Indexed OCR Text

Pages 81-100

٨١
كتاب: الجهاد والسّير
٤ - أخرج ابن السمان في الموافقة عن الأوزاعي قال: ((بلغني أن فاطمة بنت رسول الله وَليه
غضبت على أبي بكر، فخرج أبو بكر، حتى قام على بابها في يوم حارّ، ثم قال: لا أبرح مكاني
حتى ترضى عني بنت رسول الله وَّر، فدخل عليها عليّ، فأقسم عليها لترضى، فرضيت)) ذكره
المحب الطبري في الرياض النضرة (١: ١٥٧).
٥ - أخرج ابن شاهين في كتاب الخمس له عن الشعبي: ((أن أبا بكر قال لفاطمة: يا بنت
رسول الله! ما خير عيش حياة أعيشها وأنت عليّ ساخطة، فإن كان عندك من رسول الله وَّر في
ذلك عهد فأنت الصادقة المصدقة المأمونة على ما قلت: قال: فما قام أبو بكر حتى رضيت
ورضي)) ذكره العيني في عمدة القاري (٧: ١٢٢) باب فرض الخمس.
فالذي يتلخص من هذه الروايات أن فاطمة وثها لم تهجر أبا بكر للأبد، وما توفيت وهي
عليه غضبى، كما يبدو من رواية الزهري في الباب، والذي يظهر لهذا العبد الضعيف عفا الله عنه
أنها في أول الأمر طلبت الميراث، فلمّا أخبرها أبو بكر ته بالحديث المعروف في أن الأنبياء
لا يورثون سلمت له ما قال، ولكنّها طلبت تولية أراضي رسول الله وهو لنفسها، أو لعليّ رُبه،
ولكن أبا بكر به امتنع من ذلك لما رواه أبو داود عنه: ((إن الله إذا أطعم نبيّاً طعمة ثم قبضه،
جعلها للذي يقوم من بعده)) فسكتت فاطمة عنها. وقالت: ((أنت وما سمعته)) ولكن بقي في نفسها
شيء في تفسير هذا الحديث، وكأنها رأت أن هذا الحديث غير مانع من تسليم التولية إليها، فلم
تبق في قلبها بشاشة كاملة لسيدنا أبي بكر ﴿ه، وهذا كما يحدث بين مجتهدين يختلفان في
مسألة مجتهد فيها، وليس ذلك من المعاداة. ولا من الهجران. وإنما هو انقباض يسير ينشأ من
اختلاف في الآراء، وكان أبو بكر به يشعر بذلك، فأراد أن يزول هذا الانقباض أيضاً، فذهب
إليها في مرضها، وترضّاها حتى رضيت، وعادت بينهما البشاشة الكاملة.
ثم رأيت أن الحافظ ابن كثير تَتُ جمع بين الروايات بعين ما ذكرته، فقال تتُّهُ في البداية
والنهاية (٥: ٢٨٩): ((وكأنها سألته بعد هذا (يعني: بعد مطالبة الميراث، وتسليم ما قاله أبو
بكر به) أن يجعل زوجها ناظراً على هذه الصدقة، فلم يجبها إلى ذلك لما قدمناه (يعني: به
قوله فيما سبق: (فقد اعتذر بما حاصله أنه لما كان خليفة رسول الله بن طلال فهو يرى أن فرضاً عليه
أن يعمل بما كان يعمله رسول الله وق طر، ويلي ما كان يليه رسول الله وَ طهر، ولهذا قال: وإنّي والله
لا أدع أمراً كان يصنعه فيه رسول الله صل﴿ إلا صنعته)، فتعتبت عليه بسبب ذلك، وهي امرأة من
بنات آدم، تأسف كما يأسفون، وليست بواجبة العصمة مع وجود نص رسول الله وَليو، ومخالفة
أبي بكر الصديق ظه، وقد روينا عن أبي بكر به أنه ترضى فاطمة وتلاينها قبل موتها،
فرضيت عيُّنا)» ثم ساق حديث الشعبي الذي نقلناه عن البيهقي وابن سعد.

٨٢
الجزء الثالث من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
قصة أخرى في هبة فدك:
وتذكر من قبل الشيعة في أمر فدك قصة أخرى، وهي أن فاطمة رضيثنا لم تَدَّع فدك ميراثاً،
وإنما ادعت أن رسول الله وَ لقل وهبها لها فطلب أبو بكر ظبه على ذلك البينة، فلم يشهد لها إلا
عليّ وأم أيمن، فلم يتم نصاب الشهادة، فرد أبو بكر رضيُه دعواها. ولم أجد هذه القصة في
كتب أهل السنة إلا عند عمر بن شبة في تاريخ المدينة (١: ١٩٩)، ونصه ما يلي:
((حدثنا محمد بن عبد الله بن الزبير، قال: حدثنا فضيل بن مرزوق، قال: حدثنا النميري بن
حسان، قال: قلت: لزيد بن علي رحمة الله عليه، وأنا أريد أن أهجّن أمر أبي بكر: إن أبا
بكر ظُه انتزع من فاطمة ◌ّا فدك، فقال: إن أبا بكر ضُه كان رجلاً رحيماً، وكان يكره أن
يغيّر شيئاً تركه رسول الله وَليه، فأتته فاطمة ضًَّا، فقالت: إن رسول الله وَّر أعطاني فدك، فقال
لها: هل لك على هذا بينة؟ فجاءت بعليّ ره، فشهد لها، ثم جاءت بأم أيمن، فقالت: أليس
تشهد أني من أهل الجنة؟ قال: بلى، قال أبو أحمد: يعني أنها قالت ذاك لأبي بكر وعمر مة
قالت: فأشهد أن النبيّ وَل أعطاها فدك. فقال أبو بكر ربه: فبرجل وامرأة تسحقينها؟ أو
تستحقين بها القضية؟ قال زيد بن علي: وايم الله لو رجع الأمر إليّ لقضيت فيها بقضاء أبي
بکر ڤته».
ولكن إسناد هذه الرواية ضعيف جداً، وهو مسلسل بالشيعة، فمحمد بن عبد الله بن الزبير
وإن كان من رواة الجماعة، وعدوّه من الثقات، ولكنه كان يتشيع، قال العجلي: ((كوفيّ ثقة
يتشيع)) كما في التهذيب (٩: ٢٥٥). وأما فضيل بن مرزوق، فقال فيه ابن معين: ((صالح
الحديث، إلا أنه شديد التشيع)) وقال الحاكم: («ليس هو من شرط الصحيح، وقد عيب على مسلم
إخراجه لحديثه)) وقال ابن حبان في الضعفاء: ((كان يخطىء على الثقات)) وقال العجلي: ((جائز
الحديث صدوق، وكان فيه تشيع)) كما في التهذيب (٨: ٢٩٩ و٣٠٠)، وعدّه الشيعة من رجال
الإماميّة، فقال المامقانيّ الشيعي في تنقيح المقال (٢: ١٥، رقم: ٩٥١٧)، ((عّه الشيخ في
رجاله من أصحاب الصادق، وظاهره كونه إمامياً، إلا أنه مجهول الحال)). وأما نميري بن حسّان
فلم أجد أحداً بهذا الاسم في كتب الرجال، لا في كتب أهل السنة، ولا في كتب الشيعة، ولكن
يظهر من روايته هذه أنه كان شيعياً، لأنه قال: ((وأنا أريد أن أهجّن أمر أبي بكر)).
فظهر بهذا أن هذه القصة غير ثابتة من رواية أهل السنّة، ولذلك أنكرها العلامة ابن
تيمية تتّثُ في منهاج السنة (٢: ٢١١)، فقال: ((إن ما ذكر من ادعاء فاطمة فدك فإنها ينقض كونه
ميراثاً لها، فإن كان طلبها بطريق الإرث امتنع أن يكون بطريق الهبة، وإن كان بطريق الهبة امتنع
أن يكون بطريق الإرث، ثم إن كانت هذه هبة في مرض الموت، فرسول الله ولو منزه إن كان
يورث كما يورث غيره، أن يوصي لوارث، أو يخصه في مرض موته بأكثر من حقه، وإن كان في

٨٣
كتاب: الجهاد والسّير
صحته فلا بد أن تكون هذه هبة مقبوضة، وإلا فإذا وهب الواهب بكلام ولم يقبض الموهوب
شيئاً حتى مات، كان ذلك باطلاً عند جماهير العلماء، فكيف يهب النبيّ وَلقر فدك لفاطمة؟ ولا
يكون هذا أمراً مشهوراً عند أهل بيته والمسلمين؟ حتى تختص بمعرفته أم أيمن أو عليّ رضي لها؟.
الوجه الثاني: ادعاء فاطمة رضيّا ذلك كذب على فاطمة رطّا .
وعلى تقدير صحة هذه القصة، فإن أبا بكر رضيبه لم يردّ دعواها رغُنا إلا بعذر شرعيّ واضح
مقبول، وذلك عدم نصاب الشهادة، فإنه كما قال ابن تيمية كثّفُ في منهاج السنة (٢: ٢١١): ((إن
كان النبيّ وَي﴿ يورث، فالخصم في ذلك أزواجه وعمّه، ولا تقبل عليهم شهادة امرأة واحدة، ولا
رجل واحد بكتاب الله وسنة رسوله 8* واتفاق المسلمين، وإن كان يورث فالخصم في ذلك
المسلمون، فكذلك لا يقبل عليهم شهادة امرأة واحدة، ولا رجل واحد باتفاق المسلمين)).
ولذلك قال زيد بن عليّ كثّفُهُ، وهو من أئمة الشيعة، في نفس هذه الرواية: (لو رجع الأمر
إليّ لقضيت فيها بقضاء أبي بكر)).
وإن قوله هذا مرويّ في كتب الشيعة أيضاً فذكره ابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة
(٤: ٨٢) بعين هذا السند واللفظ. ثم تدل بعض الروايات في كتب الشيعة أن فاطمة ؤها قبلت
عذر أبي بكر في ذلك، ورضيت عنه، فذكر ابن ميثم البحراني في شرح نهج البلاغة (٥: ١٠٧)
(طبع تهران) وابن أبي الحديد في شرحه لنهج البلاغة (٤: ٧٩) قصة مراجعة فاطمة أبا بكر
بتفصيل، وساق فيها عدة روايات، وذكر في جملتها ما نصّه:
((وروي أنه لما سمع كلامها حمد الله وأثنى عليه وصلّى على رسوله، ثم قال: يا خيرة
النساء وابنة خير الآباء! والله ما عدوت رأي رسول الله وَّل، ولا عملت إلّ بأمره، وإن الرائد لا
يكذب أهله، قد قلت، فأبلغت، وأغلظت فأهجرت، فغفر الله لنا ولك، أما بعد، فقد دفعت آلة
رسول الله ﴿ ودابّته وحذاءه إلى عليّ ظلّلا، وأمّا ما سوى ذلك فإنّي سمعت رسول الله وَله
يقول: ((إنّا معاشر الأنبياء لا نورث ذهباً ولا فضة، ولا أرضاً ولا عقاراً ولا داراً، ولكنا نورث
الإيمان والحكمة والعلم والسنة))، وقد عملت بما أمرني وسمعت. فقالت: إن رسول الله وَلآل قد
وهبها لي، قال: فمن يشهد بذلك؟ فجاء عليّ بن أبي طالب وأمّ أيمن، فشهدا لها بذلك، فجاء
عمر بن الخطاب وعبد الرحمن بن عوف فشهدا أن رسول الله وسلم يقسمها. فقال أبو بكر:
صدقت يا ابنة رسول الله، وصدق عليّ، وصدقت أم أيمن، وصدق عمر، وصدق عبد الرحمن.
وذلك أن لك ما لأبيك، كان رسول الله ولم يأخذ من فدك قوتكم، ويقسم الباقي، ويحمل منه
في سبيل، ولك عليّ أن أصنع بها كما كان يصنع، فرضيت بذلك وأخذت العهد عليه به، وكان
يأخذ غّتها فيدفع إليهم منها ما يكفيهم، ثم فعلت الخلفاء بعده كذلك إلى أن وُليَّ معاوية إلخ)).
وذكر ابن أبي الحديد هذه الرواية في شرحه لنهج البلاغة (٤: ٨٠) من طريق أبي بكر

٨٤
الجزء الثالث من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
الجوهري بسنده إلى ابن عائشة عن أبيه عن عمه، وذكر في آخرها أن أبا بكر حظ الله قال لها:
(«فلك عليَّ الله أن أصنع فيها كما يصنع فيها أبوك، قالت: آلله لتفعلن؟ قال: آلله لأفعلنّ، قالت:
اللّهم اشهد. وكان أبو بكر يأخذ غلّتها فيدفع إليهم منها ما يكفيهم ويقسم الباقي، وكان عمر
کذلك، ثم کان عثمان کذلك، ثم کان علي کذلك».
فهذا صريح في أن عليّاً رَبه فعل في فدك ما فعل فيه أبو بكر عظُبه، ولو كان قضاء أبي
بكر خطأ لغيّرَه عليّ رَُّه في عهد خلافته. وقد روى ابن أبي الحديد في موضع آخر من شرحه
(٤: ٩٤): رواية عن المرتضى علم الهدى عند الشيعة، رواها بسنده إلى ابن عائشة، قال فيها:
«فلما وصل الأمر إلى علي بن أبي طالب عليّا كُلِّمَ في ردّ فدك، فقال: إنّ لأستحيي من الله أن
أردّ شيئاً منع منه أبو بكر، وأمضاه عمر)).
وربما يستدل الشيعة على هبة فدك برواية ذكرها السيوطي في الدر المنثور (٤: ١٧٧)،
فقال: ((وأخرج البزار وأبو يعلى وابن أبي حاتم وابن مردويه عن أبي سعيد الخدري رض ته، قال:
لما نزلت هذه الآية ﴿وَءَاتِ ذَا الْقُرْبَ حَقَّهُ﴾ [سورة الإسراء، آية: ٢٦] دعا رسول الله رَظهر فاطمة،
فأعطاها فدك)).
وإن هذه الرواية غير مستندة في الدر المنثور، فراجعت من أجلها مجمع الزوائد للهيثمي
(٧: ٤٩) فذكرها عن الطبراني، وقال: ((وفيه عطية العوفي، وهو ضعيف متروك)). ثم راجعت
مسند أبي يعلى، فرأيت أنه أخرجها في موضعين، فأخرجهما في مسند أبي سعيد (٢: ٣٣٤،
رقم: ١٠٧٥)، فقال: ((قرأت على الحسين بن يزيد الطحان هذا الحديث، فقال: هو ما قرأت
على سعيد بن خثيم، عن فضيل، عن عطية، عن أبي سعيد قال إلخ)) وذكره في موضع آخر
(٢: ٥٣٤ رقم: ١٤٠٩) بنفس هذا الطريق، غير أنه صرح فيه بأنه أبو سعيد الخدري.
وإن هذا الطريق ضعيف جداً، فأما حسين بن يزيد الطحان فقال فيه أبو حاتم: ((حدثنا عنه
مسلم بن الحجاج (يعني: في غير الصحيح كما في التهذيب) وهو ليّن الحديث)) كذا في ميزان
الاعتدال (١: ٥٥٠) وأما سعيد بن خثيم فقيل فيه ليحيى بن معين: شيعي؟ فقال: وشيعي ثقة،
وقدريّ ثقة، وقال الأزدي: كوفي منكر الحديث، وقال ابن عدي: أحاديثه ليست بمحفوظة،
كما في التهذيب (٤: ٢٣) وذكره المامقاني الشيعي في تنقيح المقال (٢: ٢٦) فذكر أنه كان
زيدياً، ثم ضعفه. وأما فضيل بن مرزوق، فقد ذكرنا قبل نحو صفحتين أنه شيعيّ من الإمامية.
والذي يُرى أن آفة هذا الحديث عطية العوفي، وهو شيعيّ ضعيف، عدّه المامقاني في
رجاله (٢: ٢٥٣)، والذي يهمنا هنا ما ذكره علماء الرجال أنه كان يأخذ التفسير عن الكلبي،
فيكنيه بأبي سعيد، ليوهم أنه أبو سعيد الخدري. قال ابن حبان في الضعفاء: ((سمع من أبي
سعيد أحاديث، فلما مات جعل يجالس الكلبي يحضر بصفته، فإذا قال الكلبي: قال رسول الله وَل

٨٥
كتاب: الجهاد والسّير
كذا، فيحفظه، وكناه أبا سعيد، ويروي عنه، فإذا قيل له: من حدثك بهذا؟ فيقول: حدثني أبو
سعيد، فيتوهمون أنه يريد أبا سعيد الخدري، وإنما أراد الكلبي)).
وقال أحمد: ((هو ضعيف الحديث، بلغني أن عطية كان يأتي الكلبي ويسأله عن التفسير،
وكان يكنيه بأبي سعيد، فيقول: قال أبو سعيد، وكان هشيم يضعف حديث عطية)). كذا في
التهذيب (٧: ٢٢٥ و٢٢٦) وكذلك ذكره الذهبي عن الإمام أحمد، راجع ميزان الاعتدال
(٣: ٨٠).
فتبين بهذا أن هذه الرواية ليست مروية عن أبي سعيد الخدري ظُه، وإنما هي مروية عن
الكلبي، وكناه عطية بأبي سعيد، ولذلك لم يصرح بالخدري في الرواية الأولى لأبي يعلى، ولعلّ
بعض الرواة اغترّ بهذه الكنية، فزعم أنه الخدري، فصرح به في الرواية الثانية. والكلبي غني عن
نقل أقوال العلماء في تضعيفه، فلم تثبت لهذه الرواية قائمة.
تاريخ تولية فدك:
ومما يناسب هنا أن نذكر تاريخ فدك، ولخصه الحموي في معجم البلدان (٤: ٢٣٩
و٢٤٠) نقلاً عن فتوح البلدان للبلاذري، فذكر أولاً ما فعل فيه الخلفاء الراشدون، ثم قال:
«فلما ولي عمر بن عبد العزيز خطب الناس، وقص قصة فدك، وخلوصها لرسول الله وَ له ،
وأنه كان ينفق منها، ويضع فضلها في أبناء السبيل، وذكر أن فاطمة سألته أن يهبها لها، فأبى
وقال: ما كان لك أن تسأليني، وما كان لي أن أعطيك، وكان يضع ما يأتيه منها في أبناء
السبيل، وإنه 9 لما قبض فعل أبو بكر وعمر وعثمان وعلي مثله، فلما ولي معاوية أقطعها
مروان بن الحكم، وإن مروان وهبها لعبد العزيز ولعبد الملك ابنيه، ثم إنها صارت لي، وللوليد
وسليمان. وإنه لما ولي الوليد سألته فوهبها لي، وسألت سليمان حصته، فوهبها لي أيضاً،
فاستجمعتها، وإنه ما كان لي مال أحبّ إلي منها، وإنني أشهدكم أنني رددتها على ما كانت عليه
في أيام النبيّ وَّر، وأبي بكر وعمر، وعثمان وعليّ، فكان يأخذ مالها هو ومن بعده، فيخرجه
في أبناء السبيل ... )).
(«فلما كان (سنة: ٢١٠هـ) أمر المأمون بدفعها إلى ولد فاطمة، وكتب إلى قثم بن جعفر
عامله على المدينة أنه كان رسول الله وسلم أعطى ابنته فاطمة غيرها فدك، وتصدق عليها بها، وأن
ذلك كان أمراً ظاهراً معروفاً عند أهله وم ير(١)، ثم لم تزل فاطمة تدعي منه بما هي أولى من
(١) قد مرَّ أنه خطأ، وقد سبقت الدلائل على ذلك، وإن ما قاله عمر بن عبد العزيز من أن النبي ولو أبى أن
يهبها لفاطمة، أولى بالقبول، لكونه أعلم وأتقى وأقرب إلى عهد الرسول صل﴿ من المأمون.

٨٦
الجزء الثالث من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
دَفَهَا زَوْجُهَا عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ لَيْلاً. وَلَمْ يُؤْذِنْ بِهَا أَبَا بَكْرٍ .
صدق عليه، وأنه قد رأى ردها إلى ورثتها، وتسليمها إلى محمد بن يحيى بن الحسين بن زيد بن
علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، ومحمد بن عبد الله بن الحسين بن علي بن الحسين بن
علي بن أبي طالب رضيًّا، ليقوما بها لأهلهما)).
((فلما استخلف جعفر المتوكل ردها إلى ما كانت عليه في عهد رسول الله وَط# وأبي بكر
وعمر، وعثمان وعليّ، وعمر بن عبد العزيز، ومن بعده من الخلفاء)).
قوله: (ولم يؤذن بها أبا بكر) الظاهر أن هذا كله إدراج من الزهريّ كَّفُ، كما يدل عليه
لفظ (قال) في أول كلامه. وقال الحافظ في مغازي الفتح: ((ومن عدة طرق أنها دفنت ليلاً،
وكان ذلك بوصية منها لإرادة الزيادة في التستر، ولعله لم يعلم أبا بكر بموتها لأنه ظن أن ذلك
لا يخفى عنه، وليس في الخبر ما يدل على أن أبا بكر لم يعلم بموتها».
قال العبد الضعيف عفا الله عنه: ومن أقوى ما يدل على ما قاله الحافظ أن الروايات تشهد
على أن أسماء بنت عميس زوجة أبي بكر، ﴿يا، لم تزل أيّام مرض فاطمة ثقا تعودها
وتمرّضها، وهي التي غسلت فاطمة رضيوهُنا بعد موتها بوصية من فاطمة نفسها. وإليك بعض هذه
الروايات:
١ - أخرج الحاكم في المستدرك (٣: ١٦٢) عن علي بن الحسين (وهو زين العابدين) عن
ابن عباس، قال: ((قد مرضت فاطمة مرضاً شديداً، فقالت لأسماء بنت عميس، ألا ترين إلى ما
بلغت؟ أحمل على السرير ظاهراً؟ فقالت أسماء: ألا لعمري، ولكن أصنع لك نعشاً كما رأيت
يصنع بأرض الحبشة، قالت: فأرينيه، قال: فأرسلت أسماء إلى جرائد رطبة، فقطعت من
الأسواف، وجعلت على السرير نعشاً، وهو أول ما كان النعش، فتبسمت فاطمة، وما رأيتها
متبسمة بعد أبيها إلى يومئذٍ، ثم حملناها ودفتّاها ليلاً)) وهذا الحديث في إسناده الواقديّ، ولكن
الذهبي تَُّ لم يتعقبه بشيء، فكأنه رأى أن روايته مقبولة في السّير، كما هو مذهب كثير من
العلماء.
وأخرجه أيضاً ابن سعد في طبقاته (٨: ٢٨) بنفس هذا الطريق عن ابن عباس، قال:
(«فاطمة أول من جُعل لها النعش، عملته لها أسماء بنت عميس، وكانت قد رأته يُصنع بأرض
الحبشة)) .
٢ - وإن تمريض أسماء بنت عميس فاطمة في مرض وفاتها أمر يعترف به الشيعة أنفسهم،
فيقول أبو جعفر الطوسي في الأمالي (١: ١٠٧): ((وكان (عليّ ◌َظُه) يمرّضها بنفسه وتعينه على
ذلك أسماء بنت عميس على استمرار بذلك)).
ويقول الباقر مجلسي في جلاء العيون (ص: ١٧٢): ((پس حضرت بوصيت او عمل نموده

٨٧
كتاب: الجهاد والسّير
وَصَلَّى عَلَيْهَا عَلِيٍّ. وَكَانَ لِعَلِيٍّ مِنَ النَّاسِ وِجْهَةٌ، حَيَاةَ فَاطِمَةَ. فَلَمَّا تُوُفِّيَتِ اسْتَنْكَرَ عَلِيٍّ
خود متوجه تیمار داری او بود، أسماء بنت عميس آن حضرت را درين أمور معاونت مي کرد)».
٣ - أخرج عبد الرزاق في مصنفه ٣: ٤١٠ قال: ((أخبرني عمارة بن مهاجر، عن أم جعفر
بنت محمد، عن جدتها أسماء بنت عميس، قالت: أوصت فاطمة إذا ماتت أن لا يغسلها إلاّ
عليّ. قالت: فغسلتها أنا وعليّ)).
وأخرجه البيهقي في سننه (٣: ٣٩٦) بعدة طرق في الجنائز، باب الرجل يغسل امرأته إذا
ماتت، واستدل به على جواز أن يغسل الرجل امرأته. وأخرجه أيضاً الحاكم في المستدرك
(٣: ١٦٣ و١٦٤)، ولم يتعقبه الذهبي بشيء.
فهذه الروايات تدل بصراحة على أن أسماء بنت عميس زوجة أبي بكر ◌ًا لم تزل تمرّضها
إلى آخر حين من حياتها، وغسلتها بمشاركة عليّ رَظنه، فكيف يمكن أن لا يعلم أبو بكر بحالها؟
والظاهر الذي لا يتصور خلافه أنها لم تفعل ذلك إلاّ بأمر أو بإذن من أبي بكر رَظُبه، ويقول
المارديني في الجوهر النقي (٣: ٣٩٦) ناقلاً عن خلافيات البيهقي: ((وورع أسماء يمنعها أن لا
تستأذنه)».
ثمّ تدل بعض روايات الشيعة على أن أبا بكر ظلبه كان يتفقد حال فاطمة في مرضها، ثم
علم بموتها حين ماتت، فذكر فضيلة الشيخ محمد نافع حفظه الله في كتابه القيّم (رحماء بينهم)
عن كتاب سليم بن قيس العامري (ص: ٢٢٤ و٢٢٥) (طبع النجف)، قال: ((كان عليّ ◌َُّه يصلّي
في المسجد الصلوات الخمس، فلمّا صلى قال له أبو بكر وعمر: كيف بنت رسول الله وَلّ؟ إلى
أن ثقلت، فسألا عنها إلخ))، وذكر في كتاب سليم بن قيس بعد ذلك (ص: ٢٢٦) عن ابن
عباس، قال: ((قبضت فاطمة من يومها، فارتجت المدينة بالبكاء من الرجال والنساء، ودهش
الناس كيوم قبض فيه رسول الله، فأقبل أبو بكر وعمر يعزيان علياً، ويقولون له: يا أبا الحسن!
لا تسبقنا بالصلاة، على ابنة رسول الله (وَل*)).
قوله: (وصلّى عليها عليّ ◌َ﴾) قد عرفت أن هذا كله ليس من كلام عائشة، وإنما هو
إدراج من الزهريّ، وقد أرسله، وقد عراضته عدة روايات مرسلة أخرى، وهي ما يأتي:
١ - أخرج البيهقي في الجنائز (٤: ٢٩) عن مجالد، عن الشعبي: ((أن فاطمة رضيقا لما
ماتت دفنها علي ربه ليلاً، وأخذ بضبعي أبي بكر الصديق رَظُه، فقدمه يعني في الصلاة عليها))
ثم رجح البيهقي حديث الزهري في الباب على هذه الروايات ولعله من أجل رجحان روايات
الصحيحين على رواية غيرهما، ولكن لما ثبت كون الزهري أدرج فيها هذه القطعة، فمرسله
ومرسل الشعبي سواء، بل مراسيل الشعبي أقوى من مراسيل الزهري كما قدمنا .
٢ - أخرج ابن سعد في طبقاته (٨: ٢٩)، قال: ((أخبرنا شبابة بن سوار، حدثنا

٨٨
الجزء الثالث من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
عبد الأعلى بن أبي مساور، عن حماد، عن إبراهيم قال: صلى أبو بكر الصديق على فاطمة بنت
رسول الله ◌َ، فكبّر عليها أربعاً)). وفي إسناده عبد الأعلى ابن أبي مساور، ضعفه أكثر
المحدثين، إلا ما رواه أبو داود عن ابن معين: ((أرجو أن يكون صالحاً)) كما في تهذيب
التهذيب.
٣ - أخرج الخطيب البغدادي في رواة مالك عن جعفر بن محمد، عن أبيه (يعني: محمد
الباقر) قال: ماتت فاطمة بنت رسول الله وَ ل#، فجاء أبو بكر وعمر ليصلوا، فقال أبو بكر لعلي بن
أبي طالب: تقدم: فقال: ما كنت لأتقدم وأنت خليفة رسول الله وَلتر، فتقدم أبو بكر وصلى
عليها)) ذكره علي المتقي في كنز العمال (٦: ٣١٨، رقم: ٥٢٩٩)، ولم أقف على إسناده.
٤ - وذكر المحب الطبري في الرياض النضرة (١: ١٥٦) عن مالك، عن جعفر بن محمد،
عن أبيه، عن جده علي بن الحسين (وهو زين العابدين) قال: ((ماتت فاطمة بين المغرب
والعشاء، فحضرها أبو بكر وعمر وعثمان والزبير وعبد الرحمن بن عوف، فلما وضعت ليصلى
عليها، قال علي رعُه: تقدم يا أبا بكر، قال: وأنت شاهد يا أبا الحسن؟ قال: نعم، فوالله لا
يصلي عليها غيرك، فصلى عليها أبو بكر ﴿ه أجمعين، ودفنت ليلاً. أخرجه البصري، وخرّجه
ابن السمان في الموافقة)).
فهذه أربعة مراسيل، ثم هناك رواية مسندة أخرى أخرجها أبو نعيم كثّفُ في حلية الأولياء
(٤ : ٩٦) في ذكر ميمون بن مهران، ونصها ما يأتي:
((حدثنا عبد الله بن محمد بن جعفر، ثنا محمد بن عبد الله آشته، ثنا شيبان بن فروخ، ثنا
محمد بن زياد، عن ميمون بن مهران، عن ابن عباس: أن النبيّ وَلّ أتى بجنازة فصلى عليها،
وكبر عليها أربعاً، وقال: كبرت الملائكة على آدم أربع تكبيرات. وكبر أبو بكر على فاطمة
أربعاً، وكبر عمر على أبي بكر أربعاً، وكبر صهيب على عمر أربعاً)).
وفي إسناده محمد بن زياد الطحان اليشكري وهو من رجال الترمذي، كذبه كثير من
المحدثين، ولا سيما في روايته عن ميمون بن مهران، ولم أجد أحداً وثقه، راجع التهذيب
(٩: ١٧٠) فهذه الرواية لا يحتج بها، لكن مراسيل الشعبي، وإبراهيم، ومحمد الباقر، وزين
العابدين مما يقوي بعضها بعضاً.
وهناك رواية أخرى أخرجها ابن سعد في طبقاته (٨: ٢٨) من طريق الواقدي عن عمرة
بنت عبد الرحمن قالت: ((صلى العباس بن عبد المطلب على فاطمة بنت رسول الله وَلات)).
فتعارضت الروايات في من صلى على فاطمة بين أبي بكر، وعليّ، وعباس ظُه، فلا
يمكن الجزم بواحدة منها، غير أنّ القياس يقتضي أن يصلي عليها أبو بكر الصديق بظلاله لكونه

٨٩
كتاب: الجهاد والسّير
وُجُوهَ النَّاسَ. فَالْتَمَسَ مُصَالَحَةَ أَبِي بَكْرٍ وَمُبَايَعَتَهُ. وَلَمْ يَكُنْ بَايَعَ تِلْكَ الأَشْهُرَ. فَأَرْسَلَ
إمام وقته، وأميراً للمؤمنين، وخليفة لرسول الله وَليه، وكان الصحابة، ولا سيما بنو هاشم كانوا
يفوضون الصلاة على الأموات إلى الأمراء والخلفاء.
فتوفي أبو سفيان بن الحارث (وهو ابن عم لرسول الله وَّر، ورضيع له) فصلى عليه عمر بن
الخطاب ظُه، كما في أسد الغابة (٥: ٢١٤ و٢١٥).
وتوفي العباس بن عبد المطلب، عم رسول الله وَ طير، فصلى عليه عثمان ﴿له، كما في
الاستيعاب (٣: ١٠٠ و١٠١).
وتوفي الحسن بن علي تها، فقدّم أخوه الحسين بن علي ◌ًَّا سعيد بن العاص، وهو أمير
المدينة من قبل معاوية ظه، وكان الحسين لا يحبه ولكنه قال: ((لولا أنها سنة ما قدمتك)) كما
رواه البيهقي في الجنائز (٤: ٢٩)، وابن عبد البر في الاستيعاب (١: ٣٧٣) في ذكر
الحسن رائه .
وقد ثبت هذا في كتب الشيعة أيضاً، فذكر ابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة ٤: ١٨
عن جويرية بن أسماء في ذكر موت الحسن ظه: ((وقدم الحسين علا للصلاة عليه سعيد بن
العاص. وهو يومئذٍ أمير المدينة، وقال: تقدم، فلولا أنها سنة لما قدمتك)).
وكذلك توفي محمد بن الحنفية، وكان أبان بن عثمان بن عفان يومئذٍ أميراً على المدينة من
قبل عبد الملك بن مروان، فقدمه أبناء محمد بن الحنفية للصلاة قائلين له: ((نحن نعلم أن الإمام
أولى بالصلاة، ولولا ذلك ما قدمناك». أخرجه ابن سعد في الطبقات (٥: ٩١) في ترجمة
محمد بن الحنفية.
فهذه الروايات تشهد على أن بني هاشم كانوا يهتمون بأن يقدموا الولاة على جنائزهم،
ويؤثرونهم على أنفسهم في ذلك اتباعاً للسنة، وإن كانوا لا يرضون عنهم جملة، ولا يحبونهم
لأعمالهم وأخلاقهم.
وقد رأيت فيما سبق أن فاطمة ثا توفيت وهي راضية عن أبي بكر ظه، ولم يبق بينهما
شيء، وكانت زوجته أسماء بنت عميس تخدمها في مرض وفاتها، وهي التي غسلتها بعد وفاتها
مع علي عظاته، بوصية من فاطمة نفسها، فمن البعيد المستغرب أن لا يكون علي رحلته قدم أبا
بكر على جنازتها، وهو خليفة رسول الله وَ﴿، وأفضل الخلائق بعد الأنبياء عليهم السلام، وقد
سبق في أواخر كتاب الوصايا أن علياً ظته كان معترفاً بفضيلته.
قصة قعود علي عن بيعة الصديق:
قوله: (ولم يكن بايع تلك الأشهر) وأخرجه البيهقي في سننه (٦: ٣٠٠) بما لفظه: ((قالت
عائشة رضيها: فكان لعلي ظُه من الناس وجه حياة فاطمة عليها، فلما توفيت فاطمة عليها انصرف

٩٠
الجزء الثالث من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
وجوه الناس عنه. عند ذلك قال معمر: قلت للزهري: كم مكثت فاطمة بعد النبيّ وَّةٍ؟ قال:
ستة أشهر، فقال رجل للزهري: فلم يبايعه علي ربه حتى ماتت فاطمة؟ قال: ولا أحد من بني
هاشم)) .
وهذا صريح في أن عائشة رضيّا لم تذكر قعود علي ظُه عن البيعة، وإنما هو من كلام
الزهري، ولذلك يقول البيهقي كثّفُ بعد رواية هذا الحديث: ((وقول الزهري في قعود علي عن
بيعة أبي بكر رظُه حتى توفيت فاطمة وثقا منقطع)) يعني: أن الزهري قال ذلك دون أن يسنده إلى
أحد.
وقال البيهقي أيضاً في كتابه (الاعتقاد على مذهب السلف (ص: ١٨٠): ((والذي روي أن
علياً لم يبايع أبا بكر ستة أشهر ليس من قول عائشة، إنما هو من قول الزهري، فأدرجه بعض
الرواة في الحديث عن عائشة في قصة فاطمة، وحفظه معمر بن راشد، فرواه مفصلاً، وجعله من
قول الزهري منقطعاً عن الحديث)).
فثبت أن قصة قعود علي عن بيعة أبي بكر مرسلة من الزهري، وقد ذكرنا فيما سبق ما في
مراسيله من كلام. وقد عارضته روايات موصولة عن أبي سعيد الخدري، وسعيد بن
زيد ◌ًا وغيرهما، تبيّن أن علياً مُه لم يقعد عن البيعة، وإنما بايع الصديق بعد قصة السقيفة
فوراً، أو في خلال يوم أو يومين بعد ذلك. ونذكر فيما يلي بعض هذه الروايات:
الروايات الدالة على مبايعة علي أبا بكر مع عامة الناس:
١ - أخرج البيهقي في سننه من طريق أبي نضرة، عن أبي سعيد الخدري قصة السقيفة،
وفي آخرها: ((ثم أخذ زيد بن ثابت بيد أبي بكر، فقال: هذا صاحبكم فبايعوه، ثم انطلقوا، فلما
قعد أبو بكر رضيبه على المنبر نظر في وجوه القوم، فلم ير علياً رضاه، فسأل عنه، فقام ناس من
الأنصار فأتوا به، فقال أبو بكر رضيُله: ابن عم رسول الله صل﴿ وختنه، أردت أن تشق عصا
المسلمين؟ فقال: لا تثريب يا خليفة رسول الله، فبايعه)) راجع السنن الكبرى للبيهقي (٨: ١٤٣)،
كتاب قتال أهل البغي، باب الأئمة من قريش. ثم ذكر البيهقي عن شيخه أبي علي الحافظ،
قال: ((سمعت محمد بن إسحاق بن خزيمة يقول: جاءني مسلم بن الحجاج، فسألني عن هذا
الحديث، فكتبته له في رقعة وقرأت عليه، فقال: هذا حديث يسوي بدنة، فقلت: يسوي بدنة؟
بل هو يسوي بدرة)) .
وهذا يدل على أن الإمام مسلم بن الحجاج كلُّ مع روايته لقول الزهري في الباب رجح
عليه حديث أبي سعيد هذا، واغتنمه، وعرف له قدراً .
وحديث أبي سعيد هذا أخرجه أيضاً الحاكم في المستدرك (٣: ٧٦) في كتاب معرفة

٩١
كتاب: الجهاد والسّير
الصحابة، وقال: ((هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه)) وذكره الذهبي في
تلخيصه فلم يتعقبه بشيء.
وأخرجه أيضاً المحاملي عن القاسم بن سعيد بن المسيب، عن علي بن عاصم عن
الجريري، عن أبي نضرة عن أبي سعيد، كما ذكره ابن كثير في البداية والنهاية (٦: ٣٠٢) وقال
الحافظ ابن كثير في البداية: (٥: ٢٤٩): ((وقد رواه علي بن عاصم عن الجريري عن أبي نضرة
عن أبي سعيد الخدري، فذكر نحو ما تقدم، وهذا إسناد صحيح محفوظ من حديث أبي نضرة
المنذر بن مالك بن قطعة، عن أبي سعيد سعد بن مالك بن سنان المنذري، وفيه فائدة جليلة،
وهي مبايعة علي بن أبي طالب، إما في أول يوم أو في اليوم الثاني من الوفاة، وهذا حق، فإن
علي بن أبي طالب لم يفارق الصديق في وقت من الأوقات، ولم ينقطع في صلاة من الصلوات
خلفه، كما سنذكره، وخرج معه إلى ذي القصة لما خرج الصديق شاهراً سيفه يريد قتال أهل
الردة، كما سنبينه قريباً)).
٢ - أخرج الحاكم في المستدرك (٣: ٦٦) عن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف: ((أن
عبد الرحمن بن عوف كان مع عمر بن الخطاب رضيُه وأن محمد بن مسلمة كسر سيف الزبير، ثم
قام أبو بكر، فخطب الناس، واعتذر إليهم، وقال: والله ما كنت حريصاً على الإمارة يوماً ولا
ليلة قط، ولا كنت فيها راغباً، ولا سألتها الله عز وجل في سِرِّ ولا علانيةٍ، ولكني أشفقت من
الفتنة، ومالي في الإمارة من راحة، ولكن قلدت أمراً عظيماً ما لي به من طاقة ولاية إلا بتقوية
الله عز وجل، ولوددت أن أقوى الناس عليها مكاني اليوم، فقبل المهاجرون ما قال، وما اعتذر
به. قال علي رظُه والزبير: ما غضبنا إلا لأنا قد أخّرنا عن المشاورة، وإنا نرى أبا بكر أحق
الناس بها بعد رسول الله وَّة، إنه لصاحب الغار، وثاني اثنين، وإنا نعلم بشرفه وكبره، ولقد
أمره رسول الله وَلقر بالصلاة بالناس وهو حيّ)).
قال الحاكم بعد إخراجه: ((هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه)) ولم يتعقبه
الذهبي بشيء. وقال ابن كثير بعد ذكره في البداية: (٥: ٢٥٠): ((إسناد جيد، ولله الحمد
والمنة)).
٣ - أخرج البلاذري عن هدبة بن خالد، ثنا حماد بن سلمة، أنبأنا الجريري، عن أبي
نضرة، قال: ((لما بايع الناس أبا بكر اعتزل علي والزبير، فبعث إليهما عمر بن الخطاب وزيد بن
ثابت، فأتيا منزل علي، فقرعا الباب، فنظر الزبير من قترة ثم رجع إلى علي، فقال: هذان
رجلان من أهل الجنة، وليس لنا أن نقاتلهما، قال: افتح لهما، ثم خرجا معهما حتى أتيا أبا
بكر، فقال أبو بكر: يا علي! أنت ابن عم رسول الله وصهره، فتقول: إني أحق بهذا الأمر، لاها
الله، لأنا أحق به منك، قال: لا تثريب يا خليفة رسول الله! ابسط يدك أبايعك، فبسط يده

٩٢
الجزء الثالث من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
فبايعه. ثم قال للزبير: تقول: أنا ابن عمة رسول الله وحواريه وفارسه، وأنا أحق بالأمر، لاها
الله! لأنا أحق به منك، فقال: لا تثريب يا خليفة رسول الله! ابسط يدك، فبسط يده فبايعه)).
راجع أنساب الأشراف (١: ٥٨٥، رقم: ١١٨٣)، وهو مرسل أبي نضرة، لأنه لم يشهد
قصة السقيفة، وما أسلفنا من روايته عن أبي سعيد الخدري عند البيهقي والحاكم أصح.
٤ - أخرج ابن جرير الطبري في تاريخه (٢: ٤٤٧) بسنده إلى حبيب بن أبي ثابت، قال:
((كان علي في بيته إذ أتي، فقيل له: قد جلس أبو بكر للبيعة، فخرج في قميص ما عليه إزار ولا
رداء عجلا، كراهية أن يبطىء عنها حتى بايعه، ثم جلس إليه وبعث إلى ثوبه، فأتاه فتخلله ولزم
مجلسه)). وفي إسناده رجال لم أطلع على ترجمتهم في الكتب المعروفة، ثم هو مرسل من
حبيب بن أبي ثابت.
٥ - أخرج ابن عبد البر في الاستيعاب (٢: ٢٤٤) بسنده إلى محمد بن سيرين، قال: ((لما
بويع أبو بكر الصديق ظ ◌ُه أبطأ علي عن بيعته وجلس في بيته، فبعث إليه أبو بكر: ما أبطأ بك
عني؟ أكرهت إمارتي؟ فقال علي: ما كرهت إمارتك، ولكني آليت أن لا أرتدي ردائي إلا إلى
صلاة حتى أجمع القرآن)) وذكره الحافظ في الفتح (٩: ١٢ و١٣) عن كتاب المصاحف لابن أبي
داود ثم قال: ((فإسناده ضعيف لانقطاعه، وعلى تقدير أن يكون محفوظاً، فمراده بجمعه حفظه
في صدره)) وذكر السيوطي في الإتقان (١: ٥٩) أنه أخرجه أيضاً ابن الضريس في فضائله عن ابن
سيرين عن عكرمة، وابن أشتة في المصاحف عن ابن سيرين.
ولفظ ابن أبي داود في المصاحف (ص: ١٦) هكذا: ((حدثنا محمد بن إسماعيل
الأحمسي، قال: حدثنا ابن فضيل، عن أشعث، عن محمد بن سيرين، قال: ((لما توفي النبيّ وَلـ
أقسم علي أن لا يرتدي برداء إلا لجمعة، حتى يجمع القرآن في مصحف، ففعل. فأرسل إليه أبو
بكر بعد أيام: أكرهت إمارتي يا أبا الحسن؟ قال: لا، والله، إلا أني أقسمت أن لا أرتدي برداء
إلا لجمعة، فبايعه، ثم رجع)). وقال ابن أبي داود بعد روايته: ((لم يذكر المصحف أحد إلا
أشعث، وهو لين الحديث. وإنما رووا (حتى أجمع القرآن) يعني: أتم حفظه، فإنه يقال للذي
يحفظ القرآن: قد جمع القرآن)».
٦ - أخرج الطبري في تاريخه (٢: ٤٤٧) عن الوليد بن جميع الزهري، قال: ((قال عمرو بن
حريث لسعيد بن زيد: أشهدت وفاة رسول الله وَّر؟ قال: نعم، قال: فمتى بويع أبو بكر؟ قال:
يوم مات رسول الله وَّر، كرهوا أن يبقوا بعض يوم وليسوا في جماعة، قال: فخالف عليه أحد؟
قال: لا، إلا مرتد أو من قد كاد أن يرتد لولا أن الله عز وجل ينقذهم من الأنصار، قال: فهل
قعد أحد من المهاجرين؟ قال: لا، تتابع المهاجرون على بيعته من غير أن يدعوهم)) وفي إسناده
رجال لم أطلع على ترجمتهم.

ہے
٩٣
كتاب: الجهاد والسّير
إِلَى أَبِي بَكْرٍ: أَنِ اثْتِنَا. وَلاَ يَأْتِنَا مَعَكَ أَحَدٌ (كَرَاهِيَةَ مَحْضَرٍ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ) فَقَالَ عُمَرُ
لأَبِي بَكْرٍ: وَاللَّهِ! لاَ تَدْخُلْ عَلَيْهِمْ وَحْدَكَ. فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: وَمَا عَسَاهُمْ أَنْ يَفْعَلُوا بِي.
إِنِّي، وَاللَّهِ! لآتِيَنَّهُمْ. فَدَخَلَ عَلَيْهِمْ أَبُو بَكْرٍ. فَتَشَهَّدَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ. ثُمَّ قَالَ: إِنَّا قَدْ
عَرَفْنَا، يَا أَبَا بَكْرٍ، فَضِيلَتَكَ وَمَا أَعْطَاكَ اللَّهُ. وَلَمْ نَنْفَسْ عَلَيْكَ خَيْراً سَاقَهُ اللَّهُ إِلَيْكَ.
وَلْكِنَّكَ اسْتَبْدَدْتَ عَلَيْنَا بِالأَمْرِ. وَكُنَّا نَحْنُ نَرَىْ لَنَا حَقًّا لِقَرَابَتِنَا مِنْ رَسُولِ اللّهِ وَِّ. فَلَمْ
يَزَلْ يُكَلِّمُ أَبَا بَكْرٍ حَتَّى فَاضَتْ عَيْنَا أَبِي بَكْرٍ. فَلَمَّا تَكَلَّمَ أَبُو بَكْرٍ قَالَ: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ!
لَقَرَابَةُ رَسُولِ اللَّهِ وَ أَحَبُّ إِلَيَّ أَنْ أَصِلَ مِنْ قَرَابَتِي. وَأَمَّا الَّذِي شَجَرَ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ مِنْ
هُذِهِ الأَمْوَالِ، فَإِنِّي لَمْ آلُ فِيهَا عَنِ الْحَقِّ. وَلَمْ أَتْرُكْ أَمْراً رَأَيْتُ رَسُولَ اللّهِ وَهِ يَصْنَعُهُ فِيهَا
إِلَّ صَنَعْتُهُ. فَقَالَ عَلِيٍّ لأَبِي بَكْرٍ: مَوْعِدُكَ الْعَشِيَّةُ لِلْبَيْعَةِ. فَلَمَّا صَلَّى أَبُو بَكْرٍ صَلاَةَ الظُّهْرِ.
رَقِيَ عَلَى الْمِنْبَرِ. فَتَشَهَّدَ. وَذَكَرَ شَأْنَ عَلِيٍّ وَتَخَلُّفَهُ عَنِ الْبَيْعَةِ. وَعُذْرَهُ بِالَّذِي اغْتَذَرَ إِلَيْهِ. ثُمَّ
اسْتَغْفَرَ. وَتَشَهَّدَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ فَعَّمَ حَقَّ أَبِي بَكْرٍ. وَأَنَّهُ لَمْ يَحْمِلْهُ عَلَى الَّذِي صَنَعَ
نَفَاسَةٌ عَلَى أَبِي بَكْرٍ. وَلاَ إِنْكَاراً لِلَّذِي فَضَّلَهُ اللَّهُ بِهِ. وَلَكِنَّا كُنَّا نَرَى لَنَا فِي الأَمْرِ نَصِيباً.
فَاسْتُبِدَّ عَلَيْنَا بِهِ. فَوَجَدْنَا فِي أَنْفُسِنَا. فَسُرَّ بِذَلِكَ الْمُسْلِمُونَ. وَقَالُوا: أَصَبْتَ.
فهذه الروايات تدل على أن علياً به لم يؤخر البيعة إلى ستة أشهر، والذي يرى
أنه ظه إنما تأخر قليلاً إما لحفظ القرآن، أو لانقباضه اليسير في أنه لم يدع عند المشاورة،
(والعذر لأبي بكر وعمر ها في ذلك أن الأمر كان أعجل من ذلك) ولكنه بايع الصديق رضي الله في
خلال يوم أو يومين. وإن حديث أبي سعيد الخدري عند البيهقي وغيره وإبراهيم بن
عبد الرحمن بن عوف عند الحاكم أقوى الأحاديث إسناداً، وحديث أبي سعيد موصول، فيرجح
على مرسل الزهري في الباب، ويمكن أن يكون علي ◌ْ ه جدّد بيعته بعد ستة أشهر لسبب من
الأسباب، فتوهم بذلك بعضهم أنه لم يبايعه طوال ستة أشهر، والله سبحانه وتعالى أعلم
بالصواب.
قوله: (كراهية محضر عمر بن الخطاب) قال الأبي: ((ما ذكر الراوي من أنه كراهية هو من
فهم الراوي، ولعل له وجهاً يليق غير الكراهية)).
قوله: (والله لا تدخل عليهم وحدك) قال القاضي عياض كثّفُ: ((لا يريد بذلك أنه خاف
عليه أن يعذروه، ومعاذ الله أن يظن بهم ذلك، ولعله خاف أن يغلظوا له في العتاب، ويكون عند
أبي بكر جفاء، فتتغير لذلك نفسه)) وقد عرفت أن هذا الكلام كله للزهري.
قوله: (ولم ننفس عليك) بفتح الفاء، يعني: لم نحسد عليك، ونفس بكسر الفاء نفاسة:
إذا حسد.

٩٤
الجزء الثالث من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
فَكَانَ الْمُسْلِمُونَ إِلَى عَلِيٍّ قَرِيباً، حِينَ رَاجَعَ الأَمْرَ الْمَعْرُوفَ.
٤٥٥٦ _ (٥٣) حدّثنا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ وَمُحَمَّدُ بْنُ رَافِعِ وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ (قَالَ
ابْنُ رَافِع: حَدَّثَنَا. وَقَالَ الآخَرَانِ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ). أَخْبَرَنَاً مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ،
عَنْ عُرْوَّةَ، عَنْ عَائِشَةَ؛ أَنَّ فَاطِمَةَ وَالْعَبَّاسَ أَتَيَا أَبَا بَكْرٍ يَلْتَمِسَانٍ مِيرَاثَهُمَا مِنْ
رَسُولِ اللَّهِ وَلِهِ. وَهُمَا حِينَئِذٍ يَظْلُبَانِ أَرْضَهُ مِنْ فَدَكَ وَسَهْمَهُ مِنْ خَيْبَرَ. فَقَالَ لَهُمَا أَبُو
بَكْرٍ: إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ وَّهِ، وَسَاقَ الْحَدِيثَ بِمِثْلِ مَعْنَى حَدِيثِ عُقَيْلٍ، عَنِ
الزُّهْرِيِّ. غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: ثُمَّ قَامَ عَلِيٍّ فَعَظّمَ مِنْ حَقِّ أَبِي بَكْرٍ. وَذَكَرَ فَضِيلَتَهُ وَسَابِقَتَّهُ. ثُمَّ
مَضَى إِلَى أَبِي بَكْرٍ فَبَايَعَهُ. فَأَقْبَلَ النَّاسُ إِلَى عَلِيٍّ فَقَالُوا: أَصَبْتَ وَأَحْسَنْتَ. فَكَانَ النَّاسُ
قَرِيباً إِلَى عَلِيٍّ حِينَ قَارَبَ الأَمْرَ الْمَعْرُوفَ.
٤٥٥٧ - (٥٤) وحدّثنا ابْنُ نُمَيْرٍ. حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ. حَدَّثَنَا أَبِي. ح وَحَدَّثَنَا
زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ وَالْحَسَنُ بْنُ عَلِيِّ الْخُلْوَانِيُّ. قَالاَ: حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ (وَهُوَ ابْنُ إِبْرَاهِيمَ).
حَدَّثَنَا أَبِي، عَنْ صَالِحٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ. أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ؛ أَنَّ عَائِشَةَ زَوْجَ
النَّبِيِّ وَّهِ أَخْبَرَتْهُ؛ أَنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ رَّسُولِ اللَّهِ وَلَوَ سَأَلَتْ أَبَا بَكْرٍ، بَعْدَ وَفَاةٍ
رَسُوَلِ اللهِ وَّهِ، أَنَّ يَفْسِمَ لَهَا مِيرَاثَهَا، مِمَّا تَرَكَ رَسُولُ اللّهِ وَهِ، مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْهِ. فَقَالَ
لَهَا أَبُو بَكْرٍ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَّهِ قَالَ: ((لاَ نُورَثُ. مَا تَرَكْنَا صَدَقَةٌ)).
قَالَ: وَعَاشَتْ بَعْدَ رَسُولِ اللّهِ وَلَّ سِتَّةَ أَشْهُرٍ. وَكَانَتْ فَاطِمَةُ تَسْأَلُ أَبَا بَكْرٍ نَصِيبَهَا
مِمَّا تَرَكَ رَسُولُ اللَّهِ بَّهِ مِنْ خَيْبَرَ وَفَدَكٍ. وَصَدَقَتِهِ بِالْمَدِينَةِ. فَأَبَى أَبُو بَكْرٍ عَلَيْهَا ذُلِكَ.
قوله: (فكان المسلمون إلى علي قريباً) يعني: رضي المسلمون عن علي
پڼ.
٥٤ - ( ... ) - قوله: (فغلبه عليها علي) يعني: انفرد بتوليتها، ولعل العباس تظله تنازل
عنها لعلي رظُه. وقال عمر بن شبة في تاريخ المدينة (١: ٢٠٩): ((قال أبو غسان: فحدثنا
عبد الرزاق الصنعاني، عن معمر، عن ابن شهاب، عن مالك بنحوه، قال في آخره: فغلبه
علي رَظُّه عليها، فكانت بيد علي، ثم كانت بيد الحسن، ثم الحسين، ثم علي بن الحسين، ثم
حسن بن حسن، ثم بيد زيد بن حسن رضوان الله عليهم)).
وأخرج ابن شبة أيضاً في تاريخ المدينة (١: ٢١٧) عن محمد بن إسحاق، قال: ((سألت
أبا جعفر محمد بن علي (يعني: الباقر رَظُه): أرأيت حين ولي علي العراقين وما ولي من أمر
الناس، كيف صنع في سهم ذي القربى؟ قال: سلك به طريق أبي بكر وعمر طها، قلت: وكيف؟
ولم؟ وأنتم تقولون؟ قال: أم والله ما كان أهله يصدرون إلا عن رأيه، قلت: فما منعه؟ قال:
كان والله يكره أن يُدَّعَى عليه خلاف أبي بكر وعمر

٩٥
كتاب: الجهاد والسّير
وَقَالَ: ((لَسْتُ تَارِكاً شَيْئاً كَانَ رَسُولُ اللَّهِ وَ لِهِ يَعْمَلُ بِهِ إِلاَّ عَمِلْتُ بِهِ. إِنِّي أَخْشَى إِنْ تَرَكْتُ
شَيْئاً مِنْ أَمْرِهِ أَنْ أَزِيغَ. فَأَمَّا صَدَقَتُهُ بِالْمَدِينَةِ فَدَفَعَهَا عُمَرُ إِلَى عَلِيٍّ وَعَبَّاسٍ. فَغَلَبَهُ عَلَيْهَا
عَلِيٍّ. وَأَمَّا خَيْبَرُ وَفَدَكُ فَأَمْسَكَهُمَا عُمَرُ وَقَالَ: هُمَا صَدَقَةُ رَسُولِ اللَّهِ وَلِ. كَانَتَا لِحُقُوقِهِ
الَّتِي تَعْرُوهُ وَنَوَائِهِ. وَأَمْرُهُمَا إِلَى مَنْ وَلِيَ الأَمْرَ. قَالَ: فَهُمَا عَلَى ذُلِكَ إِلَى الْيَوْمِ)).
٤٥٥٨ - (٥٥) حدّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى. قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكِ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ،
عَنِ الأَعْرَج، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﴿ ﴿ قَالَ: ((لاَ يَقْتَسِمُ وَرَفَتِي دِينَاراً. مَا
تَرَكْتُ، بَعْدَ نَفَقَةِ نِسَائِي وَمَؤُونَةٍ عَامِلِي، فَهُوَ صَدَقَةٌ)) .
٥٥ - (١٧٦٠) - قوله: (عن أبي هريرة) هذا الحديث أخرجه البخاري في الفرائض، باب
قول النبيّ ◌َّه: لا نورث، ما تركنا صدقة، (رقم: ٦٧٢٩)، وفي الوصايا، باب نفقة القيم
للوقف، (رقم: ٢٧٧٦)، وفي فرض الخمس، باب نفقة نساء النبيّ ◌ُّر بعد وفاته، (رقم:
٣٠٩٦)، وأخرجه مالك في الموطأ، في الكلام، باب ما جاء في تركة النبيّ وَّر، وأبو داود في
الخراج والإمارة، باب صفايا رسول الله وَلقر، (رقم: ٢٩٧٤).
قوله: (ديناراً) وذكر الحافظ في الفتح (٦: ٢٠٩) أن مسلماً أخرجه من رواية سفيان بن
عيينة، عن أبي الزناد بلفظ (ديناراً ولا درهماً)، ولعله يشير إلى الرواية الآتية (رقم: ٤٣٤٧) ولكن
لم يذكر متنها في النسخة التي هي بين أيدينا، ولعله كان مذكوراً في نسخة أخرى عند الحافظ،
وفيه هذه الزيادة، والله أعلم.
وذكر النووي كثّفُ عن العلماء أن التقييد بالدينار هو من باب التنبيه على ما سواه، كما قال
الله تعالى: ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَؤُ (٣)﴾ [سورة الزلزلة، آية: ٧]، وقال تعالى: ﴿وَمِنْهُم
مَنْ إِن تَأْمَنَّهُ بِدِينَارٍ لَّا يُؤَدِّوِهِ إِلَيْكَ﴾ [سورة آل عمران، آية: ٧٥].
قوله: (بعد نفقة نسائي) قال سفيان بن عيينة: ((كان أزواج النبيّ وَّر في معنى المعتدات،
إذ كن لا يجوز لهن أن ينكحن، فجرت لهن النفقة)) كذا في شرح السنة للبغوي (١٤: ٥٢)،
وكان الخلفاء بعده ◌َّيه ينفقون عليهن من صدقات رسول الله وَّير، وقد تقدم بعض ذلك في كتاب
المساقاة من هذا الكتاب (١: ٤٦٨، رقم الحديث: ٣٨٤٥).
قوله: (ومؤونة عاملي) قال الحافظ في الفتح (٦: ٢٠٩): ((واختلف في المراد بقوله:
(عاملي)، فقيل: الخليفة بعده، وهذا هو المعتمد، وهو الذي يوافق ما تقدم في حديث عمر.
وقيل: يريد بذلك العامل على النخل، وبه جزم الطبري وابن بطال. وأبعد من قال: المراد
بعامله حافر قبره عليه الصلاة والسلام. وقال ابن دحية في الخصائص: المراد بعامله خادمه.
وقيل: العامل على الصدقة. وقيل: العامل فيها كالأجير)).

٩٦
الجزء الثالث من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
٤٥٥٩ - (٠٠٠) حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ أَبِي عُمَرَ الْمَكِّيُّ. حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ
أَبِي الزِّنَادِ، بِهِذَا الإِسْنَادِ، نَحْوَهُ.
٤٥٦٠ - (٥٦) وحدّثني ابْنُ أَبِي خَلَفٍ. حَدَّثَنَا زَكَرِيَّاءُ بْنُ عَدِيٍّ. أَخْبَرَنَا ابْنُ
الْمُبَارَكِ، عَنْ يُونُسَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنِ الأَغْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ وَّ قَالَ: ((لاَ
نُورَثُ. مَا تَرَكْنَا صَدَقَةٌ)).
(١٧) - باب: كيفية قسمة الغنيمة بين الحاضرين
٤٥٦١ - (٥٧) حدّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى وَأَبُو كَامِلِ فُضَيْلُ بْنُ حُسَيْنِ كِلاَهُمَا، عَنْ
سُلَيْمِ. قَالَ يَخْيَى: أَخْبَرَنَا سُلَيْمُ بْنُ أَخْضَرَ، عَنْ عُبَيْدَ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ. حَدَّثَنَا نَافِعْ، عَنْ
عَبْدِ اللَّهِ بْنٍ عُمَرَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَ هِ قَسَمَ فِي النَّفَلِ: لِلْفَرَسِ سَهْمَيْنٍ وَلِلرَّجُلِ سَهْماً.
وترجم البخاري على هذا الحديث في الوصايا ((باب نفقة القيم للوقف)) وهو يدل على أنه
حمل العامل في الحديث على ناظر الوقف، والله أعلم.
وقال الحافظ في فرائض الفتح (١٢: ٨): ((ومما يسأل عنه تخصيص النساء بالنفقة،
والمؤونة بالعامل، وهل بينهما مغايرة؟ وقد أجاب عنه السبكي الكبير بأن المؤونة في اللغة:
القيام بالكفاية، والإنفاق: بذل القوت، قال: وهذا يقتضي أن النفقة دون المؤونة. والسرّ في
التخصيص المذكور الإشارة إلى أن أزواجه و ﴿ لما اخترن الله ورسوله والدار الآخرة، كان لا بُدَّ
لهن من القوت، فاقتصر على ما يدل عليه، والعامل لما كان في صورة الأجير فيحتاج إلى ما
يكفيه، اقتصر على ما يدل عليه. انتهى ملخصاً)).
(١٧) - باب: كيفية قسمة الغنيمة بين الحاضرين
٥٧ - (١٧٦٢) - قوله: (عن سُليم) بضم السين مصغراً، وهو ابن الأخضر وقد مر
في (ص: ٦١١).
قوله: (عن عبد الله بن عمر) أخرجه البخاري في الجهاد، باب سهام الفرس، (رقم:
٢٨٦٣)، وفي المغازي باب غزوة خيبر، (رقم: ٤٢٢٨)، والترمذي في السير، باب ما جاء في
سهم الخيل، (رقم: ١٥٥٤)، وأبو داود في الجهاد، باب في سهمان الخيل، (رقم: ٢٧٣٣)،
وابن ماجه في الجهاد، باب قسمة الغنائم، (رقم: ٢٨٥٤)، والدارمي في سننه في السير، باب
في سهمان الخيل، وأحمد في مسنده (٢: ٢ و٦٢ و٧٢ و٨٠).
قوله: (للفرس سهمين، وللرجل سهماً) به أخذ الجمهور، فقالوا: يستحق الفارس ثلاثة
أسهم: سهماً له، وسهمين لفرسه، وهو مذهب الأئمة الثلاثة وصاحبي أبي حنيفة وعمر بن
عبد العزيز، والحسن، وابن سيرين، وحسين بن ثابت، وسفيان الثوري، والليث بن سعد،

٩٧
كتاب: الجهاد والسّير
٤٥٦٢ - (٠٠٠) حدّثناه ابْنُ نُمَيْرٍ. حَدَّثَنَا أَبِي. حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ، بِهِذَا الإِسْنَادِ،
مِثْلَهُ. وَلَمْ يَذْكُرْ: فِي النَّفَلِ .
وإسحاق بن إبراهيم، وأبي ثور، كما حكى عنهم ابن المنذر، وراجع المغني لابن قدامة
(١٠: ٤٤٣)، وهو قول الأوزاعي، كما في سيره، راجع الرد على سير الأوزاعي (ص: ١٧).
وقال أبو حنيفة كثّفُ: للفارس سهمان: سهم له، وسهم لفرسه، وروي ذلك عن عمر بن
الخطاب، وعلي بن أبي طالب، وأبي موسى ظه، حكاه الحافظ في الفتح (٦: ٦٨) ثم قال:
«لکن الثابت عن عمر وعلي کالجمهور)).
واستدل الإمام أبو حنيفة كثّفُ بما يأتي:
١ - أخرج ابن أبي شيبة والدارقطني عن ابن عمر: ((أن رسول الله وَلّو جعل للفارس
سهمين، وللراجل سهماً)) وحقق شيخنا في إعلاء السنن (١٢: ١٥٨) أن سنده صحيح على شرط
الشیخین .
٢ - أخرج الدارقطني من طريق أحمد بن منصور الرمادي، عن نعيم بن حماد، عن ابن
المبارك، عن عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر عن النبيّ وَّر: ((أنه أسهم للفارس سهمين،
وللراجل سهماً)). قال شيخنا: ((وهذا سند صحيح على شرط البخاري)).
٣ - أخرج أبو داود والحاكم عن مجمع بن جارية الأنصاري ظه - وكان أحد القراء الذين
قرؤوا القرآن - قال: شهدنا الحديبية مع رسول الله وَّ ر، فلما انصرفنا عنها إذا الناس يهزون
الأباعد، فقال بعض الناس لبعض: ما للناس؟ قالوا: أوحي إلى النبيّ وَّر فخرجنا مع الناس
نوجف، فوجدنا النبيّ ◌َله واقفاً على راحلته عند كراع الغميم، فلما اجتمع عليه الناس قرأ
عليهم: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُّبِينًا ﴾﴾ [سورة الفتح، آية: ١] فقال رجل: يا رسول الله! أفتح هو؟ قال:
(نعم، والذي نفس محمد بيده، إنه لفتح. فقسمت خيبر على أهل الحديبية فقسمها رسول الله حوله
على ثمانية عشر سهماً، وكان الجيش ألفاً وخمسمائة، فيهم ثلاث مائة فارس، فأعطى الفارس
سهمين وأعطى الراجل سهماً)) وقال الحاكم بعد إخراجه: ((هذا حديث كبير صحيح الإسناد)»
وأقره عليه الذهبي.
ولأبي حنيفة آثار أخرى ساقها وحقّقها شيخنا العثماني تَظْلَفُ في إعلاء السنن، وأجاب عما
يعارضها. ويمكن أن يجاب عن حديث الباب بأن زيادة السهم كانت نفلاً، كما يدل عليه قول
ابن عمر: ((قسم في النفل للفرس سهمين)) والجمهور حملوا لفظ (النفل) في هذا الحديث على
الغنيمة. وفي المسألة كلام طويل راجع له إعلاء السنن وغيره.

٩٨
الجزء الثالث من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
(١٨) - باب: الإمداد بالملائكة في غزوة بدر، وإباحة الغنائم
٤٥٦٣ - (٥٨) حدّثنا ◌َنَّادُ بْنُ السَّرِيِّ. حَدَّثَنَا ابْنُ الْمُبَارِ، عَنْ عِكْرِمَةَ بْنِ عَمَّارٍ.
حَدَّثَنِي سِمَاكُ الْحَنَفِيُّ. قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسِ يَقُولُ: حَدَّثَنِي عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ. قَالَ:
لَمَّا كَانَ يَوْمُ بَدْرٍ. ح وَحَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ (وَاَللَّفْظُ لَهُ). حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ يُونُسَ اَلْحَنَفِيُّ.
حَدَّثَنَا عِكْرِمَةُ بْنُ عَمَّارٍ. حَدَّثَنِي أَبُو زُمَيْلٍ (َهُوَ سِمَاكُ الْحَنَفِيُّ). حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ
قَالَ: حَدَّثَنِي عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ قَالَ: لَمَّا كَانَ يَوْمُ بَدْرٍ، نَظَرَ رَسُولُ اللّهِ وَهِ إِلَى الْمُشْرِكِينَ
وَهُمْ أَلْفٌ، وَأَصْحَابُهُ ثَلاَثُمِائَةٍ وَتِسْعَةَ عَشَرَ رَجُلاً، فَاسْتَقْبَلَ نَبِيُّ اللّهِ وَهُ الْقِبْلَةَ. ثُمَّ مَدَّ يَدَيْهِ
فَجَعَلَ يَهْتِفُ بِرَبِّهِ: ((اللَّهُمَّ! أَنْجِزْ لِي مَا وَعَدْتَنِي. اللَّهُمَّ! آتِ مَا وَعَدْتَنِي. اللَّهُمَّ! إِنْ تُهْلِكْ
هُذِهِ الْعِصَابَةُ مِنْ أَهْلِ الإِسْلاَمِ لاَ تُعْبَدْ فِي الأَرْضِ)) فَمَا زَالَ يَهْتِفُ بِرَبِهِ، مَاذَا يَدَيْهِ، مُسْتَقْبِلَ
الْقِبْلَةِ، حَتَّى سَقَطَ رِدَاؤُهُ عَنَ مَنْكِبَيْهِ. فَأَتَاهُ أَبُو بَكْرٍ. فَأَخَذَ رِدَاءَهُ فَأَلْقَاهُ عَلَى مَنْكِبَيْهِ. ثُمَّ
الْتَزَمَهُ مِنْ وَرَائِهِ. وَقَالَ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ، كَذَاكَ مُنَاشَدَتُكَ رَبَّكَ.
(١٨) - باب: الإمداد بالملائكة في غزوة بدر إلخ
٥٨ - (١٧٦٣) - قوله: (حدثني أبو زميل) بضم الزاء وفتح الميم المخففة، مصغراً، واسمه
سماك بن الوليد الحنفي، وثقه أحمد وابن معين والعجلي، وقال أبو حاتم: صدوق لا بأس به،
وقال النسائي: ليس به بأس، وقال ابن عبد البر: أجمعوا على أنه ثقة، كذا في التهذيب
(٤ : ٢٣٦) .
قوله: (حدثني عمر بن الخطاب) هذا الحديث أخرجه الترمذي في التفسير، باب ومن
سورة الأنفال، (رقم: ٣٠٨١) إلى قوله: (فأمدّه الله بالملائكة). وأخرج أبو داود طرفاً منه في
الجهاد، باب في فداء الأسير بالمال، (رقم: ٢٦٩٠)، وأخرجه البغوي في شرح السنة
(١٣ : ٣٧٩) من طريق المصنف في الفضائل، باب غزوة بدر، (رقم ٣٧٧٧)، وقال: هذا حديث
صحیح .
قوله: (ثلاثمائة وتسعة عشر رجلاً) وأخرجه أبو عوانة وابن حبان بإسناد مسلم بلفظ:
(بضعة عشر)، وللبزار من حديث أبي موسى: ((ثلاثمائة وسبعة عشر)) ولأحمد والبزار والطبراني
من حديث ابن عباس: ((كان أهل بدر ثلاثمائة وثلاثة عشر))، وكذلك أخرجه ابن أبي شيبة
والبيهقي من رواية عبيدة بن عمرو السلماني أحد كبار التابعين، ومنهم من وصله بذكر علي،
وهذا هو المشهور عند ابن إسحاق وجماعة من أهل المغازي. كذا في فتح الباري (٧: ٢٩١).
قوله: (كذاك مناشدتك ربك) المناشدة: السؤال، مأخوذة من النشيد، وهو رفع الصوت.
هكذا وقع لجماهير رواة مسلم (كذاك) بالذال، ولبعضهم: (كفاك) بالفاء، وفي رواية البخاري:

٩٩
كتاب: الجهاد والسّير
فَإِنَّهُ سَيُنْجِزُ لَكَ مَا وَعَدَكَ. فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّ
مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِّنَ الْمَئِكَةِ مُرْوِفِينَ﴾ [الأنفال: ٩] فَأَمَدَّهُ اللَّهُ بِالْمَلاَئِكَةِ.
قَالَ أَبُو زُمَيْلٍ: فَحَدَّثَنِي ابْنُ عَبَّاسِ قَالَ: بَيْنَمَا رَجُلٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ يَوْمَئِذٍ يَشْتَدُّ فِي أَثَرِ
رَجُلٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ أَمَامَهُ. إِذْ سَمِعَ ضَّرْبَةً بِالسَّوْطِ فَوْقَهُ. وَصَوْتَ الْفَارِسِ يَقُولُ: أَقْدِمْ
حَيْزُوَمُ. فَنَظَرَ إِلَّى الْمُشْرِكِ أَمَامَهُ فَخَرَّ مُسْتَلْقِياً. فَنَظَرَ إِلَيْهِ فَإِذَا هُوَ قَدْ خُطِمَ أَنْفُهُ، وَشُقَّ
وَجْهُهُ كَضَرْبَةِ السَّوْطِ. فَاخْضَرَّ ذُلِكَ أَجْمَعُ. فَجَاءَ الأَنْصَارِيُّ فَحَدَّثَ بِذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ وَهِ.
فَقَالَ: ((صَدَقْتَ. ذُلِكَ مِنْ مَدَدِ السَّمَاءِ الثَّالِئَةِ) فَقَتَلُوا يَوْمَئِذٍ سَبْعِينَ. وَأَسَرُوا سَبْعِينَ.
قَالَ أَبُو زُمَيْلٍ: قَالَ ابْنُ عَبَّاسِ: فَلَمَّا أَسَرُوا الأُسَارَىْ قَالَ رَسُولُ اللّهِ وَوَ لِأَبِي بَكْرٍ
وَعُمَرَ: (مَا تَرَوْنَ فِ هَؤُ لاءِ الأُسَارَىَّ؟)) فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ!ِ هُمْ بِنُو الْعَمِّ وَالْعَشِيرَةِ.
أَرَىْ أَنْ تَأْخُذَ مِنْهُمْ فِدْيَةً. فَتَكُونُ لَنَا قُوَّةً عَلَى الْكُفَّارِ. فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُمْ لِلإِسْلاَمِ.
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ: ((مَا تَرَىُ يَا ابْنَ الْخَطَّابِ؟)) قُلْتُ: لاَ. وَاللَّهِ، يَا رَسُولَ اللَّهِ! مَا أَرَّى
الَّذِي رَأَى أَبُو بَكْرٍ. وَلَكِنِّي أَرَىْ أَنْ تُمَكِنَّا فَتَضَرِبَ أَعْنَاقَهُمْ. فَتُمَكِّنَ عَلِيًّا مِنْ عَقِيلٍ فَيَضْرِبَ
عُنُقَهُ. وَتُمَكِّنِي مِنْ فُلاَنٍ (نَسِيباً لِعُمَرَ) فَأَضْرِبَ عُنُقَهُ. فَإِنَّ هُؤُلاَءٍ أَئِمَّةُ الْكُفْرِ وَصْنَادِيدُهَا.
فَهَوِيَ رَسُولُ اللَّهِ وَ لَّ مَا قَالَ أَبُو بَكْرٍ. وَلَمْ يَهْوَ مَا قُلْتُ. فَلَمَّا كَانَ مِنَ الْغَدِ حِثْتُ فَإِذَا
(حسبك مناشدتك ربك) وكل بمعنى. وضبطوا: (مناشدتك) بالرفع والنصب، وهو الأشهر. قال
القاضي: من رفعه جعله فاعلاً بكفاك، ومن نصبه فعلى المفعول بما في (حسبك) و(كذاك) من
معنى الفعل من الكف. قال العلماء: هذه المناشدة إنما فعلها النبيّ ◌َ و ليراه أصحابه بتلك
الحال، فتقوى قلوبهم بدعائه وتضرعه، مع أن الدعاء عبادة. كذا في شرح النووي.
قوله: (فإنه سينجز لك ما وعدك) قال البغوي في شرح السنة (١٣: ٣٨١): «ليس ذلك
لأن حال أبي بكر في الثقة بربّه كان أرفع، ولا يجوز لأحد أن يظن ذلك، والمعنى فيه الشفقة
منه ظلّ على قلوب أصحابه، والتقوية لمُنّتهم، إذ كان ذلك أول مشهد شهده، وكانوا مكثورين
بأضعاف من أعدائه، فابتهل ظلّ في الدعاء والمسألة، يسكن بذلك ما في نفوسهم، إذ كانوا
يعلمون أن دعوته مستجابة، فلما قال له أبو بكر: حسبك، كفّ من الدعاء، إذ قد علم أنه قد
استجيب دعاؤه بما وجده أبو بكر في نفسه من المنّة والقوة حتى قال هذا القول)).
قوله: (أقدم حيزوم) بفتح الفاء، اسم لفرس ملك، وهو منادى بحذف حرف النداء،
تقديره: أقدم يا حيزوم! (وأقدم) أمر من الإقدام، وجعله بعضهم بضم الهمزة، أمر من القدوم.
قوله: (خطم أنفه) بضم الخاء على البناء للمجهول، والخطم: الأثر على الأنف.
قوله: (فهوى رسول الله وَ﴿) بكسر الواو، من الهوى، يعني: أحبّ.

١٠٠
الجزء الثالث من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
رَسُولُ اللَّهِ بِهِ وَأَبُو بَكْرِ قَاعِدَيْنِ يَبْكِيّانِ. قَلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَخْبِرْنِي مِنْ أَيُّ شَيْءٍ تَبْكِي
أَنْتَ وَصَاحِبُكَ. فَإِنْ وَجَدْتُ بُكَاءَ بَكَيْتُ. وَإِنْ لَمْ أَجِدْ بُكَاءَ تَبَاكَيْتُ لِبُكَائِكُمَا. فَقَالَ
رَسُولُ اللَّهِ وَلِهِ: ((أَبْكِي لِلَّذِي عَرَضَ عَلَيَّ أَصْحَابُكَ مِنْ أَخْذِهِمُ الْفِدَاءَ. لَقَدْ عُرِضَ عَلَيَّ
عَذَابُهُمْ أَذْنَى مِنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ)) (شَجَرَةٍ قَرِيبَةٍ مِنْ نَبِيِّ اللَّهِ،وَلَ) وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿مَا
كَانَ لِنَّ أَنْ يَكُونَ لَهُ، أَسْرَى حَّى يُثْخِنَ فِ الْأَرَضِّ﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿فَكُلُواْ مِمَّا غَيِمْتُمْ حَلًا طَبِبَأَ﴾
[الأنفال: ٦٧ - ٦٩] فَأَحَلَّ اللَّهُ الْغَنِيمَةَ لَهُمْ.
(١٩) - باب: ربط الأسير وحبسه، وجواز المنّ عليه
٤٥٦٤ - (٥٩) حدّثنا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ. حَدَّثَنَا لَيْثُ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ؛ أَنَّهُ
سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: بَعَثَ رَسُولُ اللّهِ وَّهِ خَيْلاً قِبَلَ نَجْدٍ. فَجَاءَتْ بِرَجُلٍ مِنْ بَنِي حَنِيفَةً
يُقَالُ لَهُ: ثُمَامَةُ بْنُ أُثَالٍ. سَيِّدُ أَهْلِ الْيَمَامَةِ. فَرَبَطُوهُ بِسَارِيَةٍ مِنْ سَوَارِي الْمَسْجِدِ. فَخَرَجْ
قوله: (وإن لم أجد بكاء تباكيت) يعني: تكلّف بالبكاء، وفيه حبّ سيدنا عمر ظُته لموافقة
رسول الله وَ لير وأبي بكر في كل شيء، حتى في البكاء.
قوله: (فأحل الله الغنيمة لهم) وقد ثبت أن إباحة الغنائم من خصائص هذه الأمة، ولم تكن
أحلت لمن قبلها من الأمم.
(٩) - باب: ربط الأسير وجواز المنّ عليه
٥٩ - (١٧٦٤) - قوله: (سمع أبا هريرة) أخرجه البخاري في المغازي، باب وفد بني
حنيفة، (رقم: ٤٣٧٢)، وفي المساجد، باب الاغتسال إذا أسلم، (رقم: ٤٦٢)، وباب دخول
المشرك المسجد، (رقم: ٤٦٩)، وفي الخصومات، باب التوثق ممن تخشى معرته، (رقم:
٢٤٢٢)، وباب الربط والحبس في الحرم، (رقم: ٢٤٢٣)، وأخرجه أبو داود في الجهاد، باب
في الأسير يوثق، (رقم: ٢٦٧٩).
قوله: (خيلاً قبل نجد) أي: بعث فرسان خيل قبل نجد، وزعم سيف في كتاب الزهد له
أن الذي أخذ ثمامة وأسره هو العباس بن عبد المطلب، وفيه نظر لأن العباس إنما قدم على
رسول الله ﴿ زمن فتح مكة، وقصة ثمامة تقتضي أنها كانت قبل ذلك. كذا في فتح الباري
(٨: ٨٧).
قوله: (من بني حنيفة) هي قبيلة كبيرة شهيرة ينزلون اليمامة بين مكة واليمن. وكان وفد بني
حنيفة كما ذكره ابن إسحاق وغيره في سنة تسع، وذكر الواقدي أنهم كانوا سبعة عشر رجلاً فيهم
مسيلمة. كذا في فتح الباري.
قوله: (ثمامة بن أثال) بضم الثاء في ثمامة، وضم الهمزة في أثال، كما ضبطه الحافظ في