَنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ لاتَّبَعْنَاكَ. وَلَكِنِ اكْتُبِ اسْمَكَ وَاسْمَ أَبِيِكَ. فَقَالَ النَّبِيُّ بَهِ: ((اكْتُبْ مِنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللّهِ)) فَاشْتَرَطُوا عَلَى النَّبِيِّ وَ أَنَّ مَنْ جَاءَ مِنْكُمْ لَمْ نَرُدَّهُ عَلَيْكُمْ. وَمَنْ جَاءَكُمْ مِنَّا رَدَدْتُمُوهُ عَلَيْنَا. فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَنَكْتُبُ هُذَا؟ قَالَ: ٩٣ - (١٧٨٤) - قوله: (عن أنس) هذا الحديث لم أجده عند غير مسلم من الأئمة الستة. قوله: (من جاءكم منّا رددتموه علينا) قال النووي: ((قال العلماء: وافقهم النبيّ ◌َّ في ترك كتابة ((بسم الله الرحمن الرحيم))، وأنه كتب ((باسمك اللهم))، وكذا وافقهم في ((محمد بن عبد الله)) وترك كتابة ((رسول الله))، وكذا وافقهم في رد من جاء منهم إلينا، دون من ذهب منا إليهم. وإنما وافقهم في هذه الأمور للمصلحة المهمة الحاصلة بالصلح، مع أنه لا مفسدة في هذه الأمور. أما البسملة و((باسمك اللهم)) فمعناهما واحد، وكذا قوله ((محمد بن عبد الله)) هو أيضاً رسول الله وَله، وليس في ترك وصف الله سبحانه وتعالى في هذا الموضع بالرحمن الرحيم ما ينفي ذلك، ولا في ترك وصفه أيضاً ليل هنا بالرسالة ما ينفيها، فلا مفسدة فيما طلبوه. وإنما كانت المفسدة تكون لو طلبوا أن يكتب ما لا يحل من تعظيم آلهتهم ونحو ذلك. وأما شرط رد من جاء منهم، ومنع من ذهب إليهم، فقد بيّن النبيّ وَّرِ الحكمة فيهم في هذا الحديث بقوله: ((من ذهب منّا إليهم فأبعده الله، ومن جاءنا منهم سيجعل الله له فرجاً ومخرجاً)). ثم كان كما قال الله، فجعل الله للذين جاؤونا منهم وردّهم إليهم فرجاً ومخرجاً ولله الحمد، وهذا من المعجزات)) . ((قال العلماء: والمصلحة المترتبة على إتمام هذا الصلح ما ظهر من ثمراته الباهرة، وفوائده المتظاهرة التي كانت عاقبتها فتح مكة، وإسلام أهلها كلها، ودخول الناس في دين الله أفواجاً. وذلك أنهم قبل الصلح لم يكونوا يختلطون بالمسلمين، ولا تتظاهر عندهم أمور النبيّ وَّ كما هي، ولا يحلون بمن يعلمهم بها مفصلة. فلما حصل صلح الحديبية اختلطوا بالمسلمين، وجاؤوا إلى المدينة، وذهب المسلمون إلى مكة، وحلوا بأهلهم وأصدقائهم وغيرهم ممن يستنصحونه، وسمعوا منه أحوال النبيّ وَلّ مفصلة بجزئياتها، ومعجزاته الظاهرة، وأعلام نبوته المتظاهرة، وحسن سيرته وجميل طريقته، وعاينوا بأنفسهم كثيراً من ذلك فمالت نفوسهم إلى الإيمان، حتى بادر خلق منهم إلى الإسلام قبل فتح مكة، وازداد الآخرون ميلاً إلى الإسلام، فلما كان يوم الفتح أسلموا كلهم)). قوله: (أنكتب هذا؟) استفهام تعجب. كأنهم استبعدوا من النبيّ وَّ أن؟؟؟ ١٥١ كتاب: الجهاد والسّير (نَعَمْ. إِنَّهُ مَنْ ذَهَبَ مِنَّا إِلَيْهِمْ، فَأَبْعَدَهُ اللَّهُ. وَمَنْ جَاءَنَا مِنْهُمْ، سَيَجْعَلُ اللَّهُ لَهُ فَرَجاً وَمَخْرَجاً)). ٤٦٠٩ - (٩٤) حدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ. حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نُمَيْرٍ. ح وَحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ (وَتَقَارَبَا فِي اللَّفْظِ). حَدَّثَنَا أَبِي. حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ سِيَاءٍ. حَدَّثَنَا حَبِيبُ بْنُ أَبِي ثَابِتٍ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ. قَالَ: قَامَ سَهْلُ بْنُ حُنَيْفِ يَوْمَ صِفِّينَ فَقَالَ: أَيُّهَا النَّاسُ! انَّهِمُوا أَنْفُسَكُمْ. لَقَدْ كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللّهِ وَهِ يَوْمَ الْحُدَيْبِيَةِ. ٩٤ - (١٧٨٥) - قوله: (عبد العزيز بن سياه) بكسر السين وتخفيف الياء، وهو الأسديّ الحمّاني الكوفي، أخرجه عنه الجماعة إلاّ أبا داود. ووثقه أبو داود وابن معين والعجلي وابن نمير ويعقوب بن سفيان، وقال أبو حاتم: محله الصدق وقال أبو زرعة: ثقة وهو من كبار الشيعة. راجع التهذيب (٦: ٣٤٠ و٣٤١). و ((سياه) مصروف مع كونه عجمياً، وكأنه ليس بعلم عندهم . وقوله: (عن أبي وائل) أخرجه البخاري في الجهاد، باب إثم من عاهد ثم غدر، (رقم: ٣١٨١ و٣١٨٢)، وفي المغازي، باب غزوة الحديبية، (رقم: ٤١٨٩)، وفي التفسير، سورة الفتح، (رقم: ٤٨٤٤)، وفي الاعتصام، باب ما يذكر من ذم الرأي وتكلف القياس، (رقم: ٧٣٠٨). ، يوم صفين) حين وقعت الحرب بين سيدينا على ومعاوية قوله: (قام سهل بن حنيف ـيًّا، فلمّا استحر القتال جاءت الدعوة من قبل معاوية بالتحكيم، فمال عليّ رظُبه إلى قبولها، وأنكرتها الخوارج، وأصرّوا على الاستمرار في القتال. فقام سهل بن حنيف لتصبير الناس على الصلح والتحكيم. وحاصل قوله: أن الصّلح وإن كان يبدو في الظاهر مكروهاً، ولكن عاقبته تصير إلى خير، كما وقع ذلك في الحديبية. وقد وقع التصريح بذلك في رواية للنسائي، ذكرها الحافظ في الفتح (٨: ٥٨٨)، ولفظها: ((فلما استحر القتال بأهل الشام قال عمرو بن العاص لمعاوية: أرسل المصحف إلى عليّ فادعه إلى كتاب الله فإنه لن يأبى عليك، فأتى به رجل فقال: بيننا وبينكم كتاب الله، فقال علي: أنا أولى بذلك، بيننا كتاب الله، فجاءته الخوارج - ونحن يومئذ نسميهم القراء - وسيوفهم على عواتقهم، فقالوا: يا أمير المؤمنين! ما ننتظر بهؤلاء القوم، ألا نمشي إليهم بسيوفنا حتى يحكم الله بيننا وبينهم؟ فقام سهل بن حنيف)). قوله: (اتّهموا أنفسكم) يعني في إصراركم على الاستمرار في القتال. وفي الرواية الآتية: (اتهموا رأيكم)) وفي رواية ثالثة: ((اتهموا رأيكم على دينكم)) أي لا تعملوا في أمر الدين بالرأي المجرد. وقال الكرماني: ((إن سهلاً كان يتهم بالتقصير في القتال، فقال: اتهموا رأيكم، فإني لا ١٥٢ الجزء الثالث من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم وَلَوْ نَرَىْ قِتَالاً لَقَاتَلْنَا. وَذُلِكَ فِي الصُّلْحِ الَّذِي كَانَ بَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ وَهُ وَبَيْنَ الْمُشْرِكِينَ. فَجَاءَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ. فَأَتَّى رَسُولَ اللَّهِ وَّهِ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَلَسْنَا عَلَى حَقِّ وَهُمْ عَلَى بَاطِلٍ؟ قَالَ: (بَلَى)) قَالَ: أَلَيْسَ قَتْلاَنَا فِي الْجَنَّةِ وَقَتْلاَهُمْ فِي النَّارِ؟ قَالَ: (بَلَى)) قَالَ: فَفِيمَ نُعْطِي الدَّنِيَّةَ فِي دِينِنَا، وَنَرْجِعُ وَلَمَّا يَحْكُم اللَّهُ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ؟ فَقَالَ: ((يَا ابْنَ الْخَطَّابِ، إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ. وَلَنْ يُضَيُّعَنِي اللَّهُ أَبَدا)) قَالَ: فَّانْطَلَقَ عُمَرُ فَلَمْ يَصْبِرْ مُتَغَيِّظاً. فَأَتَى أَبَا بَكْرٍ فَقَالَ: يَا أَبَا بَكْرٍ، أَلَسْنَا عَلَى حَقِّ وَهُمْ عَلَى بَاطِلِ؟ قَالَ: بَلَى. قَالَ: أَلَيْسَ قَتْلاَنَا فِي الْجَنَّةِ وَقَتْلاَهُمْ فِي النَّارِ؟ قَالَ: بَلَى. قَالَ: فَعَلاَمَ نُعْطِيَّ الدَّنِيَّةَ فِي دِينِنَا، وَنَرْجِعُ وَلَمَّا يَحْكُم اللَّهُ بَيْتَنَا وَبَيْنَهُمْ؟ فَقَالَ: يَا ابْنَ الْخَطَّابِ! إِنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ وَلَنْ يُضَيِّعَهُ اللَّهُ أَبَداً. قَالَ: فَتَزَّلَ الَّقُرْآنُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ وَلَهَ بِالْفَتْحِ. فَأَرْسَلَ إِلَى عُمَرَ فَأَقْرَأَهُ إِيَّاهُ. فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَوَ فَتْحٌ هُوَ؟ قَالَ: ((نَعَمْ)) فَطَابَتْ نَفْسُّهُ وَرَجَعَ . أقصّر فيها وما كنت مقصّراً وقت الحاجة، كما في الحديبية)). راجع شرح الكرماني للبخاري (٢٥: ٥٥). قوله: (ولو نرى قتالاً لقاتلنا) يعني أن توقفنا عن القتال لم يكن بسبب الجبن والفرار عن القتال، فإننا لو كنا رأينا المصلحة في القتال لقاتلنا، وإنما توقفنا من أجل مصلحة الأمة. قوله: (ففيم نُعطي الدنيّة) أما ((نُعطي)) فهو على البناء للمجهول من الإعطاء، وأما الدنيّة فهو بفتح الدال وكسر النون وتشديد الياء، أي النقيصة. قال العلماء: ((لم يكن سؤال عمر رُه وكلامه المذكور شكّاً، بل طلباً لكشف ما خفي عليه وحثّاً على إذلال الكفار وظهور الإسلام، كما عرف من خلقه ره، وقوته في نصر الدين وإذلال المبطلين. كذا في شرح النووي. قال العبد الضعيف عفا الله عنه: لعلّ كلام عمر رَظُه كان في حالة يسميها الصوفية ((غلبة الحال))، وذلك أنه غلب عليه شوق الجهاد، وإعلاء كلمة الله، حتى ساءه أن يصالح المسلمون الكفار بهذه الشروط التي تبدو بظاهرها مخالفة لعلوّ يد المسلمين، وتشعر بضعفهم ضد الكفار. وفي غلبة الحال يصدر من الرجل ما لا يصدر منه في الصّحو، ويكون في ذلك معذوراً. وقد وقع لعمر رظُه مثل ذلك عند غزوة أحد، وعند وفاة النبيّ وَلّ، حتى أنكر أن يكون رسول الله وَّ﴾ قد توفّي، وشنّع على من تكلم بوفاته. قوله: (يا ابن الخطّاب إنّه رسول الله) وافق كلام أبي بكر ◌َّ ◌ُه كلام رسول الله وَله وقد وقع له مثل ذلك بمناسبات متعددة أخرى، وهو من الدلائل الظاهرة على عظيم فضله، وبارع علمه، وزيادة عرفانه، ورسوخه في كل ذلك، وعلى كونه صدّيقاً لرسول الله وله. قوله: (أو فتح فهو؟ قال: نعم) سمَّى صلح الحديبية فتحاً لما اشتمل عليه من الفوائد ١٥٣ كتاب: الجهاد والسّير ٤٦١٠ - (٩٥) حدّثنا أَبُو كُرَيْبٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلاَءِ وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ. قَالاَ: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ شَقِيقٍ، قَالَ: سَمِعْتُ سَهْلَ بْنَ حُنَيْفٍ يَقُوَّلُ بِصِفِّينَ: أَيُّهَا النَّاسُِ! اتَّهِمُوا رَأْيَكُمْ. وَاللَّهِ، لَقَدْ رَأَيْتُنِي يَوْمَ أَبِي جَنْدَلٍ وَلَوْ أَنِّي أَسْتَطِيعُ أَنْ أَرُدَّ أَمْرَ رَسُولِ اللَّهِ وَ لَرَدَدْتُهُ. وَاللَّهِ! مَا وَضَعْنَا سُيُوفَنَا عَلَى عَوَاتِقِنَا إِلَى أَمْرٍ قَطْ، إِلَّ أَسْهَلْنَ بِنَا إِلَى أَمْرٍ نَعْرِفُهُ. إِلاَّ أَمْرَكُمْ هذَا . لَمْ يَذْكُرِ ابْنُ نُمَيْرٍ: إِلَى أَمْرٍ فٌَ. ٤٦١١ - (٠٠٠) وحدّثناه عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَإِسْحَاقُ. جَمِيعاً عَنْ جَرِيرٍ. ح وَحَدَّثَنِي أَبُو سَعِيدِ الأَشَجُّ. حَدَّثَنَا وَكِيعٌ. كِلاَهُمَا عَنِ الأَعْمَشِ، بِهُذَا الإِسْنَادِ. وَفِي حَدِيثِهِمَا: إِلَى أَمْرٍ يُفْظِعُنَا. ٤٦١٢ - (٩٦) وَحدّثني إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعِيدٍ الْجَوْهَرِيُّ. حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ الجمّة التي مر ذكرها، ولأنه تمكن به المسلمون في زمن الهدنة من فتح خيبر، ودعوة الكفار إلى الإسلام، وإرسال كتب الدعوة إلى خارج جزيرة العرب، وهكذا صلحت الأرضية لفتح مكة. ٩٥ - ( ... ) - قوله: (لقد رأيتني يوم أبي جندل) أشار إلى القصة المعروفة لأبي جندل ظه، وكان من السابقين إلى الإسلام، وكان ممن أقبل إلى بدر مع المشركين، فانحاز إلى المسلمين، ثم أسر بعد ذلك وعذّب ليرجع عن دينه، فلمّا قدم رسول الله وَّر الحديبية فرّ عن المشركين، وجاءه وَّر يَرسف في قيوده، فقال: ((يا معشر المسلمين! أرة إلى المشركين؟ وقد جئت مسلماً، ألا ترون إلى ما لقيت؟)) يعني من العذاب الشديد، وكان مجيئه قبل الفراغ من كتابة الصلح، فسأل النبيّ وَّل سهيل بن عمرو أن يجيز إبقاءه، فامتنع سهيل، حتى قال: ((فو الله لا أصالحك على شيء أبداً)) فأخذه سهيل بن عمرو، ورجع به. ثم لحق أبو جندل أبا بصير حتى فرّج الله عنهم، وقصة ذلك مفصلة في صحيح البخاري وكتب المغازي. وراجع الإصابة (٤ : ٣٤) . قوله: (أردّ أمر رسول الله وَلقول) يعني: في تسليم أبي جندل إلى الكفار. قوله: (ما وضعنا سيوفنا على عواتقنا) وضع السيوف على العواتق كناية عن الاستعداد للحرب، والمراد أنّنا كلما تأهبنا للقتال بوضع سيوفنا على عواتقنا، أفضت هذه السيوف إلى أمر سهل نعرفه خيراً، غير هذا الأمر، أي الذي نحن فيه من هذه المقاتلة التي وقعت فيها، فإنها لا تسهل بنا. كذا في شرح الكرماني للبخاري (٢٥: ٥٥). ( ... ) - قوله: (إلى أمر يفظعنا) الأمر الفظيع: الشديد، وقوله: ((يفظعنا)) أي: يوقعنا في أمر فظيع شديد علينا. كذا في جامع الأصول لابن أثير (٨: ٣٣١). ١٥٤ الجزء الثالث من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم مَالِكِ بْنِ مِغْوَلٍ، عَنْ أَبِي حَصِينٍ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ. قَالَ: سَمِعْتُ سَهْلَ بْنَ حُنَيْفٍ بِصِفِينَ يَقُولُ: أَنَّهِمُوا رَأْيَكُمْ عَلَى دِينِكُمْ. فَلَقَدْ رَأَيْتُنِيّ يَوْمَ أَبِي جَنْدَلٍ وَلَوْ أَسْتَطِيعُ أَنْ أَرُدَّ أَمْرَ رَسُولِ اللَّهِ وَّهِ. مَا فَتَحْنَا مِنْهُ فِي خُصْمِ، إِلَّ انْفَجَرَ عَلَيْنَا مِنْهُ خُصْمٌ. ٩٦ - ( ... ) - قوله: (مالك بن مغول) بكسر الميم وسكون الغين وفتح الواو، من عبّاد أهل الكوفة ومتقنيهم وثقه الجميع، وأخرج عنه الجماعة. قال رجل لمالك بن مغول: اتّق الله، فوضع خدّه بالأرض، قال ابن سعد: كان ثقة مأموناً كثيراً للحديث فاضلاً خيّراً. كذا في التهذيب (١٠: ٢٢ و ٢٣). قوله: (عن أبي حَصين) بفتح الحاء وكسر الصّاد، اسمه عثمان بن عاصم الكوفي، وهو من رجال الجماعة ثقة ثبت، وفضّله أحمد على أبي إسحاق على قلة حديثه، وكان عثمانيّاً . راجع التهذيب (٧: ١٢٦ و ١٢٧). قوله: (عن أبي وائل) هو شقيق بن سلمة، ذكره في هذه الرواية بكنيته وفي الرواية الماضية باسمه. وهو معروف من رجال الجماعة، أدرك زمن النبيّ ◌َ *. وقال الأعمش: قال لي أبو وائل: ((يا سليمان! لو رأيتني ونحن هرّاب من خالد بن الوليد، فوقعت عن البعير فكادت عنقي تندق، فلومتّ يومئذ كانت النار وكنت يومئذ ابن إحدى عشرة سنة)) وهو من أعلم الناس بحديث ابن مسعود رُه، قال ابن معين: ((ثقة لا يُسْأَلُ عن مثله)) مات بعد الجماجم (سنة: ٨٢هـ)، وقال ابن حبان في الثقات: سكن الكوفة وكان من عبّادها وليست له صحبة، ومولده سنة إحدى من الهجرة. كذا في التهذيب (٤: ٣٦٢ و ٣٦٣). قوله: (ما فتحنا منه في خصم) هكذا وقع هذا الحديث في نسخ صحيح مسلم كلها، وفيه محذوف، وهو جواب ((لو)). تقديره: ولو أستطيع أن أردّ أمر رسول الله وَ * لرددته. وأمّا الخُصم، بضم الخاء، فهو الطرف، وخُصم كل شيء طرفه. وهذه الفقرة متعلقة بقوله في الرواية السابقة: ((إلاَّ أمركم هذا))، كما يتضح من رواية البخاري في المغازي، ولفظها: ((وما وضعنا أسيافنا على عواتقنا لأمر يفظعنا إلاّ أسهلن بنا إلى أمر نعرفه، قبل هذا الأمر: ما نسدّ منها خُصماً إلّ تفجّر علينا خصم، ما ندري كيف نأتي له)). والمراد: أننا كنا نقاتل في الماضي، فيؤول الأمر إلى يُسر وسهولة وخير للمسلمين. أما قتالنا هذا في صفّين، فالأمور فيها معقّدة للغاية، كلّما نحلّ مشكلة تظهر لنا مشكلة أخرى. وذلك لكون القتال فيما بين المسلمين. فحذف أحد الرواة في صحيح مسلم هذه العبارة، فأشكل المراد، ثمّ قوله: ((ما فتحنا منه في خصم)) مما لم يذكره إلّ هذا الراوي، والصحيح ما ذكر في رواية البخاري: ((ما نسدّ منها خصماً))وبه يستقيم المعنى، ويتقابل السدّ بالانفجار. ونسب القاضي عياض الغلطة إلى أحد الرواة. وقال ابن أثير في جامع الأصول (٨: ٣٣١): ((وأراد بقوله: ((ما نسدّ خصماً إلا انفجر ١٥٥ كتاب: الجهاد والسير ٤٦١٣ - (٩٧) وحدّثنا نَصْرُ بْنُ عَلِيِّ الْجَهْضَمِيُّ. حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ الْحَارِثِ. حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي عَرُوبَةَ، عَنْ قَتَادَةَ؛ أَنَّ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ حَدَّثَهُمْ قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ: ﴿إِنَّ فَحْنَا لَكَ فَتْحَا فُِّنَا لِيَغْفِرَ لَكَ اَلَهُ﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الفتح: ١ - ٥] مَرْجِعَهُ مِنَ الْحُدَيْبِيَةِ وَهُمْ يُخَالِطُهُمُ الْحُزْنُ وَالْكَابَةُ. وَقَدْ نَحَرَ الْهَدْيَ بِالْحُدَيْبِيَةِ. فَقَالَ: ((لَقَدْ أُنْزِلَتْ عَلَيَّ آيَةٌ هِيَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنَ الدُّنْيَا جَمِيعاً)). ٤٦١٤ - (٠٠٠) وحدّثنا عَاصِمُ بْنُ النَّضْرِ التَّيْمِيُّ. حَدَّثَنَا مُعْتَمِرٌ. قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي. حَدَّثَنَا قَتَادَةُ. قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ. ح وَحَدَّثَنَا ابْنُ الْمُثَنَّى. حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ. حَدَّثَنَا هَمَّامٌ. ح وَحَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ. حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ مُحَمَّدٍ. حَدَّثَنَا شَيْبَانُ. جَمِيعاً عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ، نَحْوَ حَدِيثِ ابْنِ أَبِي عَرُوبَةً. (٣٥) - باب: الوفاء بالعهد ٤٦١٥ - (٩٨) وحدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ. حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنِ الْوَلِيدِ بْنِ ◌ُمَيْعٍ. حَدَّثَنَا أَبُو الطُّفَيْلِ . علينا منه خُصم)) الإخبار عن انتشار الأمر. وأنه لا يتهيأ إصلاحه وتلافيه، لأنه بخلاف ما كانوا عليه من الاتفاق . ٩٧ - (١٧٨٦) - قوله: (أن أنس بن مالك حدثهم) هذا الحديث أخرجه البخاري في المغازي، باب غزوة الحديبية، (رقم: ٤١٧٢)، وفي تفسير سورة الفتح، (رقم: ٤٨٣٤). وأخرجه الترمذي في تفسير سورة الفتح (٣٢٦٣). قوله: (مرجعه) منصوب على الظرفية، يعني: وقت رجوعه من الحديبية. قوله: (يخالطهم الحزن والكآبة) لما فاتهم من العمرة، وما وقع عليه الصلح من شروط ظاهرها ضعف المسلمين. قوله: (أحبّ إليّ من الدنيا جميعاً) قال الأبّي: («إمّا باعتبار كونها قرآناً، فآية واحدة خير من الدنيا وما فيها. والأظهر أنه يريد لما اشتملت عليه من الفتح الذي نزل الإعلام به، وأصحابه في حالة شدّة)). قلت: وتضمنت الآية أيضاً المغفرة العامّة لرسول الله وَلته، وإتمام نعمة الله تعالى عليه، ونصره نصراً عزيزاً. وكل ذلك فيه بشارة موجبة للفرح. (٣٥) - باب: الوفاء بالعهد ٩٨ - (١٧٨٧) - قوله: (عن الوليد بن جُميع) بضم الجيم مصغراً هو وليد بن عبد الله بن جُميع، وقد ينسب إلى جدّه. قال أحمد وأبو داود: ليس به بأس، وقال ابن معين والعجلي: ١٥٦ الجزء الثالث من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم حَدَّثَنَا حُذَيْفَةُ بْنُ الْيَمَانِ. قَالَ: مَا مَنَعَنِي أَنْ أَشْهَدَ بَدْراً إِلاَّ أَنِّي خَرَجْتُ أَنَا وَأَبِي، حُسَيْلٌ، قَالَ: فَأَخَذَنَا كُفَّارُ قُرَيْشٍ. قَالُوا: إِنَّكُمْ ترِيدُونَ مُحَمَّداً؟ فَقُلْنَا: مَا نُرِيدُهُ. مَا نُرِيدُ إِلاَّ الْمَدِينَةَ. فَأَخَذُوا مِنَّا عَهْدَ اللَّهِ وَمِيثَاقَهُ لَننْصَرِفَنَّ إِلَى الْمَدِينَةِ وَلاَ نُقَاتِلُ مَعَهُ. فَأَتَيْنَا رَسُولَ اللَّهِ وَبِهِ فَأَخْبَرْنَاهُ الْخَبَرَ. فَقَالَ: ((انْصَرِفَا. نَفِي لَهُمْ بِعَهْدِهِمْ، وَنَسْتَعِينُ اللَّهَ عَلَيْهِمْ)). ثقة، وقال أبو زرعة: لا بأس به، وقال عمرو بن علي: كان يحيى بن سعيد لا يحدثنا عنه، فلما كان قبل موته بقليل حدثنا عنه. وذكره ابن حبان في الثقات، وذكره أيضاً في الضعفاء؛ وقال: ينفرد عن الأثبات بما لا يشبه حديث الثقات. فلما فحش ذلك منه بطل الاحتجاج به، وقال ابن سعد: كان ثقة له أحاديث. وقال البزار: احتملوا حديثه وكان فيه تشيع. وقال العقيلي: في حديثه اضطراب. وقال الحاكم: لو لم يخرج له مسلم لكان أولى. كذا في التهذيب (١١ : ١٣٩). قوله: (حدثنا حذيفة بن اليمان) هذا الحديث لم أجده عند غير مسلم من الأئمة الستة. قوله: (وأبي حُسَيْلٌ) مرفوع على أنه بدل من قوله: ((أبي)) و ((حُسَيْل)) اسم والد حذيفة حظيبه، واليمان لقبه، سماه به قومه لأنه كان أصاب دماً في قومه، ففرّ إلى المدينة، فحالف بني عبد الأشهل، فسموه بذلك لمحالفته اليمانية(١). وقيل: نسب حذيفة إلى اليمان لكون اليمان جده الأعلى. كذا في شرح الأبي. ووالد حذيفة هذا كان مسلماً، واستشهد يوم أحد بأيدي المسلمين خطأ، وقصته مفصلة في صحيح البخاري. قوله: (ما نريد إلا المدينة) قال القاضي عياض: ((فيه جواز الكذب والتعريض للخائف للضرورة)). وقد تقدمت هذه المسألة بتفاصيلها في باب جواز الخداع في الحرب. قوله: (نفي لهم بعهدهم) قال النووي: ((وهذا ليس للإيجاب، فإنه لا يجب الوفاء بترك الجهاد مع الإمام ونائبه، ولكن أراد النبيّ وَّر أن لا يشيع عن أصحابه نقض العهد، وإن كان لا يلزمهم ذلك، لأن المشيع عليهم لا يذكر تأويلاً)). واختلف العلماء في الأسير يعاهد أن لا يهرب. فقال الشافعي والكوفيّون: لا يلزمه. وقال مالك: يلزمه. وقال ابن القاسم وابن المواز: إن أكرهه على أن يحلف لم يلزمه لأنه مكره. وقال بعض الفقهاء: لا فرق بين الحلف والعهد، وخروجه عن بلد الكفر واجب)) كذا في شرح الأبي. وراجعه للتفصيل. (١) قال الأبي في شرحه: ((يعني باليمانية الأنصار، لأنهم ليسوا من معد. وتقدم أن العرب عربان: يمنية ومعدية. والمعدية ما كان من ذرية إسماعيل ظلا، واليمنية غيرهم)). ١٥٧ كتاب: الجهاد والسّير (٣٦) - باب: غزوة الأحزاب ٤٦١٦ - (٩٩) حدّثنا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ. جَمِيعاً عَنْ جَرِيرٍ. قَالَ زُهَيْرٌ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: كُنَّا عِنْدَ حُذَيْفَةً. فَقَالَ رَجُلٌ: لَوْ أَدْرَكْتُ رَسُولَ اللَّهِ بِهِ قَاتَلْتُ مَعَهُ وَأَبْلَيْتُ. فَقَالَ حُذَيْفَةُ: أَنْتَ كُنْتَ تَفْعَلُ ذُلِكَ؟ لَقَدْ رَأَيْتُنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ وَيهِ لَيْلَةَ الأَحْزَابِ. وَأَخَذَتْنَا رِيحٌ شَدِيدَةٌ وَقُرٍّ. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَهِ: ((أَلاَ رَجُلٌ يَأْتِيْنِي بِخَبَرِ الْقَوْم، جَعَلَهُ اللَّهُ مَعِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟) فَسَكَثْنَا. فَلَمْ يُجِبْهُ مِنَّا أَحَدٌ. ثُمَّ قَالَ: ((أَلاَ رَجُلٌ يَأْتِينَا بِخَبَرِ الْقَوْمِ، جَعَلَهُ اللَّهُ مَعِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟)) فَسَكَثْنَا. (٣٦) - باب: غزوة الأحزاب ٩٩ - (١٧٨٨) - قوله: (عن أبيه) اسمه يزيد بن شريك بن طارق التيمي الكوفي، روى عن جمع من الصحابة، وثقه يحيى بن معين، وقال ابن سعد: كان عريف قومه وله أحاديث. وقال أبو موسى المديني في الذيل: يقال: إنه أدرك الجاهلية. كذا في التهذيب (١١: ٣٣٧). وحديثه هذا لم أجده عند غير المصنف من بين الأئمة الستة. قوله: (وأبليت) بفتح الهمزة على البناء للمعروف من الإبلاء. أي: بالغت في نصرته، كذا فسّره القاضي عياض. والإبلاء في الأصل: أن يبلغ الرجل جهده في أمر، وأكثر ما يستعمل في العذر، يقال: أبلاه عذراً، يعني اعتذر إليه بكل ما عنده من جهد، فقبل عذره. ثم يستعمل للمبالغة في شيء. قال الزبيدي في تاج العروس (١٠: ٤٤): ((وفي حديث برّ الوالدين)) أبْلٍ الله تعالى عذرا في برّها، أي: أعطه، وأبلغ العذر فيها إليه. المعنى: أحسن فيما بينك وبين الله ببرّك إيّاها)). قوله: (أنت كنت تفعل ذلك؟) استفهام إنكار. قال النووي: ((معناه أن حذيفة فهم منه أنه لو أدرك النبيّ ◌َ ﴿ لبالغ في نصرته، ولزاد على الصحابة ظه، فأخبره بخبره في ليلة الأحزاب، وقصد زجره عن ظنّه أنه يفعل أكثر من فعل الصحابة)). قلت: ما ذكره النووي مصرح في رواية ابن إسحاق، عن يزيد بن زياد، عن محمد بن كعب القرظي، قال: ((قال رجل من أهل الكوفة لحذيفة بن اليمان: يا أبا عبد الله! أرأيتم رسول الله وّل وصحبتموه؟ قال: نعم يا ابن أخي، قال: فكيف كنتم تصنعون؟ قال: والله لقد كنّا نجهد، قال: فقال: والله لو أدركناه ما تركناه يمشي على الأرض، ولحملناه على أعناقنا، فقال حذيفة إلخ)) راجع سيرة ابن هشام مع الروض الأنف (٢: ١٩٤). قوله: (قُرّ) بضم القاف: البرد الشديد. قوله: (فلم يجبه منّا أحد) هذا يدلّ على مدى شدّة المشقة والتعجب والنصب الذي لحق ١٥٨ الجزء الثالث من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم فَلَمْ يُحِبْهُ مِنَّا أَحَدٌ. ثُمَّ قَالَ: ((أَلاَ رَجُلٌ يَأْتِينَا بِخَبَرِ الْقَوْمِ، جَعَلَهُ اللَّهُ مَعِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟)) فَسَكَتْنَا. فَلَمْ يُحِبْهُ مِنَّا أَحَدٌ. فَقَالَ: ((قُمْ. يَا حُذَيْفَةُ! فَأُتِّنَا بِخَبَرِ الْقَوْم)) فَلَمْ أَجِدْ بُدًّا، إِذْ دَعَانِي بِاسْمِي، أَنْ أَقُومَ. قَالَ: ((اذْهَبْ. فَأَتِيِ بِخَبَرِ الْقَوْمِ. وَلاَ تَذْعَرْهُمْ عَلَيَّ)) فَلَمَّا وَلَّيْتُ مِنْ عِنْدِهِ جَعَلْتُ كَأَنَّمَا أَمْشِي فِي حَمَّامٍ. حَتَّى أَتَيْتُهُمْ. فَرَأَيَّتُ أَبَا سُفْيَانَ يَصْلِي ظَهْرَهُ بِالنَّارِ . فَوَضَعْتُ سَهْماً فِي كَبِدِ الْقَوْسِ. فَأَرَدْتُ أَنْ أَزْمِيَهُ. فَذَكَرْتُ قَوْلَ رَسُولِ اللَّهِ وَّ: ((وَلاَ تَذْعَرْهُمْ عَلَيَّ) وَلَوْ رَمَيْتُهُ لأَصَبْتُهُ. فَرَجَعْتُ وَأَنَا أَمْشِي فِي مِثْلِ الْحَمَّامِ. فَلَمَّا أَتَيْتُهُ فَأَخْبَرْتُهُ الصحابة في غزوة الخندق، فإنهم كانوا من أسرع الناس إجابة لرسول الله وَلغيره، وأكثرهم شوقاً إلى الجهاد، وأقواهم استعداداً لاقتحام الأخطار والمتاعب في سبيل الله، ولم يكونوا ليتخلفوا عما يدعوهم إليه ويقول بهذه البشارة العظيمة ثلاث مرات، فسكوتهم في ذلك الحين لا يمكن إلا إذا بلغوا من التعب والنصب نهايته، بما أدّاهم إلى حال الاضطرار الشديد، رضي الله عنهم ورضوا عنه. قوله: (لا تذعرهم عليّ) بفتح التاء وسكون الذال وفتح العين. معناه: لا تفزعهم عليّ، ولا تحرّكهم عليّ. قال القاضي عياض: ((وذلك - والله أعلم - أنما خافهم على حذيفة، لأنه إذا ذعرهم تجسّسوا عليه فيأخذونه، ويعود ذلك على النبيّ وَلّ بقتل عينه ورسوله)). كذا في شرح الأبي. قوله: (كأنما أمشي في حمّام) يريد أنه لم يصبه البرد الذي كان الناس يشعرون به في ذلك الحين، بل عافاه الله منه ببركة إجابته للنبيّ وَّر. وهو من المعجزات. قوله: (يصلي ظهره) بفتح الياء وسكون الصاد، أي یدفئه، ویدنیه من النار. قوله: (فرجعت وأنا أمشي في مثل الحمام) اختصر الراوي القصة، وتفصيلها في رواية ابن إسحاق، ولفظها: ((قال: فدهبت، فدخلت في القوم، والريح وجنود الله تفعل بهم ما تفعل، لا تقرّ لهم قدراً، ولا ناراً، ولا بناء. فقام أبو سفيان، فقال: يا معشر قريش! لينظر امرؤ من جليسه؟ (لئلا يكون فيهم جاسوس للمسلمين) قال حذيفة: فأخذت بيد الرجل الذي كان إلى جنبي، فقلت: من أنت؟ (إنما بادر بالأخذ بيده، لئلا يسبقه ذلك الرجل، وليشغله الدفاع عن نفسه عن السؤال عن حذيفة. وذلك من فراسته ربه ) قال: فلان ابن فلان. ثم قال أبو سفيان: يا معشر قريش! إنكم والله ما أصبحتم بدار مقام. لقد هلك الكراع (يعني الفرس) والخفّ (يعني البعير)، وأخلفتنا بنو قريظة، وبلغنا عنهم الذي نكره، ولقينا من شدّة الريح ما ترون، ما تطئمن لنا قدر، ولا تقوم لنا نار، ولا يستمسك لنا نباء، فارتحلوا فإنّي مرتحل. ثم قام إلى جمله وهو معقول، فجلس عليه ثم ضربه، فوثب به على ثلاث، فوالله ما أطلق عقاله إلا وهو قائم، ولولا عهد رسول الله ◌َ﴿ إليّ أن لا تحدث شيئاً حتى تأتيني، ثم شئت لقتلته بسهم. قال حذيفة: فرجعت إلى رسول الله و18َّ وهو قائم يصلي في مرط لبعض نسائه)). ١٥٩ كتاب: الجهاد والسّير بِخَبَرِ الْقَوْمِ، وَفَرَغْتُ، قُرِرْتُ. فَأَلْبَسَنِي رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ مِنْ فَضْلِ عَبَاءَةٍ كَانَتْ عَلَيْهِ يُصَلِّي فِيهَا. فَلَمْ أَزَلْ نَائِماً حَتَّى أَصْبَحْتُ. فَلَمَّا أَصْبَحْتُ قَالَ: ((قُمْ، يَا نَوْمَانُ!)). (٣٧) - باب: غزوة أحد ٤٦١٧ - (١٠٠) وحدّثنا هَذَّابُ بْنُ خَالِدِ الأَزْدِيُّ. حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ عَلِيٍّ بْنِ زَيْدٍ وَثَابِتِ الْبُنَانِيِّ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَلِهِ أُفْرِدَ يَوْمَ أُحُدٍ فِي سَبْعَةٍ مِنَ الأَنْصَارِ وَرَجُلَيْنِ مِنْ قُرَيْشٍ. فَلَمَّا رَهِقُوهُ قَالَ: ((مَنْ يَرُدُّهُمْ عَنَّا وَلَهُ الْجَنَّةُ، أَوْ هُوَ قوله: (قُرِزْت) بضم القاف وكسر الراء الأولى، على البناء للمجهول، يعني: أصابني القُرّ، وهو البرد. قوله: (قم يا نومان) بفتح النون وإسكان الواو، وهو كثير النوم. وأكثر ما يستعمل في النداء، كما استعمله هنا. كذا في شرح النووي. وهذا خطاب من النبيّ وَّ لحذيفة فيه لطف لا يخفى . (٣٧) - باب: غزوة أحد ١٠٠ - (١٧٨٩) - قوله: (هذّاب بن خالد) بفتح الهاء وتشديد الدال، ويقال له ((هدية) (بضمّ الهاء وسكون الدال) أيضاً، ثمّ نسبه المصنّف إلى الأزد، وكذا قاله البخاري وابن أبي حاتم، وذكره ابن عدي والسمعاني، فقالا: هو قيسي، وجمع الباجي بينهما، فقال: ((القيسي الأزدي)) وذكر القاضي عياض وجه التوفيق بينهما، راجع له شرح النووي. وهدّاب هذا وثقه ابن معين، وقال ابن عدي: لم أر له حديثاً منكراً، وهو كثير الحديث صدوق لا بأس به، وقال النسائي: ضعيف، وقال عبدان: كنا لا نصلي خلف هدبة من طول صلاته، يسبح نيفاً وثلاثين تسبيحة. أخرج عنه الشيخان وأبو داود. راجع التهذيب (١١: ٢٤ و ٢٥). قوله: (عن عليّ بن زيد) يعني ابن جدعان، وهو ضعيف عند أكثر المحدثين، نسبوه إلى الرفض وأنه كان يرفع ما يوقفه الآخرون، ويقلب الأحاديث، لم يخرج عنه البخاري في صحيحه، وإنما أخرج عنه مسلم مقروناً بغيره، وهو هنا ثابت البناني. قوله: (ثابت البناني) بضم الباء وتخفيف النونين، كما في التقريب. وهو ثابت بن أسلم، أبو محمد البصري، من ثقات التابعين. قال ابن حبان في الثقات: كان من أعبد أهل البصرة، وقال شعبة: كان ثابت يقرأ القرآن في كل يوم وليلة ويصوم الدهر. أخرج عنه الجماعة، وراجع التهذيب (٢: ٢ و ٣). قوله: (عن أنس بن مالك) هذا الحديث لم أجده عند غير المصنف من بين الأئمة الستة. قوله: (فلما رهقوه) بكسر الهاء، يقال: رهِقه يرهَقه رَهْقاً، كسمع، أي غَشِيَه. والإرهاق: ١٦٠ الجزء الثالث من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم رَفِيقِي فِي الْجَنَّةِ؟)) فَتَقَدَّمَ رَجُلٌ، مِنَ الأَنْصَارِ، فَقَاتَلَ حَتَّى قُتِلَ. ثُمَّ رَهِقُوهُ أَيْضاً. فَقَالَ: ((مَنْ يَرُدُّهُمْ عَنَّا وَلَهُ الْجَنَّةُ، أَوْ هُوَ رَفِيقِي فِي الْجَنَّةِ؟)) فَتَقَّدَّمَ رَجُلٌ، مِنَ الأَنْصَارِ، فَقَاتَلَ حَتَّى قُتِلَ. فَلَمْ يَزَلْ كَذْلِكَ حَتَّى قُتِلَ السَّبْعَةُ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ لِصَاحِبَيْهِ: ((مَا أَنْصَفْنَا أَضْحَابَنَا)) . ٤٦١٨ - (١٠١) حدّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى التَّمِيمِيُّ. حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِي حَازِمِ، عَنْ أَبِيهِ؛ أَنَّهُ سَمِعَ سَهْلَ بْنَ سَعْدٍ يُسْأَلُ عَنْ جُرْحِ رَسُولِ اللَّهِ وَهِ يَوْمَ أُحُدٍ؟ فَقَّالَ: جُرِّحَ وَجْهُ رَسُولِ اللَّهِ وَلِهِ، وَكُسِرَتْ رَبَاعِيَتُهُ، وَهُشِمَتِ الْبَيْضَةُ عَلَى رَأْسِهِ. الإعجال. وقيل: رهقوه، أي: قربوا منه. ومنه المراهق، وهو الغلام الذي قارب الاحتلام. كذا في جامع الأصول لابن أثير (٨: ٢٤٣). قوله: (لصاحبه) يعني القرشيّين. قوله: (ما أنصفنا أصحابنا) الرواية المشهورة: بسكون الفاء ونصب الأصحاب، ومعناه: ما أنصفت قريش الأنصار لكون القرشيين لم يخرجا للقتال، بل خرجت الأنصار واحداً بعد واحد. وذكر القاضي وغيره أن بعضهم رواه ((ما أنصَفَنا أصحابُنا)) بفتح الفاء، ورفع الأصحاب، على أنه فاعل. والمراد حينئذ أن الأصحاب الذي فرّوا عنّا لم ينصفونا . - والله أعلم - . ١٠١ - ( ... ) - قوله: (سمع سهل بن سعد) أخرجه البخاري في الجهاد، باب المجنّ ومن يتترس بترس صاحبه، (رقم: ٢٩٠٣)، وباب لبس البيضة، (رقم: ٢٩١١)، وفي المغازي، باب ما أصاب النبيّ وَّر من الجراح يوم أحد، (رقم: ٤٠٧٥)، وفي الطب، باب حرق الحصير ليسد به الدم، (رقم: ٥٧٢٢)، وأخرجه الترمذي في الطب، باب التداوي بالرماد، (رقم: ٢٠٨٥)، وابن ماجه في الطب، باب دواء الجراحة، (رقم: ٣٤٦٤ و٣٤٦٥). قوله: (ُجُرح وجه رسول الله وَّفير) قال الحافظ في الفتح (٧: ٣٧٢): ((ومجموع ما ذكر في الأخبار أنه شج وجهه، وكسرت رباعيته، وجرحت وجنته وشفته السفلى من باطنها، وهي منكبه من ضربة ابن قمئة، وجحشت ركبته. وروى عبد الرزاق عن معمر عن الزهري، قال: ((ضرب وجه النبيّ ◌َّي يومئذ بالسيف سبعين ضربة وقاه الله شرّها كلّها)). وهذا مرسل قوي، ويحتمل أن يكون أراد بالسبعين حقيقتها أو المبالغة في الكثرة)). قوله: (وكُسرت رباعيته) بفتح الراء وتخفيف الباء، والرباعية: سنّ متصلة بالثنايا. وكان الذي كسر رباعيته وجرح شفته عتبة بن أبي وقاص، وكان سعد بن أبي وقاص أخوه يقول: ((ما حرصت على قتل رجل قط حرصي على قتل عتبة بن أبي وقاص)) كذا في شرح الأبي. قوله: (هُشِمَت) أي كُسرت، والبيضة: الخود.