Indexed OCR Text
Pages 461-480
٤٦١ كتاب: الأقضية حفره بأمر السلطان ليس متعدياً فيه. وكذلك لو حفر في الفيافي في غير محجة الناس لا يضمن الحافر عند الحنفية، لأن العدول عن أبيار الفيافي ممكن. نعم إذا كان في محجة الناس ضمن، لكون الحافر متعدياً، وراجع رد المحتار (٥: ٥٢٥) للتفصيل. ثم قد وقع في بعض الروايات ههنا: ((النار جبل)) بدل ((البئر جبار)) ومعناه أن من استوقد ناراً مما يجوز له، فتعدت حتى أتلف شيئاً، فلا ضمان عليه. ولكن هذه الرواية شاذة، وحكي عن ابن معين أنه وقع فيها تصحيف، لأن أهل اليمن يكتبون ((النار)) بالياء (النير)، دون الألف، ففهم بعضهم من البئر النار بالنون، فرواها كذلك، والله أعلم وراجع فتح الباري (١٢ : ٢٥٦) للتفصيل. قوله: (والمعدن جبار) قال الحافظ في الفتح (١٢: ٢٥٦): «فلو حفر معدناً في ملكه، أو في موات، فوقع فيه شخص فمات، فدمه هدر، وكذا لو استأجر أجيراً يعمل له، فانهار عليه، فمات، ويلتحق بالبئر والمعدن في ذلك كل أجير على عمل، كمن استؤجر على صعود نخلة، فسقط منها، فمات)). وقد فسره بعض الشافعية بأنه لا خمس في المعدن، ولكنه بعيد جداً لأن السياق كله في مسائل الدية. ورد الحافظ في زكاة الفتح (٣: ٣٦٥) على من فسره بنفي الزكاة على المعدن، وفسره بأنه لادية للهالك فى معدن، كما ذكرنا . وجوب الخمس على المعدن والركاز: قوله: (وفي الركاز الخمس) اختلف الفقهاء في معنى الركاز ههنا، فقال مالك، والشافعي، وأحمد، رحمهم الله تعالى: هو دفين الجاهلية فقط، ففيه الخمس لكونه من الغنيمة. وليس في المعدن خمس عندهم، لأنه ليس من الركاز، ولأنه يحتاج إلى مؤونة ومشقة، بخلاف الكنز. وقال أبو حنيفة رحمه الله: الركاز يعم كنز الجاهلية والمعدن كليهما، فيجب في كل واحد منهما الخمس، وهو قول الثوري، والأوزاعي، وأبي عبيد رحمهم الله تعالى. وإن مذهب أبي حنيفة رحمه الله مؤيد باللغة، والرواية، والدراية. فأما اللغة، فيقول ابن منظور في لسان العرب (٧: ٢٢٢): ((والركاز قطع ذهب وفضة تخرج من الأرض أو المعدن)) ثم ذكر اختلاف أهل الحجاز وأهل العراق في تفسير الحديث، ثم قال: ((قال ابن الأعرابي: الركاز ما أخرج المعدن، وقد أركز المعدن وأنال. وقال غيره: أركز صاحب المعدن إذا كثر ما يخرج منه له من فضة وغيرها، والركاز: الاسم وهي القطع العظام، ٤٦٢ الجزء الثاني من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم مثل الجلاميد من الذهب والفضة تخرج من المعادن. وهذا يعضد تفسير أهل العراق)). ويقول ابن فارس في مقاييس اللغة (٢: ٤٣٣): ((الراء، والكاف، والزاء أصلان: أحدهما إثبات شيء في شيء يذهب سفلاً ... ومن الباب: الركاز، وهو المال المدفون في الجاهلية، وهو من قياسه، لأن صاحبه ركزه، وقال قوم: الركاز المعدن)). ويقول الأزهري في تهذيب اللغة (١٠: ٩٥) بعد ذكر الاختلاف المذكور: ((وقال الليث: الركاز: قطع الفضة تخرج من المعدن، وأركز الرجل: إذا أصاب ذلك. وأخبرني عبد الملك البغوي، عن الربيع، عن الشافعي أنه قال: الذي لا أشك فيه أن الركاز: دفن الجاهلية، والذي أنا واقف فيه: الركاز في المعدن، والتبر المخلوق في الأرض ... قال شمر: قال ابن الأعرابي: الركاز ما أخرج المعدن وأنال. وقال غيره: أركز صاحب المعدن إذا كثر ما يخرج منه له من فضة وغيرها)). فهذه أقوال أهل اللغة، تدل على أن الركاز يطلق على ما يخرج من المعدن، كما يطلق على الكنز المدفون. وأما الروايات فمذهب أبي حنيفة رحمه الله مؤيد بأحاديث آتية: (١) - أخرج أبو عبيد رحمه الله في كتاب الأموال (ص: ٣٣٦، رقم: ٨٥٨) عن عمرو بن شعيب: ((أن المزني سأل رسول الله ولو عن اللقطة توجد في الطريق العامر، أو قال: الميتاء، فقال: عَرّفْها سَنَة. فإن جاء صاحبها، وإلا فهي لك، قال: يا رسول الله! فما يوجد في الخراب العادي؟ قال: فیه، وفي الركاز الخمس)). والخراب العادي: هو الأرض التي انقرض أهلها، فلا يعلم لها مالك، والمراد مما يوجد فيه: الكنز المدفون في ذلك الخراب، وعطف عليه رسول الله و 38 الركاز، فتبين أن الركاز غير الكنز، وليس إلا المعدن، ولذلك يقول ابن عبيد رحمه الله في تفسير هذا الحديث: ((فقد تبين لنا الآن أن الركاز سوى المال المدفون، لقوله: فيه، وفي الركاز إلخ، فجعل الركاز غير المال، فعلم بهذا أنه المعدن)) راجع كتاب الأموال (ص: ٣٤٠، رقم: ٨٧٠). وأجاب عنه البيهقي في السنن الكبرى (٤: ١٥٣) بأن المراد من الركاز ههنا كنز الجاهلية الذي وجد ظاهراً فوق الأرض، لا المعدن، وتعقبه المارديني في الجوهر النقي بأن ابن عبد البر أخرجه في التمهيد بلفظ: ((إن كنت وجدته في قرية مسكونة، أو في سبيل ميتاء فعرفه، وإن كنت وجدته في خربة جاهلية، أوفى قرية غير مسكونة، أو في غير سبيل ميتاء ففيه وفي الركاز الخمس)). فتبين أن الركاز غير ما وجد على ظاهر الأرض أيضاً. (٢) - أخرج أبو عبيد في غريب الحديث (١: ٢١١) بسند فيه ابن لهيعة، عن أشياخه من ٤٦٣ كتاب: الأقضية حضرموت، أن رسول الله وَ لل كتب لوائل بن حجر وقومه كتاباً. وفيه: ((من محمد رسول الله وله إلى الأقيال العباهلة من حضرموت، بإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، على التيعة شاة، والتيمة لصاحبها، وفي السیوب الخمس إلخ)). وهذا الحديث ذكره ابن الأثير في منال الطالب (١: ٧٨)، ثم قال: ((والسيوب: الركاز، وهو المال المدفون في الجاهلية، أو المعدن، جمع سيب، وهو العطاء، لأنه من فضل الله على من أصابه، وقيل: السيوب: عروق من الذهب والفضة، تسيب في المعدن، أي: تجري فيه)). (٣) - أخرج أبو عبيد في الأموال (ص: ٣٤٠) عن الحارث بن أبي الحارث الأزدي: ((أن أباه كان من أعلم الناس بمعدن، وأنه أتى على رجل قد استخرج معدناً، فاشتراه منه بمائة شاة متبع ..... فأتاه علي رظُه، فقال: أين الركاز الذي أصبت؟ فقال: ما أصبت ركازاً، إنما أصابه هذا، فاشتريته بمائة شاة متبع، فقال له علي: ما أرى الخمس إلا عليك، قال: فخمس المائة شاة)) قال أبو عبيد: ((أفلا ترى أن علياً قد سمى المعدن ركازاً، وحكم عليه بحكمه، وأخذ منه الخمس . (٤) - أخرج الإمام أبو يوسف في كتاب الخراج (ص: ٦٥، رقم: ٦٩) عن أبي سعيد المقبري بعد حديث: (وفي الركاز الخمس): ((فقيل وما الركاز يا رسول الله؟ قال: الذهب والفضة الذي خلقه الله في الأرض يوم خلقت)) وأخرجه محمد أيضاً في موطأه (ص: ١٧٤) تعليقاً. وأخرجه البيهقي أيضاً في سننه (٤: ١٥٢)، وأعله بعبد الله بن سعيد المقبري. وأصرح منه ما رواه الدارقطني في العلل، وإن كان تكلم فيه، حديث أبي صالح عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله وَير: ((الركاز الذي ينبت على وجه الأرض)) حكاه العيني في عمدة القاري (٩: ١٠٣) من طبع المنيرية . قال شيخنا في إعلاء السنن (٩: ٥٩): ((وفيه (يعني فيما أخرجه أبو يوسف في الخراج) عبد الله بن سعيد المقبري ضعيف، كما يتحصل من الزيلعي وغيره، لكن الإمام الهمام أبا يوسف لما احتج بالحديث كما هو الظاهر من صنيعه، وإيراده في كتاب مذهبه، كان هذا تصحيحاً منه للحديث، ولما كان التصحيح موقوفاً على كون الراوي ثقة، كان هذا إما توثيقاً له منه، وإما كان عنده متابع له، وبكل حال، فلا أقل من كون الحديث في درجة التأييد)). (٥) - روى الإمام أبو حنيفة رحمه الله، عن عطاء، عن ابن عمر ضيًا، قال: قال رسول الله (18: ((الركاز الذي ينبت من الأرض)) كذا في جامع المسانيد للخوارزمي (١: ٤٦٢). أخرجه أبو محمد البخاري، عن صالح الترمذي، عن علي بن الحسن بن يسار، عن محمد بن الصباح، عن حبان بن علي، عن أبي حنيفة. وحقق شيخنا في إعلاء السنن (٩: ٦٠) أنه ليس فيهم أحد مضعف في الميزان، إلا ما ذكر في حبان من مقال، مع توثيقه من ابن معين. ٤٦٤ الجزء الثاني من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم (٦) - أخرج أبو عبيدة في الأموال (ص: ٣٤١، رقم: ٨٧٢) عن ابن شهاب الزهري، أنه سئل الركاز والمعادن، فقال: يخرج من ذلك كله الخمس. وإن الزهري راو لحديث: ((في الركاز الخمس)) فتفسيره أولى بالقبول. وأما دراية، فإن وجوب الخمس في الكنز من جهة أنه غنيمة، لكونه دفين الكفار، فإن الكنز إذا وجدت فيه علامات المسلمين كان في حكم اللقطة، ووجب تعريفها، وإنما يجب الخمس في دفين الجاهلية، لكونه غنيمة أوفيئا، ويشاركه المعدن في هذا المعنى، فإنه مخلوق في الأرض منذ خلقه الله تعالى، فكان جزءاً من الأرض المغنومة، فكان في حكم الغنيمة أيضاً. وأما ما ذكره الشافعية من أن الكنز يحصل بلا مؤنة، بينما المعدن يحتاج إلى مشقة ومؤنة، فأجاب عنه الإمام أبو عبيد في الأموال (ص: ٣٤١) بقوله: ((وكذلك هو عندي في النظر: أن يكون بالمغنم أشبه منه بالزرع؛ لأنه وإن كان يتكلف فيه الإنفاق، والتَغْرِير بالنفس، وكذلك مجاهدة العدو، بل الجهاد أشد، وأعظم خطراً، وقد جعل الله في الغنيمة منهم الخمس، فأدنى ما يجب في المعدن أن يكون مثل ما ينال من العدو)). وأما وجه ارتباط حكم خمس الركاز بما قبله من أحكام الدية، فيتضح مما أخرجه أبو يوسف في كتاب الخراج (ص: ٦٥) عن أبي سعيد المقبري، قال: ((كان أهل الجاهلية إذا عطب الرجل في القليب جعلوا القليب عقله، وإذا قتلته دابة جعلوها عقله، وإذا قتله معدن جعلوه عقله. فسئل رسول الله ﴿ عن ذلك، فقال: العجماء جبار، والمعدن جبار، والبئر جبار، وفي الركاز الخمس)). وهذا دليل على أن أهل الجاهلية كانوا يكلفون صاحب المعدن بإعطاء المعدن نفسه إلى أولياء الذي مات فيه، فذكر رسول الله وَّ ر أن صاحب المعدن لا يكلف بذلك، وإنما يجب عليه الخمس لبيت المال، لا غير، والله سبحانه أعلم. (٠٠٠) - قوله: (الجمحي) بضم الجيم، وفتح الميم، نسبة إلى بني جمح، وهم بطن من قريش، وعبد الرحمن بن سلام، أخوه عبد الله بن سلام الجمحي، كلاهما ثقتان، وراجع الأنساب للسمعاني (٣: ٣٢٧). قد تم بتوفيق الله تعالى شرح كتاب الحدود ضحوة يوم الخميس السابع من شهر ربيع الأول سنة ألف وأربعمائة وست من الهجرة النبوية على صاحبها السلام، وأدعو الله سبحانه تعالى أن يوفقني لإكمال باقي الشرح كما يحبه ويرضاه، وإنه تعالى على كل شيء قدير، وبالإجابة جدير، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. كتاب: الأقضية ولنبدأ شرح هذا الكتاب بمباحث في حقيقة القضاء، وتاريخ، ومكانته في الشريعة ٤٦٥ كتاب: الأقضية الإسلامية، وبعض أصوله المعتبرة عند الشرع، لتزيد الطالب معرفة وبصيرة، والله سبحانه الموفق للصواب : ١ - معنى القضاء لغة، وشرعاً: الأقضية: جمع قضاء، والقضاء في اللغة: الحكم والفصل والقطع، قال الله تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُواْ إِلَّ إِيَّاهُ﴾ [سورة الإسراء، الآية: ٢٣]. وأما في الشرع، فقد عرفه الفقهاء بتعبيرات مختلفة تؤول إلى معان متقاربة، فعرفه في شرح أدب القاضي للخصاف (١: ١٢٦) بقوله: ((إنه فصل الخصومات والمنازعات))، وعرفه ابن فرحون في تبصرة الحكام (١: ١٢) بقوله: ((هو الإخبار عن حكم شرعي على سبيل الإلزام))، وعرفه في الفتاوى الهندية (٣: ٣٠٧) بقوله: ((القضاء قول ملزم يصدر عن ولاية عامة)). وحاصل هذه التعريفات كلها: أن القضاء قول ملزم وفق الأحكام الشرعية يفصل به خصومة فريقين. والفرق بينه وبين الإفتاء أن الإفتاء إخبار عن حكم شرعي، وليس فيه إلزام، فلا يجب أن يولى المفتي من قبل الإمام، بخلاف القضاء، فإنه إلزام، فلا يتحقق إلا من الذي ولاه الإمام ذلك. ٢ - القضاء في الجاهلية: لم تكن في معظم أنحاء جزيرة العرب حكومات منظمة قوية تهيمن على جميع مناطقها بسلطة مركزة، وإنما كانت الحياة في الريف حياة بدوية قبائلية، وكانت كل مدينة تستقل بنفسها في الحكومة، فكانت حكومتها ((حكومة مدن)) كما يسميه علماء السياسة. فلم تكن هناك - والحال هذه - هيئات قضائية، ومؤسسات حكومية ذات قوانين مدونة للفصل فى الخصومات، على نحو ما نراه في الحكومات اليوم. ولكن كان بين الجاهليين تعامل، وعرف متبع في أمور عديدة من أمور الحياة التي يعيشون فيها، مثل حقوق مرور القوافل، وحقوق الجباية عن الأموال المستوردة، أو المصدرة، وفي موضوع الحقوق والجنايات، وما شاكل ذلك وإن هذا العرف قد توارثته كل قبيلة عن آبائها وأجدادها، وجعلته كالقانون السائد في مجتمعها، يرجع إليه في فصل الخصومات والمنازعات، وكان رؤساء المدينة أو القبيلة يحكمون فيما شجر بينهما وفق عرفهم وعادتهم، يجتمعون في مكان معين، مثل دار الندوة بمكة، أو في معبد، أو في بيوت الوجهاء، للنظر في الخصومات، وفي المشكلات التي تقع في البلد. ويتولى رؤساء الشعب، أي: الحارة والمحلة فض المنازعات التي تنشأ بين أفراد الشعب في الغالب. أما إذا وقعت الخصومات بين أبناء شعاب مختلفة، فقد يتفق رؤساء المحلات على فصل ٤٦٦ ٠٠ .. الجزء الثاني من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم الخصومة بينهم باللجوء إلى محكمين يختارونهم من غيرهم ممن يرضى عنهم المتخاصمون، ويكونون في نظرهم محايدين لا علاقة لهم بذلك النزاع. وقد يحال النزاع على رؤساء البلد أو الحي للنظر فيه. ويشترط بالطبع على المتخاصمين كلهم الإذعان لقضاء الحكام، والتسليم بما يحكمونه من حكم. واشتهر بعض الناس في حسن القضاء، مثل عامر بن الظرب العدواني لقب ((حاكم العرب)) و((قاضي العرب)) كما في المعارف لابن قتيبة (ص: ٣٦) والأغاني (١٥: ٧٠). وقد ذكر اليعقوبي في تاريخه (١: ٢٢٧) أسماء الذين اشتهروا بين العرب في القضاء. وذكر أن الأفعى الجرهمي أقدم حاكم حكم بين العرب. ويقال: إن المحاكمات في الجاهلية كانت تُبتنى على قاعدة ((البينة على من ادعى، واليمين على من أنكر))، وذكر الميداني في مجمع الأمثال (١: ١١١، رقم: ٥٦٧) أن أول من قال هذه الكلمة في الجاهلية هو قس بن ساعدة الأيادي، فصارت سنة منذ ذلك اليوم، وأقرها الإسلام. وراجع لتفصيل الحكم والقضاء في الجاهلية كتاب ((المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام)) للدكتور جواد علي (٥: ٤٦٩ إلى ٥٠٩). ٣ - القضاء في الإسلام: وكان رسول الله وَير مرجع القضاء في عهده، ولكنه ربما ولى ذلك أحداً من الصحابة نيابة عنه في قضايا معينة، كما ولى أنيسا رَظُه قضاء رجم المرأة في قصة العسيف، وكما ولى عمرو بن العاص رُه، فيما أخرجه الإمام أحمد في مسنده والدارقطني في سننه عن عبد الله بن عمرو، قال: ((جاء رسول الله ( 8* خصمان يختصمان، فقال لعمرو: اقض بينهما يا عمرو! فقال: أنت أولى بذلك مني يا رسول الله! قال: وإن كان. قال: فإذا قضيت بينهما فما لي؟ قال: إن أنت قضيت بينهما. فأصبت القضاء فلك عشر حسنات، وإن اجتهدت فأخطأت، فلك حسنة)) راجع الفتح الرباني (١٥: ٢١٦). ومثل ذلك وقع لعقبة بن عامر الجهني فيما أخرجه الدار قطني (٤ : ٢٠٣). ولما توسعت ديار الإسلام، وكثرت مشاغل النبي وَلو عين الدعاة، والولاة، والقضاة، وبعثهم إلى الأقاليم الإسلامية، كانوا ينوبون عنه وَلّر في فصل الخصومات على الأصول التي قررها لهم رسول الله ◌ّر. فمنهم علي بن أبي طالب، ومعاذ بن جبل، وأبو موسى الأشعري ﴿ه، الذين جعلهم رسول الله وَّ قاضين في اليمن، ومنهم العلاء بن الحضرمي الذي جعله قاضياً بالبحرين، فيما ذكره الحافظ في المطالب العالية (٢: ٢٣٧)، ومنهم معقل بن يسار، فيما أخرجه أحمد في مسنده (٥: ٢٦)، ومنهم عتاب بن أسيد، استقضاه رسول الله وله على مكة، فيما حكى الماوردي في أدب القاضي (١: ١٣١)، ومنهم دحية الكلبي الذي ولاه ٤٦٧ كتاب: الأقضية قضاء ناحية من اليمن فيما حكاه الماوردي أيضاً (١: ١٣٢) وذكر الكتاني في التراتيب الإدارية (١ : ٢٥٨) عن الطبراني أن عمر بن الخطاب وأبي بن كعب، وزيد بن ثابت وعبد الله بن مسعود كانوا من قضاة رسول الله وَله . والذي يرى في هذا العهد أن منصب القضاء لم يكن منصباً مستقلاً يتفرغ له رجل أو رجال، وإنما كان من جملة وظائف الولاة الذين يتولون أمور السياسة والحكومة، فكل من علي، ومعاذ بن جبل، وأبي موسى الأشعري، والعلاء بن الحضرمي. وعتاب بن أسيد، كان والياً لإقليم مخصوص، فكان يتولى القضاء كما يتولى أمور الحكومة الأخرى. وكذلك كان الأمر في عهد خلافة أبي بكر عظاته، وفي بداية خلافة سيدنا عمر نظراته. وأول من جعل منصب القضاء منصباً مستقلاً، وأفرد له رجالاً لا عناية لهم إلا بالقضاء، سيدنا عمر بن الخطاب ظه. يقول ابن خلدون في مقدمته (ص: ٢٢٠). ((وأما القضاء فهو من الوظائف الداخلة تحت الخلافة، ... وكان الخلفاء في صدر الإسلام يباشرونه بأنفسهم، ولا يجعلون القضاء إلى من سواهم. وأول من دفعه إلى غيره، وفوضه فيه عمر رُه، فولى أبا الدرداء معه بالمدينة، وولى شريحاً بالبصرة، وولى أبا موسى الأشعري بالكوفة وكتب له في ذلك الكتاب المشهور الذي تدور عليه أحكام القضاء)). وإن هذا الكتاب - كتاب عمر رضيُبه إلى أبي موسى الأشعري - نستطيع أن نعتبره كأول قانون للإجراءات العدلية في تاريخ الإسلام، اعتبره القضاة في الإسلام كأكبر مصدر للاستنارة في أعمالهم القضائية، وقد حكاها ابن خلدون في مقدمته (ص: ٢٢١) بنصها، فتلراجع فيها، وقد أخرجها الدارقطني في سننه (٤ : ٢٠٦) بطرق مختلفة. ثم يقول ابن خلدون رحمه الله: ((إلا أن القاضي إنما كان له في عصر الخلفاء الفصل بين الخصوم فقط، ثم دفع لهم بعد ذلك أمور أخرى على التدريج بحسب اشتغال الخلفاء والملوك بالسياسة الكبرى، واستقر منصب القضاء آخر الأمر على أنه يجمع مع الفصل بين الخصوم استيفاء بعض الحقوق العامة للمسلمين، بالنظر في أموال المحجور عليهم، من المجانين، واليتامى، والمفلسين وأهل السفه، وفي وصايا المسلمين، وأوقافهم، وتزويج الأيامى فقد الأولياء، على رأي من رآه، والنظر في مصالح الطرقات والأبنية، وتصفح الشهود، والأمناء، والنواب، واستيفاء العلم والخبرة فيهم بالعدالة والجرح ليحصل له الوثوق بهم، وصارت هذه كلها من تعلقات وظيفته، وتوابع ولا يته)). ((وقد كان الخلفاء من قبل يجعلون للقاضي النظر في المظالم، وهي وظيفة ممتزجة من سطوة السلطنة، ونصفة القضاء، وتحتاج إلى عُلّوُ يَدّ، وعظيم رهبة لقمع الظالم من الخصمين، ٤٦٨ الجزء الثاني من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم وتزجر المتعدي، وكأنه يمضي ما عجز القضاة أو غيرهم عن إمضائه. ويكون نظره في البينات والتقرير، واعتماد الأمارات، والقرائن، وتأخير الحكم إلى استجلاء الحق، وحمل الخصمين على الصلح، واستحلاف الشهود، وذلك أوسع من نظر القاضي. وكان الخلفاء الأولون يباشرونها بأنفسهم إلى أيام المهتدي من بني العباس، وربما كانوا يجعلونها لقضاتهم، كما فعل عمر رضيته مع قاضيه أبي إدريس الخولاني، وكما فعله المأمون ليحيى بن أكثم، والمعتصم لأحمد بن أبي دؤاد)). ٤ - خطورة منصب القضاء: ثم إن منصب القضاء منصب خطير جداً، وقد نبه رسول الله وس # على خطورته في أحاديث متعددة، نذكر منها ما يلي: ١ - أخرج أبو داود والترمذي وابن ماجه عن أبي هريرة رضي الله، قال: قال رسول الله وَله : ((من ولي القضاء أو جعل قاضياً بين الناس فقد ذبح بغير سكين)) وهذا لفظ الترمذي، (رقم: ١٣٢٥) وقال: «هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه، وقد روى أيضاً من غير هذا الوجه عن النبي ◌َّلر. وأعله ابن الجوزي، وقال: لا يصح، ولكن رده الحافظ. كما في تحفة الأحوذي (٢ : ٢٧٥). ٢ - وأخرج الترمذي عن ابن عمر ثها: إني سمعت رسول الله وَله يقول: ((من كان قاضياً فقضى بالعدل، فبالحري أن ينقلب منه كفافاً))، لكن قال الترمذي بعد إخراجه: حديث ابن عمر حدیث غریب، وليس إسناده عندي بمتصل. ٣ - وأخرج أبو داود، والترمذي، وابن ماجه عن بريدة رضيالله أن النبي وَّ قال: («القضاة ثلاثة: قاضيان في النار، وقاض في الجنة: رجل قضى بغير الحق، فعلم ذاك، فذاك في النار، وقاض لا يعلم، فأهلك حقوق الناس، فهو في النار، وقاضٍ قضى بالحق، فذلك في الجنة)). ٤ - أخرج أحمد في مسنده عن عائشة رضيها قالت: سمعت رسول الله وَ له يقول: ((ليأتين على القاضي العدل يوم القيامة ساعة يتمنى أنه لم يقض بين اثنين)) وأخرجه الطيالسي في مسنده بلفظ: ((يؤتى بالقاضي العدل يوم القيامة، فيلقى من شدة الحساب ما يتمنى أنه لم يقض بين اثنين في تمرة)) وأخرجه ابن حبان والبيهقي أيضاً، وأعله البيهقي بأن عمران بن حطان عن عائشة لا يتابع عليه، ولا يتبين سماعه منها. ولكنه روى عن عمر، وأبي موسى، فروايته عن عائشة ممكنة، وثقه العجلي، وله في البخاري فرد حديث، كما في بلوغ الأماني شرح الفتح الرباني (١٥ : ٢١٠). ومن أجل هذه الأحاديث روي عن جماعة من السلف أنهم هربوا من منصب القضاء، وقد ٤٦٩ كتاب: الأقضية ... دعي أبو قلابة للقضاء، فهرب من العراق حتى أتى الشام، فوافق ذلك عزل قاضيها، فهرب واختفى، حتى أتى بلاد اليمامة. فقال: ما وجدت مثل القاضي إلا مثل سابح في بحر، فكم عسى أن يسبح حتى يغرق)) راجع له السنن الكبرى للبيهقي (١٠: ٩٧) وأخبار القضاة لوكيع ١ : ٢٣، وشرح الصدر الشهيد على أدب القاضي للخصاف (١: ١٤٧). وروي عن سفيان الثوري أنه دعي إلى القضاء، فهرب إلى البصرة حيث مات وهو متوار. وأما الإمام أبو حنيفة رحمه الله فقد ابتلي بالضرب والسجن ثلاث مرات من أجل عدم قبوله للقضاء، ولكنه لم يقبل ذلك، حتى توفي رحمه الله تعالى، كما في مناقبه للموفق (١: ١٦٢، ٢٠٢، ٢٠٥). ٥ - مشروعية القضاء وفضائله: وفي جانب آخر، قد وردت للقضاء العادل فضائل كثيرة أيضاً، فكفى بها فضلاً أن الله سبحانه وتعالى يقول: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ [سورة المائدة، الآية: ٤٢]. وأما الأحاديث، فنذكر منها ما يلي: ١ - أخرج الشيخان عن عبد الله بن مسعود نظ به، قال: قال رسول الله وَليقول: ((لا حسد إلا في اثنتين: رجل أتاه الله مالاً، فسلطه على هلكته في الحق، ورجل آتاه الله الحكمة، فهو يقضي بها، ويعمل بها)). ٢ - وأخرج الحارث بن أبي أسامة في مسنده عن أبي هريرة رضيته، عن النبي ◌َّ قال: ((العدل العامل في رعيته يوماً واحداً أفضل من عبادة العابد في أهله مائة عام، أو خمسين عاماً)) ذكره الحافظ في المطالب العالية (٢: ٢٣٢)، وفي الدراية (٢: ١٦٧، رقم: ٨١٧) وذكر الزيلعي مثله عن ابن عباس، وعزاه إلى مسند إسحاق بن راهويه، راجع نصب الراية (٤: ٦٧). ٣ - أخرج أحمد في مسنده عن أبي أيوب الأنصاري رضيبه، قال: قال رسول الله وَله: (يد الله مع القاضي حين يقضي، ويد الله مع القاسم حين يقسم)). وقال الهيثمي: ((وفيه ابن لهيعة، وحديثه حسن، وفيه ضعف)) كما في الفتح الرباني (١٥ : ٢١١). ٤ - وأخرج أحمد أيضاً عن عائشة رضي الله عنها، عن رسول الله وَي أنه قال ((أتدرون من السابقون إلى ظل الله عز وجل يوم القيامة؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: الذين إذا أعطوا الحق قبلوه، وإذا سئلوا بذلوه، حكموا للناس كحكمهم لأنفسهم)) وفيه ابن لهيعة أيضاً، ولكن تابعه يحيى بن أيوب، عن عبد اللّه بن زحر، عن علي بن زيد، عن القاسم بن عبد الرحمن عن عائشة، كما في الفتح الرباني (١٥: ٢١١). ٥ - وقد أخرج مسلم والنسائي أحمد عن عبد الله بن عمرو بن العاص: أن رسول الله وله قال: ((إن المقسطين في الدنيا على منابر من لؤلؤ يوم القيامة بين يدي الرحمن بما أقسطوا في ٤٧٠ الجزء الثاني من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم الدنيا)) وزاد في رواية: ((وكلتا يديه يمين، الذين يعملون في حكمهم، وأهليهم، وما ولوا)) راجع الفتح الرباني (١٥: ٢١١). ٦ - وأخرج أحمد في مسنده عن معقل بن يسار المزني تظلُبه، قال: ((أمرني النبي وَلّ أن أقضي بين قوم، فقلت: ما أحسن أن أقضي يا رسول الله، قال: الله مع القاضي ما لم يحف عمداً)). وفي إسناده نفيع بن الحارث أبو داود الأعمى، قال الحافظ في التقريب: متروك، وقد كذبه ابن معين، كما في بلوغ الأماني، شرح الفتح الرباني (١٥: ٢١٢). ومن أجل هذه الأحاديث ورد عن بعض السلف مدح منصب القضاء، فروي عن الحسن البصري أنه قال: ((كان يقال: لأجر حكم عدل يوماً واحداً أفضل من أجر رجل يصلي في بيته سبعين سنة، أو قال: ستين سنة)) ذكره الخصاف في أدب القاضي، وعقب عليه الصدر الشهيد رحمه الله في شرحه (١: ١٥٦): ((وكان الحسن إذا روى حديثاً عن واحد سمى ذلك الواحد، فإذا روى عن غير واحد قال: كان يقال)). وكذلك أخرج الدارقطني في سننه (٤: ٢٠٥)، والبيهقي في السنن الكبرى (١٠: ٨٩)، ووكيع في أخبار القضاة (٢: ٣٩٨) عن مسروق أنه قال: ((لأن أقضي يوماً بحق أحب إلى من أن أغزو سنة في سبيل الله)). وذكره السرخسي في المبسوط (١٦: ٧٢) ثم قال: ((فإن مسروقاً ممن يقدم تقلد القضاء على الامتناع عنه، وقد كان السلف رحمهم الله في ذلك مختلفين، وابتلي مسروق بالقضاء، ومن دخل في شيء فإنما يروي محاسن ذلك الشيء)). وقد استشار الإمام أبو حنيفة أبا يوسف رحمهما الله حين دعي إلى القضاء المرة الثالثة، فقال أبو يوسف: ((لو تقلدت نفعت الناس)) فنظر إليه أبو حنيفة نظر المغضب، وقال: ((أرأيت لو أمرت أن أعبر البحر سباحة، أكنت أقدر عليه؟)) وفي رواية أنه قال: ((البحر عميق، فكيف أعبره بالسباحة؟)) فقال أبو يوسف: ((البحر عميق، والسفينة وثيق، والملاح عالم)) فقال أبو حنيفة: ((كأني بك قاضياً)). ذكره ابن الهمام في فتح القدير (٥: ٤٦٠)، وأخرجه وكيع في أخبار القضاة (١: ٢٦)، والنووي في تهذيب الأسماء واللغات (٢: ٢١٨)، والصدر الشهيد في شرح أدب القاضي للخصاف (١ : ١٣٣). ومن أجل هذه الأحاديث أجمع العلماء على مشروعية القضاء، وأنه فرض كفاية، إذا تركه الجميع أثم الجميع، وأما الأحاديث التي ورد فيها التحذير عن القضاء، فيقول العلامة الطرابلسي رحمه الله في كتابه المعروف (معين الحكام) (١: ٧ و٨): ((اعلم أن أكثر المؤلفين من أصحابنا وغيرهم بالغوا في الترهيب والتحذير من الدخول في ولاية القضاء ... حتى تقرر في أذهان كثير من الفقهاء والصلحاء أن من ولي القضاء فقد سهل ٤٧١ كتاب: الأقضية عليه دينه، وألقى بيده إلى التهلكة، ورغب عما هو الأفضل وساء اعتقادهم فيه. وهذا غلط فاحش يجب الرجوع عنه، والتوبة منه، والواجب تعظيم هذا المنصب الشريف، ومعرفة مكانته من الدين، فيه بعث الرسل، وبالقيام به قامت السماوات والأرض، وجعله النبي عليه الصلاة والسلام من النعم التي يباح الحسد عليها)). (( ... واعلم أن كل ما جاء من الأحاديث التي فيها تخويف ووعيد، فإنما هي في حق قضاة الجور، والعلماء والجهال الذي يدخلون أنفسهم في هذا المنصب بغير علم. ففي هذين الصنفين جاء الوعيد. وأما قوله : ((من ولي القضاء فقد ذبح بغير سكين)) فقد أورده أكثر الناس في معرض التحذير من القضاء. وقال بعض أهل العلم: هذا الحديث دليل على شرف القضاء، وعظيم منزلته، وأن المتولي له مجاهد لنفسه وهواه، وهو دليل على فضيلة من قضى بالحق، إذ جعله ذبيح الحق امتحاناً لتعظم له المثوبة امتناناً، فالقاضي لما استسلم لحكم الله، وصبر على مخالفة الأقارب والأباعد في خصوماتهم، فلم يأخذه في الله لومة لائم، حتى قادهم إلى أمر الحق، وكلمة العدل، وكفهم عن دواعي الهوى والعناد، جعل ذبيح الحق لله، وبلغ به حال الشهداء الذين لهم الجنة، وقد ولى رسول الله وَّه علي بن أبي طالب، ومعاذ بن جبل، ومعقل بن يسار ويّ القضاء فنعم الذابح ونعم المذبوحون. فالتحذير الوارد في الشرع إنما هو عن الظلم، لا عن القضاء)). وهذا كلام في غاية المتانة والرزانة، وقد أخذه الطرابلسي رحمه الله من تبصرة الحكام لابن فرحون رحمه الله (ص: ٩) فإنه أورده بهذا اللفظ بعينه. ٦ - استقلال سلطة القضاء في الإسلام: ١ - من المعروف أن الدول الحديثة تباشر مهماتها بواسطة سلطات ثلاث. السلطة التشريعة (Legislature) وهي التي تقنن القوانين، وإن هذه السلطة يتولاها مجلس النواب، أو البارليمان في الدول الديمقراطية. ٢ - السلطة التنفيذية (Executive) وهي التي تقوم بتنفيذ هذه القوانين، وبمباشرة مهام الحكومة. وإن هذه السلطة يتولاها الوزراء والموظفون في الإدارات الرسمية. ٣ - السلطة القضائية (Judiciary) وهي التي تقوم بحسم المنازعات، وإقامة العدل بين الناس، وتفسير النصوص القانونية الصادرة من البارليمان، والهيئات الأخرى. وإن هذه السلطة يتولاها قضاة المحاكم العدلية . وإن توزيع وظائف الدولة على هذه السلطات الثلاث مبني على مبدأ (فصل السلطات) الذي قرره الكاتب الفرنسي المعروف (مونتسكيو)، والذي تعترف به معظم الدول اليوم كأساس ٤٧٢ الجزء الثاني من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم لدستورها . والمراد من هذا المبدأ أن السلطة القضائية منفصلة عن السلطتين: التشريعية والتنفيذية، بمعنى أنه ليس لهما التدخل في أعمال القضاء. ويعتبر هذا المبدأ ضامناً لاستقلال سلطة القضاء، وعدم تأثرها بالسلطتين الأخريين في إقامة العدل. أما الإسلام، فلم يحدد للدولة شكلاً مخصوصاً، ولا دخل في جزئيات تكوين هذه الدولة، ليختار المسلمون في كل عصر ما يوافق حاجاتهم، ويلائم بيئاتهم التي يعيشون فيها، ولكنه قرر أصولاً راسخة لا يجوز مخالفتها بحال. ومن هذه الأصول أنه يطلب من الحاكم، سواء كان خليفة. أو رئيساً للدولة، تحت أي اسم، أن يحكم بالعدل. وهو مسؤول أمام الله ورعيته. وإن القواعد العامة في نظام الحكم في الإسلام لا تضيق بنظام السلطات الثلاث، والفصل بينها، ولكنه يفرض ما يضمن للشعب بالعدل والإنصاف. فإذا أمكن تحقيق الإنصاف بجمع السلطتين في رجل واحد، فلا مانع عند الإسلام من تفويض كلتا السلطتين إلى رجل واحد، ولذلك أمر الله سبحانه سيدنا داودلعلَّ بالقضاء، فقال: ﴿يَدَاوُدُ إِنَّا جَعَلْنَكَ خَلِيفَةٌ فِ اَلْأَرْضِ فَأَحْكُ بَيِّنَ النَّاسِ يِلْحَقِّ وَلَا تَنَِّعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [سورة ص، الآية: ٢٦]. ومعلوم أن سيدنا داود النّا كان ملكاً، ورئيس السلطة التنفيذية، ولكن القرآن الكريم فوض إليه القضاء، لأن المقصود ليس هذه الشكليات، وإنما المقصود هو الحكم بالحق واتباع الهوى. ولما كان لا يتصور منه الحكم بغير الحق، أو اتباع الهوى، جمع الله سبحانه فيه السلطتين. وكذلك كان النبي وَ لّر والخلفاء الراشدون بعده يتولون كلتا السلطتين بدون أن يتصور منهم أي حيف،، والعياذ بالله العظيم. ولكن إذا كانت الظروف تتطلب فصل سلطة القضاء عن سلطة التنفيذ، لقلة الأمانة في الناس، وخشية الجور، فلا مانع عند الإسلام من هذا الفصل أيضاً، كما فعله الخلفاء الآخرون. وأما مبدأ استقلال القضاء، بمعنى أن يكون القاضي مستقلاً في حكمه، ولا يتأثر في ذلك بالأمراء والحكام، فإن ذلك واجب على كل حال. ولذلك قال الفقهاء: ((يجوز تقلد القضاء من السلطان العادل والجائر، ولو كافراً، ذكره مسكين وغيره، إلا إذا كان يمنعه عن القضاء بالحق، فيحرم)) كذا في الدر المختار مع رد المحتار (٤: ٤٢٧). وكان القضاة في الإسلام مستقلين في حكمهم، لا يأمرهم الحكام إلا بإقامة العدل ولو على أنفسهم، فهذا أمير المؤمنين عمر ظلُله، يمثل مع خصمه أبي بن كعب، بين يدي زيد بن ثابت القاضي رت ليقضي بينهما، فيتنحى زيد بن ثابت لسيدنا عمر ◌ًا، عن فراشه، ويقول: ههنا يا أمير المؤمنين! فيقول سيدنا عمر: ((جرت زيد في أول قضائك، ولكن أجلسني مع ٤٧٣ كتاب: الأقضية خصمي)). وقد ورد في هذه القضية أن زيد بن ثابت ربه طلب من أبي بن كعب بينة، لأنه كان مدعياً، فلم تكن عنده، فطلب من أمير المؤمنين اليمين، ثم توجه إلى أبي بن كعب وقال: ((أعف أمير المؤمنين)) يعني: من اليمين، فقال عمر رُله: ((أهكذا يقضى بين الناس كلهم؟)) قال: لا، قال: ((فاقض بيننا كما تقضي بين الناس))، قال: ((احلف يا أمير المؤمنين! فحلف أمير المؤمنين، ثم قال: ((لا يدرك زيد القضاء حتى يكون عمر، ورجل من عرض المسلمين عنده سواء)) أخرج هذه الروايات وكيع في أخبار القضاة (١: ١٠٨ و١٠٩)، والبيهقي في سننه: (١٠: ١٣٦) باب إنصاف الخصمين . وكذلك القاضي شريح، قد حكم على أمير المؤمنين علي بن أبي طالب لنصراني، وقد اختصما إليه في درع، فلما رأى النصراني ذلك اعترف بأن الدرع لأمير المؤمنين، ثم أسلم، فأعطاه علي ره ذلك الدرع، وقصته مشهورة، راجع لها سنن البيهقي (١٠: ١٣٦). وأخرج الكندي في كتاب القضاة (ص: ٣٥٦) ((أن عبد الملك بن مروان الخليفة أتى خير بن نعيم القاضي يخاصم ابن عم له، فقعد على مفرشه، فقال: ((قم مع ابن عمك)). وكذلك القاضي غوث بن سليمان يحكي قصته، فيقول: ((بعث إليّ أمير المؤمنين أبو جعفر المنصور فحملت إليه، فقال لي: يا غوث! إن صاحبتكم الحميرية (يعني زوجته) خاصمتني إليك في شروطها. قلت: أيرضى أمير المؤمنين أن يحكمني عليه؟ قال: نعم. قال: نعم. فقلت: إن الأحكام لها شروط، أفيحتملها أمير المؤمنين؟ قال: نعم. قال: يأمرها أمير المؤمنين أن توكل وكيلاً وتشهد على وكالته خادمين حرين يعدلهما أمير المؤمنين على نفسه، ففعل، فوكلت خادماً، وبعثت معه كتاب صداقها، وشهد الخادمان على وكالتها، فقلت: قد تمت الوكالة، فإن رأى أمير المؤمنين أن يساوي الخصم في مجلسه، قال: فانحط عن فرشه، وجلس مع الخصم، ودفع إلى الوكيل كتاب الصداق، فقرأته عليه، فقلت: يقر أمير المؤمنين بما فيه؟ قال: نعم. قلت: أرى في الكتاب شروطاً مؤكدة بها تَمَّ النكاح بينكما، أرأيت يا أمير المؤمنين: لو خطبت إليهم، ولم تشترط لهم هذا الشرط أكانوا يزوجونك؟ قال: لا، قال: قلت: فبهذا الشرط تم النكاح، وأنت أحق من وفي لها بشرطها. قال: علمت إذ أجلستني هذا المجلس أنك ستحكم عليّ)) راجع كتاب القضاة للكندي (ص: ٣٧٥). وإن أمثال هذه القصص كثيرة في تاريخنا الإسلامي، ومن أروع الأمثلة لاستقلال القضاة العلماء عن الأمراء أن الشيخ عز الدين بن عبد السلام رحمه الله حكم على جماعة من الأمراء الأتراك، وفيهم نائب السلطان بأنهم عبيد، ولم تثبت حريتهم بطريق شرعي، وأنهم مملوكون لبيت مال المسلمين، فأقامهم، وباعهم واحداً بعد واحد بثمن غال ثم أعتقهم المشترون، وصرف الشيخ ثمنهم في وجوه الخير. حكاه التاج السبكي في طبقات الشافعية (٥: ٨٤ و٨٥). ٤٧٤ الجزء الثاني من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم فالقضاء في الإسلام مستقل بكل معنى الكلمة، فيضمن لكل إنسان بإقامة العدل، ولو كان ذلك ضد الأمراء والحكام، فالأمير والحاكم بين يدي القاضي رجل من الشعب، لا يفوق على خصمه في إقامة العدل، وليس الأمر في الإسلام كدساتير معظم الدول التي تسمى نفسها جمهورية وديمقراطية، ثم تجعل رؤساءها غير مسؤولين أمام القضاء في حياتهم الفردية، وتقرر أن ذاتهم مصونة لا تمس. وحيث انخفض اليوم مستوى الديانة في أكثر الحكام، وتناقص فيهم الوازع الديني، فالأنسب اليوم أن تفصل سلطة القضاء من سلطة التنفيذ، بما يجعل القضاة مستقلين في أقضيتهم وأحكامهم، لا يتأثرون بالأمراء والحكام. ولذلك كان الخلفاء والسلاطين في الأزمنة المتأخرة ينصبون في البلدان قضاةً مستقلين يفوض إليهم سلطة القضاء، ولا يفوض إلى الأمراء الذين يتولون سلطة التنفيذ. وجاء في رد المحتار لابن عابدين (٤: ٤٦٥): ((والحاصل أن السلطان إذا نصب في البلدة أميراً وفوض إليه أمر الدين والدنيا صح قضاؤه. وأما إذا نصب معه قاضياً فلا، لأنه جعل الأحكام الشرعية للقاضي، لا للأمير، وهذا هو الواقع في زماننا. ولذا قال في البحر أول كتاب القضاء: سئلت عن تولية الباشا بالقاهرة قاضياً، ليحكم في حادثة خاصة مع وجود قاضيها المولى من السلطان، فأجبت بعدم الصحة، لأنه لم يفوض إليه تقليد القضاء، ولذا لو حكم بنفسه لم يصح اهـ)). وقد حدث في زمن العباسيين منصب (قاضى القضاة)، وإنه كان يتولى نصب القضاة وعزلهم في بلاد مختلفة، نيابة عن السلطان، ويحكي لنا ابن كثير في البداية والنهاية (١٠ : ١٨٠) أن أول من تولى هذا المنصب هو القاضي أبو يوسف رحمه الله، لقبه بذلك الخليفة الهادي، وكان يقال له: قاضي قضاة الدنيا، لأنه كان يستنيب في سائر الأقاليم التي يحكم فيها الخليفة . وإن السبب في إحداث هذا المنصب ولو كان انشغال الخليفة بأمور أخرى، بحيث ما كان يجد وقتاً لتنظيم القضاء، غير أن هذا المنصب كان خطوة حسنة في استقلال القضاء عن سلطة التنفيذ . وبالجملة، فلا يستثنى رئيس الدولة، ولا الحكام الآخرون من كونهم مسؤولين أمام القضاء، غير أنه إذا خيف من القوى المعارضة لرئيس الدولة، أنهم يرفعون إلى القاضي قضايا كثيرة مموهة ضد رئيس الدولة لمجرد إزعاجه وإضاعة أوقاته، فيمكن أن يتخذ في تسيير الدعوى على الرئيس إجراءات مخصوصة تضمن أن تكون القضية واقعية لا مموهة، ولئن ثبت في قضية مخصوص أنها لم ترفع إلى القاضي إلا مجرد إزعاج الإمام أو الرئيس، فإن القاضي يعزر ٤٧٥ كتاب: الأقضية (١) - باب: اليمين على المدعى عليه ٤٤٤٥ - (١) حدّثني أَبُو الظَّاهِرِ أَحْمَدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ سَرْحٍ. أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنِ ابْنٍ أَبِي مُلَيْكَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ؛ أَنَّ النَّبِيَّ ◌َلِّ قَالَ: (لَوْ يُعْطَى النَّاسُ المدعي على ذلك، ليكون عبرة لمن بين يديه ومن خلفه. ولكن لا يبرر هذا الخوف استثناء الرئيس من مسؤوليته أمام القضاء. ٧ - القضاء في الإسلام مجاني: ومن الأصول الأساسية في القضاء في الإسلام، أنه لا يطالب الفريقان بأجر أو محصول على القضاء، وإنما القضاء العادل حق للمتخاصمين على الإمام أو القاضي، ويجب على الإمام أن ييسر لهم القضاء مجاناً. وكان المتبع في بعض الدول القديمة، كفرنسا، أن يدفع الخصوم أجور قضاتهم (كما ذكره الدكتور محمد عبد الجواد محمد في كتابه بحوث في الشريعة الإسلامية والقانون، ص: ١٢٠)، ولم يحدث مثل ذلك شيء في عصور الإسلام المتقدمة، ثم تأثر بذلك بعض البلاد الإسلامية في العصور الأخيرة وجعل القضاة يأخذون من المتحاكمين إليهم أجراً على القضاء باسم (المحصول)، ولكن اشتد عليه نكير العلماء، وجعلوه في حكم الرشوة، يقول العلامة ابن عابدين رحمه الله: ((فما بالك في قضاة زماننا، فإنهم زادوا على من قبلهم باعتقاد حل ما يأخذونه من المحصول، بزعمهم الفاسد أن السلطان يأذن لهم بذلك، وسمعت من بعضهم أن المولى أبا السعود أفتى بذلك، وأظن أن ذلك افتراء عليه)). راجع رد المحتار (٤ : ٤٢٢) طبع استانبول، كتاب أدب القاضي، مطلب في الكلام على الرشوة والهدية. وفي جانب آخر، اهتم الإسلام بأن يرزق القاضي من بيت المال ما يشبع حوائجه، لئلا يطمع في أموال الناس، واستدل الخصاف على ذلك بما أخرجه أبو داود في الخراج والفيىء (رقم: ٢٩٤٥) عن المستورد بن شداد ربه، قال: سمعت النبي وَلل يقول: ((من كان لنا عاملاً فليكتسب زوجة، فإن لم يكن له خادم فليكتسب خادماً، فإن لم يكن له مسكن فليكتسب مسكناً)) قال: قال أبو بكر: أخبرت أن النبي وَلّ قال: ((من اتخذ غير ذلك فهو غال، أو سارق)). وأخرجه أحمد في مسنده (٤: ٢٢٩) بسند فيه ابن لهيعة بلفظ: ((من ولي لنا عملاً، وليس له منزل فليتخذ منزلاً. أو ليست له زوجة فليتزوج، أو ليس له خادم فليتخذ خادماً، أو ليست له دابة فليتخذ دابة، ومن أصاب شيئاً سوى ذلك فهو غال)). ويقول الصدر الشهيد رحمه الله في شرحه لأدب القاضي للخصاف: وإنما أراد بهذا ما تحت يده، فينتفع به مقدار ما يكون قاضياً، (١) الإشفي، بكسر الهمزة، وسكون الشين، والفاء المنونة في المتن: آلة الخرز للإسكاف، والمعنى أن الإبرة قد نفذت في کفها . ٤٧٦ الجزء الثاني من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم بِدَعْوَاهُمْ، لاَدَّعَى نَاسٌ دِمَاءَ رِجَالٍ وَأَمْوَالَهُمْ. وَلَكِنَّ الْيَمِينَ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ)). فإذا عزل، رَدَّ ذلك إلى بيت المال)). ويقول الخصاف رحمه الله: «فهذا كله يدل على أنه لا بأس للقاضي أن يرتزق من بيت المال مقدار كفايته وكفاية أهله، ومن يمونهم، وكفاية أعوانه، حتى لا تشره نفسه إلى أموال الناس)). ٨ - تعدد القضاة في قضية واحدة: إن النظام المعمول به في أكثر البلاد اليوم، ولا سيما في المحاكم العالية، أن القضاء لا يفوض إلى قاض فرد في كثير من القضايا، وإنما يفوض إلى قضاة متعددين. فما حكم به أغلبيتهم يعتبر حكماً نافذاً. ويعتبر ذلك ضماناً لحسن سير القضاء، لأن الحقيقة تخرج من المناقشة وتصادم الآراء المتعددة، وكل قاض يبذل جهده ليدعم آراءه لإقناع زملائه، وهذا يدعو القضاة إلى دراسة دقيقة، وفكر عميق، كما أن في نظام تعدد القضاة ضماناً لعدم التحيز فإن التأثير على قاض واحد أسهل منه على قضاة متعددين . وإن هذا النظام قد احتيج إليه لفساد أحوال الناس، وتعقد القضايا، ولذلك لا يوجد هذا النظام في تاريخ القضاء الإسلامي. وإنما كان العلماء والفقهاء يجلسون مع القاضي ليشاورهم، دون أن يكون لهم الحكم والقضاء، كما ذكره الماوردي في أدب القاضي (١: ٢٦٠)، وغيره. ولكن ليس معنى ذلك أن نظام تعدد القضاة مصادم للشريعة الإسلامية، فإنه قد صرح الفقهاء بأن القاضي وكيل عن الإمام في فصل الخصومات، وتجري عليه أحكام الوكيل، ومن المعلوم في الفقه الإسلامي أن التوكيل كما يكون إلى رجل واحد ربما يكون إلى رجلين أو أكثر، وحينئذ يجب على الوكلاء أن لا يباشروا العمل المفوض إليهم إلا عند اجتماعهم. فهذا يدل على جواز تفويض القضية إلى قضاة متعددين ليحكموا باجتماع آرائهم، أو بأكثريتها . وإن نظام تعدد القضاة وإن لم يكن معمولاً به في العصور الماضية من تاريخ الإسلام، ولكن توجد هنالك نصوص من الفقهاء تدل على جوازه. جاء في الفصول العمادية (ص: ٢٣): ((السلطان لو قَلَّدَ رجلين قضاء ناحية، فقضى أحدهما لم يجز، كالوكيلين، ولو قلدهما على أن ينفرد كل واحد منهما بالقضاء لا، وابتغى هذا، وكان ظهير الدين يقول: ينبغي أن يجوز))، وذكره ابن قاضي سماوه في جامع الفصولين (١: ١٨) أيضاً. وذكر الماوردي خلاف العلماء في تقليد قاضيين في بلد، ثم قال: ((الثاني))، وهو قول الأكثرين، أنه يجوز، لأنها استنابة كالوكالة التي يجوز أن يجتمع فيها وكيلان على اجتماع وانفراد)) راجع أدب القاضي للماوردي (١ : ١٥٨). ٩ - النقض والاستئناف في القضاء: ٤٧٧ كتاب: الأقضية ٤٤٤٦ - (٢) وحدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ. حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ، عَنْ نَافِعِ بْنِ عُمَرَ، عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَّهِ قَضَى بِالْيَمِينِ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ . لم أجد في تاريخ القضاء الإسلامي الأصيل محاكم مستقلة للاستئناف أو النقض، كما هي معروفة في زمننا هذا، غير أن القضاة كانوا يباشرون النقض والاستئناف في صور تالية: ١ - إذا أصدر القاضي حكماً في قضية، ثم ظهر له أن هذا الحكم خطأ، ويتعين نقضه، قام هو بنقضه، سواء طالبه المقضي عليه بذلك أو لا. ويستند في ذلك بقول سيدنا عمر بن الخطاب ربه في رسالته إلى أبي موسى الأشعري رظُبه: ((لا يمنعك قضاء قضيته بالأمس، راجعت فيه نفسك، وهديت فيه لرشدك، أن تراجع الحق، فإن الحق قديم، ومراجعة الحق خير من التمادي في الباطل)). أخرجه الدار قطني (٤: ٢٠٦). وإن رجوع القاضي بنفسه عن قضائه السابق، هو الذي يسمى في أصول القوانين الموضوعة اليوم مراجعة (Review). ٢ - إذا رفع إلى القاضي الجديد قضاء من قبله، فيجوز له أن ينقضه إن رأى فيه ما يعارض الكتاب والسنة، ولا يجب على القاضي الجديد أن ينظر أحكام القاضي السابق، لأن الظاهر جريان أحكام القاضي السابق على وجه الصحة والصواب، إلا إذا تظلم محكوم عليه من حكم أصدره القاضي السابق، فإن على القاضي اللاحق أن ينظر في تظلمه، وتفحص حكم القاضي السابق، فإن رآه مستحقاً للنقض، كما لو كان مخالفاً للقرآن، أو السنة الصحيحة التي لا تعارضها سنة أخرى، نقضه وإلا أبرمه. وذكر القاضي الطرابلسي في معين الحكام (١: ٣٣ و٣٤) عن بعض العلماء: ((لا يجوز للقاضي أن ينظر في أقضية غيره ... فإن قام عنده قائم وقال: هذا كتاب القاضي قد حكم فيه بجور بين، قال: أرى أن ينظر فيه، فإن تبين له أنه حكم بجور، ووجده في القضاء مفسداً، مثل أن يقضي بشهادة نصراني، أو مثل أن يبطل المهر من غير بينة ولا إقرار ... وما أشبه ذلك، فأرى أن يفسخه. وأما إن وجد القضاء بهما لم يتبين فيه الجور، ولا الخطأ الصراح ... فلا أرى له أن ينظر فيه. قال بعضهم: ويحمل القضاء على الصحة، ما لم يتبين الجور، وفي التعريض لذلك ضرر بالناس، ووهن للقضاة)). وإن هذه السلطة أشبه بما يسمى اليوم استئنافاً .(Appeal) ٣ - يجب على الإمام وقاضي القضاة تفقد أحوال القضاة، فإن رأى خلال تفقده حكماً يخالف الكتاب والسنة نقضه، جاء في معين الحكام (١: ٣٦) ((ينبغي للإمام أن يتفقد أحوال قضائه، فإنهم قوام أمره، ورأس سلطانه، وكذلك قاضي القضاة، ينبغي له أن يتفقد قضاته ٤٧٨ الجزء الثاني من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم ونوابه، فيتصفح أقضيتهم، ويراعي أمورهم وسيرتهم في الناس، وعلى الإمام والقاضي الجامع لأحكام القضاة أن يسأل الثقات عنهم ... ووجه الكشف أن يبعث إلى رجال يوثق بهم من أهل بلده فيسألهم عنه سراً، فإن صدقوا ما قيل فيه من الشكاية عزله، ونظر في أقضيته، فما رافق الحق أمضاه، وما خالفه فسخه. وإن قال الذين سئلوا عنه ما لم نعلم إلا خيراً أبقاه، ونظر في أقضيته وأحكامه، فما وافق السنة مضى، وما لم يوافق شيئاً من أهل العلم رده، وحمل ذلك من أمره على الخطأ، وأنه لم يتعمد جوراً)). وإن سلطة الإمام أو قاضي القضاة هذه أشبه بما يسمى في أصول القانون الوضعي اليوم (الرقابة) (Revision)، وإن هذه السلطة تشمل نقض الأقضية أيضاً. وبهذه الصور الثلاثة يتبين أن النقض مشروع في الجملة بجميع أقسامها من المراجعة (Review) والاستئناف (Appel) والرقابة (Revision) ولكن لم يكن هناك سلطات منظمة لهذا النقض والاستئناف، لعدم الاحتياج إليها. وذلك لسذاجة الحياة، ووفور الأمانة، وقلة العمران، وعدم تعقد القضايا. وأما الآن، فقد تعقدت الحياة، وقلت الأمانة، وكثر العمران، وانشعبت القضايا، وكثرت الخصومات. فلو أبقي حق نقض الأحكام وإبرامها بيد كل قاض، فإن ذلك ربما يؤدي إلى متاعب لأصحاب الحقوق، كما يؤدي إلى عدم استقرار الأحكام، وإلى الاضطراب في متابعتها وتنفيذها، وقد يستغل ذاك أصحاب الأهواء والنفوس المريضة من القضاة، ومن أصحاب النفوذ، فينقضون الحكم الصحيح لأهوائهم وأغراضهم. ولا شك أن الشريعة الإسلامية لا ترضى بالتلاعب في أحكامها، ولا تأذن لأصحاب الأهواء بأن يستغلوا مثل هذا الوضع. فلا مانع اليوم في ضوء أقوال الفقهاء، وبالتخريج على أقوالهم أن نضع نظاماً خاصاً لنقض الأحكام وإبرامها، بما يحقق المصلحة العامة، ويعين فى إقامة العدل، ولا يخالف الشرع. وهذا يبرر أن يفوض النقض والاستئناف إلى محاكم مختصة لهذا الغرض، ويكون التقاضي على درجتين أو ثلاثة، كما هو معروف في أكثر البلاد اليوم. ولذلك قد أنشئت في العصور الأخيرة محاكم المراجعة، والتمييز، والاستئناف، والنقض في البلاد الإسلامية التي ما زالتا تطبق الشريعة، كالخلافة العثمانية، والمملكة العربية السعودية، وغيرها . (١) كذا في النسخة المطبوعة من تلخيص المستدرك، ولكن نقل الحافظ في لسان الميزان ٣٧٩/٥ عن تلخيص الذهبي بلفظ: ((أخشى أن يكون الحديث باطلاً)) بدون لفظ ((لا))، وهو الصحيح فيما أرى. (٢) قلت: ذكره في طبع الأتباع ٨/٩، ومن المعروف أن ابن حبان يذكر كثيراً من المجاهيل في الثقات، ولكن ذكره ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل ج ٤ ق ١ ص ١٠٤ فذكر أنه روى عنه هشام بن عمار، وموسى بن عبد الرحمن المروزي، وليس بمجهول من روى عنه اثنان، والله أعلم. ٤٧٩ كتاب: الأقضية ومن المعروف في الفقه الإسلامي أن ولاية القاضي (Jurisdiction of the Court) ربما تخصص من قبل الإمام بالزمان، أو بالمكان، أو بالخصومات، أو بالأشخاص، كما في أدب القاضي للماوردي (١ : ١٥٥) وغيره. فإذا منع قاض من المراجعة، أو الاستئناف ضاقت ولايته عنهما، وإذا فوض ذلك إلى قضاة محكمة خاصة، اختصوا بذلك عن غيرهم. فلا مانع شرعاً من إنشاء محاكم مختصة بالمراجعة والاستئناف والرقابة. والله سبحانه أعلم. ١٠ - واجب القاضي في تسيير الدعوى: ثم إنه يعرف في أصول القانون اليوم نظامان لتيسير الدعوى، ومدى سلطة القاضي فيه: الأول: ما نستطيع أن نترجم اصطلاحه الإنكليزي إلى العربية بالنظام الخصومي (Adversary .(Enquisitorial System) والثاني: ما نستطيع أن نعبر عنه في العربية بالنظام (System فأما النظام الخصومي، فيرى أن الخصومة ملك للفريقين، يسيران فيها كما يشاءان أمام القاضي، الذي لا يعدو أن يكون حكماً ساكتاً يراقب كفاح الخصمين، لإثبات ما يدعيانه وأخيراً يصدر حكمه لصالح من يستطيع منهما التغلب على الآخر في الدفاع والإثبات. ومن نتائج هذا النظام أن القاضي لا يطلب إلى مجلس القضاء إلا الشهود الذين سماهم أحد الخصمين كشهود له. فإن ترك الخصمان رجلاً يقدر القاضي أن عنده علماً أكثر بالواقعة، لا يستطيع القاضي أن يطلبه، ويطالبه بأداء الشهادة حسب علمه وكذلك لا يكتب القاضي من شهادة الشهود إلا ما أجاب به الشاهد عن أسئلة الخصمين، ولا يسأله القاضي عن شيء مما يتعلق بالقضية. وإنما يسمع موقف الخصمين. وشهادة الشهود، من غير أن يتدخل فيها بسؤال يتعلق بتفاصيل القصة، فإن هذا التدخل مصادم في نظر هذا النظام بمبدأ حيادة القاضي. وإن هذا النظام كان معمولاً به في النظم القانونية اللاتينية، وعلى رأسها القانون الفرنسي الذي يقول: ((إن القاضي لا يملك في الدعوى إلا دوراً سلبياً، إلى أن يصدر حكمه)) (حكاه الدكتور عبد الجواد في كتابه بحوث في الشريعة الإسلامية والقانون ص: ١٣٣). وأما النظام التفتيشي، فلا يجعل القاضي عاجزاً أمام كيد الخصوم، وإنما يمنحه سلطة فعالة في تسيير إجراءات الخصومة، فله أن يطلب شهوداً غير الذين سماهم الخصمان، وله أن يسأل الشهود ما شاء من سؤال، استخراجاً للحق، ووصولاً إلى العدل. ويقال: إن هذا النظام هو المعمول به في النظم القانونية الأنجلوسكسانية، وعلى رأسها القانون الإنكليزي. والحقيقة أن القانون الإنكليزي كما هو مطبق في الهند وباكستان، وإن كان يعترف بهذا النظام من حيث المبدأ، ولكنه يسير على الأغلب سير النظام الأول بالفعل. فإن القانون، وإن كان يسمح للقاضي بطلب من شاء من شهود القضية، أو بسؤال من شاء ما شاء، ولكن الطريق المسلوك في أكثر ٤٨٠ الجزء الثاني من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم (٢) - باب: القضاء باليمين والشاهد ٤٤٤٧ - (٣) وحدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ. قَالاً: حَدَّثَنَا زَيْدٌ (وَهُوَ ابْنُ حُبَابٍ). حَدَّثَنِي سَيْفُ بْنُ سُلَيْمَانَ. أَخْبَرَنِي قَيْسُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ بَّهِ فَضَى بِيَمِينٍ وَشَاهِدٍ. المحاكم هو الاحتراز من ذلك، لئلا يملأ القاضي فراغاً تركه الخصمان، فيتأثر به حيادة القاضي . (Imparliality) وخلاصة الفرق بين النظامين: أن القاضي في نظام الأول ليس مستخرجاً للحق بأي طريق ممكن، وإنما هو حكم بين متنازعين، لا يقضي إلا بأن دلائل الفريق الفلاني أقوى، وأما في النظام الثاني، فيتحتم على القاضي أن يستخرج الحق بأي طريق ممكن، ولا يجب عليه أن يتقيد بما أتى به إليه الخصمان . والذي أرى: أن النظام الثاني أقرب إلى القضاء الإسلامي. فليس القاضي مجبوراً في يد الخصمين، وعملهم على إطالة مدة التقاضي وتعويقه إصراراً بعضهم البعض، وليس من عدم الانحياز السكوت على الكذب المجاهر والخديعة المكشوفة. وإنما يجلس قاضي الإسلام مفتوح العينين، يقظ البصيرة والفراسة، فلا يأذن لأحد الخصمين أن يتلاعب بعدم انحيازه، فله السلطة الفعالة في تيسير الدعوى حسب ما يقتضيه إقامة العدل وإيصال الحق إلى مستحقه، ومَلْءُ الفراغ الذي تركه الخصمان لإضلال القاضي، وإخفاء الحقيقة. نعم، ربما يترقرق من بعض أحكام الشريعة أنها تميل إلى الطريق الأول في أمر الحدود، كلما سبب ذلك درءاً للحد. وإن هذا الموضوع يحتاج إلى بسط وتفصيل ليس هذا موضعهما، وإنما المقصود ههنا الإشارة إليه، والله سبحانه أعلم. [(١) - باب: اليمين على المدعى عليه] ١ - (١٧١١) - قوله: (عن ابن عباس) هذا الحديث أخرجه البخاري في تفسير سورة آل عمران، باب قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَنِمْ ثَمَنَّا قَلِيلًا﴾ [سورة آل عمران، الآية: ٧٧]، (رقم: ٤٥٥٢)، وفي الشهادة، باب اليمين على المدعى عليه، (رقم: ٢٦٦٨). وفي الرهن، باب إذا اختلف الراهن ونحوه فالبينة على المدعي، واليمين على المدعى عليه في الأموال والحدود، (رقم: ٢٥١٤)، وأخرجه أبو داود في الأقضية، باب اليمين على المدعى عليه، (رقم: ٣٦١٩)، والترمذي في الأحكام، باب ما جاء في البينة على المدعي واليمين على المدعى عليه، (رقم: ١٣٤٣)، والنسائي في القضاة، باب عظة الحاكم على اليمين، وابن ماجه في الأحكام، باب البينة على المدعي واليمين على المدعى عليه، (رقم: ٢٣٢١). قوله: (أن النبي ◌َّ﴿ قال) ذكر ابن عباس هذا الحديث في واقعة أخرجها البخاري في