Indexed OCR Text

Pages 441-460

:
٤٤١
كتاب: الحدود
٤٤٣٤ - (٠٠٠) حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى. حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمُنِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، بِهِذَا
الإِسْنَادِ، مِثْلَهُ.
(٩) - باب: قدر أسواط التعزير
٤٤٣٥ - (٤٠) حدّثنا أَحْمَدُ بْنُ عِيسَى. حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ. أَخْبَرَنِي عَمْرٌو، عَنْ
بُكَيْرِ بْنِ الأَشَجِّ. قَالَ: بَيْنَا نَحْنُ عِنْدَ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ، إِذْ جَاءَهُ عَبْدُ الرَّحْمُنِ بْنُ جَابِرٍ،
فَحَدَّثَهُ. فَأَقْبَلَ عَلَيْنَا سُلَيْمَانُ. فَقَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمُنِ بْنُ جَابِرٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي بُرْدَةً
الأَنْصَارِيِّ، أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللّهِ وَلِهِ يَقُولُ:
زينب، وأبو مورع، وجندب بن زهير، وسعد بن مالك الأشعري، وما أورده عن مروج
المسعودي: ((أن عثمان قال للذين شهدوا: وما يدريكم أنه شرب الخمر؟ قالوا: هي التي كنا
نشربها في الجاهلية))، فيقول شيخنا رحمه الله: ((فثبت بهذه الروايات أن الشهادة كانت تامة، ولم
تكن الحجة ماسة إلى الشهادة بالتقيؤ، فعثمان اعتبرها مؤيدة فقط، والتأييد بها صحيح، فارتفع
الإشكال)).
ولكن هذا الجواب من شيخنا رحمه الله غير صحيح، فإن هؤلاء الشهود أيضاً لم يشهدوا
إلا بالتقيؤ. أما رواية أبي الضحى. فقد وقع فيها عند ابن شبة في أخبار المدينة (٢: ٩٧٢):
((كان أبو زينب الأسدي، وأبو مروع يلتمسان عثرة الوليد، فجاءا يوماً، ولم يحضر الصلاة،
فسألا عنه وتلطفا، حتى علما أنه يشرب، فاقتحما الدار، فوجداه يقيء، فاحتملاه وهو سكران،
فوضعاه على سريره ... فَشَهَّدُوا عليه - أبو زينب، وأبو مروع، وجندب الأسدي، وسعد بن
مالك الأشعري)). فهذه الرواية صريحة في أنهم لم يعاينوه في حالة الشرب وإنما رأوه يقيء
فشهدوا بذلك.
وأما رواية المسعودي، فنصها هكذا: ((فهجم عليه (يعني: الوليد) جماعة من المسجد
منهم أبو زينب بن عوف الأزدي، وجندب بن زهير، وغيرهما، فوجدوه سكران مضطجعاً على
سريره لا يعقل، فأيقظوه من رقدته، فلم يستيقظ، ثم تقايأ عليهم ما شرب من الخمر، فانتزعوا
خاتمه من يده، وخرجوا من فورهم إلى المدينة، فأتوا عثمان بن عفان، فشهدوا عنده على الوليد
أنه شرب الخمر، فقال عثمان: وما يدريكما أنه شرب خمراً؟ فقالا: هي التي كنا نشربها في
الجاهلية إلخ)) راجع مروج الذهب للمسعودي (١: ٣٤٥).
ففي كلتا الروايتين صراحة بأن الشهود لم يعاينوه إلا سكران يقيء. أما رواية المسعودي
فلا عبرة بها في الأحكام، لأنها غير مسندة، وفيها من تفاصيل هذه القصة ما يرده الروايات
الصحيحة. وأما رواية عمر بن شبة، فحسنة الإسناد، كما صرح به الحافظ في الفتح (٧: ٥٧)
وهي حجة للمالكية، والحنابلة، دون من يخالفهم. وإنما تسامح شيخنا التهانوي رحمه الله لأن

٤٤٢
الجزء الثاني من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
((لاَ يَجْلِدُ أَحَدٌ فَوْقَ عَشَرَةٍ أَسْوَاطِ. إِلَّ فِي حَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللَّه)).
(أخبار المدينة) لم تكن مطبوعة في عهد تأليفه، وإنما اعتمد على ما حكى عنه الحافظ في
الفتح، ولكنه اختصر الرواية اختصاراً، والأمر كما رأيت.
فتبين مما ذكرنا أن عثمان بن عفان ربه إنما حد الوليد بشهادة قيء الخمر، ووافقه
علي ظُه، ومن هنا يقول الإمام النووي رحمه الله تحت هذا الحديث رغم كونه شافعياً:
(«هذا دليل لمالك وموافقيه في أن من تقيأ الخمر يحد حد الشارب، ومذهبنا أنه لا يحد
بمجرد ذلك، لاحتمال أنه شربها جاهلاً كونها خمراً، أو مكرهاً عليها، أو غير ذلك من الأعذار
المسقطة للحدود. ودليل مالك ههنا قوي، لأن الصحابة اتفقوا على جلد الوليد بن عقبة المذكور
في هذا الحديث. وقد يجيب أصحابنا عن هذا بأن عثمان ظله علم شرب الوليد، فقضى بعلمه
في الحدود. وهذا تأويل ضعيف، وظاهر كلام عثمان يرد على هذا التأويل، والله أعلم)).
وقد حكى شيخنا السهار نفوري رحمه الله عبارة النووي هذه في بذل المجهود (٥: ١٥٧)
ولم يعقبها بشيء، مما يدل على موافقته عليها .
واستدل المالكية والحنابلة أيضاً بقضاء عمر على قدامة بن مظعون ها، فإنه حده بشهادة
القيء)):
أخرج البيهقي في سننه (٨: ٣١٥) عن عبد الله بن عامر بن ربيعة، وكان أبوه شهد بدراً:
((أن عمر ربه استعمل قدامة بن مظعون على البحرين، وهو خال حفصة وعبد الله بن عمر،
فقدم الجارود سيد عبد القيس على عمر، فقال: يا أمير المؤمنين! إن قدامة شرب، فسكر، وإني
رأيت حداً من حدود الله حقاً عليَّ أن أرفعه إليك. فقال عمر رضيبه: من شهد معك؟ قال: أبو
هريرة. فدعا أبا هريرة فقال: بم تشهد؟ فقال: لم أره شرب، ولكني رأيته سكران يقيء. فقال
عمر رُه: لقد تنطعت في الشهادة .... فقال أبو هريرة: إن كنت تشك في شهادتنا فأرسل إلى
ابنة الوليد فاسألها، وهي امرأة قدامة، فأرسل عمر إلى هند بنت الوليد ينشدها، فأقامت الشهادة
على زوجها، فقال عمر لقدامة: إني حادك .... فأمر عمر ظنه بقدامة، فجلد)) ومثله في مصنف
عبد الرزاق (٩: ٢٤٠، رقم: ١٧٠٧٦).
وقال البيهقي بعد سرد هذه الرواية: ((وحين حده يحتمل أن يكون ثبت عنده شربه بإقراره
أو شهادة آخر على شربه مع الجارود)) ثم أخرج عن ابن سيرين أنه شهد عليه علقمة أيضاً. ولكن
أخرج عمر بن شبة في أخبار المدينة (٣: ٨٤٤) هذه الرواية من طريق مسعود ابن واصل، عن
هشام بن حسان، عن محمد بن سيرين، وذكر فيها أن علقمة قال في شهادته: ((ما رأيته يشربها،
ولكني رأيت يمجها)) فقال عمر وظيفته: ((ما مجها حتى شربها)) وأخرج أيضاً من طريق محمد بن
عباد بن موسى العكلي، عن هشيم، عن المغيرة، عن الشعبي وغيره، أن الجارود جاء بعلقمة

٤٤٣
كتاب: الحدود
الخصي شاهداً: ((فشهد أنه رآه قاءها فقال عمر نظريته: ما قاءها حتى شربها)) ومن طريق محمد بن
سنان، عن شريك، عن المغيرة، عن الشعبي، وفيه: ((فإني أشهد أني رأيته يقيء الخمر، قال:
فمن قاءها فقد شربها)).
وعلى كل، فلم يتم نصاب الشهادة على الشرب، وإنما شهد الجارود بالشرب، وأبو هريرة
وعلقمة بالقيء. وأما شهادة امرأة قدامة، فإنها لم تكن إلا لتأييد، فإن شهادة النساء لا تقبل في
الحدود. فظهر أن عمر ربه حد قدامة بالشهادة على القيء. فاجتمع على ذلك ثلاثة من الخلفاء
الراشدين عمر، وعثمان، وعلي رضي الله عنهم أجمعين.
وأما ما عارضه به الحنفية والشافعية من الأحاديث الدالة على درء الحدود بالشبهات، فإن
هؤلاء الخلفاء الثلاثة كلهم كانوا عالمين بها، عاملين عليها، فليست أقضيتهم هذه معارضة لتلك
الأحاديث، وإنما هي مفسرة لها، وذلك أنه لا تصلح كل شبهة أن تكون دارئة للحد، وإلا
لتعطلت الحدود رأساً، وإنما المراد الشبهة المعتبرة، فأما شبهة الإكراه، أو الاضطرار فمحتملة
في شهادة الشرب أيضاً. وإنما تعتبر هذه الشبهة دافعة إذا أقر الشارب بشربه، واعتذر بأنه كان
مضطراً، أو مكرهاً، وأيد بذلك بدلائل وقرائن، مما يورث الشبهة الحقيقة في نفس القاضي،
فحينئذ يجوز أن يتركه من أجل هذه الشبهة.
فأما إذا كان الرجل ينكر الشرب رأساً، وشهد الشهود بأنهم رأوه يقيىء الخمر، وتأيد ذلك
اليوم بشهادة طبية مثلاً، بأن ما خرج من بطنه هو الخمر، فاحتمال الإكراه والاضطرار في مثله،
مع أن المشهود عليه لا يعتذر بذلك أصلاً، احتمال مخالف للدلائل، لا ينبغي أن يعتبر بمثله في
درء الحد.
فقول المالكية والحنابلة في هذا الباب قول مؤيد بقضايا الخلفاء الراشدين، وبالنظر
العقلي، وهو أوفق بمصالح الأمة، لا سيما في زماننا الذي كثر فيه الفساد.
ومن أجل ذلك رجحه النووي من الشافعية، ولم يعقب عليه الشيخ السهار نفوري من
الحنفية، والله سبحانه وتعالى أعلم.
قوله: (ولّ حارها من تولى قارها) القار، فاعل من القر، وهو البرد، هو كناية عن الخير
والهين، كما أن الحار كناية عن الشر والشدة، والمراد: ولِّ شرها من تولى خيرها، أو ولِّ
صعبها من تولى سهلها، وراجع لسان العرب (٥: ٢٥٢ و٦: ٣٩٢).
وأصل هذه الكلمة من قول سيدنا عمر بن الخطاب رضيُبه، حين بلغه عن أبي مسعود
البدري ره أنه يفتي، فقال له: ((بلغني أنك تفتي، وَلِّ حارها من تولى قارها)) كما في النهاية

٤٤٤
الجزء الثاني من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
لابن أثير (٣: ٢٧١)، وضربت الكلمة مثلاً لكل من أراد أن يتولى الخير، ويكفيه غيره الشر،
وراجع كتاب الأمثال لأبي عبيد (ص: ٢٢٧، رقم: ٧٠٢)، باب التحذر من الأمر يخاف فيه
العطب، ومجمع الأمثال للميداني (٢: ٣٦٩)، والمستقصى للزمخشري (١ : ٤٩).
والمراد من الحار في كلام الحسن بظلاله: إقامة الحد، ومن القار: الخلافة، قال النووي:
((أي: كما أن عثمان وأقاربه يتولون هنيء الخلافة، ويختصون به، يتولون نكدها، وقاذوراتها،
ومعناه: ليتولَّ هذا الجلد عثمان بنفسه، أو بعض خاصة أقاربه الأدنين)). وكان عثمان رظُله إنما
فوض إقامة الحد إلى علي رظ ◌ُه تكريماً له، والله سبحانه أعلم.
قوله: (حتى بلغ أربعين) وقد أخرج البخاري في مناقب عثمان (رقم: ٣٦٩٨) عن عبيد الله
بن عدي بن الخيار في قصة طويلة قال فيها عثمان تظ له: ((أما ما ذكرت من شأن الوليد، فسنأخذ
فيه بالحق إن شاء الله، ثم دعا علياً، فأمره أن يجلد، فجلده ثمانین)).
ويمكن الجمع بينهما بما أخرجه الطحاوي وغيره أنه جلده أربعين بسوط له رأسان، فمن
الرواة من نظر إلى عدد الضربات، ومنهم جمع عدة ما ضرب به الوليد. وهذا مؤيد لما أسلفنا
في دلائل الحنفية من توجيه أحاديث الأربعين.
قوله: (وَكُلٌّ سنةٌ) وهذا أحب إلى وقد أسلفنا في مسألة مقدار حد الشارب أن المراد منه
على قول الحنفية أن ضرب ثمانين بسوط واحد، وضرب أربعين بسوطين أو نعلين، كلاهما
سنة، والأخير أحب إلى علي ظُه، لأنه لم ير رسول الله وَل يضرب الشارب إلا بهذا الطريق.
والله أعلم.
قوله: (قال إسماعيل) حاصله: أن إسماعيل ابن علية سمع هذا الحديث عن الداناج من
غير واسطة، ثم سمعه بواسطة ابن أبي عروبة، ولكنه لم يحفظ ما سمعه بلا واسطة، فكان يروي
ما سمعه بواسطة ابن أبي عروبة .
٣٩ - (١٧٠٧) - قوله: (عن أبي حصين) بفتح الحاء، وكسر الصاد، كما في شرح
النووي، والخلاصة للحزرجي، واسمه عثمان بن عاصم الأسدي الكوفي، من أثبات تابعي أهل
الكوفي المعروفين بالعلم والورع. قال عبد الرحمن بن مهدي: أربعة من أهل الكوفة لا يختلف
في حديثهم، فمن اختلف عليهم فهو مخطىء، منهم أبو حصين، وقال ابن عبد البر: أجمعوا
على أنه ثقة حافظ، وراجع التهذيب (٧: ١٢٦).
قوله: (عن عمير بن سعيد) الصحيح أنه مصغر هكذا، وأبوه سعيد، لا سعد، كما حققه
النووي والحافظ، وهو النخعي الصهباني (بضم الصاد)، أبو يحيى الكوفي، من ثقات التابعين،
ويقال: له عندهم حديث واحد عن علي في حد شارب الخمر، ولكن ذكر الحافظ أن له حديثاً

٤٤٥
كتاب: الحدود
آخر عن علي، وله عن غير علي روايات، وجهله ابن حزم، وتعقب عليه الحافظ في التهذيب
(٨ : ١٤٦).
وحديثه هذا أخرجه أيضاً البخاري في الحدود، باب الضرب بالجريد والنعال، (رقم:
٦٧٧٨)، وأبو داود في الحدود، باب حد السكران، (رقم: ٢٥٦٩).
قوله: (فأجد منه) بالرفع معطوف على قوله (أقيم) ووقع عند البخاري: ((ما كنت
لأقيم .... فأجد)) وهو منصوب بلام الجحد. والوجد ههنا بمعنى الحزن.
قوله: (إلا صاحب الخمر) قال الحافظ في الفتح (١٢: ٦٨): ((أي: شاربها، وهو
بالنصب، ويجوز الرفع، والاستثناء منقطع، أي: لكن أجد من حد شارب الخمر إذا مات،
ويحتمل أن يكون التقدير: ما أجد من موت أحد يقام عليه الحد شيئاً إلا من موت شارب
الخمر، فيكون على هذا متصلاً، قاله الطيبي)).
قوله: (إن مات وديته) يعني: أعطيت ديته لمن يستحق قبضها .
قوله: (لم يسنه) يعني: ضرب ثمانين بسوط واحد، وإلا فقد ثبت عنه وَلّ ضرب أربعين
بنعلين، كما أسلفنا في مسألة مقدار حد الشارب.
وأخذ الشافعي رحمه الله بظاهر هذا الحديث، فأوجب الدية فيمن مات بأسواط التعزير،
وأما في شرب الخمر، فلو زاد الإمام على الأربعين، ومات المضروب، فعلى عاقلة الإمام
الدية، وإن لم يزد على أربعين وضربه بالسوط فمات، فكذلك. وأما إذا ضربه بغير السوط
أربعين، فلا دية عليه. هذا ما يتحصل من شرح النووي، وفتح الباري (١٢ : ٦٨). وقال
النووي: ((وقال جماهير العلماء: لا ضمان فيه، لا على الإمام، ولا على عاقلته، ولا في بيت
المال)). وراجع أيضاً المغني لابن قدامة (١٠: ٣٣٣ و١٠: ٣٤٩).
وأما الحنفية فلا تجب عندهم الدية على الإمام في شيء من الحدود إذا مات منها
المحدود، بشرط أن يراعي الإمام أحكام إقامة الحد، من أنه لا يقيمه إذا خاف عليه الموت
بسبب شدة مرض، أو حر، أو برد، ونحوه. وكذلك لا دية على الإمام في التعزير إذا لم يتجاز
قدر الضربات الذي يجوز في التعزير. فأما إذا جاوز ذلك القدر، (يعني: تسعة وثلاثين سوطاً
عند أبي حنيفة، وخمسة وسبعين عند أبي يوسف) فمات المعزر منه، وجب الضمان على الإمام.
وعن أبي يوسف: ((أن القاضي إذا لم يزد في التعزير على مائة لا يجب عليه الضمان إذا كان
يرى ذلك، لأنه قد ورد أن أكثر ما عزروا به مائة، فإن زاد على مائة فمات، يجب نصف الدية
على بيت المال، لأن ما زاد على المائة غير مأذون فيه، فحصل القتل بفعل مأذون فيه، وبفعل
غير مأذون فيه، فيتنصف)) ذكره الزيلعي، ولكن ذكر ابن عابدين أن هذه الرواية غير معتمدة.

٤٤٦
الجزء الثاني من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
وراجع رد المحتار، باب التعزير (٣: ٢٠٨). والله أعلم.
(٩) - باب: قدر أسواط التعزير
٤٠ - (١٧٠٨) - قوله: (حدثني عبد الرحمن بن جابر) هو ابن لجابر بن عبد اللّه الصحابي
الأنصاري المعروف، لا يعرف له غير هذا الحديث، وحديث آخر رواه أبو داود في منقبة
علي ظُه، وثقه العجلي والنسائي، وذكره ابن حبان في الثقات، وقال ابن سعد: في روايته،
ورواية أخيه ضعف، وليس يحتج بهما. ولكن أخرج عنه الجماعة، وراجع التهذيب (٦ :
١٥٣).
قوله: (عن أبيه) يعني: عن جابر بن عبد اللّه. وقد وقع في كثير من الروايات أن
عبد الرحمن بن جابر رواه عن أبي بردة بغير واسطة، ورجحه المحققون، كالترمذي وغيره،
ومنهم من جمع بين الروايتين بأن أبا بردة حدثه بمشهد من جابر رضيله، فربما أدخله بينه وبين أبي
بردة، وربما رواه بغير واسطته، ومنهم من حمله على التصحيف، بأنه كان (عن عبد الرحمن بن
جابر) فجعله بعضهم (عن عبد الرحمن، عن جابر)، وأطال فيه الحافظ في الفتح (١٢ : ١٧٧)،
وحقق أن مثل هذا الاختلاف لا يقدح في صحة الحديث، لأنه كيفما دار يدور على ثقة.
قوله: (عن أبي بردة الأنصاري) هو أبو بردة ابن نيسار، خال البراء بن عازب ضًا، اسمه
هانىء، وقيل: مالك، شهد بدراً وما بعدها، ومات في أول خلافة معاوية (سنة: ٤١ هـ أو ٤٢ هـ
أو ٤٥ هـ) بعد ما شهد مع علي رضا به حروبه كلها. كذا في الإصابة (٤: ١٩).
وحديثه هذا أخرجه البخاري في المحاربين، باب كم التعزير والأدب (٦٨٤٨ و٦٨٤٩
و٦٨٥٠)، وأبو داود في الحدود، باب في التعزير، (٤٤٩١)، والترمذي في الحدود، باب ما
جاء في التعزير، (رقم: ١٤٦٣)، وابن ماجه في الحدود، باب التعزير، (رقم: ٢٦٠١)،
والدارمي في الحدود، باب التعزير في الذنوب، وأحمد في مسنده (٤: ٤٥).
قوله: (لا يجلد) بضم الدال على أنه صيغة نفي، وقيل: بالجزم على أنه نهي، ويؤيده ما
أخرجه البخاري من طريق يحيى بن سليمان، بلفظ: ((لا تجلدوا فوق عشرة أسواط)).
قوله: (فوق عشرة أسواط) وفي رواية يزيد بن أبي حبيب للبخاري: ((فوق عشر جلدات)).
وأخرج ابن ماجه (رقم: ٢٦٠٢) عن أبي هريرة ظبه، قال: قال رسول الله وَله: ((لا تعزروا فوق
عشرة أسواط)). وفيه عباد بن كثير الثقفي، ولكن سكت عليه الحافظ في الفتح (١٢: ١٧٨).
وتمسك بظاهر الحديث أحمد في رواية، وإسحاق بن راهويه، والليث بن سعد، فقالوا:
لا يجوز التعزير بأكثر من عشرة أسواط. كما في المغني لابن قدامة (١٠: ٣٤٧)، وفتح الباري
(١٢ : ١٧٨).

٤٤٧
كتاب: الحدود
(١٠) - باب: الحدود كفارات لأهلها
٤٤٣٦ - (٤١) حدّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى التَّمِيمِيُّ وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْئَةَ وَعَمْرٌو النَّاقِدُ
وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ وَابْنُ نُمَيْرٍ. كُلُّهُمْ عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ (وَاللَّفْظُ لِعَمْرٍو) قَالَ: حَدَّثَنَا
سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَبِي إِذْرِيسَ، عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ. قَالَ: كُنَّا مَعَ
رَسُولِ اللّهِ وَلَه فِي مَجْلِسٍ. فَقَالَ: ((تُبَايِعُونِي عَلَى أَنْ لاَ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ شَيْئاً، وَلاَ تَزْنُوا،
وقال أبو حنيفة، ومالك، والشافعي، وأحمد في رواية: تجوز الزيادة على العشر في
التعزير. ثم اختلفوا في قدرة الزيادة على أقوال:
١ - لا يبلغ به أدنى حد العبد، وهو قول أبي حنيفة، ومحمد رحمهما الله، فلا تجوز
الزيادة عندهما على تسعة وثلاثين سوطاً، سواء كان الجاني عبداً أو حراً، كما في رد المحتار
(٣: ١٩٤).
٢ - لا يبلغ به أدنى حد الأحرار وهو ثمانون، في قول أبي يوسف رحمه الله، ثم روي عنه
أنه يجوز إلى تسع وسبعين، وعنه أنه لا يجاوز ما فوق خمس وسبعين، وتنقص خمس أسواط
عن الثمانين، وهو ظاهر الرواية عنه. كما في رد المحتار (٣: ١٩٤)، وهو مذهب ابن أبي
ليلى، كما في مشكل الآثار (٣: ١٦٦).
٣ - إذا كان الجاني عبداً فلا يبلغ في تعزيره أدنى حد العبد، وإذا كان حراً فلا يبلغ به أدنى
حد الأحرار، وهو قول الشافعي رحمه الله، وبما أن أدنى حد الأحرار عنده حد شرب الخمر،
وهو أربعون جلده، فينقص في تعزير الحر عن أربعين. كذا في المنهاج، وشرحه نهاية المحتاج
للرملي (٨: ٢٠).
٤ - لا يبلغ في كل جناية حداً مشروعاً في جنسها فما كان سببه الوطء، جاز أن يجلد مائة
إلا سوطاً، لينقص عن حد الزنا، وما كان سببه قذفا بغير الزنا، جاز أن يجلد ثمانين إلا سوطاً،
وهو رواية عن أحمد، وإليها يظهر ميلان ابن قدامة في المغني (١٠: ٣٤٧ و ٣٤٨).
٥ - الأمر في تعيين قدر الضربات موكول إلى الإمام، أو القاضي، بقدر شدة الجناية
وخفتها، فيجوز له اختيار ما شاء في عدد الضربات، بالغاً ما بلغ، فيجوز أن يزيد به على قدر
الحد أيضاً، وهو مذهب مالك رحمه الله: كما في شرح الدردير مع الصاوي (٤: ٥٠٥)،
وحاشية المواق على مختصر خليل (٦: ٣١٩) بهامش مواهب الجليل. وبه قال أبو ثور، كما في
فتح الباري (١٢: ١٧٨): وهو رواية عن أبي يوسف فيما حكى عنه العيني في العمدة (١١ :
١٧٨)، والطحاوي في مشكل الآثار (٣: ١٦٦)، وهو الذي اختاره الطحاوي رحمه الله في شرح
معاني الآثار (٢: ٧٢)، حيث يقول في باب الرجل يزني بجارية امرأته: «فإن قال قائل، أفيجوز
التعزير بمائة؟ قيل له: نعم، قد عزر رسول الله وَ﴿ ﴿ بمائة إلخ)) وهذا القول رجحه شيخ مشايخنا

٤٤٨
الجزء الثاني من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
وَلاَ تَسْرِقُوا، ﴿وَلَا تَقْتُلُواْ النَّفْسَ الَّتِ حَرَّمَ اَللَّهُ إِلَّا بِآلْحَّ﴾ [الأنعام: ١٥١]. فَمَنْ وَفَىْ مِنْكُمْ
فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ. وَمَنْ أَصَابَ شَيْئاً مِنْ ذُلِكَ فَعُوقِبَ بِهِ، فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ. وَمَنْ أَصَابَ شَيْئاً
مِنْ ذُلِكَ فَسَتَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ، فَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ. إِنْ شَاءَ عَفَا عَنْهُ وَإِنْ شَاءَ عَذَّبَهُ».
الأنور قدس سره في العرف الشذي (ص: ٤٢٦ باب الرجل يقع على جارية امرأته).
ومن أجاز الزيادة على عشرة أسواط احتج بالأحاديث التي وقع فيها التعزير بأكثر من عشر
جلدات، وذلك مثل ما روي عن ابن عباس، عن النبي ◌َّر، قال: ((إذا قال الرجل للرجل: يا
يهود، فاضربوه عشرين الخ)). أخرجه الترمذي في الحدود (رقم: ١٤٨٧)، وأعله بإبراهيم بن
إسماعيل بن أبي حبيبة، وضعفه، كما ضعفه كثير من المحدثين، ولكن الرجل وثقه أحمد،
والعجلي، وقال ابن عدي: هو صالح في باب الرواية، كما حكى عن يحيى بن معين: ويكتب
حديثه مع ضعفه، وقال ابن سعد: كان مصلياً عابداً صام ستين سنة، وكان قليل الحديث، وقال
الحربي: شيخ مدني صالح له فضل، ولا أحسبه حافظاً، كما في التهذيب (١ : ١٠٤).
وبما أن الطحاوي رحمه الله تعالى يقول: إن ضرب شارب الخمر كان تعزيراً على عهد
رسول الله9 فإنه استدل على جواز الزيادة على العشر في التعزير بما روي: ((أن النبي وَل
ضرب الشارب أربعين بنعلين)). راجع مشكل الآثار (٣: ١٦٤).
وأخرج أصحاب السنن الأربعة أن النعمان بن بشير رُه رُفِعَ إليه رجل وقع على جارية
امرأته، فقال: ((لأقضين فيك بقضية رسول الله وَّله: إن كانت أحلتها لك جلدتك مائة، وإن لم
تكن أحلتها لك رجمتك بالحجارة، فوجدوه أحلتها له، فجلده مائة)). راجع سنن أبي داود،
كتاب الحدود، (رقم: ٤٤٥٨)، وسنن الترمذي، (رقم: ١٤٥١)، وسنن ابن ماجه (٢٥٥١)،
وسنن النسائي، كتاب النكاح، باب إحلال الفرج.
ولا شك أن هذه الجلدات كانت تعزيراً، لأن المحصن حده الرجم، فإذا سقط الحد لشبهة
الإحلال جلد تعزيراً، وبلغ به رسول الله وَله إلى مائة.
وكذلك ثبت عن كثير من الصحابة ، أنهم عزروا بأكثر من عشرة أسواط، كما سيأتي إن
شاء الله. فثبت بهذه الأحاديث والآثار أن الزيادة على العشرة جائز في التعزير.
وأما حديث الباب، فقد تأولوا فيه بأقوال مختلفة:
١ - إن هذا الحديث محمول على التأديب الصادر من غير الولاة، كالسيد يضرب عبده،
والزوج امرأته، والأب ولده، ذكره الحافظ في التلخيص (٤: ٧٩) عن بعض المتأخرين))
واختاره شيخنا التهانوي في إعلاء السنن (١١: ٧٣٨).
٢٠ - ادعى بعضهم أن حديث الباب منسوخ بالأحاديث والآثار الدالة على الزيادة، وتعقبه
الحافظ في التلخيص بأن النسخ لا يثبت بالاحتمال، ما لم يثبت الإجماع على خلافه، ولم

٤٤٩
كتاب: الحدود
٤٤٣٧ - (٤٢) حدّثنا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ. أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ. أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ
الزُّهْرِيِّ، بِهِذَا الإِسْنَادِ. وَزَادَ فِي الْحَدِيثِ: فَتَلاَ عَلَيْنَا آيَةَ النِّسَاءِ: ﴿أَنْ لَّا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا﴾
[الممتحنة: ١٢] الآيَةَ.
٤٤٣٨ - (٤٣) وحدّثني إِسْمَاعِيلُ بْنُ سَالِم. أَخْبَرَنَا هُشَيْمٌ. أَخْبَرَنَا خالِدٌ، عَنْ أَبِي
قِلاَبَةَ، عَنْ أَبِي الأَشْعَثِ الصَّنْعَانِيِّ، عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ. قَالَ: أَخَذَ عَلَيْنًا
رَسُولُ اللَّهِ بِهِ كَمَا أَخَذَ عَلَى النِّسَاءِ: أَنْ لاَ نُشْرِكَ بِاللَّهِ شَيْئاً، وَلاَ نَسْرِقَ، ولاَ نَزْنِيَ، وَلاَ
نَقْتُلَ أَوْلاَدَنَا، وَلاَ يَعْضَهَ بَعْضُنَا بَعْضاً. ((فَمَنْ وَفَى مِنْكُمْ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ. وَمَنْ أَتَى مِنْكُمْ
حَدًّا فَأَقِيمَ عَلَيْهِ فَهُوَ كَفَّارَتُهُ. وَمَنْ سَتَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ فَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ. إِنْ شَاءَ عَذَّبَهُ، وَإِنْ شَاءَ
غَفَرَ لَهُ)).
٤٤٣٩ - (٤٤) حدّثنا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ. حَدَّثَنَا لَيْثُ. ح وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رُمْحٍ.
یثبت .
٣ - وإن أحسن محامل هذا الحديث ما ذهب إليه ابن تيمية رحمه الله، كما حكى عنه
الحافظ في الفتح، وهو أن كلمة ((حد من حدود الله)) في حديث الباب ليست على معناها
المصطلح عند الفقهاء، وإنما المراد منها: حق الله تعالى وأوامره ونواهيه، كما في قوله تعالى:
﴿وَمَن يَعَذَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الَّلِمُونَ﴾ [سورة البقرة، الآية: ٢٢٩] لأن تخصيص الحد بالعقوبة
المقدرة من قبل الشارع اصطلاح حادث من الفقهاء، وإن في عرف الشرع أول الأمر كان يطلق
الحد على كل معصية، كبرت أو صغرت. فمراد الحديث أنه لا يعزر فوق عشر جلدات إلا في
معصية من المعاصي الكبيرة.
وتعقبه ابن دقيق العيد بأننا إذا أجزنا التعزير بما فوق العشرة في كل معصية. لم يبق لنا
شيء يختص المنع به، لأن التعزير لا يشرع إلا في معصية، وأجاب عنه الحافظ في الفتح بأن
المنع يحمل على الصغائر، وجواز الزيادة على الكبائر التي ليس فيها تقدير من قبل الشارع.
قال العبد الضعيف عفا الله عنه: وكذلك يحتمل أن يحمل حديث الباب على ما ليس
بمعصية في نفسها ولكنه يصير جناية عصيان من يجب طاعته في الأمور المباحة كالإمام والوالد
والزوج والأستاذ، فإن عوقب رجل لمثل هذا العصيان فلا يجاوز في ضرباته على عشرة أسواط
مثل من خالف قواعد المرور في عصرنا يجوز أن يعزره الإمام ولكن بما دون عشرة أسواط، فإن
مخالفة قواعد المرور ليست معصية دينية في حد ذاتها، فلا يطلق عليه ((حد من حدود الله))
بالمعنى الذي ورد به القرآن الكريم.
وأما ما ذكره ابن تيمية من أن إطلاق كلمة ((الحد)) على العقوبة المقدرة من قبل الشارع

٤٥٠
الجزء الثاني من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ، عَنْ أَبِي الْخَيْرِ، عَنِ الصُّنَابِحِيِّ، عَنْ عُبَادَةَ بْنِ
الصَّامِتِ؛ أَنَّهُ قَالَ: إِنِّي لَمِنَ النُّقَبَاءِ الَّذِينَ بَايَعُوا رَسُولَ اللَّهِ وَِّ. وَقَالَ: بَايَعْنَاهُ عَلَى أَنَّ
لاَ نُشْرِكَ بِاللَّهِ شَيْئاً، وَلاَ نَزْنِيَ، وَلاَ نَسْرِقَ، وَلاَ نَقْتُلَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ،
وَلاَ نَنْتَهِبَ، وَلاَ نَعْصِيَ. فَالْجَنَّةُ، إِنْ فَعَلْنَا ذُلِكَ. فَإِنْ غَشِينَا مِنْ ذُلِكَ شَيْئاً، كَانَ قَضَاءُ
ذُلِكَ إِلَى اللهِ.
وَقَالَ ابْنُ رُمْحٍ: كَانَ قَضَاؤُهُ إِلَى اللَّهِ.
(١١) - باب: جرح العجماء والمعدن والبئر جبار
٤٤٤٠ - (٤٥) حدّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى وَمُحَمَّدُ بْنُ رُمْح. قَالاَ: أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ. ح
وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ. حَدَّثَنَا لَيْثُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَعِيّدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ وَأَبِي سَلَمَةَ،
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ وَلِ أَنَّهُ قَالَ:
اصطلاح حادث من الفقهاء، فيجب أن يتنبه في ذلك لنقطتين:
النقطة الأولى: أنه رحمه الله تعالى لا يريد بذلك قطعاً أن تقسيم العقوبات الشرعية إلى ما
هو مقدر شرعاً، وإلى ما هو موكول إلى رأي الإمام، شيء أحدثه الفقهاء، كما زعمه بعض من
لا علم له من أهل عصرنا، وإنما يريد أن قصر كلمة ((الحد)) على القسم الأول وقصر كلمة
(التعزير)) على القسم الثاني اصطلاح قرره الفقهاء.
والنقطة الثانية: أن الذي يظهر في كثير من الأحاديث: أن النبي ◌َّ- استعمل كلمة ((الحد))
على عين ما اصطلح عليه الفقهاء، كما في قوله تعظيّل: ((ادرؤوا الحدود عن المسلمين ما
استطعتم))، أخرجه الترمذي، فإن الشبهات الفنية إنما تسقط الحد، دون التعزير. كما حققنا في
أول كتاب القسامة والديات، فلا شك أن المراد بالحدود في هذا الحديث هي العقوبات المقدرة
من قبل الشارع، وهي الحدود المصطلحة. وكذلك قوله عليهلا: ((تعافوا الحدود فيما بينكم، فما
بلغني من حد فقد وجب)) أخرجه أبو داود (رقم: ٤٣٧٦) والنسائي. فإن المراد منه هو الحد
المصطلح، وهو الذي لا يجوز للإمام أن يعفو عنه، فإنه يجوز له أن يعفو عن التعزير.
وكذلك قوله ظلَّلها: ((أقيلوا ذوي الهيئات عثراتهم إلا الحدود)»، أخرجه أبو داود (٤٣٧٥)،
وقوله ◌ِلِّلُ لأسامة: ((أتشفع في حد من حدود الله؟)) كما مر في باب النهي عن الشفاعة في
الحدود، الظاهر أن المراد منه هو الحد المصطلح.
فالصحيح فيما يظهر لهذا العبد الضعيف عفا الله عنه: أن كلمة ((الحد)) كانت تستعمل على
عهد النبي ◌ّ ر في كلا المعنيين: بمعنى العقوبة المقدرة، وبمعنى المعصية عامة، وإنما أريد في
حديث الباب المعنى الثاني، ثم خصه الفقهاء بالمعنى الأول، فلا يطلق عندهم إلا على معنى

٤٥١
كتاب: الحدود
((الْعَجْمَاءُ جَرْحُهَا جُبَارٌ.
العقوبة المقدرة، وهذا هو المراد بكونه اصطلاحاً حادثاً من الفقهاء. والله سبحانه وتعالى أعلم.
ثم من أوجب في التعزير أن لا يبلغ به أدنى الحدود، كالحنفية والشافعية والحنابلة،
استدل بما أخرجه البيهقي في سننه (٨: ٣٢٧) عن النعمان بن بشير رضيّا مرفوعاً: ((من بلغ حداً
في غير حد فهو من المعتدين))، ثم قال البيهقي: والمحفوظ أنه مرسل، ثم أورده مرسلاً عن
الضحاك.
وكذلك أخرج البيهقي عن مغيرة قال: ((كتب عمر بن عبد العزيز أن لا يبلغ في التعزير
أدنى الحدود، أربعين سوطاً)).
وأما من أجاز التعزيز بالغاً ما بلغ، كالإمام مالك والطحاوي، وأبي يوسف في رواية،
فاستدلوا بما يأتي :
١ - حديث النعمان بن بشير ◌ًا عند السنن الأربعة في من يقع على جارية امرأته، قال
فيه: (لأقضين فيك بقضاء رسول الله وَ له: إن كانت أحلتها لك جلدتك مائة، وإن لم تكن أحلتها
لك رجمتك بالحجارة إلخ)»، فإن جلد المائة في صورة الإحلال تعزير عند الجميع، وقد بلغ به
إلى قدر الحد.
٢ - أخرج عبد الرزاق في مصنفه (٧: ٤٠١، رقم: ١٣٦٣٥) من طريق جعفر بن محمد،
عن أبيه، عن علي: ((أنه كان إذا وجد الرجل والمرأة في ثوب واحد، جلدهما مائة، كل إنسان
منهما))، وأخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه (٩: ٥٢٨، رقم: ٨٣٨١) بلفظ: ((إذا وجد الرجل مع
المرأة جلد كل واحد منهما مائة)).
٣ - أخرج عبد الرزاق (رقم: ١٣٦٣٦) عن الحسن: ((أن رجلاً وجد مع امرأته رجلاً قد
أغلق عليهما، وقد أرخى الأستار فجلدهما عمر بن الخطاب مائة مائة)). وفي إسناده رجل
مجهول .
٤ - أخرج عبد الرزاق (رقم: ١٣٦٣٨) عن محمد بن راشد، قال: سمعت مكحولاً فحدث
أن رجلاً وجد في بيت رجل بعد العتمة ملففاً في حصير، فضربه عمر بن الخطاب مائة.
٥ - وأخرج عبد الرزاق (رقم: ١٣٦٣٩) وابن أبي شيبة (٩: ٥٢٧، رقم: ٨٣٨٠) واللفظ
له، عن القاسم بن عبد الرحمن، عن أبيه، قال: ((أتي عبد اللّه (يعني ابن مسعود) برجل وجد مع
امرأة في ثوب، قال: فضربهما أربعين أربعين، قال: فخرجوا إلى عمر فاستعدوا عليه، فلقي
عمر عبد اللّه، فقال: قوم استعدوا عليك في كذا وكذا، فأخبره بالقصة، فقال لعبد الله: كذلك؟
قال: نعم، قال؛ جنا نستعديه، فإذا هو يستفتيه)). وفي رواية عبد الرزاق: ((قال: أو رأيت ذلك؟
قال: نعم، قال: نعماً ما رأيت، فقالوا: أتيناه نستأديه (؟) فإذا هو يسأله)).

٤٥٢
الجزء الثاني من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
٦ - أخرج عبد الرزاق (٧: ٤٠٣، رقم: ١٣٦٤٤) عن يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب
قال: ((توفي عبد الرحمن بن حاطب، وأعتق من صلى من رقيقه وصام، وكانت له نوبية قد
صلت، وصامت، وهي أعجمية لم تفقه، فلم يرع إلا حبلها، وكانت ثيباً، فذهب إلى عمر
فزعاً، فحدثه، فقال له عمر: لأنت الرجل لا يأتي بخير، فأفزعه ذلك، فأرسل إليها، فسألها،
فقال: حبلت؟ قالت: نعم، من مرعوش بدرهمين، وإذا هي تستهل بذلك لا تكتمه، فصادف
عنده علياً، وعثمان، وعبد الرحمن بن عوف، فقال: أشيروا علي، وكان عثمان جالساً،
فاضطجع، فقال علي وعبد الرحمن: قد وقع عليها الحد، فقال: أشر عَلَيَّ يا عثمان، فقال: قد
أشار عليك أخواك، قال: أشر على أنت، قال عثمان: أراها تستهل به كأنها لا تعلمه، وليس
الحد إلا على من علمه، فأمر بها فجلدت مائة، ثم غربها، ثم قال: صدقت، والذي نفسي بيده!
ما الحد إلا على من علم)) وأخرجه أيضاً البيهقي في سننه (٨: ٣٣٨). ولا شك أن هذه
الجلدات كانت تعزيراً لما اتفق عثمان وعمر ها على أن الحد إنما يجب على من علمه .
وذكر شيخنا التهانوي رحمه الله هذه الآثار في إعلاء السنن (١١: ٧٣٧) عن محلى ابن
حزم، وصحح بعضها، وحسن بعضها. ورجح من أجل قول مالك، وأبي ثور، وأبي يوسف،
والطحاوي، كما رجحه الشيخ الأنور في العرف الشذي (ص: ٤٢٦).
ولم يذكر هؤلاء تأويل قوله عظلئلا: ((من بلغ حداً في غير حد فهو من المعتدين))، ويمكن أن
يجاب عنه أولاً بأنه ذكره الهيثمي في مجمع الزوائد (٦: ٢٨١)، عن الطبراني، ثم قال: ((وفيه
محمد بن الحسين الفضاض، والوليد بن عثمان خال مسعر، ولم أعرفهما)) وإن الوليد بن عثمان
موجود في مرسل الضحاك أيضاً، الذي أخرجه البيهقي، وجعله محفوظاً بمقابلة الموصول.
ورمز عليه في الجامع الصغير بضعف، راجع فيض القدير للمناوي (٦: ٩٥).
وثانياً بأنه يحتل أن يراد فيه من الحد ما أريد في حديث الباب، وهو المعصية والمراد أنه
لا يجوز أن يبلغ إلى قدر الحد في غير معصية، والله سبحانه أعلم.
(١٠) - باب: الحدود كفارات لأهلها
٤١ - (١٧٠٩) - قوله: (عن أبي إدريس) يعني الخولاني واسمه عائذ الله بن عبد اللّه، كما
هو مصرح في رواية البخاري في الإيمان، وهو صحابي من حيث الرؤية، تابعي من حيث
الرواية، لأنه ولد عام حنین
(١) وكذلك السائق في الأصح عند الحنفية، وقال بعضهم كالقدوري: يضمن السائق ما نفحت برجلها أيضاً،
لأنه بمرأى عينه، ولكن الأول أصح، وراجع رد المحتار ٥٣١/٥.

٤٥٣
كتاب: الحدود
قوله: (عن عبادة بن الصامت) أخرجه أيضاً البخاري في الإيمان، باب علامة الإيمان حب
الأنصار، (رقم: ١٨)، وفي تفسير سورة الممتحنة، (رقم: ٤٨٩٤)، وفي مناقب الأنصار، باب
وفود الأنصار إلى النبي ونَ﴾، (رقم: ٣٨٩٢ و٣٨٩٣)، وفي المغازي، باب بعد باب شهود
الملائكة بدراً، (رقم: ٣٩٩٩)، وفي الحدود، باب الحدود كفارة (رقم: ٦٧٨٤)، وباب توبة
السارق (رقم: ٦٨٠١)، وفي الديات باب قول الله تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنََّآَ أَخْيَا النَّاسَ﴾
[سورة التوبة، الآية: ٣٢] إلخ (رقم: ٦٨٧٣)، وفي الفتن، باب قول النبي ◌َّر: سترون بعدي أموراً
تنكرونها، رقم ٧٠٥٥، وفي الأحكام، باب كيف يبايع الإمام الناس، (رقم: ٧١٩٩)، وباب
بيعة النساء، (رقم: ٧٢١٣)، وفي التوحيد، باب قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمِنْنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ﴾
[سورة الصافات، الآية: ١٧١]، (رقم: ٦٤٦٨).
وأخرجه الترمذي في الحدود، باب الحدود كفارة لأهلها، (رقم: ١٤٣٩)، والنسائي في
البيعة، باب البيعة على فراق المرك، وابن ماجه في الحدود، باب الحد كفارة، (رقم: ٢٦٠٣).
قوله: (كنا مع رسول الله وَّر في مجلس) اختلف الشراح في تعيين هذا المجلس، فرجع
الشيخ العيني رحمه الله تعالى في عمدة القاري (١: ١٨٦) أنه مجلس ليلة العقبة، بدليل ما
سيأتي بعد روايتين عن الصنابحي عن عبادة بن الصامت ظله، أنه قال: ((إني لمن النقباء الذين
بايعوا رسول الله وَستر، وقال: بايعناه على أن لا نشرك بالله شيئاً إلخ)).
واختار الحافظ في الفتح (١: ٦٦) أن هذه البيعة غير بيعة العقبة، وإنما وقعت بعد فتح
مكة. بعد نزول سورة الممتحنة بدليل ما سيأتي في رواية معمر عن الزهري: ((فتلا علينا آية
النساء أن لا يشركن بالله شيئاً الآية))، وما سيأتي في رواية أبي الأشعث: ((أخذ علينا رسول الله وَليه
كما أخذ على النساء على أن لا نشرك بالله إلخ)). وأما رواية الصنابحي التي استدل بها العيني
رحمه الله فأولها الحافظ رحمه الله، بأن ذكر ليلة العقبة إنما جاء فيها لتعريف عبادة، ونمدحه
بها، وليس المراد أن البيعة الآتي ذكرها وقعت في تلك الليلة.
واستظهر شيخ مشايخنا الأنور رحمه الله نظر الحافظ بأن سياق الأحاديث يدل على أن
ألفاظ البيعة مأخوذة من سورة الممتحنة، وراجع فيض الباري (١: ٨٨).
قوله: (فأجره على الله) عبره بلفظ ((على)) للمبالغة في تحقق وقوعه كالواجبات، ويتعين
حمله على غير ظاهره للأدلة القائمة على أنه لا يجب على الله شيء. كذا في فتح الباري.
قوله: (فهو كفارة له) هذا في غير الشرك بالإجماع، لأن الشرك لا يكفره شيء من
العقوبات الدنيوية. وأما في غير الشرك من المعاصي فظاهر هذا الحديث أن الحدود والعقوبات
الدنيوية تكفرها، وهو مختار كثير من العلماء.
وقال آخرون: إن الحدود إنما شرعت زاجرة، لا كفارة، فلا يكفي الحد عن إثم الآخرة،

٤٥٤
الجزء الثاني من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
وَالْبِثْرُ جُبَارٌ.
واستدلوا بقوله تعالى في المحاربين وقطاع الطريق، بعد ذكر عقوبتهم الدنيوية: ﴿ذَلِكَ لَّهُمْ
خِزْيٌ فِى الذُّنْيًّا وَلَهُمْ فِي الْآَخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [سورة المائدة، الآية: ٣٣] ولكن يجاب عنه بأن هذه
الآية نزلت في العرنيين بعد ما ارتدوا عن الإسلام، وقدمنا أن الحد لا يكفر عن الشرك
بالإجماع .
واختار بعض العلماء التوقف لحديث أخرجه الحاكم عن أبي هريرة وّ مرفوعاً: (لا أدري
الحدود كفارة لأهلها أم لا؟)). ولكن رجح القاضي عياض، والعيني وغيرهما حديث عبادة في
الباب لقوة إسناده، وأعل حديث الحاكم بالضعف. وجمع الحافظ في الفتح بينهما بأن حديث
أبي هريرة متقدم، وحديث عبادة متأخر لما حقق أنه وقع بعد فتح مكة)) فإنما جعل رسول الله وَل
الحدود كفارة بعد ما علم بذلك بالوحي، وتوقف عنه في مبدأ الأمر.
وعلى كل حال، فللفريقين في هذه المسألة كلام طويل، واشتهر عن الحنفية أنهم قائلون
بأن الحدود ليست بكفارة، ولكن رده شيخ مشايخنا الأنور رحمه الله في فيض الباري، بأن هذه
النسبة مبنية على المسامحة، ولذلك لم يذكر الإمام الطحاوي فيه خلافاً، وصحح العيني في
العمدة حديث عباد، ورجحه على حديث أبي هريرة عند الحاكم، ورد على من أثبت بينهما
تعارضاً .
وخلاصة ما يتحصل بعد اللتيا والتي: ما لخصه شيخ مشايخنا الأنور قدس سره بقوله: ((إن
الأحوال بعد إقامة الحد ثلاثة: فإن تاب المحدود بعده صار الحد كفارة له بلا خلاف، وإن لم
يتب، فلا يخلو: إما أنه انزجر عنه، واعتبر به، ولم يعد إليه، فقد صار كفارة أيضاً. وإن لم يبال
به مبالاة ولم يزل فيه منهمكاً كما كان، وعاد إليه ثانياً، فلا يصير كفارة له)).
ولقد أحسن مولانا الشيخ بدر عالم الميرتهي رحمه الله في البدر الساري (١ : ٨٩)، حيث
قال: ((وقد سنح لي أن قوله: (فهو كفارة له) ليس حكماً، بل أمر مرجو من رحمة الله، أي: إذا
أقيم عليه الحد، فقد يرجى من الله سبحانه أن يجعلها كفارة له، ويدل عليه ما رواه الترمذي عن
علي رَبُّه مرفوعاً: من أصاب حداً، فجعل عقوبته في الدنيا، فالله أعدل من أن يثنى على عبده
العقوبة في الآخرة، ومن أصاب حداً فستره الله وعفا عنه، فالله أكرم من أن يعود في شيء قد
عفا عنه اهـ. فهذا الحديث مشير إلى أن كون الحد كفارة ليس بحكم، ولكنه أم مرجو نظراً إلى
عدله تعالى، كما أنه مرجو في حال ستره أيضاً، نظراً إلى كرمه تعالى)). وعلى هذا تنطبق جميع
الروايات، والحمد لله.
وراجع لتفصيل أطراف المسألة فتح الباري (١: ٦٦)، وعمدة القاري (١: ١٨٦)، وفيض
الباري (١: ٨٦ إلى ٩٣)، ومشكل الآثار للطحاوي (١: ٣١٧)، وعقيدة السفاريني (١: ٣٢٠).
٤٢ - (٠٠٠) - قوله: (فتلا علينا آية النساء) يعني الآية التي ذكر فيها بيعة النساء، وهي في

٤٥٥
كتاب: الحدود
وَالْمَعْدِنُ جُبَارٌ، وَفِي الرِّكَازِ الْخُمُسُ)).
سورة الممتحنة، وليس المراد أنها آية سورة النساء.
٤٣ - (٠٠٠) - قوله: (أخذ علينا رسول الله وَل*) يعني: أخذ منا الميثاق.
قوله: (ولا يعضه بعضنا بعضاً) العضة (بفتح العين، وسكون الضاد، آخره هاء مهملة) من
باب فتح: الافتراء، والبهت. وأصله: العضيهة (بفتح العين، وكسر الضاد) والعضهة بكسر العين
وسكون الضاد بمعنى البهتان، كما في النهاية لابن أثير (٣: ١١٩).
٤٤ - (٠٠٠) - قوله: (عن أبي الخير) مر ذكره في باب من نذر أن يمشي إلى الكعبة.
قوله: (عن الصنابحي) بضم الصاد، وخفة نون، وكسر الباء والحاء، نسبة إلى صنابحي،
بطن من مراد، كما في المغني للفتني (ص: ١٥٣). وقد اشتهر بهذه النسبة في رواة الحديث
ثلاثة، والظاهر أن المراد في حديث الباب عبد الرحمن بن عسيلة أبو عبد اللّه الصنابح، وهو
من المخضرمين، رحل إلى النبي ◌َّس9، فوجده قد توفي عليه الصلاة والسلام، فروى عن جمع
من الصحابة، وربما أرسل عن النبي وَّ﴿ وكان كثير المناقب، من أَجَلُّها ما أخرجه الطبراني في
مسند عبادة من طريق ابن محيريز، قال: عدنا عبادة بن الصامت، فأقبل أبو عبد اللّه الصنابحي،
فقال عبادة: من سره أن ينظر إلى رجل عرج به إلى السماء، فنظر إلى أهل الجنة وأهل النار،
فرجع وهو يعمل على ما رأى فلينظر إلى هذا. وراجع تهذيب التهذيب (٦: ٢٣٠).
قوله: (لمن النقباء) جمع نقيب، وكانوا اثني عشر نقيباً بايعهم النبي ◌َّ ليلة العقبة،
والآخرون: أسعد بن زرارة، ورافع بن مالك، والبراء بن معرور، وعبد الله بن عمرو بن حرام،
وسعد بن الربيع، وعبد الله بن رواحة، وسعد بن عبادة، والمنذر بن عمرو بن حبيش، وأسيد بن
حضير، وسعد بن خيثمة، وأبو الهيثم بن التيهان، وقيل بدله: رفاعة بن عبد المنذر، كذا في
مناقب فتح الباري (٧: ٢٢١).
قوله: (ولا نعصي) ووقع في بعض نسخ البخاري في المناقب: (ولا نقضي).
قوله: (فإن غشينا) نعني: ارتكبنا شيئاً من المعاصي المذكورة في البيعة.
(١١) - باب: جرح العجماء جبار، والمعدن والبئر جبار
قوله: (عن أبي هريرة) هذا الحديث أخرجه البخاري في الزكاة، باب في الركاز الخمس،
(رقم: ١٤٩٩)، وفي الشرب، باب من حفر بئراً في ملكه لم يضمن، (رقم: ٢٣٥٥)، وفي
الديات، باب المعدن جبار، والبئر جبار (رقم: ٦٩١٢)، وباب العجماء جبار (رقم: ٦٩١٣)،
ومالك في الزكاة، باب زكاة الركاز، والترمذي في الزكاة (رقم: ٦٠٤٢)، وفي الأحكام باب ما
جاء في العجماء جرحها جبار (رقم: ١٣٧٧)، وأبو داود في الإمارة باب ما جاء في الركاز
(رقم: ٣٠٨٥)، والنسائي في الزكاة، باب المعدن، وابن ماجه في الديات، باب الجبار، (رقم:

٤٥٦
الجزء الثاني من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
٢٦٧٣)، وأخرجه أيضاً عن عمرو بن عوف، وعبادة بن الصامت
٠
قوله: (العجماء) مؤنث الأعجم، وهو البهيمة.
قوله: (جرحها) الجرح بفتح الجيم مصدر، والجرح، بضم الجيم اسم. وإنما عبر بالجرح
لأنه الأغلب، أو هو مثال منه على ما عداه. وقد وقع في بعض الروايات: ((العجماء جبار))
بدون لفظ الجرح، فمعناه إتلاف العجماء بأي وجه كان، بجرح أو غيره كذا في عمدة القاري
(١١ : ٢٦).
قوله: (جبار) بضم الجيم، يعني: هدر لا ضمان فيه. وقد وقع عند ابن ماجه في آخر
حديث عبادة بن الصامت وظه: ((والعجماء: البهيمة من الأنعام وغيرها، والجبار: هو اهدر
الذي لا يغرم)) وهذا تفسير مدرج كأنه من رواية موسى بن عقبة. وذكر ابن العربي أن بناء (ج ب
ر) للرفع والإهدار، من باب السلب، وهو كثير، يأتي اسم الفعل والفاعل لسلب معناه، كما
يأتي لإثبات معناه. كذا في فتح الباري (١٢ : ٢٥٥).
أحكام جناية البهيمة:
وعلى كل، فالحديث يدل على أن ما أتلفت الدابة من غير تعد من صاحبها لا يوجب
الضمان عليه، والأصل في ذلك ما ذكره صاحب الدر المختار: ((أن المرور في طريق المسلمين
مباح بشرط السلامة فيما يمكن الاحتراز عنه)). وهذا القدر متفق عليه فيما بين الفقهاء، غير أنهم
اختلفوا في تفاصيله. وخلاصة مذاهبهم في ذلك ما يلي:
إن جناية البهيمة لا تخلو أولاً من حالين: إما أن تكون منفلتة ليس معها أحد، أو يكون
معها راكب، أو سائق، أو قائد. فإن كانت منفلتة، ليس معها أحد، فأتلفت شيئاً، فلا ضمان
على صاحبها عند الحنفية مطلقاً، سواء كان الوقت وقت النهار، أو وقت الليل، عملاً بإطلاق
حديث الباب. وقال الشافعي: لا يضمن المالك في النهار، ويضمن بالليل، لأن العادة أن
الملاك يربطون مواشيهم بالليل، فلما أرسلها بالليل صار متعدياً فيضمن.
واستدل الشافعي رحمه الله في ذلك بما أخرجه هو، وأبو داود، وأحمد، وابن ماجه عن
حرام بن محيصة، عن البراء بن عازب، قال: ((كانت له ناقة ضارية، فدخلت حائطاً، فأفسدت
فيه، فقضى رسول الله ﴿ أن حفظ الحوائط بالنهار على أهلها، وأن حفظ الماشية بالليل على
أهلها، وأن على أهل المواشي ما أصابت ماشيتهم بالليل)).
وذكر شيخنا التهانوي رحمه الله في إعلاء السنن (١٨: ٢٤٢) عن الطحاوي: ((إن تحقيق
مذهب أبي حنيفة أنه لا ضمان إذا أرسلها مع حافظ، وأما إذا أرسلها من دون حافظ ضمن)).
والخلاصة أن الحكم عند أبي حنيفة لا يدور مع النهار، أو الليل، وإنما يدور على التقصير في

٤٥٧
كتاب: الحدود
الحفظ، فإن قصر المالك في حفظ البهيمة بالنهار ضمن، وإن لم يقصر بالليل لم يضمن. وحمل
حديث ناقة البراء على التقصير في الحفظ.
واستدل شيخنا التهانوي رحمه الله لمذهب أبي حنيفة بما أخرجه الدارقطني عن عمرو بن
شعيب، عن أبيه، عن جده، عن النبي ◌َّر، قال: ((ما أصابت الإبل بالليل ضمن أهلها، وما
أصاب بالنهار فلا شيء فيه، وما أصابت الغنم بالليل والنهار غرم أهلها»، قال شيخنا رحمه الله:
((ويدل إيجاب الضمان على أهل الغنم بالليل والنهار على أنه لا دخل للنهار في إسقاط الضمان،
وإنما بناءه على عدم التقصير. ولما كان حفظ الغنم متيسراً دل إفسادها على ترك الحفظ من
الرعاة، بخلاف الإبل، فإن ضبطها متعسر، هذا هو الفرق)).
وأما إذا كانت الدابة معها أحد، فهو على صور آتية:
١ - إن كانت الدابة تسير في ملك من هو معها، فأتلفت شيئاً، لم يضمن صاحبها إلا إذا
وقع التلف بوطئها .
٢ - وإن كانت تسير في ملك غيره بإذنه، فكذلك.
٣ - وإن كانت تسير في ملك غيره بغير إذنه، ضمن صاحبها ما تلف مطلقاً.
٤ - وإن كانت تسير في طريق العامة، ضمن الراكب أو القائد(١) ما وطئت برجلها أو
أصابت بيدها، أو رجلها، أو رأسها، أو كدمت بفمها، أو خبطت بيدها، أو صدمت بجسمها .
ولكنه لا يضمن ما نفحت برجلها أو ذنبها سائرة. وهذا مذهب أبي حنيفة رحمه الله، كما في رد
المحتار (٥: ٥٣٠).
وقال الشافعي رحمه الله: إذا كان مع البهيمة إنسان، فإنه يضمن ما أتلفته من نفس أو
عضو أو مال. سواء كان سائقاً، أو راكباً، أو قائداً، سواء كان مالكاً، أو أجيراً، أو مستأجراً،
أو مستعيراً، أو غاصباً، وسواء أتلفت بيدها، أو رجلها. أو ذنبها. أو رأسها، وسواء كان ذلك
ليلاً أو نهاراً، لأن الإتلاف لا فرق فيه بين العمد وغيره، ومن هو مع البهيمة حاكم عليها، فهي
كالآلة بيده، ففعلها منسوب إليه سواء حملها عليه أم لا، وسواء علم به أم لا. كذا في فتح
الباري (١٢ : ٢٥٨).
لأبي حنيفة رحمه الله ما أخرجه أبو داود في الديات، باب الدابة تنفح برجلها (رقم:
٤٥٩٢) عن أبي هريرة، عن رسول الله وَ ﴿ قال: ((الرجل جبار))، قال أبو داود: الدابة تضرب
برجلها وهو راكب.
وقد أعله بعضهم بأن سفيان بن حسين قد وهم فيه، ولكن رده شيخنا التهانوي رحمه الله
في إعلاء السنن (١٨: ٢٤٠) بأنه لم يتفرد به سفيان بن حسين، وإنما هو مروي من غير وجه في

٤٥٨
الجزء الثاني من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
٤٤٤١ - (٠٠٠) وحدّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ
وَعَبْدُ الأَعْلَى بْنُ حَمَّدٍ. كُلُّهُمْ عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ. ح وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ. حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ
(يَعْنِي ابْنَ عِيسَى). حَدَّثَنَا مَالِكٌ. ◌ِلاَهُمَا عَنِ الزُّهْرِيِّ. بِإِسْنَادِ اللَّيْثِ. مِثْلٌ حَدِيثِهِ.
٤٤٤٢ - (٠٠٠) وحدّثني أَبُو الطَّاهِرِ وَحَرْمَلَةُ. قَالاَ: أَخْبِرَنَا ابْنُ وَهْبٍ. أَخْبَرَنِي
يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنِ ابْنِ الْمُسَيَّبِ وَعُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ
رَسُولِ اللهِ وََّ، بِمِثْلِهِ.
٤٤٤٣ - (٤٦) حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ رُمْح بْنِ الْمُهَاجِرِ. أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ، عَنْ أَيُّوبَ بْنِ
مُوسَى، عَنِ الأَسْوَدِ بْنِ الْعَلاَءِ، عَنْ أَبِي سَّلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمُنِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ
رَسُولِ اللهِ وَِّ؛ أَنَّهُ قَالَ: ((الْبِثْرُ جَرْحُهَا جُبَارٌ. وَالْمَعْدِنُ جَرْحُهُ جُبَارٌ. وَالْعَجْمَاءُ جَرْحُهَا
جُبَارٌ. وَفِي الرِّكَازِ الْخُمُسُ)).
٤٤٤٤ - (٠٠٠) وحدّثنا عَبْدُ الرَّحْمُنِ بْنُ سَلَّمِ الْجُمَحِيُّ. حَدَّثَنَا الرَّبِيعُ (يَعْنِي ابْنَ
سنن الدارقطني، فرواه سفيان بن حسين عن الزهري، وآدم عن شعبة، وأبو قيس عن هزيل،
وإبراهيم النخعي عن النبي وَله مرسلاً، ويستبعد جداً أن يكون كل هؤلاء قد وهم في روايته.
ولأبي حنيفة رحمه الله أيضاً ما أخرجه البخاري في الديات (باب العجماء جبار) تعليقاً عن
ابن سيرين: ((كانوا لا يضمنون من النفحة، ويضمنون من رد العنان)) وفسره الحافظ بقوله:
((والمعنى أن الدابة إذا كانت مركوبة فلفت الراكب عنانها، فأصابت برجلها شيئاً ضَمِنَه الراكب،
وإذا ضربت برجلها من غير أن يكون له في ذلك تسبب لم يضمن، وهذا الأثر وصله سعيد بن
منصور، عن هشيم، حدثنا ابن عون، عن محمد بن سيرين، وهذا سند صحيح. وأسنده ابن أبي
شيبة من وجه آخر عن ابن سیرین نحوه)).
وكذلك أخرج البخاري تعليقاً عن حماد: ((لا تضمن النفحة إلا أن ينخس إنسان الدابة))
ووصله ابن أبي شيبة، كما في فتح الباري.
ولأن الاحتراز عن النفحة مع السير غير ممكن، لأنها من ضروراته. فلو أوقفها في الطريق
ضمن النفحة أيضاً، لأن صيانة الدواب عن الوقوف ممكنة، وإن كانت غير ممكنة عن النفحة،
فصار الإيقاف تعدياً، أو مباحاً مقيداً بشرط السلامة. كذا في رد المحتار (٥: ٤٣٠).
وبه يظهر بطلان ما نسبه ابن بطال إلى الحنفية، فيما حكى عنه الحافظ في الفتح (١٢ :
٢٥٧) من أنهم لا يقولون بتضمين النفحة برجلها أو ذنبها، ولو كانت بسبب فقد رأيت أن الحنفية
يقولون بتضمينها عند الإيقاف، فما بالك إذا نخسها الراكب، أو صرف عنانها بطريق غير عادي،
مما حملها على النفحة، فالظاهر حينئذ الضمان، فلا يخالف أقوال ابن سيرين وحماد قول

٤٥٩
كتاب: الحدود
مُسْلِمٍ). ح وَحَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ. حَدَّثَنَا أَبِي. ح وَحَدَّثَنَا ابْنُ بَشَارٍ. حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ
جَعْفَرِ. قَالاَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ. كِلاَهُمَا عَنْ مُحَمَّدٍ بْنِ زِيَادٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ◌َّرَ،
بِمِثْلِهِ.
الحنفية .

٤٦٠
الجزء الثاني من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمَةِ
كتاب: الأقضية
ثم لم يذكر الفقهاء حكم السيارة لعدم وجودها في عصرهم. والظاهر أن سائق السيارة
ضامن لما أتلفته في الطريق، سواء أتلفته من القدام، أو من الخلف. ووجه الفرق بينها وبين
الدابة على قول الحنفية أن الدابة متحركة بإرادتها، فلا تنسب نفحتها إلى راكبها، بخلاف
السيارة، فإنها لا تتحرك بإرادتها. فتنسب جميع حركاتها إلى سائقها، فيضمن جميع ذلك، والله
سبحانه وتعالى أعلم.
قوله: (والبئر جبار) قال أبو عبيد: ((المراد بالبئر هنا العادية القديمة التي لا يعلم لها
مالك، تكون في البادية، فيقع فيها إنسان أو دابة، فلا شيء في ذلك على أحد وكذلك لو حفر
بئراً في ملكه أو في موات، فوقع فيها إنسان أو غيره، فتلف، فلا ضمان وأما من حفر بئراً في
طريق المسلمين، وكذا في ملك غيره بغير إذن، فتلف بها إنسان فإنه يجب ضمانه على عاقلة
الحافر، والكفارة في ماله، وإن تلف بها غير آدمي وجب ضمانه في مال الحافر. ويلتحق بالبئر
كل حفرة على التفصيل المذكور)) كذا في فتح الباري.
قلت: وهو مذهب الحنفية، كما يظهر من رد المحتار (٥: ٥٢٤ و٥٢٥) وغيره، فما ذكره
الحافظ في الفتح (١٢: ٢٥٥) من قول ابن بطال: ((وخالف الحنفية في ذلك، فضمنوا حافر البئر
مطلقاً، قياساً على راكب الدابة، ولا قياس مع النص)) فيه مسامحة خطيرة من ابن بطال رحمه
الله، فإن الحنفية لا يقولون بتضمين الحافر مطلقاً، وإنما يقولون بتضمين من تعدى في حفره،
كما هو قول الجمهور سواء بسواء.
وقد أخرج عبد الرزاق في مصنفه (١٠: ٧٢، رقم: ١٨٤٠٠) عن علي رضي الله، قال: ((من
حفر بئراً، أو أعرض عوداً، فأصاب إنساناً ضمن)). وقال شيخنا التهانوي رحمه الله بعد ذكر هذا
الأثر في إعلاء السنن (١٨: ٢٣٤): ((هو يدل على أن القتل بالتسبب موجب للضمان، إلا أنه
يشترط فيه أن يكون على وجه التعدي، كحفر البئر في غير ملكه، وهو مذهب أبي حنيفة».
بل يقول الحنفية: إن من حفر بالوعة في طريق بأمر السلطان، فتعمد رجل المرور عليها لم
يضمن الحافر، كما في الدر المختار، وإنما يضمن الحافر إذا حفره بغير أمر السلطان، لأن من