Indexed OCR Text
Pages 261-280
٢٦١ كتاب: القسامة والمحاربين والقصاص والديات علفتها تبناً، وسقيتها ماء بارداً، وقد أوضحه ابن هشام في مغني اللبيب (٢: ١٩٣ و٢ : ١٦٩ و١: ٣٢)، وفي أوائل الباب الخامس من الجزء الثاني. ويؤيده ما ورد في بعض طرق الحديث عند النسائي في سننه (٢: ١٦٧) من غير ذكر الأبوال، ولفظه: ((فبعث بهم رسول الله وغل﴿ إلى لقاح ليشربوا من ألبانها، فكانوا فيها إلخ)). وكذلك لم يذكر لفظ (الأبوال) في حديث أنس عند الطحاوي من طريق عبد الله بن بكر، عن حميد، عن أنس، ذكره شيخنا البنوري رحمه الله في معارف السنن (١: ٢٧٥)، ثم قال: ((وعلى هذا، يكاد يكون ذكر الأبوال مع الألبان في سياق أمره و ﴿ من تصرف الرواة، فيكون وَ لّ أمر بشرب ألبانها، واستنشاق أبوالها، ولعلهم شربوا أبوالها أيضاً، فوقع التعبير بهما معاً في سياق الأمر، نظراً إلى ما وقع، لا أنه وَ لّ أمر بهما معاً)). وبالجملة، فلا يستقيم الاستدلال بحديث الباب على طهارة أبوال الإبل عند وجود هذه المحامل القوية . وأما أدلة نجاسة الأبوال مطلقاً، فكثيرة: منها: ما أخرجه الترمذي في الأطعمة من حديث ابن عمر ((نهى رسول الله وَلقول عن أكل الجلالة: وألبانها)) والجلالة: التي تأكل الجلة، وهي البعرة، كما في القاموس وغيره، فكان سبب النهي هو أكلها البعرة، فعلم أنها نجس حيث سرت نجاستها إلى لحمها. ومنها: حديث أبي هريرة رَظ ◌ُله مرفوعاً: ((استسنزهوا من البول، فإن عامة عذاب القبر منه)) أخرجه ابن ماجه، والدارقطني، والحاكم في المستدرك (١: ١٨٣)، وقال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين، وأقره الذهبي. وقد أخرجه الدارقطني فأخرجه بطريق أبي صالح، عن أبي هريرة بلفظ: ((أكثر عذاب القبر من البول)) وليس فيه: ((استنزهوا من البول)) وصحح الدارقطني هذا الطريق، وأخرجه من طريق محمد بن سيرين، عن أبي هريرة بلفظ: ((استنزهوا من البول، فإن عامة عذاب القبر منه)) وقال فيه: ((الصواب مرسل)) ولو كان مرسلاً فهو مرسل محمد بن سيرين، ومراسيله من أصح المراسيل كما صرح به غير واحد، وراجع مثلاً منهاج السنة لابن تيمية. ثم أخرج الدارقطني شاهداً آخر لهذا الحديث من طريق مجاهد، عن ابن عباس: ((عامة عذاب القبر من البول، فتنزهوا من البول)) ثم قال الدارقطني: ((لا بأس به)). راجع سنن الدارقطني (١: ١٢٨) وله شاهد آخر عند الدارقطني من حديث قتادة، عن أنس، بلفظ: («تنزهوا من البول، فإن عامة عذاب القبر منه)). وذكر الدارقطني أن المحفوظ فيه الإرسال. وقد ذكر العلامة إبراهيم الحسيني الدمشقي في كتابه ((البيان والتعريف في أسباب ورود الحديث)) (١: ٢٣٨) أن سبب هذا الحديث ما أخرجه ابن أبي شيبة من رواية جسرة، قالت: ٢٦٢ الجزء الثاني من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم ((حدثتني عائشة ريا، قالت: دخلت على امرأة من اليهود، فقالت: إن عذاب القبر من البول، قلت: كذبت، قالت: بلى، إنه ليقرض منه الجلد والثوب، فخرج رسول الله وَطلق إلى الصلاة، وقد ارتفعت أصواتنا، فقال: ما هذا؟ فأخبرته، فقال: صدقت)). ٢ - مسألة التداوي بالمحرم: واستدل بحديث الباب من أجاز التداوي بالمحرمات والأنجاس، والمذاهب في هذا الباب مختلفة، فمذهب الحنابلة عدم جواز التداوي بالمحرمات مطلقاً، قال ابن قدامة: ((ولا يجوز التداوي بمحرم، ولا بشيء فيه محرم، مثل ألبان الأتن، ولم شيء من المحرمات، ولا شرب الخمر للتداوي به، لما ذكرنا من الخبر)) كذا في كتاب الأطعمة من المغني (١١: ٨٣)، والشرح الكبير (١١: ١٠٨). وأما الشافعية فجوزوا التداوي بالمحرمات غير المسكرة إذا تعين الشفاء فيها، فأما التداوي بالمسكر فلا يجوز عندهم أيضاً، قال النووي في المجموع، شرح المهذب (٩: ٥٢): مذهبنا جواز التداوي بجميع النجاسات سوى المسكر ... ودليلنا حديث العرنيين، وهو في الصححين كما سبق، وهو محمول على شربهم الأبوال للتداوي، كما هو ظاهر الحديث وحديث: ((لم يجعل شفاءكم)) محمول على عدم الحاجة إليه، بأن يكون هناك ما يغني عنه، ويقوم مقامه من الأدوية الطاهرة، وقال البيهقي: هذان الحديثان إن صحا حُمِلا على النهي عن التداوي بالمسكر، وعلى التداوي بالحرام من غير ضرورة، للجمع بينها وبين حديث العرنيين)). وأما المالكية فمذهبهم في هذا الباب كمذهب الحنابلة، فإنهم لا يجوزون التداوي بالمحرم بحال، ويقول الإمام القرطبي في تفسيره من سورة البقرة (٢: ٢١٣): ((وإن كانت الميتة قائمة بعينها فقد قال سحنون: لا يتداوى بها بحال، ولا بخنزير، لأن منها عوضاً حلالاً، بخلاف المجاعة ... وكذلك الخمر لا يتداوى بها)) ويقول المواق في كتاب المباح من التاج والإكليل (٣: ٢٣٣): ((وأما التداوي بها (أي: بالخمر) فمشهور المذهب أنه لا يحل، وإذا قلنا. إنه لا يجوز التداوي بها ويجوز استعمالها للضرورة، فالفرق أن التداوي لا يتيقن البرء بها)). وأما الحنفية، فقد اختلفت أقوال علمائهم في المسألة فالمشهور عن أبي حنيفة رحمه الله أنه لا يجوز التداوي بالمحرم، ويقول الإمام السرخسي رحمه الله في باب الوضوء والغسل من المبسوط (١: ٥٤): ((وعلى قول أبي حنيفة رحمه الله لا يجوز شربه (يعني: بول ما يؤكل لحمه) للتداوي وغيره، لقوله ويتر: ((إن الله تعالى لم يجعل شفاءكم فيما حرم عليكم))، وعند محمد يجوز شربه للتداوي وغيره، لأنه طاهر عنده، وعند أبي يوسف يجوز شربه للتداوي لا غير، عملاً بحديث العرنيين)). ٢٦٣ كتاب: القسامة والمحاربين والقصاص والديات ويقول ابن نجيم في البحر الرائق (١: ١١٥): ((وقال أبو يوسف: يجوز للتداوي، لأنه لما ورد الحديث به في قصة العرنيين جاز التداوي به وإن كان نجساً ... ووجه قول أبي حنيفة أنه نجس، والتداوي بالطاهر المحرم، كلبن الأتان لا يجوز، فما ظنك بالنجس، ولأن الحرمة ثابتة، فلا يعرض عنها إلا بتيقن الشفاء؛ وتأويل ما روي في قصة العزنين أنه ظل عرف شفاءهم فيه وحياً، ولم يوجد تيقن شفاء غيرهم، لأن المرجع فيه الأطباء وقولهم ليس بحجة قطعية، وجاز أن يكون شفاء قوم دون قوم، لاختلاف الأمزجة، حتى لو تعين الحرام مدفعاً للهلاك الآن يحل، كالميتة والخمر عند الضرورة)). ولكن أكثر مشايخ الحنفية أفتوا بجواز التداوي بالحرام إذا أخبر طبيب حاذق بأن المريض ليس له دواء آخر، فقد قال ابن نجيم رحمه الله في البحر الرائق (١: ١١٦): ((وقد وقع الاختلاف بين مشايخنا في التداوي بالمحرم، ففي النهاية عن الذخيرة: ((استشفاء بالحرام يجوز إذا علم أن فيه شفاء، ولم يعلم دواء آخر اهـ))، وفي فتاوي قاضي خان معزياً إلى نصر ابن سلام، معنى قوله ظلّل: ((إن الله لم يجعل شفاءكم فيما حرم عليكم)) إنما قال ذلك في الأشياء التي لا يكون فيها شفاء، فأما إذا كان فيها شفاء فلا بأس به، ألا ترى أن العطشان يحل له شرب الخمر لضرورة. اهـ، وكذا اختار صاحب الهداية في التجنيس، فقال إذا سال الدم من أنف إنسان يكتب فاتحة الكتاب بالدم على جبهته وأنفه، يجوز ذلك للاستشفاء والمعالجة ولو كتب بالبول إن علم أن فيه شفاء لا بأس بذلك، لكنه لم ينقل. وهذا لأن الحرمة ساقطة عند الاستشفاء. ألا ترى أن العطشان يجوز له شرب الخمر والجائع يحل له أكل الميتة. اهـ)). وحاصل ما ذكره أن مشايخ الحنفية أفتوا بقول أبي يوسف رحمه الله في جواز التداوي فيما إذا لم يعلم الطبيب له دواء آخر. ولم أجد: هل اشترط الإمام أبو يوسف ذلك في مذهبه أولاً، والظاهر مما نقله السرخسي وابن نجيم أنه يرى جواز التداوي مطلقاً، ولكن المشايخ إنما اختاروا قوله في صورة خاصة، وهي إذا لم يعلم الطبيب دواء سوى ذلك. واستدل من حرم التداوي بالمحرمات بأحاديث متعددة: ١ - أخرج أبو داود في باب الأدوية المكروهة من كتاب الطب عن أبي الدرداء: ((قال رسول الله وَ ل: ((إن الله أنزل الداء والدواء، وجعل لكل داء دواء، فتداووا، ولا تتداووا بحرام)). ٢ - وأخرج أيضاً عن عبد الرحمن بن عثمان: ((أن طبيباً سأل النبي وَّر عن ضفدع يجعلها في دواء، فنهاه النبي ◌َّ عن قتلها)). ٣ - وأخرج عن أبي هريرة، قال: ((نهى رسول الله وَلاول عن الدواء الخبيث)). ٢٦٤ الجزء الثاني من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم فَصَحُوا. ثُمَّ مَالُوا عَلَى الرُّعَاةِ ٤ - وأخرج عن وائل بن حجر ظه: ((ذكر طارق بن سويد، أو سويد بن طارق سأل النبي ◌ّ ر عن الخمر، فنهاه، ثم سأله فنهاه، فقال له: يا نبي الله! إنها دواء، قال النبي ◌َّ: لا، ولكنها داء)) وأخرجه أيضاً ابن ماجه في الطب (رقم: ٣٥٠٠) والدارمي في الأشربة (٢: ٣٨، رقم: ٢١٠٢). ٥ - أخرج ابن حبان في صحيحه، قال: أخبرنا أحمد بن علي بن المثنى، حدثنا أبو خيثمة، حدثنا جرير، عن الشيباني، عن حسان بن مخارق، قال: قالت أم سلمة: ((اشتكت ابنة لي، فنبذت لها في كوز، فدخل رسول الله وَّ﴿ وهو يغلي، فقال: ما هذا؟ فقلت: إن ابنتي اشتكت، فنبذت لها هذا، فقال ◌َّ: إن الله لم يجعل شفاءكم في حرام)) وراجع موارد الظمآن للهيثمي، (ص: ٣٣٩، رقم: ٣٩٧). ٦ - وأخرج الطحاوي في باب ما يؤكل لحمه من شرح معاني الآثار قول عبد الله بن مسعود ربه: ((ما كان الله ليجعل في رجس أو فيما حرم شفاء))، وفي رواية أخرى عن أبي وائل، قال: ((اشتكى رجل منا، فنعت له السكر، فأتينا عبد اللّه، فسألناه، فقال: إن الله لم يجعل شفاءكم فيما حرم عليكم)) وهذا الأثر قد ذكره البخاري تعليقاً في الأشربة، باب شراب الحلواء والعسل. ٧ - وأخرج الطحاوي أيضاً عن عطاء، قال: قالت عائشة: ((اللهم لا تشف من استشفى بالخمر». ومن رأى جواز التداوي بالمحرم أجاب عن هذه الأحاديث بأنها محمولة على حالة الاختيار، يعني: إذا علم للمرض دواء آخر، وهذا الجواب قد اختاره العيني في عمدة القاري (١: ٢٩٠)، وشيخنا الأنور رحمه الله في فيض الباري (١: ٣٢٩)، والشيخ السهارنبوري في بذل المجهود (١٦: ١٩٩)، والشيخ البنوري في معارف السنن (١: ٢٧٨)، وكذلك الشيخ الكاندلوي في أماني الأحبار (٢: ١١٥)، وزاد عن ابن حزم: ((جاء اليقين بإباحة الميتة والخنزير عند خوف الهلاك من الجوع، فقد جعل تعالى شفاءنا من الجوع المهلك فيما حرم علينا في غير تلك الحال، ونقول: نعم، إن الشيء ما دام حرام ما علينا فلا شفاء لنا فيه، فإذا اضطررنا إليه فلم يحرم علينا حينئذ، بل هو حلال، فهو لنا حينئذ شفاء، وهذا ظاهر الخبر)). قوله: (فصحوا) وزاد الإسماعيلي في روايته عن ثابت: ((ورجعت إليهم ألوانهم)) كذا في الفتح. قوله: (ثم مالوا على الرعاء) بكسر الراء، جمع راع، كصاحب وصحاب، ووقع في بعض النسخ: ((الرعاة)) وهو جمع الراعي أيضاً، كقاض، وقضاة، وهما لغتان صحيحتان. أفاده النووي رحمه الله تعالى. ٢٦٥ كتاب: القسامة والمحاربين والقصاص والديات فَقَتَلُوهُمْ. وَارْتَدُّوا عَنِ الإِسْلاَمِ. وَسَاقُوا ذَوْدَ رَسُولِ اللّهِ وَهَ. فَبَلَغَ ذُلِكَ النَّبِيَّنَّهِ. فَبَعَثَ فِي إِثَرِهِمْ. وأخرج أبو عوانة في صحيحه من رواية معاوية بن قرة، عن أنس: ((فقتلوا أحد الراعيين، وجاء الآخر قد جزع، فقال: قد قتلوا صاحبي، وذهبوا بالإبل)) وذكر ابن إسحاق في المغازي أن اسم الراعي المقتول: (يسار) ورواه الطبراني موصولاً من حديث سلمة بن الأكوع بإسناد صالح، قال: ((كان للنبي (َّير غلام يقال له: يسار))، زاد ابن إسحاق: ((أصابه في غزوة بني ثعلبة)) قال سلمة: ((فرآه يحسن الصلاة، فأعتقه، وبعثه في لقاح له بالحرة، فكان بها)) فذكر قصة العرنيين أنهم قتلوه. كذا في فتح الباري (١: ٣٣٩). ثم الظاهر من حديث الباب أنهم قتلوا رعاة أكثر من واحد، والظاهر مما ذكرنا من الروايات، ومن الروايات الأخرى عند المصنف، وعند البخاري وغيره: أن المقتول كان واحداً، وهو يسار. فيحتمل أن يكون إبل الصدقة لها رعاة غير يسار، فقتل بعضهم مع يسار، فاقتصر بعض الرواة على يسار، لأنه كان راعي لقاح النبي ◌َّهر. ولكن رجح الحافظ في الفتح قول أصحاب المغازي إنهم لم يقتلوا إلا راعياً واحداً، وإنما ذكره راوي حديث الباب بالمعنى، فتجوز في الإتيان بصيغة الجمع، والله أعلم. قوله: (فقتلوهم) وذكر ابن سعد في طبقاته (٢: ٩٣) أن يساراً مولى رسول الله وملير قاتلهم في نفر، فقطعوا يده ورجله وغرزوا الشوك في لسانه. وعينيه، حتى مات رحمه الله تعالى ورضي اہے عنه . قوله: (وساقوا ذود رسول الله وَ ل*) يعني: إبله. والذود اسم جمع للإبل، وقد أخرج الواقدي في مغازيه (٢: ٥٧٠) من طريق ابن أبي سبرة، عن مروان بن أبي سعيد ابن المعلي رواية يؤخذ أنها كانت ست عشرة لقحة غزاراً، فنحروا منها واحدة يقال لها الحناء، فبقيت خمس عشرة لقحة ردت إلى النبي وَالر. قوله: (فبعث في إثرهم) وتفصيله ما أخرجه الواقدي في كتاب المغازي (٢: ٥٦٩) من طريق خارجة بن عبد اللّه، عن يزيد بن رومان، قال في حديثه: ((فبعث رسول الله وَّل في إثرهم عشرين فارساً، واستعمل عليهم كرز بن جابر الفهري فخرجوا في طلبهم حتى أدركهم الليل، فباتوا بالحرة وأصبحوا، فاغتدوا لا يدرون أين يسلكون؟ فإذا هم بامرأة تحمل كتف بعير. فأخذوها فقالوا: ما هذا معك؟ قالت: مررت بقوم قد نحروا بعيراً، فأعطوني. قالوا: أين هم؟ قالت: هم بتلك القفار من الحرة، إذا وافيتم عليها رأيتم دخانهم. فساروا حتى أتوهم حين فرغوا من طعامهم، فأحاطوا بهم فسألوهم أن يستأسروا، فاستأسروا بأجمعهم، لم يفلت منهم إنسان، فربطوهم، وأردفوهم على الخيل، حتى قدموا بهم المدينة، فوجدوا رسول الله وَل بالغابة، فخرجوا نحوه)). ٢٦٦ الجزء الثاني من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم فَأْتِيَ بِهِمْ. فَقَطَعَ أَيْدِيَهُمْ وَأَرْجُلَهُمْ. وَسَمَلَ أَعْيُنَهُمْ. وتسمى هذه السرية سرية كرز بن جابر الفهري. وبهذا الاسم يذكره أصحاب السير والمغازي، وذكر الواقدي عن بعض ولد سلمة بن الأكوع: أن سلمة بن الأكوع أخبره بعدة العشرين فارساً الذين كانوا في هذه السرية، فقال سلمة: أنا، وأبو رهم الغفاري، وأبو ذر، وبريدة بن الحصيب، ورافع بن مكيث، وجندب بن مكيث، وبلال بن الحارث المزني، وعبد الله بن عمرو بن عوف المزني، وجعال بن سراقة، وصفوان بن معطل، وأبو روعة معبد بن خالد الجهني، وعبد الله بن بدر، وسويد بن صخر، وأبو ضبيس الجهني. وذكر الحافظ في الفتح (١: ٣٤٠) عن مغازي موسى بن عقبة أن أمير هذه السرية سعيد ابن زيد أو سعد بن زيد الأشهلي، ثم جمع بين الروايات بأن ابن زيد الأشهلي كان رأس الأنصار، وكرز بن جابر كان أمير السرية بأجمعها، والله سبحانه أعلم. قوله: (فأتي بهم) وأخرج الواقدي (٢: ٥٧٠) عن يزيد بن رومان، قال: ((حدثني أنس بن مالك، قال: فخرجت أسعى في آثارهم مع الغلمان، حتى لقي بهم النبي ◌َّلر بالزغابة بمجمع السيول. فأمر بهم فقطعت أيديهم وأرجلهم، وسملت أعينهم، وصلبوا هناك. قال أنس: إني لواقف أنظر إليهم)). قوله: (وسمل أعينهم) قال الخطابي: ((السمل فقاء العين، بأي شيء كان، قال أبو ذؤيب الهذلي : سملت بشوك، فهي عور تدمع والعين بعدهم، كأن حداقها كذا في معالم السنن (٦: ٢٠٢)، وفتح الباري (١: ٣٤٠)، وقال ابن الأثير في جامع الأصول (٣: ٤٩١): ((سملت عينه: إذا فقئت بحديدة محماة)). وسيأتي في الرواية الآتية: ((وسمرت أعينهم)) والتسمير، والسمر: أن يحمى للعين مسامير الحديد، وتكحل بها ليذهب بصرها، كما في جامع الأصول. فأما قطع الأيدي والأرجل، فكان حداً للمحاربة، أو قصاصاً لما فعلوه بيسار مولى رسول الله ◌َ#، وأما سمل الأعين، فالجمهور على أنه كان قصاصاً، واستدلوا به على وجوب المماثلة في قصاص كل جناية. والحنفية على أنه لا قود إلا بالسيف، فيحملون حديث الباب على التعزير والسياسة، أو على أنه منسوخ بأحاديث النهي عن المثلة، ويدل على النسخ ما ذكره الترمذي في جامعه عن ابن سيرين أنه قال: ((إنما فعل النبي ◌َّ هذا قبل أن تنزل الحدود)). وسيأتي تفصيل الكلام على هذه المسألة في الباب الآتي إن شاء الله تعالى. وربما يعترض بعض ملاحدة عصرنا على هذه القصة بأن العقوبة التي عاقبهم النبي ◌ُالَّارُ بها قاسية جداً، ولكنك رأيت أن ما فعله العرنيون أقسى منه بكثير، وأبعد عن المروءة والإنسانية، ٢٦٧ كتاب: القسامة والمحاربين والقصاص والديات وَتَرَكَهُمْ فِي الْحَرَّةِ حَتَّى مَاتُوا . فإنهم لم يرتدوا عن الإسلام فحسب، وإنما جازوا رسول الله وَ ◌ّله وأصحابه على مننهم الجسيمة، مجازاة لا تتصور من إنسان يحمل قدراً أدنى من المروعة والإنسانية. إنهم أتوا رسول الله وَّل في حالة الجوع والهزال، والمرض والسقام، فآواهم ◌َّله وأطعمهم، ثم من عليهم بإرسالهم إلى إبل الصدقة، وأباح لهم ألبان لقاحه، وهيأ لهم كل ما يحتاجون إليه من غذاء صحي، وهواء لطيف، ودواء مفيد، وائتمنهم على رعاته وأمواله. ولكنهم ارتدوا عن الإسلام، وانتهبوا الإبل، وقتلوا راعي رسول الله وَّر دون أيّ ذنب منه، أو تقصير، وقطعوا يده ورجله، وسملوا عينه بأشواك. والحق أنهم كانوا يستحقون أقسى ما يكون من العذاب، ولكن رسول ال # لم يفعل بهم إلا مثل ما فعلوه براعي رسول الله وكيو، المعصوم المظار. فلا يقدح في إقامة مثل هذه العقوبة على مثل هؤلاء الضمة الطغاة، إلا من أعمته عداوة الإسلام والمسلمين. وليتنبه أن الشافعي رحمه الله قد أخرج في مسنده من طريق إبراهيم بن أبي يحيى، عن جعفر، عن أبيه، عن علي بن الحسين، قال: ((لا والله! ما سمل رسول الله وَّل عيناً، ولا زاد أهل اللقاح على قطع أيديهم، وأرجلهم)) راجع ترتيب مسند الشافعي للسندي (٢: ٨٦). ولكن في إسناده إبراهيم ابن أبي يحيى، المعروف بضعفه، وقد بسطنا عليه الكلام في باب تحريم الرجوع في الصدقة والهبة من كتاب الهبات. وذكرنا أن الشافعي كان يحسن الظن به، ثم هذا الحديث مرسل، لأن علي بن الحسين من التابعين. فلا يقاوم هذا الحديث ما ثبت عن الثقات في أحاديث موصولة قوية الإسناد، وظاهر أن المثبت مقدم على النافي، والله سبحانه أعلم. قوله: (وتركهم في الحرة) هي أرض ذات حجارة سود، معروفة بالمدينة. وإنما ألقوا فيها لأنها قرب المكان الذي فعلوا فيه ما فعلوا، كذا في فتح الباري. قوله: (حتى ماتوا) وإنما كانوا قد استحقوا عقوبة الإعدام بجنايتين: الحرابة، والارتداد فلنتكلم على أحكام هاتين الجنايتين، فإنهما هما المقصودتان بإيراد هذا الحديث في هذا الباب، والله سبحانه الموفق. أحكام الحرابة: الحرابة: هي قطع الطريق، وهو الخروج لأخذ المال على سبيل المغالبة، على وجه يمتنع المارة عن المرور، وينقطع الطريق، سواء كان القطع من جماعة، أو من واحد، بعد أن يكون له قوة القطع. ويشترط الحنفية والحنابلة أن يكون مع المحارب سلاح، أو ما هو في حكم السلاح، كالعصا، والحجر، والخشبة، ونحوها، ولكن المالكية والشافعية لا يشترطون ذلك، وإنما يكفي عندهم أن يعتمد المحارب على قوته، وأن يستعمل أعضاءه، كاللكز، والضرب بجمع الكف، بل يكتفي مالك بالمخادعة، والغيلة وسقي السكر، دون استعمال القوة. وراجع ٢٦٨ الجزء الثاني من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم بدائع الصنائع للكاساني (٧: ٩٠ و٩١) لمذهب الحنفية، والمغني لابن قدامة(١) (١٠: ٣٠٤). لمذهب الحنابلة، ومغني المحتاج للشربيني (٤: ١٨٠) لمذهب الشافعية، وشرح الدردير بحاشية الصاوي (٤: ٤٩٢) لمذهب المالكية، وفرق أبو يوسف رحمه الله بين الليل والنهار، فاشترط السلاح في النهار، ولم يشترطه في الليل واكتفى بالعصا والحجر، كما في البدائع (٧: ٩٢) وبه أفتى المتأخرون من مشايخ الحنفية كما في رد المحتار (٤: ٢٣٢) ومتن الدر المختار (٤: ٣٣٥) وعلله ابن عابدين بدفع شر المتغلبة المفسدين. وإن هذا التعليل يقتضي مزيد التوسعة في عصرنا المملوء بالفساد، فإنه قد اخترع المحاربون أساليب متنوعة للعدوان على المعصومين، مما لا يستعمل فيه سلاح بالنهار، ومع ذلك لا يتمكن المعتدى عليه من الاستغاثة، فلو قضى الإمام بقول الشافعية أو المالكية اليوم كان أولى لاستئصال المتمردين من قطاع الطرق. حكم الحرابة بدون قصد المال، واختطاف الطائرات: ثم مقتضى كتب الحنابلة أن الحرابة إنما تتحقق إذا كان الخروج بقصد أخذ المال، لا غير، والظاهر من كتب الشافعية والمالكية أنهم لا يشترطون ذلك، بل إذا كان الخروج للاعتداء على النفس من القتل، والإرهاب، ومنع سلوك المارة، كان ذلك حرابة أيضاً فقد عرفه الرملي الشافعي الصغير في نهاية المحتاج (٨: ٢) بقوله: ((هو البروز لأخذ مال، أو لقتل، أو إرهاب مكابرة اعتماداً على الشوكة مع البعد عن الغوث)). وعرفه الدردير المالكي رحمه الله في شرحه لمختصر خليل (٤: ٤٩١) بقوله: ((المحارب الذي يترتب عليه أحكام الحرابة قاطع الطريق، أي: مخيفها، لمنع سلوك، أي مرور فيها، ولو لم يقصد أخذ مال المارين، كانت الطريق في فلاة أو عمران)). ولم أجد هذه الصراحة في كتب الحنفية، وعبارات الفقهاء الحنفية في ذلك مجملة، ولكن مقتضى عبارة الدر المختار أن قطع الطريق يتحق بدون قصد المال، إذا أراد بذلك الاعتداء على معصوم، ونصه: ((من قصده (يعني: قطع الطريق) ولو في المصر ليلاً، به يفتى، وهو معصوم، على شخص معصوم، ولو ذمياً إلخ)) فإنه لم يشترط قصد أخذ المال. وقال الكاساني في البدائع (١) وليتنبه أن ابن قدامة ذكر مذهب أبي حنيفة أنه يشترط للحرابة أن يكون مع المحارب سلاح محدد، ومن كان معه عصا أو حجر لا يعد محارباً - وفيه تسامح، لأن الصحيح من مذهب أبي حنيفة ما ذكرنا عن البدائع. وكذلك تسامح ابن قدامة في نقله مذهب الشافعي أنه يشترط عنده أن يكون معه سلاح، أو عصا، أو حجر، فإن الصحيح من مذهبه أنه لا يشترط السلاح، وإنما تكفي القوة، قال الشربيني: ((لا يشترط في قاطع الطريق عدد، ولا ذكورة، ولا سلاح)) راجع مغني المحتاج ١٨٠/٤، وقال في الإقناع: ((وإن كان البارز واحداً، أو أنثى، أو بلا سلاح)) راجع حاشية البجيرمي على الخطيب ١٧٩/٤. ٢٦٩ كتاب: القسامة والمحاربين والقصاص والديات (٧: ٩٢) في دليل عقوبة قتلهم إذا قتلوا ولم يأخذوا المال: ((أنهم لما قتلوا، ولم يأخذوا المال أصلاً علم أن مقصودهم القتل: لا المال، والقتل جناية متكاملة في نفسها، فيجازى بعقوبة متكاملة ((فهذا يدل على أنهم إذا قصدوا القتل، ولم يقصدوا أخذ المال فإنهم محاربون عند الحنفية أيضاً، وهو الظاهر من إطلاق قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا جَزَاؤُا الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اَللَّهَ وَرَسُولَهُ, وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا﴾ [سورة المائدة، الآية: ٣٣] إلخ، فإنه لم يشترط فيه قصد أخذ المال. وإذا تقرر هذا، فالظاهر أن ما يفعله البعض في زماننا من اختطاف الطائرات داخل في حد الحرابة وقطع الطريق عند الشافعية والمالكية نصاً، وعند الحنفية استنباطاً، لأن أقل ما يقصده هؤلاء، هو التخويف، فينبغي أن تكون عقوبة ذلك عقوبة قطع الطريق، والله أعلم. هل يشترط في الحرابة أن تكون خارج مصر؟ ثم اشترط أبو حنيفة رحمه الله في حد قطع الطريق أن يقع قطع الطريق خارج مصر، فإن كان في المصر، فإنه ليس محاربة موجبة للحد، وهو قول الثوري، وإسحاق، وهو مختار الخرقي من الحنابلة، ومحمد بن الحسن من الحنفية. وحجتهم أن قطع الطريق إنما يكون خارج مصر، لأن من كان في المصر يلحق به الغوث غالباً، فتذهب شوكة المعتدين، ويكونون مختلسين، والمختلس ليس بقاطع، ولا حد عليه. ولم يشترط الشافعية والمالكية وأكثر الحنابلة كونهم خارج مصر، ولكن اشترطوا أن يكون المقطوع عليهم لا يرجون الغوث، إما لبعدهم عن المصر، أو لضعف السلطان، أو لأن قطاع الطريق منعوا عليهم الاستغاثة، حتى لو دخلوا داراً، ومنعوا أهلها من الاستغاثة كانوا قطاعاً للطريق، كما في مغنى المحتاج (٤: ١٨١)، وشرح الدردير مع حاشية الصاوي (٤: ٤٩١ و٤٩٢)، والمغني لابن قدامة (١٠: ٣٠٣). وأما أبو يوسف رحمه الله فلم يشترط شيئاً من ذلك، وقال: إنهم إذا قطعوا الطريق في المصر يقام عليهم الحد، لأن السبب قد تقرر، وهو أخذ المال والقتل على وجه المحاربة والمجاهرة، وجريمتهم بمباشرة ذلك في المصر أغلظ من جريمتهم بمباشرة ذلك في المفازة، لأن تغليظ الجريمة باعتبار المجاهرة، والاعتماد على ما لهم من المنعة، وهذا في المصر أظهر. كذا في مبسوط السرخسي (٩: ٢٠١). ثم قال السرخسي رحمه الله: ((وقد قال بعض المتأخرين: إن أبا حنيفة رحمه الله أجاب بذلك بناء على عادة أهل زمانه، فإن الناس في المصر، وفيما بين القرى كانوا يحملون السلاح مع أنفسهم، فثبت مع ذلك تمكن دفع القاصد من قطع الطريق، وأخذ المال، والحكم لا يُبتنى على نادر، وكذلك فيما بين الحيرة إلى الكوفة كان يندر ذلك لكثرة العمران، واتصال عمران ٢٧٠ الجزء الثاني من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم أحد الموضعين بالموضع الآخر. فأما اليوم فقد ترك الناس هذه العادة، وهي حمل السلاح في الأمصار، فيتحقق قطع الطريق في الأمصار، وفيما بين القرى موجباً للحد)). وعلى كل حال، فقد أفتى المتأخرون من الحنفية على قول أبي يوسف رحمه الله، كما حكاه ابن الهمام في فتح القدير (٤: ٢٧٥) عن شرح الطحاوي، وقال ابن نجيم في البحر الرائق (٥: ٦٧): ((وعليه الفتوى لمصلحة الناس))، وقال ابن عابدين في رد المحتار (٣: ٢٣٢) ((هو رواية عن أبي يوسف أفتى بها المشايخ دفعاً لشر المتغلبة المفسدين))، فلا يشترط اليوم لإقامة حد الحرابة أن يقع قطع الطريق خارج مصر، ولا أن يكون بسلاح، ولا أن يقصد أخذ المال، والله سبحانه وتعالى أعلم. عقوبة الحرابة: وأما عقوبة الحرابة، فتختلف باختلاف الأحوال، فإن أخذ المحاربون قبل أن يأخذوا مالاً أو يقتلوا أحداً، حبسوا بعد التعزير، حتى يتوبوا بظهور سيما الصلحاء عليهم، أو يموتوا . وإن أخذوا مالاً بقدر نصاب قطعت أيديهم وأرجلهم من خلاف، وإن قتلوا معصوماً ولم يأخذوا مالاً قتلوا حداً، لا قصاصاً، فلا يصح عفو الأولياء عنهم، ويستوي فيه القتل بالمثقل وبالمحدد . وإن قتلوا وأخذوا مالاً خُيّر الإمام، فإن شاء قطع أيديهم وأرجلهم من خلاف، ثم قتلهم أو صلبهم، أو فعل الثلاثة، أو قتل، وصلب، أو قتل فقط، أو صلب فقط وهذا مذهب الحنفية، كما فصله الزيلعي، وحكاه في الدر المختار. ومذهب الشافعية قريب من مذهب الحنفية، غير أنه يرى في الصورة الرابعة (وهي ما جمع فيه المحاربون بين أخذ المال والقتل) أنه لا تقطع فيها أيدي المحاربين وأرجلهم، وإنما يقتلون، ويصلبون، كما في مغني المحتاج (٤: ١٨٢). وأما المالكية فيوافقون الحنفية والشافعية في الصورة الثالثة فقط، (وهي إذا قتل المحاربون أحداً، ولم يأخذوا مالاً) بأن عقوبتهم القتل حداً، لا قصاصاً، وأما الصور الثلاثة الأخرى فيخير الإمام في جميعها بين أن يقتلهم، أو يجمع بين الصلب والقتل، أو يقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف. أو غربهم من البلاد بعد ضربهم تعزيراً. فيفعل فيما يرى المصلحة من هذه الحدود الأربعة نظراً إلى أحوال كل قضية، وراجع الدردير (٤: ٤٩٣ إلى ٤٩٥). وأما الحنابلة، فمذهبهم مذهب الشافعية، غير أنهم يقولون في الصورة الأولى (وهي إذا أخاف المحاربون السبيل، ولم يقتلوا، ولم يأخذوا مالاً) إنهم ينفون من الأرض بتشريدهم عن البلاد، ولا يتركون أن يأووا ببلد. كما في المغني لابن قدامة (١٠: ٣١٣). ٢٧١ كتاب: القسامة والمحاربين والقصاص والديات والأصل في هذا الباب قوله تعالى في سورة المائدة: ﴿إِنَّمَا جَزَاؤُا الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ. وَيَسْعَوْنَ فِى الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُواْ أَوْ يُصَلَّبُواْ أَوْ تُقَطَعَ أَيْدِ يهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلَفٍ أَوْ يُنْفَوْأْ مِنَ الْأَرْضَِّ﴾ [سورة المائدة، الآية: ٣٣]. فرأى الإمام مالك رحمه الله أن حرف (أو) في هذه الآية للتخيير، فترك للإمام الخيار في أن يوقع أية عقوبة من هذه العقوبات على أيِّ نوع من أنواع الحرابة، بحسب ما يراه ملائماً إلا أنه قيد التخيير في حالة القتل، فجعل الخيار بين القتل والصلب فقط، وحجته أن القتل أصلاً عقوبته القتل، فلا يعاقب عليه بالقطع، ولا بالنفي. وأما الجمهور من الحنفية، والشافعية، والحنابلة، فإنهم رأوا أن حرف (أو) في هذه الآية إنما جاء للبيان والتفصيل. وإنما تترتب العقوبات على قدر الجريمة. واستدل الجمهور بقول ابن عباس رضي الله عنهما في قطاع الطريق: إذا قتلوا، وأخذوا المال قُتِلوا وصُلبوا، وإذا قَتَلوا ولم يأخذوا المال قُتِلوا ولم يُصلبوا. وإذا أخذوا المال ولم يَقْتُلوا، قُطِعَتْ أيديهم وأرجلهم من خلاف. وإذا أخافوا السبيل، ولم يأخذوا مالاً نُفوا من الأرض)). أخرجه الشافعي رحمه الله في مسنده، وراجع ترتيب مسنده للسندي (٢: ٨٦)، وفي إسناده إبراهيم ابن أبي يحيى، وقد بسطنا الكلام عليه في كتاب الهبات، باب تحريم لرجوع في الصدقة، وذكرنا أن الشافعي كان يحسن فيه الرأي. ولكن أخرجه ابن جرير في تفسيره (٦: ١٢٢) من غير طريقه، فقال: ((حدثني محمد بن سعد قال: حدثني أبي، قال: حدثني عمي، قال: حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: ﴿إِنَّمَا جَزَاؤُا الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اَللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ (إلى قوله): ﴿أَوْ يُنْفَوْ مِنَ الْأَرْضِّ﴾، قال: إذا حارب فَقَتَل فعليه القَتْلُ إذا ظهر عليه توبته، وإذا حارب، وأخذ المال وقَتَل: فعليه الصلب إن ظهر عليه قبل توبته. وإذا حارب، وأخذ ولم يقتل: فعليه قطع اليد والرجل من خلاف إن ظهر عليه قبل توبته. وإذا حارب، وأخاف السبيل: فإنما عليه النفي)). وكذلك رواه ابن جرير عن أبي مجلز، وحصين، والحسن البصري، وإبراهيم النخعي، وقتادة ﴿ّ أجمعين. وراجع لتفصيل هذه المسألة ودلائلها إعلاء السنن ليخنا التهانوي رحمه الله (١١: ٧٢٠). وأما النفي من الأرض فقد فسره الجمهور بالحبس، لأن النفي عن وجه الأرض غير ممكن، وإلى بلدة أخرى استضرار بالغير، ومعلوم أن المراد بالنفي زجره عن إخافة السبيل، وكف أذاه عن المسلمين، فإن ذهب إلى بلد آخر من بلاد المسلمين لم ينقطع أذاه، وإن نفي إلى دار الحرب ففيه تعريض المسلم للردة، فتعين أن يكون المراد الحبس، لأن المحبوس منقطع عن الدنيا، ولذا قال صالح بن عبد القدوس حين حبسوه: ٢٧٢ الجزء الثاني من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم فلسنا من الأموات فيها ولا الأحيا خرجنا من الدنيا ونحن من أهلها عجبنا، وقلنا: جاء هذا من الدنيا إذا جاءنا السجان يوماً لحاجة كما في غرائب القرآن للنيسابوري، بهامش ابن جرير (٦: ٢٦)، وقد رجح ابن جرير الطبري أن يحبس في أرض نفي إليها فقال في تفسيره (٦: ١٢٧): ((لا سبيل إلى نفيه من الأرض إلا بحبسه في بقعة منها عن سائرها، فيكون منفياً حينئذ عن جميعها)) والله سبحانه وتعالى أعلم. ثم المعروف أن آية المائدة في المحاربين نزلت في العرنيين، وقد أخرج الطبري قصة العرنيين في سبب نزول هذه الآية، ورواه عن أنس، وجرير بن عبد الله البجلي، وسعيد بن جبير، وعبد الله بن عمر، أو عبد الله بن عمرو، والسدي، رحمهم الله تعالى ورضي عنهم، ورواه عبد الرزاق عن أبي هريرة أيضاً، كما في تفسير ابن كثير (٢: ٤٩). ولكن روى ابن جرير ٦: ١١٩ عن ابن عباس، قال: ((كان قوم من أهل الكتاب بينهم وبين النبي ◌َّلقر عهد وميثاق فنقضوا العهد، وأفسدوا في الأرض، فخير الله رسوله: إن شاء أن يقتل، وإن شاء أن يقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف)) وروي مثله عن الضحاك، وعكرمة، والحسن البصري رحمهم الله. ثم رجح ابن جرير هذا القول الثاني، وأن الآية نزلت بعد قصة العرنيين، فشملت قطاع الطريق من المسلمين وأهل الذمة جميعاً . وعلى كل حال، كان العرنيون داخلين في حكم الآية بالإجماع، سواء كانت الآية نزلت فيهم أو بعدهم، لأنهم قطعوا الطريق، وأخافوا السبيل، وأخذوا المال، وقتلوا راعي رسول الله وَّل، وقطع النبي وَل أيديهم وأرجلهم، وقتلهم، ففي ذلك دليل لمذهب أبي حنيفة رحمه الله أنه يجوز للإمام الجمع بين القطع والقتل على المحارب الذي جمع بين أخذ المال والقتل، والله سبحانه وتعالى أعلم. مسألة قتل المرتد: ثم قد يستدل بحديث الباب على أن عقوبة الارتداد هى القتل، ومن هذه الجهة ترجم المترجمون على حديث الباب: ((باب حكم المحاربين والمرتدين)). والصحيح أن العرنيين قد استحقوا القتل من جهتين: قطع الطريق، والارتداد، فيصح نسبة عقوبتهم إلى كلتا الجهتين. ولما صارت مسألة قتل المرتد من المسائل التي كثر فيها الشغب في عصرنا من جهة أهل الغرب ومن وافقهم، أردنا أن نشرح هذه المسألة بشيء من التفصيل، الله الموفق والمعين. إن مسألة قتل المرتد كلمة إجماع فيما بين المسلمين من لدن عصر الصحابة إلى يومنا هذا، ٢٧٣ كتاب: القسامة والمحاربين والقصاص والديات وقد أطبقت الفقهاء على أن الارتداد في دار الإسلام جريمة من الجرائم عقوبتها القتل، ولا نعلم لذلك مخالفاً من فقهاء الأمة وعلمائها؛ حتى جاء القرن الرابع عشر. فطعن أهل الغرب في هذا الحكم بأنه مضاد لمبدأ حرية التفكير، وحرية الاعتقاد. فحاول بعض المغرمين بالأفكار الغربية من المنتمين إلى الإسلام أن يدفعوا هذا الطعن، بإنكار أن تكون عقوبة المرتد القتل في الإسلام، كأن هذا الحكم وصمة في جبين الإسلام يريد هؤلاء أن يمحوها، والعياذ بالله العظيم، فألفوا من أجل ذلك مقالات ادعوا فيها أن الإسلام لم يجعل القتل عقوبة للارتداد، وإنما جعله جزاء للمحاربة والبغي. وجملة ما يتمسك بها هؤلاء تتلخص في أمور: الأول: قوله تعالى: ﴿لَآَ إِكْرَاهَ فِى الْدِيْنِ﴾ [سورة البقرة، الآية: ٢٥٦] يقتضي أنه كما لا يجوز إكراه الكافر على قبول الإسلام، لا يجوز إكراهه على بقائه في الإسلام أيضاً. والثاني: إن الأحاديث الواردة في قتل المرتد إنما تعني المرتد المحارب الباغي، دون المرتد الذي لا يحارب المسلمين. والثالث: إن الارتداد ليس جريمة قانونية في الدنيا، وإنما هو إثم عظيم يعاقب عليه في الآخرة، لأن الله تعالى لم يذكر لهم عقوبة في الدنيا، وإنما ذكر أنهم يعاقبون في الآخرة، لأن الله تعالى لم يذكر لهم عقوبة في الدنيا، وإنما ذكر أنهم يعاقبون في الآخرة، حيث قال: ﴿وَمَن يَرْتَدِدْ مِنكُمْ عَن دِينِهِ، فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُوْلَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِ الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ وَأُوْلَئِكَ أَصْحَبُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [سورة البقرة، الآية: ٢١٨]. فأما تمسكهم بقوله تعالى: ﴿لََّ إِكْرَاهَ فِ الذِينِ﴾ فالجواب عنه أن الآية إنما تبين حكم الكافر الأصلي أنه لا يجبر على الإسلام، ولا علاقة لها بإباحة الارتداد في شيء، ولذلك أعقبه الله سبحانه بقوله: ﴿فَمَن يَكْفُرْ بِلَّغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا أَنْفِصَامَ لَهَّأْ وَاللَّهُ سَمِيعُ عَلِيمٌ﴾ [سورة البقرة، الآية: ٢٥٦] فقد ذكر حكم من دخل الإسلام بعد ما كان كافراً، ولم يذكر حكم من رجع عن الإسلام، والعياذ بالله العظيم، فدل ذلك على أن سياق الآية إنما هو في إسلام الكافر الأصلي، وأنه لا يجبر على ذلك، ولو أسلم بطمأنينة قلبه فقد استمسك بالعروة الوثقي . وإن جميع الروايات التي وردت في سبب نزول هذه الآية ومصداقها تدل على صحة ما قلناه : فمنها: ما أخرجه أبو داود عن ابن عباس، قال: ((نزل هذا في الأنصار، كانت تكون المرأة مقلاتاً (وهي: التي لا يعيش لها ولد) فتجعل على نفسها إن عاش لها ولد أن تهوده؛ فلما ٢٧٤ الجزء الثاني من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم أجليت بنو النضير كان فيهم كثير من أبناء الأنصار، فقالوا: لا ندع أبناءنا (يعني: لا ندعهم على اليهودية، بل نجبرهم على الإسلام) فأنزل الله تعالى: ﴿لَّ إِكْرَاهَ فِ الذِينِّ قَد تَّبَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَّيَّ﴾ وفي رواية: ((إنما فعلنا ما فعلنا ونحن نرى أن دينهم أفضل مما نحن عليه، وأما إذا جاء الله بالإسلام، فنكرههم عليه، فنزلت: ﴿لَّ إِكْرَاهَ فِ الدِّينِ﴾: من شاء التحق بهم، ومن شاء دخل في الإسلام)). وقال النحاس: قول ابن عباس في هذه الآية أولى الأقوال لصحة إسناده، وأن مثله لا يؤخذ بالرأي. كذا في تفسير القرطبي (٣: ٢٨٠). ومنها: ما أخرجه ابن جرير في تفسيره (٣: ٩) من طريق سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: ((نزلت في رجل من الأنصار من بني سالم بن عوف يقال له الحسين، كان له ابنان نصرانيان. وكان هو رجلاً مسلماً، فقال للنبي ◌ّ: ألا أستكرههما؟ فإنهما قد أبيا إلا النصرانية، فأنزل الله فيه ذلك)). ومنها: ما أخرجه ابن أبي حاتم عن أسبق قال: كنت في دينهم مملوكاً نصرانياً لعمر بن الخطاب فكان يعرض عليّ الإسلام، فآبى، فيقول: لا إكراه في الدين، ويقول: يا أسبق! لو أسلمت لاستعنا بك على بعض أمور المسلمين)) كذا في تفسير ابن كثير (١: ٣١١). ثم إن هذه الآية ليست على عمومها بالإجماع، فإن الوثنيين والمجوس في جزيرة العرب لم يقبل منهم إلا الإسلام، أو السيف. ولو كانت الآية على عمومها لما جاز إجبارهم على الإسلام في جزيرة العرب. ومن هنا ذكر بعض المفسرين أن هذه الآية منسوخة بقوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا النَّبِىُّ جَهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَفِقِينَ﴾ [سورة التوبة، الآية: ٧٣]، وبقوله تعالى: ﴿وَقَائِلُوهُمْ حَّى لَا تَكُونَ فِثْنَةٌ﴾ [سورة البقرة، الآية: ١٩٣] وروي ذلك عن ابن مسعود، وكثير من المفسرين، كما في تفسير القرطبي (٣: ٢٨٠). ولعل مرادهم بكونها منسوخة أن عمومها مخصوص بقتال المشركين في جزيرة العرب. فكما أن عموم الآية مخصوص بقتال المشركين في الجزيرة، وقد بينه رسول الله وَ ليقول، فكذلك بين رسول الله ولو أنها لا تشمل المرتدين، والأحاديث في ذلك كثيرة نذكر جملة منها: الأحاديث الدالة على قتل المرتد ١ - أخرج البخاري في كتاب استتابة المرتدين، باب حكم المرتد (رقم ٦٩٢٢) من طريق عكرمة، عن ابن عباس مرفوعاً: ((من بدل دينه فاقتلوه) . ٢ - أخرج مالك في الأقضية من موطئه عن زيد بن أسلم مرسلاً: أن رسول الله وَلّم قال: ((من غير دينه فاضربوا عنقه)). ٣ - عن أبي موسى الأشعري رُه، قال: «قدم عليَّ معاذ، وأنا باليمين، ورجل كان ٢٧٥ كتاب: القسامة والمحاربين والقصاص والدیات ٠٠ يهودياً فأسلم، ثم ارتد عن الإسلام، فلما قدم معاذ قال: لا أنزل عن دابتي حتى يقتل. قال: كان قد استتيب قبل ذلك)) هذا لفظ أبي داود. وفي رواية البخاري في استتابة المرتدين، ورواية المصنف في كتاب الأمارة. ((فلما قدم عليه (يعني: قدم معاذ على أبي موسى) قال: انزل، وألقى له وسادة، وإذا رجل عنده موثق، قال: ما هذا؟ قال: هذا كان يهودياً، فأسلم، ثم راجع دينه دين السوء، فتهود، قال: لا أجلس حتى يقتل، قضاء الله ورسوله، فقال: اجلس، نعم. قال: لا أجلس حتى يقتل، قضاء الله ورسوله، ثلاث مرات، فأمر به فتتل)). . عن عبد الله بن مسعود رضيريه أن رسول الله و لو قال: ((لا يحل دم امرىء مسلم يشهد أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله، إلا بإحدى ثلاث: الثيب الزاني، والنفس بالنفس، والتارك لدينه، المفارق للجماعة)) أخرجه الجماعة، وسيأتي عند المصنف في باب ما يباح به دم المسلم . ٥ - عن أبي أمامة ابن سهل بن حنيف، عن عثمان بن عفان، أشرف يوم الدار، فقال: ((أنشدكم بالله، أتعلمون أن رسول الله ٹێ قال: ((لا يحل دم امریء مسلم إلا بإحدى ثلاث: زنا بعد إحصان، أو كفر بعد إسلام، أو قتل نفس بغير حق، فيقتل به))، فوالله ما زنيت في جاهلية ولا إسلام، ولا ارتددت منذ بايعت رسول الله وَله، ولا قتلت النفس التي حرم الله)) أخرجه الترمذي في الفتن، باب ما جاء لا يحل دم امرىء إلا بإحدى ثلاث، (رقم: ٢١٥٩)، والنسائي في تحريم الدم، باب ذكر ما يحل به دم المسلم؛ وأبو داود في الديات باب الإمام يأمر بالعفو في الدم، (رقم: ٤٥٠٢)، وإسناده صحيح. ٦ - عن جرير رُه، قال: سمعت النبي ◌َّله يقول: ((إذا أبق العبد إلى الشرك فقد حلَّ دمه)) أخرجه أبو داود في كتاب الحدود، باب الحكم فيمن ارتد، (رقم: ٤٣٦٠)، وسكت عليه هو، والمنذري في تلخيصه. ٧ - عن معاوية بن حيدة ربه، قال: قال رسول الله وَلقول: ((من بدل دينه فاقتلوه)) رواه الطبراني، ورجاله ثقات، كما صرح به الهيثمي في مجمع الزوائد (٦: ٢٦١). ٨ - عن أبي هريرة ◌ُله أن رسول الله وَلّ قال: ((من بدل دينه فاقتلوه)) رواه الطبراني في الأوسط، وإسناده حسن، كما في مجمع الزوائد (٦: ٢٦١). ٩ - عن عصمة، قال: قال رسول الله وَالر: ((من بدل دينه فاقتلوه)) رواه الطبراني، وفيه الفضل بن المختار، وهو ضعيف كما في مجمع الزوائد، غير أنه مؤيد بما ذكرنا من الأحاديث. ١٠ - عن عبد الرحمن بن ثوبان: أن رسول الله صل﴿ قال في خطبته: «إن هذه القرية، يعني ٢٧٦ الجزء الثاني من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم المدينة، لا يصلح فيها قبلتان، فأيما نصراني أسلم، ثم تنصر، فاضربوا عنقه)) قال الهيثمي: رواه الطبراني، وفيه من لم أعرفه ولكن مفهومه معتضد بما ذكرنا من الأحاديث. ١١ - عن ابن عباس، قال: ((كان عبد الله بن سعد بن أبي السرح يكتب لرسول الله وَل، فأزله الشيطان، فلحق بالكفار، فأور به رسول الله وَّ ر أن يقتل يوم الفتح، فاستجار له عثمان بن عفان، فأجاره رسول الله (صَ ل)) أخرجه أبو داود، (رقم: ٤٣٥٨) وقال المنذري في تلخيصه: ((في إسناده علي بن الحسين بن واقد، وفيه مقال، وقد تابعه عليه علي بن الحسين بن شقيق، وهو من الثقات)). وكان سبب استجارته أنه تاب من ردته، ورجع إلى الإسلام، كما هو مصرح في ما أخرجه أبو داود نفسه عن سعد، قال: ((لما كان يوم فتح مكة اختبأ عبد الله بن سعد بن أبي سرح عند عثمان بن عفان، فجاء به، حتى أوقفه على النبي وَلِّ، فقال: يا رسول الله! بايع عبد اللّه، فرفع رأسه، فنظر إليه ثلاثاً، كل ذلك يأبي، فبايعه بعد ثلاث، ثم أقبل على أصحابه، فقال: أما كان فيكم رجل رشيد يقوم إلى هذا حين رآني كففت يدي عن بيعته، فيقتله، فقالوا: ما ندري یا رسول الله! ما في نفسك. ألا أومأت إلينا بعينك؟ قال: إنه لا ينبغي لنبي أن تكون له خائنة الأعين)). قال المنذري: ((وفي إسناده إسماعيل بن عبد الرحمن السدي، وقد أخرج له مسلم، ووثقه الإمام أحمد، وتكلم فيه غير واحد)) كذا في تلخيص أبي داود للمنذري (٦: ١٩٨، رقم: ٤١٩٣). ١٢ - عن حارثة بن مضرب ظه: ((أنه أتى عبد اللّه - يعني ابن مسعود - بالكوفة، فقال: ما بيني وبين أحد من العرب حنة، وإني مررت بمسجد لبني حنيفة، فإذا هم يؤمنون بمسيلمة، فأرسل إليهم عبد اللّه، فجيىء بهم، فاستتابهم، غير ابن النواحة، قال له: سمعت رسول الله وليه يقول لك: لولا أنك رسول لضربت عنقك، فأنت اليوم لست برسول، فأمر قرظة بن كعب - وكان أميراً على الكوفة - فضرب عنقه في السوق، ثم قال: من أراد أن ينظر إلى ابن النواحة، فلينظر إليه قتيلاً بالسوق)) أخرجه أبو داود في الجهاد، باب في الرسل، (رقم: ٢٧٦٢)، وإسناده حسن قد سكت عليه أبو داود والمنذري، وأخرجه النسائي أيضاً. ١٣ - عن عكرمة، قال: ((أتى علي ◌َُّله بزنادقة، فأحرقهم، فبلغ ذلك ابن عباس، فقال: لو كنت أنا لم أحرقهم لنهي رسول الله وَيقر، قال: لا تعذبوا بعذاب الله، ولقتلتهم، لقول رسول الله وَله: ((من بدل دينه فاقتلوه)) أخرجه البخاري في استتابة المرتدين، باب حكم المرتد والمرتدة. وفي الجهاد، باب لا يعذب بعذاب الله، وأخرجه الترمذي في الحدود. باب ما جاء في المرتد، (رقم: ١٤٥٨)، وأبو داود في الحدود، باب الحكم فيمن ارتد، (رقم: ٤٣٥١)، والنسائي في تحريم الدم، باب الحكم في المرتد، وأحمد في مسنده (١: ٢٨٢). ٢٧٧ كتاب: القسامة والمحاربين والقصاص والديات ١٤ - عن أنس بن مالك ظبه، قال: ((إن رسول الله وَ﴾ دخل عام الفتح، وعلى رأسه المغفر. فلما نزعه جاء رجل، فقال: إن ابن خطل متعلق بأستار الكعبة، فقال: اقتلوه)) أخرجه الشيخان وغيرهما. وهذا لفظ البخاري في جزاء الصيد، (رقم: ١٨٤٦). وكان سبب قتله ما ذكره ابن إسحاق، قال: ((وعبد الله بن خطل رجل من بني تميم بن غالب، وإنما أمر بقتله؛ أنه كان مسلماً، فبعثه رسول الله وَلتر مصدقاً، وبعث معه رجلاً من الأنصار، وكان معه مولى يخدمه، وكان مسلماً، فنزل منزلاً، وأمر المولى أن يذبح له تيساً، فيصنع له طعاماً، فنام، فاستيقظ ولم يصنع له شيئاً، فعدا عليه، فقتله، ثم ارتد مشركاً، وكانت له قينتان: فرتنى وصاحبتها، وكانتا تغنيان بهجاء رسول الله وَله، فأمر رسول الله بَل بقتلهما معه)» كذا في سيرة ابن هشام، مع الروض الأنف للسهيلي (٢: ٢٧٣). ولا يمكن أن يكون قتل ابن خطل قصاصاً لمن قتله، لما ذكره ابن تيمية رحمه الله في الصارم المسلول (ص: ١٣٦) أن المقتول كان من خزاعة، وله أولياء: ((فكان حكمه لو قتل قوداً أن يسلم إلى أولياء المقتول، فإما أن يقتلوا، أو يعفوا، أو يأخذوا الدية)) ثم ذكر ابن تيمية رحمه الله أنه لم يقتل لمجرد الردة، لأن المرتد يستتاب، وإنما قتل لأجل سب النبي ◌َالقر وهجائه، ولكن اعترض عليه الحافظ في فتح الباري (٤: ٦٢) بأن ابن خطل كان حربياً، (وحَدُّ سَبِّ النبي ◌َّ﴿ إنما يقام على مسلم، أو ذمي)، فتعين أن يكون قتله من أجل ارتداده، وأما عدم استتابته، فإن وجوب استتابة المرتد مختلف فيه، والظاهر عندي أن استتابة المرتد، وإن كان واجباً، ولكن إذا انضم إليه سب النبي وَّر وهجائه، سقط هذا الوجوب، فمن أجل ذلك لم ينظر ابن خطل، ولا استتيب قبل قتله، ولذلك يقول ابن تيمية رحمه الله في الصارم المسلول (ص: ١٣٦): ((وصوابه أنه كان مرتداً بلا خلاف بين أهل العلم بالسير، وحتم قتله بدون استتابة مع كونه مستسلماً منقاداً قد ألقى السلم كالأسير، فعلم أن من ارتد وسب يقتل بلا استتابة، بخلاف من ارتد فقط)). ١٥ - عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده قال: ((كتب عمرو بن العاص إلى عمر يسأله عن رجل أسلم، ثم كفر، ثم أسلم، ثم كفر، فعل ذلك مراراً أيقبل منه الإسلام؟ فكتب إليه عمر: (اقبل منهم ما قبل الله منهم، اعرض عليه الإسلام، فإن قبل وإلا اضرب عنقه) أخرجه مسدد، كذا في المطالب العالية (٢: ١١٢ رقم: ١٨٠١). ١٦ - عن قابوس بن المخارق، عن أبيه، قال: (كتب محمد بن بكر إلى علي بن أبي طالب يسأله عن مسلمين تزندقا، وعن مسلم زنى بنصرانية، وعن مكاتب مات وترك بقية من كتابته، وترك ولداً أحراراً، فكتب إليه علي: أما اللذان تزندقاً، فإن تابا، وإلا اضرب أعناقهما إلخ) أخرجه ابن حزم في المحلى (١١: ١٥٨) من طريق عبد الرزاق، عن الثوري، عن سماك ٢٧٨ الجزء الثاني من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم بن حرب، عن قابوس. وأعله ابن حزم بسماك. وزعم أن قابوس بن المخارق مجهول، ولكن كليهما من رجال مسلم، وراجع التهذيب (٤: ٣٤٠ و٧: ٣٠٦)، فالحديث صحيح على شرط مسلم، كما صرح به شيخنا في إعلاء السنن (١١: ٥٥٤). ١٧ - عن أبي عبد الرحمن السلمي، عن علي، قال: شرب نفر من أهل الشام الخمر، وعليهم يومئذ يزيد بن أبي سفيان، وقالوا: هي حلال، وتأولوا: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الظَّلِحَتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُواْ﴾ [سورة المائدة، الآية: ٩٣] الآية فكتب عمر: أن ابعث بهم إليَّ قبل أن يفسدوا من قِبَلَك، فلما قدما على عمر استشار فيهم الناس، قالوا: يا أمير المؤمنين! نرى أنهم قد كذبوا على ابنه وشرعوا في دينهم ما لم يأذن به الله، فاضرب أعناقهم، وعليّ ساكت، فقال: ما تقول يا أبا الحسن فيهم؟ قال: أى أن تستتيبهم، فإن تابوا صربتهم ثمانين ثمانين لشربهم الخمر، وإن لم يتوبوا ضربت أعناقهم، فإنهم كذبوا على الله، وشرعوا في دينهم ما لم يأذن به الله، فاستتابهم، فتابوا، فضربهم ثمانين ثمانين) أخرجه الطحاوي في شرح معاني الآثار (٢ : ٧٦) باب حد الخمر. هل يمكن حمل هذه الأحاديث على الباغي: وقد تأول بعض الناس في هذه الأحاديث من أنها محمولة على الباغي المحارب، فليس الارتداد بمجرده موجباً لعقوبة القتل، وإنما يكون موجباً لذلك إذا انضم معه البغي والمحاربة. ولكن هذا التأويل منهم فاسد لوجهين: ١ - قدمنا الأحاديث التي تدل على إباحة دم المرتد. وليس في أحد منها ما يقيد إباحة دمه بالبغي والمحاربة، وإن أصرح حديث في ذلك هو الحديث الأول: ((من بدل دينه فاقتلوه)) وليس فيه أدنى ما يشير إلى البغي والمحاربة، وكيف يمكن أن يسكت النبي ◌َّر عن السبب الحقيقي للقتل؛ ويذكر ما ليس له دخل في إيجاب هذه العقوبة المتناهية؟ وقد تقرر في موضعه أنه كلما حكم المرء على اسم مشتق، فإن مادة اشتقاقه تكون علة لذلك الحكم، يدور الحكم عليها، كما في قوله تعالى: ﴿ وَالسَارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَقْطَعُواْ أَيَدِيَهُمَا﴾ [سورة المائدة، الآية: ٣٨] حكم الله سبحانه بقطع الأيدي على السارق والسارقة، وهما اسمان مشتقان، فتكون مادة اشتقاقهما وهي السرقة، مداراً لحكم القطع، وعلة له وهل يقول عاقل: إن علة قطع يديه إنما هي شيء آخر غير السرقة؟ فكيف يقول عاقل إن سبب القتل في قوله علا: ((من بدل دينه فاقتلوه)) شيء آخر غير تبديل الدين؟ ثم رأيت في الحديث الثالث، حديث أبي موسى الأشعري، رُه، أن الرجل المرتد لم يذكر له أبو موسى جريمة سوى أنه تهود بعد إسلامه، ولو كان باغياً لذكر ذكل، وكيف يكون الرجل باغياً بوحده، ليس معه قوة ولا منعة؟ ٢٧٩ كتاب: القسامة والمحاربين والقصاص والديات بالحق الذي لا مجال لرده أنه لم يرتكب البغي، وإنما ارتكب جريمة الارتداد، ثم لم أخبر معاذ ظُه بارتداده، فإنه لم يسأل أبا موسى ربه عن شيء آخر، وأنه هل ارتكب البغي مع الارتداد أو لا، وإنما حكم بقتله بمجرد الاطلاع على ارتداده، وذكر أن قتل المرتد قضاء الله ورسوله، بما يظهر منه أن وجوب قتل المرتد كان أمراً شائعاً معروفاً بين الصحابة دون أية شبهة . ٢ - إن البغي والمحاربة جريمة مستقلة موجبة لإهدار الدم، سواء كان معه ارتداد أو لا، بإن لم يكن الارتداد بمجرده مبيحاً للدم، فلا معنى لذكره في سياق ما يوجب القتل. وإن أكبر ما يستدل به هؤلاء: هو قوله لفظلا في الحديث الرابع، حديث ابن مسعود قاته : ((التارك لدينه، المفارق للجماعة))، قالوا: إن هذا الحديث لم يجعل ترك الدين بمجرده سبباً لإباحة دم الإنسان إلا إذا انضم معه مفارقة الجماعة، وهو البغي والمحاربة. ولكن هذا الاستدلال باطل، لأنه لو كان المقصود من مفارقة الجماعة في هذا الحديث هو البغي والمحاربة لكان ذكره كافياً في موجبات إهدار الدم، ولم يكن حينئذ لذكر الارتداد معنى. لأن البغي لا يحتاج في كونه مبيحاً للقتل إلى أن ينضم معه الارتداد، وإنما يكفي بمجرده في كونه سبباً لإهدار الدم، فلما ذكر معه الارتداد علم أنه هو السبب المقصود في إباحة القتل ههنا . وأما مفارقة الجماعة، فليس المراد منه البغي والمحاربة، وإنما المراد مفارقة جماعة المسلمين في عقيدتهم، فقوله عظَّلا: ((المفارق للجماعة)) صفة كاشفة، أو مؤكدة لقوله: ((التارك لدينه)). وإنما لم يذكر البغي والمحاربة في هذا الحديث عند تعداد موجبات القتل، لأن المقصود في هذا الحديث بيان الجرائم المبيحة للقتل التي يرتكبها الرجل بانفراده في حاله الأمن، وأما البغي فلا علاقة له بأحكام أيام السلم والأمن، وإنما يتعلق بالحرب والجهاد، ثم لا يرتكبه الجاني بانفراده، وإنما يرتكبه مع جماعة لها قوة ومنعة، فلذلك لم يذكر في هذا الحديث، والله أعلم. وأما قولهم إن الارتداد ليس جريمة قانونية في الدنيا، لأن الله تعالى لم يذكر معه عقوبة دنيوية. وإنما ذكر عقوبة الآخرة، فباطل بالبداهة، لأن شرب الخمر لم يذكر معه في القرآن جزاءً في الدنيا، ولكن لا يستلزم ذلك أن لا يكون جريمة قانونية، لأن رسول الله وَلّ أقام الحد على شارب الخمر، وأمر بجلده، فكذلك الارتداد، لم يذكر القرآن عليه عقوبة في الدنيا، ولكنها ثابتة بأقوال رسول الله وَالله وأفعاله . والحق أن جميع الذنوب والآثام، إذا ثبت كونها ذنباً، جاز للحاكم أن يقيم عليها عقوبة في الدنيا، ولا شك أن الارتداد من أكبر الكبائر، فلا مانع من كونه جريمة قانونية ما لم يعارضه نص، وقد ذكرنا أن النصوص تدل على كونه جريمة قانونية، فضلاً عن كونها مانعة لذلك. وأما قولهم: إن قتل المرتد معارض لمبدأ حرية التفكير، فليس مبدأ حرية التفكير من ٢٨٠ الجزء الثاني من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم ٤٣٣٠ - (١٠) حدّثنا أَبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ الصَّبَّاحِ وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ (وَاللَّفْظُ لأَبِي بَكْرٍ) قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ عُلَيَّةَ، عَنْ حَجَّاجِ بْنِ أَبِي عُثَّمَانَ. حَدَّثَنِي أَبُو رَجَاءٍ مَوْلَى أَبِي قِلاَبَةَ، عَنْ أَبِي قِلاَبَةَ. حَدَّثَنِي أَنَسٌ؛ أَنَّ نَفَراً مِنْ عُكْلٍ، ثَمَانِيَةً، قَدِمُوا عَلَى رَسُولِ اللّهِ وَلّهِ. فَبَايَعُوهُ عَلَى الإِسْلاَمِ. فَاسْتَوْخَمُوا الأَرْضَ وَسَقُمَتْ أَجْسَامُهُمْ. فَشَكَوْا ذُلِكَ إِلَى رَسُولِ اللهِ وَهِ. فَقَالَ: ((أَلاَ تَخْرُجُونَ مَعَ رَاعِينَا فِي إِلِهِ فَتُصِيبُونَ مِنْ أَبْوَالِهَا وَأَلْبَانِهَا؟)) فَقَالُوا: بَلَى. فَخَرَجُوا فَشَرِبُوا مِنْ أَبْوَالِهَا وَأَلْبَانِهَا. فَصَحُوا. فَقَتَلُوا الرَّاعِيَّ وَطَرَدُوا الإِبِلَ. فَبَلَغَ ذُلِكَ رَسُولَ اللَّهِ بَ. فَبَعَثَ فِي آثَارِهِمْ. فَأَذْرِكُوا. فَجِيءَ بِهِمْ. فَأَمَرَ بِهِمْ الدلائل الشرعية في شيىء، ولا يقر الإسلام بالحرية المطلقة للتفكير، وإنما يقيدها بحدود شرعية لا يجوز التجاوز عنها. ولو كانت هذه الحرية مطلقة لجاز لمن يعتقد جواز الزنا أن لا يعاقب على ارتكابه، ولمن يعتقد جواز السرقة من الأغنياء أن لا تقطع يده. والعجب من هؤلاء الذين يعترفون بأن البغي مبيح لقتل الباغي، مع أن ذلك معارض أيضاً لمبدأ الحرية المطلقة للتفكير، لأن كثيراً من البغاة إنما يخرجون على إمامهم لأسباب نظرية، ويعتقدون محاربته من واجبهم الديني، ويزعمون طاعة الإمام معصية، فإجبارهم على طاعة الإمام معارض لحرية التفكير. والحق أن حرية التفكير لا بُدَّ لها من قيود، وإلا لجاز كل منكر وفساد في الدنيا، ولصار الأمر فوضى، وهذا أمر معقول لا ينكره أحد، فبقي الكلام في تعيين تلك الحدود والقيود، فإما أن نكلها إلى عقلنا المجرد، وإما أن نفوض تعيينها إلى الوحي الإلهي ولا شك أن الطريق الأول معرض للأخطاء، والأوهام، والظلم، والجور، ولا يستطيع العقل الإنساني أن يجمع الناس جميعاً على مبدأ واحد، لتفاوت عقول الناس. فتعين أن نفوضه إلى الوحي الإلهي، وإن سنة الرسول وَ﴿ قد قيدت حرية التفكير بمنع الارتداد، وجعله جريمة مبيحة لدم الإنسان، فليكن التعويل عليه، دون المبادىء المبهمة التي لا تستقر على شيء، والله سبحانه وتعالى أعلم. ١٠ - (٠٠٠) - قوله: (محمد بن الصباح) بتشديد الباء. كما في المغني، وهو البغدادي البزاز، من رواة الجماعة، وثقه الجميع، أخرج عنه البخاري اثنا عشر حديثاً، ومسلم عشرين، كما في التهذيب (٩: ٢٣١). قوله: (حجاج بن أبي عثمان) يعني الصواف الكندي، مولاهم، البصري، من رواه الجماعة، وثقه الجميع، وهو من أثبت أصحاب يحيى بن أبي كثير، مات (سنة: ١٤٣هـ)، كذا في التهذيب (٢ : ٢٠٣). قوله: (حدثني أبو رجاء) اسمه سلمان الجرمي البصري، ذكره ابن حبان في الثقات، ووثقه العجلي، وإنما أخرجوا له هذا الحديث الواحد، وراجع التهذيب (٤: ١٤٠).